← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العليل، ولكن لا نكاد نجد منه في المجلة شيئاً يُذكَر. وأنتم ترون هذه الآفات تفتك بأخلاق أبنائنا وتجعل من بعضهم -وهم رجال الزمن الآتي وعماد صرحه- عنصراً ثالثاً، فيه لين وضعف ويختلف عن عنصرَي البشر المعروفَين! وترون هذه العادات السيئة تهدم علينا المدرسة الأولى، مدرسة الأم، وتجعلها عاملاً على الفساد وغرس بذور الشر في نفوس النشء! وترون هذا التدهور العلمي المريع في إخواننا المعلمين، حيث ينصرف أكثرهم عن المطالعة والدرس ويودّعهما وداعاً لا لقاء بعده من يوم يودّع المدرسة، فلا تمر عليه سنة بعد ذلك إلا ازداد فيها جهلاً ... هذا كله نراه عياناً ونحس خطره، ثم لا نحرك قلماً في نقده وبيان علاجه؟ وأما النوع الأول فهو ركن التربية، بل ركن الحياة؛ وهو التربية الوطنية والدينية. وإن من آكد الواجبات على المشرفين على الحركة التعليمية في هذا البلد، من رجال العلم ورجال الأمر، أن يعتنوا بها ويرفعوا من شأنها، ويجعلوها المبدأ الذي عنه يَصدرون والغاية التي إليها يسعون. التربية الدينية والوطنية هي التي تحفظ لنا كياننا قائماً، وتجعل منا أمة حية متماسكة البنيان ثابتة الدعائم. وأعني بها تلك التي تحل فيها الحقائق الوطنية والدينية المحل الأول، وتكون الغاية منها إخراج رجال صِلاب يصلب بهم صرح الوطن، لا رجال مائعين يذوبون في فكرة الإنسانية. ولست أنكر أن فكرة الإنسانية من أجمل السخافات وأحلاها، ولكنها لا تخرج عن أنها سخافة. «الإنسان أخو الإنسان»؟ كلام

стр. 282

حلو، ولكن هل له من حقيقة؟ النحّاس (رئيس وزراء مصر) أخو السير بيرسي لورين؟ غاندي أخو الملك جورج؟ الشيخ أمين الحسيني أخو اللورد بلفور؟ أنا أو أنت يا صديقي القارئ المسكين أخو الكونت دومارتيل؟! (١) ليس في الدنيا فكرة إنسانية ما دام القائلون بها كذلك الذي كان يذبح العصافير في يوم بارد، فقال عصفور (رأيه كرأي بعض إخواننا): أما ترى شفقة هذا الإنسان وبكاءه علينا؟ فقال الآخر: ويحك، لا تنظر إلى الدموع في عينيه، بل انظر ما تصنع يداه! وليس في الدنيا فكرة علمية في التربية والتاريخ، وكبارُ العلماء يدوسون أقدس شيء في هذه الفكرة ليصلوا إلى تحقيق مأرب وطني. ومهما يكن من أمر الإنسانية والعلم ودخلهما في التربية فإنهما لا تغنيان عنّا من الحياة شيئاً، فيجب أن نحيا أمةً مستقلة قوية قبل كل شيء. ولا حياة لنا إلا إذا ارتكزت برامجنا في التربية والتعليم على مبدأين عظيمين: الله والشعب، أي الدين والتاريخ، حتى لا يكون في هذه البرامج بحث أو كلمة تخالف الدين أو تُضعف أثره في نفس صاحبه، ولا يكون في المعلمين معلم واحد يعمل على هذه المخالفة أو هذا الإضعاف، ولا يكون فيها صفحة واحدة من تاريخ أجنبي -مهما كان هذا التاريخ- إلا بعد أن نحيط

стр. 283

بتاريخ أمتنا كله ونفقهه حق الفقه، وأن تكون رواية هذا التاريخ بأسلوب يبعث الفخر بمواقفه الظاهرة والتأثر بمآسيه، وأن تُشرَح فيه عظمة العلماء شرحاً يجعل منهم في نظر التاريخ مصابيح للإنسانية خالدة وينقش أسماءهم على صفحات قلبه. * * * هذا ما أرجو أن تعنى به مجلة المعلمين والمعلمات، أنشره موجزاً، وأرقب من الأساتذة الأجلاء القائمين عليها رأيهم فيه. * * *

стр. 284

نصائح لمن كان يتعلم الوطنية نشرت سنة ١٩٣٣ (١) أنا أتناول موضوعاً بالدرس والبحث، لا أشخاصاً بالسباب والمهاترة. وما كان السباب خلقاً صالحاً ولا وسيلة لبلوغ الغايات صالحة، ولا يصبح المرء ظافراً إذا شتم وسبّ ولكن إذا دلّلَ وأثبت. ثم إن النصيحة إذا صدرت عن الإخلاص المجرَّد ولم يكن مبعثها رهبة ولا رغبة (وهذا ما نرجو الله أن يهبه لنا) فإنها لا تخرج عن واحد من أمرين: إما أن تكون نافعة معقولة، وإذن فعلى العاقل قبولها شاكراً، وإما أن يكون الناصح قد أخطأ في اجتهاده فكانت سيئة ضارة، وإذن فتُرَدّ ويُشكَر صاحبها على إخلاصه واجتهاده. وقد جعلت العنوان «نصائح لمن كان يتعلم الوطنية» حتى يبقى قاصراً على هؤلاء الشبّان من طلاب وغير طلاب، الذين لا نشك اليوم في إخلاصهم ولكنّا نشك في صحة فهمهم معنى

стр. 285

الوطنية. ولا يلزم نصحنا لهم أن نكون خيراً منهم أو أعقل، لا، فما نريد الآن أن ندّعي شيئاً من هذا، وما نريد إلا الإصلاح ما استطعنا. * * * ويحسن بنا -قبل أن نتوغل في الموضوع- أن نتساءل: ما هي الوطنية؟ أهي كل عمل ينفع الأمة ويعود على الوطن بالخير والفائدة، أم هي قاصرة على الانتساب لحزب من الأحزاب وعلى الصياح والتهليل والهتاف؟ هنا تبدأ مسألتنا: فعلى الرغم من صحة الرأي الأول نجد أن الثاني -على فساده- هو المعروف بيننا، الذي يقرّه الناس بأفعالهم وإن لم يكن هناك من يجرؤ على الدفاع عنه وتأييده، بل ربما سعوا إلى البراءة منه. غير أننا نُثبت سَلَفاً أن الناس يفهمون الوطنية هذا الفهم المقلوب بما نجده من احترامهم لأناس ليس لهم من فضيلة إلا السعي في إغلاق المدينة أو تسيير المظاهرة، أو تشقيق الحناجر بالهتاف في كل مناسبة وفي غير مناسبة. ويكفي أن يُطرَد طالب أو يُضرَب إنسان حتى تغلق المدينة. ونحن لا نريد السكوت على طرد طالب ظلماً أو ضرب إنسان اعتداء، ولكننا إذا أغلقنا المدينة لمثل هذا الحادث التافه فماذا نصنع إذا وقع لنا من الحوادث ما فيه روعة وجلال؟ وإذا كنت تطلق مدفعك على هرة فماذا تعمل إذا عدا عليك الأسد؟ هذه الأولى، فأنا أودّ لو احتفظ إخواننا بقوتهم ليوم الحاجة ولم يضعوا السيف في موضع العصا.

стр. 286

والثانية: أن الوطنية ليست تقتصر على هذا اللون من ألوان العمل، بل هي تتسع لأكبر منه فتشمل التجارة والصناعة والعلم، بل ربما كان المدرّس على منبره والتلميذ على مقعده والتاجر في دكانه والصانع في مصنعه أكثرَ وطنية من تلميذ يدع دروسه ويعطل مستقبله. لماذا؟ قال: ليصيح في الطرقات وتكتب اسمَه الجرائد! ومن أستاذ ضعيف يريد أن يتودد إلى طلابه خشية من شغبهم عليه فيحثّهم على الإضراب والفوضى من وراء ستار، وصحفي يريد أن يروّج جرائده فيختلق الأخبار أو ينفخها كما يُنفَخ بالون العيد! هذه هي النصيحة الثانية، وهي أن ينظر كل مواطن إلى النقطة التي هو فيها، فيسعى إلى خدمة الوطن فيها، دون أن يدعها فيضيع وتضيع أمته. والثالثة: أن الوطنية ملك للناس أجمعين وبابها مفتوح على مصراعيه لكل داخل، لا كما هي الحال عندنا: محصورة في فئة واحدة يكون الرجل وطنياً إذا انضوى تحت لوائها، وإلا فلا يُعَدّ إلا رجعياً خائناً مهما كان له في خدمة الوطن من مواقف حميدة وأعمال مجيدة! والرابعة: أن الشرف قبل الوطنية، فليس يجوز للشاب الناشئ أن ينحط عن منزلته الشريفة ويأتي ما لا يأتلف مع الأخلاق الفاضلة، ولو كان في ذلك نجاح القضية الوطنية. وليس في هذا شيء من الأنانية أو حب الذات، وإنما هو الواجب، إذ إن الأمة الشريفة تستطيع في كل ساعة أن تسعى إلى غايتها، أما إذا خسرت

стр. 287

الأمة أخلاقها فقد خسرت كل شيء. والخامسة: أن لا يلجأ الشبّان الذين يتعلمون الوطنية -في الدفاع عن وطنيتهم- إلى طرق السباب والشتائم، وأن لا يَدَعوا الحزب الذي ينتسبون إليه يستغل جرأتهم عليها فينتقم بهم من أعدائه ويبعث بهم إليهم يسبّونهم ويشتمونهم. وليعلموا أن من تصدر عنه البذاءة لا يحقّر الناس، وإنما يحقر نفسه ويدل على قلة تربيته وانحطاط أخلاقه. والسادسة: أن الوطنية هي العلم قبل كل شيء، فإذا كان هؤلاء الإخوان يُخلصون للوطن حقاً فليسعَوا لتحصيل العلم والتعمق في الثقافة، حتى إذا أصبحوا رجالاً أولي علم واطّلاع وكان لهم مواهب سامية سَدّوا هذا الفراغ الذي نحسه اليوم في كراسي الزعامة الوطنية الصحيحة، واستطاعوا أن ينهضوا ببلادهم إلى المكانة التي تتطلبها. * * * هذا، وإن مَرَدّ أدوائنا كلها إلى الغرور، فإننا لا نحب أن نعترف لعدونا بشيء، ولا نزال نحسب أن كل صفة حسنة هي لنا وكل سيئة لغيرنا؛ فنعتقد أن لغتنا أوسع اللغات وننام عن توسيعها والسير بها في طريق التقدم كما يفعل الفرنجة بلغاتهم، وأن حضارتنا أعظم الحضارات ولا نسعى لإعادتها ... إلى آخر ما هنالك مما لا يتسع له استطراد في مقال صغير، ونتجاوز بذلك الغرور حدَّ العصبية القومية إلى العصبية الحزبية، فننظر إلى كل شخص من الأحزاب الأخرى التي لا تقول بقولنا نَظَرَنا إلى رجل

стр. 288

قد استكمل صفات النقص وتبرأ من صفات الكمال، ونحسب أن القضية الوطنية لا تنهض إلا على عاتق الحزب الذي نحن منه ... وليست هذه الوطنية، وطنية الاحتكار، إلا مظهراً من مظاهر الانحطاط في السويّة العامة، ولا بد من الانصراف عنها يوم ترتقي هذه السوية ويفهم الناس معنى الوطنية الصحيحة، وهذا يومٌ ما أحسبه بعيداً. وليسمح القراء أن نعيد عليهم قولنا: إننا لا نتعرض في هذه الكلمة لأشخاص، وإنما نبشّر بمذهب وطني جديد يخلّصنا من هذه الوطنية المحتكَرة. ولا أقول الآن أكثر من هذا. * * *

стр. 289

عند الحلاق نشرت في دمشق سنة ١٩٣٣ (١) ذهبت أمس إلى الحلاق، وتخيَّرت آخر ساعة من النهار كي يخلو لي المكان، فوجدت عنده شاباً، وكرهت أن أدخل فأنظره، وأنا أكرهُ الناسِ للانتظار، فهممت بالرجوع، ولكن الحلاّق أومأ إليّ أن: ادخل، لن يلبث حتى يقوم فقد أوشك أن ينتهي. فدخلت. وكان الشاب قد انتهى حقاً، وكان قَذاله وعِذاره وسالفته مقصوصة، وكانت جُمّته مُرَجَّلة مُصفَّفة (٢)، وكان وجهه كالمرآة الصقيلة ما فيه -والحمد لله- أثر من لحية أو شاربين! فما باله لا يزال قاعداً على الكرسي؟ وماذا ترى الحلاق صانعاً به بعدُ؟ ثم اطمأننت وقلت: قد انتهى وإنه لقائم، وقعدت أرقبه، فلم يَرُعْني إلا الحلاق يُقبل على شعره فينفشه نفشاً، وهو ساكت لا ينكر

стр. 290

عليه، فقلت: لعله قد بدا له فأحب أن يقصر من هذا الشعر، ولن يطول أمد هذا التقصير، وإني منتظر. وانتظرت والحلاق ماضٍ في عمله، حتى إذا تم النفش غدا على رأس صاحبنا شجرةٌ ذات فروع، فعجبت كيف كان هذا الشعر كله مصفَّفاً مستقراً، ورثيت له إذ يحمل على رأسه أبدَ الدهر هذا الحمل الثقيل، وأعجبني منه أن يزمع الخلاص منه. ولكنه لم يقصّه كما قدَّرت أن يفعل، بل أشار إلى الحلاق فعمد إلى هنات سوداء -لا والله ما عرفتها من قبل وسنّي سنّي! - فأدخلها النار حتى احمرّت، ثم أدناها منه، فأشفقت أن يصيبه منها أذى، ثم فكرت فقلت: لعله مريض يكتوي، وقديماً قالت العرب: «آخر الدواء الكَيّ». ونظرت فإذا هو يقبض على شعره بإحدى هناته تلك ويديره عليها، ثم يستلّها منه استلالاً، ثم يفعل مثل ذلك، وأنا أعجب منه. حتى انتهى، فإذا صاحبنا قد عاد جَعْدَ الشعر وقد كان سَبْطاً، فقلت: إنّا لله! رجل أصله من البربر فهو يجب أن يتشبه بأصله، والتمست له المعاذير. وحسبته قد انتهى وظننت أنه قائم، ولكنه لم يقم بل أشار إلى الحلاق، فضمخ رأسه بماء «كلونية» وأقبل فسرّحَه تسريحاً، وعاد فمسَّه بدهن استخرجه من حُقّ صغير، فصار لرأسه وميض ولمعان، فقلت: الحمد لله، قد انتهى. ونزعت عني طربوشي، ثم أعدته إلى رأسي حين لم يقم، ولبثت أنتظر، وجاء الحلاق بكُمَّة (١) فوضع فيها رأسه وشدّها من حوله شداً، فقلت: مُصَدَّع

стр. 291

متألم فهو يخفف من صداعه. ثم أخذ الحلاق الملقط، وعمد إلى حاجبيه فجعل ينتِش منهما نتشاً، وأنا أرثي له وأُلحّ عليه بالنظر، علّ عينه تقع على عيني فأبذل له عوني ونصرتي، فإن هذا الحلاق لا يكاد يرحمه! فلا يبصرني. ثم أدركَت الحلاقَ رحمةٌ فعفا عنه وأبقى عليه، فنظرت فإذا حاجباه خطّان كأنهما خُطّا بقلم، فقلت: سبحان الله! أي فتاة تُعطى مثل هذين الحاجبين ثم لا تنزل راضيةً عن سنين من عمرها؟! وفتح الحلاق خريطة فاستخرج منها كُبَّة، أخذ منها خيطاً لَفَّه بين أصابعه وجعل في وسطه فرجة تضيق وتتسع كلما شدّها أو أرخاها، وأمَرَّ هذا الخيطَ على وجهه ووجهُه يتمعّر ويُخيَّل إليّ أنه يقاسي ألماً شديداً، ثم كَفَّ عنه، فلا والله ما ترك في جبينه زَغَبة (١) إلا اجتثّها هذا الخيط. فقلت: قد انتهى، ولم يبقَ في وجهه ما يذهب به إلا أن يكون أنفه، فيكون كباغي الجمال بجدع الأنف! ولكن سرعان ما خاب ظني في أنه انتهى، ورأيت الحلاق يدلك وجهه دلكاً ويقرصه قرصاً، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد جُنَّ الرجل، وإلا فماذا يكون هذا القرص من الحِلاقة؟ ثم كفّ، فنظرت في وجه الشاب فإذا عليه حمرة الخجل، وأنعمت النظر والتفكير فعلمت أنها حمرة الصحة والحياة أو حمرة الدلك والقَرْص،

стр. 292

فهممت أن أقوم إليه فألتزمه وأهنّئه على هذا الاختراع: يصيب الناسُ الصحةَ بالغذاء وبالرياضة ويصيبها هو بالدلك وبالقرص! ثم تخاذلت ورحت أنظر مشدوهاً إلى الحلاق وهو يصبغ وجهه بالأبيض والأحمر، ورأيتني لا أطيق احتمال هذا منه -وأنا أكره من النساء أن يفعلنه- وعجبت كيف لا ينكره هو وكيف لا يُغضبه أن يُعامَل كامرأة! ولكنه لم ينكر شيئاً، بل أشار إلى الحلاق، فجاء بإصبع حمراء فمسّ به شفتيه كما تفعل فتيات السينما سواءً بسواء! فلم أستطع المكث بعد هذا، وقمت فجلت في السوق جولة، ثم عدت لمّا فارق الكرسي. * * * وبعد، فما أدري كيف أصفه؟ ولو أنت عرضته على الناس بزينته تلك ما عرفوا أرجل هو أو امرأة! ثم كانت الطامة الكبرى، فقد اقترب مني الشاب يسلم عليّ ويزعم أنني أعرفه. قلت: أنا أعرفك؟ لا، أراك مخطئاً. قال: كيف؟ أنا تلميذك منذ كذا سنين في مدرسة كذا، وأنا اليوم معلّم. قلت: أنت معلم؟! ونَدَّتْ مني صرخة تعجب ولم أُجب. * * *

стр. 293

الأستاذ شفيق جبري والوظيفة نشرت سنة ١٩٣٤ (١) [قال ابن هُبَيرة: ما رأيت أكرم من الفَرَزدق، هجاني أميراً، ومدحني معزولاً!] وبعد، فقد كان على أصدقاء الأستاذ (أو أولئك الذين يتظاهرون بهذه الصداقة، والذين طالما فخروا بها وطالما أفادوا منها) أن يكتبوا عنه ويصفوا للناس أدبه، لا علينا نحن الذين لم يكن بيننا وبين الأستاذ إلا الصلة الرسمية؛ من حيث كان رئيساً لديوان المعارف وكنّا من معلمي المدارس القروية الابتدائية، وصلة الأدب؛ من حيث هو قائد من قُوّاده الأكابر ونحن من جنوده الأصاغر.

стр. 294

وإذا كان قبل اليوم ما يمنعني من الثناء على الأستاذ والتحدث عن أدبه، وإذا كان قبل اليوم ما يحفزني إلى نقد آثاره والإيغال في هذا النقد حتى أجاوز به حدَّ النقد، وإذا كانت عزة النفس وخشية أن يُظَنّ بي المَلَق والتزلف (وأنا من أكره الناس لهما) ... إذا كان هذا ما منعي قبل اليوم من الثناء وساقني إلى النقد، فإن الوفاء والحق يوجبان عليّ اليوم أن أتكلم عن أدب الأستاذ فأطيل الكلام ولا أتحرج من الثناء. وإذا كان لجبري «الموظف الكبير» خصوم وأصدقاء وناقمون عليه وراضون عنه، فما لجبري «الأديب الكبير» خصم ولا عليه ناقم، إلا أن تكون خصومة أدبية في الظاهر ومردّها إلى الوظيفة وما يتصل بالوظيفة. وقد ذهبت تلك الوظيفة وذهبت معها تلك الخصومات، وأصبح من الواجب على كل من يمتُّ إلى الأدب بصلة أن يهنّئ الأستاذ بانقطاعه إلى الأدب، ويهنئ الأدب بانقطاع الأستاذ إليه ونجاته من هذه الوظيفة التي كانت - مذ كانت- بَلِيّة على الأدباء، مُقَيِّدةً أفكارَهم وعواطفهم، معترِضةً سبيلَهم إلى الخلود، صارِفةً نفوسَهم السامية إلى غير ما خُلقت له وفُطرت عليه. وذهاب الوظيفة قد يكون رُزْءاً ومصيبة على الموظفين الذين لا يرتفعون عن سواد الناس إلا على قوائم الكرسي، أما الموظفون الذين ترفعهم نفوسهم ومواهبهم وآثارهم فلا يزيدهم فَقْدُ الوظيفة إلا رِفعة وسُمُوّاً. وقد خسر المتنبي الوظيفة التي كان يحلم بها، ولكنه ربح الخلود على الدهر والجلوس على عرش الشعر ألف سنة. وقد انتهت أيام حافظ إبراهيم في الوظيفة، ولكنه

стр. 295

بدأ في الشعر أيامَ الشباب من جديد. ومهما يكن من أمر الوظيفة، فإنها لا تجعل الناس يقولون عن صاحبها: هذا مؤلف «خطط الشام» وهذا مؤلف «الجاحظ» و «المتنبي» ... ولو كان صاحبها وزيراً أو رئيس ديوان (١). وقد نسي التاريخ أو كاد ينسى ملوك اليونان وكبار موظفيها، ولكنه لن ينسى أبداً الشحّاد هوميروس، وقد نسي التاريخ -كما يقول تيوفيل كويته- اللآلئ التي في تاج الملك الأكبر لويس الرابع عشر، ولكنه لم ينسَ الرُّقَع التي في حذاء كورنيل! فليهنأ سيدي الأستاذ وليهدأ بالاً، وليعكف على الأدب فالأدب سبيل الخالدين. وما دام يرى الأدب أُلْهِيَّة فَلْيَلْهُ به ما شاء أن يلهو. ولكنا -على رأينا- لا نراه لَهْواً أبداً، ولا نرى لَهْوَ الأستاذ إلا الجِدّ كل الجد. وإذا كان شعر جبري وأدب جبري هو ما يسميه الأستاذ جبري لهواً، فما خلافنا مع الأستاذ إلا خلافاً في اللفظ! (٢) * * *

стр. 296

هذا وما نريد أن نصف أدب جبري في هذه الكلمة الوجيزة، ولكنا نريد أن نقول على رؤوس الأشهاد، لا عن رغبة ولا عن رهبة: بأن الأستاذ جبري الشاعر الكبير، والباحث المدقِّق، والمنفرد بالمَراثي الوصفية التحليلية، والعربي الوفيّ للعربية، لا يمكن أن يزيده فَقْدُ الوظيفة إلا سُمُوّاً في الأدب ودُنُوّاً من الخلود ... بل إن الأستاذ جبري مُذ أُغلق دونَ اسمه سجلُّ الوظيفة قد فُتِحَ لاسمه سجلُّ الخلود. * * *

стр. 297

إن في هذا لعبرة نشرت سنة ١٩٣٤ (١) قرأ الناس في الجرائد منذ أيام خبراً ارتابوا فيه وشكّوا في وقوعه وترددوا في تصديقه، فلما بدا لهم أنه واقع حاروا فيه وعجبوا منه وارتاعوا! قرؤوا أن فتى من فتيان أسرة مجيدة، معروفة بالدين والشرف، سأل أباه شيئاً فمنعه إيّاه، فقال له كلمة فردّها عليه، فخاطبه باللغة التي ليس لها ردّ، لغة الرصاص! أطلق عليه مسدسه ما يريد إلا قتله، ولكن الله سلّم، ونجا الأب وقدّر الله له الحياة، ولله الحمد على ما قدّر. وليس لنا أن نمرّ بهذه الحادثة من غير أن ندلّ على مكان العبرة منها. وليس عندنا شك أن الأمير شفاه الله (٢) يحبّ قَوْلة الحق ويحب أن يسمعها له أو عليه، ويؤْثر ما في بيانها من مصلحة الأمة على ما في كتمانها من سرور نفسه وراحة باله. ومكان العبرة في هذه القصة إنما هو في نشأة هذا الفتى

стр. 298

وطريقة تعليمه وأسلوب تربيته، فلو أن أباه سلّمه إلى مُرَبٍّ مسلم ونشّأه نشأة إسلامية وبعث به إلى مدارس إسلامية لما رأى منه ما رأى، ولكان يَوَدّ أن تُقطع يمينه قبل أن يسدّد بها المسدسَ إلى صدر أبيه، لأن من واجبات المسلم أن يعرف لصاحب الفضل فضله ويجزيه بالخير خيراً، وأن يمعن في بِرّ أبويه والإحسان إليهما، ولأن على المسلم أن ينفض يديه من الدنيا كلها ويُعرض عنها إذا حالت بينه وبين برّ والديه، ولأن المال لا قيمة له في نظر المسلم بجنب حق أبويه عليه وإحسانهما إليه. هذه أخلاق المسلم وهذه سيرته، ولكن الأمير -سامحه الله- لم يختَرْ لولده مَن ينشّئه عليها ويأخذه بها، وآثر أن يبعث به إلى من يفتنه عن دينه ويغلبه على عاطفته، ففعلوا، وأعادوه إليه عدواً بيده المسدس! ينتزع الولد بيده حياة أبيه ولا يتردد ولا يضطرب، لأن مَن علّمه وربّاه نزع من نفسه عاطفة الابن، وخشية المؤمن، ورأفة الإنسان! (١) * * * فيا قومنا، اعتبروا واختاروا لأولادكم خير المربّين وأفضل المعلمين، واعلموا أن الله سائلكم عنهم وأنه مجازيكم بأعمالهم، فإن أحسنتم الاختيار وحفظتم وصيّة الدين كان جزاؤكم هَناءة في الدنيا وسعادة عند الله، وإن آثرتم الدنيا وسلّمتم أولادكم إلى من يفسد عليهم عقائدهم وأخلاقهم كان جزاؤكم شقاء في الدنيا وعذاباً في الآخرة!

стр. 299

واعلموا أن أحمق الناس من يتداوى بالسمّ ويتبرّد بالنار ويطمئنّ إلى العدو، وأحمق منه من يأتمن على شاته الذئب! وأحمق منهم جميعاً الرجل يسلّم ابنه لمن يكفر بدينه ولا يتبع ملّته. يا قومنا انتبهوا، فقد نبهكم مسدس الفتى، قبل أن يُطلق غيرُه مِن ناشئة المدارس الأجنبية الرصاصةَ التي لا ينفع بعدها انتباه! * * *

стр. 300

قصة رمزية ورقة الخمسين نشرت سنة ١٩٣٥ (١) فتحت ساكناتُ الصندوق العام في «المصرف السوري» عيونَهنّ ينظرنَ مَنْ هذا القادم عليهن، فإذا «ورقة» من ذوات الخمسين ليرة سورية، مريضة قد حطمتها الأدواء و «مزقتها» الآلام، فلم تكد تستقر في الصندوق حتى أخذتها غَشْية، فدنا منها قرش مثقوب (٢) فنظر إليها وانفجر ضاحكاً ... وكان يعاشر الصِّبْيَة أبداً ويشاركهم في ألعابهم فجعله ذلك شاطراً خبيثاً. وساء ضحكه الحاضرين، وكان فيهم «مجيدي» شيخ وقور (٣)، اعتزل الناس منذ عامين اثنين وترك المجتمع ولبث يذكر

стр. 301

أيامه الخاليات، أيام كان له الحول والطول، ويُعجب كيف ذهب ابنه «نصف المجيدي» إلى باريس فعاد منها ببزّة غير بزته وطابع غير طابعه، فلم يلبث أن غلبه على مكانه وادّعى أنه وارثه في أرضه. وانبرى هذا الشيخ، لذلك الصبي يلومه ويقرّعه، فسكن القرش وهدأ، فقال له: ويل لك أيها الولد الخبيث! أتهزأ بهذه العجوز المسكينة وأنت تعلم أنها تعدل خمسة آلاف من مثلك؟ أم غَرَّك منها حِلْمُها وكرمها؟ أم أنت أحمق مغرور كشاب قرأ كتاباً في الأدب وكتب مقالتين في جريدة، فلم يعد يقنعه إلا أن يكون أول أديب في البلد، فإذا رأى الناس يعظّمون شيوخ الأدب ويُجِلّونهم، ولا يحفلون به هو ولا يأبهون له، جُنّ جنونه وطار صوابه، فأقبل على هؤلاء الشيوخ يسبّهم وينتقصهم ويُسَمِّع بهم، ولو هو عقل لقرأ مثل ما قرؤوا وعمل مثل ما عملوا، ثم طمع أن يُعظَّم كما عُظِّموا. وكان في الحاضرين «فرنك» قدم من أوربة حديثاً، وهو شاب متأنّق لا يفتأ كلما تكلم ينظر في ثيابه ويهزّ عطفيه ويمرّ المشطَ في شعره، فتنحنح على الطريقة الحديثة وقال: لا تسمعوا ما يقول، إنه رجعي، أؤكد لكم أنه رجعي.

стр. 302

- أنا رجعي؟ - نعم، أنت. إنك تعود بنا إلى القرون الوسطى! - يا للتقليد الأعور! إن صاحبكم لا يدري ماذا يقول. - بلى، أدري. إن القرون الوسطى هي الجهل وهي التعصب وهي الظلام. - ذاك في أوربا، أما في الشرق الإسلامي فهي العلم وهي الحضارة وهي النور. * * * وسكتوا جميعاً لأن الورقة العجوز قد حشرجت وتلاحقت أنفاسها، فحفّوا بها واجمين لروعة الاحتضار وجلال الموت، ثم أدركتها قوة فرفعت رأسها وشكرت لهنّ ما صنعن بها، فقال لها «المجيدي»: من أين أنت يا أختاه؟ وما هو شأنك؟ فهمهمت (١)، ثم أنشأت تقصّ حديثها بصوت خافت. قالت: لست بحمد الله متكبّرة ولا مزهوّة، وإنكم لأكرم مني عنصراً وأسمى محتداً، وما أنا إلا واحدة من غمار المخلوقات. لقد كانت أمي قشرة شجرة تحنو على شجرتها وتدفع عنها عادية الحَرّ والقَرّ (٢) ولفح الريح ووهج الشمس، وكانت تُظهر للناس حقيقتها، فلا تخدعهم عن نفسها بثوب برّاق ولا زينة مستعارة.

стр. 303

ونشأتُ إلى جانبها على أحسن ما تكون عليه بنت بارّة، تطيع والدتها وتحافظ على هناءتها وتسرع في تلبية أمرها، ولبثنا على ذلك حقبة من الدهر حتى قيل لن يتفرَّقا، ثم كان اليوم الذي لست أنساه، فما راعنا إلا جنس من الوحش من أشدّها وأضراها، ما رأيته من قبل ولا سمعت به ولا هو بالذئب ولا هو بالضبع، فإن الذئب لا يعدو على الفريسة إلا إذا عضه الجوع بنابه ثم لا يقرب منا معشر الجمادات ولا يمسنا بسوء، أما هذا الوحش الضاري (الذي علمت بعدُ أنه يسمّى الإنسان) فيفترس جائعاً وشبعانَ، ويفترس كل شيء بأنياب من حديد وفولاذ وبارود ورصاص، يقضم بها الصخر ويشرب بها البحر، ويأكل بها أخاه الإنسان. أقول: جاءنا رجال بأيديهم المعاول، فنزلوا بها علينا قطعاً قطعاً وكسراً كسراً، فقُتلت أمي المسكينة مع من قتل وحُملتُ أنا أسيرة، فما زالوا يجرّبون بي الوسائل ويسلكون معي سبيل اللين وسبيل الشدة، يسقونني الماء ويعرضونني على النار، حتى لنت لهم وخرجت من شدتي وعصبّيتي، فأذابوني وأخرجوني شيئاً آخر أنكرت معه نفسي وأصلي، وقالوا لي: أنت اليوم ورقة من أمّة الورق ولست قِشْرة من أمة القِشْر! وهذا دأبهم أبداً إذا غلبوا أمة ضعيفة، لا ينفكّون يزينون لها جديدهم ويزهّدونها في قديمها ويغرسون ذلك في قلوب ناشئتها وصغارها، حتى إذا آمنوا به واستيقنته أنفسهم سلخوهم من أصلهم وأخرجوهم من جلودهم وعادوا بهم أمة من الشياطين، لا هم منها ولا هي منهم، ولكنهم يفكرون برؤوسها ويمشون بأقدامها. لست أدري كم أحييت من الليالي باكية حزينة على ما

стр. 304

خسرت من أصلي ولغتي وديني، ولكن حين لم يعد ينفع البكاء، فاستسلمت للقدر وخضعت لمشيئة الله. ولما رأوا أني ثابتة على ورقيّتي لا أحاول الخروج عنها والانسلاخ منها أنعموا عليّ بهذا الثوب المبرقَش وهذه التزاويق، وقالوا لي: قد جعلناك بخمسين من الجنيهات الذهبية، فسيري في الأرض وانشري في الناس هذه الوكالة وتكلمي باسم هذه الخمسين جنيهاً. قلت: ولكنهم لم يوكلوني ولم يفوضوني، فكيف أدّعي أنني وكيلة بخمسين ذهباً، وأنا وخمسون من مثلي بقرش! قالوا: عَدّي عن هذا، فما هو من شأنك وما عليك إلا أن تسمعي فتطيعي، ولئن فاتك أن يكون وراءك ذهب فإن وراءك جيشاً، فقرّي نفساً وسيري على بركات الله! (١)

стр. 305

فضممت عليّ ثيابي وأصلحت من هندامي ونزلت إلى السوق، وكان ذلك في باريس، بلد الرقة والجمال والعلم والحرية ... وأشياء أخرى يضيفونها إليها لم أحفظها، لأن لذع النار علّمني ألا أقف وراء الستار وأن أنفذ الى الصميم، فلما فعلت علمت أن وراء هذه الرقة طوفاناً من الفساد الأخلاقي، ووراء هذه الحرية إباحية لا حد لها واختلاطاً في الأنساب واستهتاراً بالأعراض ونشراً للأمراض، وأن وراء هذا العلم كثيراً من الكفر وكثيراً من الظن وكثيراً من الدسائس، وأن وراء هذا الجمال الجسمي أقبح القبح النفسي. وكان أول من عرفته في باريس طالباً سورياً يدرس فيها وله على الحكومة راتب، فدفعوني إليه من راتبه، وأوصوه أن يحتفظ بي ويحسن صحبتي وأن يبتعد بي عن مواطن الريبة وأماكن الفجور، وأفهموه أنني من أصل وضيع ولكني شريفة، لا أعرف إلا جوّ الغاب الراقي الصادق وجو المعمل الجاد العامل، وأن الظروف اضطرتني إلى التدني من ذلك الجو إلى جو باريس ... فوعدهم خيراً. وقلت: الحمد لله، فقد كُتبت لي السعادة إذ صرت صديقة طالب هجر بلاده وترك أهله ليطلب العلم الصحيح ثم يرجع به إلى بلده فيحمي به أمته ويوقظ به قومه وينير لهم طريق المجد والعلاء، وقد كُتب لي أن أدخل هذه الجامعة التي يمدحونها ويعتزون بها وأسمع هذه المحاضرات القيّمة، وأمد رأسي من جيب صاحبي فأرى هؤلاء العلماء الأجلاء الذين سمعت الحديث عنهم في المعمل. وأغمضت عيني لأنام تلك الليلة، ولكني لم أكد أغفو حتى

стр. 306

نبهني صاحبي بقسوة وغلظة، فلما صحوت أنبأني أني سأفارقه، وأنه كان ينتظرني من أمد طويل ليدفع بي إلى اليد الممدودة إليه. فقلت في نفسي وأنا أخرج: لا بأس، إنه سيدفع بي إلى يد طالب من إخوانه أو إلى أستاذ من أساتيذه، أو يدفع بي إلى يد تاجر شريف ثمنَ شيء لا بد له منه. ونظرت إلى تلك اليد، فعَرَتْني رجفةٌ شديدة وغطى الحياء على عيني حتى ما عدت أبصر، وودت أن لو متُّ وكنت نَسْياً منسيّاً ولا أرى صاحبي الطالب الشرقي الشريف يدفع بي إلى يد ... وأدخلتني «صاحبة» تلك اليد إلى الصندوق مُغمىً عليّ، ولبثت على تلك الحال مدة لست أدري كم هي، ثم فتحت عيني على أخوات لي كثيرات ملوَّثات بالأقذار يحففنَ بي ويسألنَني ما شأني، فلما قصصت عليهن القصص وجدت شأنهن جميعاً مثل شأني، ووجدت الغربيّات منهن يسخرنَ من غفلتي ويرين مثل هذا تمدناً وحضارة، فلعنت التمدن والحضارة. وفي اليوم الثاني نُقلتُ إلى صندوق شاب آخر أوربي صميم يبيع الدخان، فلم يطل به الأمر حتى هيأ عدة السفر لأنهم بعثوا به أستاذاً إلى ... إلى سوريا! ثم شَرِقت بريقها وحشرجت وجادت بروحها. * * * وفتح مدير المصرف صندوقه، فلما رآها ميتة «ممزَّقة» أعضاؤها أمر بها فأُلقيت في دُرْج اتخذوه مقبرة لأمثالها، وكتب في دفتر الصندوق: «خمسون ليرة سورية ربح صاف للمصرف»! * * *

стр. 307

أبناؤنا وتاريخنا نشرت سنة ١٩٣٥ (١) قالت لي أمس بُنَيَّةُ قريباتٍ لنا جئن يَزُرننا: أي شيء هي الخنساء؟ قلت: هي امرأة. فما يدريك أنت بالخنساء؟ فضحكت وقالت: وما يدريني؟ أنا من مدرسة الخنساء. قلت: ويحك يا بنية! لا أكاد أفهم عنكِ، فما هي مدرسة الخنساء؟ فزادها سؤالي ضحكاً، وانطلقت تثب وتقفز، وتشير بيديها وهي تقول: أنت لا تفهم! هي مدرستنا، مدرستنا، صار اسمها مدرسة الخنساء. ثم عادت إليّ فسألتني: والآن، هل فهمت؟ قل لي: لماذا سمَّوا المدرسة باسم الخنساء؟ قلت: لأنها كانت عظيمة.

стр. 308

قالت: يعني ماذا؟ قلت: إنها كانت شاعرة، تنظم الشعر. قالت: مثل المحفوظات؟ قلت: نعم، ثم إنها كانت امرأة عاقلة، مسلمة، جريئة ... قالت: أريد أن أكون مثل هذه الخنساء. قلت: إذن فكوني من اليوم عاقلةً مسلمة جريئة. قالت: وأعمل محفوظات؟ قلت: لا، ليس الآن. * * * وجلست أفكر في هذه السنّة الحسنة التي استنّتها وزارتنا الجليلة، وأفكر في أن كل تلميذة في هذه المدرسة ستسأل عن الخنساء وستتعلم كثيراً من الفضائل وكثيراً من السجايا، وأن كل تلميذ في مدرسة الصديق والفاروق وخالد بن الوليد ﵃ سيسأل عن خالد والفاروق والصديق، حتى يعلموا جميعاً أن هؤلاء الأبطال الذين ملكوا زمام الدهر وكانوا سادة الدنيا وأساتذة العالم، والذين هم فخر الإنسانية وخلاصتها، إنما هم أجدادهم وأسلافهم، الذين يجب عليهم أن يفخروا بهم ويسيروا على سَننهم ويبعثوا مجدهم بعثاً جديداً. وإني لفي ذاك وإذا بالباب يُدَق، وإذا بصديق لي من كرام الحجازيين جاء يزورني، فاستقبلته وحييته وملت معه بالحديث

стр. 309

يميناً وشمالاً، ثم قلت له: ألك في أن تسمع طفلة صغيرة تسأل عن الخنساء وتَتَقصّى حديثها، وترجو أن تكون مثلها؟ قال: ما أرغبني في ذلك! فناديت: يا فلانة، أقبلي. فجاءت تعدو، وجاء معها أخ لها في الصف الخامس، أي أنه سيكون مشهوداً له بعد ثلاثة أشهر بأنه أكمل الدراسة الابتدائية. فسرّني أن يأتي معها وقلت في نفسي: لعل الصغيرة تعجز أو تجبن عن الجواب، فيجيب هذا ولا تَسْوَدُّ وجوهنا أمام ضيفنا. وآنسها الضيف ولاطفها ثم قال: يا بنيّة، بلغني عنكِ أنك تحبين التاريخ، وإني سائلك سؤالاً هيناً، فإذا أنت عرفتِه فلك هذه السُّكَّرة. وأخرج لها سكَّرة محشوَّة سال لها لعاب الطفلة، فقالت: سَلْ. فقال: وإني مسهلٌّ عليك السؤال، ما اسم والد النبي ﷺ ؟ قالت: لا أدري. قال: من هو أبو بكر؟ قالت: ما هذا تاريخنا. نحن لم نصل إلى هذا، سلني عن الحثّيين، عن العبرانيين، عن ... فكاد يطير عقل الرجل من رأسه، وما من رجل عربي مسلم لا يطير لمثل هذا عقله، وقال لي: أفتقرأ ناشئتكم تاريخ الحثّيين والعبرانيين قبل أن تعرف سيرة محمد رسول الله ﷺ ، وقبل أن

стр. 310

تعرف من هو أبو بكر؟ قلت وأنا أرشح عرقاً: هذه طفلة لا تفهم، سَلْ هذا فهو في الصف الابتدائي الأخير. فقال لهذا: تعال يا بني، أخبرني عن سيرة محمد بن القاسم الثقفي، الفاتح العظيم. قال: هذا ما قرأناه، ولكن إن شئت أخبرتك عن سيرة نابليون. فحوقل الرجل واسترجع، وقال: إذن فاحكِ لي تاريخ سيف الدولة صديق الشعراء ومشجع الأدباء. قال: ما درسناه، ولكن إن شئت حكيت لك تاريخ لويس الرابع عشر، فإنه صديق الشعراء ومشجع الأدباء، ولولاه ما نشأ -من بعد- مونتسكيو وروسو وفولتير. قال: ومن هؤلاء؟ قال: أدباء وكتاب. قال: أظنك تعرف عنهم مثلما تعرف عن ابن خلدون والغزالي. قال: أما هذان فما أعرفهما. قال: فتعرف عنهم إذن مثلما تعرف من سيرة أبي حنيفة والشافعي؟ قال: إذن أسقط في الامتحان! إن كل ما أعرف عن أبي حنيفة

стр. 311

والشافعي أنهما أبو حنيفة والشافعي. ولكن أعرف تاريخ الحضارة الأوربية في القرون الوسطى، وأعرف وقائع نابليون كلها. قال الرجل: مثلما تعرف عن وقعة اليرموك والقادسية؟ قال: ليس في تاريخنا يرموك ولا قادسية. قال الرجل: حسبك، حسبك! ونظر إليّ نظرة كانت أبلغ من خطبة، ومسح دمعة الشرف التي سالت على خده، ثم قام مودّعاً وأنا أودّ لو تبتلعني الأرض. * * *

стр. 312

الراتب، أم الواجب ؟ نُشرت سنة ١٩٣٥ (١) صديقنا «فلان» (٢) موظف صغير، ذو أسرة كبيرة وراتب قليل، ثم إنه ليس له إلا هذا الراتب، وليس في جيبه أو صندوقه وَفْر ورقة سورية (٣) أو ما دونها، وليس يعرف إلا هذا المورد مورداً يعيش منه هو وأسرته، فهو امرؤ عليه الطاعة والرضا وكفّ لسانه عن الكلام وقلمه عن النقد، وعليه الابتعاد عن كل ما يزلزل به هذه الوظيفة ويحرمه هذا الراتب.

стр. 313

ولكن صديقنا هذا واحدٌ من هذه الأمة، يشعر بشعورها ويَالَم لألمها ويهتم بأمرها، ويحاول أن يقوم بقسطه من خدمتها. ثم إن صديقنا فلان أديب، أو هم يقولون إنه أديب وإنه كاتب. والأديب لا يستطيع أن يطمئن إلى هذه الحياة الخاملة الرَّخِيّة، وللأديب آمال في نفسه وفي أمته لا يقدر أن يضحّي بها ويشهد مَصْرعها. والأديب يعيش من نفسه في عالَم، فيأنس بخيالاته وأفكاره، وينعم بمجده الأدبي ويثق بخلوده، كما يثق بنسيان التاريخ هؤلاء الذين غلطت فيهم الأيام فجعلتهم موظفين كباراً، وألقت في أيديهم مقاليد الحكم وجعلت لهم السيادة والأمر، فهو يراهم في عينه صغاراً أقزاماً، لأنه نزع عن ناظرَيه العدسة المكبِّرة التي كان يراهم بها جبابرة عمالقة كما كان يراهم سائر الناس، وغدا يحس أن من الغضاضة عليه وعلى أدبه أن يضع عاطفته ومواهبه وأدبه في رضا هؤلاء الموظفين الكبار، وغدا يحسّ أنه خائن لهذه الأمة كافر بنعمتها إذا هو وَأَدَ قلمه وأمسك عليه لسانه، وعطّل هذه الهبة البيانية التي وهبها الله له أو استعملها في هذا الأدب اللاهي العابث وترك أمته وشأنها، لا يأبه لها ولا يحفل بها. فهو بين واجبين اثنين: واجب الوطن وواجب الأسرة، واجب الشرف وواجب الخبز! فهل يقول كل ما يعتقد، ويطلق قلمه ولسانه فيفي حق أدبه وحق وطنه وحق دينه، ولو أضاع وظيفته وعرّضَ أسرته لما تتعرض له أسرة كبيرة ليس لها مورد قرش؟ وكيف يعيش إذن هو وأسرته؟ أم يحافظ على راتبه ويتمسك بوظيفته، ويداري ويساير

стр. 314

ويسادّ ويقارب، ولو سكت عن بيان الحق وأهمل واجب الوطن، وأضاع أدبه وأمات قريحته وعطّلَ ملكته البيانية؟ * * * هذا ما أرجو من قرّاء «القبس»، أن يوافوا «القبس» بآرائهم فيه؛ فإن هذا الموضوع يستحق أن تُبدى فيه الآراء. علي الطنطاوي ليسانسيه في الحقوق معلم ابتدائي في وزارة المعارف * * *

стр. 315

رسالة الطالب نشرت سنة ١٩٣٥ (١) لما كنت في مكة في العام الماضي زرت المعهد السعودي (وهو في الحجاز بمثابة المدرسة التجهيزية في الشام)، وكان معي مدير المعارف الحجازية، فدار بي على الصفوف وأراني الدروس، فسمعت المحاضرات وسألت الطلاب، فما وجدت إلا علماً صحيحاً وأذهاناً جديدة، ورجولة كاملة وعروبة صادقة. ولقد سألت -فيمن سألت من الطلاب- فتى أدهشني بسرعة جوابه واستقامة منطقه وكثرة أدبه، فسألت مَن هو لأعرف عن أيّ دَوْحة تفرّع هذا الغصن، فإذا هو ابن الأمير فيصل، نائب الملك عبد العزيز في الحجاز. وإذا في المدرسة كثير من أبناء الملك وأحفاده، لا يفرّقهم عن أصغر ولد من أبناء العامة فارق ولا تميّزهم منهم ميّزة، فسررت مما رأيت، وخطبت المدرّسين والطلاب خطبة شكرت فيها وأثنيت، وذكّرت وأنذرت، وقايَسْت وبيّنت، ثم صافحت أقرب معلم إليّ عن إخواني المعلمين في الشام وأدنى تلميذ مني عن إخوتي الطلاب في دمشق، وانصرفت. فلما كان بعد أيام أقبل علينا ونحن في فندق مكة الرسمي

стр. 316

-حيث أنزلنا الملك ضيوفاً عليه- أقبل علينا وفدٌ من الطلاب النابهين، جاؤوا يحملون إليّ تحيّات إخوانهم وسلامهم. فاستقبلتهم في بهو الفندق الفخم وحدثتهم وحدثوني، فإذا أنا بين فِتية يعرفون أدباء سوريا وعلماءها، ويَتْلون عليّ من شعر خير الدين ومَرْدَم والبِزِم وجبري (١)، ويحدثونني عن كُرْد علي ومصنفاته (٢)، ومعروف ورواياته (٣)، ويقرؤون عليّ من شعر العطار والزركلي والمحاسني (٤). وإذا هم أَعرَف بما كتبت وألّفت مني أنا! فامتلأت نفسي سروراً بهم وإكباراً لهم، لحرصهم على الأدب واهتمامهم بأهله، وعطفهم على أدبنا وعنايتهم بأدبائنا. ثم أهدوا إليّ طائفة صالحة من الكتب التي أخرجها أدباء الحجاز الشباب، ثم تكرّموا فدعوني إلى حفلة تكريمية تقام مساء الغد، فحاولت أن أشكر لهم فضلهم عليّ واجتهدت في أن أتخلص من

стр. 317

الحفلة، فلم أوفَّق إلى الشكر ولم أفلح في الاعتذار، وودعتهم وأنا بين حيرة وخجل وسرور وإشفاق! فلما كان الغد وجدنا حديقة الفندق الواسعة تزخر بالناس وتتوقد بالأنوار الكهربائية، وإذا فيها «مائدة شاهي» طولها عشرون ذراعاً ... فلما استقر بنا المجلس قام الخطباء واحداً بعد واحد، فما تركوا شيئاً يُقال عن الوفد السوري وعن سوريا والعروبة إلا قالوه، ثم طلبوا إليّ أن أتكلم، فقمت مرغماً وهم يصفقون بأيديهم، وأنا أصفق بقلبي من الهيبة والسرور. حتى إذا علوتُ المنبر الذي أعدّوه للخطابة ذكرت أن خطيباً من خطبائهم سمّانا «أبناء الأعمام»، وآخر سألني عن مجد أمية، وثالثاً اعتزّ بالصحراء، ورابعاً أسِفَ على أنّا لا تظللنا رايةٌ حرة، فقلت: يا أشبال الحرم ويا فتية الكعبة، ويا أبطال زمزم والحَطيم (١)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد أكرمتمونا وتفضلتم علينا، وأنتم أكرم الناس وأنتم جيران الله وسَدَنة بيته وسكان حرمه، فلا عجب أن خرج الذهب من معدنه وظهر الدرّ في موطنه، فعليكم سلام الله، وسلام العروبة، وسلام الإسلام. إنما قمتُ -أيها الطلاب الحجازيون- لأحمل إليكم «رسالة

стр. 318

الطلاب» الشاميين وحبهم وإخلاصهم، ولتعلموا أن على ضفاف بردى وسفوح قاسيون وفي جنّات الغوطة إخواناً لكم لا تعرفونهم ولا يعرفونكم، ولكنّما تجمعكم بهم وحدة الدين ووحدة اللغة، ووحدة الذكريات ووحدة الأماني، يجمعكم القرآن ومحمد ﷺ ، وهذه القبلة، فاقبلوا تحياتهم وحبهم. إن إخوانكم في الشام ثابتون على المبدأ، مقيمون على العهد، يحملون رسالة الماضي الفخم إلى المستقبل المأمول، لا يثنيهم عن إيفائها ظلام الحاضر وشدة الدهر وكثرة المصائب ورقّة الحال، ولا يثنيهم عن إيفائها جبّار من الإنس ولا عفريت من الجانّ. إنهم إخوانكم شئتم أم أبيتم، ليسوا أبناء أعمامكم ... إنما أبناء العم أولئكم اليهود، الذين خانوا القرابة وبتروا الصلة وجاهروا بالعداوة والبغضاء، فجزيناهم بالعداء عداء وبالاعتداء اعتداء، حتى يأتي الله بأمره ويحكم بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين. أما رسالة الطلاب الشاميين التي أحملها إليكم: فإنهم لا يفرّقون بين بلد وبلد وقطر وقطر، إنما قوميتهم العروبة وجامعتهم الإيمان: المسلم أخو المسلم، والعربي شقيق العربي. إنهم مثلكم أبناء الصحراء، أبناء الرمال، أبناء الشمس ... هذه الصحراء التي أنبتت حضارة ما رأى مثلَها التاريخُ ولا سمع بمثلها، وهذه الرمال التي خرج من كل حبة فيها جندي، وسيخرج منها جندي ما بقيت في الجزيرة رمال. وهذه الشمس التي طهّرت العربَ من كل رذيلة، وصهرتهم فأخرجت عقولاً من النور، وأجساماً من الحديد، وسيوفاً من الصواعق، وحِراباً من جهنم!

стр. 319

أفتسألون -بعد- عن مجد أمية: أين مجد أمية؟ إن مجد أمية على سواعدنا، إنه في رؤوسنا، إنه أمانة في أعناقنا حتى نؤدّيه كاملاً غيرَ منقوص. إن رسالة الطالب السوري: قوة في الجسم، وسُمُوٌّ في النفس، وإخلاص للعلم، ووفاء للعروبة، وثبات على الإسلام. * * * هذه هي القصة التي ذكرتُها حينما سألني الإخوان الكرام أن أكتب كلمة لمجلة «رسالة الطالب»، فهل استطعت أن أنقل رسالتكم -أيها الطلاب- لإخوانكم الذين لم تعرفوهم؟ * * *

стр. 320

من آثار المؤلف ١ ـ أبو بكر الصديق ١٩٣٥ ٢ ـ قصص من التاريخ ١٩٥٧ ٣ ـ رجال من التاريخ ١٩٥٨ ٤ ـ صور وخواطر ١٩٥٨ ٥ ـ قصص من الحياة ١٩٥٩ ٦ ـ في سبيل الإصلاح ١٩٥٩ ٧ ـ دمشق ١٩٥٩ ٨ ـ أخبار عمر ١٩٥٩ ٩ ـ مقالات في كلمات ١٩٥٩ ١٠ـ من نفحات الحرم ١٩٦٠ ١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ١٩٦٠ ١٢ـ هتاف المجد ١٩٦٠ ١٣ـ من حديث النفس ١٩٦٠ ١٤ـ الجامع الأموي ١٩٦٠ ١٥ـ في أندونيسيا ١٩٦٠ ١٦ـ فصول إسلامية ١٩٦٠ ١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ١٩٦٠ ١٨ـ فِكَر ومباحث ١٩٦٠
следующие страницы →