← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للمسلمين لا يشاركهم فيه مشارك، تشهد أنه لهم وحدهم خالصاً من دون الناس أجمعين (١). الفلسطينيون حرّاس على هذا المُلك العام لكل المسلمين، فإذا فرّطوا فيه أو مكّنوا هؤلاء المتشردين، شُذّاذ الآفاق، من امتلاكه فقد خانوا هذه الأمانة وحنثوا بذلك العهد. وما كانوا ليفعلوا. وما كان عجيباً ثباتهم في الدفاع عنه، ولكن العجيب الذي لا أعجب منه ميل الإنكليز إلى الصهيونية وعطفهم عليها، وانصرافهم عن نصرة المسلمين أهل الحق الصريح! * * * إننا هنا لنتحدث بهدوء عن هذا العطف وهذا المَيل، وننظر: أفيه فائدة إنكلترا ونفعها، أم فيه ضررها والوبال عليها؟ ونمهّد

стр. 72

لهذا الحديث بحادثتين تاريخيتين: الحادثة الأولى: وقع في سنة ٥٢٥ للميلاد أن أراد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان ما تريده إنكلترا اليوم، فأعطى اليهود فلسطين وأجاز لهم، بل ساعدهم، على إنشاء حكومة يهودية خاضعة لرقابة الروم. فكيف كافؤوه؟ اسمع أقُلْ لك: إنهم كافؤوه بشق عصا الطاعة وبقتل الجنود الرومانية التي أقامها حامية لهم. وعندئذ أيقن -وسيأتي يوم توقن فيه إنكلترا أيضاً- بأن هذا الشعب اليهودي لا يصلح أن يعيش مستقلاً أبداً ولا أن يكون له وطن قومي! وعندها أرسل إلى اليهود حليفَه الملك الغساني الحارث بن جَبَلة، فأبادهم وأسر منهم خمسة وعشرين ألفاً أودعهم الحبشة وقتل منهم مثلهم! وهذه هي الآونة الوحيدة التي تمتع فيها هذا الشعب باستقلال شبه حقيقي بعد ميلاد المسيح ﵇. أما الحادثة الثانية: فليست بعيدة عنا، بل هي حادثة مشهورة وقعت في عهد الملكة فكتوريا والسلطان عبد الحميد، وذلك أن الهند ثارت على إنكلترا ثورة عظيمة كاد ينهار لهولها صرح النفوذ الإنكليزي في الهند، وأعيت إنكلترا الحيلة ولم تَرَ لها مخلصاً إلا بالالتجاء لخليفة المسلمين، فأرسل الخليفة كتاباً لثوار الهند يأمرهم فيه -باسم الدين! - بالإخلاد إلى السكينة، فسكنوا! سامح الله

стр. 73

عبد الحميد، ولولا ذلك لم يكن لإنكلترا من منجى (١). * * *

стр. 74

أستنتجُ من هاتين الحادثتين أن إنكلترا في حاجة إلى إرضاء العالم الإسلامي ومصادقته أكثر من حاجتها إلى إرضاء بني صهيون، وذلك لأن فلسطين قلبُ العالم الإسلامي، وكل حادث يسوء مسلمي فلسطين يسوء المسلمين أجمعين ويغضبون له كلهم في كل أنحاء الأرض. وإن إنكلترا التي تحيا بالهند وأكثرُ أهلها مسلمون، ويهمّها مضيقا السويس وباب المندب وحولهما المسلمون، إنها تلقى -والحالة هذه- من جرّاء غضب العالم الإسلامي عناء طويلاً وتعباً مُمِضّاً. إن إنكلترا تسعى لصداقة العالم الإسلامي منذ القديم ولا تزال تجاهر بهذه الصداقة أملاً بما ينالها منها من منافع، فعلامَ إذن تؤيد، ولو بالباطن، الصهيونيين؟ وماذا يفيدها الصهيونيون إذا خسرت هذه الصداقة؟ وهل تستطيع إنكلترا الوثوق من بقاء الصهيونيين على الولاء لها إذا هم استقلوا في فلسطين؟ هل تأمُل أن يبقوا -إذا كان ذلك- على الصداقة لها؟ إن اليهود الذين خرجوا على جوستنيان بعد أن أحسن إليهم لا يتقاعسون أن يخرجوا على إنكلترا، بل هم لا يتأخرون منذ الآن عن أن يكيلوا لها السباب جزافاً كلما ساءهم منها أمرٌ أو رأوا فرصة مناسبة! ما هو إذن نفع إنكلترا من العطف على الصهيونية؟ هذا ما

стр. 75

نتساءل عنه وقد علمنا أن لجنة التحقيق التي وقفت موقفاً عادلاً، وحكمت (أو كادت) للعرب قد أغضبت الصهيونيين فأحبوا أن يعاد التحقيق (١)، وأطاعتهم إنكلترا ورَدَّت وفد العرب على أعقابهم خاسرين! نتساءل عن هذا ونحن نعلم أن فلسطين أصرّت على مقاطعة هذه اللجنة الجديدة، وأن العالم الإسلامي كله يؤيد فلسطين فيما أصرت عليه من حقوقها، بل حقوق المسلمين جميعاً. نتساءل عن هذا، ولا ندري من يجيب. * * *

стр. 76

مشاهدات وأحاديث (٨) ضاع الأمل! نشرت سنة ١٩٣٠ (١) عُقد مجلس المعارف الكبير، حضره أعضاؤه من الآفاق، خُصِّصت له دار المَجْمَع العلمي العربي، نُشرت أخباره في الجرائد، انفضّ المجلس بعد أن أقيمت له حفلة شاي إكراماً لجهوده! ولكن ماذا صنع؟ ما هي أعماله ومقرراته؟ لا شيء! وما هي إلا أن قام صاحب الدعوة خطيباً في أعضائه، فأمالوا أعناقهم وخفضوا رؤوسهم وقالوا: آمين، فجزاهم بما أمّنوا حفلة شاي! * * * ما هذا؟ أهكذا يكتب الناس عن مجلس المعارف؟ عفواً يا أسيادي، فإن شيطان الكتابة (إن صحّ أن للكتابة شيطاناً) (٢) هو الذي أملاها عليّ، وإنما أريد أن أقول إن مجلس

стр. 77

المعارف الذي انتظرناه عاماً كاملاً لنرى على يده التعديل المنتظَر لهذا البرنامج، وبنينا على انعقاده الآمال الجسام، لم يصنع شيئاً ولم يغيّر في البرنامج حرفاً! وأعجب من هذا أنْ قد صَدَق ظنُّنا السوءَ بأعضائه وبأنهم -إلا أفراداً قلائل منهم- لا يجرؤون حتى على إبداء آرائهم في الأمور التي اجتمعوا لإبداء آرائهم فيها! ولم نكسب من هذا المجلس إلا أننا كنا نأمل لهذه البرامج إصلاحاً فمات أملنا، وكنا نرفّه عن أنفسنا بأنها من وضع غيرنا، فصادَقْنا نحن عليها، وانفضّ المجلس وقد كسب لقومه شراً عظيماً. * * * البرنامج لا يزال كما كان: يُهمل التاريخ العربي الإهمالَ كله، فيبدأ الطالبُ الصغير في الصف الثاني الابتدائي بدراسة تاريخ سوريا القديم، تاريخ الفنيقيين وأشباههم، قبل أن يدرس تاريخ الأمويين والخلفاء الراشدين. وأنت تعلم أنهم يريدون من هذا غرس بذور الفنيقية في نفوس الناشئين، حتى ينادوا بها وحتى يَدْعوا إلى قومية سوريّة تكون وبالاً على الجامعة العربية والإسلامية المنشودة وبلاء على سوريا وأخواتها. وليس هذا كل ما نشتكي منه في برنامج التاريخ، بل نشكو من جهل الطالب الذي يحمل الشهادة الابتدائية الجهلَ المطلق

стр. 78

بدول إسلامية عظيمة كان لها أعظم وأجلّ الآثار في خدمة الحضارة الإنسانية وتشييد بناء العمران البشري، في حين أنه على علم مفصَّل بتاريخ أوربا ودولها. بل إن الجهل لأفظع من ذلك، جهل حتى بتاريخ الأمويين والعباسيين أنفسهم، فتجد من الطلاب من لا يعرف عن قادة الفتوح الإسلامية أكثر من أسمائهم، مع أنه يعرف عن نابليون وروبسبير الشيء الكثير! أليس من العار على الوزارة أن تدرّس التاريخ الإسلامي كله في عامين اثنين؟ وماذا يستطيع الطالب الصغير (في الصف الثالث أو الرابع، تصور!) أن يفهم من التاريخ الإسلامي، تاريخ ثلاثة عشر قرناً، في أقل من مئة وثلاثين حصة هي مجموع ما يخصَّص للتاريخ في هاتين السنتين؟ إن هذه القضية -على وضوحها وأهميتها- لم تجد لها من أعضاء المجلس واحداً يؤيدها ويدافع عنها. * * * وهكذا مرت جلسات المجلس، وأُعلن اختتامه كما أُعلن افتتاحه والعقدة لم تُحَلّ والمُراد لم يحصل. ولينظر القارئ في اكتفاء المجلس بثلاث جلسات فقط، مع أنه دُعي للبحث في أمر جليلٍ البحثُ فيه مستفيض واسع الجنبات، أليس معنى هذا أن المجلس إنما دُعي للمصادقة والتأمين لا للبحث والدرس؟ أوْ لا فما الذي حال بينه وبين هذا التعديل المنتظَر؟ إن تلك الدهشة العامة وتلك البرقيات والوفود التي تتالت على الوزارة يوم نشرت البرنامج تعرب عن تلك الدهشة وذلك الاستياء، إن هذا كله لم يهدأ إلا طمعاً بموقف شريف يقفه هذا المجلس، أما وقد انقضى

стр. 79

ولم يعمل شيئاً فليس إلا اليأس من معونته والانصراف لجهة ثانية تحقق هذا الغرض المنشود. لقد تكلمنا في المقال الثاني من هذه «المشاهدات والأحاديث» عن الإهمال العظيم للّغة العربية الذي سبّبه هذا البرنامج، وبينّا لهم القصور الكبير الذي بدأ يعتري الطلاب في لغة الضاد. ولا نريد أن نعود هنا فنعيد ما قلناه، بل نريد أن نُعْلم الناس أن هذه البرامج لم تهمل التاريخ واللغة فقط، بل أهملت الدين قبل كل شيء، فنزعت من علومه كل صبغة رسمية ولم تجعل لها دخلاً في الفحص، ولا ينال الطالبَ من جراء جهله بها شيء من العقاب أو الجزاء. * * * خاب الأمل وضاع كل رجاء في تعديل هذه البرامج على يد المجلس، وليس لدينا طريق آخر لتعديله، فماذا نصنع؟ أنرضى بأن ينشأ أبناؤنا منشأ فيه من العقوق لدينهم ولغتهم وتاريخهم ما فيه؟ أنرضى بأن يكون بناء مستقبلنا مزعزعاً مضطرباً يقوم على عواتق أناس لا نثق بهم؟ أنرضى بهذا كله ولا نصنع شيئاً، أم نكتفي بأن ننادي (ونعلم أنه لا حياة لمن ننادي)؟ أنا لا أدري ما الجواب، فليقله لي القارئ إن كان يعلم، وسلام عليه إن فهم ما أريد! * * *

стр. 80

مشاهدات وأحاديث (١٠) مَن للعربية؟ نشرت سنة ١٩٣٠ (١) أترى يفيد الكلام في هذا الموضوع، أم السكوتُ عنه خيرٌ لنا وأجدى علينا؟ لقد قلنا حتى انشقَّت من القول حناجرنا، وكتبنا حتى نضب مدادنا وتكسرت أقلامنا، ولم نرَ لما كتبنا وقلنا نتيجة ولا أثراً، فلم يبقَ علينا إلا أن نخاطب هؤلاء المعلّمين، معلمي العربية، بالصراحة وبالقلم العريض، فنقول لهم: إنكم آثمون -بالكلمة الواضحة- حانثون بعهد العروبة ما دمتم تتساهلون في فحوص العربية، وتدرّسونها على طريقة قديمة، على أصول جافة تنفّر التلاميذَ منها وتبغّضها إليهم، وما دمتم لا تصطنعون في تدريسها الطرقَ المصطنَعة في اللغة الفرنسية مثلاً، ولا تفهمون أنه لا فرق بين تدريس النحو العربي والنحو الفرنسي. النحو الفرنسي يُدرَّس غالباً على شكل جميل تطبيقي يستطيع به الطالب أن يقرأ بلا خطأ ويكتب بصحّة ويحلل

стр. 81

ما يقرأ، وتدرّسون أنتم النحوَ على طريقة ما أدري والله ما هي، وما أظنها تصلح لتدريس لغة الزنوج! تحفّظون التلاميذ التعاريفَ بالحرف وتقسرونهم على استظهارها قسراً، دون أن تعلّموهم كيف يطبّقونها على القراءة والإنشاء، فيرون اللغة ونحوها شبحاً مخيفاً، فينفرون عنها ولا يستمرئونها ما عاشوا. وليس هذا موضوع كلمتي هذه، بل هو موضوع كلمة أخرى سأقولها في حينها، وأقصر الآن الكلام على الفحص: بدا لنا في أول الفحص نجمٌ من الأمل وهّاجٌ حين قال المستشار للجنة اللغة العربية ما معناه: "إن هذا الطنطاوي يكتب في «فتى العرب» يشكو من تساهلكم في فحص العربية، فيجب عليكم أن تكذّبوه وتعنوا بها وتستعملوا ما أمكن من الحزم فيها" ... وكان في اللجنة أعضاء صالحون حكّموا وجدانهم في هذا الأمر وعدلوا في تقدير العلامات ولم يتهاونوا في ذلك شعيرة، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن سقط في العربية عدد هائل من الطلاب! * * * هل رضي من بيدهم الأمر بهذا، وهو دليل على ضعف العربية وفساد برنامجها وعلى التهاون فيها؟ لا، إنهم لم يرضوا به، فماذا صنعوا؟ اسمع: إنهم نقلوا الأعضاء الصالحين ذوي الغيرة على العربية إلى لجان الدروس الأخرى، وأتوا بسواهم فراحوا يمنحون العلامات جزافاً! ولا أريد أن أقول إنهم كانوا هم أنفسهم جاهلين، فحسب القارئ أن يعلم أن موضوع الإنشاء الذي أُملي على التلاميذ -ولا يتجاوز السطرين- كان فيه خمس

стр. 82

غلطات من مثل «أَوْصِفْ» بدل «صِفْ»! ولم يدركها هؤلاء الفاحصون ... تبارك الله أحسن الخالقين! ماذا يُنتظَر من هؤلاء؟ وكم من الضحايا ذهبت دموعها هدراً من جرّاء جهلهم وتهاونهم؟ لا، ليس كلهم جاهلاً ففيهم أناس متعلمون، بل فيهم العالِمون، ولكن السواد يطغى فتضيع كلمات العالِمين الهادئة وسط ضجيجه العالي؛ وهكذا خُتم الفصل الأول من الرواية، ونجح كل الساقطين في المرة الأولى! * * * إنه لشيء غريب، والحقيقة أنها أشياء كثيرة كلها غريب وعجيب في فحص الشهادة الابتدائية، ولكني لا أتحدث إليك عن شيء منها، ولا أروي لك شيئاً من حوادث الالتماس، ولا أقول لك إننا كنا نحمد للمستشار عملَه لو راقب هؤلاء مراقبة شديدة كما يفعل كل مرة، إذ ليس غيره بقادر على منع حوادث الالتماس واعتبار الكفاءة أساس النجاح! كل ذلك لا أقوله لأنه ليس من موضوع كلمتي هذه، إنما أريد أن أقول: غداً يدخل هؤلاء في «التجهيز»، وغداً يأخذون البكالوريا، وبعد غد يدخلون غمار هذه الحياة وتكون بيدهم مقدَّرات الأمة، فماذا يكون حالها إذا استلم مقاليدَ أمورها مَن لا يعرف لغتَها، بل من يبغض لسانها وينفر منه؟ وماذا يكون حال الطلاب في اللغة العربية بعد خمسة أعوام؟ إننا نظلم الوزارة إذا طالبناها بهذا الإصلاح، وليس إهمال اللغة من شأنها، ولم يهملها ويفسد علينا أبناءنا إلا معلّمو العربية!

стр. 83

ولو كان فيهم من يغار عليها ومن له وجدان يحثّه على القيام بواجبه نحوها لما بلغنا هذا الانحطاط الهائل، ولكان الإصلاح أمراً ميسوراً. فيا معلمي العربية: إياكم أعني وأنتم أخاطب، فما لكم؟ أماتت فيكم كل غيرة عربية؟ أضاع من نفوسكم كل حس وطني؟ أم غَرَّتكم الرواتب والأموال؟ أينفعكم المال إذا ضيّعتم اللغةَ، واللغةُ قوام حياة الأمة؟ اللهمّ لقد عجزت عن أن أُفهم هؤلاء، فهَبْ لهم من عندك فهماً وعزماً وجرأة ... أو فأرِحْنا منهم! فلأن يُضيع لغتَنا مَن ليس منا خيرٌ لنا والله من أن نضيعها بأنفسنا ونصوّب إلى مقاتلها السهامَ بأكفّنا. ويا أيها الطلاب، أنصتوا إليّ وعُوا قولي: إن هؤلاء لن يفهموا (أو هم لا يريدون أن يفهموا) فكونوا أئمة لهم في الوفاء للعربية؛ أقبلوا عليها قبل الدروس جميعاً، فلا يضيركم إذا حفظتموها أن لا تحفظوا شيئاً غيرها، لأن ذلك حياة أمتكم، أما إذا أهملتموها فقد قتلتم الأمة، ومن قتل الأمة فهو مجرم عابث. * * *

стр. 84

على أطلال الخضراء نشرت سنة ١٩٣٠ (١) في زقاق القباقبية، في الجهة الجنوبية من «الأموي»، باب من أبوابه قديم ومصبغة من مصابغ الشام صغيرة، نعرفها كلنا ونمرّ بها كثيراً دون أن نلقي لها بالاً ودون أن نعلم ما فيها. هذه المصبغة التي تأنف أن تطيل الوقوف بها، وتفزعك ظلمتها وتنفّرك رائحتها، كانت قبل ثلاثة عشر قرناً قصراً شامخ الذرى، عالي الشرفات، قوي الدعائم، تحف به الأبَّهة والوقار ويفوح منه رَوْح النَّدّ والعنبر. وهذا الزقاق الضيق المظلم الذي تمسك بأنفك إذا جزته لتنجو من روائحه الممقوتة، وتحترس في نقل خطاك إذا سرت فيه كَيْلا توحل، كان في عهد عز القصر شارعاً عظيماً تملؤه صفوف الحُجّاب وفصائل الحرس ووفود الملوك. لنعد فنقطع في جادة الزمن ثلاث عشرة مرحلة، لنرجع إلى عهد بني أمية حيث القصر زاهٍ في دمشق، وسكانه:

стр. 85

عالونَ كالشمس في أطراف دولتها ... في كل ناحيةٍ مُلْكٌ وسلطانُ وحيث مسجد بني أمية خالص لبني أمية، ومنبره يسعى -لو كان به سعي- لخطباء بني أمية، والمسلمون يهتفون في مشارق الأرض ومغاربها للخلفاء من بني أمية. وحيث رب القصر ينطق بالكلمة، فتحملها الرياح إلى البوادي والفلوات والمدن والبلاد والجبال والتلال، فلا تبقى في الأرض بقعة لا تبلغها ولا في الدنيا جبار لا يخضع لها ويطأطئ برأسه لجلالها. وحيث راية بني أمية يحملها قُتَيبة والمغاوير من جنده إلى الهند فيرفعها على جبالها، وطارق والأشاوس من رجاله إلى الأندلس فينشرها في أرجائها، وحيث الناس ما بين الهند والأندلس رعية بني أمية، يدعون لبني أمية ويعيشون بالأمن والسعادة في ظلال بني أمية. لبني أمية الله! لقد هُدمت قصورهم الشمّاء وعَفَتْ آثارها، وحالت مصبغة! (١) * * *

стр. 86

لبني أمية الله! بعد العظمة والجلال يصبحون غرباء في أوطانهم، لا يُرى لهم أثر ولا يُعرَف لهم تاريخ. أتنسين يا دمشق أيامك الزاهرة التي كنت فيها درة العالم ومدينة الجلال؟ أتنسين أهليك من بني أمية فلا تقيمين لهم أثراً ولا تبنين لهم ذكراً؟ أتنسين يا دمشق معاوية وعمر والوليد، وقد ساقوا إليك أعظم الملوك خاضعاً خانعاً، وأورثوك أغنى الخزائن حلالاً سائغاً، وجعلوك مدينة العلم والقوة والعمران؟ ألم تثبّت أميةُ أركان الإسلام؟ ألم توثّق عراه؟ ألم يفتح قوّادها العالمَ كله ينشرون الإسلام في أهله ويهدونهم سبيله؟ لقد طوى الدهرُ أميةَ فيما طواه، وأغرقت لُجّة بحره الطامي القصورَ والديار والأطلال والآثار، فكأنّما عِزُّ أمية رواية مُثِّلَت على صفحة الزمان ثم انتهت، فعادت الصفحة بيضاء لا شيء فيها! ولكن لا بأس، ولا يضيركم يا بني أمية أن تُهدم قبوركم وتندثر آثاركم، فقبوركم في التاريخ وفي الأفئدة: إن تسل أين قبورُ العظماء ... فعلى الأفواهِ أو في الأنفسِ * * *

стр. 87

رسائل سيف الإسلام (١) الرسالة الأولى سيف الإسلام في أعناق أعدائه (١) [خَسَأ المجدِّدون إذا كان التجديد رِدّة عن الدين] دعاني ليلةَ أمس صديقٌ لي أديب إلى لقاء في فندق فكتوريا يضم طائفة من كبار الأدباء والشعراء، فأجبته مسروراً وذهبت مسرعاً، ولكني لم أجد أديباً ولا شاعراً، بل وجدت طائفة ممن أعرفهم مسلمين ينتسبون إلى أكبر الأسر الإسلامية قد عكفوا على مائدة الخمر، يتساقَون كؤوسها ويترشّفون رحيقها، ويتعللون بين الكأس والكأس بحديث -علم الله- بارد ممل وتعليقات ثقيلة بغيضة! فغمزت صاحبي ليخرج -وأنا أعهده أبعدَ الناس عن هذه المواطن التي ثوى بها الشيطان- فإذا هو قد تغيّر بعدي، وإذا هو يضحك ويجلس لا يبالي! فخرجت لا ألوي على شيء، وفررت

стр. 88

وكأنما من ثعبان، ولا والله ما كان الثعبان بأقبح مرأىً وأشدّ ضرراً من هؤلاء الفَسَقة المُجّان! مسلمون يشربون الخمر، وهم يعلمون أنها محرَّمة في دينهم! مسلمون لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يمتّون إليه بصلة أوثق من صلة اللقب والأسرة والبلد! وماذا ينفع لقبٌ إسلامي وأسرةٌ إسلامية وبلدٌ إسلامي رجلاً يتجاوز حدود الله، فيحرّم ما أحل ويُحِلّ ما حرّم، ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟! وأين هو الإسلام في رجل يستحيي أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في القوم المهذَّبين خشيةَ أن يقولوا إنه رجعي؟ وأين هو الإسلام في رجل يتقاعس عن الغضب لدينه إذا شتمه ونال منه الجاهلون خوفاً من أن يُرمى بالتعصب؟ إن الإسلام سلسلة متماسكة الأجزاء، لا سبيل لكم إلاّ إلى

стр. 89

قبولها جملة أو رفضها جملة، أمّا أنكم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدّون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون. وليس الإسلام كالنصرانية، وليس يكفي صاحبَه ما يكفي صاحبَها من أن يحضر صلواتها ويعترف لقُسُسها وبطارقها، ثم يعيش في الحياة كالسائمة يُلقى حبلُها على غاربها فترعى ما ضرّها ونفعها وأفادها وآذاها! بل الإسلام دين كامل يُنير لمتّبعيه كل خطوة من خطى الحياة، ويدلّهم على كل غاية فيها لهم صلاح وهدى؛ فهو دين، وهو قانون، وهو كل شيء. فهما ثنتان أيها القوم ولا ثالثة لهما، إما أن تكونوا مسلمين في سرّكم وجهركم، وجِدِّكم وهزلكم، وبيوتكم ومجامعكم، وفي كل أمر من أموركم ووقت من أوقاتكم، وإما أن تخرجوا من الإسلام وتخلعوا رِبْقَتَه (١) من أعناقكم وتنفضوا منه أياديكم، ثم تقولوا للناس إنكم كافرون مرتدّون، وإذن تخسرون كل شيء إذ تخسرون الإسلام ولا يخسر الإسلام -وربّ محمد- إذ يخسركم شيئاً. وإن ديناً تعهّد الله بحفظه لا يضيره أن يخرج منه أقوام علم الله أنهم لم يدخلوا فيه أبداً! * * *

стр. 90

لقد ظهر الفساد في البر والبحر، وانتشر الإلحاد والفسوق في الأرض، وعطس الشيطان في مناخر أهله وزيّنَ لهم ونطق على ألسنتهم، فحسبوا أن الله تاركهم وضلالهم، وظنوا أنه لا يبعث لهم من يدمغ بالحق قلوبهم ويضرب به على أيديهم، فيَزهق الباطل ويعلو الحق، وكان الباطل زَهوقاً. فالويل لكم يا رجال السوء، تُراؤون بالإلحاد كما كان يرائي الناس بالصلاح، وتجحدون ربكم وكلُّ جارحة من جوارحكم تشهد -لو أنطقها الله- إنكم كاذبون! وتبرؤون من دينكم وشرقيتكم حتى تُرضوا هؤلاء الغربيين وتتزلفوا إليهم، وهم لا يلتفتون إليكم ولا يقيمون لكم وزناً. أفيكم واحدٌ يصمد لمقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل؟ هل فيكم واحد يبرهن للناس على أنه مسلم وهو يكفر ويفسق، ويجهل من الإسلام كل ما جاوز اسمه؟ فافهموا إذن أن الله لا يقبل ديناً لا يُخلَص له، ولا يقبل ديناً تشركون فيه معه قوماً كافرين، حتى إذا لقيتم الذين آمنوا قلتم آمنّا وإذا خلوتم إلى شياطينكم قلتم إنا معكم إنما نحن مستهزئون! * * * لقد قدّرَ الله أن نكون في عصر أصبح فيه شُبّان العرب لا يرون لأنفسهم فخراً أكبر من تقليد الغربيين واقتفاء أثرهم فيما يضر وما ينفع، ولا وصمةً أكبر من الوفاء بحق العربية والقيام بشعائر دينها! قدّرَ الله أن نرى الرجل المسلم العربي تبلغ منه المدنية الغربية مبلغها، فإذا هو ملحد في دينه أعجمي في لغته،

стр. 91

غريب بأطواره بين أهله وعترته! قدّرَ الله أن يكون لنا من أنفسنا عدوٌّ لها صديقٌ لعدوّها، يعمل فيها عَمَلَ النار في الحطب إذا خالطته وهي ليست منه، أو عَمَلَ المجدِّدين في هذه الأمة إذا ادّعَوا إصلاحها وهم أبعد عنها من الأرض عن السماء! نعم، قدّرَ الله كل ذلك لأن لله في الكون سنّة لا تتبدل، ولكنه أمرنا باليقظة والانتباه والسعي وإعمال الرأي وتحكيم العقل. فانتبهنا، فإذا نحن واقفون على حافة الهُوَّة، وإذا الهُوّة لا قرار لها، وإذا حبُّنا الغربيين وأخذُنا بعاداتهم يَنْقُض علينا موقفَنا حجراً حجراً، حتى يسقط بنا فنسقط فيها. إذن فلتُطْوَ من تاريخنا تلك الصحيفة المشؤومة التي سجَّلْنا فيها على أنفسنا العجز والخضوع لهؤلاء الغربيين، ولنعد إلى ديننا فإن دينَنا الحقُّ لا حق سواه، ولنجهَرْ به في كل موطن من المواطن ونصدَعْ بأوامره في كل زمن من الأزمان، ولنتمسَّكْ بشعائره ونحافظ عليه، ونذبّ عنه ونبرأ ممّن لا يغضب له. نحن مؤمنون دائماً، مؤمنون أبداً، فلتَنْشَقّ مرارة الملحدين من الغيظ وتتمزق حناجرهم من رَمْينا بالرجعية والتعصب، فلن نبالي بهم، ولن يُدْلوا بحجة على كفرهم أو تُبدَّلَ الأرضُ غيرَ الأرض والسماوات! اللهم ثبت علينا دينك، وثبتنا على دينك. * * *

стр. 92

رسائل سيف الإسلام الرسالة الثانية سيف الإسلام في أعناق أعدائه (٢) [هذه هي الكلمة الثانية نقذف بها في وجوه هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم مجدِّدين، بعد أن داخلناهم وعرفنا طواياهم واكتشفنا دخائل أمورهم، فعلمنا أن ذلك الجمود الذي أنكرناه على بعض المشايخ خيرٌ بألف مرة من هذا الإلحاد وهذا الفسوق الذي ننكره اليوم على كثير من الشبان الناهضين.] عرفنا هؤلاء «الناهضين» فعرفنا شراً على الأمة لا شرَّ وراءه! وأيُّ شر وراء قوم مسلمين بأسمائهم وألقابهم كافرين بأفعالهم وأعمالهم؛ لا يقيمون الصلاة، ولا يُؤتون الزكاة، ولا يصومون رمضان، ولا يَحُجّون البيت وإن استطاعوا إليه سبيلاً! يقولون إنهم مسلمون، وأنت ترى بيوتهم ونساءهم وأولادهم وأقرباءهم فترى تَفَرْنُجاً وسفوراً، وتراهم أبعدَ عن الإسلام من الحق عن الباطل والأرض عن السماء! مسلم امرأته سافرة، تبدي للناس نَحْرها وسَحْرها وذراعيها

стр. 93

وساقيها! (١) مسلم أولاده باديةٌ عوراتُهم إفرنجيةٌ مدارسُهم، يعرفون عن المسيح أكثر مما يعرفون عن محمد عليه صلاة الله وسلامه! مسلم يدخل المسجد مرة في العام، ولا يلبث يوماً لا يدخل فيه مقهى أو مسرحاً! مسلم تقول له: قم فَصَلِّ، فيقول لك: أهي بالصلاة؟ تقول له: صُمْ، فيقول لك: أهو بالصوم؟ تقول: اذكر الله وصلِّ على محمد، فيقول: أهي بالذكر والصلاة على محمد؟ فيا ابن اللَّخْناء، يا أحمق! إذا لم يكن الدين بالصلاة وإذا لم يكن بالصوم وإذا لم يكن بالسنن والأذكار، فهل يكون الدين بحضور حفلات الرقص والجلوس إلى موائد الخمر؟ لا، نحن لا نريد أن نَحْمل الناس كلهم على الإسلام، ولكننا نريد أن نبيّن للناس أن المسلم لا يستطيع أن يشرب الخمر وهو مسلم، ولا يستطيع أن يسمح لنسائه بالسفور وهو مسلم! نريد أن نعلن براءة الإسلام من هؤلاء «المسلمين الجغرافيين»، الذين هم مسلمون في تذاكر النفوس وأسماء الآباء، وكافرون فيما وراء ذلك. نريد أن نعود إلى الدين. نعم، إن الصحافة صاحبة الجلالة تسدّ بابها في وجه أنصار الدين لأنهم غير مجدِّدين كتجديدها، ولكن الدين لا يموت إذا

стр. 94

لم تنصره الصحافة، لأن الله ينصره، والله أكبر. نعم، إن الجمهور من المتعلمين يسمّي الدفاع عن الدين تعصباً ورجعية، ولكننا نفخر بهذا التعصب وهذه الرجعية ونرفع بها رؤوسنا. نعم، إن الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً. * * * ألا ليعلم الناس أننا مسلمون، لنا كتاب الله وسنة رسول الله، وسينصرنا الله، وسيؤيد بنا دينه ويؤيدنا بدينه: ﴿وكانَ حَقّاً عَليْنَا نَصْرُ المُؤْمِنين﴾. أيها المسلمون: اتحدوا، أزيلوا ما بينكم من ضغائن، ارفعوا ما في قلوبكم من أحقاد، فكلّكم مسلم وكلكم يشهد أن لا إله إلا الله. وقابلوا عدوكم صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص، كما يقابلكم صفاً واحداً. ثقوا بنصر الله وتأييده، فلقد آن للحق أن يعلو وللباطل أن يزهق، لقد آن للدين أن يظفر وينفذ حكمه وللشيطان أن يخنس ويُعصى، لقد آن لأنصار الدين أن تكون لهم العزة والجلال: ألا لله العزة ولرسوله وللمؤمنين. * * *

стр. 95

رسائل سيف الإسلام الرسالة الثالثة سيف الإسلام في أعناق أعدائه (٣) لله الحمد والمنّة، ومنه التوفيق والإنعام، وعلى رسوله الصلاة والسلام. نحمدك اللهم على نعمة العقل التي خصصتنا بها دون هؤلاء الملحدين، ونعوذ بك من التقليد الأعمى الذي ابتليتهم به حتى أصبحوا يتّبعون آثار أوربا شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلَت جُحر ضَبّ لدخلوه ولو سكنت وِجار كلب لسكنوه. ولا غرو، فإنها رقصت فرقصوا، وتعرّت فتعرّوا، وزنت فزنوا، وانتحرت فانتحروا! لا نعني الشبان كلهم فأكثرهم بحمد الله مؤمن، بل نعني المتنوِّرين الناهضين -كما يسمون أنفسهم- وما هم بالناهضين إلا إلى شر، وما هم بالمتنورين إلا بلهيب السعير الذي جلبته عليهم أوربا فأَصْلَتهم جحيمه، فهم أبداً أصحاب وجهين: وجه مجدِّد مخترع، وهذا ما يولونه أهلَ الدين، ووجه مقلِّد خاضع، وهذا ما يولونه أوربا، صدق والله الشاعر: «أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة»! وما لهم يَغضبون علينا ويُغضبوننا، ونحن لم نصنع شيئاً أكثر من الانتصار للإسلام والدعوة إلى الله؟ وعلامَ يغضبون من نصرة

стр. 96

الإسلام إذا كانوا مؤمنين موحِّدين؟ من يدري جواب هذا؟ هذا ما لا يعلمه إلا الراسخون في التجديد، والغائصون في حمأته إلى أعناقهم ومناخرهم! * * * وما لهم يخنسون وقد قلنا لهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين في تجديدكم، فكان جوابهم: إن أنت إلا رجعي وأنت جامد! كأن هذه الرجعية وهذا الجمود سلاح يلقونه في وجه من يطبع بالحق على قلوبهم ويَظهر عليهم ويخزيهم، وما أهون ذلك علينا ما داموا لا يجدون ذلك الرجل الذي وهبه الله البيان ووقاه من عيّ اللسان ليدافع عنهم ويثبت للناس صحة تجديدهم وسلامة عقولهم. إن هذه الفئة قد فُتنت بأوربا وجُنَّت بها جنوناً، ولم تعد تعرف للخير والشر مقياساً إلا أنّ الأول غربي والثاني شرقي! وأعرف واحداً من هؤلاء، بل من أساطينهم، رويت له حادثة وأنبأته أن قد ذكرها ابن جرير في تاريخه وابن هشام في سيرته، فكذّبها وسخر منها، فلما كان بعد أيام رأيته فأقبل عليّ يقول: لقد كذّبتُ منذ أيام تلك الحادثة، ولكني وجدت أنها صحيحة. قلت: وكيف كان ذلك؟ قال: علمت صحتها لأني رأيت مسيو فلان ينقلها في كتابه «تاريخ محمد»! بل أعرف كثيرين منهم يقدّرون الرجل ويقيسون عقله بمقدار ما يدور على لسانه من ذكر أوربا وثقافتها وآدابها ومذاهبها، ورجالها وعظمائها وجيوشها وأساطيلها! وعندهم أن مَن يحمل

стр. 97

شهادة من باريس أو لندن -ورأسه فارغ- خير ممّن يفيض علماً ولا يحمل شهادة! وثلاثة أرباع النابغين المبرزين إن أنت أحصيتهم وجدتهم من غير حَمَلة الشهادات. اسمعوا وأجيبوني: ألا أستطيع أن أكون مسلماً مؤمناً بالله، مقيماً لفروضه مجتنباً نواهيه، وأكون عالماً إن شئت أو أديباً إن أردت؟ وهل يمنعني الدين من الإخصاء في علم أو التبريز في أدب؟ وهل حسبتم أن الثقافة قد قُصرت عليكم فكانت لكم خالصة من دون الناس أجمعين؟ لا، وأنا لم أدرس في الأزهر ولا في جامع الزيتونة، بل درست كما درستم وحصلت ما حصلتم، وأستطيع أن أتم درسي وأوالي تحصيلي حتى أكون كأحسنكم، ولا ينقص ذلك من ديني شيئاً. * * * أما والله لو عرف هؤلاء المجدِّدون أيّ لذة يشعر بها المؤمن -إذ يلتجئ إلى الله أو يقف خاشعاً بين يديه- لباعوا دنياهم كلها بصلاة واحدة. إنهم يصبحون وقد أضحى النهار، فيغسل أحدهم وجهه ويديه ثم يتناول طعامه ويذهب إلى عمله، حتى إذا كان المساء انصرف إلى مقهى ساء هواؤه وفسد جوُّه وقبح مشهده، فقضى فيه ثلثاً من ليله ثم فارقه وهو تَعِب محطم إلى الفراش! ويصبح المؤمن قبل الفجر أو بعده بقليل، فيشهد جمال الطبيعة التي خطّت سطورَها في صفحة الكون يدُ الله، فيمتلئ قلبه تعظيماً لله فيقف فيصلي خاشعاً خاضعاً، ثم يشهد بزوغ الشمس ويرقب أشعتها الذهبية إذ تتساقط على الأشجار والبُنى والبطاح، ثم يتناول طعامه بادئاً باسم الله خاتماً بحمد الله، ويذهب إلى عمله ... أيّ

стр. 98

فرق بين صباح هذا وصباح ذاك، وأيّ جزاء يصيب به الله هؤلاء أكثر من حرمانهم هذه اللذة التي تتقطع دونها الأعناق؟ ويصاب الملحد بالمصيبة فتضيق به الدنيا، فلا يجد مخلصاً له إلا الانتحار أو الفرار، ويصاب المؤمن فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمّ أنت وهبت وأنت أخذت، فلا حول ولا قوة إلا بك"، ثم يدعها لله فيبدله الله خيراً منها ويرزقه الصبر على فقدها. ألا إن السعادة والهناءة في هذه الحياة الدنيا لا تأتي إلا من طريق الإيمان، ولا يعرف الإيمانَ إلا مَن ذاق لذته وخالطت قلبَه حلاوتُه، وأما من طمس الله على قلبه وضرب على فؤاده فلا يشتمّ ريحه ولا يدرك له مغزى. ألا فليأذن هؤلاء المجدِّدون بحرب من الله ورسوله، فقد وقفنا أنفسَنا على كشف عيوبهم وإبداء سوءاتهم، حتى يعرفهم الناس كما هم لا كما يريدون أن يعرفوهم! وفّقَنا الله إلى التنكيل بهم أو وفّقَهم إلى الرجوع إلى دينه، إنه سميع يجيب الدعاء. * * *

стр. 99

رسائل سيف الإسلام الرسالة الخامسة وجوب الدعوة إلى الله ألا تشعر معي -أيها القارئ الكريم- بأن الإسلام في حاجة إلى دعوة واسعة النطاق متنائية الأطراف، يكون فيها مبشِّرون مخلصون ينشرون في الناس فضائله ويبيّنون لهم محاسنه، ومجاهدون مُجِدّون يدرؤون عنه كيد الخصوم وافتراء الأعداء؟ ألا تضحّي في سبيل هذه الدعوة وفي سبيل إنمائها وتقويتها بالشيء القليل من وقتك ومالك؟ لقد بلغ الأمر حدّه ولم يبق إلى تجاهله من سبيل، واسمع أقصص عليك نبأ حادث وقع معي منذ أمد قريب، وأمثاله كثير غير أنّا لا نَنْبَه (١) له ولا ندري به. حادث كان في «بَسِّيمة» (٢)،

стр. 100

وبسّيمة مُتَنَزَّه فَتّان حوى من جمال الطبيعة وبهائها ما لا يحيط به وصف، وأهل بسّيمة قوم ما أحسب أن في الناس أطهر منهم قلوباً وأصفى نفوساً وأقوى إيماناً. ذهبت إلى «بَسّيمة» في يوم عطلة، فلم أكد أصلها حتى يمّمت وجهي -وكان ذلك مساء- شطر العين الخضراء، وعهدي بالعين ومرجتها بقعة إسلامية، تقام فيها الصلوات وتُتلى فيها آي الله ويرفرف عليها الخشوع بجناحيه الطاهرين، فرأيت فيها ما لا عهد لي به ولا يخطر لي ببال: نساء متبرّجات يعرضن للناس زينتهن وعوراتهن، ورجال مُبَرْنَطون يترصّدون لهن فيكلمونهن ويغازلونهن، وآخرون يشربون ويطربون ثم يسكرون ويعربدون، والصلاة تقام، فلا هم يصلّون ولا هم يكفّون عن ضجيجهم وغنائهم حتى يصلي المصلون! وما لم أحدثك به أدهى وأمر: فَظُنَّ شَرّاً ولا تسألْ عن الخَبَرِ! هذا في مَصِيف كنا نعده إسلامياً، فما ظنك بالزَّبَداني وبلودان؟ بل ما ظنك بلبنان؟ وأعاذك الله من لبنان! لقد كنا وكان الناس يراؤون بالصلاح، فأصبحنا والناس يراؤون بالإلحاد. وكنا وكان العاصي يتنحّى ناحية ليعصي ويفسق، فأصبحنا والصالح يتنحّى ليطيع ويعبد! صدق رسول الله ﷺ : لقد عاد الدين غريباً، وآضَ المتمسّك بدينه كالقابض على الجمر! الإسلام غريب، وأين؟ في دمشق! ظئر الإسلام ودار التقى والصلاح، فيكف نرضى بالسكوت، ومن يخلّصنا من الله غداً إذا سألَنا: لِمَ لمْ تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؟ بماذا

стр. 101

نجيب؟ أنقول له: "ربنا شغلتنا أموالنا وأهلونا، فأهملنا دينك وتركنا كتابك"؟ أنبقى على هذه الحال حتى تأتينا آجالنا فنموت موت البهيمة؟ أندع هذه الشرذمة القليلة تجهر بإلحادها وكفرها، وتحسب أن الجوّ قد خلا لها وأن دين الله لم يبقَ له من نصير؟ أتخيفكم هذه الفئة الضالة بكلمة واحدة قد اتخذتها سلاحاً لها وجِنّة، وهي كلمة «التعصب»؟ إن التعصب في عُرف هؤلاء كل أمر فيه تأييد الدين ونصرته، فأنت لا تزال عندهم متعصباً حتى تدع دينك وتنبذ إيمانك وتسير -كما ساروا- في أذناب الغربيين، ولن يرضى عنك هؤلاء المجدِّدون حتى تتبع سخافتهم وجنونهم ... وخير لك لو ألقيت كيدهم في نحورهم وقلت لهم بجَنان ثبت ولسان طلق: أنا متعصب! وها أنَذا أقولها، فليسمعني الثقلان، وليمت من الغيظ الملحدون: أنا -الطنطاوي- متعصب، متعصب، متعصب ... أكرّرها ألفاً! والتعصب ضروري على رغم أنوفكم، بل إن أمة لا عصبية لها لا بقاء لها، فهل سمعتم يا مجددون؟ إن كان رفضاً حُبُّ آل محمّدٍ ... فليشهدِ الثَّقَلان أنّي رافضي! * * * إن المسلمين اليوم في معركة حامية نتيجتُها الحياة أو الموت، وإن العدو قد أحاط بهم من كل ناحية وأخذ عليهم كل طريق، ولا سبيل لهم إلى الظفر إلا بالاتحاد والجهاد. ألا يجب أن نتحد، ويجب أن تتغاضى عمّا بيننا من خلاف في الرأي وبُعد في المذاهب، ما دمنا جميعاً نشهد أن لا إله

стр. 102

إلا الله، وما داموا يهاجموننا جميعاً. يجب أن نحارب الإلحاد والفسق والسفور والتهتك والخمور، وكل ما حرّمَ الله، ونقاطع كل من يدعو إليها أو يحبّذها، فإذا لم نفعل لم نكن مسلمين حقاً. وكيف يحضر المسلم مجالس الخمر دون أن يكسر كأسَها على رأس شاربها -كائناً من كان- إذا كان قديراً على ذلك، أو ينسحب إذا كان ضعيفاً عاجزاً؟ وكيف يصادق المسلم من إذا أقيمت الصلاة جلس ناحيةً ينتظر فراغها كأنه من النصارى؟ وكيف يبقى المسلم في مجلس يُهان فيه الإسلام دون أن يصدع فيه بالحق، فيقوّضه على أهله أو يدعه للشيطان؟ إننا نعيد ما قلناه ونسأل الله أن يثبّتنا عليه، وما قلناه حق صَراح لا مرية فيه: هذا هو الإسلام، وهذه حدوده وشعائره، وهذه أصوله ومصادره: كتاب الله، وسُنّة نبيه، وإجماع المسلمين، وقياس العقل السليم، وهو دين الحق، دين المنطق، دين العلم، دين الحضارة، ولا سبيل إلا إلى قبوله جملةً أو نبذه جملة. فهل في هؤلاء الذين يحسبون أنهم مجددون واحد، واحد فقط، يستطيع أن يدلل على هذا التجديد بدليل عقلي ويثبته بإثبات منطقي؟ إنْ «نعم» فأرونا، وإنْ «لا» فاخنسوا واخجلوا من الناس إذا كنتم لا تخجلون من الله. * * * أيها الناس، لا تحسبوا هؤلاء المجددين شيئاً مذكوراً، فما هم إلا بضعة أشخاص متهوّسين يقذفون من أفواههم خبثَ أنفسهم، فلا تحسبوا لهم حساباً ولا تقيموا لهم وزناً، فهم أهون

стр. 103

على الله وعلى الحقّ من جناح بعوضة! دعوهم وانصرفوا إلى العمل. ليعمل كل فرد منكم جهده وليجاهد ما استطاع. نعم، إن ما يقدر عليه الفرد لا يقوم به عمل ولا يأتي منه كبير فائدة، ولكن الأفراد كثيرون، ويستطيعون -إذا وحّدوا جهودهم وعملوا جميعاً- أن يوجِدوا من قليلٍ كَلٍّ كثيراً له أثره وعمله في هذه الدعوة المنشودة. فلِمَ لا نتفاهم إذن، ولِمَ لا نسعى إلى العمل جميعاً؟ إننا نحتاج إلى شيئين اثنين قبل كل شيء، وهذان الشيئان قوام حياتنا وأصل نجاحنا: مدرسة إسلامية تنجب للمستقبل رجالاً هم مسلمون قبل أن يكونوا وطنيين وقبل أن يكونوا متعلمين، وتقي أبناءنا وإخواننا شر هذه المدارس التبشيرية وأشباه التبشيرية، التي تفجعنا بهم وتعيدهم إلينا مارقين من دينهم، متجردين من قوميتهم جاهلين بلغتهم وتاريخهم ... وجريدة إسلامية تخلّصنا من هذه الجرائد التي طلّقت الدين ثلاثاً، وأصبحت -إلا القليل منها- ترى الدعوة إليه والبيان لمحاسنه عاراً عليها ومَثلبة، وترى الدعوة إلى أوربا والترغيب في خبائثها فخراً لها ومكرمة! فإذا وجدنا هذه الجريدة الإسلامية استطعنا أن نبيّن حكم الله في هذه الأمور التي تمرّ بنا، وأن نحارب هؤلاء المارقين أعداء الله بمثل السلاح الذي يحاربوننا به. وإذا وجدنا تلك المدرسة الإسلامية قَدِرْنا أن ننظر إلى المستقبل ونحن مطمئنون إلى نجاحنا فيه وظفرنا عليه. * * *

стр. 104

رسائل سيف الإسلام الرسالة السابعة الصلاة وأسرارها قال الله ﵎: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمنينَ كِتاباً مَوْقوتاً﴾، ﴿إنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاء والمُنْكَر﴾، ﴿فَوَيْلٌ للمُصَلّينَ الذينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهون﴾، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري﴾، ﴿وأقيمُوا الصَّلاةَ وَلا تكونوا منَ المُشْركين﴾، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضَاعوا الصّلاةَ واتَّبَعوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً، إلاّ مَنْ تَابَ﴾، ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَر؟ قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين﴾. وقال رسول الله ﷺ (وما ينطق عن الهوى): «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، «لا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد»، «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله»، «من ترك الصلاة فإنما وُتر أهلَه ومالَه»، «من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَيّ بن

стр. 105

خلف»، «أول ما يُحاسَب به العبد صلاته، فإن كان أتمّها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمّها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملوا بها فريضته؟»، «أسوأ الناس سَرِقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها». * * * هذه بعض الآثار الواردة في الصلاة بياناً لمكانها من الدين، جمعتها وعرضتها ردّاً على من أهملها وهَوَّنَ خطرها وزعم أن له في غيرها غِنىً عنها. وكثير من الناس يرون هذا الرأي ويدينون بهذا المذهب، ولقد أتاني منذ أيام واحدٌ منهم يمتّ بنَسَبه إلى أسرة معروفة في دمشق بأنها أسرة علم وتقوى وورع وصلاح، فحدثني وحدثته، فكان من حديثه إليّ أن قال: لو أن امرأً نفع الناس وسعى في مصلحتهم، وأهمل صلاته ومنع زكاته، ما كان هذا ليضرّه شيئاً في جانب ما صنع! فحركت شفتي لأقول شيئاً، ولكنه لم ينتظرني وعاد يقول: وإني لأعلم أن هؤلاء الجامدين لا يقرُّونني على هذا الرأي ولا ... وهنا لم أجد بداً من قطع حديثه بقولي: ولكن قل لي أولاً، أمسلم أنت؟ - يا الله! ألا تعرفني؟ - وتفهم ما هو الإسلام؟ - عجيب؟ ما هذه الأسئلة؟

стр. 106

- هي جواب كلامك يا صاحبي! إذ كيف تقول «هؤلاء الجامدين» وأنت تعلم أنه رأي الإسلام وأنه الذي جاء به محمد ابن عبد الله ﷺ ؟ إنك لا تعرف الدين، وهذه بليّتنا مع أمثالكم؛ لا هم يعرفون فينطقون بعلم، ولا هم يسكتون فيريحون الناسَ وأنفسَهم. نعم يا سيدي، إن من يترك صلاته وصومه وحجّه لا يُعَدّ مسلماً ولو خدم البشرية ألف عام، لأن هذه أركان الإسلام، وكيف يقوم الصرح على غير ما أركان؟ * * * لقد آن لهؤلاء الذين يجهلون الدين أن يفهموا حقيقته ويعرفوا أصله، أو يعترفوا بجهلهم ويجهروا بقصورهم! إن الإسلام دين كامل، ومعنى «دين كامل» أنه ينير لمتَّبِعه كل خطوة يخطوها في الحياة، فهو أرأف به من أبيه وأحنى عليه من أمه، وأعرف بمنفعته ومصلحته من نفسه التي بين جنبيه، يدلّه على كل ما فيه خير له وصلاح وينهاه عن ما فيه ضير عليه ووبال. والدين ثلاث شعب: إيمان وإسلام وإحسان. فالإيمان حق الله، والإسلام حق النفس، والإحسان حق الناس. وليست هذه الشُّعَب متباينة مفترقة، بل هي متلازمة متقارنة لا تفترق أبداً، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا تجردت عن الإيمان، عن التفكير بجلال الله وكماله وعن حضور القلب وخشوعه، أصبحت ضرباً من القيام والقعود لا مغزى له ولا فائدة. والصيام ركن من أركان الإسلام، ولكنه إذا خلا من الإيمان، من الإخلاص لله وابتغاء وجهه، من مراقبته والابتعاد عن عصيانه، آضَ نوعاً من

стр. 107

الشقاء، شقاء نفس ليس لله حاجة بتركها طعامَها وشرابَها إذا هي لم تدع قول الزور والعمل به. والزكاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا ابتعدت عن الإيمان وداخلَها الرياء والفخر تحولت معصيةً لا ثواب عليها. ومثل هذا يقال في كل طاعة من الطاعات، ما دام الأصل فيها توحيد الله وأن تكون خالصة لله. ولا يجوز لامرئ أن يقوم بحق الناس ويدع حق الله وحق النفس، بل إن من يهمل هذا لا يقوم بذاك، ومن لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لا يفي لأمته وبلاده، ومن لا ينفع نفسه لا ينفع وطنه. وإذا كسل عن القيام للصلاة -وهو يعلم أنها خير له من كل خير- فكيف ينشط للتضحية بنفسه وماله في سبيل وطنه؟ ومَن الذي يعمل للوطن لا يريد من وراء علمه شهرة ولا ذكراً في الناس حسناً؟ إن هذا من طبائع النفس البشرية التي لا انفكاك لها عنها، وإني لأحاول -عَلِمَ الله- حين أكتب أن لا أفكر إلا في ابتغاء الأجر من الله، فتغافلني نفسي وتفكر في استقبال الناس لما أكتب وسرورهم به ... هذا فيمَن يؤمن بأنه يعمل في سبيل دينٍ له ربُّه القادر على كل شيء، فكيف بأولئك الذين لا يكادون يعرفون لهم رباً؟ وما أدري كيف نعامل تارك الصلاة ونثق به؟ إنها لحماقة منا أن لا نكون منه على حذر وأن لا نسيء به الظن ونرقب منه الغدر، وقد أساء إلى نفسه وغدر بها، فمنع عنها خيراً كثيراً وسَدَّ في وجهها باب السعادة الأبدية بتركه الصلاة! * * *

стр. 108

ولنترك هذا الآن ونسأل: هل نحن نصلي؟ قبل أن أجيب على هذا أقصّ على القارئ قصة الشاعر والأمير: وذلك أن شاعراً أراد الدخول على أمير كريم يعطي المال الجزيل من يمدحه على شرط أن يخلص في مدحه ولا يذكر في حضرته غيره، فسأل حاجبه عن الوقت الذي يؤذَن له فيه والهيئة التي يلقاه عليها، فقال له: إذا كان صباح غد فتطيّبتَ ولبست كذا وكذا من الثياب ثم جئت إليّ أوصلتك إليه، وعليك بعد ذلك مدحه والثناء عليه. فراح فصنع ما قال له، لم يخرم منه حرفاً، فلما دخل على الأمير نسي كل شيء إلا أُمْدوحة قالها في أعدائه، فطرده! هذا هو مثلنا إذ نصلي، ولله المَثَل الأعلى: بيّنَ لنا الفقهاء ما من شأنه تطهير ظاهرنا وصلاحه وتركوا لنا الخشوع وحضور القلب، فتركناه وحسبنا ما ذكره الفقهاء كل شيء في الصلاة، فاستحالت صلاتنا قياماً وقعوداً، وأصبحنا نتلو قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعينُ﴾ والله يعلم أين قلوبنا وماذا نعبد: مالاً؟ أم تجارة؟ أم أهلاً؟ أم ولداً؟ ولو أقمنا الصلاة على وجهها وفهمناها على حقيقتها لنَهَتْنا عن الفحشاء والمنكر وأصلحَتْ لنا أمرنا كله. وأيّ منكَر يُقْدم عليه مَن لا يغيب عن الله طرفة عين، ومن يقف خاشعاً خمس مرات كل يوم بين يدي رب العالمين الذي يعلم السرّ والخفي؟ يفكر في عظمته وجلاله، فيتضاءل العالم في عينيه حتى يصبح -بجانب ما يفكر فيه- كالحلم من الحقيقة والفناء من البقاء، فلا يرى إلا الله الحي الباقي، فيسأله أن يا ربّ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ﴾ ووفِّقْنا إلى الطريق السويّ، ﴿صِراطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهم﴾ فوفقتهم وهديتهم، فيجيب الله دعاءه ويمنحه

стр. 109

ما طلب، لأنه قال: ادعوني، ووعدنا بالاستجابة. أي مسلم يذوق حلاوة الصلاة ثم يتأخر لحظة واحدة عن إجابة داعي الله إذ ينادي: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح"، ولا يدع عمله وشغله مهما عظم وكبر؟ وماذا يضرّه تركه وهو ذاهب ليجيب داعي الله، والله قادر على أن يمنحه بدلاً عنه عشرة أمثاله؟ ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. * * * لو كنا نصلي الصلاة التي أمر بها ربُّنا إذن ما بقي فينا -والله- ضعيف ولا فقير ولا بائس. لو كنت أنا الذي أعظ الناس قادراً على نفسي ... إنني لأعظهم وهم أحسن مني، وإنّي لأتصور هذا فأَهُمّ بكسر القلم وتمزيق القرطاس حياءً من الله، ثم يبدو لي فأقول: لعلّ الله يرحمني فيهديني ويهدي بي (ولأن يهدي بي الله رجلاً واحداً أحب إليّ من حمر النَّعَم (١)). اللهم يا ربّ لقد غلبَتنا أنفسنا، فقوِّنا عليها وأعِذْنا منها ومن الشيطان الرجيم، يا الله. والله لو كنا نبتدر باب المسجد حين نسمع الأذان ما بقي فينا من يُخلف الوعد أو يكذب إذا قال، لأننا نكون أقوياء الإرادة حافظين للمواعيد. ولو كنا نسبغ الوضوء لكل صلاة ونأتي بسننها ونوافلها ما بقي فينا مريض ولا واهن القوى، لأنها تقوّي أجسامنا

стр. 110

وتشحذ أدمغتنا، وتثبتنا وتشد من أزرنا. ولو كنا ندرك الحكمة من صلاة الجماعة ونتذاكر في شؤون المسلمين وأحوالهم وما وقع لهم وعليهم، ما نزلت بنا هذه النكبات التي نضجّ اليومَ بالشكوى منها ولا نطيق لها دفعاً. الصلاة مِلاك الإسلام وعموده، فحافظوا عليها وأقيموها لأول أوقاتها، لا تؤخروها، واخشعوا فيها واطمئنوا، واذكروا أنكم واقفون بين يدي خالقكم الذي يعلم سركم ونجواكم، ونَبِّهوا إليها أهلكم ونساءكم، ورَبُّوا عليها أولادكم وبناتكم، وقاطعوا كل تارك لها مقصر فيها، ولكم في الله عنه غنى، هو حسبكم ونعم الوكيل. * * *
следующие страницы →