← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1722

الاستذكار

ابن عبد البر

Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الذَّاهِبِينَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ قَالُوا وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَوْلُودِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ أَجْمَعِينَ مَوْلُودُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْلُودَ عَلَى الْفِطْرَةِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي كُفْرِهِمَا حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ وَيَبْلُغَ مَبْلَغَ مَنْ يَكْسِبُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُولَدْ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا مَا دَامَ لَمْ يَحْتَلِمْ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ كَانَ حَكَمَ نَفْسِهِ وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثِ أَبِي إسحاق عن سعيد بن جبير عن بن عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ طَبَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ طَبَعَهُ كَافِرًا وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يولد مؤمنا ويحيى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ويحيى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَلَدُ مُؤْمِنًا ويحيى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ويحيى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَخَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ قَالُوا فَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَبَوَاهُ نَصْرَانِيَّانِ أَوْ يَهُودِيَّانِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ وَفِي دَفْنِهِ مَعَ أَبَوَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا دَامَ صَغِيرًا ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ قَالُوا وَأَلْفَاظُ الْحُفَّاظِ عَلَى نَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا وَدَفَعُوا رواية من روى كل بني آدم يولد عَلَى الْفِطْرَةِ قَالُوا وَلَوْ صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ مَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ الْخُصُوصَ جَائِزٌ دُخُولُهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فِي لسان العرب

стр. 1157

أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) الْأَحْقَافِ ٢٥ وَلَمْ تُدَمِّرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَقَوْلُهُ (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) الْأَنْعَامِ ٤٤ وَلَمْ يَفْتَحْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ وَذَكَرُوا مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أو يمجسانه وقد ذكرنا اختلاف ألفاظ بن شِهَابٍ فِيهِ فِي التَّمْهِيدِ وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَدِيثِ الرويا وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِبْرَاهِيمُ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَقَالَ آخَرُونَ كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَبَدًا وَأَبَوَاهُ يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا وَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَيُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ قال حدثني يونس عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ

стр. 1158

ثم قال أبو هريرة اقرؤوا (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الرُّومِ ٣٠ وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَ الرُّؤْيَا فِيهِ وَالشَّيْخُ الَّذِي فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالْوِلْدَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ فَقَالُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ أَلْفَاظُهَا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ لَيْسَ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْمُخَالِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ بَلِ الْجَمِيعُ مِنْ أَوْلَادِ النَّاسِ مَوْلُودُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَاضْطَرَبُوا فِي مَعْنَاهَا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ مُتَبَايِنَةً وَادَّعَتْ كُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ ظَاهِرَ آيَةٍ أَوْ ظَاهِرَ سُنَّةٍ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَنُوَضِّحُهُ وَنَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ عَنِ السَّلَفِ والخلف إن شاء الله وقد سَأَلَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْفَقِيهَ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَمَا أَجَابَهُ فِيهِ بِأَكْثَرِ مِنْ أَنْ قَالَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ بن الْمُبَارَكِ يُفَسِّرُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ في تفصيل قوله ﷺ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وبن الْمُبَارَكِ وَلَمْ يَزِدْ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا وَلَا عن غيرهما وأما ما ذكره عن بن الْمُبَارَكِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ مُقْنِعٌ مِنَ التَّأْوِيلِ وَلَا شَرْحُ مَذْهَبٍ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَلَكِنَّهَا جُمْلَةٌ تُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوفِ عَنِ الْقَطْعِ فِيهِمْ بِكُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ مَا لَمْ يَبْلُغُوا وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَظُنُّهُ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ إِمَّا لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِكَرَاهَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ وَالْأَحْنَفِ جَمِيعًا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ

стр. 1159

وَرَوَى عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَنَادَاهُ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ أُرِيدَ بِالْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ يُرِيدُ خِلْقَةً مُخَالِفَةً لِخِلْقَةِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِخِلْقَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ وَالْفَاطِرَ الْخَالِقُ بِقَوْلِهِ (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فَاطِرَ ١ يَعْنِي خَالِقَهُنَّ وَقَوْلُهُ (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) يس ٢٢ يَعْنِي خَلَقَنِي وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ فُطِرَ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَقَالُوا إِنَّمَا يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَى السَّلَامَةِ فِي الْأَغْلَبِ خِلْقَةً وَبِنْيَةً وَطَبْعًا لَيْسَ مَعَهَا إِيمَانٌ وَلَا كُفْرٌ وَلَا إِنْكَارٌ ولا معرفة ثم يعتقدون الإيمان أوالكفر بعد أذا ميزوا واحتجوا بقوله فِي الْحَدِيثِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ - يَعْنِي سَالِمَةً - هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ يَعْنِي مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ فَمَثَّلَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بِالْبَهَائِمِ لِأَنَّهَا تُولَدُ كَامِلَةَ الْخَلْقِ لَيْسَ فِيهَا نُقْصَانٌ وَلَا آفَةٌ ثُمَّ تُقْطَعُ آذَانُهَا بَعْدُ وَتُشَقُّ وَتُثْقَبُ أُنُوفُهَا وَيُقَالُ هَذِهِ بِحَائِرُ وَهَذِهِ سَوَائِبُ وَكَذَلِكَ قُلُوبُ الْأَطْفَالِ فِي حِينِ وِلَادَتِهِمْ سَالِمَةٌ لَيْسَ لَهُمْ كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا إِنْكَارٌ فَلَمَّا بَلَغُوا اسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ وَعَصَمَ اللَّهُ أَقَلَّهُمْ قَالُوا وَلَوْ كَانَ الْأَطْفَالُ قَدْ فُطِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْكُفْرِ أَوِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِيَّةِ أَمْرِهِمْ مَا انْتَقَلُوا عَنْهُ أَبَدًا كَمَا لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْ خِلْقَتِهِمْ وَقَدْ نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ وَيَكْفُرُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ قَالُوا وَيَسْتَحِيلُ فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ فِي حِينِ وِلَادَتِهِ يَعْقِلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا لِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ النَّاسُ عَلَيْهَا والله أعلم

стр. 1160

وَذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلَامَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ يَعْنِي عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَلَامَةٍ وَالْحَنِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَقِيمُ السَّالِمُ وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْأَعْرَجِ أَحْنَفُ عَلَى جِهَةِ التَّفَاؤُلِ كَمَا قِيلَ لِلْقَفْرِ مَفَازَةٌ فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ الَّذِينَ خَلَصُوا مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ بِلَا طَاعَةٍ مِنْهُمْ وَلَا مَعْصِيَةٍ إِذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ مُوسَى ﵇ فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) الْكَهْفِ ٧٤ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَمْ يَكْسِبِ الذُّنُوبَ وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا وَحُجَّةً فِي التَّمْهِيدِ وقال آخرون الفطرة ها هنا الْإِسْلَامُ قَالُوا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الرُّومِ ٣٠ يَعْنِي الْإِسْلَامَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أبي هريرة اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الرُّومِ ٣٠ وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ قَالُوا (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الرُّومِ ٣٠ دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الرُّومِ ٣٠ قَالُوا لِدِينِ اللَّهِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي الْكِتَابِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَكَذَلِك رَوَاهُ بَكْرُ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ حُنَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التمهيد

стр. 1161

وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ قَتَادَةُ مِنْ مُطَرِّفٍ لِأَنَّ هَمَّامَ بْنَ يَحْيَى رَوَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مُطَرِّفٍ وَلَكِنَّهُ حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَالْعَلَاءُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ يَقُولُ حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ لَمْ يَقُلْ مُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا قَالَ حُنَفَاءَ فَقَطْ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ محمد بن إسحاق عن من لَا يُتَّهَمُ عِنْدَهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ فِيهِ إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي كُلَّهُمْ حُنَفَاءَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمِينَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ مُسْلِمِينَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَسْقَطَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ يَقُولُونَ فِيهِ مُسْلِمِينَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى (حنفاء) فروي عن الضحاك والسدي فِي قَوْلِهِ (حُنَفَاءَ) قَالَا حُجَّاجًا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ الْحَنِيفِيَّةُ حَجُّ الْبَيْتِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حُنَفَاءَ مُتَّبِعِينَ هَذَا كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ الْإِسْلَامُ وَيَشْهَدُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) آلِ عِمْرَانَ ٦٧ وَقَالَ (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الْحَجِّ ٧٨ قَالُوا أَوَّلُ من تسمى مسلم وَسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ الْمُسْلِمِينَ (إِبْرَاهِيمُ) ﵇ فِي الْحَدِيثِ خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ أَيْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِ الْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ وَالْكُفْرِ قَالُوا فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُوَحِّدِينَ لَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي شَرِيعَتِهِ بَلْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ وَدَفْعِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ

стр. 1162

نبيهم ﷺ بِالْإِسْلَامِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَشَرَعَ لَهُ مِنْهَاجًا ارْتَضَاهُ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفِي دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ حُنَفَاءُ عَلَى الِاتِّسَاعِ قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ الرَّاعِي (أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (عَرَبٌ نَرَى لِلَّهِ فِي أَمْوَالِنَا ... حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا) فَهَذَا قَدْ وَصَفَ الْحَنِيفِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ بِإِسْنَادٍ وَقَدْ قِيلَ الْحَنِيفُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ يَخْتَتِنُ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَنِيفًا وَالْحَنِيفُ الْيَوْمَ الْمُسْلِمُ وَيُقَالُ إِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفَ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ مِنَ الْآلِهَةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَيْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ وَمَالَ وَأَصْلُ الْحَنَفِ مَيْلٌ مِنْ إِبْهَامَيِ الْقَدَمَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى صَاحِبَتِهَا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇ إِنَّهَا خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ وَعَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ يَعْنِي مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِسْلَامُ أَبُو هريرة وبن شِهَابٍ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ أَنْ يَعْتِقَهُ وَهُوَ يَرْضَعُ قَالَ نَعَمْ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي الْإِسْلَامَ وَعَلَى هَذَا الْفِعْلِ يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ مِنْ جَدْعَاءَ يَقُولُ خُلِقَ الطِّفْلُ سَلِيمًا مِنَ الْكُفْرِ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا عَلَى الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﵇ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) الْأَعْرَافِ ١٧٢ قَالَ أَبُو عُمَرَ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الْإِسْلَامَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ وَالْفِطْرَةُ لَهَا مَعَانٍ وَوُجُوهٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا أَجَزَأَ الطِّفْلُ الْمُرْضِعُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ عِتْقَهُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي عَلَى الْبِدَايَةِ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابتدأهم

стр. 1163

بِالْحَيَاةِ لِلْمَوْتِ وَلِلشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ إِلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ مِنْ مُيُولِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ مَا لَا بُدَّ مِنْ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ قَالُوا وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَدْأَةُ وَالْفَاطِرُ المبدئ والمبتدئ فكأنه قال ﷺ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَا ابْتَدَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاءِ والسعادة مما يصير إليه وذكروا عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فَاطِرٍ ١ حَتَّى أَتَانَا أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا فَطَرْتُهَا أَيِ ابْتَدَأْتُهَا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة) الْأَعْرَافِ ٢٩ ٣٠ وَذَكَرُوا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بَعْضِ دُعَائِهِ اللَّهُمَّ جَبَّارَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَبِيهٌ بِمَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنَّهُ قَالَ يُفَسِّرُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ قَالَ الْمَرْوَزِيُّ قَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) الْأَعْرَافِ ٢٩ ٣٠ قَالُوا شَقِيًّا وَسَعِيدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُبْعَثُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا وَالْكَافِرُ كَافِرًا وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ (كَمَا بَدَأَكُمْ تعودون الْأَعْرَافِ ٢٩ قَالُوا عَادُوا إِلَى عِلْمِهِ فِيهِمْ (فَرِيقًا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) الْأَعْرَافِ ٣٠ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ لِلضَّلَالَةِ سَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَةِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى وَمَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ عَلَى الْهُدَى سَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ ابْتَدَأَ خَلْقَ إِبْلِيسَ عَلَى الضَّلَالَةِ وَعَمِلَ بِعَمَلِ السُّعَدَاءِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى مَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنَ الضَّلَالَةِ

стр. 1164

قَالَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَابْتَدَأَ خَلْقَ السَّحَرَةِ عَلَى الْهُدَى وَعَمِلُوا بِعَمَلِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ ثُمَّ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْهُدَى وَالسَّعَادَةِ وَتَوَفَّاهُمْ عَلَيْهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظهورهم ذريتهم) الْأَعْرَافِ ١٧٢ يَقُولُ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَجْسَادُهَا وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الْأَعْرَافِ ١٧٢ الْحَدِيثَ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ (كَمَا بَدَأَكُمْ تعودون) الْأَعْرَافِ ٢٩ وَلَا فِي أَنَّ اللَّهَ يَخْتِمُ لِلْعَبْدِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ حِينَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ حِينَ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْعُقُولُ إِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْقِلُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ أَنَّ النَّاسَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ فِيهِ كَانَ رَفَّاعًا عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلَهُ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَيْ يُولَدُ لِيَكُونَ مُؤْمِنًا وَيُولَدُ لِيَكُونَ كَافِرًا عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا يؤول إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ أَكْثَرُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي حِينَ طُفُولَتِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ جَنَّةً أَوْ نَارًا أَوْ يَفْعَلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِيثَاقًا حِينَ حَلَّفَهُمْ فَقَالَ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) قَالُوا جَمِيعًا بَلَى فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَقَالُوا بَلَى عَلَى مَعْرِفَةٍ بِهِ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَقَالُوا بَلَى كُرْهًا لَا طَوْعًا قَالَ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) آلِ عِمْرَانَ

стр. 1165

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) الْأَعْرَافِ ٢٩ ٣٠ قَالَ الْمَرْوَزِيُّ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هريرة اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الرُّومِ ٣٠ قَالَ إِسْحَاقُ يَقُولُ لَا تَبْدِيلَ لِخِلْقَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ يَعْنِي مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الْأَعْرَافِ ١٧٢ قَالَ إِسْحَاقُ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ فَاسْتَنْطَقَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) فَقَالَ انْظُرُوا أَنْ لَا تَقُولُوا (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) الْأَعْرَافِ ١٧٢ ١٧٣ وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخضر أنه كان طبع كافرا وبأن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا) وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فِي التَّمْهِيدِ وَسُئِلَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَوْلِهِ ﵇ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَقَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ حِينًا يَقُولُ بِهِ وَحِينًا يَحِيدُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَصَّيْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْأَثَرِ الْآثَارَ الشَّاهِدَةَ لِأَقْوَالِهِمْ فِي التَّمْهِيدِ وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَمُنْكِرُونَ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الْأَعْرَافِ ١٧٢ قَالُوا مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ شَيْئًا قَطُّ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ وَمَا خَلَقَهُمْ قَطُّ إِلَّا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَمَا اسْتَخْرَجَ قَطُّ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ دُونَهُ مُخَاطَبٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَأَحْيَاهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالُوا وَكَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ وَكَيْفَ يُجِيبُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَكَيْفَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمِيثَاقٍ لَا يَذْكُرُونَهُ وَهُوَ (تَعَالَى ذِكْرُهُ) لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا نَسُوا

стр. 1166

قَالُوا وَلَا نَجِدُ أَحَدًا يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ عُرِضَ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ قَالُوا وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) الْأَعْرَافِ ١٧٢ إِخْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا وَخَلْقَهِ لَهُمْ وَإِقَامَتَهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِأَنْ فَطَرَهُمْ وَنَبَّأَهُمْ فِطْرَةً إِذَا بَلَغُوا وَعَقَلُوا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَخْرَجَ الذَّرِّيَّةَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا جَعَلَ فِي عُقُولِهِمْ مِمَّا تُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ حَتَّى صَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قِيلَ لَهُمْ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) الْأَعْرَافِ ١٧٢ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ لَهُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ عَلَى أَلْسَنَةِ أَنْبِيَائِهِ وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْحَدِيثَ الْمَأْثُورَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ لِلْآيَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا كُلِّهِ فِي الْمَعْرِفَةِ هَلْ تَقَعُ ضَرُورَةً أَوِ اكْتِسَابًا وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَا وَصَفْنَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَطْفَالِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَوْلَادُ النَّاسِ كُلُّهُمُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرِينَ إِذَا مَاتُوا أَطْفَالًا صِغَارًا مَا لَمْ يَبْلُغُوا فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ يُصَيِّرُهُمْ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَطَّأُ مَالِكٍ وَهَذَا الْقَوْلُ نَسَبَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ إِلَى أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةً يَا رَبِّ عَلَقَةً يَا رَبِّ مُضْغَةً فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ

стр. 1167

أَمْ أُنْثَى أَشَقِيٌ أَمْ سَعِيدٌ وَمَا الرِّزْقُ وَمَا الْأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَحَدِيثُ بن مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو الصادق المصدوق أن بن آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَذْكَرٌ أَمْ أُنْثَى أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ وَمَا الْأَجَلُ وَمَا الْأَثَرُ فَيُوحِي اللَّهُ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ حَتَّى أَنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمْ في التمهيد وقد روي عن بن عَبَّاسٍ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَطُرُقُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ وَهِيَ أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ مِنْ كُلِّ مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ وَمِنْ جِهَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَلَمْ يُدْرِكْهُ ذَنْبٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى وَفُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ

стр. 1168

ومن حجتهم أيضا حديث بن عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال إن الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ طُبِعَ كَافِرًا وَهَذَا خَبَرٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سعيد بن جبير عن بن عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي مَرْفُوعًا إِلَّا رَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَمْدَانِيُّ وَلَمْ يرفعه شعبة والثوري وهو مذهب بن عَبَّاسٍ فِي كِتَابِهِ إِلَى نَجْدَةَ الْحَرُورَيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَهُ الْخِضْرُ مِنَ الْغُلَامِ فَاقْتُلْهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ رَجُلٌ وَكَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ وَهَذَا خِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي لَفْظِ الْغُلَامِ لِأَنَّ الْغُلَامَ عِنْدَهُمْ هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ يَقَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ اسْمُ الْغُلَامِ مِنْ حِينِ يَفْهَمُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا وَيَفَاعًا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ يَصِيرُ حَزَوَّرًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ مَنَازِلَ سِنِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ هَمًّا فَانِيًا كَبِيرًا مِمَّا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ بِأَسَانِيدِهَا وَمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى طُرُقِهَا فِي التَّمْهِيدِ وَقَالَ آخَرُونَ (وَهُمُ الْأَكْثَرُ) أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ تُجَاوِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ لَا حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا فَيُقَالُ لَهُمْ ادْخُلُوا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ وَشُفِّعَ فِيهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَرْحُومًا قَبْلَهُ وَكَانَ أَرْفَعَ حَالًا وَأَسْلَمَ مِمَّنْ شُفِّعَ فِيهِ وَحَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1169

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتُحِبُّهُ فَقَالَ أَحَبَّكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أُحِبُّهُ فَتُوُفِّيَ الصَّبِيُّ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ فُلَانٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ ابْنُهُ ثُمَّ دَخَلَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا تَرْضَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا جَاءَهُ يَسْعَى يَفْتَحُهُ لَكَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ! أَمْ لَنَا كُلِّنَا قَالَ بَلْ لكم كلكم رواه يحيى القطان وبن مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَبَلٍ تَكْفُلُهُمْ سَارَّةُ وَإِبْرَاهِيمُ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَفَعُوهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) الْمُدَّثِّرِ ٣٨ ٣٩ قَالَ هُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ وَقَالَ آخَرُونَ حُكْمُ الْأَطْفَالِ كُلِّهِمْ كَحُكْمِ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ وَكَافِرُونَ بِكُفْرِ آبَائِهِمْ فَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ وحجتهم حديث بن عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا فِي التَّبْيِيتِ وَالْغَارَةِ فَلَا قَوْدَ فِيهِمْ وَلَا دِيَةَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُمَّنَا مَاتَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتْ تُقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ فَهَلْ يَنْفَعُهَا مِنْ عَمَلِهَا شَيْءٌ قَالَ لَا قُلْنَا إِنَّ أُمَّنَا وَأَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلِغِ الْحِنْثَ فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُخْتَنَا فَقَالَ

стр. 1170

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الوائدة والموؤودة فِي النَّارِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلَامَ فَيُغْفَرُ لَهَا وَرَوَى بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَرَارِي الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ قُلْتُ فَلَا عَمَلَ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ قُلْتُ فَلَا عَمَلَ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ غَيْرِ هَذَا هُمَا أَضْعَفُ مِنْ هَذَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُقَيْلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ بَهِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ زِيَادَةٌ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ شِئْتِ لَأَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيهِمْ فِي النَّارِ وَأَبُو عُقَيْلٍ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي التَّمْهِيدِ وَلَوْ صَحَّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا لِقَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ لَئِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيهِمْ فِي النَّارِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَنْ مَاتَ وَصَارَ فِي النَّارِ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ وَالْأَوْلَى بِأَهْلِ النَّظَرِ أَنْ يَعْرِضُوا لِهَذِهِ الْآثَارِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مَجِيئًا مِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالشَّهَادَةِ لِلْأَطْفَالِ كُلِّهِمْ بِالْجَنَّةِ وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ وَأَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الطَّوْرِ ٢١ وَقَوْلِهِ لِنُوحٍ ﵇ (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) هُودٍ ٣٦ فَلَمَّا قِيلَ لِنُوحٍ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ يَمُوتُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِهَلَاكِهِمْ جَمِيعًا فَقَالَ (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) نُوحٍ ٢٦ ٢٧ وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ يَلِدُونَ الْفُجَّارَ وَالْكُفَّارَ وَلَا

стр. 1171

يَصِحُّ الْفُجُورُ وَالْكُفْرُ إِلَّا مِمَّنْ تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَقْلَامُ وَيَلْحَقُهُ التَّكْلِيفُ وَقَالَ آخَرُونَ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْكُفَّارِ إِذَا مَاتُوا صِغَارًا فِي الْجَنَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْنِي أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً وَحُجَّتُهُمْ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ خَنْسَاءَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي صَرِيمٍ عَنْ عَمِّهَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْجَنَّةِ وَالشُّهَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالْوَلِيدُ فِي الْجَنَّةِ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الْأَنْعَامِ ١٦٤ فَقَالَ هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قِيلَ لِلْأَطْفَالِ اللَّاهِينَ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَاللَّهْوِ وَاللَّعِبُ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَلَا قَصْدٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لَهَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا لَمْ أَعْتَقِدْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) الْأَنْبِيَاءِ ٣ وَمِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ قَالَ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَوَى أَبُو رَجَاءٍ العطاردي عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ حَدِيثَ الرويا وَفِيهِ قَوْلُهُ ﵇ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ فَهَذَا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ وَعُمُومُهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَآثَارُ هَذَا الْبَابِ مُعَارِضَةٌ لِحَدِيثِ الوائدة والموؤودة فِي النَّارِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ

стр. 1172

وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ وَجَبَ سُقُوطُ الْحُكْمِ بِهَا وَرَجَعَنَا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ إِلَّا بِذَنْبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الْإِسْرَاءِ ١٥ وَقَوْلِهِ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) الزُّمْرِ ٧١ وَآيَاتُ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُمْ وَلَكِنْ جَلَّ مَنْ تَسَمَّى بالغفور الرحيم الرؤوف الْحَكِيمِ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ إِلَّا حَقِيقَةً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَقَالَ آخَرُونَ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَوْلُودِ قَالَ يَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ لَمْ يَأْتِ كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) طه ١٣٤ وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ يَا رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا قَالَ وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ رَبِّ لَمْ أُدْرِكْ الْعَقْلَ وَالْعَمَلَ قَالَ فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمْ رُدُّوهَا وَادْخُلُوهَا قَالَ فَيَرِدُهَا أَوْ يَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ قَالَ فَيَقُولُ اللَّهُ إِيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلُهُ وَمَعْنَاهُ وَهِيَ كُلُّهَا أَسَانِيدُ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَلَا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ وَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَا يَخْلُو أَمْرُ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا أَوْ غَيْرَ كَافِرٍ إِذَا لَمْ يَكْفُرُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا رَسُولٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ كَافِرًا جَاحِدًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ فَكَيْفَ يُمْتَحَنُونَ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ وَلَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولٌ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ أَنْ يَقْتَحِمَ النَّارَ وَهِيَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالطِّفْلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ أَحْرَى بِأَنْ لَا يُمْتَحَنَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ النَّظَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ فِيهِ الْأَثَرُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ

стр. 1173

وقد ذكره بن عباس ومحمد بن الْحَنَفِيَّةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ بن عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا أَوْ مُتَقَارِبًا حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَنْظُرُوا فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ أَيَسْكُتُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْجَهْلِ قُلْتُ فَيَأْمُرُ بِالْكَلَامِ فَسَكَتَ وَذَكَرَ الْمَرْوَذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا إسماعيل بن علية عن بن عَوْنٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ مَاذَا كَانَ بَيْنَ قَتَادَةَ وَبَيْنَ حَفْصِ بْنِ عُدَيٍّ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ وَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاسِمُ إِذَا اللَّهُ نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا وَقِفُوا عِنْدَهُ قَالَ فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نارا فأطفئت وقد سمع بن عَبَّاسٍ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي الْقَدَرِ فَقَالَ كِلَاكُمَا زَائِغٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بَلَغَنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَيْهَا وَاخْتَصَرْنَا الْقَوْلَ لِأَنَّا بَسَطْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ أَحْكَامُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَبَقِيَتْ أَحْكَامُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَنَحْنُ نذكر ذلك ها هنا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا عَلِمْتُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الْأَطْفَالِ فِي الدُّنْيَا كَأَحْكَامِ آبَائِهِمْ مَا لَمْ يَبْلُغُوا فَإِذَا بَلَغُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ هَذَا فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَآبَائِهِمْ فِي الْمَوَارِيثِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّلَاةِ عَلَى أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَأَمَّا أَطْفَالِ الْحَرْبِيِّينَ فَإِنَّ حُكْمَهُمْ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ آبَائِهِمْ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ يَقْتُلُونَ وَهُمْ يُسْبَوْنَ وَلَا يُقْتَلُونَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الطِّفْلِ الْحَرْبِيِّ يُسْبَى وَمَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ يُسْبَى وَحْدَهُ فَذَهَبَ مَالِكٌ - فِي رِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الطِّفْلَ مِنْ أَوْلَادِ الْحَرْبِيَّيْنِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ لَمْ يَكُونَا حَتَّى يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ وَيُلَقَّنَهُ فَيُلَقَّنَهُ وَيُسْلِمُ وَهُوَ عِنْدَهُ أَنَّهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى دِينِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ

стр. 1174

وَمِنِ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِهِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَا دَامَ مَعَ أَبَوَيْهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ سِبَاءٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَكَذَلِكَ إِذَا سُبِيَ وَحْدَهُ لَا يَصِيرُ السَّبْيُ حُكْمَهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ تَمَّامٍ قَالَ قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ إِنِّي بِخُرَاسَانَ أَبْتَاعُ السَّبْيَ فَيَمُوتُ بَعْضُهُمْ أَفَأُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ إِذَا صَلَّى فَصَلِّ عَلَيْهِ قال الفزاري وسألت هشاما وبن عَوْنٍ عَنِ السَّبْيِ يَمُوتُونَ وَهُمْ صِغَارٌ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ هِشَامٌ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَقَالَ بن عَوْنٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصَلُّوا وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجَشُونُ عَنْ أبيه ومالك المخزومي وبن دِينَارٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ مِنَ السَّبْيِ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ عَلَى دِينِ أَبِيهِمْ إِنْ أَسْلَمَ أَبُوهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ يَمُتْ عَلَى الْكُفْرِ فَهُمْ عَلَى دِينِهِ وَلَا يُعْتَدُّ فِيهِمْ بِدِينِ الْأُمِّ عَلَى حَالٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَبِيهِمْ وَبِهِ يُعْرَفُونَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ هَذَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمُ السِّبَاءُ فَيَقَعُونَ فِي قَسْمِ مُسْلِمٍ وَمِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالْقَسْمِ فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ بِالْبَيْعِ أَوِ الْقِسْمَةِ فَأَحْكَامُهُمْ حِينَئِذٍ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُوَارَثَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الصِّبْيَانِ يَمُوتُونَ مِنَ السَّبْيِ بَعْدَ أَنِ اشْتُرُوا قَالَ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يُبَاعُوا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ إِذَا كَانُوا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَمِلْكُهُ لَهُمْ أَوْلَى بهم من حكم آبائهم قال بن الطَّبَّاعِ عَلَى هَذَا فُتْيَا أَهْلِ الثَّغْرِ وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانِ بْنِ مُوسَى وَرِوَايَةُ الْحَارِثِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَذَكَرَ أَبُو الْمُغِيرَةِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا وَمَشْيَخَتَنَا يَقُولُونَ مَا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ صِبْيَانِ الْعَدُوِّ فَمَاتُوا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ سَاعَةَ يَمْلِكُهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَ تَمَّامُ بْنُ نَجِيحٍ كُنْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بِأَرْضِ الرُّومِ وَهُوَ عَلَى السَّبْيِ فَكَانُوا يَمُوتُونَ صِغَارًا فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُقَالُ مَا أَحْرَزَ

стр. 1175

الْمُسْلِمُونَ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ قَالَ ذَاكَ إِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ فَصَارَ فِي مِلْكِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ حُكْمُ الطِّفْلِ حُكْمُ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَعَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدُهُمَا وَسَوَاءٌ الْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ وَلَا أَحَدُهُمَا فَصَارَ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَدِينُهُ دِينُ سَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حنيفة وروى عنه بن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ كَافِرِينَ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَغْلَبُ عَلَيْهِ وَأَمَلَكُ بِهِ وَهَذَا كَقَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْفَزَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ إِذَا دَخَلُوا فِئَةَ الْمُسْلِمِينَ صَلِّي عَلَيْهِمْ وَإِذَا صَارُوا فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ صَلِّي عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ وَحْدَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْإِسْلَامَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّ دِينَ سَيِّدِهِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ دِينِ وَالِدَيْهِ وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ قَالَ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ غَائِبَيْنِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَا حَيَّيْنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَيَخْتَلِفُونَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا سُبِيَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ هُمْ يَلُونَهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ قَالَ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ جَازَ أَنْ يُفْدَى بِهِ مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ بن حَنْبَلٍ يَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الثُّغُورِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى أَبَوَيْهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ سَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ قَالَ ثُمَّ جَعَلَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِ النبي ﷺ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ٥٢٧ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ

стр. 1176

اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ معارض لنهيه ﷺ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِقَوْلِهِ ﵇ لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلِقَوْلِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ لِشِدَّةِ مَا يَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدِّينِ وَضَعْفِهِ وَخَوْفِ ذَهَابِهِ لَا لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِالْمُؤْمِنِ يَحُطُّ خَطَايَاهُ وَقَوْلُهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ إِخْبَارٌ عَنْ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلَاءِ وَالْفِتَنِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ عَنْ عُلَيْمٍ الْكِنْدِيِّ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْسٍ الْغِفَارِيِّ عَلَى سَطْحٍ لَهُ فَرَأَى قَوْمًا يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الطَّاعُونِ فَقَالَ يَا طَاعُونٌ خُذْنِي إِلَيْكَ ثَلَاثًا يُعِيدُهَا فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ لِمَ تَقُولُ هَذَا أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ وَلَا يُرَدُّ فَيُسْتَعْتَبُ فَقَالَ عَبْسٌ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ وَكَثْرَةَ الشَّرْطِ وَبَيْعَ الْحُكْمِ وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَنَشْوًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ يُغْنِيهِمْ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللهم إِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً أَوْ أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ مَا يُوَضِّحُ لَكَ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ اللَّهُمَّ قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي وَكَبُرَتْ سِنِّي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الزَّعْرَاءِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 1177

قَالَ لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ الْقَبْرَ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ هَذَا لَيْسَ بِهِ حُبُّ اللَّهِ وَلَكِنْ يَشُدُّهُ مَا يَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمَجْلِسٍ فَقَالَ لِأَهْلِهِ ادْعُوَا اللَّهَ لِي بِالْمَوْتِ قَالَ فَدَعَوَا لَهُ فَمَا مَكَثَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ ٥٢٨ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدَّيْلِيِّ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يُشْكِلُ وَلَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ وَلَا مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ خِلَافِ التَّأْوِيلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ سَمَاعَ كُلِّ مَنْ فِي إِسْنَادِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاتَ فُلَانٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ دُعِيَ فَأَجَابَ مستريح ومستراح منه فقال يَا رَسُولَ اللَّهِ مُسْتَرِيحٌ مَاذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُؤْمِنُ اسْتَرَاحَ مِنَ الدُّنْيَا وَنَصَبِهَا وَهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا وَأَفْضَى إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ قُلْنَا وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ مَاذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الرَّجُلُ الشَّرِّ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهُ ٥٢٩ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجِنَازَتِهِ ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلْبَسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا مَقْطُوعًا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذلك عن مالك روى بن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النضر حدثه عن زياد عن بن

стр. 1178

عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حِينَ مَاتَ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ جَثَا الثَّانِيَةَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ جَثَا الثَّالِثَةَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَلَهُ شَهِيقٌ فَعَرَفُوا أَنَّهُ يَبْكِي فَبَكَى الْقَوْمُ فَقَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ اذْهَبْ أَبَا السَّائِبِ فَقَدْ خَرَجْتَ مِنْهَا وَلَمْ تَلْبَسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ حَسَنٍ ذَكَرْتُهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ كَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ قَالَ طُوبَى لَكَ يَا عُثْمَانُ لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا وَقَوْلُهُ ﷺ ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلْبَسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ ثَنَاءٌ منه ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَتَفْضِيلٌ لَهُ وَكَانَ وَاحِدَ الْفُضَلَاءِ وَالْعِبَادِ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَذْهَبَانِ يَتَرَهَّبَا وَيَتْرُكَا النِّسَاءَ وَيُقْبِلَا عَلَى الْعِبَادَةِ وَيُحَرِّمَا طَيِّبَ الطَّعَامِ على أنفسهما فنزلت (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) الْمَائِدَةِ ٨٧ ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَغَيْرِهِمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَخَلَّوْا مِنَ الدُّنْيَا وَيَتْرُكُوا النِّسَاءَ ويترهبوا وذكر بن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب وعثمان بن مظعون وبن مَسْعُودٍ وَالْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ تَبَتَّلُوا وَجَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ وَاعْتَزَلُوا النِّسَاءَ وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَحَرَّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أُحِلَّ لَهُمْ يَعْنِي النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَاللِّبَاسَ وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ وَفِيهِ مَدْحُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَفِي ذَلِكَ ذَمُّ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهَا ٥٣٠ - مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ قَالَتْ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي تَتْبَعُهُ فَتَبِعَتْهُ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ ثُمَّ انصرف فسبقته

стр. 1179

بِرَيْرَةُ فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ قَالَ أبو عمر يحتمل أن تكون الصلاة ها هنا الدُّعَاءُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا عِنْدَهَا أَفْضَلُ وَأَرْجَى لِقَبُولِ الدُّعَاءِ فَكَأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَيَدْعُوَ بِالرَّحْمَةِ كَمَا قِيلَ لَهُ (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) مُحَمَّدٍ ١٩ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الصلاة ها هنا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْتَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خُصُوصٌ لَهُمْ فَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَلَى قَبْرٍ مَرَّتَيْنِ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَلَى قَبْرِ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَدَثَانِ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِيُعْلِمَهُمْ بِالصَّلَاةِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دُفِنَ مِنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ كَالْمِسْكِينَةِ وَمِثْلِهَا لِيَكُونَ مُسَاوِيًا بَيْنَهُمْ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ بِذَلِكَ لِيَتِمَّ عَدْلُهُ فِيهِمْ لِأَنَّ صَلَاتَهِ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ رَحْمَةٌ وَبَرَكَةٌ وَرِفْعَةٌ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَسَمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِالطَّائِفَتَيْنِ وَلَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى لِيَشْمَلَهُمْ عَدْلُهُ وَلَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ لِنَفْسِهِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ خُرُوجَهُ لِلْبَقِيعِ لِلصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِهِ كَانَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ وَقَوْلُهُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَهُوَ عِنْدِي كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ كَأَنَّهُ قَالَ بُعِثْتُ إِلَى الْبَقِيعِ لِأُصَلِّي عَلَى مَنْ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِي لِيَعُمَّهُمْ بِذَلِكَ وَفِيهِ لِبَرِيرَةَ فَضِيلَةٌ وَفِيهِ الِاسْتِخْدَامُ بِالْعِتْقِ وَالِاسْتِخْدَامُ بِاللَّيْلِ وَذَلِكَ عِنْدِي فِيمَا خَفَّ أَوْ فِيهِ طَاعَةُ اللَّهِ وَحَسَنٌ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُكَافِئَهُ لِاسْتِخْدَامِهِ بِهِ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا وَنَهَارًا وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثًا حَسَنًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ ﵇ حِينَ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَنُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 1180

إِبْرَاهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَيَّرَنِي فِي مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ أَوْ لِقَاءِ رَبِّي فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ ربي فأصبح رسول الله ﷺ من تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَبَدْأَهُ وَجَعُهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ ٥٣١ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُتَابَعْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ وَهُوَ مَحْفُوظٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي تَرْكُ التَّرَاخِي وَكَرَاهِيَةُ الْمُطَيْطَاءِ وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّبَاطُؤِ وَالزَّهْوِ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْعَجَلَةُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْإِبْطَاءِ وَيُكْرَهُ الْإِسْرَاعُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى ضَعْفَةِ مَنْ يَتْبَعُهَا وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ خُضُوا فِيهَا وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى

стр. 1181

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يُسْرِعَ بِهِمْ وَهَذَا عِنْدِي عَلَى مَا اسْتَحَبَّهُ الْفُقَهَاءُ وَلِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرٌ وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيفٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْجِيلَ الدَّفْنِ بَعْدَ اسْتِيقَانِ الْمَوْتِ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثُ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِّ أَهْلِهِ وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخِّرُهَا الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ وَالْأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا قَالَ أَبُو عُمَرَ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ إِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ يَدُلُّ عَلَى الْمَشْيِ وَهَيْئَتِهِ لَا الدَّفْنِ هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَكُلُّ مَا احْتَمَلَ الْمَعْنَى فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فِي التَّأْوِيلِ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَأَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ قَدْ رَأَيْتُ وإنا مع النبي ﷺ ﵇ نرمل رملا وعن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْنَا نَبِيَّنَا ﷺ عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ دُونَ الْخَبَبِ إِنْ يَكُنْ خَيْرًا يُعَجَّلُ بِهِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ

стр. 1182

(١٧ كتاب الزكاة) (١ - بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) ٥٣٢ - مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ٥٣٣ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقِي مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ

стр. 1183

٥٣٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ فِي الصَّدَقَةِ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا تَكُونُ الصَّدَقَةُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بَنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ وَالِدِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ صَحِيحٌ وَلَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فيه وأما رواية بن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ فَمَعْلُولَةٌ لَا تَصِحُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنَّمَا هِيَ لِيَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُوجَدُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ دُونَ سائر الصحابة والذي ذكره من ذلك هو الْأَغْلَبُ الْمَعْرُوفُ إِلَّا أَنِّي قَدْ وَجَدْتُهَا مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دينار عن جَابِرٍ كِلَاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْتُهُمَا بِإِسْنَادَيْهِمَا فِي التَّمْهِيدِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ أَكْثَرُ بَيَانًا وَأَكْثَرُ فَائِدَةً فِي النَّصِّ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا صَدَقَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ حَتَّى يَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَا فِي الرِّقَةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَهَذَا أَعَمُّ فَائِدَةً وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ فَإِنَّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ تَصْحِيحٌ لَهُ وَأْمَّا قَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ الذَّوْدُ وَاحِدُ الْإِبِلِ

стр. 1184

تَقُولُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ خَمْسِ جِمَالٍ أَوْ خَمْسِ نُوقٍ صَدَقَةٌ وَالذَّوْدُ وَاحِدٌ وَمِنْهُ قِيلَ الذَّوْدُ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الذَّوْدَ قِطْعَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ وَالْأَوَّلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَشْهَرُ قَالَ الْحُطَيْئَةُ (وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ عَالَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي) أَيْ مَالَ عَلَيْهِمْ وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الذَّوْدَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَتَرَكُوا الْقَيَاسَ فِي الْجَمْعِ فَقَالُوا ثَلَاثُ ذَوْدٍ لِثَلَاثٍ مِنَ الْإِبِلِ وأربع ذود وعشر ذود كما قالوا ثلاث مائة وأربع مائة عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَالْقِيَاسُ ثَلَاثُ مِئِينَ وَمِئَاتٍ ولا يكادون يقولون ذلك قال بن قُتَيْبَةَ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الذَّوْدَ وَاحِدٌ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الذَّوْدَ جَمِيعٌ وَاخْتَارَ بن قُتَيْبَةَ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَمِيعٌ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ خَمْسُ ذَوْدٍ كَمَا لَا يُقَالُ خَمْسُ ثَوْبٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ خَمْسُ ثَوْبٍ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَا يَرْوُونَهُ إِلَّا فِي خَمْسِ ذَوْدٍ عَلَى التَّنْوِينِ لَا عَلَى الْإِضَافَةِ وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّدَقَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ الزَّكَاةُ الْمَعْرُوفَةُ وَهِيَ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ سَمَّاهَا اللَّهُ صَدَقَةً وَسَمَّاهَا زَكَاةً وَقَالَ (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة ١٠٣ وقال (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) التَّوْبَةِ ٦٠ يَعْنِي الزَّكَاةَ

стр. 1185

وقال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) البقرة ٤٣ وقال (الذين لا يؤتون الزكاة) فُصِّلَتْ ٧ فَهِيَ الصَّدَقَةُ وَهِيَ الزَّكَاةُ وَهَذَا مَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ دُونَ الْخَمْسِ مِنَ الْإِبِلِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَهَذَا إجماع من علماء المسلمين وأفادنا قَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ فَائِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا إِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْخَمْسِ فَمَا فوقها ونفي الزكاة عما في دونها ولا خِلَافِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ وَاسْمُ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَالْغَنَمُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ فَرِيضَتُهَا فَإِذَا بَلَغَتِ الْإِبِلُ عَشَرَةً فَفِيهَا شَاتَانِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا وَفِيهِ مَعْنَيَانِ يَقْتَضِيَانِ فَائِدَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلُ فِي الْإِبِلِ إِحْدَاهُمَا نَفْيُ الزَّكَاةِ عَمَّا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ وَالثَّانِيةُ إِيجَابُهَا فِي هَذَا الْمِقْدَارِ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ بِحِسَابِهَا هَذَا مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِعَدَمِ النَّصِّ عَنِ الْعَفْوِ مِنْهَا فِيمَا بَعْدَ الْخَمْسِ الْأَوَاقِي حَتَّى تَبْلُغَ مِقْدَارًا فَلَمَّا عُدِمَ النَّصُّ فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِإِيجَابِهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِدَلَالَةِ الْعَفْوِ عَمَّا دُونَ الْخَمْسِ الْأَوَاقِي لِأَنَّهُ إِيجَابٌ لَهَا فِي الْخَمْسِ فَمَا فَوْقَهَا وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَسَنَذْكُرُ الْقَائِلِينَ بِهِ وَالْخِلَافَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْأُوقِيَّةُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَيْلًا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي الْأُوقِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ الْأُوقِيَّةُ اسْمٌ لِوَزْنِ سِلْعَةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَيْلًا

стр. 1186

وَالَنَّشُّ نِصْفُ الْأُوقِيَّةِ وَالنَّوَاةُ وَزْنُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ كَيْلًا وَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ هُوَ قول جمهور العلماء قال أبو عبيد كانت الدَّرَاهِمُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَمَعَهَا وَجَعَلَ كُلَّ عَشْرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ قَالَ وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ دَوَانِقَ زَيْفٌ وَدِرْهَمٌ مِنْ أَرْبَعَةِ دَوَانِقَ جَيِّدٌ قَالَ فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى أَنْ جَمَعُوا الْأَرْبَعَةَ الدَّوَانِقِ إِلَى الثَّمَانِيَةِ فَصَارَتِ اثْنَيْ عَشَرَ دَانِقًا فَجَعَلُوا الدِّرْهَمَ سِتَّةَ دَوَانِقَ وَسَمَّوْهُ كَيْلًا فَاتَّفَقَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مائتي درهم زكاة وأن أربعين دِرْهَمًا أُوقِيَّةٌ وَأَنَّ فِي الْخَمْسِ الْأَوَاقِي الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَسَ فِيمَا دُونَهَا صَدَقَةٌ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا زِيَادَةَ وَهِيَ نِصَابُ الصَّدَقَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأُوقِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةَ الْمَبْلَغِ مِنَ الدَّرَاهِمِ فِي الْوَزْنِ ثُمَّ يُوجِبُ الزَّكَاةَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ يَعْلَمُ مَبْلَغَ وَزْنِهَا وَوَزْنُ الدِّينَارِ دِرْهَمَانِ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْبُلْدَانِ وَكَذَلِكَ دِرْهَمُ الْوَزْنِ الْيَوْمَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مَعْرُوفٌ بِالْآفَاقِ إِلَّا أَنَّ الْوَزْنَ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ مُخَالِفٌ لِوَزْنِهِمْ فَالدِّرْهَمُ الْكَيْلُ عِنْدَهُمْ هُوَ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ دِرْهَمٌ وَأَرْبَعَةُ أَعْشَارِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ دَرَاهِمَنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى دَخْلِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ مِنْهَا فِي مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ دَرَاهِمِهِمْ هَكَذَا أَجْمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ وَمَا أَظُنُّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعُلَمَاءَ عَصْرِهِ نَقَصُوا شَيْئًا مِنَ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا وَكَرِهُوا الْجَارِي عِنْدَهُمْ مِنْ ضَرْبِ الرُّومِ فَرَدُّوهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الدِّرْهَمِ الْمَعْهُودِ عِنْدَنَا أَنَّهُ دِرْهَمٌ وَخُمُسَانِ تَكُونُ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ كَيْلًا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمِنَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الدِّرْهَمَ الْمَعْهُودَ بِالْمَشْرِقِ وَهُوَ الْمَعْهُوُدُ بِالْكَيْلِ الْمَذْكُورِ هُوَ بِوَزْنِنَا الْيَوْمَ بِالْأَنْدَلُسِ دِرْهَمٌ وَنَصِفٌ وَأَظُنُّ ذَلِكَ بِمِصْرَ وَمَا وَالَاهَا وَأَمَّا أَوْزَانُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَعَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ لِمَ تَخْتَلِفُ عَلَيْنَا كُتُبُ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ دِرْهَمَهُمْ دِرْهَمٌ وَأَرْبَعَةُ أَعْشَارِ دِرْهَمٍ بوزننا وهذا موجود في كتب الكوفين وَالْبَغْدَادِيِّينَ إِلَى عَصْرِنَا هَذَا وَيُسَمُّونَهَا فِي وَثَائِقِهِمْ وزن سبعة

стр. 1187

وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنه اخْتِلَافَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فِي الْيَمَنِ وَنَاحِيَةِ عَدَنٍ فَقَالَ قَدِ اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى دَرَاهِمِنَا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ لَطِيفٌ قَالَ وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ فَلَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ فَجُمْلَةُ النِّصَابِ وَمَبْلَغُهُ الْيَوْمَ بِوَزْنِنَا عَلَى الدَّخْلِ الْمَذْكُورِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا دَرَاهِمَ حِسَابُ الدِّينَارِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمِنَا الَّتِي هِيَ دَخْلُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَمِائَةً فِي مِائَةٍ كَيْلًا عَلَى حِسَابِ الدِّرْهَمِ الْكَيْلِ دِرْهَمٌ وَأَرْبَعَةُ أَعْشَارٍ كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ السَّلَفِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْخَلَفِ مِنْهُمْ وَأَمَّا عَلَى حِسَابِ الدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ وَنِصْفٌ فَإِنَّهَا تَكُونُ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ دِينَارًا دَرَاهِمَ وَأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَلْمَاءِ فَإِذَا مَلَكَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ وَزْنَ الْمِائَتَيِ الدِّرْهَمِ الْمَذْكُورَةَ مِنْ فِضَّةٍ مَضْرُوبَةٍ أَوْ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ وَهِيَ الْخَمْسُ الْأَوَاقِي الْمَنْصُوُصُ عَلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَتُهَا وَذَلِكَ رُبُعُ عُشْرِهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَمَنْ ذُكِرَ فِي آيَةِ الصَّدَقَةِ إِلَّا الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَغْنَى الْإِسْلَامَ وَأَهَلَهُ الْيَوْمَ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ عَلَيْهِ كَافِرٌ وَسَنُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى في باب قسم الصَّدَقَاتِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مُجَوَّدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْوَرِقِ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا الْوَرِقُ وَالرِّقَةُ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ وَلَا يُقَالُ عِنْدَهُمْ لِمَا عداها من النقود والمسبوك والمصنوع ورقا وَلَا رِقَةٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فِضَّةٌ وَالْفِضَّةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَالْفِضَّةُ وَالْوَرِقُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ الْخَمْسَ الْأَوَاقِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْفِضَّةِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ الْوَرِقِ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ رُبْعُ عُشْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ منهم أبو يوسف ومحمد وهو قول بن أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وأبي ثور وأبي عبيد وبن علية وروي ذلك عن علي وبن عُمَرَ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبَى إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ وَفِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ وروى بن عيينة وغيره عن أيوب عن بن سيرين عن جابر الحذاء عن بن

стр. 1188

عُمَرَ قَالَ فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ وَعَنْ إِبِرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَكْثَرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى تَبْلُغَ الزِّيَادَةُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَإِذَا بَلَغَتْهَا كَانَ فِيهَا دِرْهَمٌ وَذَلِكَ رَبْعُ عُشْرِهَا مُضَافًا إِلَى الْخَمْسَةِ دَرَاهِمَ تُتَمِّمُ سِتَّةَ دَرَاهِمَ وَمَا زَادَ على العشرين دينار مِنَ الذَّهَبِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ هَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابَ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وطاوس وعطاء والشعبي وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الْأَعْوَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ وَلَيْسَ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَيْءٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ فَفِي كل أربعين دِرْهَمٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ تَزِيدُ عَلَى الْعِشْرِينَ دِينَارًا دِرْهَمٌ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّهَبُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَيَكُونُ فِيهَا دِينَارٌ وَفِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ وَدِرْهَمٌ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَنْ أَوَّلِهُ إِلَى آخِرِهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَالْحَارِثِ الْخَارِقِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ لَمْ يَتَجَاوَزُوا بِهِ عَلِيًّا ﵁ وَلَا سَاقُوهُ الْمَسَاقَ الَّذِي سَاقَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَلَا يُحْفَظُ هَذَا التَّلْخِيصُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ إِلَّا مِنْ أَقَاوِيلِ التَّابِعِينَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ

стр. 1189

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا خِلَافُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ فَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ درهم فبالحساب كما روي فيه عن بن عُمَرَ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ لِمَذْهَبِهِ هَذَا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِأَنْ قال ما زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِاخْتِلَافٍ قَالَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَبِالْحِسَابِ كَمَا قَالَ فِيمَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَتَيْنِ شَاةٌ قَالَ وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى الْأَوْقَاصِ فِي الْمَاشِيَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَيْنِ وَجَبَ رَدُّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَوْقَاصِ الْمَوَاشِي قَالَ وَهَذَا معنى قوله فبالحساب إذ زَادَتْ تَزِيدُ إِذَا زَادَتْ أَرْبَعِينَ فَبِالْحِسَابِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ إِذَا زَادَتْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ أُصُولُ وَالْأُصُولُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا يُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَأَصْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ لَا يَلْتَفِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِلَى حَدِيثِهِ لِضَعْفِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ في هذا الباب قول ثالث رواه بن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ إِذَا زَادَتِ الدَّرَاهِمُ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فلا شيء فيها حتى تبلغ أربع مائة دِرْهَمٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْخَبَرِ فِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَلَا أَعْلَمُ أحدا قاله كما رواه بن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ وذكر عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ خلاف ذلك على ما رواه بن طاوس عن أبيه والذي روى بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ إِذَا زَادَتِ الدَّرَاهِمُ عَلَى مِائَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَإِذَا زَادَتِ الدَّنَانِيرُ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ طَاوُسٍ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يبلغ أربعين درهما كيلا

стр. 1190

قال وقاله بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ مِثْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ فَفِيهِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَمَّا كَانَ دُونَ هَذَا الْمِقْدَارِ وَالثَّانِي وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ فَمَا فَوْقَهُ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﷺ وَمُدُّهُ زِنَةُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ وَزِيَادَةِ شَيْءٍ لَطِيفٍ بِالرِّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ وَهُوَ رِطْلُ النَّاسِ فِي آفَاقِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَإِلَى هَذَا رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ حِينَ نَاظَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدِّ وَأَتَاهُ بِمُدِّ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِمَا ذَكَرَهُ وُرَّاثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُونَ فِي زِنَةِ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ رِطْلَانِ وَيَقُولُونَ فِي الصَّاعِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَقَدْ بَيَّنَا الْآثَارَ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ فِي رِوَايَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ فِي التَّمْهِيدِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى زِنَةِ الْمُدِّ الَّذِي مَبْلَغُهُ رِطْلٌ وَثُلُثٌ فَقِيلَ هُوَ بِالْمَاءِ وَقِيلَ هُوَ بِالْبُرِّ الْمُتَوَسِّطِ فَمَبْلَغُ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ أَلِفُ مُدٍّ وَمِائَتَيْ مُدٍّ بِالْمُدِّ الْمَدَنِيِّ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي وَرِثَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَهِيَ بِالْكَيْلِ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَنَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُوُنَ قَفِيزًا عَلَى حِسَابِ كُلِّ قَفِيزٍ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مُدًّا وَإِنْ كَانَ الْقَفِيزُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مُدًّا كَمَا زَعَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّيُوخِ عِنْدَنَا فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ قَفِيزًا وَنِصْفُ قَفِيزٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ قَفِيزٍ وَوَزْنُ جَمِيعِهَا ثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ رُبْعًا وَثُلُثُ رُبْعٍ كُلُّ رُبْعٍ مِنْهَا مِنْ ثَلَاثِينَ رِطْلًا وَالْأَحْوَطُ عِنْدِي وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ قَفِيزًا بِكَيْلِ قُرْطُبَةَ هَوَ هَذَا الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَهُ وَتَجِبُ فِيهِ وَفِيمَا دُونَهُ كَيْلًا بِحِسَابِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عُشْرُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنَ التَّمْرِ فَهُوَ عِنْدِي جَوَابُ السَّائِلِ سَأَلَهُ عَنْ نِصَابِ زَكَاةِ التَّمْرِ فَأَجَابَهُ وَسَمِعَ الْمُحَدِّثُ التَّمْرَ فَذَكَرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا سَمِعَهُ وَلَيْسَ ذِكْرُ التَّمْرِ بِمَانِعٍ مِنْ جَرْيِ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ التَّمْرِ بِدَلِيلِ الْآثَارِ وَالِاعْتِبَارِ وَالْإِجْمَاعِ وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وَهُوَ أَصَحُّهَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّمْرِ وَلَا غَيْرُهُ وَعُمُومُ لَفْظِهِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا يُوسَقُ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ تَمْرًا كَانَ أَوْ حَبًّا وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ

стр. 1191

عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ الْحَدِيثَ وَسَنَذْكُرُ الْحُبُوبَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَالثِّمَارُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فَهُوَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ وَيَخْتَلِفُونَ فِي تَفْصِيلِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمْ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْحَرْثُ يَقْتَضِي كُلَّ مَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ وَيَقْتَضِي الثِّمَارَ وَالْكُرُومَ وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَنُبَيِّنُ وُجُوهَهُ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ عُرُوضُ التِّجَارَةِ (٢ - بَابُ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ) ٥٣٥ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مُكَاتَبٍ لَهُ قَاطَعَهُ بِمَالٍ عَظِيمٍ هَلْ عَلَيْهِ فِيهٍ زَكَاةٌ فَقَالَ الْقَاسِمُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ يَأَخُذُ مِنْ مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَعْطَى النَّاسَ أَعْطِيَاتِهِمْ يَسْأَلُ الرَّجُلَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ وَإِنْ قَالَ لَا أَسْلَمَ إِلَيْهِ عَطَاءَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ٥٣٦ - مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ إِذَا جِئْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْبِضُ عَطَائِي سَأَلَنِي هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ قَالَ فَإِنْ قُلْتُ نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ وَإِنْ قُلْتُ لَا دَفَعَ إِلَيَّ عَطَائِي ٥٣٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا تَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يحول عليه الحول

стр. 1192

قال أبو عمر قد روي حديث بن عُمَرَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ حَارِثَةُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ٥٣٨ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا أَمْرُ الْمُكَاتَبِ فَمَعْنَى مُقَاطَعَتِهِ أَخْذُ مَالٍ مُعْجَّلٍ مِنْهُ دُونَ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ لِيُعَجِّلَ بِهِ عِتْقَهُ وَهِيَ فَائِدَةٌ لَا زَكَاةَ عَلَى مُسْتَفِيدِهَا حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي وُجُوهِ مَعَانِي الْفَائِدَةِ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا مَا ذكره عن أبي بكر وعثمان وبن عمر فقد روي عن علي وبن مَسْعُودٍ مِثْلُهُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِي مَالٍ مِنَ الْعَيْنِ وَلَا فِي مَاشِيَةٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ إِلَّا مَا رُوِيَ عن بن عباس وعن معاوية أيضا فأما حديث بن عباس فرواه بن حبان عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَسْتَفِيدُ الْمَالَ قَالَ يُزَكِّيهِ يَوْمَ يَسْتَفِيدُهُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ وَلَمْ يَعْرِفِ بن شهاب مذهب بن عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَلِذَلِكَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ يُرِيدَ أَخَذَ مِنْهَا نَفْسَهَا فِي حِينِ الْعَطَاءِ لَا أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا عَنْ غَيْرِهَا مِمَّا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَ رَبِّهِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعَطِيَّةِ وَأَمَّا وَجْهُ أَخْذِ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ ﵄ مِنَ الْأَعْطِيَةِ زَكَاةً فِيمَا يُقِرُّ صَاحِبُ الْعَطَاءِ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي تَلْزَمُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِمُرُورِ الْحَوْلِ وَكَمَالِ النِّصَابِ فَفِيهِ تَصَرُّفُ النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الزَّكَاةُ وَفِيهِ أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ كَانَ يقبضها الخلفاءكما كَانُوا يَقْبِضُونَ زَكَاةَ الْحُبُوبِ وَالْمَاشِيَةِ وَيُعَامِلُونَ النَّاسَ فِي أَخْذِ مَا وَجَبَ

стр. 1193

عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ مُعَامَلَةَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ قَدْ وَجَبَ عَلَى مَنْ لَهُ عِنْدَ مَالٍ يَقْتَطِعُهُ مِنْهُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قال بقول معاوية وبن عَبَّاسٍ فِي اطِّرَاحِ مُرُورِ الْحَوْلِ إِلَّا مَسْأَلَةً جَاءَتْ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِذَا بَاعَ الْعَبْدَ أَوِ الدَّارَ فَإِنَّهُ يُزَكِّي الثَّمَنَ حِينَ يَقَعُ فِي يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَهْرٌ مَعْلُومٌ فَيُؤَخِّرُهُ حَتَّى يُزَكِّيَهُ مَعَ مَالِهِ قَالَ أَبُو عمر هذا قول ضعيف متناقض لأنه إن كَانَ يَلْزَمُهُ فِي ثَمَنِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ الزَّكَاةُ سَاعَةَ حَصَلَ بِيَدِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ ذَلِكَ إِلَى شَهْرِهِ الْمَعْلُومِ وَإِنْ كَانَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ثَمَنِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِتْمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ فَكَيْفَ يُزَكِّي مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَسَنُبَيِّنُ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْفَوَائِدِ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْمَاشِيَةِ أَيْضًا وَفِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا نَاقِصَةً بَيِّنَةَ النُّقْصَانِ زَكَاةٌ فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا عِشْرِينَ دِينَارًا وَازِنَةً فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا الزَّكَاةُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَكَاةِ الذَّهَبِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الْأَعْوَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ هَاتُوا زَكَاةَ الذَّهَبِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا زَعَمُوا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا حُجَّةٌ وَالْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ لِسُوءِ حِفْظِهِ وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَالْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ هَكَذَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ لِأَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَوْلُهُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ نِصْفُ دِينَارٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ عاصم

стр. 1194

عَنْ عَلِيٍّ لَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ ذَكَرَهُ وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَوْلَهُ لَمْ يَتَجَاوَزُوا بِهِ عَلِيًّا ﵁ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ مِثْقَالَا فَالزَّكَاةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ بِمُرُورِ الْحَوْلِ رُبُعُ عُشْرِهِ وذلك دينار واحد وأجمعوا أنه ليس فما دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا زَكَاةٌ مَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِشْرِينَ دِينَارًا إِذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَفِيمَا تُسَاوِي مِنَ الذَّهَبِ وَإِنْ يَكُنْ وَزْنُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الذَّهَبَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ وَزْنُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةُ نِصْفِ دِينَارٍ مَضْرُوبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ إِلَّا الْحُلِيَّ الْمُتَّخَذَ لِلنِّسَاءِ فَلَهُ حُكْمٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا عَدَا الْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ وَزْنُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ عُشْرِهِ بِمُرُورِ الْحَوْلِ وَسَوَاءٌ سَاوَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ كَيْلًا أَمْ لَمْ يُسَاوِ وَمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا فَبِحِسَابِهِ ذَلِكَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَمَا نَقَصَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أكثر والمراعاة فيه وزنه في نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ قِيمَتِهِ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيِّ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الْعَيْنِ ذَكَرُوا أَوْقَاصًا كَالْمَاشِيَةِ فَقَالُوا لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ وَلَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ فِيهَا سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَيَكُونُ فِي الْأَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ اثْنَا عَشَرَ قِيرَاطًا وَهُوَ قَوْلُ إِبِرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَبِالْحِسَابِ وَرَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ

стр. 1195

وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ فِي الذَّهَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ صَرْفُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِذَا بَلَغَ صَرْفُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا رُبُعُ الْعُشْرِ وَلَوْ كَانَ وَزْنُهَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا وَكَانَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا إِدَارِيَّةً وَلَمْ يَبْلُغْ صَرْفُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمْ تَجِبْ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَفِيهَا دِينَارٌ وَلَا يُرَاعَى فِيهَا الْعُرْفُ وَلَا الْقِيمَةُ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي نُسْخَةِ كِتَابِ الزَّكَاةِ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ بن شِهَابٍ وَرَأْيِهِ قَالُوا وَكَثِيرًا كَانَ يُدْخِلُ رَأْيَهُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الصَّحِيحُ عَنِ بن شِهَابٍ أَنَّهُ مِنْ رَأْيِهِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ عَنْهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَبِهِ قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَقَدْ روي عن بن شِهَابٍ خِلَافُ ذَلِكَ ذَكَرَ سُنَيْدٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ إِذَا كَانَ يَدْخُلُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ وَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا فَفِيهَا زِيَادَةُ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ دِرْهَمٌ وَمَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا سَوَاءٌ سَاوَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ مِنْهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَمْ لَمْ تُسَاوِ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا سَاوَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ مِنْهَا فَفِيهَا رُبُعُ عُشْرِهَا دِينَارٌ وَاحِدٌ ثُمَّ مَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَرْبَعُونَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَذَلِكَ سُنَّةٌ وَإِجْمَاعٌ لَا يُرَاعِي أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ قِيمَةً وَإِنَّمَا يُرَاعُونَ وَزْنَهَا فِي نَفْسِهَا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا دُونَهَا وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ رَأَيْتُ فِيهَا الزَّكَاةَ وَإِنْ نَقَصَتْ إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا فَقَدْ خَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا نَقَصَتْ شَيْئًا مَعْلُومًا وَإِنْ قَلَّ لَمْ يَجِبْ فِيهَا زَكَاةٌ وَبِمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليس فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ
следующие страницы →