Полный текст (4 158 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قِيَاسُهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا الْقِيَاسُ عَلَى الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ لِآجَالٍ مَحْدُودَةٍ أَنَّهُ جَائِزٌ تَعْجِيلُهَا أَوْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا وَقَدْ رُوِيَ لِعَامَيْنِ
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَوُونَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا يَسْتَوُونَ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ
وَقِيَاسُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ عَلَى الصَّلَاةِ أَصَحُّ فِي سَبِيلِ الْقِيَاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(٣٠ - بَابُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ)
٥٨٨ - قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ وَلَا فِي أَجِيرِهِ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ زَكَاةٌ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدِمُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي أَحَدٍ مِنْ رَقِيقِهِ الْكَافِرِ مَا لَمْ يُسْلِمْ لِتِجَارَةٍ كَانُوا أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهَا وَمَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا
إِلَّا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ كَمَا أَنَّهُ ليس عليه أن يزكي عما بيد عبده مِنَ الْمَالِ
وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ فَعَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ عَبِيدَ الْعَبِيدِ يُخْرِجُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ عَبِيدَهُمْ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ عِنْدَهُمْ فِي عَبِيدِهِ وَفِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا فِي أَجِيرِهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي الشَّرْعِ وَالْقُرْبَةِ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ إِلَّا عَمَّنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا مِنْ صدقة الفطر إلا عمن تلزم نفقته في الشَّرِيعَةِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّطَوُّعِ وَلَا الْمُعَارَضَةِ
стр. 1332
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَأَمَّا سُفْيَانُ وَالْكُوفِيُّونَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَا تَجِبُ عِنْدَهُمْ إِلَّا عَنِ الِابْنِ الصَّغِيرِ وَالْعَبْدِ فَقَطْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ فَقَوْلُهُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ أَصْلَهُمَا أَنَّهَا تَلْزَمُهُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ
وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خَادِمٌ وَاحِدٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ مَنْ يَخْدِمُهُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ إِلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ فِي خَادِمٍ وَاحِدٍ قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَقْوَالِهِمْ
وَقَالَ اللَّيْثُ يُؤَدِّي عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رَقِيقِهَا
وَأَمَّا سُفْيَانُ وَالْكُوفِيُّونَ فَلَا يَرَوْنَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَيْهِ عَنِ امْرَأَتِهِ فَكَيْفَ عَنْ رَقِيقِهَا بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ عَبْدِهَا لأن السنة عندهم أن يخرجها الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَصْلُ عَنْهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْعَبْدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
تَمَّ شَرْحُ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
стр. 1333
(١٨ كِتَابُ الصِّيَامِ)
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ)
٥٨٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ
٥٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله
٥٩١ - وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ (الْعُدَّةَ) ثلاثين
стр. 1334
وهذا الحديث محفوظ لعكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَالَ عِكْرِمَةَ وَلِمَ تَرَكَ مَالِكٌ ذِكْرَهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِهِ إِنْ كَانَ كَمَا ظَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا طَرَحَ اسْمَهُ مِنْ كِتَابِهِ لِلَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وَمَا أَدْرِي صِحَّةَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَفِي ذَلِكَ مَا يُوهِنُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قَدْ طَرَحَ ذِكْرَ اسْمِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالَّذِي أَوْجَبَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَبْلَغَكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ لِنَافِعٍ يَا نَافِعُ لَا تَكْذِبْ عَلَيَّ كَمَا كذب عكرمة على بن عَبَّاسٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ جَعَلَ مَالِكٌ ﵀ حديث بن عباس بعد حديث بن عُمَرَ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُفَسِّرٌ لَهُ وَمُبَيِّنٌ لِمَعْنَى قوله فاقدروا له في حديث بن عمر
وكان بن عُمَرَ يَذْهَبُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فَاقْدِرُوا مَذْهَبًا خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ
وَمَا رواه بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثلاثين قد رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرَةَ وَحُذَيْفَةَ وَطَلْقٌ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُمْ
وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ فاقدروا له إلا بن عُمَرَ وَحْدَهُ
عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ قَدْ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا
وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ وَلَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ فِي هذا الحديث ثلاثين يوما
ورواه بن أبي رواد عن نافع عن بن عمر بلفظ حديث بن عَبَّاسٍ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ
وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُصَامُ رَمَضَانُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِنْ خُرُوجِ شَعْبَانَ وَالْيَقِينُ فِي ذَلِكَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ أَوْ إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ لَا يَقْضِي بِخُرُوجِ رمضان إلا بيقين مِثْلُهُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهر فليصمه) البقرة ١٨٥ يريد والله أعلم من عَلِمَ مِنْكُمْ بِدُخُولِ الشَّهْرِ عِلْمَ يَقِينٍ فَلْيَصُمْهُ وَالْعِلْمُ الْيَقِينُ الرُّؤْيَةُ الصَّحِيحَةُ الْفَاشِيَةُ الظَّاهِرَةُ أَوْ إكمال العدد
стр. 1335
وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْضًا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ أَنَّهُمَا رأيا الهلال ليلة ثلاثين فيصح بِذَلِكَ أَنَّ الشَّهْرَ الْمَاضِيَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ
وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فَاقْدِرُوا لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الشَّهْرَ الْعَرَبِيَّ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ
وَأَمَّا بن عُمَرَ فَلَهُ مَذْهَبٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَاقْدِرُوا لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا لَمْ يُرَ هِلَالُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَكَانَ صَحْوًا فَلَا صِيَامَ لِرَمَضَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحْوًا وَكَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ أَصْبَحَ النَّاسُ صَائِمِينَ وَأَجْزَأَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ - إِنْ ثَبَتَ بَعْدُ - أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم -
وما أعلم أحدا ذهب مذهب بن عُمَرَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُمْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجُهَيْمُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَا حدثنا أيوب عن نافع عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ قَاسِمٍ وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فإن غم عليكم فاقدروا له
قال نافع فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَبْعَثُ مَسَاءَ لَيْلَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ فَإِنْ كَانَ صَحْوًا وَرَأَوْهُ صَامَ وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ لَمْ يَصُمْ وَإِنْ حَالَ دُونَهُ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ سَحَابٌ أَصْبَحَ صَائِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَحَابٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا
وَعَنْ معمر عن بن طَاوُسٍ عَنْ مَعْمَرٍ مِثْلُهُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَاجِبٌ وَهُوَ يُجْزِئُ مِنْ رَمَضَانَ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ
стр. 1336
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَوْلُهُ ﵇ فَاقْدِرُوا لَهُ كَقَوْلِهِ قَدَرُوا لَهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدَرْتُ وقدرت وأقدرته
وقال بن قُتَيْبَةَ فِي قَوْلِهِ اقْدِرُوا لَهُ أَيْ قَدِّرُوا الشَّهْرَ بِالْمَنَازِلِ يَعْنِي مَنَازِلَ الْقَمَرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَانَ بَعْضُ كِبَارِ التَّابِعِينَ فِيمَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ذَهَبَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى اعْتِبَارِهِ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ وَطَرِيقِ الحساب
قال بن سِيرِينَ كَانَ أَفْضَلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قِيلَ إِنَّهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ مُطَرِّفٌ مِنْ جِلَّةِ تَابِعِيِّ الْبَصْرَةِ الْعُلَمَاءِ الْفُضَلَاءِ الحلماء
وقد حكى بن سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النُّجُومِ أَنَّ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ وَغُمَّ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ الصَّوْمَ وَيُبَيِّتَهُ وَيُجْزِئُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي عِنْدَنَا فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ رَمَضَانَ إِلَّا بِرُؤْيَةٍ فَاشِيَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ إِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﷺ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
٥٩٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلَالُ رُؤِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فيها عن عثمان ولاعن علي ولا عن عمر وبن مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا عَنْ عُمَرَ فَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ
стр. 1337
قَالَ أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ إِنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ
وَهَذَا مَذْهَبُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وبن عُمَرَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ حَبِيبٍ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ عُمَرَ
وهي رواية رواها القطان وبن مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٌ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَأَفْطَرُوا فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يُلْزِمُهُمْ وَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَأَفْطَرُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا تُفْطِرُوا
وَبِهَذَا قَالَ سَفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ عن عُمَرَ
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْرٍ
وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ أَصَحُّ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ الْجَعْدِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ إِنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ إِنَّ الْأَهِلَّةَ تَخْتَلِفُ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ هَذَا نَهَارًا لَمْ يَخُصَّ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا بَعْدَهُ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ إِنَّهُ حَدِيثٌ مُجْمَلٌ وَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ به
стр. 1338
قَالُوا إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَإِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلْقَابِلَةِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي بِقُرْطُبَةَ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يَصُومُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَّهِمُونَ على أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ أَنَّهُ مَنْ رَآهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ إِلَّا عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَصُومُ وَحْدَهُ وَلَا يُفْطِرُ وَحْدَهُ وَإِنْ رَآهُ
وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ أَنَّهُ يَصُومُ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَا يَسَعُهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَاخْتَلَفُوا فِي هِلَالِ شَوَّالٍ يَرَاهُ الرَّجُلُ وَحْدَهُ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُفْطِرُ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ لِمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ أَنْ يُفْطِرَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُفْطِرُ الَّذِي رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ إِذَا لَمْ يَشُكَّ فِيهِ فَإِنْ شَكَّ أَوْ خَافَ أَنْ يُتَّهَمَ لَمْ يَأْكُلْ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
قَالَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَصُومَ فَإِنْ خَافَ التُّهْمَةَ اعْتَقَدَ الْفِطْرَ وَأَمْسَكَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَأَفْطَرَ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ
стр. 1339
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ حُكْمَ إِشْهَادِهِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَمَضَانَ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ وَهِلَالِ شَوَّالٍ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ إِنْ شَهِدَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ رَأَيْتُ أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ الذي جاء فيه
قال والقياس أَلَّا يُقْبَلَ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ
قَالَ وَأَمَّا هِلَالُ الْفِطْرِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا عَدْلَانِ
وَالَّذِي ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ هُوَ قول الكوفيين وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ
وَقَالَ إِسْحَاقُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ إِلَّا عَدْلَانِ
وَقَالَ أَبُو بُطَيْنٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُصَامُ رَمَضَانُ وَلَا يُفْطَرُ مِنْهُ بِأَقَلِّ مِنْ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ لِسَائِرِ الْحُقُوقِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلٍ عَدْلٍ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ
قَالُوا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلٍ عَدْلٍ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ
قَالُوا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ
وَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ كَقَوْلِ مَالِكٍ يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ عَدْلَانِ فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ وَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ عَدْلَيْنِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حديث بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْنَدَهُ وَأَكْثَرُهُمْ أَرْسَلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ
كَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ
وَرَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ ثَوْرٍ وَحَمَّادُ بْنُ سِمَاكٍ عَنْ حماد عن عكرمة عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مسندا
стр. 1340
ورواه بن وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عن بن عُمَرَ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ يَرَاهُ أَهْلُ بَلَدٍ دُونَ غَيْرِهِمْ
فَكَانَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ عنه بن الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ رَأَوْهُ فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الذي أفطروه وصيامه غَيْرِهِمْ بِرُؤْيَةٍ صَحِيحَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ
وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قول المغيرة وبن دينار وبن الْمَاجِشُونِ إِنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَلْزَمُ غَيْرَ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الإمام يحمل الناس على ذلك
أما الاختلاف الْأَعْمَالِ وَالسَّلَاطِينِ فَلَا إِلَّا فِي الْبَلَدِ الَّذِي رَأَى فِيهِ الْهِلَالَ وَفِي عَمَلِهِ هَذَا بِمَعْنَى قولهم
وروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ
وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وإليه ذهب بن المبارك وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ وَطَائِفَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا فَاسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخر الشهر فسألني بن عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ قُلْتُ رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ قَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ قُلْتُ نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ قَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْتُ أَفَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ قَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1341
وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حدثنا أحمد بن شعيب النَّسَوِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا فَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَذَكَرَ رَمَضَانَ الْحَدِيثُ سَوَاءٌ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا أُخِّرَ مِنَ الْبُلْدَانِ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ وَكَذَلِكَ كُلُّ بَلَدٍ لَهُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا مَا كَانَ كَالْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَمَا تَقَارَبَتْ أَقْطَارُهُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي النَّاسِ يَصُومُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ لِرُؤْيَتِهِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَأْتِيهِمُ الثَّبَتُ أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ قَدْ رُؤِيَ الْبَارِحَةَ أَوْ هِلَالَ رَمَضَانَ قَدْ رُؤِيَ قَبْلَ أَنْ يَصُومُوا بِيَوْمٍ وَأَنَّ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْ سَاعَةَ جَاءَهُمُ الْخَبَرُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ
وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَمَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْعِيدِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَا فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَرَّةً قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْعِيدِ بَعْدَ الزَّوَالِ
وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ وَقَالَ إِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلَّى فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَالْيَوْمُ الثَّانِي أَبْعَدُ مِنْ وَقْتِهَا وَأَحْرَى أَنْ لَا تُصَلَّى فِيهِ
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ضُحًى
وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ لَا تُصَلَّى بَعْدُ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ قُضِيَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا لَأَشْبَهَتِ الْفَرَائِضَ وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي سَائِرِ السُّنَنِ أَنَّهَا لَا تُقْضَى فَهَذِهِ مِثْلُهَا
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَدْ ذَكَرَ الطحاوي قال كان بن أَبِي عُمَرَ يَحْكِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ إِذَا لَمْ تُدْرَكْ صَلَاةُ الْعِيدِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ لَمْ تُصَلَّ بَعْدُ
стр. 1342
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إِذَا فَاتَتْهُمُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْعِيدِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ صَلَّاهَا بِهَا إِمَامُهُمْ مِنَ الْغَدِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الزَّوَالِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَصَلَّ بَعْدُ هَذَا فِي الْفِطْرِ وَأَمَّا فِي الْأَضْحَى فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ في اليوم الثالث
وقال بن سَمَاعَةَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الْفِطْرِ يَخْرُجُونَ مِنَ الْغَدِ
وَقَالَ أَحْمَدُ يَخْرُجُونَ فِي الْغَدِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ لَا يَخْرُجُونَ فِي الْفِطْرِ وَيَخْرُجُونَ فِي الْأَضْحَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّ الْأَضْحَى أَيَّامُ عِيدٍ وَهِيَ صَلَاةُ عِيدٍ وَلَيْسَ لِلْفِطْرِ صَلَاةُ عِيدٍ إِلَّا وَاحِدٌ فَإِذَا لَمْ تُصَلِّ فِيهِ لَمْ تُقْضَ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ فَتُقْضَى
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَخْرُجُونَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مِنَ الْغَدِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا شَهِدَ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بَعْدَ الزَّوَالِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ بِالْأَمْسِ أَفْطَرَ النَّاسُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ بِيَسِيرٍ وَخَرَجُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ مِنَ الْغَدِ
وَالْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا تُصَلَّى مِنَ الْغَدِ حَدِيثُ هُشَيْمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةِ أُمِّهِ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ حَدَّثُوهُ قَالُوا أُغْمِيَ عَلَيْنَا هلال شوال فأصبحنا صيام فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ بِالْأَمْسِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ وَيَخْرُجُوا لِصَلَاتِهِمْ مِنَ الْغَدِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ وَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ
(٢ - بَابُ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ)
٥٩٣ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَصُومُ إِلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصيام قبل الفجر
стр. 1343
وعن بن شِهَابٍ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ مِثْلُ ذَلِكَ
قَالَ أبو عمر روى بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا يَصُومُ إِلَّا مَنْ بَيَّتَ مِنَ اللَّيْلِ
قَالَ وَمَنْ أَصْبَحَ لَا يُرِيدُ الصِّيَامَ وَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ لَمْ يَجُزْ لَهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الشَّهْرِ
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ كَانَ شَأْنُهُ صِيَامَ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ لَا يَدْعُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّبْيِيتِ لِمَا قَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فَصَامَ أَوَّلَ يَوْمٍ بِنِيَّةِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ بَاقِي أَيَّامِ الشَّهْرِ
وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ كُلُّ صَوْمٍ وَاجِبٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيُجْزِئُ التَّطَوُّعَ أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّ أَيَّامِهِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِذَا نَوَاهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ
قَالَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لَهُ أَجْرُ مَا اسْتَقْبَلَ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا زُفَرَ لَا يَجُوزُ صِيَامُ رَمَضَانَ إِلَّا بِنِيَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ مَحْدُودَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللَّيْلِ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ رَجُلٌ صَامَ يَوْمًا مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَيُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ نَعَمْ وَقَدْ وُفِّقَ لِصِيَامِهِ
وَقَالَ زُفَرُ يُجْزِئُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ
قَالَ وَلَوْ نَوَى فِيهِ الْإِفْطَارَ إِلَّا أَنَّهُ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا يُعْذَرُ فِي الْإِفْطَارِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ
وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ كَمَا لَا يُجْزِئُ أَنْ يَصُومَ أَحَدٌ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ غَيْرِهِ صَوْمًا يَسْتَقْبِلُ بِهِ
стр. 1344
رَمَضَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ صِيَامُ رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهُ
ولم يختلف عن مالك وبن الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَبِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا إِنْ بَيَّتَهُ مِنَ اللَّيْلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وروى بن وهب عن بن لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخُصَّ فِي هَذَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً مِنْ نَفْلٍ وَهَذَا حَدِيثٌ فَرْدٌ فِي إِسْنَادِهِ وَلَكِنَّهُ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا فِي هَذَا الْبَابِ
وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ التَّابِعِينَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ولم يختلف عن بن عُمَرَ وَلَا عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهُمَا قَالَا لَا صِيَامَ إِلَّا لِمَنْ نَوَاهُ قَبْلَ الْفَجْرِ
وَرُوِيَ عن بن عباس وعلي وبن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَنَسٍ أَنَّهُمْ أَجَازُوا فِي التَّطَوُّعِ أَنْ يَنْوِيَهُ بِالنَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ وَيَقُولُ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَإِنْ قَالُوا لَا قَالَ وَأَنَا إِذًا صَائِمٌ
رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ طَائِفَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَطَائِفَةٌ رَوَتْهُ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 1345
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ فِيهِ إِذًا وَيَقُولُ فَأَنَا صَائِمٌ وَتَأَوَّلُوا فِيهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِنْ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ
وَقَالَ وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وبن عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ
(٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ)
٩٤ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ
٥٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مُسْنَدًا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي هَذَا فَضْلُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَكَرَاهَةُ تَأْخِيرِهِ
ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِمَا أَوْضَحَ بِهِ التَّعْجِيلَ
٥٩٦ - فَرُوِيَ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا ثُمَّ يُفْطِرَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ
وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عن بن شِهَابٍ بِخِلَافِ هَذَا اللَّفْظِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ أَنْ يفطرا
وقد روي عن بن عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْطِرُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ بن الْمُسَيَّبِ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى
стр. 1346
أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَلَّا تَكُونُوا مُسْرِفِينَ بِفِطْرِكُمْ وَلَا مُنْتَظِرِينَ بِصَلَاتِكُمُ اشْتِبَاكَ النُّجُومِ
وَرَوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَلَّتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدْ حَلَّ الْفِطْرُ لِلصَّائِمِ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ الليل والله يقول و (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ
(٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ)
٥٩٧ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَنَا أَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَقَالَ ﷺ وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي
سَقَطَ لِيَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ عُبَيْدُ الله ابنه وذكر بن وَضَّاحٍ فِيهِ عَائِشَةَ كَمَا رَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عن مالك
стр. 1347
٥٩٨ - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سلمة زوجي النبي ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْآثَارُ مُتَّفِقَةٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمَا بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَمَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَقَدْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ مَا حَالَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ جَدَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ عبد الله بن عمرو القارئ قال سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُهُ مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُومُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهُ
وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ احْتَلَمَ لَيْلًا فَاسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ
قَالَ فَلَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ أَصْبَحْتُ فَاسْتَفْتَيْتَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَفْطِرْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرْتُ الَّذِي أَفْتَانِي بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَإِنْ أَفْطَرْتَ لَأُوجِعَنَّ مَتْنَيْكَ فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا آخَرَ فافعل
اختلف عن بن شهاب في اسم بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا فَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَ مَا يَرْوِي كِلَاهُمَا ثِقَةٌ ثَبَتٌ
стр. 1348
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذِهِ الْفَتْوَى إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَنْ وَافَقَهَا
روى عبد الله بن المبارك عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنِ احْتَلَمَ أَوْ وَاقَعَ أَهْلَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا يَصُمْ
قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ
وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ أبا هريرة كف ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَزَعَ أَيْضًا
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ فَالَّذِي عَلَيْهِ فِقْهُ جَمَاعَةِ الْأَمْصَارِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ الْقَوْلُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَيَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَهُوَ قَوْلُ علي وبن مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذر وعبد الله بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَصْحَابُهُمْ وأحمد وأبو ثور وإسحاق وبن عُلَيَّةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْجُنُبَ فِي رَمَضَانَ إِذَا عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى يُصْبِحَ فَهُوَ مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حِينَ يُصْبِحُ فَهُوَ صَائِمٌ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا يُتِمُّ صَوْمَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَقْضِيهِ إِذَا أَصْبَحَ فِيهِ جُنُبًا
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي رِوَايَةٍ إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ وَيَقْضِي فِي الْفَرْضِ
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَكَانَ يَقُولُ يَصُومُ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا وَإِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَدَّعِي عَلَى الْحَائِضِ إِذَا أَدْرَكَهَا الصُّبْحُ وَلَمْ تَغْتَسِلْ أَنْ تَقْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْحَائِضِ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَخَّرَتْ غُسْلَهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيَوْمُهَا يَوْمُ فِطْرٍ لِأَنَّهَا فِي
стр. 1349
بَعْضِهِ غَيْرُ طَاهِرَةٍ وَلَيْسَتْ كَالَّتِي تُصْبِحُ جُنُبًا فَتَصُومُ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْحَيْضَ ينقضه
قال أبو عمر قول بن الْمَاجِشُونِ فِي الَّتِي تُؤَخِّرُ غُسْلَهَا بَعْدَ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ أَنَّ يَوْمَهَا يَوْمُ فِطْرٍ لِأَنَّهَا كانت في بعضه حائض غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَيْفَ تَكُونُ فِي بَعْضِهِ حَائِضًا وَقَدْ كَمُلَ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَلِذَلِكَ أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ بَلْ هِيَ طَاهِرٌ فَرَّطَتْ فِي غُسْلِهَا فَحُكْمُهَا وَحُكْمُ الْجَنْبِ سَوَاءٌ
وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ حَاشَا عَبْدَ الْمَلِكِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الشُّبْهَةُ فيه على بن الْمَاجِشُونِ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ لَهَا إِذَا لَمْ تُفَرِّطْ فِي الْحَيْضِ مِنْ غُسْلِهَا حُكْمَ الْحَائِضِ وَأَسَقَطَ عَنْهَا الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ تُدْرِكُ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَالطُّهْرُ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ رُؤْيَتُهَا لِلنَّقَاءِ وَلَا يُرَاعُونَ غُسْلَهَا بِالْمَاءِ فَمَنْ طَلَعَ بِهَا الْفَجْرُ طَاهِرًا لَزِمَهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاغْتِسَالُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النبي فِي الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا مَا فِيهِ غَنَاءٌ وَاكْتِفَاءٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ وَدَلَّ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مِثْلِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) الْبَقَرَةِ ١٨٧
فَإِذَا أُبِيحَ الْجِمَاعُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ
وَقَدْ نَزَعَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا
وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ الِاحْتِلَامَ بِالنَّهَارِ لَا يُفْسِدُ الصِّيَامَ
وَفِي حَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ
стр. 1350
وَالْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ مُرَاجَعَةُ مَرْوَانَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَذْكُوُرٌ فِي التَّمْهِيدِ عَلَى وَجْهِهِ بما فيه من الْمَعَانِي مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا تُنُوزِعَ فِيهِ رُدَّ إِلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَلِمٌ فِي شَيْءٍ وَسَمِعَ خِلَافَهُ كَانَ عَلَيْهِ إِنْكَارُهُ مِنْ ثِقَةٍ سَمِعَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ غَيْرِ ثَقَةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ خِلَافِ مَا عِنْدَهُ
وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَفِيهِ اعْتِرَافُ الْعَالِمِ بِالْحَقِّ وَإِنْصَافُهُ إِذَا سَمِعَ الْحُجَّةَ وَهَكَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ وُجُوهًا غَيْرَ هَذِهِ مِنْ تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيمَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ
فَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ
رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرَوَى الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ حَدِّثَنِيهِ بن عَبَّاسٍ
وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ فَأَخْبَرْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ هُنَّ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَّا
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
ذَكَرَهُ النسائي عن جعفر بن مسافر عن بن أبي فديك عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التمهيد
٥٩٩ - عَنْ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ
стр. 1351
هِشَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأَبِي عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إِلَى أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَلْتَسْأَلَنَّهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ
أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا وَاللَّهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ
قَالَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا قَالَتَا فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنَّ دَابَّتِي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ فَلْتَذْهَبَنَّ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَلْتُخْبِرَنَّهُ ذَلِكَ فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ
فَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةً ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا عِلْمَ لِي بِذَاكَ إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ
٦٠٠ - مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصْبِحُ جُنُبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم
(٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)
٦٠١ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ
стр. 1352
وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ ثُمَّ رَجَعَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ ﷺ مَا شَاءَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ
وَالْمَعْنَى أن رسول الله ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَفْصَةَ
٦٠٢ - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ مَالِكٍ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَمُرْسَلٌ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ جَائِزَةٌ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ شَابًّا كَانَ أَوْ شَيْخًا عَلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ وَظَاهِرِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ لِلْمَرْأَةِ هَلْ زَوْجُكِ شَيْخٌ أَوْ شَابٌّ وَلَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ ﵇ لِأَنَّهُ الْمُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْخِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَالشَّابِّ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في
стр. 1353
حَدِيثِهَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ ﷺ يَعْنِي أَمَلَكُ لِنَفْسِهِ وَشَهْوَتِهِ
وَالدَّلِيلُ أَنَّ الشَّيْخَ وَالشَّابَّ عِنْدَهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَنَّ قَوْلَهَا إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى الْإِشْفَاقِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ
٦٠٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَاتِكَةَ ابنة زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ امْرَأَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ تُقَبِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنِ الخطاب وهو صائم فلا ينهاها
٦٠٤ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ وَتُقَبِّلَهَا وَتُلَاعِبَهَا فَقَالَ أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَتْ نعم
٦٠٥ - مالك عن زيد بن أسلم أن أبا هريرة وسعد بن أبي وقاص كانا يرخصان في القبلة للصائم
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَرِهَ الْقُبْلَةَ لَمْ يَكْرَهْهَا لِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا كَرِهَهَا خَشْيَةَ مَا تَحْمِلَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْزَالِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْمَذْيُ
لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ مَنْ قَبَّلَ وَسَلَّمَ مِنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو هريرة وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إِذَا كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ
قَالُوا وَإِنْ قَبَّلَ وَأَمْنَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ مَنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ القضاء
وقال بن عُلَيَّةَ لَا تُفْسِدُ الْقُبْلَةُ الصَّوْمَ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْمَاءُ الدَّافِقُ
стр. 1354
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إِلَّا وَهُوَ يَشْتَرِطُ السَّلَامَةَ مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهَا وَلَوْ قَبَّلَ فَأَمْذَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ والأوزاعي وبن عُلَيَّةَ
وَأَمَّا أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فَلَا يَرَيَانِ الْكَفَّارَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ جَامَعَ فَأَوْلَجَ أَوْ أَنْزَلَ نَاسِيًا عِنْدَ أَحْمَدَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَامِدًا وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُقَبِّلَ فَإِنْ قَبَّلَ فِي رَمَضَانَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِنْ قَبَّلَ فَأَمْذَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أصحاب مالك البغداديون يقولون إن القضاء ها هنا اسْتِحْبَابٌ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِيجَابِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ أَلَا أَخْبَرْتِيهَا وَذَكَرْنَا الْآثَارَ الْمُتَّصِلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَهِيَ كُلُّهَا تُبِيحُ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ
(٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)
٦٠٦ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ كُلِّهَا صَحِيحَةٍ فِي التَّمْهِيدِ مِنْهَا مَا
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقَبِّلُنِي فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ وَأَيُّكُمْ كَانَ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ
стр. 1355
وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ عن عائشة
ورواه بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كُلُّهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
وَقَدْ مَرَّ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مَعْنَاهُ
وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى خَيْرٍ
٦٠٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا للشيخ وكرهها للشاب
٦٠٨ - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ
قال أبو عمر وممن كره القبلة للصائم بن مسعود وبن عَبَّاسٍ
رَوَى فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عن بن عَبَّاسٍ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ قَالَ إِنَّ عُرُوقَ الْخُصْيَتَيْنِ مُعَلَّقَةٌ بِالْأَنْفِ فَإِذَا وَجَدَ الرِّيحَ تَحَرَّكَ وَدَعَى إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ وَالشَّيْخُ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ شيخ إلى بن عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَهُوَ صَائِمٌ فَرَخَّصَ لَهُ وَجَاءَهُ شَابٌّ فَنَهَاهُ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وأخبرنا بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يزيد قال سمعت بن عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا غِيَرُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يأخذ مالك بقول بن عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَرِهَهَا لِلشَّيْخِ وَالشَّابِّ وذهب فيها مذهب بن عُمَرَ وَهُوَ شَأْنُهُ فِي الِاحْتِيَاطِ ﵁
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقُبْلَةَ لَمْ يَكْرَهْهَا مَنْ كَرِهَهَا إِلَّا لِمَا يُخْشَى أَنْ تُوَلِّدَهُ عَلَى الصَّائِمِ مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى الْجِمَاعِ عَلَى كُلِّ صَائِمٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ رَزِينِ بْنِ كَرِيمٍ
стр. 1356
عن بن عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ مَا لِلصَّائِمِ لَا يَرْفُثُ وَلَا يُقَبِّلُ وَلَا يَلْمِسُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قُلْتُ لِأَبِي رَوَى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ كَرِيمٍ السلمي عن بن عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ مَا لِلصَّائِمِ مِنِ امْرَأَتِهِ قَالَ لَا يُقَبِّلُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يَرْفُثُ عِفَّ صَوْمَكَ فَقَالَ نَعَمْ رُزَيْقُ بْنُ كَرِيمٍ هَذَا رَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ كَرِيمٍ وَسَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ
(٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السفر)
٦٠٩ - ذكر في هذا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
٦١٠ - وَذَكَرَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ وَقَالَ تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ قَالَ فَلَمَّا كان رسول الله بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ
٦١١ - وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ سَافَرْنَا مَعَ
стр. 1357
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ
٦١٢ - وَذُكِرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ
٦١٣ - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ
٦١٤ - وَذُكِرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ وَنُسَافِرُ مَعَهُ فَيَصُومُ عُرْوَةُ وَنُفْطِرُ نَحْنُ فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ إِنَّهُ مِنْ كلام بن شِهَابٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ لِأَنَّ آخِرَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ
وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ صَوْمُهُ فِي الْحَضَرِ وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 1358
روي معنى ذلك عن عمر وبن عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وبن عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ
وَبِهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ
وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ وَتَقْضِي بِجَوَازِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ إِنْ شَاءَ وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ صَامَ وِإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ
وَعَلَى التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ مَنِ اسْتَهَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ مُسَافِرًا أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ
رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَأَبُو مِجْلَزٍ
كَذَا قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ
وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ لِسَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَإِفْطَارِهِ فِيهِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِطْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
فَقَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَقَدَّمَ الْفِطْرَ فِي لَيْلَةٍ فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ
وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِنِ اخْتَارَ الْفِطْرَ إِنْ بَيَّتَهُ فِي سَفَرِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى صَدْرٌ مِنْهُ وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ
وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ فَاشْتَدَّ الصَّوْمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرِ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَمْرِهِ فَدَعَا لَبَنًا فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ عَلَى يَدِهِ أفطروا
стр. 1359
وَبِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ فَقِيلَ لَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵇ إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ وَيَبِيتُ صَائِمًا ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفَطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ فَأَنَّهُ قَالَ إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ
وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ
وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ يُفْطِرُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمَسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ
وَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ جَابِرٍ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ سُمَيٍّ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعَ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ
وَقَدْ روي معنى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بن عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَجَابِرٌ
стр. 1360
وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ جَائِزٌ لَهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عن أنس فإن بن وَضَّاحٍ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال إِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَافِرُونَ فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَنَّهُ كَانَ شَاهَدَهُمْ فِي حَالِهِمْ تِلْكَ
وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْأَثَرِ وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوَاءً
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ كُلِّهِ في التمهيد
وروى بن عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ
وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى ما حكاه بن وَضَّاحٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى هذا
ومن هنا قال بن وَضَّاحٍ مَا قَالَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَطَّانِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَدْ كَتَبْنَاهَا عَنْ شُيُوخِنَا وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذُكِرَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ أَوْلَى
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ التَّسْلِيمُ لَهُ
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ
فَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمَا قَالَا الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ
стр. 1361
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ قَالَا الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مُخَيَّرٌ وَلَمْ يُفَضِّلْ
وَهُوَ قَوْلُ بن عُلَيَّةَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أحب إليه
وروي عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّخْصَةَ أَفْضَلُ
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ الْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا
وقد روي عن بن عَبَّاسٍ فِي الْمَسَافِرِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ
وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو وبن عباس وأبي سَعِيدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ حُذَيْفَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُو وَائِلٍ يصومون في السفر وكان بن عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ
стр. 1362
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَيْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ وَاللَّهُ قد رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ
حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ قَالَا حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الصَّوْمُ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -
قَالَ أَبُو عُمَرَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﵇ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ
وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرًّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ
وقوله ليس من البر وليس الْبِرُّ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ تُرِيدُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ
وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ ﷺ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قِيلَ فَمَنِ الْمِسْكِينِ قَالَ الَّذِي سُئِلَ وَلَا عَلَيْهِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي الْحَدِيثَ
стр. 1363
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التَّوْبَةِ ٦٠
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ مَعْنَاهُ لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ لِأَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بَرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ ﷺ إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَبَرَّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ
فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الْبَقَرَةِ ١٨٥ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّ الْمَرِيضَ الْحَامِلَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا صَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ وَالْمُسَافِرُ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّ يَحْيَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو وَسَائِرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ مِنْهُمْ حَمَّادُ بن سلمة وبن عيينة ومحمد بن عجلان ويحيى القطان وبن نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو حَمْزَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ كُلُّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَائِشَةَ
وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ
ورواه بن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عُمَرَ
وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثبت في عروة وقد خَالَفَ هِشَامًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ تَدُلُّ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ
стр. 1364
وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ في سفره في الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ
وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ عُرْوَةُ نَصُومُ وَقَالَ سَالِمٌ لَا نَصُومُ فَقَالَ عُرْوَةُ إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ سَالِمٌ إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَلَمَّا امْتَرَيَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ أَصُومُهُ فِي الْيُسْرِ وَأُفْطِرُهُ فِي الْعُسْرِ
وَأَمَّا حديثه عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بَأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ وَقَدْ مَضَتِ الْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ
وَكَانَ عُرْوَةُ أَحَدَ الْمُخْتَارِينَ لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٨ - بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ فِي رَمَضَانَ)
٦١٥ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ وَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَشَدُّ تَشْدِيدًا فِيهِ مِنْ بَعْضٍ وما أعلم أحدا دَخَلَ مُسَافِرًا عَلَى أَهْلِهِ مُفْطِرًا كَفَّارَةً
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ فِي رَمَضَانَ مُسَافِرًا فَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ بِأَرْضِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَإِنَّهُ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يُصْبِحُ في
стр. 1365
الحضر صائما في رمضان ثم يسافر فِي صَبِيحَةٍ يَوْمِهِ وَذَلِكَ هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي سَفَرِهِ أَمْ لَا
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَهُوَ قول الزهري ويحيى بن سعيد والأوزاعي وأبي ثَوْرٍ
وَكُلُّهُمْ قَالُوا إِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَضَاءُ
وَرُوِيَ عن المخزومي وبن كِنَانَةَ أَنَّهُ يَقْضِي وَيَكَفِّرُ وَلَيْسَ قَوْلُهُمَا هَذَا بِشَيْءٍ وَلَا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ وَلَا سلف من جهة الأثر
وروي عن بن عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُفْطِرُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
قَالَ أَحْمَدُ يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ عَنِ الْبُيُوتِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ يُفْطِرُ حِينَ يَضَعُ رِجْلَهُ فِي الرَّحْلِ
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَفْطَرَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْحَضَرِ حَتَّى يَخْرُجَ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فيه إن أفطر قبل أن يخرج
فذكر بن سحنون عن بن الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إِنْ سَافَرَ فَلَا شَيْءَ عَلْيَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ لَمْ يُسَافِرْ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ إِنْ شَاءَ يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ
وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي فَتُفْطِرُ لِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ لَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُحْدِثُ السَّفَرَ إِذَا شَاءَ وَالْمَرْأَةُ لَا تُحْدِثُ الحيضة
стр. 1366
وقال بن حَبِيبٍ إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي سَبَبِ الْحَرَكَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَحُكِيَ ذلك عن أصبغ وبن الْمَاجِشُونِ
فَإِنْ عَاقَهُ عَنِ السَّفَرِ عَائِقٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا ضَعْفٌ مِنَ الَّذِي قَالَهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ لِسَفَرٍ وَتَأَهُّبُهُ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَافِرِ وَقَدْ وَقَعَ أَكْلُهُ مُبَاحًا وَعُذْرُهُ قَائِمٌ بِالْعَائِقِ الْمَانِعِ فَلَا وَجْهَ لِلْكَفَّارَةِ هنا ولا معنى
وروى عيسى عن بن القاسم أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِي فِطْرِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَصَحُّ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهِكٍ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَأَوِّلٌ وَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ مَعَ نِيَّةِ السَّفَرِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مَا أَسْقَطَهَا عَنْهُ خُرُوجُهُ وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِينَاءَ قَالُونُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عن بن الْمُنْكَدِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ فَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ نَعَمْ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَقَالَ قُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ قال نَعَمْ ثُمَّ رَكِبَ
قَالَ وَحَدَّثَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ قُرَّةَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ قُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ قَالَ لَا ثُمَّ رَكِبَ
وَاتَّفَقُوا فِي الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنُّهُوضِ فِي سَفَرِهِ أَوِ الْأَخْذِ فِي أُهْبَتِهِ وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ فِي السَّفَرِ كَالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عَمَلٍ وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي سَفَرِهِ وَيَبْرُزَ عَنِ الْحَضَرِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامُ الْمُسَافِرِ إِلَّا مَنْ جَعَلَ تَأَهُّبَهُ لِلسَّفَرِ وَعَمَلَهُ فِيهِ كَالسَّفَرِ وَالْبُرُوزِ عَنِ الْحَضَرِ لَزِمَهُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ مَشَى فِي سَفَرِهِ حَتَّى تَغِيبَ بُيُوتُ الْقَرْيَةِ وَالْمِصْرِ فَنَزَلَ فَأَكَلَ ثُمَّ عَاقَهُ عَائِقٌ عَنِ النُّهُوضِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ
стр. 1367
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُفْطِرَةٌ حِينَ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فِي رَمَضَانَ أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا إِنْ شَاءَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ قُدُومِ الْمُسَافِرِ مُفْطِرًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ وَهُوَ يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ عِلْمِهِ فِي سَفَرِهِ أَنَّهُ دَاخِلٌ إِلَى أَهْلِهِ وَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ صَائِمًا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيِّ
وَاحْتَجَّ الثَّوْرِيُّ بِحَدِيثٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ امرأته قد طهرت فأصابها
قال وقال بن مَسْعُودٍ مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ هُوَ عِنْدِي مِثْلُ فِعْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ أَنَّهُمَا يُمْسِكَانِ عَنِ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّةِ يومهما ويقضيان
وقال بن شُبْرُمَةَ فِي الْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ وَقَدْ أَكَلَ أَنَّهُ يَصُومُ يَوْمَهُ وَيَقْضِي
قَالَ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَأْكُلُ إِذَا طَهُرَتْ نَهَارًا وَلَا تَصُومُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِاتِّفَاقِهِمْ فِي الَّذِي يَنْوِي الْإِفْطَارَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عِنْدَهُ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ يَصِحُّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ رَمَضَانَ وَلَمْ يَأْكُلْ أَنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَقْضِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْحَاضِرُ الْجَاهِلُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ لَيْسَ جَهْلُهُ بِرَافِعٍ عَنْهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمَهُ لِزَوَالِ جَهْلِهِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ كَمَا كَانَ لِلْمُسَافِرِ فِعْلُ مَا فَعَلَهُ مِنْ فِطْرِهِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
(٩ - بَابُ كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ في رمضان)
٦١٦ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف عن
стр. 1368
أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ كله
٦١٧ - وعن عطاء بن عبد الله الخرساني عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً فَقَالَ لَا فَقَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً قَالَ لَا قَالَ فَاجْلِسْ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي فَقَالَ كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ
قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَطَاءٌ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنَ التَّمْرِ فَقَالَ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِي حديث بن شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ فِي الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْفِطْرَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ بِأَكْلٍ
وتابعه على روايته هذه بن جريج وأبو إدريس عن بن شِهَابٍ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عن بن شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ والليث جميعا عن بن شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ أَشْهَبَ عَلَى اللَّيْثِ وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ عَنِ اللَّيْثِ كَرِوَايَةِ بن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُمْ
والذي رواه بن عيينة ومعمر وأكثر رواة بن شهاب في هذا الحديث عن بن
стр. 1369
شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرُوا الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ أَفْطَرَ عَامِدًا وَذَكَرُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى تَرْتِيبِ كَفَّارَةِ الطَّهَارَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا ثُمَّ ذَكَرُوا الْإِطْعَامَ إِلَى آخِرِ الحديث
ورواه كما رواه بن عُيَيْنَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عن بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ
وَقَدْ رَوَاهُ قَوْمٌ عَنْ مَالِكٍ كَرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَذَكَرَ الْجِمَاعَ مِنْهُمْ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الأحاديث عنهم وعن أصحاب بن شِهَابٍ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ
وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَى أَنَّ الْمُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رَوَايَتِهِ فِطْرٌ مَخْصُوصٌ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ فِطْرٍ مُتَعَمَّدًا فَالْكَفَّارَةُ لَازِمَةٌ لِفَاعِلِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْمُفْطِرِ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنَ مُتَتَابِعَيْنِ مَعَ قَضَاءِ الْيَوْمِ
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ذَكَرَهُ سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ برد بن سفيان عن بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ قَالَ فِيهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ مَا فِي الطَّهَارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
وَفِي قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ مَا يَقْضِي لِرِوَايَةِ مَالِكٍ بِالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَخْتَارُ الْإِطْعَامَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْبَدَلَ مِنَ الصِّيَامِ
أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْمُفْرِطَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ لَا يُؤْمَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ مَعَ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْإِطْعَامِ فَالْإِطْعَامُ لَهُ مَدْخَلٌ مِنَ الصِّيَامِ وَنَظَائِرُ مِنَ الْأُصُولِ
فَهَذَا مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ
стр. 1370
وقال بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الْإِطْعَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي ذلك من العتق وغيره
وقال بن الْقَاسِمِ عَنْهُ إِنَّهُ لَا يُعْرِفُ إِلَّا الْإِطْعَامَ ولا يأخذ بالعتق لا بِالصِّيَامِ
وَقَدْ ذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ قِصَّةَ الْوَاقِعِ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْإِطْعَامَ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ لِلْجِمَاعِ عَامِدًا كَكَفَّارَةِ الْمُظَاهِرِ مَرْتَبَةً
وَذَهَبَتْ جَمَاعَتُهُمْ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ أن الشهرين متتابعان إلا بن أَبِي لَيْلَى فَقَالَ لَيْسَ الشَّهْرَانِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ ذَلِكَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ ذَكَرَ التَّتَابُعَ فِي الشَّهْرَيْنِ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فَقَالَ مَالِكٌ الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَصِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
قَالَ وَلَيْسَ الْعِتْقُ وَالنَّحْرُ مِنْ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالطَّعَامِ صَامَ يَوْمًا مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي أَفْطَرَ فَإِنْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ دَخَلَ فِيهِمَا قَضَاءُ يَوْمِهِ ذَلِكَ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَقْضِي الْيَوْمَ وَيُكَفِّرُ مِثْلَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَمِلُ إِنْ كَفَّرَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ بَدَلًا مِنَ الصِّيَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ بَدَلًا مِنَ الْكَفَّارَةِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَيَصُومَ مَعَ الْكَفَّارَةِ (هَذِهِ رواية الربيع)
وقال المزني عنه فيمن وطىء امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَيُكَفِّرُ مِثْلَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
следующие страницы →