← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1722

الاستذكار

ابن عبد البر

Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا أَبَاحَهُ وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ آخَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ فِيهِ الْعَدَاءُ عَلَى النَّاسِ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ذُو النَّابِ الْمُحَرَّمِ أَكْلُهُ هُوَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ قَالَ وَيُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَهُوَ قول الليث وروى معمر عن بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ الثَّعْلَبُ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ لَيْسَ بِسَبُعٍ وَرَخَّصَ فِي أَكْلِهِ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُؤْذِي قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ من سباع الوحش كلها ولا الهر والوحشي وَلَا الْأَهْلِيِّ لِأَنَّهُ سَبُعَ قَالَ وَلَا يُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَلَا الثَّعْلَبُ وَلَا شَيْءَ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ زَادَ بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَكُلُّ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأَكُلُ اللَّحْمَ وَلَا يَرْعَى الْكَلَأَ فَهُوَ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ يُشْبِهُ السِّبَاعَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْفِيلِ إِذَا ذُكِّيَ قَالَ بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا بِأَرْضِنَا يَنْهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قال بن وَهْبٍ وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ يُؤْكَلُ الْهِرُّ وَالثَّعْلَبُ وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَخُصُّوا سَبُعًا مِنْ سَبُعٍ فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ سَبُعٌ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْخِطَابُ وَتَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي مُخَاطَبَتِهَا وَلَيْسَ حَدِيثُ الضَّبُعِ مِمَّا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِنَقْلِ الْعِلْمِ وَلَا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ مِنْ هُوَ أُثْبِتُ مِنْهُ

стр. 2172

وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ - أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - فَقَالُوا ذُو النَّابِ مِنَ السِّبَاعِ الْمَنْهِيُّ عَنْ أَكْلِهِ الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالْفَهْدُ وَالثَّعْلَبُ وَالضَّبُعُ وَالْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ البري والأهلي والوبر قالوا وبن عُرْسٍ سَبُعٌ مِنْ سِبَاعِ الْهَوَامِّ وَكَذَلِكَ الْفِيلُ وَالدُّبُّ وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَأَمَّا الْوَبَرُ فَلَا أَحْفَظُ فِيهِ شَيْئًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ الْأَرْنَبِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَلِفُ إِلَّا الْبُقُولَ وَالنَّبَاتَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي السِّنْجَابِ وَفِي الْفَنَكِ والسمور كل ذلك سبع مثل الثعلب وبن عُرْسٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الضَّبُّ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِجَازَةُ أَكْلِهِ وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبُعٍ يَفْتَرِسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ بن الْمُسَيِّبِ لَا بَأْسَ بِالْوَرَلِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْوَرَلُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَّبِّ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَكْلَ الْفِيلِ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ وَهُمْ لِلْأَسَدِ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَكَرِهَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ أَكْلَ الْكَلْبِ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَلْبِ أَنَّهُ قَالَ ((طُعْمَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وقد أغنى الله عنها)) وروي عن بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ الضَّبُعَ لَا يَصْلُحُ أَكْلُهَا وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِأَكْلِ الْيَرْبُوعِ بَأْسًا وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ أَجَازَ أَكْلَ الْوَبْرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ وكرهه بن عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْسَ الْقِرْدُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا منفعة فيه وذو الناب مثله عِنْدِي وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا فِي حُجَّةِ غَيْرِهِ وأما جلود السباع المذكاة لجلودها فاختلف الصحابة في ذلك

стр. 2173

فروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السِّبَاعَ إِذَا ذَكِّيَتْ مِنْ أَجْلِ جُلُودِهَا حَلَّ بَيْعُهَا وَلِبَاسُهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ الذَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي السِّبَاعِ لِجُلُودِهَا أَكْمَلُ طَهَارَةً وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الدِّبَاغِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَهُوَ قَوْلُ بن القاسم وقال بن حَبِيبٍ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي السِّبَاعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا لُبْسُهَا وَلَا الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا إِذَا ذُكِّيَتْ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ قَالَ بن حَبِيبٍ وَلَوْ أَنَّ الدَّوَابَّ الْحَمِيرَ وَالْبِغَالَ إِذَا ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا لَمَا حَلَّ بَيْعُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا إِلَّا الْفَرَسَ فَإِنَّهُ لَوْ ذُكِّيَ يَحِلُّ بَيْعُ جِلْدِهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي تَحْرِيمِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ أَكْرَهُ بَيْعَ جُلُودِ السِّبَاعِ وَإِنْ ذَكِّيَتْ مَا لَمْ تُدْبَغْ قَالَ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فِيهَا وَيُفْسَخَ ارْتِهَانُهَا وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِالْجَهَالَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ أَكْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَالذَّكَاةُ فِيهَا لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ أَتَرَى مَا دُبِغَ مِنْ جُلُودِ الدَّوَابِّ طَاهِرًا فَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي جُلُودِ الْأَنْعَامِ فَأَمَّا جُلُودُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ جِلْدُهُ طَاهِرًا إِذَا دُبِغَ وَهُوَ مِمَّا لَا ذَكَاةَ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبِّاغِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ خُلْدٍ قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِي جِلْدِ شَاةٍ مَاتَتْ ((أَلَا دَبَغْتُمْ جِلْدَهَا)) وَنَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ

стр. 2174

قَالَ فَلَمَّا رُوِيَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِهِمَا جَمِيعًا لِأَنَّ الْكَلَامَيْنِ جَمِيعًا لَوْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا وَلَمْ يَتَنَاقَضْ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَإِنْ دُبِغَ فَلَمَّا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَكَانَتْ السِّبَاعُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ ذُكِّيَتْ كَانَ حَرَامًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِجِلُودِهَا وَإِنْ دُبْغَتْ قِيَاسًا عَلَى ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَذَكَرَ هُشَيْمُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الْبِغَالِ قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ صَحِيحٌ فِي الذَّكَاةِ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ ((كُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ جِلْدٍ إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ أَجْمَعُوا أَنَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لَا يَدْخُلُ في ذلك فخرج بإجماعهم وحديث أبي ثَوْرٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ ذَبَائِحَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتِ الْآثَارُ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنِ بْنِ أَبِي عَرُوَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَحَكَاهُ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ تَذْكِيَةُ السِّبَاعِ وَإِنْ ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا لَمْ يَحِلَّ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ جُلُودِهَا إِلَّا أَنْ تُدْبَغَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قول بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ

стр. 2175

وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَهُوَ الَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقُلَهُ غَيْرُهُ وَلِوُضُوحِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ إِلَّا بِمُذَابَحَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ ذَبْحٍ فِي الْحَرَمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ ذَكَاةً لِلْمَذْبُوحِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا تَعْمَلُ فِي جِلْدِهِ الذَّكَاةُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مِنَ الْأُهُبِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٥ - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ أكل الدواب) ١٠٣٠ - قَالَ مَالِكٌ إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنْهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) النَّحْلِ ٨ وَقَالَ ﵎ فِي الْأَنْعَامِ (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ غَافِرٍ ٧٩ وَقَالَ ﵎ (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رزقهم من بهيمة الأنعام وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ الْحَجِّ ٣٦ قَالَ مَالِكٌ وَسَمِعْتُ أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ قَالَ مَالِكٌ فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ قَالَ مَالِكٌ وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ مَذْهَبَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاحْتَجَّ بِأَحْسَنِ الِاحْتِجَاجِ وَلَا خِلَافَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَكْلِ الْبِغَالِ والحمير إلا شيء روي عن بن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ مذهب طائفة من أصحاب بن عَبَّاسٍ وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ قَالَ وَقَدْ كَانَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ - يَعْنِي بن عباس وتلا (قل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية الأنعام ١٤٥ وبن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ أَصَبْنَا

стр. 2176

حُمُرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ فَنَحَرْنَاهَا وَطَبَخْنَاهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ اكْفُوا الْقُدُورَ بِمَا فِيهَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذْرَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنَ السُّنَّةِ فِيهِمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ عَامَ خَيْبَرَ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَغْلَ عِنْدَهُمْ كَالْحِمَارِ لَا يُسْهَمُ لَهُ فِي الْغَزْوِ وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ - أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بالأمصار وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْلِ الْخَيْلِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا تُؤْكَلُ الْخَيْلُ وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْوَارِدَةِ بِنَقْلِ الْآحَادِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عن صالح حدثني حيوة بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعِدِي كَرِبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ تُؤْكَلُ الْخَيْلُ وَحُجَّتُهُمْ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ

стр. 2177

عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَأَذِنَ لَنَا فِي لُحُومِ الْخَيْلِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِّي حَمَّادٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أسماء قَالَتْ نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأكلناه قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ أَصَحُّ عِنْدَهُمْ وَأَثْبَتُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا وَأَمَّا الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ الْخَيْلُ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَافِرِ كَالْحَمِيرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِالْمِسْكِينِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي قَدْ تَبَاءَسَ مِنْ ضُرِّ الْفَقْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُعَتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ فَقَدْ قِيلَ مَا قَالَ وَقِيلَ الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيكَ وَيَعْتَرِضُ وَيَتَعَرَّضُ لَكَ لِتُعْطِيَهُ وَلَا يُفْصِحُ بِالسُّؤَالِ وَقِيلَ الْقَانِعُ السَّائِلُ قَالَ الشَّمَّاخُ (لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ الْقُنُوعِ) أَيِ السُّؤَالِ يُقَالُ مِنْهُ قَنِعَ قُنُوعًا إِذَا سَأَلَ وَقَنِعَ قَنَاعَةً إِذَا رَضِيَ بِمَا أُعْطِيَ

стр. 2178

وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ وَضَعُفَ الْحَالِ وقال بن وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْأَرْنَبِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابٍ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ذلك (ها هنا) (٦ - باب ما جاء في جلود الميتة) ١٠٣١ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاهُ لِمَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا)) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا)) قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى مسندا وقد تابعه على ذلك بن وهب وبن القاسم والشافعي وأرسله القعنبي وبن بُكَيْرٍ وَجُوَيْرِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَالُوا فِيهِ عن بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ مُسْنَدًا وَكَذَلِكَ يَرْوِيهِ سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الدِّبَاغَ وَتَابِعَهُ عَلَى ذَلِكَ معمر ويونس وهو الصحيح فيه عن بن شِهَابٍ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عُقَيْلٍ وَبَقِيَّةُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدباغ وليسا بِحُجَّةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَذِكْرُ الدِّبَاغِ مَحْفُوظٌ في حديث بن عباس من وجوه من غير طريق بن شهاب منها حديث بن وعلة وغيره

стр. 2179

وأما قوله في حديث بن شِهَابٍ إِنَّمَا حَرَّمَ أَكْلَهَا قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ عَنْ جِلْدِهَا فَأَجَابَهُ بِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُتَاحٌ بَعْدَ دَبْغِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ قَدْ جَمَعَ عَصَبَهَا وَإِهَابَهَا وَعِظَامَهَا مَعَ لَحْمِهَا هَذَا مَا يُوجِبُهُ الظَّاهِرُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ وَفِي الِانْتِفَاعِ بِعِظَامِهَا فِي أَمْشَاطِ الْعَاجِ وَغَيْرِهَا وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ ١٠٣٢ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ بن وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ (١) فَقَدْ طَهُرَ)) ١٠٣٣ - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا حديث بن وَعْلَةَ فَقَدْ ذَكَّرْنَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) أَنَّ مِمَّنْ روى عن بن وَعْلَةَ مَعَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ وَأَبُو الْخَيْرِ الْيَزَنِيِّ وَذَكَرْنَا مَنْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَتَيْنَا بِالْأَحَادِيثِ بِأَسَانِيدِهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ ﵇ ((أَيُّمَا إِهَابٍ قد دبغ فقد طهر)) هو مَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا مِنَ الْأُهُبِ كَجُلُودِ الْمَيْتَاتِ وَمَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنَ السِّبَاعِ عِنْدَ مَنْ حَرَّمَهَا لِأَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الدِّبَاغِ لِيَتَطَهَّرَ وَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ فِي الْجِلْدِ الطَّاهِرِ إِذَا دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ

стр. 2180

وهذا يَكَادُ عِلْمُهُ أَنْ يَكُونَ ضَرُورَةً وَفِي قَوْلِهِ ﵇ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ نَصٌّ وَدَلِيلٌ فَالنَّصُّ مِنْهُ طَهَارَةُ الْإِهَابِ بِالدِّبَاغِ وَالدَّلِيلُ مِنْهُ أَنَّ إِهَابَ كُلِّ مَيْتَةٌ إِنْ لَمْ يُدْبَغْ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا فَهُوَ نَجِسٌ وَالنَّجِسُ رِجْسٌ مُحَرَّمٌ وَإِذَا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث معارضا لرواية بن شِهَابٍ فِي الشَّاةِ الْمَيْتَةِ إِنَّمَا حَرَّمَ أَكْلَهَا وَإِنَّمَا حَرَّمَ لَحْمَهَا وَكَانَ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ مِنْهُ وَبَطَلَ بِنَصِّهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْجِلْدَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَبَطَلَ بِالدَّلِيلِ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ - وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ - يُسْتَمْتَعْ بِهِ وينتفع وهو قول بن شِهَابٍ وَرُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلُهُ وَذَكَرَهُ مَعْمَرٌ بِإِثْرِ حَدِيثِهِ الْمُسْنَدِ الْمَذْكُورِ قَالَ مَعْمَرٌ وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ وَيَقُولُ يُسْتَمْتَعُ به على كل حال قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الزهري وروى الليث عن يونس عن بن شِهَابٍ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ قَالَ بِإِثْرِهِ فَلِذَلِكَ لَا نَرَى بِالسِّقَاءِ فِيهَا بَأْسًا وَلَا بِبَيْعِ جِلْدِهَا وَابْتِيَاعِهِ وَعَمَلِ الْفِرَاءِ مِنْهَا قَالَ أَبُو عمر برواية معمر عن بن شِهَابٍ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نَقْلِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ بن شهاب الدباغ وقد ذكر الدباغ فيه بن عُيَيْنَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَقِيلٌ الزُّبَيْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ إِلَّا أَنَّهُمُ اضْطُرِبَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ وَذِكْرُ الدِّبَاغِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عن بن عَبَّاسٍ ثَابِتٌ لَمْ يَضْطَّرِبْ فِيهِ نَاقِلُوهُ وَرَوَى بن جُرَيْجٍ وَعُمَرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ ((أَفَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ)) وأما قول الليث فهي هذه المسألة فمثل قول بن شهاب رواه بن وَهْبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْهُ

стр. 2181

وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ جَوَازُ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ إِلَّا عَنِ اللَّيْثِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ مَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ بن شِهَابٍ وَاللَّيْثِ فِي ذَلِكَ قَالَ مَنِ اشْتَرَى جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ وَقَطَعَهُ نِعَالًا فَلَا يَبِعْهَا حَتَّى يُبَيِّنَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أَغْفَلَ فِيهَا نَاقِلُهَا وَلَمْ يُبِنْ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَا يَنْتَفِعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَكَيْفَ الْبَيْعُ الَّذِي لَا يُجِزْهُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَفِي المدونة مسألة تشبه ما ذكره بن عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ مَنِ اغْتَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ غير مدبوغ فأتلفه فعليه قيمته وحكى بن الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ مَالِكٌ مَنِ اغْتَصَبَ لِرَجُلٍ جِلْدَ ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَجُوسِيٍّ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي تَقْصِيرِ مَنْ قَصَرَ عَنْ ذِكْرِ الدباغ في حديث بن عباس حجة على ما ذكره لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ حَفِظَ شَيْئًا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ دَبَاغِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((دِبَاغُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهُ)) وَقَدْ رواه قوم عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ من غير رواية بن عباس روى بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ أَنَّ عبد الله بن مالك بْنَ حُذَافَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ أَنْ مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهَا أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وهم

стр. 2182

يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَوِ اتَّخَذْتُمْ إِهَابَهَا)) فَقَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرْظُ)) وَرَوَى قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَتَى أهل بيت فدعا بما عِنْدَ امْرَأَةٍ قَالَتْ مَا عِنْدِي مَاءٌ إِلَّا قربة ميتة قال أو ليس قد دبغتها قَالَتْ بَلَى قَالَ ((فَإِنَّ ذَكَاتَهَا دِبَاغُهَا)) رَوَاهُ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَذَكَرَ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَخِيهِ عَنِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ أَنَّ دِبَاغَهُ أَذْهَبَ خُبْثَهُ وَنَجَسَهُ أَوْ قَالَ رِجْسَهُ وَالْآثَارُ بِهَذَا كَثِيرَةٌ فَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَصَّرَ عَنْ ذِكْرِ الدِّبَاغِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهُ طَهُورٌ كَامِلٌ لَهُ تَجُوزُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالْوُضُوءُ وَالِاسْتِقَاءُ وَالْبَيْعُ وَسَائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي جَمَاعَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وبن الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْبَصْرِيِّينَ وَقَوْلُ دَاوُدَ وَالطَّبَرِيِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُرَخِّصُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَلَا يَرَى الصَّلَاةَ فِيهَا وَيَكْرَهُ بَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا وَعَلَى ذلك أصحابه إلا بن وَهْبٍ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ دِبَاغَ الْإِهَابِ طَهُورٌ كَامِلٌ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَكُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) عَنِ بن لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ أَأْكُلُ مَا جُعِلَ فِيهَا قَالَ نَعَمْ وَيَحِلُّ ثَمَنُهَا إِذَا بُيِّنَتْ مِمَّا كَانَتْ

стр. 2183

قال وحدثنا محمد بن عمرو عن بن جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ الْفَرْوُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ يُصَلَّى فِيهِ قَالَ نَعَمْ وَمَا بَأْسُهُ وَقَدْ دُبِغَ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ لَا يُخْتَلَفُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ أَنَّ دِبَاغَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا وَقَالَ بن وَهْبٍ سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ وَإِلَى هَذَا ذهب بن الْحَكَمِ فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ كَالذَّكَاةِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ فِي الشُّذُوذِ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ الْجِلْدِ وَتَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شاب أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ خُولِفَ فِيهِ شُعْبَةُ فَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُهَيْنَةَ لَمْ يَذْكُرْهُمْ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ عَنْ مَشْيَخَةٍ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الدِّبَاغُ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذلك به مخالفا لخبر بن عَبَّاسٍ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ فِي الدِّبَاغِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَتَانَا كِتَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أن يكون حديث بن عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمُعَةٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ وَقَدْ تَقَصَّيْنَا حُجَجَ الْفِرَقِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ

стр. 2184

كَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالْغَرْبَلَةِ وَالِامْتِهَانِ وَشِبْهِهِ وَكَرَاهِيَتِهِ لِبَيْعِهَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا حَدِيثُهُ بِذَلِكَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وقال أَمَّا أَنَا فَأَسْتَقِي بِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِي وَأَكْرَهُهُ لِغَيْرِي وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْبَابٌ لَا يَقُومُ عليه دليل والدليل بمشهور الحديث عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طهر)) على أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْأُهُبِ وَهِيَ الْجُلُودُ كُلُّهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ فِي ذَلِكَ مَجِيءَ عُمُومٍ وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِثْلَهَا وَهَذَا أَيْضًا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَهُ فِي أَنَّهَا طَهَارَةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ عَلَى مَا وصفنا عنه وعليه أصحابه إلا بن وَهْبٍ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ إِلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا وَجِلْدُهُ مِثْلُ لَحْمِهِ فَلَمَّا لَمْ تَعْمَلْ فِي لَحْمِهِ وَلَا فِي جِلْدِهِ الذَّكَاةُ لَمْ يَعْمَلِ الدِّبَاغُ فِي إِهَابِهِ شَيْئًا وَرَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ إِذَا دُبِغَ فقال لا ينتفع به رواه بن وَضَّاحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَعْنِ بن عيسى قال بن وَضَّاحٍ قَالَ لِي سَحْنُونُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا دُبِغَ وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَحُجَّتُهُمْ عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْهُمْ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَّ الْإِهَابَ جِلْدُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ جِلْدٌ لَا إِهَابٌ حَكَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) إِنَّمَا يُقَالُ الْإِهَابُ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَأَمَّا السِّبَاعُ فجلود

стр. 2185

وَقَالَ الْكَوْسَجُ وَقَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ كَمَا قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا أَعْرِفُ مَا قَالَ النَّضْرُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْإِهَابُ اسْمًا جَامِعًا لِلْجُلُودِ كُلِّهَا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لا يؤكل لحمه لأن بن عَبَّاسٍ رَوَى حَدِيثَ شَاةِ مَيْمُونَةَ ثُمَّ رَوَى عُمُومَ الْخَبَرِ فِي كُلِّ إِهَابٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُ النَّاسِ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ وَهَلْ تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا الدِّبَاغُ فَعَامِلٌ فِي كُلِّ إِهَابٍ وَجِلْدٍ وَمَسْكٍ إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيفُ التَّأْوِيلِ وَيَلْزَمُ مَنْ شَذَّ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِمْ خَصُّوا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْجُمْلَةِ فَلَمْ يُجِيزُوا فِيهِ الدِّبَاغَ هَذَا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الْخِنْزِيرَ جِلْدٌ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالِانْتِفَاعِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الدِّبَاغِ الَّتِي تَطْهُرُ بِهِ جُلُودُ الْمَيْتَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كُلُّ شَيْءٍ دُبِغَ بِهِ الْجِلْدُ مِنْ مِلْحٍ أَوْ قَرَظٍ أَوْ شَبٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ قَالُوا كُلُّ شَيْءٍ دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ فَأَزَالَ شَعْرَهُ وَرَائِحَتَهُ وَذَهَبَ بِدَسَمِهِ وَنَشَفِهِ فَقَدْ طَهَّرَهُ وَهُوَ بِذَلِكَ الدِّبَاغِ طاهر وهو قول داود وذكر بن وَهْبٍ قَالَ قَالَ - يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ مَا دُبِغَتْ بِهِ الْجُلُودُ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ قَرَظٍ أَوْ مِلْحٍ فَهُوَ لَهَا طَهُورٌ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الشَّبُّ أَوِ الْقَرْظُ لِأَنَّهُ الدِّبَاغُ الْمَعْهُودُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَرَجَ الْخِطَابُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ) ١٠٣٤ - مَالِكٌ إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا

стр. 2186

قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ مَنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي ((مُوَطَّئِهِ)) مَا ذَكَرْنَا وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا لَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَالنَّفْسَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْمُضْطَرُّ يَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا مَا يُزِيلُ الْخَوْفَ فَقَدْ زَالَتِ الضَّرُورَةُ وَارْتَفَعَتِ الْإِبَاحَةُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) الْبَقَرَةِ ١٧٣ وَقَالَ (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الْأَنْعَامِ ١١٩ فَإِذَا كَانَتِ الْمَيْتَةُ حَلَالًا لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهَا أَكَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ قَالَ الْحَسَنُ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ مِنْهَا قُوتَهُ وَقَدْ قِيلَ مَنْ تَغَدَّى لَمْ يَتَعَشَّ مِنْهَا وَمَنْ تَعَشَّى لَمْ يَتَغَدَّ مِنْهَا وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا وَالصَّبُوحُ الْغَدَاءُ وَالْغَبُوقُ الْعَشَاءُ وَنَحْوُ هَذَا وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) الْبَقَرَةِ ١٧٣ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا عَادٍ قَاطِعِ سَبِيلٍ

стр. 2187

وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) الْبَقَرَةِ ١٧٣ قَالَ غَيْرَ قَاطِعِ سَبِيلٍ وَلَا مُفَارِقِ الْأَئِمَّةِ وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةٍ فَإِنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ قَالَ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَلَيْسَ لَهُ رُخْصَةٌ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِلَى الْمَيْتَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ خَرَجَ عَاصِيًا لِلَّهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحَالٍ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ لِلضَّرُورَةِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ وَلَا مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا تَحِلُّ لَهُ الْخَمْرُ وَلَا يَشْرَبُهَا وَلَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ بُرْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ لَا يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ قَالَ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى الْخَمْرِ فَلَا يَشْرَبْهَا فَإِنَّهَا لا تزيده إلا عطشا وروى بن وهب عن يونس أنه سأل بن شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ هَلْ فِيهِ رُخْصَةٌ قَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ لِأَحَدٍ وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ قَالَ يَتَعَدَّى فَيَزِيدُهُ عَلَى مَا يُمْسِكُ نَفْسَهُ وَالْبَاغِي كُلُّ ظَالِمٍ فِي سَبِيلِ الْغَيْرِ مُبَاحَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ قَالَ فِي قَوْلِهِ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ قَالَ غَيْرُ باغ فيها يأكلها وهنو غَنِيٌّ عَنْهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يَرَ شُرْبَ الْخَمْرِ لِلْمُضْطَرِّ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الرُّخْصَةَ لِلْمُضْطَرِّ مَعَ تحريم الخمور وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَكَرَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يُذَكِّرْ مَعَ ذَلِكَ رُخْصَةَ لِلْمُضْطَرِّ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ

стр. 2188

زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إِنَّ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يأكل الميتة وإن هو خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرُّ إِلَى الميتة يريد اسْتِجَازَةَ أَخَذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَرَأَى لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَشْبَعَ وَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إِلَّا مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا كَأَنَّهُ رَأَى الْمَيْتَةَ أُطْلِقَ أَكْلُهَا لِلْمُضْطَرِّ وَجَعَلَ قَوْلَهُ ﵇ ((أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) يَعْنِي أَمْوَالُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ أَعَمُّ وَأَشَدُّ وَهَذَا يُخَالِفُهُ فِيهِ غَيْرُهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) وَلِأَنَّ الْمُوَاسَاةَ فِي الْعُسْرَةِ وَتَرْمِيقَ الْمُهْجَةِ مِنَ الْجَائِعِ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ فَكِلَاهُمَا حَلَالٌ فِي الْحَالِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ أَصَابَتْنِي سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَعَرَكْتُ سُنْبُلًا فَأَكَلْتُ وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي فَجَاءَ صَاحِبُهُ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ ((مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا)) أَوْ قَالَ ((سَاغِبًا)) وَأَمَرَهُ فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي وَأَعْطَانِي وَسْقًا أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ

стр. 2189

رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَلَمْ يَلْقَ أَبُو بِشْرٍ صَاحِبًا غَيْرَ هَذَا الرَّجُلِ وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَلْيَحْتَلِبْ فَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّمْرِ وَالزَّرْعِ وَالْغَنَمِ أَنَّهُ يُقْطَعُ إِذَا عُدَّ سَارِقًا فَهَذَا لَا يَكُونُ فِي زَرْعٍ قَائِمٍ وَلَا ثَمَرٍ فِي شَجَرٍ وَلَا غَنَمٍ فِي سَرْحِهَا لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْقَطْعُ فِي الزرع إذا صار في الأندر وصار التمر فِي الْجَرِيسِ وَالْغَنَمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرَاحِ وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحِرْزِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِيَارٌ وَاسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ عَلَى السَّائِلِ وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَحَلَالٌ لِلْمُضْطَرِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا دَامَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ بِإِجْمَاعٍ وَكَذَلِكَ أَكْلُهُ زَرْعَ غيره أوإطعام غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَهُ حَلَالٌ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَرَفَ حَالَهُ تِلْكَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ قِيَامُهُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَرْضًا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فَإِنْ قَامَ به من قام منهم سقط ذلك الغرض عَنْهُمْ وَلَا يَحِلُّ لِمَنِ اضْطُرَّ أَنْ يَكُفَّ عَمَّا يُمْسِكُ رَمَقَهُ فَيَمُوتُ وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ إِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَأْكُلْهَا وَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فِيهِ وَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ وَقِيمَةٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ هَلْ عَلَيْهِ ثَمَنُ ذَلِكَ أَمْ لَا فَقَالَ قَوْمٌ يَضْمَنُ مَا أَحْيَا بِهِ نَفْسَهُ وَقَالَ الْأَكْثَرُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ فَيَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ أَوْ يَجِدُهُ سَاقِطًا قَالَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِهِ تَطِيبُ بِذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مُحْتَاجًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شيء

стр. 2190

وَفِي ((التَّمْهِيدِ)) بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصِيبُونَ مِنَ الثِّمَارِ فِي أَسْفَارِهِمْ - يَعْنِي بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يُفْسِدُ وَلَا يَحْمِلُ وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ ((لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) فِي بَابِ الْغَنَمِ مِنَ الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 2191

(٢٦ كِتَابُ الْعَقِيقَةِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ (١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ) ١٠٣٥ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ ((لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ)) وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الِاسْمَ وقال ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ (٣) عن ولده فليفعل)) روى هذا الحديث بن عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عَمِّهِ عَلَى الشَّكِّ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُهُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَمِنْ أَحْسَنِ أَسَانِيدِ حَدِيثِهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ

стр. 2192

قَالَ سَمِعَتْ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ ((لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ)) وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَنْسُكُ أَحَدُنَا عَنْ وَلَدٍ لَهُ فَقَالَ ((مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَقِيقَةِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا بِالْأَسَانِيدِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ مَا يُقْبَحُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ وَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجَامِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَانَ الْوَاجِبُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ لِلذَّبِيحَةِ عَنِ الْمَوْلُودِ فِي سَابِعَةٍ نَسِيكَةٌ وَلَا يُقَالُ عَقِيقَةٌ إِلَّا أَنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عَقِيقًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَاسْتِحْبَابٌ وَاخْتِيَارٌ فَأَمَّا النَّسْخُ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَةٍ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانِ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى)) فَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَفْظُ الْعَقِيقَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الِاسْمِ وَعَلَى هَذَا كَتَبَ الْفُقَهَاءُ فِي كُلٍّ الْأَمْصَارِ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْعَقِيقَةُ لَا النَّسِيكَةُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْكَرَاهَةِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2193

وَإِنَّمَا فِيهِمَا فَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ وَأَمَّا الْعَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ فَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَصْلَهَا الشَّعْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ قَالَ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ عَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ يُحْلَقُ رَأْسُ الصَّبِيِّ عِنْدَ الذَّبْحِ وَلِهَذَا قِيلَ أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَذَى الشَّعْرَ وَذَكَرَ شَوَاهِدَ مِنَ الشِّعْرِ عَلَى هَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ تَفْسِيرَ أَبِي عُبَيْدٍ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ إِنَّمَا الْعَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُهُ وَهُوَ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ قَالَ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَاطِعِ رَحِمَهُ فِي أَبِيهِ وَأُمِّهِ عَاقٌّ وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ١٠٣٦ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً ١٠٣٧ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ حسن وحسين فتصدقت بزنته فضة وهذا الحديث قَدْ رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ عَنْ رَبِيعَةَ مَا فِي ((الْمُوَطَّأِ)) رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي لَهِيعَةُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِرَأْسِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ يَوْمَ سَابِعْهِمَا فَحُلِقَ وَتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ فِضَّةً وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُولَدُ لَهَا وَلَدٌ إِلَّا أَمَرَتْ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ وَتَصَدَّقَتْ بِوَزْنِ شِعْرِهِ وَرِقًا وَرَوَى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - مِثْلَهُ وَهَذَا كَانَ مِنْ فَاطِمَةَ ﵂ مَعَ الْعَقِيقَةِ عَنِ ابْنَيْهَا حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ

стр. 2194

لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عق عن كل واحد منهما بِكَبْشٍ كَبْشٍ وَسَنَذْكُرُ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ مَا جَاءَ عَنْ فَاطِمَةَ فِي ذَلِكَ مَعَ الْعَقِيقَةِ أَوْ دُونِهَا وَيَرَوْنَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعُقَّ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ أَوْكَدُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ الْعَقِيقَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَبْدَأُ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ وَامَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْعَقِيقَةِ فَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ العقيقة واجبة فرضا منهم داود وغيره قالوا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِهَا وَعَمِلَهَا وَقَالَ الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَةٍ وَمَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ وَقَالَ عَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وَعَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَكَانَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ يُوجِبُهَا وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ النَّاسُ يُعْرَضُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْعَقِيقَةِ كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَنِ الْغُلَامِ يَوْمَ سَابِعِهِ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا مَلَكَ وَعَقِلَ وَحُجَّتُهُ مَا رَوَاهُ عَنْ سَمُرَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبَانٌ قَالَ حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ((كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى وَيُسَمَّى)) قَالَ قَاسِمٌ وَأَمْلَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى)) قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحَلْقُ مَعْنَى أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى

стр. 2195

وَذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَنِ الْمَوْلُودِ فِي سَابِعِهِ وَغَيْرُ وَاجِبَةٍ بَعْدَ سَابِعِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا مِنْ ((الْمُوَطَّأِ)) وَلَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا وَهِيَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا قَالَ وَفِي غَيْرِ ((الْمُوَطَّأِ)) لَا يُعَقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ إِلَّا يَوْمَ سَابِعِهِ ضَحْوَةً فَإِنْ جَاوَزَ السَّابِعَ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ وَلَا يُعَقَّ عَنْ كَبِيرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ الْعَقِيقَةُ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَهَا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ وَإِنْ صُنِعَتْ فَحَسَنٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هِيَ تَطَوُّعٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَصْنَعُونَهَا فَنَسَخَهَا عِيدُ الْأَضْحَى فَمَنْ شَاءَ فعل ومن شاء ترك قال أَبُو عُمَرَ لَيْسَ ذَبْحُ الْأَضْحَى بِنَاسِخٍ لِلْعَقِيقَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا جَاءَ فِي الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَلَا عَنِ السَّلَفِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَلَا أَصْلَ لِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُقَالُ فِيهِ من أحب أن يفعله فَعَلَهُ بَلْ هَذَا لَفْظُ التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَقَالَ مَالِكٌ يُعَقُّ عَنِ الْيَتِيمِ وَيَعُقُّ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَنْ وَلَدِهِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعُقُّ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا يَعُقُّ عَنِ الْيَتِيمِ كَمَا لَا يُضَحَّى عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعَدُّ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ الْمَوْلُودُ إِلَّا أَنْ يُولَدَ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ

стр. 2196

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إِنْ أَخْطَأَهُمْ أَمْرُ الْعَقِيقَةِ يَوْمَ السَّابِعِ أَحْبَبْتُ أَنْ يُؤَخِّرُوهُ إِلَى يَوْمِ السَّابِعِ الثَّانِي وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ راهويه وهو مذهب بن وهب صاحب مالك وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عُقَّ عَنْهُ في السابع الثاني قال بن وَهْبٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّالِثِ وَقَالَ اللَّيْثُ يُعَقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ فِي أَيَّامِ سَابِعِهِ كُلِّهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ تَتَهَيَّأْ لَهُمُ الْعَقِيقَةُ فِي سَابِعِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ أَحْمَدُ يَذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ مَاتَ قَبْلَ يَوْمِ السَّابِعِ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْمَرْأَةِ تَلِدُ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يُعَقُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (٢ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْعَقِيقَةِ) ١٠٣٨ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ قَالَ أَبُو عُمَرَ عَمِلَ قَوْمٌ خَبَرَ بن عُمَرَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ سَأَلَهُ الْعَقِيقَةَ عَنْ وَلَدِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ

стр. 2197

قَالَ وَكَانَ يَقُولُ عَنِ الْغُلَامِ شَاةٌ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجَازَ بَعْضُ مَنْ شَذَّ أَنْ يَعُقَّ الْكَبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ عَقَّ النَّبِيُّ ﷺ عن نفسه بعد ما بُعِثَ بِالنُّبُوَّةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ لَيْسَ حَدِيثُهُ بِحُجَّةٍ وَقَدْ قِيلَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ وَرَوَى عَنْهُ مَعْمَرٌ قَالَ مَنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ أَجَزَأَتْهُ ضَحِيَّتُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ)) وَقَوْلُهُ ﷺ ((مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ وَالْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ)) وَرُوِيَ الْمَوْلُودُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَقِيقَةَ عَنِ الْغُلَامِ لَا عَنِ الْكَبِيرِ عَلَى ذَلِكَ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي مُرَاعَاةِ السَّابِعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَفِي الثَّالِثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ كَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ شَاةً شَاةً عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ وَعُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمُوَطَّأِ ١٠٣٩ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعُقُّ عَنْ بَنِيهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَقِيقَةِ أَنَّ مَنْ عَقَّ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ حديث أيوب عن عكرمة عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فَاطِمَةَ ذَبَحَتْ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ كَبْشًا كَبْشًا

стр. 2198

وهو قول بن عُمَرَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ مَيْسَرَةَ بْنِ أَبِي خَيْثَمِ الْفِهْرِيَّةِ مَوْلَاتِهِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ سَمِعَتْهَا تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الْعَقِيقَةِ ((عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شاة)) رواه عمرو بن دينار وبن جريج عن عطاء وقال بن جُرَيْجٍ فِيهِ عَنْ أُمِّ بَنِي كُرْزٍ الْكَعْبِيِّينَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ ((عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ قَالَتْ قُلْتُ مَا الْمُكَافِئَتَانِ قَالَ الْمِثْلَانِ وَأَنَّ الضَّأْنَ أَحَبُّ إِلَيْهِ من المعز وذكر أنها أحب إليه من إناثها قال بن جريج كان هذا رأيان مِنْ عَطَاءٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَوَى حَدِيثَ أَمِّ كُرْزٍ هَذَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ كُرْزٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن العقيقة فقال ((نَعَمْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا)) وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ عَطَاءٍ فِي أَنَّ الذَّكَرَ أَحَبُّ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأُنْثَى وَهَذَا الْحَدِيثُ رواه بن جريج وبن عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ إلا أن بن عُيَيْنَةَ قَالَ فِيهِ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ سِبَاعَ بْنَ ثَابِتٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقال بن جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ مَا أَثْبَتْنَا فِي الْإِسْنَادِ قَبْلَ هَذَا عَنْهُ

стр. 2199

وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) قَالَ أَبُو عُمَرَ وَانْفَرَدَ الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ لَا يُعَقَّ عَنِ الْجَارِيَةِ وَإِنَّمَا يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَتَادَةَ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَظُنُّهُمَا ذَهَبَا إِلَى حَدِيثِ سَلْمَانَ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ وَإِلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْضًا بِأَنَّ الصَّبِيَّ يُمَسُّ رَأْسُهُ بِقُطْنَةٍ قَدْ غُمِسَتْ فِي دَمٍ وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ وَقَالُوا هَذَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُسِخَ بِالْإِسْلَامِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى قَالُوا فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْهُ وَيَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهِ الْأَذَى وَأَنْكَرُوا حَدِيثَ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((كل غلام مرتهن بعقيقته تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ أَوْ تُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُدَمَّى)) وَقَالُوا هَذَا وَهْمٌ مِنْ هَمَّامٍ لِأَنَّهُ لم يقل أحد في ذلك الحديث ((ويدمي غَيْرُهُ وَإِنَّمَا قَالُوا وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى وَذَكَرُوا حديث بن بردة الْأَسْلَمِيِّ قَالَ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) ١٠٤٠ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَسْتَحِبُّ الْعَقِيقَةَ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ هَكَذَا رَوَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَرَوَاهُ بن وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى فَقَالَ فِيهِ سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ تُسْتَحَبُّ الْعَقِيقَةُ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ((الْمُوَطَّأِ

стр. 2200

وَرَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ تُسْتَحَبُّ الْعَقِيقَةُ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ وَلَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَكْثَرُ مِنَ اسْتِحْبَابِ الْعَقِيقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ فَإِنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّقْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَكَمَا قَالَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ بِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْعَقِيقَةِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ خِلَافًا ١٠٤١ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ عُقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ وَالضَّحَايَا لَا يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ وَلَا عَجْفَاءُ وَلَا مَكْسُورَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ وَلَا يُبَاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ وَلَا جِلْدُهَا وَيُكْسَرُ عِظَامُهَا وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُجْتَنَبُ فِي الْعَقِيقَةِ مِنَ الْعُيُوبِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا وَيُتَصَدَّقُ وَيُهْدَى إِلَى الْجِيرَانِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَيُتَّقَى فِيهَا مِنَ الْعُيُوبِ مَا يُتَّقَى فِي الضَّحَايَا وَلَا يُبَاعُ لَحْمُهَا وَلَا إِهَابُهَا وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْهَا وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا وَنَحْوُ هَذَا كُلِّهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَقَوْلُ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تُكْسَرُ عِظَامُهَا وَيُطْعَمُ مِنْهَا الْجِيرَانُ وَلَا يُدْعَى الرِّجَالُ كَمَا يُفْعَلُ بِالْوَلِيمَةِ وَيُسَمَّى الصَّبِيُّ يَوْمَ سَابِعِهِ إِذَا عُقَّ عَنْهُ قَالَ عَطَاءٌ تُطْبَخُ وَتُقَطَّعُ قِطَعًا وَلَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ

стр. 2201

وعن عائشة مثله وقال بن شِهَابٍ لَا بَأْسَ أَنَّ تُكْسَرَ عِظَامُهَا وَهُوَ قول مالك وقال بن جُرَيْجٍ تُطْبَخُ أَعْضَاءٌ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا وَيُهْدَى وَلَا يُتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا تَمَّ كِتَابُ الْعَقِيقَةِ بِحَمْدِ الله وعونه

стр. 2202

(٢٧ كِتَابُ الْفَرَائِضِ) (١ - بَابُ مِيرَاثِ (الصُّلْبِ)) قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ أَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِمْ أَوْ وَالِدَتِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تُوُفِّيَ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ وَتَرَكَا وَلَدًا رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ فَإِنْ شَرِكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ بدىء بِفَرِيضَةِ مَنْ شَرِكَهُمْ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي مِيرَاثِ الْبَنِينَ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مِنْ آبَائِهِمْ أَوْ أُمَّهَاتِهِمْ فَكَمَا ذَكَرَ لَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا كانوا أحرارا مسلمين ولم يقتل واحدا مِنْهُمْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ عَمْدًا وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) النِّسَاءِ ١١ فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْصَارِ الْفَتْوَى إن كن نساء فوق اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهَا وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً لم تصح عن بن عباس انه قال للأنثيين النِّصْفُ كَمَا لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى تَكُونَ الْبَنَاتُ أُكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْنِ فَيَكُونُ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْكَرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً كُلُّهُمْ ينكرها ويدفعها بما رواه بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ

стр. 2203

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي اسامة قال حدثني عيسى بن إسماعيل الطباغ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عن جابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَأَخَذَ عَمُّهُمَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَمْ يَدَعْ مِنْ مَالِ أَبِيهِمَا شَيْئًا وَاللَّهِ ما لهما مال ولا تنكحان إلا ولهما مَالٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((سَيَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ فنزلت (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) النِّسَاءِ ١١ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَمَّهُمَا فَقَالَ) أَعْطِ هَاتَيْنِ الْجَارِيَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مِمَّا تَرَكَ أَبُوهُمَا وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَدْ قَبِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ حَدِيثَهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَكَانَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) النِّسَاءِ ١١ أَيِ اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَنَسْخًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَرْكِهِمْ تَوْرِيثَ الْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يُورِثُونَ الذُّكُورَ حَتَّى نَزَلَتْ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) الْآيَةَ النساء ١١ كذلك روي عن بن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَقَدِ اسْتَدَلَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَوْمٌ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ بِدَلَائِلَ عَلَى أَنَّ الِابْنَتَيْنِ حُكْمُهُمَا فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ الْبَنَاتِ مِنْهَا أَنَّ الِابْنَةَ لَمَّا أَخَذَتْ مَعَ أَخِيهَا السُّدُسَ كَانَ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا وَمِنْهَا أَنَّ الْبِنْتَ لَمَّا كَانَ لَهَا النِّصْفُ وَكَانَ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَجَعَلَ اللَّهُ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كَانَتِ الِابْنَتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ قِيَاسًا ونظرا صحيحا وفي حديث بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قضى في بنت وبنت بن وَأُخْتٍ فَجَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسَ وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لِلْأُخْتِ

стр. 2204

فَلَمَّا جَعَلَ لِلِابْنَةِ وَلِابْنَةِ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ كَانَتِ الِابْنَتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ الِابْنَةَ أَقْرَبُ مِنَ ابْنَةِ الِابْنِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْزِلَةُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ كَمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ سَوَاءٌ ذُكُورُهُمْ كَذُكُورِهِمْ وَإِنَاثُهُمْ كَإِنَاثِهِمْ يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ قَالَ أَبُو عمر قوله ولد الأبناء الذكور يريد البنتين وَالْبَنَاتِ مِنَ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ فَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ وَبِنْتُ الِابْنِ كَالْبِنْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْبِنْتِ وَلَيْسَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الشَّاعِرُ (بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ) وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْفَصْلِ إِجْمَاعٌ أَيْضًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ بَنِي الْبَنِينَ يَقُومُونَ مَقَامَ وَلَدِ الصُّلْبِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ الْأُنْثَى رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ وَلَدُ الِابْنِ لَا يَحْجِبُونَ الزَّوْجَ وَلَا الزَّوْجَةَ وَلَا الْأُمَّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابِعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ فَإِنِ اجْتَمَعَ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ وَوَلَدُ الِابْنِ وَكَانَ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الِابْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ وَكَانَتَا ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِبَنَاتِ الِابْنِ مَعَهُنَّ إِلَّا أن يكون مع بنت الِابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ أَوْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ فَضْلًا إِنْ فَضَلَ فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ

стр. 2205

قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِوَلَدِ الْأَبْنَاءِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ ذُو فَرْضٍ فَلَا يُزَادُ عَلَى فَرْضِهِ وَيَدْخُلُ وَلَدُ الِابْنِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْضِ إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا اخْتِلَافًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَالَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ هُوَ مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَأَهْلِ المغرب أن بن الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ بِإِزَائِهِ وَأَعْلَى مِنْهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ فِي الْفَاضِلِ عَنِ الِابْنَةِ وَالِابْنَتَيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين وخالف في ذلك بن مَسْعُودٍ فَقَالَ إِذَا اسْتَكْمَلَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ فَالْبَاقِي لِابْنِ الِابْنِ أَوْ لِبَنِي الِابْنِ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ وَدُونَ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ وَمَنْ تَحْتَهُمْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَحُجَّةُ من ذهب إلى ذلك حديث بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ((اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)) هَذَا اللَّفْظُ حديث معمر عن بن طاوس عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((أَلْحِقُوا الْمَالَ بِالْفَرَائِضِ)) وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ ((أَلْحَقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ أَوْ فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (٢) وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنْ أَرْسَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبٍ عَلَيٍّ وَزَيْدٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) النِّسَاءِ ١١ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدٌ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُعْصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ في جملة المال

стр. 2206

فواجب أن يعطيه فِي الْفَاضِلِ مِنَ الْمَالِ كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ فَوَجَبَ بذلك أن يشرك بن الِابْنِ أُخْتَهُ كَمَا يَشْرِكُ الِابْنُ لِلصُّلْبِ أُخْتَهُ وَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ لِأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ مَا لَمْ تَرِثْ شَيْئًا مِنَ الْفَاضِلِ مِنَ الثُّلُثَيْنِ مُنْفَرِدَةً وَلَمْ يَعْصِبْهَا أَخُوهَا فالواجب أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَعَهَا أَخُوهَا قَوِيَتْ بِهِ وصارت عصبة معه بظاهر قوله (ويوصيكم اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) النِّسَاءِ ١١ وَهِيَ مِنَ الْوَلَدِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنِهِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ مِمَّنْ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ السُّدُسُ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ لَمْ يُتَابِعْهُمَا أحد عليه وأظنهما انصرفا عنه بحديث بن مَسْعُودٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ وَعَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فسألهما عن ابنة وابنة بن وَأُخْتٍ فَقَالَا لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْبَاقِي وائت بن مسعود فإنه سيتابعنا فأتى الرجل بن مسعود فسأله وأخبره بما قالا فقال بن مَسْعُودٍ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَلَكِنْ أَقْضِي فِيهَا كَمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ لِابْنَةِ الِابْنِ مَعَ الِابْنَةِ لِلصُّلْبِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ على ما في حديث بن مَسْعُودٍ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِلشِّيعَةِ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنْ لَا تَرِثَ ابْنَةُ الِابْنِ شيئا مع الابنة كما لا يرث بن الِابْنِ مَعَ الِابْنِ شَيْئًا وَرَأَيْنَا أَنَّ نُنَزِّهَ كِتَابَنَا هَذَا عَنْ ذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْفَرَائِضِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذَاهِبَهُمْ وَمَذَاهِبَ سَائِرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ فِي أُصُولِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ)) قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ فَلَا فَرِيضَةَ وَلَا سُدُسَ لَهُنَّ وَلَكِنْ إِنْ فَضَلَ بَعْدَ فَرَائِضَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَضْلٌ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ لِذَلِكَ الذَّكَرِ وَلِمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين

стр. 2207

وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) النِّسَاءِ ١١ قَالَ مَالِكٌ الْأَطْرَفُ هُوَ الْأَبْعَدُ قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ فِي هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وعلي وزيد وبن عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كُلُّهُمْ يَجْعَلُونَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بَالِغًا مَا بَلَغَتِ الْمُقَاسَمَةُ زَادَتْ بَنَاتُ الِابْنِ عَلَى السُّدُسِ أَوْ لَمْ تَزِدْ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِي ذلك مذهب بن مَسْعُودٍ فَشَذَّ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كَمَا شذ بن مسعود فيها عن الصحابة وذلك أن بن مسعود كان يقول في بنت وبنات بن وبني بن لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ وَلَدِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الْمُقَاسَمَةُ بَنَاتِ الِابْنِ عَلَى السُّدُسِ فَيُفْرَضُ لَهُنَّ السُّدُسُ وَيُجْعَلُ الْبَاقِي لِبَنِي الِابْنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَقَدْ شَذَّ أَيْضًا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفَرْضِيَّيْنِ فَقَالَ الذَّكَرُ مَنْ بَنِي الْبَنِينَ يَعْصِبُ مَنْ بِإِزَائِهِ دُونَ مَنْ عَدَاهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (٢ - بَابُ مِيرَاثِ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ من زوجها) مالك وميراث الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا ولا ولد بن مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ النِّصْفُ فَإِنْ تَرَكَتْ ولدا أو ولد بن ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَلِزَوْجِهَا الرُّبُعُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا ولا ولد بن الربع فإن ترك ولدا أو ولد بن ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَلِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النِّسَاءِ ١٢ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِيهِ وَهُوَ من

стр. 2208

الْحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ وَمَا فِيهِ التَّنَازُعُ وَالِاخْتِلَافُ وَجَبَ الْعَمَلُ مِنْهُ بِمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ وَقَامَ الْعُذْرُ فِيهِ لِمَنْ مَالَ إِلَى وَجْهٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى عِنْدَهُ وَوَجَبَ عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ عُلَمَائِهَا فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ وَوَسِعَهُمُ الْعَمَلُ بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (٣ - بَابُ مِيرَاثِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ وَلَدِهِمَا) قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ مِيرَاثَ الْأَبِ مِنَ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ أَنَّهُ إن ترك المتوفى ولدا أو ولد بن ذَكَرًا فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً فَإِنْ لم يترك المتوفى ولدا ولا ولد بن ذَكَرًا فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِمَنْ شَرَّكَ الْأَبَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ كَانَ لِلْأَبِ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمُ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَبُ عَاصِبٌ وَذُو فَرْضٍ إِذَا انْفَرَدَ أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ وَإِنْ شَرِكَهُ ذُو فَرْضٍ كَالِابْنَةِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَخَذَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ مَنْ يَجِبُ لَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الْمَالِ فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ وَصَارَ ذَا فَرْضٍ وَسَهْمٍ مُسَمًّى مَعَهُمْ وَدَخَلَ الْعَوْلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِنْ ضَاقَ الْمَالُ عَنْ سِهَامِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى غَيْرَ أَبَوَيْهِ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثَ وَبَاقِي مَالِهِ لِأَبِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا جَعَلَ وَرَثَةَ الْمُتَوَفَّى أَبَوَيْهِ وَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْأُمِّ مِنْ مَالِهِ الثُّلُثَ عُلِمَ أَنَّ لِلْأَبِ مَا بَقِيَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) النِّسَاءِ ١١ وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ وَالْفُقَهَاءِ قَالَ مَالِكٌ وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا إِذَا تُوُفِّيَ ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا فترك المتوفى ولدا أو ولد بن ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ تَرَكَ مِنَ الْإِخْوَةِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ مِنْ أُمٍّ فَالسُّدُسُ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ المتوفى ولدا ولا ولد بن وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ فَلِامْرَأَتِهِ الرُّبُعُ وَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ الربع من رأس المال

стр. 2209

والأخرى أن تتوفى امرأة وتترك زوجها وأبويها فَيَكُونُ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ وَلِأُمِّهَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) النِّسَاءِ ١١ فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ لَهَا مِنْ مِيرَاثِ وَلَدِهَا الثُّلُثُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَالْوَلَدُ عِنْدَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) النِّسَاءِ ١١ وَهُوَ الِابْنُ دُونَ الِابْنَةِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ الْفَرَائِضِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ)) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ فِي أَبَوَيْنِ وَابْنَةٍ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ هَذِهِ عِبَارَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ وَهَذِهِ عِبَارَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَيْضًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا ولا ولد بن - يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ له إخوة فلأمه السدس) النساء ١١ فذهب بن عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا يَنْقُلُهَا عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا لِقَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ إخوة فلأمه السدس) النساء ١١ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ إِخْوَةٍ ثلاثة فصاعدا وقالت بقوله فرقة وقاموا صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ غَيْرُ صِيغَةِ الْجَمْعِ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَاحِدَ غَيْرُ الِاثْنَيْنِ فَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ عِنْدَ الجميع قالوا ولو كانت التَّثْنِيَةُ جَمْعًا لَاسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْجَمْعِ كَمَا اسْتَغْنَى عَنِ الْجَمْعِ مَرَّةً أُخْرَى وَلَهُمْ حُجَجٌ مِنْ نَحْوِ هَذَا

стр. 2210

وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵃ الِاثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ يَحْجُبَانِ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثَ وَيَنْقُلَانِهَا إِلَى السُّدُسِ كَمَا يَفْعَلُ جَمَاعَةُ الْإِخْوَةِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْبِنْتَيْنِ مِيرَاثُهُمَا كَمِيرَاثِ الْبَنَاتِ وَكَذَلِكَ ميراث الأخوين للأم وقد اجمعوا وبن عَبَّاسٍ مَعَهُمْ فِي زَوْجٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ لِأُمٍّ أَوْ إِخْوَةٍ لِأُمٍّ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخِ أَوِ الْأُخْتِ السُّدُسُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ حَجَبَا الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ وَلَوْ لَمْ يَحْجُبَاهَا لَعَالَتِ الْفَرِيضَةُ وَهِيَ غَيْرُ عَائِلَةٍ بِإِجْمَاعٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنْ حَجَبُوا الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِثَلَاثِ أَخَوَاتٍ وَلَسْنَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِإِخْوَةٍ وَإِنَّمَا هُنَّ أَخَوَاتٌ فَحَجْبُهَا بِاثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ أَوْلَى وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهًا مِنْ حُجَجِ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ ((الْإِشْرَافِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ)) وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ لَا أَنْقُلُ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِأُخْتَيْنِ وَلَا بِأَخَوَاتٍ مُنْفَرِدَاتٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ إِحْدَاهُمَا أَخٌ لِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ وَالْأَخَوَاتِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا اسْمُ الْإِخْوَةِ مُنْفَرِدَاتٍ وَهَذَا شُذُوذٌ لا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ صَرَفُوا اسْمَ الْإِخْوَةِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى اثْنَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ رَأْيًا وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ عَنْ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَرِثُ السُّدُسَ الَّذِي تُحْجَبُ عَنْهُ الْأُمُّ بِالْإِخْوَةِ فيمن ترك أبوين وإخوة فروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ السُّدُسَ لِلْإِخْوَةِ الَّذِينَ حَجَبُوا الأم عنه وللأب الثلثان والإسناد عن بن عَبَّاسٍ بِذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَقَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِلْأُمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ السُّدُسُ وَالْخَمْسَةُ الْأَسْدَاسِ لِلْأَبِ لَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ شَيْئًا مَعَ الْأَبِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ((الْإِشْرَافِ)) وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ ((إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ
следующие страницы →