Полный текст (4 158 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّانَا رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فُلَانَةٌ تَدْعُوكَ وَأَصْحَابَكَ إِلَى طَعَامٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵇ وَنَحْنُ مَعَهُ فَقَعَدْتُ مَقَاعِدَ الْغِلْمَانِ مِنْ آبَائِهِمْ فَجِيءَ بِالطَّعَامِ قَالَ فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَضَعْنَا أَيَدِيَنَا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَوَكَ أَكْلَهُ فَكَفُّوا أَيْدِيَهُمْ قَالَ فَلَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَكْلَةَ ثُمَّ لَفَظَهَا وَرَمَى بِهَا وَقَالَ ((إِنَّهُ لَحْمُ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذَنِ أَهْلِهَا فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَجْمَعَكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ عَلَى طَعَامٍ فَبَعَثْتُ إِلَى الْعَقِيقِ الْيَوْمَ قَالَتْ إِلَى الْعَقِيقِ النَّقِيعِ فَلَمْ أَجِدْ شَاةً تُبَاعُ فَبَعَثَ إِلَيَّ أَخِي عَابِدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَدِ اشْتَرَى شَاةً أَمْسُ فَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ بِطَالِبَةٍ شَاةً الْيَوْمَ فَلَمْ أَجِدْ فَابْعَثْ لِي بِشَاتِكَ الَّتِي اشْتَرَيْتَ أَمْسُ فَلَمْ يَكُنْ أَخِي ثَمَّ فَدَفَعَ إِلَى أَهْلِهِ الشَّاةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اذْهَبُوا بِهِ فَأَطْعِمُوهُ الْأُسَارَى
١٠١١ - مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (الْمَائِدَةِ ٥١
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ثَوْرُ بْنُ زيد عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَحْفُوظٌ عن بن عَبَّاسٍ فِي وُجُوهٍ
مِنْهَا مَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَتَلَا (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة ٥١
قال وأخبرني معمر عن عطاء الخرساني قَالَ لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِهِمْ أَلَا تَسْمَعُوا اللَّهَ يَقُولُ (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) الْبَقَرَةِ ٧٨
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ مَنِ انْتَحَلَ دِينًا فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَمْ يَرَ بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا
وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ
стр. 2137
بَنِي تَغْلِبٍ وَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الْمَائِدَةِ ٥١
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ النَّصْرَانِيُّ مِنَ الْعَرَبِ الْمَسِيحَ على ذبيحته فإن قال بسم الْمَسِيحِ أَوْ ذَبَحَ لِآلِهَتِهِ أَوْ لِعِيدِهِ فِإِنَّهُمُ اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا نَصَارَى الْعَرَبِ فَمَذْهَبُ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ خَصَّ بَنِي تَغْلِبَ بِأَنْ لَا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ
رَوَى معمر عن أيوب عن بن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَكْرَهُ ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَا يَتَمَسَّكُونَ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ
وَقَالَتْ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ أَوْ مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ
فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ أَكْرَهُ أَكْلَهُ وَمَا سُمِّيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الْمَسِيحِ لَا يُؤْكَلُ
وَالْعَرَبُ عِنْدَهُ وَالْعَجَمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَقَالَ الثوري إذا ذبح وأهل به لِغَيْرِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ سُفْيَانُ وَبَلَغَنَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَا لَا بَأْسَ بِمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِكَنَائِسِهِمْ وَمَوْتَاهُمْ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ طَعَامُهُمْ كُلُّهُ لَنَا حِلٌّ وَطَعَامُنَا لَهُمْ حِلٌّ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ فُقَهَاءُ الشَّامِيِّينَ مَكْحُولٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالُوا سَوَاءٌ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْمَسِيحَ عَلَى ذَبِيحَتِهِ أَوْ سَمَّى جِرْجِسَ أَوْ ذَبْحَ لِعِيدِهِ أَوْ لِكَنِيسَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ لِأَنَّهُ كِتَابِيٌّ ذَبَحَ بِدِينِهِ وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ فِي كِتَابِهِ
стр. 2138
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ نَصَارَى الْعَرَبِ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
وَرَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ إِذَا سَمِعْتَ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ فَكُلْ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ
وَعَنْ عائشة قالت لا تأكل ما ذبح لأعيادهم
وعن بن عُمَرَ مِثْلُهُ
وَعَنِ الْحَسَنِ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ مَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ
وَقَدْ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ فِيهِ تَحْرِيمًا
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُوكِلُ بِقَوْمٍ مِنَ النَّصَارَى قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا ذَبَحُوا أَنْ يُسَمُّوا اللَّهَ وَلَا يَتْرُكُوهُمْ أَنْ يَهُلُّوا لِغَيْرِ اللَّهِ
١٠١٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ
مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب أنه كان يَقُولُ مَا ذُبَحَ بِهِ إِذَا بَضَعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ فَكَلَامٌ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَلَّا يَذْبَحَ بِغَيْرِ الْمُدَى وَالسَّكَاكِينِ وَقَاطِعِ الْحَدِيدِ اخْتِيَارًا
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ
فَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا خَرَقَ بِرِقَّتِهِ أَوْ قَطَعَ بِحَدِّهِ أُكِلَ مَا ذُكِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِيُذَكِّ لَكُمُ الْأَسَلُ النبل والرماح
стр. 2139
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ فِي بَابِهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأُمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ))
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
وَمِمَّنِ اسْتَثْنَى السِّنَّ وَالظُّفُرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ
وَقَالَ مَالِكٌ مَا يَضَعُ مِنْ عَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ذُكِّيَ بِهِ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الظُّفُرُ وَالسِّنُّ الْمَنْزُوعَانِ لَا بَأْسَ بِالتَّذْكِيَةِ بِهِمَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
١٠١٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ
وَذَكَرَ بن وَهْبٍ هَذَا الْخَبَرَ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِي آخِرِهِ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا كَانَ شَيْئًا خَفِيفًا فَقَوْلُ زَيْدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ جَرَى الرُّوحُ في الجسد فلا بأس بأكلها
قال بن وهب وأخبرني يونس عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الذَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ تَطْرَفُ وَالذَّنَبِ يَتَحَرَّكُ وَالرِّجْلِ يَرْكُضُ
قَالَ وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ مَا أَدْرَكْتَ مِمَّا أَكَلَ السَّبُعُ حَيًّا فَكُلْهُ يُرِيدُ إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرَفُ فَلْيَأْكُلْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
وَهُوَ قَوْلُ علي وأبي هريرة وبن عَبَّاسٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنَ الفقهاء
стр. 2140
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا كَثِيرًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ
وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ كَانَتْ لِي عَنَاقٌ كَرِيمَةٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَذْبَحَهَا فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَرَدَّتْ فَأَمْرَرْتُ الشَّفْرَةَ عَلَى أَوْدَاجِهَا فَرَكَضَتْ بِرِجْلِهَا فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَتَحَرَّكُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا تَأْكُلْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ بِقَوْلِ زَيْدٍ هذا
وقد قال علي وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إِذَا ذُبِحَتْ وَفِيهَا حَيَاةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهَا فَإِنْ تَطْرَفْ بِعَيْنِهَا أَوْ تُحَرِّكْ ذَنَبَهَا أَوْ تَضْرِبْ بِيَدَيْهَا أَوْ رِجْلِهَا فَهِيَ ذَكِيَّةٌ جَائِزٌ أَكْلُهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا
وَذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِذَا قَطَعَ السَّبُعُ حُلْقُومَ الشَّاةِ أَوْ قَسَمَ صُلْبَهَا أَوْ شَقَّ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مِعَاهَا أو قطع عنقها لم تزك وَفِي سَائِرِ ذَلِكَ تُذَكَّى إِذَا كَانَ فِيهَا حياة
وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافَ ذَلِكَ فِي الذي شق بطنها أنها تُذَكَّى
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ فِي الشَّاةِ يَعَدُو عَلَيْهَا الذِّئْبُ فَيَبْقُرُ بَطْنَهَا وَيُخْرِجُ الْمَصَارِينَ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهَا لَا يَعِيشُ مِثْلُهَا
قَالَ السُّنَّةُ فِي ذلك ما وصف بن عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينُهَا فَإِنَّهَا حَيَّةٌ بَعْدُ وَمَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِنْهَا سَالِمٌ
قَالَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ أَهِيَ حَيَّةٌ أَمْ مَيِّتَةٌ وَلَا يُنْظَرُ هَلْ تَعِيشُ مِثْلُهَا
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ جَائِزٌ ذَكَاتُهَا إِذَا أُدْرِكَتْ فِيهَا حَيَاةٌ
قَالَ وَمَا دَامَتْ فِيهَا الْحَيَاةُ فَلَهُ أَنْ يُذَكِّيَهَا
قَالَ وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السنة من جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي أَصْلِ مذهبهم
стр. 2141
وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ ((الْإِمْلَاءِ)) عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ التَرَدِّي أَوِ النَّطْحُ أَوِ الضَّرْبُ مِنَ الشَّاةِ حَالًا لَا تَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ ذُكِّيَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ
وكذلك قول الحسن بن حي
وذكر بن سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ إِنْ كَانَ يَعِيشُ مِثْلُهُ الْيَوْمَ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فَذَكَّاهَا حَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَبْقَى إِلَّا كَتِفَا الْمَذْبُوحِ لَمْ تُؤْكَلْ
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَتْ جِرَاحَتُهُ مُتْلِفَةً وَصَحَّتْ أَوَامِرُهُ وَنَفَذَتْ عُهُودُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذا كان فيها حياة وذبحت أكلت
وقال وَالْمَصْبُورَةُ إِذَا ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ
وَقَالَ اللَّيْثُ إِذَا كَانَتْ حَيَّةً وَقَدْ أَخْرَجَ السَّبُعُ جَوْفَهَا أُكِلَتْ إِلَّا مَا بَانَ مِنْهَا
هَذَا قَوْلُ بن عَبَّاسٍ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ الْجَلَّابُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ عَنْ أَبِي طلحة الأسدي قال سأل رجل بن عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ فِي غَنَمِي فَعَدَا الذِّئْبُ فَبَقَرَ شَاةً مِنْهَا فَوَقَعَ قَصَبُهَا بِالْأَرْضِ فَأَخَذَتْ ظُرَرًا مِنَ الْأَرْضِ فَضَرَبْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَصَارَ لِي مِنْهُ كَهَيْئَةِ السِّكِّينِ فَذَبَحَتُهَا بِهِ فَقَطَعْتُ الْعُرُوقَ وَأَهْرَقْتُ الدَّمَ
قَالَ انْظُرْ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ مِنْهُ فَاقْطَعْهُ وَارْمِ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ وَكُلْ سَائِرَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا شَقَّ بَطْنَ الشَّاةِ وَاسْتَوْقَنَ أَنَّهَا تَمُوتُ إِنْ لَمْ تُذَكَّ فَذُكِّيَتْ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا
قَالَ الْمُزَنِيِّ وَاحْفَظْ لَهُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا مَبْلَغًا لَا بَقَاءَ لِحَيَاتِهَا إِلَّا كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ
وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ إِذَا انْخَنَقَتِ الشَّاةُ أَوْ تَرَدَّتْ أَوْ وُقِذَتْ أَوْ نُطِحَتْ أَوْ أَكَلَهَا السَّبُعُ فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا مَبْلَغًا لَيْسَ لَهَا مَعَهُ حَيَاةٌ إِلَّا مُدَّةً قَصِيرَةً وَالرُّوحُ قَائِمٌ فِيهَا ذُكِّيَتْ وَأُكِلَتْ رُجِيَتْ حَيَاتُهَا أَوْ لَمْ تُرْجَ وَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ تُرْجَى حَيَاتُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا فِي الْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا تُرْجَى حَيَاتُهَا أَنَّ ذَبْحَهَا ذَكَاةٌ لَهَا إِذَا كَانَتْ فِيهَا الْحَيَاةُ فِي حِينِ ذَبْحِهَا وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَا ذَكَرُوا مِنْ حَرَكَةِ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ
стр. 2142
وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا صَارَتْ فِي حَالِ النَّزْعُ وَلَمْ تُحَرِّكْ يَدًا وَلَا رِجْلًا أَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهَا
فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُتَرَدِّيَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(٣ - بَابُ ذَكَاةِ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ)
١٠١٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا نُحِرَتِ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ذُبِحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ
قَالَ أَبُو عمر لم يرد بن عمر بذبح الجنين ها هنا شَيْئًا مِنَ الذَّكَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُذَكَّى وَإِنَّمَا أَرَادَ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهِ وَلَوْ كَانَ خَرَجَ حَيًّا لَمْ تَكُنْ ذَكَاةُ أُمِّهِ بذكاة بإجماع من العلماء
١٠١٥ - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَكَاةِ الْجَنِينِ
فَقَالَ مَالِكٌ بِمَا رواه عن بن عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ذَلِكَ قَالَ إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَأَشْعَرَ أُكِلَ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ لَا يُؤْكَلُ الْجَنِينُ إِلَّا أَنْ يُخْرَجَ حَيًّا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيُذَكَّى
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا إِذَا ذُكِّيَتِ الْأُمُّ وَذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاتُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي اعْتِبَارِ أَشْعَارِهِ وَتَمَامِ خَلْقِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وغيرهم منهم بن عمر وسعيد بن المسيب وبن شِهَابٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ
стр. 2143
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ إِذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَفِظْتُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عن بن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ
قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ - وَكَانَ صَاحِبُ عَرَبِيَّةٍ - إذا أشعر الجنين
قَالَ سُفْيَانُ فَأَمَّا الَّذِي حَفِظْتُ أَنَا مِنَ الزُّهْرِيِّ إِذَا أَشْعَرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قِيلَ أَشْعَرَ إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَإِنْ لَمْ يُشْعِرْ
قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ الْمُشْعِرُ التَّامُّ الْخَلْقِ الطَّوِيلُ
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ إِذَا أَشْعَرَ
وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ إلا أن يقذره
وبن عُيَيْنَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ قَالَ سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَنِينِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ هو ركن من أركانها
وبن خديج عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب أنه قال كله إن لم يشعر
وروى بن الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ جَبْرُ بْنُ نُوفٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَقَرَةِ أَوِ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ يَنْحَرُهَا أَحَدُنَا فَيَجِدُ فِي بطنها جنينا أيأكله أم يلقيه قال ((كلوه إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ اشتراط أشعاره ولا غيره
وروى بن المبارك عن بن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ
стр. 2144
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى - الشَّكُّ من بن الْمُبَارَكِ - عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يشعر))
ورواه غير بن المبارك عن بن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري
وبن أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ عِنْدَهُمْ جِدًّا
وَمِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ))
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ فَلَيْسَ لَهُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا فِي قَوْلِ أَصْحَابِهِ وَلَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَصْلٌ
وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ ذَكَاةً واحدة تكون لاثنين
واستحال غيره أن تكون ذَكَاةً لِنَفْسَيْنِ
وَهُوَ يَرَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ حَامِلًا فَإِنَّ عِتْقَهَا عِتْقٌ لِجَنِينِهَا فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِتْقُ وَاحِدٍ عِتْقًا لِاثْنَيْنِ فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ تَكُونَ ذَكَاةُ نَفْسٍ ذَكَاةُ نَفْسَيْنِ
هذا من جهة القياس فكيف والسنة مغنية عَنْ كُلِّ رَأْيٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَقَدْ رُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) الْمَائِدَةِ ١ قَالَ الْجَنِينُ
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الشَّاةُ وَالْبَقَرَةُ وَالْبَعِيرُ
تَمَّ كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَهُوَ آخِرُ الْجُزْءِ السَّادِسِ وَذَلِكَ فِي الْعُشْرِ الْآخِرِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ يَتْلُوهُ فِي الْجُزْءِ السَّابِعِ كِتَابُ الصَّيْدِ
стр. 2145
(٢٥ كِتَابُ الصَّيْدِ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا
(١ - بَابُ تَرْكِ أَكْلِ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْحَجَرُ)
١٠١٦ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ رَمَيْتُ طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ وَأَنَا بِالْجُرْفِ فَأَصَبْتُهُمَا فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فَطَرَحَهُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا
١٠١٧ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ
قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ إِذَا خَسَقَ وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَنْ يُؤْكَلَ قَالَ الله ﵎ (يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) الْمَائِدَةِ ٩٤ قَالَ فَكُلُّ شَيْءٍ نَالَهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ أَوْ رُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ فَأَنْفَذَهُ وَبَلَغَ مَقَاتِلَهُ فَهُوَ صَيْدٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي صَيْدِ الْبُنْدُقَةِ والمعراض والحجر
стр. 2146
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ صَيْدٌ لَمْ يَجُزْ مِنْهُ إِلَّا مَا أُدْرِكَ ذَكَاتُهُ كَمَا صَنَعَ بن عمر
وفي فعل بن عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّذْكِيَةِ فِيمَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ
وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فقد تقدم هذا المعنى مجردا
وقال أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالشَّافِعِيِّ فِي صَيْدِ الْبُنْدُقَةِ وَالْمِعْرَاضِ وَالْحَجَرِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَخَالَفَهُمُ الشَّامِيُّونَ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَمَالِكٌ إِنْ أَصَابَ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنَّ خَرَقَ جِلْدَهُ أُكِلَ
وَزَادَ الثَّوْرِيُّ وَإِنْ رَمَيْتَهُ بِحَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ كَرِهْتُهُ إِلَّا أَنْ تُذَكِّيَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ خَرَقَ بِرِقَّتِهِ أَوْ قَطَعَ بِحَدِّهِ أُكِلَ وَمَا خَرَقَ بِثِقَلِهِ فَهُوَ وَقِيدٌ وَلَهُ فِيمَا نَالَتْهُ الْجَوَارِحُ وَلَمْ تُدْمِهِ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَخْرِقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (مِنَ الْجَوَارِحِ)
وَالْآخَرُ أَنَّهُ حل
قال أبو عمر اختلاف بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَيْنَ القولين
فذهب بن الْقَاسِمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُدْمِيَهُ الْكَلْبُ وَيَجْرَحَهُ وَلَا يَكُونُ ذَكِيًا عِنْدَهُ إِلَّا بِذَلِكَ
وَقَالَ أَشْهَبُ إِنْ مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ الْكَلْبِ أُكِلَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَرِهَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ مَا قَتَلَ الْبُنْدُقَةُ وَالْمِعْرَاضُ إلا أن تدرك ذكاته على مذهب بن عُمَرَ
وَرَخَّصَ فِيهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَفُقَهَاءُ الشَّامِ
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمِعْرَاضِ كُلْهُ خَرَقَ أَوْ لَمْ يَخْرِقْ فَقَدْ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَفُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَكْحُولٌ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ
стр. 2147
وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ رميت صيدا بحجر فأخذه بن عُمَرَ فَقَالَ يَا نَافِعُ ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَذْبَحُهُ بِهِ قَالَ فَعَجَّلْتُ فَأَتَيْتُ بِالْقَدُومِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ قَبِلَ أَنْ يَذْبَحَهُ فَطَرَحَهُ
وَعَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ فِي الْمِعْرَاضِ إِذَا خَزَقَ فَكُلْهُ وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْهُ
قَالَ طَاوُسٌ وَكَذَلِكَ السَّهْمُ إِذَا خَرَجَ فَكُلْهُ وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَفِيهِ الْحُجَّةُ لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ قَالَ ((مَا خَزَقَ فَكُلْ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فلا تأكل فإنما هو وقيذ))
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَذَكَرَهُ
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَذَكَرَهُ
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَدِيِ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عن الْخَذْفِ وَقَالَ ((إِنَّهَا لَا تُنْكِي الْعَدُوَّ وَلَا تَصِيدُ الصَّيْدَ وَلَكِنَّهَا تَكْسَرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ لَا تَقَعُ بِهِ ذَكَاةُ صَيْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٠١٨ - مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ مِنَ الرمي وأشباهه
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ الْبَهِيمَةُ الدَّاجِنُ تَسْتَوْحِشُ وَالْبَعِيرُ يَشْرُدُ
стр. 2148
فَقَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ أَوْ يَذْبَحَ مَا يُذْبَحُ مِنْ ذَلِكَ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاةِ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَالصَّيْدِ وَيَكُونُ بِذَلِكَ مُذَكًّى
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ (١) كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا وَكُلُوا))
رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ إِنَّ بَعِيرًا لِي نَدَّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَقَالَ عَلِيٌّ اهْدِ لِي عَجُزَهُ
وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا نَدَّ الْبَعِيرُ فَارْمِهِ بِسَهْمِكَ واذكر اسم الله
وعن بن مَسْعُودٍ مَعْنَاهُ
وَمَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْبَهِيمَةِ تَسْتَوْحِشُ قَالَ هِيَ صَيْدٌ أَوْ قَالَ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لَمَّا كَانَ الْوَحْشِيُّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ الْإِنْسِيُّ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْإِنْسِيِّ إِذَا تَوَحَّشَ أَوْ صَارَ فِي مَعْنَى الْوَحْشِيِّ مِنَ الِامْتِنَاعِ أَنْ يَحِلَّ بما يحل بِهِ الْوَحْشِيُّ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنِدَّ الْإِنْسِيُّ أَنَّهُ لَا يُذَكَّى إِلَّا بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ حَتَّى يَتَّفِقُوا
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ إِنَّمَا انْعَقَدَ عَلَى مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَهَذَا غَيْرُ مَقْدُورٍ عليه
стр. 2149
١٠١٩ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِي قَدْ قَتَلَهُ أَوْ بَلَغَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ هُوَ قَتَلَهُ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ بَعْدَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ قَوْلٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا شَرَطَ لِأَنَّهُ شَرَطَ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ أَنَّ السَّهْمَ قَتَلَهُ وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ بَعْدُ
وَإِذَا كَانَ هَكَذَا ارْتَفَعَ مَعْنَى الْخِلَافِ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى قَوْلِهِ إِلَّا خَوْفُ أَنْ يُعِينَ الْجَارِحُ غَيْرَهُ عَلَى ذَهَابِ نَفْسِ الصَّيْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ فَرَى أَوْدَاجَ الطَّائِرِ أَوِ الشَّاةِ وَحُلْقُومَهَا وَمَرِّيئَهَا ثُمَّ وَثَبَ فَوَقَعَتْ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّتْ بَعْدُ أَنَّهَا لَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ
وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ غَرَقٌ أَوْ تَرَدٍّ أَوْ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ
قَالَ وَإِنْ وَقَعَ مِنَ الْهَوَيِّ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ وَوَجَدْتَ سَهْمَكَ لَمْ يَنْفَذْ مَقَاتِلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ
وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا كان في معناه
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا إِذَا رُمِيَ الصَّيْدُ فِي الْهَوِيِّ فَوَقَعَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى وَمَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَنْ أَنْ يَكُونَ التَّرَدِّي قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ مَعَ إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ
وَلَوْ وَقَعَ مَعَ إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ عَلَى الْجَبَلِ وَالْأَرْضِ فَمَاتَ مَكَانَهُ أُكِلَ
وَإِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ لَمْ يُؤْكَلْ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وفي الوعل يكون على شرف فيضر به الطَّائِرُ فَيَقَعُ لَا يَأْكُلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَمُوتَ مِنَ السَّقْطَةِ
وَقَالَ فِي طَائِرٍ رَمَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ لَا يُؤْكَلُ
قَالَ وَإِنْ وَقْعَ على الأرض ميتا أكل
وروي عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ طَائِرًا وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ فَخَرَّ فَمَاتَ فَلَا يَأْكُلْهُ فإني أخف أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ تَرَدِّيهِ
стр. 2150
قَالَ وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ الْمَاءُ
لَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِنْفَاذَ الْمَقَاتِلِ
وَمَا خَافَهُ بن مَسْعُودٍ قَدْ خَافَهُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ
وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْخُلَفَاءِ فَغَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
إِلَّا أَنَّ بن خديج قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ إِنِّي رَمَيْتُ صَيْدًا فَأَصَبْتُ مَقْتَلَهُ فَتَرَدَّى أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ وَأَنَا أَنْظُرُ فَمَاتَ قَالَ لَا تَأْكُلْهُ
قَالَ وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِكَ أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ فَإِذَا بَاتَ (فَإِنَّهُ يُكْرَهُ) أَكْلُهُ
وَفِي غَيْرِ ((الْمُوَطَّأِ)) قَالَ مَالِكٌ إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يَنْفُذِ الْكَلْبُ أَوِ الْبَازِيُّ أَوِ السَّهْمُ لَمْ يَأْكُلْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا نَفَذَ مَقَاتِلَهُ كَانَ حَلَالًا عِنْدَهُ أَكْلُهُ وَإِنْ بَاتَ إِلَّا إِنَّهُ يَكْرَهُهُ إِذَا بَاتَ لِمَا جَاءَ عن بن عَبَّاسٍ وَإِنَّ غَابَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلَا تَأْكُلْ
وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَأَصْبَغُ جَائِزٌ أَكْلُ الصَّيْدِ وَإِنْ بَاتَ إِذَا نَفَذَتْ مَقَاتِلُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْآثَارُ وَعُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ
فَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا غَابَ عَنْكَ لَيْلَةً وَيَوْمًا كَرِهْتُ أَكْلَهُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ وَجَدَهُ مِنَ الْغَدِ وَوَجَدَ فِيهِ سَهْمَهُ أو أثرا من كلبه فليأكله
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْقِيَاسُ أَلَّا يَأْكُلَهُ إِذَا غَابَ عنه مصرعه
واحتج مع ذلك بقول بن عَبَّاسٍ كُلْ مَا أَصَمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ مَا غَابَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلَا تَأَكُلْهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا تَوَارَى عَنْهُ الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ قَتَلَهُ جَازَ أَكْلُهُ
стр. 2151
وَإِنْ تَرَكَ الْكَلْبُ الطَّلَبَ وَاشْتَغَلَ بِعَمَلٍ غَيْرِهِ ثُمَّ ذَهَبَ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ مَقْتُولًا وَالْكَلْبُ عِنْدَهُ كَرِهْنَا أَكْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّيْدَ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ وَذَكَرَ هَوَامَ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ فَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ وَإِنْ كَانَ أَبُو رَزِينٍ مَوْلَى أَبِي وَائِلٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمَا عَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ
وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ يَأْكُلُهُ إِلَّا أَنْ يُنَتِنَ
ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْخَيَّاطِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْهَالِ الضَّرِيرُ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنَا فِي صَيْدِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ ((كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ ذَكِيًّا وَغَيْرَ ذَكِيٍّ))
قَالَ وَإِنْ أُكِلَ مِنْهُ قَالَ وَإِنْ أُكِلَ مِنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي قَالَ ((كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ ذَكِيًّا وَغَيْرَ ذَكِيٍّ قَالَ ((وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي قَالَ وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَضِلَّ أَوْ تَجِدْ فِيهِ سَهْمَ غَيْرِكَ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَضِلَّ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ فَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى
стр. 2152
التحريم وقالوا لا يحل أكل مَا أَنْتَنَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَسِيئًا خَبِيثًا وَاللَّهُ قَدْ حَرَّمَ الْخَبَائِثَ وَيَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مَا أَنْتَنَ وَبَيَانُ السُّنَّةِ كَذَلِكَ
وَقَالَ آخَرُونَ الذَّكِيُّ حَلَالٌ وَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَا أَنْتَنَ مِنْهُ نَفْرَةٌ وَتَقَذُّرٌ
وَقَدْ جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ وَهُوَ ذَكِيٌّ مِثْلُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَرِّ إِذَا أَنْتَنَ لَا يُؤْكَلُ
ذَكَرَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ أُمِّرَ عَلَيْنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ فَنَحَرْنَا سَبْعَ جَزَائِرَ ثُمَّ هَبَطْنَا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَإِذَا لَحِقَ بِأَعْظَمِ حُوتٍ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ ثَرِيدٍ وَوَدَكٍ مِنْهُ فِي الْأَسْقِيَةِ وَالْقَدَائِرِ ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ فَقَالَ ((لَوْ أَنَا نَعْلَمُ أَنَّا نُدْرِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ لَأَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَنَا مِنْهُ))
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنْ يَرُوحَ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَا يُنْتِنُ مِنَ اللَّحْمِ الذَّكِيِّ وَهُوَ نَصٌّ لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَعَدَ عَنْ ذِكْرِهِ
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَهْلُ صَيْدٍ فَيَرَى أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ ثُمَّ يَبْلُغُ أَثَرَهُ فَنَجِدُ السَّهْمَ فِيهِ قَالَ ((إِذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ فِيهِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ))
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ سَوَاءً
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَوْلَى مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
وَقَدْ زِدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ ذِكْرِ حِمَارِ الْبَهْرِيِّ لِأَنَّهُ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أبو عمر فإن ظن ظان أن بن عَبَّاسٍ يُخَالِفُ هَذَا فَقَدْ غَلِطَ
وَالْآثَارُ (عَنْهُ) تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى
стр. 2153
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيَ الْهُذَيْلِ قَالَ كُنْتُ مَعَ أَهْلِ الكوفة إلى بن عَبَّاسٍ فَلِمَا جِئْتُهُ قَالَ النَّاسُ مَسْأَلَةً فَجَاءَهُ رَجُلٌ مَمْلُوكٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ! إِنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَصْمِي وَأَنْمِي قَالَ مَا أَصَمَيْتَ فَكَلْ وَمَا تَوَارَى عَنْكَ لَيْلَةً فَلَا تَأْكُلْ
ومعمر عن الأعمش عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ (وَمَا أَنْمَيْتَ) فَلَا تَأْكُلْ وَلَمْ يَقُلْ لَيْلَةً
وَهَذَا كُلُّهُ (تَفْسِيرُ) حَدِيثِ إِسْرَائِيلُ عَنْ (سِمَاكِ) بْنِ حَرْبٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَجِدُ سَهْمَهُ (فِيهِ) مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ لَأَمَرْتُكَ بِأَكْلِهِ وَلَكِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَتَلَهُ تَرَدٍّ أَوْ غَيْرُ ذلك
(٢ - باب ما جاء في صيد المعلمات)
١٠٢٠ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ إِنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ
١٠٢١ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَإِنْ أَكَلَ أو لَمْ يَأْكُلْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَلَغَتْهُ عَنْ نَافِعٍ خَيْرٌ مِنَ الَّتِي سَمِعَهَا هُوَ مِنْ نَافِعٍ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ فِي قَتَلَ أَوْ لَمْ يَقْتُلْ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ لِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا لَمْ يَقْتُلِ الصَّيْدَ وَأَدْرَكَهُ الصَّائِدُ حَيًّا بَيْنَ يَدَيِ الْكَلْبِ لَزِمَهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْكُلْهُ إِلَّا أَنْ يَفُوتَهَ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَيَمُوتَ حِينَئِذٍ كَمَنْ قَتَلَهُ الْجَارِحُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سَتَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَالَّذِي ذهب إليه مالك ما رواه عن بن عُمَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
стр. 2154
١٠٢٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فَقَالَ سَعْدٌ كُلْ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إِلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ
وَبَلَاغُ مَالِكٍ عَنْ نافع عن بن عمر وعن عبد الرزاق قال أخبرنا بن خديج عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ كُلُّ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ
ذَكَرَهُ عَبْدٌ الرزاق عن بن جريج وهو الصحيح عن بن جُرَيْجٍ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عن بن أبي ذئب عن نافع عن بن عمر
وروى قتاده عن عكرمة عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الكلب
رواه هَمَّامٌ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَكْلِ الصَّيْدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْكَلْبُ
وَرَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ الْكِنْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ أَوْ بَازِيكَ فَأَكَلَ فَكُلْ
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَكَلَ ثُلُثَيْهِ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَكُلْ
وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ كُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ ثُلُثَيْهِ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَكُلْ
قَالَ وقال سعيد كُلْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَأْسُهُ
وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بن المسيب والحسن وبن شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سعد
وروى بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَإِبْرَاهِيمُ بن نشيط وبكر بن مخرمة وبن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍ عَنِ الصَّيْدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْكَلْبُ فَقَالَ كُلْ وَإِنْ لَمْ بيق مِنْهُ إِلَّا جَوْفُهُ
стр. 2155
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ أَنَّ سَعْدًا قَالَ كُلْ وَإِنْ أَكَلَ نِصْفَهُ
وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ بُسْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ قُلْتُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله قَالَ ((وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ))
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنَ الصَّيْدِ فَهُوَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَلَا يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِهِ
وَهُوَ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْهُ
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قول بن عَبَّاسٍ
وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ سَلْمَانَ وَسَعْدٍ
وَرَوَى طَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي الْكَلْبِ قَالَ إِنْ أَكَلَ مِنْ صَيْدِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا لَمْ يَأْكُلْ
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَوَاهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّعْرِ عَنْ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَدِيِ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ
стр. 2156
وَفِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ فِي الْكَلْبِ ((وَإِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِإِنَّمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ عَارَضَ حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذَا حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ فِيهِ وَإِنْ أَكَلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ أَكَلَ
وَالْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَ كُلِّ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ صَيْدِهِ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ هُوَ أَنْ يُشْلَى فَيَسْتَشْلَى وَيُدْعَى فَيُجِيبُ وَيُزْجَرُ فَيُطِيعُ وَلَيْسَ تَرْكُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرْطِ التَّعْلِيمِ
وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا مِنْ أَكْلِ صَيْدِهِ إِذَا أَكَلَ فَمِنْ شَرْطِ التَّعْلِيمِ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْإِجَابَةِ وَالْإِشْلَاءِ وَالطَّاعَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ إِذَا أَشْلَى اسْتَشْلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أُكِلَ صَيْدُهُ فِي الثَّالِثَةِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ فِي الرَّابِعَةِ
وَقَالَ غَيْرُهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً فَهُوَ مُعَلَّمٌ وَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ فِي الثَّانِيَةِ
وَأَمَّا الْكَلْبُ يَشْرَبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ فَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَشَبَّهَاهُ بِأَكْلِهِ
وَقَالَ عَطَاءٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ شُرْبُهُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ كَأَكْلِهِ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ
١٠٢٣ - مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الْبَازِيِ وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إِرْسَالِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ فِي صَيْدِ سِبَاعِ الطَّيْرِ الْمُعَلَّمَةِ خِلَافًا إِنَّهُ جَائِزٌ كَالْكَلْبِ المعلم سواء إلا مجاهد بن جبر فإنه كَانَ يَكْرَهُ صَيْدَ الطَّيْرِ وَيَقُولُ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) الْمَائِدَةِ ٤ فِإِنَّمَا هِيَ الْكِلَابُ
وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَأَجَازُوا الِاصْطِيَادَ بِالْبَازِيِ وَالشُّوذَنِينَ وَسَائِرِ سباع الطير المعلمة
وروى معمر عن بن طاوس عن أبيه في قوله (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ
стр. 2157
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) الْمَائِدَةِ ٤ قَالَ الْجَوَارِحُ مِنَ الْكِلَابِ وَالْبِيزَانِ وَالصُّقُورِ وَالْفُهُودِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا النَّاسُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صَيْدِ الْبَازِي وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَأَكَلَ مِنْ صَيْدِهِ
فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ صَيْدَهُ وَهُوَ ذَكِيٌّ كُلُّهُ إِذَا قَتَلَهُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ لِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِالْأَكْلِ
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ البازي كالكلب إن أكل من صيده فَلَا يُأْكَلُ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِصَيْدِ سِبَاعِ الطَّيْرِ أَكَلَتْ أَوْ لَمْ تَأْكُلْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ مَنْ كَرِهَ صَيْدَ الْبَازِي إِذَا أَكَلَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي فَقَالَ ((مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ))
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِكَ فِي الْكَلْبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لأنه محتمل للتأويل
واحتج أيضا بما رواه بن جريج عن نافع عن بن عمر قال ما يصطاد بالطير والبيزن وَغَيْرِهِمَا فَمَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ وَمَا لَا فَلَا تَطْعَمْهُ
قَالَ وَأَمَّا الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْبَازِي وَالْكَلْبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَ أَكْلَ مَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ فَأَحْرَى أَنْ يُجِيزَ أَكْلَ مَا أَكَلَ الْبَازِي مِنْهُ
وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَازِي لَمْ يَنْفَذْ مَقَاتِلَهُ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَذْكِيَتِهِ فَتَرَكَهُ
وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بن جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ فَلَا
стр. 2158
تَأْكُلْ وَأَمَّا الصَّقْرُ وَالْبَازِي فَإِنْ أَكَلَ فَكُلْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي الْبَازِي وَالصَّقْرِ إِنْ أَكَلَا فَكُلْ إِنَّمَا تَعْلِيمُهُ أَكْلُهُ
قَالَ مَالِكٌ وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ مِنَ الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ أَنَّهُ لَا يحل أكل
قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ وَهُوَ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي فِي الْكَلْبِ فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوِ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُ إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ ذَبْحُهُ جَازَ أَكْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَأْكُلْهُ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا حَصَلَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ حَيًّا مِنْ فَمِ الْكَلْبِ أَوِ الصَّيْدِ لِسَهْمٍ وَلَمْ يُذَكِّهِ لَمْ يُؤْكَلْ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى تَذْكِيَتِهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ
وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ إِنْ ذَهَبَ يُخْرِجُ سِكِّينَهُ مِنْ حِقَبِهِ أَوْ خُفِّهِ فَسَبَقَهُ بِنَفْسِهِ فَمَاتَ أَكَلَهُ وَإِنْ ذَهَبَ يُخْرِجُ سِكِّينَهُ مِنْ خُرْجِهِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ لَمْ يَأْكُلْهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ شَاذٌّ قَالَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَكَ حَدِيدَةٌ فَأَرْسِلْ عَلَيْهِ الْكِلَابَ حَتَّى تَقْتُلَهُ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِيَ فَصَادَ أَوْ قَتَلَ إِنَّهُ إِذَا كان معلما فأكل ذلك الصيد حلال بأس يه وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ يَرْمِي بقوسه أو بنبله يقتل بِهَا فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِيَ عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ يُذَكَّى وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِمِ وَنَبْلِهِ يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ وَبِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بها الْمَجُوسِيُّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
стр. 2159
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخِلَافُ فِي ذَبَائِحَ الْمَجُوسِيِّ لَيْسَ بِخِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَلَّا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا صَيْدُهُمْ وَلَا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كُلُّهُ يَقُولُ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا صَيْدُهُمْ
عَلَى هَذَا مَضَى جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمُسْلِمِ يَسْتَعِيرُ كَلْبَ الْمَجُوسِيَّ فَيُرْسِلُهُ عَلَى الصَّيْدِ قَالَ كُلْهُ فَإِنَّ كَلْبَهُ مِثْلَ شَفْرَتِهِ
قَالَ قَتَادَةُ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى جَوَازِ صَيْدِ الْمُسْلِمِ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ وَسِلَاحِهِ جَمَاعَةُ السَّلَفِ وَتَابَعَهُمُ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَلَفِ
وَشَذَّ عَنْهُمْ مَنْ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُعَدَّ قَوْلُهُ خِلَافًا وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ
قَالَ فِي الْمُسْلِمِ يَأْمُرُ الْمَجُوسِيَّ بِذَبْحِ أُضْحِيَتِهِ إِنَّهَا تُجْزِئُهُ وَقَدْ أَسَاءَ
وَقَالَ فِي الْكِتَابِيِّ يَتَمَجَّسُ إِنَّهُ جَائِزٌ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ كَصَيْدِ الْكِتَابِيِّ وَذَبِيحَتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ صَيْدِهِ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ
وَأَمَّا صَيْدُ الْمُسْلِمِ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ قَدِيمٌ كَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ وَلَمْ تُجِزْهُ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ
فَمَنْ كَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) الْمَائِدَةُ ٤
فَخَاطَبَ الْمُؤْمِنَ بِهَذَا الْخِطَابِ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعَلِّمُ لِلْكَلْبِ مُؤْمِنًا لَمْ يَجُزْ صَيْدُهُ
стр. 2160
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ
وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا تَعْلِيمُ الْمَجُوسِيِّ لَهُ وَتَعْلِيمُ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا الْكَلْبُ كَآلَةِ الذَّبْحِ وَالذَّكَاةِ
وَمِمَّنْ ذهب إلى هذا سعيد بن المسيب وبن شِهَابٍ وَالْحَكَمُ وَعَطَاءٌ
وَهُوَ الْأَصَحُّ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَكْرَهُ الصَّيْدَ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَمَّا كَلْبُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فَهُوَ أَهْوَنُ
وَقَالَ إِسْحَاقُ لَا بَأْسَ أَنْ يَصِيدَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمَّا أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُ الْكِتَابِ وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ أَنَّ ذَبْحَ الْمَجُوسِيِّ بِشَفْرَةِ الْمُسْلِمِ وَمُدْيَتِهِ وَاصْطِيَادَهُ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَاعَاةَ وَالِاعْتِبَارَ إنما هو دين الصائد والذابح لَا آلَتُهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَبَائِحَ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ وَصَيْدِهِمْ
فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَالسَّامِرَةِ فَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ وَلَا الْمَجُوسِ
قَالَ وَأَمَّا السَّامِرَةُ فَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ فَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ إِلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ مَا يُحَرِّمُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيُحِلُّونَ فَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ
قَالَ وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَدِينُونَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أُنْكِحَ نِسَاؤُهُمْ وَأُكِلَتْ ذَبَائِحُهُمْ
قَالَ وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ فتؤخذ منهم الجزية لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ
وعلى هذا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ نَجْرَانَ
стр. 2161
قال أبو عمر روي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّابِئِينَ هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ لَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الصَّابِئُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ كَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ إِلَى عُمَرَ أن ناسا يدعون السامرة يقرؤون التَّوْرَاةَ وَيُسْبِتُونَ السَّبْتَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا تَرَى فِي ذَبَائِحِهِمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ذَبَائِحُهُمْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَلَا يَجِيءُ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّامِرَةِ جَوَابٌ حَسَنٌ وَلَا أَحْفَظُ فِيهِمْ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الصَّابِئِينَ غَيْرُ الْيَهُودِ وَغَيْرُ النَّصَارَى وَغَيْرُ الْمَجُوسِ
قَالَ اللَّهُ ﵎ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ والذين أشركوا) الحج ١٧
ففصل بينهم وقال (يا أهل الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) الْمَائِدَةِ ٦٨
وَإِنَّمَا أُنْزَلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَقَالَ (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) الْمَائِدَةِ ٥
وَقَوْلُهُ يَعْنِي ذَبَائِحَهُمْ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَصَيْدُهُمْ فِي مَعْنَى ذَبَائِحِهِمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ)
١٠٢٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ
قَالَ نَافِعٌ ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ الله بن عمر فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَأَ (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) قَالَ نَافِعٌ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ
стр. 2162
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَذْهَبُ فِيمَا لَفَظَ الْبَحْرُ مَذْهَبَ مَنْ كَرِهَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ) الْمَائِدَةِ ٩٦
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
فَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبي مجلز عن بن عَبَّاسٍ قَالَ طَعَامُهُ مَا لَفَظَ بِهِ أَوْ قال ما قذف به
وبن المبارك عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ قَالَ طَعَامُهُ مَا أَلْقَى
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا قَذَفَ وَكَانَ يَكْرَهُ الطَّافِيَ
وَقَالَ محمد بن كعب القرظي عن بن عَبَّاسٍ طَعَامُهُ مَا لَفَظَ بِهِ فَأَلْقَاهُ مَيِّتًا
وَعَنْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وبن الْعَاصِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ
وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَعَطَاءٌ وَطَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ صَيْدُ الْبَحْرِ طَرِيُّهُ مَا اصْطَدْتَهُ طَرِيًّا وَطَعَامُهُ مَا تَزَوَدَّتَهُ مَمْلُوحًا
وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَطَائِفَةٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ بن عَبَّاسٍ مِثْلُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ طَعَامَهُ مَمْلُوحًا كَرِهَ مَا مَاتَ وَطَفَا مِنَ السَّمَكِ
وَمَنْ قَالَ طَعَامُهُ مَا أَلْقَاهُ مَيْتًا أَجَازَ ذَلِكَ وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنَّ شَاءَ اللَّهُ -
١٠٢٥ - قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعْدٍ الْجَارِي مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ قَالَ سَعْدٌ ثُمَّ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ
١٠٢٦ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا
стр. 2163
١٠٢٧ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ قَدِمُوا فَسَأَلُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَقَالَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا فَقَالَا لَا بَأْسَ بِهِ فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَرْوَانُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ وَفِي كُلِّ مَا عَدَا السَّمَكَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ
فَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ كُلِّ حَيَوَانٍ فِي الْأَكْلِ لِبَحْرٍ وَلَا يَحْتَاجُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى ذَكَاةٍ وَهُوَ حَلَالٌ حَيًّا وَمَيِّتًا إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ خِنْزِيرَ الْمَاءِ وَقَالَ أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا
وَقَالَ بن الْقَاسِمِ لَا أَرَى خِنْزِيرَ الْمَاءِ حَرَامًا
وَقَالَ بن أَبِي لَيْلَى نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
وهو قول الأوزاعي ومجاهد
قال بن أَبِي لَيْلَى كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مِنَ الضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَحَيَّةِ الْمَاءِ وَغَيْرِهَا حَلَالٌ حَيًّا وَمَيِّتًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ صَيْدُ الْبَحْرِ كُلُّهُ حَلَالٌ وَكُلُّ مَا مَسْكَنُهُ وَعَيْشُهُ فِي الْمَاءِ قِيلَ وَالتِّمْسَاحُ قَالَ نَعَمْ
وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ
فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ إِلَّا السَّمَكُ وَمَا عَدَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُذْبَحَ
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ غَيْرُ السَّمَكِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قَالُوا لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ إِلَّا السَّمَكَ وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السمك
وكره الحسن بن حي أكل الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ
стр. 2164
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَيْسَ بِمَيْتَةِ الْبَحْرِ بَأْسٌ
قَالَ وَيُؤْكَلُ كَلْبُ الْمَاءِ وَقُرْصُ الْمَاءِ وَلَا يُؤْكَلُ إِنْسَانُ الْمَاءِ وَلَا خِنْزِيرُ الْمَاءِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ حِلٌّ أَكْلُهُ وَأَخْذُهُ ذَكَاتُهُ وَلَا بَأْسَ بِخِنْزِيرِ الْمَاءِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ السَّرَطَانُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا لَا يَكُونُ بِحِلٍّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ لِأَنَّهُمَا يعيشان في البر حِينًا
قَالَ وَمَا لَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَهُوَ مِثْلُ السَّمَكِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ أَكْلَ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ بحديث إسماعيل بن أمية عن بن الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوا وَمَا طَفَا فَلَا تَأْكُلُوا))
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ الْجَرَادُ وَالْحِيتَانُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ إِلَّا مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ مَيْتَةٌ
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا كَرِهَا الطَّافِيَ مِنَ السَّمَكِ
وَشُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَشَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ ﵁ قَالَ السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ حَلَالٌ لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا
وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ - قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَا فِي الْبَحْرِ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ ذَكَّاهُ اللَّهُ لَكُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ الْفِرَاسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي البحر ((هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ
стр. 2165
رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سِوَادَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ كُنْتُ أَصِيدُ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ عَلَى أَرْمَاثٍ وَكُنْتُ أَحْمِلُ قِرْبَةً لِي فِيهَا مَاءٌ فَإِذَا لم أتوضأ من القربة رفق ذلك لي وَبَقِيَتْ لِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ))
فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُمَا حَدِيثَانِ غَيْرُ ثَابِتَيْنِ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلَمَةَ مَجْهُولٌ وَلِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَرْوِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
قِيلَ حَدِيثُ جَابِرٍ ثَابِتٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ
وَفِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَدُوا حُوتًا يُسَمَّى الْعَنْبَرَ أَوْ دَابَّةٍ أَكَلُوا مِنْهَا بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرُّ الْجَائِعِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -
قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِيتَانِ يَصِيدُهَا الْمَجُوسِيُّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْبَحْرِ ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ))
قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا أُكِلَ ذَلِكَ مَيْتًا فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
وفي ما ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ مَذَاهِبَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
(٤ - بَابُ تَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ)
١٠٢٨ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ
стр. 2166
الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مالك بهذا الإسناد عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((أَكْلُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعَ حَرَامٌ))
وَلَا يرويه أحد كذلك لا من أصحاب بن شِهَابٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ
وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عَبِيْدَةَ بن أبي سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَالْمَحْفُوظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ
وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ ((الْمُوَطَّأِ)) فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال ((أكل كل ذي ناب من السباع حرام))
١٠٢٩ - مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عَبِيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ((أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٍ))
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا تَرْجَمَ بِهِ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْبَابَ وَمَا رُسِمَ فيه من
стр. 2167
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ لَا نَهْيُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ كَمَا زَعَمَ أكثر أصحابنا ويشذ ذَلِكَ قَوْلُهُ
وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
رَوَى هَذَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ سَمِعَ عَلَيْهِ ((الْمُوَطَّأَ)) وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِي السِّبَاعِ لَا لِلُحُومِهَا وَلَا لِجُلُودِهَا كَمَا قَالَ لَا تَعْمَلُ فِي الْخِنْزِيرِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ لَفْظٍ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ مَالِكٌ هَذَا الْبَابَ
وَأَصْلُ النَّهْيِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْهُ وَطَرَأَ عَلَى مِلْكِكَ أَوْ عَلَى مَا لَيْسَ فِي مِلْكِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ وَارِدًا عَلَى مِلْكِكَ فَهُوَ يَمِينُ آدَابٍ وَإِرْشَادٍ وَاخْتِيَارٍ وَمَا طَرَأَ عَلَى مِلْكِكَ فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ
وَعَلَى هَذَا وَرَدَ النهي في القرآن والسنة لا لِمَنِ اعْتَبَرَهُمَا
أَلَّا تَرَى إِلَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عن اجتناب الْأَسْقِيَةِ وَالْأَكْلِ مِنْ رَأْسِ الصَّحْفَةِ وَالْمَشْيِ فِي نعل واحد وأن يقرن بَيْنَ تَمْرَتَيْنِ مَنْ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ دُونَ الشِّمَالِ وَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ دُونَ الْيَمِينِ وَالتَّيَامُنِ فِي لِبَاسٍ النِّعَالِ وَفِي الشَّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ
فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ نَهْيُ أَدَبٍ وَإِرْشَادٍ لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَى مَا فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا لِبَاسِهِ
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنِ الشِّغَارِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَعَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ وَعَنْ بَيْعِ حَبَلِ حَبَلَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ
فَهَذَا كُلُّهُ طَرَأَ عَلَى شَيْءٍ مَحْظُورٍ اسْتِبَاحَتُهُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ
فَمَنْ لَمْ يَسْتَبِحْهُ عَلَى سُنَّتِهِ حَرُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فِي مُلْكِهِ
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ وَمَنْ وَطِئَهَا لَمْ تَحْرُمْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَلَا سَرِيَّتُهُ
قِيلَ لَهُ لَوْ تَدَبَّرْتَ هَذَا لَعَلِمْتَ أَنَّهُ مِنَ الْبَابِ الْوَارِدِ عَلَى مَا فِي مَلِكِ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا لَأَنَّ عِصْمَةَ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَصْلُهَا
стр. 2168
الْحَظْرُ ثُمَّ وَرَدَتِ الْإِبَاحَةُ فِيهَا بِشَرْطٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى وَلَا يُسْتَبَاحَ إِلَّا بِهِ لِأَنَّ الْفُرُوجَ مَحْظُورَةٌ إِلَّا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَلَمْ تَرِدِ الْإِبَاحَةُ فِي نِكَاحِ مَا طَابَ لَنَا مِنَ النِّسَاءِ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا إِلَّا مَقْرُونَةً لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تُوطَأُ حَتَّى تَطْهُرَ كَمَا وَرَدَ تَحْرِيمُ الْحَيَوَانِ فِي أنه لا يستباح إلا بالذكاة فوطء الْحَائِضِ وَاسْتِبَاحَةُ الْحَيَوَانِ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي لَا مِنَ الْأَوَّلِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْإِبَاحَةُ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ مُطْلَقَةً بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ محتملا لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا افْتَتَحَ مَالِكٌ ﵀ الْبَابَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ فِي لَفْظِ النَّهْيِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ ((الْمُوَطَّأِ)) تَقْدِيمُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمَعْنَى فِيِ ذَلِكَ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْبَابَ جَمَعَهَا فِيهِ وَالنَّهْيُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَهُوَ مُجْمَلٌ وَالتَّحْرِيمُ إِفْصَاحٌ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُجْمَلِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ نَهْيُ تنزيه وتعذر
وَهَذَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَإِنْ أَرَادَ التَّقَذُّرَ مِنَ الْقَذَرِ الَّذِي هُوَ النَّجَاسَةُ فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ النَّجَاسَاتِ وَلَا اسْتِبَاحَةُ شَيْءٍ منها ويلزم التَّنَزُّهُ عَنْهَا لُزُومَ فَرْضٍ
فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ فَهُوَ عَلَى مَا وصفنا وإنما احتج الأبهري لرواية بن الْقَاسِمِ فَقَوْلُهُ إِنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ وَأَنَّ لُحُومَهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَى آكِلِهَا إِذَا ذُكِّيَتْ وَإِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ فَقَدْ تَنَاقَضَ بن الْقَاسِمِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لَا يَرَى التَّذْكِيَةَ فِي جُلُودِ الْحَمِيرِ تَعْمَلُ شَيْئًا وَلَا تَحِلُّ جُلُودُ الْحَمِيرِ عِنْدَهُ إِلَّا بِالدِّبَاغِ كَجُلُودِ الْمَيْتَاتِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَعَمُّ وَأَظْهَرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْحُمُرِ إِنَّمَا نُهِيَ مِنْهَا عَنِ الْجَلَّالَةِ
وَقَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْهَا كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ فَلَمْ يَلْتَفِتِ الْعُلَمَاءُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْآثَارِ لِضَعْفِ مَخَارِجِهَا وَطُرُقِهَا مَعَ ثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا جُمْلَةً وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السباع
стр. 2169
ومن لم ير بن عَبَّاسٍ حُجَّةً فِي إِبَاحَتِهِ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ خِلَافُ ثَابِتِ السنة كقول من ليس في المنزلة من أهل العلم مثله أخرى أَنْ يُتْرَكَ فِي لُحُومِ السِّبَاعِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا وَتَحْرِيمِهِ لَهَا
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ رُؤْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي عَوْفٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال ((أَلَا لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ))
وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الْآيَةَ الْأَنْعَامِ ١٤٥
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي ((التَّمْهِيدِ)) مِنْهَا أَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَمَفْهُومٌ فِي قَوْلِهِ (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الْأَنْعَامِ ١٤٥ أَيْ شَيْئًا مُحَرَّمًا وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهَا قُرْآنٌ كَثِيرٌ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَةٍ وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرٍ مَا نَزَلَ وَفِيهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا
وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّبَا وَحَرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبُيُوعِ أَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا
وأجمعوا أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ
رَوَاهُ عَنْهُ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ منهم أبو هريرة وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ وَكُلُّهُمْ لَمْ يَصْحَبُوهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا)) الْأَنْعَامِ ١٤٥
فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا أَجِدُ فِيمَا أُنْزِلَ إِلَيَّ وَقْتِي هَذَا غَيْرَ ذَلِكَ
وَقِيلَ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا مِمَّا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَهُ يُرِيدُ الْعَرَبَ
وَقِيلَ إِنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَأْكَلِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَجِدُ فِيمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ شَيْئًا مُحَرَّمًا إِلَّا كَذَا وَلَمْ تَسْأَلُوا عَنْ ذِي النَّابِ وَحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَمَا ذَكَرْنَا مَعَهَا وَأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا
وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الْحَشْرِ
стр. 2170
أَلْزَمَ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ الِانْتِهَاءَ عَنْ كُلِّ مَا نَهَى عَنْهُ ﷺ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَحْرِيفُ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَهُمُ الْجُمْهُورُ الَّذِي يَلْزَمُ مَنْ شَذَّ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ عَلَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ فَيَكُونُ خَارِجًا بِدَلِيلِهِ مُسْتَثْنًى مِنَ الْجُمْلَةِ
وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) النِّسَاءِ ٤٥ يُعَارِضُ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَ نَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا زِيَادَةَ بَيَانٍ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ ((أَكْلُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ))
فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ هَذَا مَا كَانَ يَعَدُو عَلَى النَّاسِ مِثْلَ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ وَالنَّمِرِ الْعَادِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا الْأَغْلَبُ فِي طَبْعِهِ أَنْ يَعْدُوَ وَمَا كَانَ الْأَغْلَبُ فِي طَبْعِهِ أَنَّهُ لَا يَعْدُو فَلَيْسَ مِمَّا عَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ هَذَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الضَّبُعِ فِي إِبَاحَةِ أَكْلِهَا وَهِيَ سَبُعٌ
وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ أَأْكُلُهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتَ أَصَيْدٌ هِيَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال نعم
قالوا وإن كان هذا الحدبث انْفَرَدَ بِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ فَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ثِقَةٌ مَكِّيٌّ
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إِجَازَةُ أَكْلِ الضِّبَاعِ قَالُوا وَالضَّبُعُ سَبُعٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أكلها علمنا أن
стр. 2171
نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا أَبَاحَهُ وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ آخَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ فِيهِ الْعَدَاءُ عَلَى النَّاسِ
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ ذُو النَّابِ الْمُحَرَّمِ أَكْلُهُ هُوَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ
قَالَ وَيُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ
وَهُوَ قول الليث
وروى معمر عن بن شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ الثَّعْلَبُ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ
قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ لَيْسَ بِسَبُعٍ
وَرَخَّصَ فِي أَكْلِهِ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُؤْذِي
قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ من سباع الوحش كلها ولا الهر والوحشي وَلَا الْأَهْلِيِّ لِأَنَّهُ سَبُعَ
قَالَ وَلَا يُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَلَا الثَّعْلَبُ وَلَا شَيْءَ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ
وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ
زَادَ بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَكُلُّ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأَكُلُ اللَّحْمَ وَلَا يَرْعَى الْكَلَأَ فَهُوَ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ يُشْبِهُ السِّبَاعَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا
وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْفِيلِ إِذَا ذُكِّيَ
قَالَ بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا بِأَرْضِنَا يَنْهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ
قال بن وَهْبٍ وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ يُؤْكَلُ الْهِرُّ وَالثَّعْلَبُ
وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَخُصُّوا سَبُعًا مِنْ سَبُعٍ فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ سَبُعٌ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْخِطَابُ وَتَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي مُخَاطَبَتِهَا
وَلَيْسَ حَدِيثُ الضَّبُعِ مِمَّا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِنَقْلِ الْعِلْمِ وَلَا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ مِنْ هُوَ أُثْبِتُ مِنْهُ
стр. 2172
وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ - أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - فَقَالُوا ذُو النَّابِ مِنَ السِّبَاعِ الْمَنْهِيُّ عَنْ أَكْلِهِ الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالْفَهْدُ وَالثَّعْلَبُ وَالضَّبُعُ وَالْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ البري والأهلي والوبر قالوا وبن عُرْسٍ سَبُعٌ مِنْ سِبَاعِ الْهَوَامِّ
وَكَذَلِكَ الْفِيلُ وَالدُّبُّ وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ
قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَأَمَّا الْوَبَرُ فَلَا أَحْفَظُ فِيهِ شَيْئًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ الْأَرْنَبِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَلِفُ إِلَّا الْبُقُولَ وَالنَّبَاتَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي السِّنْجَابِ وَفِي الْفَنَكِ والسمور كل ذلك سبع مثل الثعلب وبن عُرْسٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا الضَّبُّ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِجَازَةُ أَكْلِهِ وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبُعٍ يَفْتَرِسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ بن الْمُسَيِّبِ لَا بَأْسَ بِالْوَرَلِ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْوَرَلُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَّبِّ
وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَكْلَ الْفِيلِ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ وَهُمْ لِلْأَسَدِ أَشَدُّ كَرَاهَةً
وَكَرِهَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ أَكْلَ الْكَلْبِ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَلْبِ أَنَّهُ قَالَ ((طُعْمَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وقد أغنى الله عنها))
وروي عن بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ الضَّبُعَ لَا يَصْلُحُ أَكْلُهَا
وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِأَكْلِ الْيَرْبُوعِ بَأْسًا
وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ
وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ أَجَازَ أَكْلَ الْوَبْرِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ
وكرهه بن عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْسَ الْقِرْدُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ
وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا منفعة فيه وذو الناب مثله عِنْدِي
وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا فِي حُجَّةِ غَيْرِهِ
وأما جلود السباع المذكاة لجلودها فاختلف الصحابة في ذلك
стр. 2173
فروى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السِّبَاعَ إِذَا ذَكِّيَتْ مِنْ أَجْلِ جُلُودِهَا حَلَّ بَيْعُهَا وَلِبَاسُهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الذَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي السِّبَاعِ لِجُلُودِهَا أَكْمَلُ طَهَارَةً
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الدِّبَاغِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ
وَهُوَ قَوْلُ بن القاسم
وقال بن حَبِيبٍ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي السِّبَاعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا لُبْسُهَا وَلَا الصَّلَاةُ عَلَيْهَا
وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا إِذَا ذُكِّيَتْ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ
قَالَ بن حَبِيبٍ وَلَوْ أَنَّ الدَّوَابَّ الْحَمِيرَ وَالْبِغَالَ إِذَا ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا لَمَا حَلَّ بَيْعُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا إِلَّا الْفَرَسَ فَإِنَّهُ لَوْ ذُكِّيَ يَحِلُّ بَيْعُ جِلْدِهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي تَحْرِيمِهِ
وَقَالَ أَشْهَبُ أَكْرَهُ بَيْعَ جُلُودِ السِّبَاعِ وَإِنْ ذَكِّيَتْ مَا لَمْ تُدْبَغْ
قَالَ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فِيهَا وَيُفْسَخَ ارْتِهَانُهَا وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِالْجَهَالَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ أَكْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَالذَّكَاةُ فِيهَا لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ
قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ أَتَرَى مَا دُبِغَ مِنْ جُلُودِ الدَّوَابِّ طَاهِرًا فَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي جُلُودِ الْأَنْعَامِ
فَأَمَّا جُلُودُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ جِلْدُهُ طَاهِرًا إِذَا دُبِغَ وَهُوَ مِمَّا لَا ذَكَاةَ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبِّاغِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ خُلْدٍ
قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِي جِلْدِ شَاةٍ مَاتَتْ ((أَلَا دَبَغْتُمْ جِلْدَهَا)) وَنَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ
стр. 2174
قَالَ فَلَمَّا رُوِيَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِهِمَا جَمِيعًا لِأَنَّ الْكَلَامَيْنِ جَمِيعًا لَوْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا وَلَمْ يَتَنَاقَضْ
وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَإِنْ دُبِغَ فَلَمَّا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَكَانَتْ السِّبَاعُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ ذُكِّيَتْ كَانَ حَرَامًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِجِلُودِهَا وَإِنْ دُبْغَتْ قِيَاسًا عَلَى ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً
هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَذَكَرَ هُشَيْمُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الْبِغَالِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ صَحِيحٌ فِي الذَّكَاةِ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ ((كُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ جِلْدٍ إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ أَجْمَعُوا أَنَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لَا يَدْخُلُ في ذلك فخرج بإجماعهم
وحديث أبي ثَوْرٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ ذَبَائِحَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتِ الْآثَارُ عَلَيْهِ
وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنِ بْنِ أَبِي عَرُوَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَحَكَاهُ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ تَذْكِيَةُ السِّبَاعِ وَإِنْ ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا لَمْ يَحِلَّ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ جُلُودِهَا إِلَّا أَنْ تُدْبَغَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قول بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ
стр. 2175
وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَهُوَ الَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقُلَهُ غَيْرُهُ وَلِوُضُوحِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ إِلَّا بِمُذَابَحَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ ذَبْحٍ فِي الْحَرَمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ ذَكَاةً لِلْمَذْبُوحِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا تَعْمَلُ فِي جِلْدِهِ الذَّكَاةُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مِنَ الْأُهُبِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(٥ - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ أكل الدواب)
١٠٣٠ - قَالَ مَالِكٌ إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنْهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) النَّحْلِ ٨ وَقَالَ ﵎ فِي الْأَنْعَامِ (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ غَافِرٍ ٧٩ وَقَالَ ﵎ (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رزقهم من بهيمة الأنعام وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ الْحَجِّ ٣٦
قَالَ مَالِكٌ وَسَمِعْتُ أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ
قَالَ مَالِكٌ فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ
قَالَ مَالِكٌ وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ مَذْهَبَهُ فِي هَذَا الْبَابِ
وَاحْتَجَّ بِأَحْسَنِ الِاحْتِجَاجِ وَلَا خِلَافَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَكْلِ الْبِغَالِ والحمير إلا شيء روي عن بن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ
وَهُوَ مذهب طائفة من أصحاب بن عَبَّاسٍ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ قَالَ وَقَدْ كَانَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ - يَعْنِي بن عباس وتلا (قل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية الأنعام ١٤٥
وبن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ أَصَبْنَا
следующие страницы →