Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ مَالِكٌ وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ دَارٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ لِلْجَارِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ وَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ مَا تَقَدَّمَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ولا شفعة في بئر ولا في فحل نخل فذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي بِئْرِ الْأَعْرَابِ
فَأَمَّا بِئْرُ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فَفِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ النَّخْلُ لَمْ يُقْسَمْ فَإِنْ قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْبِئْرُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا
وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْفَحْلُ وَالْفَحْلَانِ لِلْإِبَّارِ وَأَكْلِ الطَّلْعِ إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا
وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ وَتُرِكَتِ الْعَرْصَةُ لِلِارْتِفَاقِ فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ بِئْرِ الْأَعْرَابِ الْبِئْرَ الَّتِي فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ
وَالْمِسْقَاةُ لَيْسَتْ بِئْرًا يُسْقَى بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ
وَذِكَارُ الشَّجَرِ حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَحُكْمِ النَّخْلِ
وَحُكْمُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ إِنْ كَانَ لَهَا بَيَاضٌ وَزَرْعٌ وَنَخْلٌ وَبَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْعًا فِيهِ شُفْعَةٌ دَخَلَتِ الْعَيْنُ فِي ذَلِكَ وَالْبِئْرُ فَإِذَا انْفَرَدَتِ الْعَيْنُ أَوِ الْبِئْرُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهَا
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطُّرُقِ وَالْمَرَافِقِ الْمَتْرُوكَةِ لِلِارْتِفَاقِ لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْعًا لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ وَتَجْمَعُهَا صَفْقَةٌ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ لَا بَيَاضَ لَهَا وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهَا بَيَاضٌ وَلَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ
стр. 3047
وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إِلَّا فِيمَا تَحْتَمِلُهُ الْقِسْمَةُ وَتُضْرَبُ فِيهِ الْحُدُودُ
وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي طَرِيقٍ وَإِنَّمَا الْعَرْصَةُ إِذَا احْتَمَلَتِ الْقِسْمَةَ وَبِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَهُ خِلَافَ قَوْلِ مالك
وَسَوَاءٌ تُرِكَتْ لِلِارْتِفَاقِ أَوْ لَمْ تُتْرَكْ وَإِنَّمَا أَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرَضِينَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَضَرْبَ الْحُدُودِ وَكَانَ مُشَاعًا فَفِيهِ الشُّفْعَةُ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَلَّا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ نَخْلٍ
وَأَمَّا الْعَرْصَةُ فَقِيَاسُهُمْ أَنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَرْضِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْقِسْمَةِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي النَّخْلَةِ الْمُطَعَّمَةِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا حصته منها
فذكر بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي (الْمُدَوَّنَةِ) أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَاسَهَا عَلَى فَحْلِ النَّخْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الملك بْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيهَا الشُّفْعَةُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّتُهُمْ فِي إِيجَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ النَّخْلَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْحَائِطِ الْمُثْمِرِ مِنَ الشَّجَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعٌ لِزِرَاعَةٍ وَكَانَ مُشَاعًا أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ وَحُكْمُ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْحَائِطِ كُلِّهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ فِي أَشْيَاءَ منها الرحا
ففي (المدونة) قال بن الْقَاسِمِ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَلَا شُفْعَةَ فِي الرَّحَا كَمَا أَنْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ
وَرَوَى أبو زيد عن بن الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ يَقْضِي الثَّمَنَ عَلَى الْأَرْضِ وَالرَّحَى وَذَكَرَ أَنَّهُ كَالشِّقْصِ يُبَاعُ مَعَ عَبْدٍ
وَقَالَ أَشْهَبُ لِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِي رَقِيقِ الْحَائِطِ فَكَيْفَ بِالرَّحَى مَعَ الْأَرْضِ
وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ في الاندر أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْهُ
стр. 3048
فَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عن اشهب وبن وَهْبٍ أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ وَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَرَضِينَ
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شُفْعَةَ فِي الْأَنْدَرِ وَكَذَلِكَ الْأَقْبِيَةُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بِيعَتْ قَالَ وَالْأَنْدَرُ عِنْدِي مِثْلُ الْأَقْبِيَةِ
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَمَّامِ
فَقَالَ مَالِكٌ فِيهِ الشفعة
وقال بن الْقَاسِمِ لَا شُفْعَةَ فِيهِ
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق روى بن القاسم وبن أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ
قَالَ وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَنَا أَرَى فِيهِ الشُّفْعَةَ
قال إسماعيل وروى بن الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَمَّامَ يُقْسَمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بن لبانة يفتيان في الحمام
وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مُنْفَرِدَةً دُونَ الْأَصْلِ
فقال مالك وبن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّهَا تُقْسَمُ بِالْحُدُودِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مذاهبهم في قسمة الثمار في رؤوس الْأَشْجَارِ
وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ فِيهَا الشُّفْعَةَ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الشُّفْعَةِ فِي الْكِرَاءِ أَوِ الدُّورِ وَالرِّبَاعِ وَالْأَرَضِينَ وَفِي الْمُسَاقَاةِ وَفِي الدَّيْنِ هَلْ يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كله في كتاب اختلافهم
وحديث بن شِهَابٍ يَنْفِي الشُّفْعَةَ وَيُسْقِطُهَا إِلَّا فِي الْمُشَاعِ مِنَ الْأَرَضِينَ وَالرِّبَاعِ حَيْثُ يُمْكِنُ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفُ الطُّرُقِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا
стр. 3049
بِالْخِيَارِ فَأَرَادَ شُرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرِيكُهُمْ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الْبَيْعُ فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي
وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّفِيعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَيَصِيرَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِنْ أَرَادَ لَا قَبْلَ ذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي خَاصَّةً
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنِ اشْتَرَى شِقْصًا عَلَى أَنَّهَا جَمِيعًا بِالْخِيَارِ أَوِ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَقَدْ خَرَجَ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ
ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ قَالَ مَنْ بَاعَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهَا أَيَّامًا ثَلَاثَةً لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ وَكَانَ أَخْذُهُ إِيَّاهَا قَطْعًا بِخِيَارِ الْمُشْتَرِي وَأَمْضَى الْبَيْعَ فِيهَا
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الشَّرِيكِ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ لَهُ فِيهَا شُرَكَاءُ بالخيار ثم بيع بَعْضُ أَشْرَاكِهِ نَصِيبَهُ بَيْعًا بَتْلًا
فَفِي (الْمُدَوَّنَةِ) إِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي فَالسِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ
وَقَالَ سَحْنُونٌ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ بِالْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ حُكْمُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَتْلًا لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ لِأَنَّ الشِّقْصَ كَانَ لَهُ وَمِنْهُ ضَمَانُهُ فَإِنَّ سَلَّمَ فَلِلْمُشْتَرِي وَلَا تُبَالِي لِمَنْ كَانَ الْخِيَارُ مِنْهُمَا
وَبِهَذَا الْقَوْلِ يقول بن الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ثُمَّ يَأْتِي رجل
стр. 3050
فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ
قَالَ فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ او المشتري أَوْ هُمَا حَيَّانِ فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ عِمَارَةٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحِقِّ بِمِيرَاثٍ نَصِيبًا فِي أَرْضٍ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَدِيمٌ
فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ مَا أَظْهَرَهُ شُهُودُهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ شَرِيكٍ ظَاهِرِ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ بَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ فِي أَرْضٍ مُشَاعَةٍ بَيْنَهُمَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّ
وَمَنْ قَالَ لَا شُفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ يَوْمَ اسْتَحَقَّ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ
أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي وَلَا مِنَ الْبَائِعِ الْجَاحِدِ لَهُ
وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ حُرِّيَّةً عَلَى مَوْلَاهُ وَالْمَوْلَى جَاحِدٌ لَهَا فَلَمَّا قَامَتْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ بِالْحُرِيَّةِ قُضِيَ لَهُ بِهَا وَلَمْ يَلْزَمِ الْمَوْلَى خَرَاجُهُ وَقِيمَةُ خِدْمَتِهِ لِأَنَّهُ جَاحِدٌ لِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ وَإِنَّمَا تَجِبُ شَهَادَتُهُمْ حُكْمًا ظَاهِرًا مِنْ يَوْمِ شَهِدُوا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ
وَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوجِبُونَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْخَرَاجَ أَوِ الْغَلَّةَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ فَإِنَّ طُولَ الزَّمَانِ لِمَنْ كَانَ غَائِبًا وَقَامَتْ بَيِّنَتُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ
стр. 3051
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي شُفْعَةِ الْغَائِبِ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَالْخِلَافُ فِيهِ كَلَا خِلَافٍ
وَأَمَّا هَلَاكُ الشُّهُودِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا عَلَى الْبَيْعِ فَهَلَكُوا أَوِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَتَجَاحَدَانِ وَلَا بَيِّنَةَ هُنَاكَ فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ عَلَى مَبْلَغِ الثَّمَنِ هَلَكُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ خَالَفَهُ الشَّفِيعُ
وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِخِلَافِهَا
وَكَذَلِكَ مَوْتُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لِمَنْ كَانَ لَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ لَا يَضُرُّ
قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ (الْمُوَطَّأِ)
وَالشُّفْعَةُ ثابتة في مال الميت كما هي في مَالِ الْحَيِّ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَلْ تُوَرَّثُ الشُّفْعَةُ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ الشُّفْعَةُ لَا تُوَرَّثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ طَالِبًا لَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الشُّفْعَةُ تُوَرَّثُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يُوَرَّثُ عِنْدَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ وَمَنْ لَا يُوَرَّثُ عِنْدَهُ الْخِيَارُ فَقَدْ تُوَرَّثُ عِنْدَهُ الشُّفْعَةُ
وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ أَوْ هُمَا حَيَّانِ فَلْيَبْتَنِي أَصْلَ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ وَيَأْخُذُ يَعْنِي الْمُسْتَحِقَّ - حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ فَقَطْ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى لِلْمُسْتَحِقِّ شُفْعَةً وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَشْفَعُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ كَمَا لَوْ جَهِلَا الثَّمَنَ بِحَدَاثَةِ الْوَقْتِ سَوَاءً
وَكَانَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ عِنْدَ جَهْلِ الثَّمَنِ إِذَا طَالَ الزَّمَانُ وَنُسِيَ الْبَيْعُ وَيَرَوْنَهَا وَاجِبَةً فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ
وَقَوْلُهُ أَوْ لِمَا يَرَى أَنَّ البائع غيب ذكر الثمن واخفاء لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ فَحِينَئِذٍ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ فِي الشِّقْصِ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَا فِي (الْمُوَطَّأِ)
وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَذَكَرَ بن عبدوس عن بن الْمَاجِشُونِ قَالَ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي وَأَتَى الشَّفِيعُ يَطْلُبُ مِنْ وَرَثَتِهِ الشُّفْعَةَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ وَقَدْ جَهِلَ الثَّمَنَ حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَمْ تَكُنْ شُفْعَةً
стр. 3052
قَالَ وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَالَ لَا أَدْرِي بِكَمِ اشْتَرَيْتُ حَلَفَ وَشَفَعَ بِالْقِيمَةِ
قَالَ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ فَقَدْ مَضَتْ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ قَضِيَّةٌ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُشْتَرِي اطْلُبْ حَقَّكَ مِمَّنْ شِئْتَ أَوْ تَحْلِفُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الشِّقْصِ فَإِنْ قَالَ الشَّفِيعُ لَا أَقْبِضَهُ لَعَلَّ ثَمَنَهُ يَكُونُ كَثِيرًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ فَلَا بُدَّ - حِينَئِذٍ - أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يُسْجَنَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ في مال الميت فهي فِي مَالِ الْحَيِّ فَإِنْ خَشِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ أَنْ يَنْكَسِرَ مَالُ الْمَيِّتِ قَسَمُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شُفْعَةٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وِرَاثَةِ الشُّفْعَةِ وَفِي أَنَّ كُلَّ مَقْسُومٍ لَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الِاشْتِرَاكِ فِي الطَّرِيقِ
قَالَ مَالِكٌ وَلَا شُفْعَةَ عِنْدِنَا فِي عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَلَا فِي ثَوْبٍ وَلَا فِي بِئْرٍ لَيْسَ لَهَا بَيَاضٌ إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ وَتَقَعُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْأَرْضِ فَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَالْحُجَّةُ لَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
وَقَدْ شَذَّتْ طَائِفَةٌ فَأَوْجَبَتِ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرُوَتْ رِوَايَاتٍ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنِ بن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الشَّرِيكُ شَفِيعٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ بن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ في الارض والدار والدابة
فَقَالَ عَطَاءٌ إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ
وقال بن أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتَنِي - لَا أُمَّ لَكَ - أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويقول هذا
стр. 3053
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ غَيْرَ هَذَا فِيمَا عَلِمْتُ وَمَنْ قَالَ بِمَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِهِ
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَالْمُشْتَرِي مَالِكٌ لِمَا اشْتَرَى فَلَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ عَنْ يَدِهِ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَلَا إِجْمَاعَ فِي هَذَا بَلِ الْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ قُلْتُ لِأَيُّوبَ أَتَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يَجْعَلُ فِي الْحَيَوَانِ شُفْعَةً قَالَ لَا
قَالَ مَعْمَرٌ وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا جَعَلَ فِي الْحَيَوَانِ شفعة
قال واخبرنا بن سمعان عن بن شهاب عن بن الْمُسَيَّبِ قَالَ لَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ شُفْعَةٌ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي ذَلِكَ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْأَرْضِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا معمر عن بن شُبْرُمَةَ قَالَ فِي الْمَاءِ الشُّفْعَةُ
قَالَ مَعْمَرٌ وَلَمْ يُعْجِبْنِي مَا قَالَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَأَى قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الشُّفْعَةَ فِي الدَّيْنِ وَفِي الْمُكَاتَبِ يُبَاعُ مَا عَلَيْهِ فَقَالُوا الْمِدْيَانُ وَالْمُكَاتِبُ أَوْلَى بِذَلِكَ إِذَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي مَا أُرِيَ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ لَمْ أَرَ الْقُضَاةَ إِلَّا يَقْضُونَ فِيمَنِ اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فصاحب الدين اولى به
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي مُكَاتَبٍ اشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِعَرْضٍ فَجَعَلَ الْمَكَاتِبُ أَوْلَى بِنَفْسِهِ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى إِذَا أَدَّى مِثْلَ الَّذِي أَدَّى صَاحِبُهُ
قَالَ وَحَدَّثَنِي الْأَسْلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ الرَّجُلُ يَبِيعُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَحَقَّ بِهِ
стр. 3054
واختلف اصحاب مالك في ذلك
فقال بن الْقَاسِمِ لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ وَلَا يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهِ
وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَرْضِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرْضًا أَوْ بِمِثْلِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَ عَيْنًا كَالْمُكَاتَبِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ أَلَّا تَرَى أَنَّ التَّقْوِيمَ وَالِاسْتِهَامَ يَجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَأَنَّ الْعِتْقَ بِيَدِ أَعْلَى سَائِرِ الْوَصَايَا
قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ الْبَائِعَ مِمَّنْ دَخَلَ مَدْخَلَهُ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ بَاعَ شَرِيكٌ وَدَخَلَ شَرِيكٌ قِيلَ لَهُ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ إِنْ رَأَى الشَّرِيكُ مَا يَضُرُّهُ دَعَا شَرِيكَهُ إِلَى الْبَيْعِ مَعَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ وَأَنَّ التِّجَارَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ فَلَا يَخُصُّ مِنْهَا فِي الْأَصْلِ شَيْءٌ إِلَّا بِمِثْلِهِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا
وَحَدِيثُ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ حَدِيثٌ مُتَّفِقٌ عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَسَائِرِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ
وَلَيْسَ فِي الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ فَالْوَاجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْيَقِينِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِنَاسٍ حُضُورٍ فَلْيَرْفَعْهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقُّوا وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّلْطَانُ فَإِنْ تَرَكَهُمْ فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ عَلِمُوا بِاشْتِرَائِهِ فَتَرَكُوا ذَلِكَ حَتَّى طَالَ زمانه ثم جاؤوا يَطْلُبُونَ شُفْعَتَهُمْ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلٌ مُجْمَلٌ إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْأَمَدِ لِطَالِبِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَضُرَّهُ قُعُودُهُ عَنِ الطَّلَبِ إِذَا قَامَ فِيمَا لَمْ يَطُلْ مِنَ الزَّمَانِ فَإِنْ طَالَ فَلَا قِيَامَ لَهُ وَلَمْ يَحِدَّ فِي الطُّولِ حَدًّا وَلَا وَقَّتَ فِي (مُوَطَّئِهِ) وَقْتًا
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي ذلك واصحابه
فروى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ السَّنَةُ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرِ وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى السَّنَةُ وَنَحْوُهَا
стр. 3055
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنِ الثِّقَاتِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قال للحاضر تنقطع بمرور السنة
وروى بن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأَعْوَامِ لَيْسَتْ بِكَثِيرٍ وَلَا يَقْطَعُ الشُّفْعَةَ إِلَّا الطُّولُ
وَذَكَرَ بن حبيب عن مطرف وبن الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمَا اسْتَنْكَرَا أَنْ يَحِدَّ مَالِكٌ فِي الشُّفْعَةِ سَنَةً
وَقَالُوا رُبَّمَا سَمِعْنَا مَالِكًا يُسْأَلُ عَنِ الْحَاضِرِ يَقُومُ عَلَى شُفْعَتِهِ بَعْدَ الْخَمْسِ سِنِينَ وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا أَرَى فِي ذَلِكَ طُولًا مَا لَمْ يُحْدِثِ الْمُبْتَاعُ بُنْيَانًا أَوْ هَدْمًا أَوْ تَغْيِيرًا بِبِنَاءٍ وَالشَّفِيعُ حَاضِرٌ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُمْ فِي شُفْعَتِهِ فِي الْحِينِ أَوْ يُحْدِثَانِ ذَلِكَ فَلَا قِيَامَ لَهُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْطَعُ شُفْعَتَهُ
وَقَدْ تَقَصَّيْتُ اخْتِلَافَهُمْ فِي اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُوقِفِ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنْ وَقَفَهُ لِيَأْخُذَ أَوْ لِيَتْرُكَ فَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ بَعْدُ وَإِنْ أَخَذَ أُجِّلَ بِالْمَالِ ثَلَاثَةَ ايام
وقال بن الْمَاجِشُونِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا
وَقَالَ أَصْبَغُ يُؤْخَذُ بِالْمَالِ عَلَى قَدْرِ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ وَعَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَيَقْضِي ذَلِكَ شَهْرٌ ثُمَّ لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ فَإِنْ فَضَلَتْ مَكَانَهُ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الطَّلَبُ فَلَمْ يَطْلُبْ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ وَإِنْ عَلَا فَأَخَذَ الطَّلَبَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ نَافِعٌ فَلَا قِيَامَ لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَعَلِمَ بِذَلِكَ الشَّفِيعُ فَإِنْ أَشْهَدَ مَكَانَهُ أَنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِلَّا بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ وَسَوَاءٌ أَحْضَرَ عِنْدَ ذَلِكَ مَالًا أَوْ ثَمَنَ الْبَيْعِ أَوْ لَمْ يُحْضِرْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ بِمَحْضَرٍ مَطْلُوبٍ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بِحَضْرَةِ الْمَبِيعِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِإِشْهَادِ الْحَاضِرِ عَلَى الطَّلَبِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ طُلَّابُهُ وَطَلَبُهُ بِذَلِكَ وَأَمَّا إِذَا تَرَاخَى بِذَلِكَ وَطَالَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِلطَّلَبِ بِهِ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَتَسْخِيرِهَا وَوَطْءِ الْجَارِيَةِ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ عِنْدِي مُعْتَبَرٌ فِي الْغَائِبِ الَّذِي يَبْلُغُهُ خَبَرُ شُفْعَتِهِ
стр. 3056
فَيُشْهِدُ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلطَّلَبِ إِذَا قَدِمَ وَبَلَغَ مَوْضِعَ الطَّلَبِ يَنْفَعُهُ إِشْهَادُهُ وَلَا يَضُرُّهُ علمه بماله مِنَ الشُّفْعَةِ لِمَوْضِعِ غَيْبَتِهِ
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْغَائِبِ إِشْهَادًا وَلَا يَمِينًا فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إِذَا عَلِمَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ كَانَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِهَا احْتِبَاسُ الْمَشْفُوعِ فِيهِ حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ لِلشَّفِيعِ حَتَّى يَحْضُرَهُ مِثْلَ الْجُزْءِ الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ بِهِ الشُّفْعَةُ
وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ فِيمَنْ وَجَبَتْ لَهُ شُفْعَةٌ فَبَاعَ الشِّقْصَ الذي من اجله بدفع قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ
فَذَكَرَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَهُ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَمَرَّةً قَالَ تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ وَمَرَّةً قَالَ لَا تَجِبْ
وَاخْتَارَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ
قَالَ إِنَّمَا لَوْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ بَاعَ حِصَّتَهُ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شُفْعَتَهُ
وَرَوَى عِيسَى عن بن الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بَيْعَهُ بِحِصَّتِهِ فِي الدَّارِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ قِيَامُهُ فِي أَمَدِهَا
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يحيى عن بن الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ فَإِنْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الثَّانِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِهَا الْقَاضِي قَبْلَ بَيْعِهِ بِحِصَّتِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ لَهُ شُفْعَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إِلَّا بِالشَّرِكَةِ وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ بَعْدَ بَيْعِ حِصَّتِهِ شُفْعَةٌ فَأَيُّ شُفْعَةٍ تَجِبُ لَهُ وَالشُّفْعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمُبْتَاعِ بِالطَّلَبِ وَأَدَاءِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ أَصْلَ وُجُوبِهَا الْبَيْعُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 3057
(٣٦ كتاب الاقضية)
(١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ)
١٣٨٤ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ (١) بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا عَلَى هِشَامٍ وَقَدْ رَوَاهُ (عَنْ) هِشَامٍ الثوري وبن عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَاهُ أَيْضًا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا - أَمِّ سَلَمَةَ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
وَقَدْ رُوِيَ (مِنْ حَدِيثِ) أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ
أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ وَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَعْرِفُونَ بِهَذَا فَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ دَعْوَى ذَلِكَ وَهَلْ يَحْصُلُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَ مُدَّعِيهِ إِلَّا التَّخَرُّصُ وَالتَّظَنُّنُ بِالنَّجَامَةِ أَوْ بِالتَّكَهُّنِ الَّذِي هُوَ (كُلُّهُ) إِلَّا يَسِيرٌ مِنْهُ ظَنٌّ كَذِبٌ لِأَنَّ الظَّنَّ اكذب الحديث
стр. 3058
وَأَمَّا عِلْمٌ صَحِيحٌ مُتَيَقِّنٌ مُتَبَيَّنٌ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) يَعْنِي أَفْطَنَ لَهَا وَأَجْدَلَ بِهَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ اللَّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْفِطْنَةُ وَاللَّحْنُ بِجَزْمِ الْحَاءِ الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ
وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إِنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ أَوْ بَيِّنَاتٍ عَلَى حَسَبِ مَا أَمْكَنَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ
وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِكُلِّ مَا يُقِرُّ بِهِ عِنْدَهُ (الْمُقِرُّ) لِمَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ (فَأَقْضِيَ (لَهُ بِمَعْنَى أَقْضِي) عَلَيْهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ يُرِيدُ أَوْ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ مِمَّا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ
وَلَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِمَا قَدِ اسْتَوْعَبَ سَمَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ جَحَدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَهُ ذَلِكَ (شَهِيدَانِ وَجَبَ عَلَى (الْقَاضِي) الْحَاكِمِ (الْقَضَاءُ) بِمَا سَمِعَ حَضَرَهُ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ
هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ ﵀ أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ ما شهد به الشهود على ما شهدوا به ان ينفد عِلْمُهُ فِي ذَلِكَ دُونَ شَهَادَتِهِمْ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدٌّ وَإِبْطَالٌ (لِلْحُكْمِ بِالْهَوَى وَبِالظُّنُونِ أَيْضًا)
قَالَ اللَّهُ (يا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سبيل الله) الاية ص ٢٦
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي (بِعِلْمِهِ) لِقَوْلِهِ (فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ أَوْ مِنْ قِصَّتِهِ
قَالَ وَإِنَّمَا تُعُبِّدْنَا بِالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ (إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ) وَذَلِكَ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْمُقِرِّ فِي مجلس الحكم
стр. 3059
وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) ص ٢ إِنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ الْبَيِّنَاتُ أَوْ إِقْرَارُ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ
وَالْعِلَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ دُونَ الْعِلْمِ التُّهْمَةُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا قَضَى بِعِلْمِهِ كَانَ مُدَّعِيًا عِلْمَ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَاتِلٌ عَمْدًا (وَالْقَاتِلُ عَمْدًا) لَا يَرْثُ (مِنْهُ) شَيْئًا لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ فِي وِرَاثَتِهِ
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ثُمَّ قَالَ (إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا لَا فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعِدَ (الْمِنْبَرَ) فَخَطَبَ ثُمَّ قَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ
وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ (مِنْهُمْ) بِمَا عَلِمَ مِنْهُمْ وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ
وَهَذَا مُعْظَمُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ
وَأَمَّا مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ (وَسَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ مُسْتَيْقِنٌ قَاطِعٌ لِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا عَلِمَهُ عِلْمَ يَقِينٍ وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً وَوَاهِمَةً وَعِلْمُهُ بِالشَّيْءِ أَوْكَدُ لِأَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ فِي عِلْمِهِ الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ وَيُسْقِطَ الْعُدُولَ بِعِلْمِهِ فَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يُنْفِذُ عِلْمَهُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَلَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ وَيَرُدُّهَا بِعِلْمِهِ
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
стр. 3060
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ (وان نقوم بالحق حيث ما كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)
وَقَوْلُ اللَّهِ (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) النِّسَاءِ ١٣٥
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) وَلَمْ يُكَلِّفْهَا بَيِّنَةً لِأَنَّهُ عَلِمَ صِدْقَ قَوْلِهَا مِنْ قِبَلِ زَوْجِهَا وَحَالِهِ الَّتِي عَرَفَ مِنْهُ
وَقَالُوا إِنَّمَا يَقْضِي (بِمَا يَسْمَعُ) فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ عِلْمُهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ
وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَازَعَاتٌ أَكْثَرُهَا تَشْغِيبٌ
وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ ذَلِكَ
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِيمَا قَضَى بِهِ عِلْمُهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ (غَيْرِ وَاحِدٍ) عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ مُجَاهِدٍ جَمِيعًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ وَنَحْنُ غِلْمَانٌ فَإِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ الْمَخْزُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا أَبَا سُفْيَانَ (انْهَضْ بِنَا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَنَهَضُوا وَنَظَرَ عُمَرُ فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَانَ!) خُذْ هذا الحجر من هنا فضعه ها هنا فَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ (فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَقَالَ) وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَعَلَاهُ عَمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ خُذْهُ - لَا أُمَّ لَكَ - وضعه ها هنا فَإِنَّكَ قَدِيمُ الظُّلْمِ فَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ
стр. 3061
عُمَرُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غلبت علي أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ فَأَذْلَلْتَهُ لِي بِالْإِسْلَامِ قَالَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ
فَفِي هَذَا الْخَبَرِ قَضَاءُ عُمَرَ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ عَلِمَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ كَانَ أَوْ غَيْرِ مِصْرِهِ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ بِعِلْمِهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتُقْضِيَ أَوْ رَآهُ بِمِصْرِهِ قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ قاض لا يحتاج ان يضم إِلَيْهِ فِيمَا يَقْضِي بِهِ غَيْرُهُ
وَهَذَا الْقَوْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ اجْتِمَاعِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ
وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا فِيمَا (عَلِمَهُ) بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا فِيمَا رَآهُ بِمِصْرِهِ وَلَا بِغَيْرِ مِصْرِهِ
وَقَالَ (الشَّافِعِيُّ) وَأَبُو ثَوْرٍ حُقُوقُ النَّاسِ وَحُقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ (فِي ذَلِكَ) وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ (سَوَاءٌ) جَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِعِلْمِهِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِمَا عَلِمَهُ لَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا بَعْدَهَا وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ أَوِ الْإِقْرَارِ
وبه قال احمد (بن حنبل)
و (هو قَوْلُ) شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِيجَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ دُونَ إِعْمَالِ الظَّنِّ وَالِاسْتِحْسَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمَا وَمَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَفَاهُ صَاحِبُهُ وَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى (غَيْرِ) ذَلِكَ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَقَالَ ﷺ إِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الشَّبَهَ قَدْ يُنْتَزَعُ (عَنْهُ) وَقَدْ لَا يُنْتَزَعُ بَلْ أَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهَا وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الظَّنِّ وَلَا أَوْجَبَ بِالشُّبْهَةِ
стр. 3062
حُكْمًا وَلَا رَدَّ بِهِ قَضَاءً سَلَفَ مِنْهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ (الظَّاهِرُ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) فَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ بِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَدُّ (بِهِ) لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ (عَلَى) أَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ صَحِيحٌ كَمَا وَصَفْنَا لِقَوْلِ اللَّهِ (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الْبَقَرَةِ ١٨٨
وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدِهَا بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحَكَمُ (وَهُوَ خِلَافُ الْبَاطِنِ) فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْأَمْوَالُ وَالْفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَهِيَ حُقُوقٌ كُلُّهَا لَا يَحِلُّ مِنْهَا الْقَضَاءُ الظَّاهِرُ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي الْبَاطِنِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) وَلَمْ يَخُصَّ حَقًّا مِنْ حَقٍّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ
وَقَالُوا فِي رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَبِلَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ فَفَرَّقَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ ثُمَّ اعْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ إِنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَهَادَتِهِ كَاذِبًا
(وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ) لِأَنَّهَا لَمَّا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ سَوَاءً لان قضاء الْقَاضِيَ (وَحُكْمَهُ) فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهَا مِنْهُ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا حَلَّتْ لِزَوْجٍ غَيْرِهِ
(وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ) وَقَالُوا مَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنَّمَا وَصَلَتْ إِلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا بِاللِّعَانِ الْكَاذِبِ الَّذِي لَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهَا فِيهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَلَا حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهَا (الْجَلْدِ) أَوِ الرَّجْمِ
قَالُوا فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي مَعْنَى (قَوْلِ) النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ)
قَالُوا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ أَوِ بِالطَّلَاقِ وَقَضَى الْقَاضِي (عَلَيْهِ) بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَجَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ التسليم له
стр. 3063
وَكَانَتْ فُرْقَتُهُ بِالظَّاهِرِ فُرْقَةً عَامَّةً فَلَمَّا كَانَ ذلك كذلك دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يَطُولُ (ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ) أَكْثَرُهُ لَا يَصِحُّ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ
وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (وَجُمْهُورُ) فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ بِالزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إِذَا عَلِمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٣٨٥ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا ضَرَبَ عُمَرُ الْيَهُودِيَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ كَرِهَ مَدْحَهُ وَتَزْكِيَتَهُ لِحُكْمِهِ (فِي وَجْهِهِ)
وَأَمَّا جَوَابُ الْيَهُودِيِّ لَهُ بَعْدَ ضَرْبِهِ إِيَّاهُ فَقَوْلُهُ لَهُ وَمَا يُدْرِيكَ فَلَيْسَ عِنْدِي بِجَوَابٍ لِقَوْلِهِ وَمَا يُدْرِيكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَكِنَّ الْيَهُودِيَّ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ مَدْحَهُ لَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ فِي كُتُبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُعِينُ الْقَاضِيَ عَلَى الْحَقِّ وَيُسَدِّدُ لَهُ وَيُوَفِّقُهُ لِإِصَابَتِهِ إِذَا أَرَادَهُ وَقَصَدَهُ وَمِنْ عَوْنِهِ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمَلَكَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ لِتَسْدِيدِهِ وَهَذَا كُلُّهُ تَرْغِيبٌ وَنَدْبٌ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مَالِكٌ (الْبَابَ) والله الموفق للصواب
وروى بن عُيَيْنَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ فَرَأَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ فقال اليهودي (والله) ان الملكين جبريل ومكائيل لَيَتَكَلَّمَانِ بِلِسَانِكَ وَإِنَّهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ فَضَرَبَهُ عَمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ (لَهُ) لَا أُمَّ لَكَ! مَا يُدْرِيكَ قَالَ إِنَّهُمَا مَعَ كُلِّ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ
فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَبْعَدْتَ
стр. 3064
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ والكافر والذمي في الحكم بينهما والقضاء كالمسلمين سَوَاءٌ
وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ (إِلَّا مِنْ أَدَبٍ فَافْعَلْهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ وَأَنَّ الَّذِي يَرْضَى بِأَنْ يُمْدَحَ فِي وَجْهِهِ) ضَعِيفُ الرَّأْيِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَ رَجُلًا يَمْدَحُ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ (أَمَا إِنَّكَ لَوْ صَنَعْتَهُ لَقَطَعْتَ ظَهْرَهُ)
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (الْمَدْحُ فِي الْوَجْهِ هُوَ الذَّبْحُ)
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ)
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ
وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي الْمُوَاجَهَةِ وَفِيهِ تَرْكُ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ كِتَابِهِمْ (فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) لِئَلَّا يُصَدَّقَ بِبَاطِلٍ أَوْ يُكَذَّبَ بِحَقٍّ
قَالَ ﷺ (حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ)
وَقَدْ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا قَدْ (ذَكَرْتُهُ) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
حَدَّثَنِي سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ (بْنُ أَصْبَغَ) قَالَ حَدَّثَنِي بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ (بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيِّ عَنْ بِلَالِ بن أبي بردة بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ
стр. 3065
قال ابو عمر روى بن عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُورِثُ الضَّغَائِنَ بين الناس
وعن ايوب عن بن سِيرِينَ قَالَ لَمْ أَرَ شُرَيْحًا أَصْلَحَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ قَطُّ إِلَّا امْرَأَةً اسْتَوْدَعَهَا رَجُلٌ شَيْئًا ف نقلت مَتَاعَهَا فَضَاعَ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا
وَسُفْيَانُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِالْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ
سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مسروق قال لان اقضي يوما بحق أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ
سُفْيَانُ عَنْ ابي إسحاق عن الشَّعْبِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ (بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا جَاءَكَ امر في كتاب الله فاقضي بِهِ وَلَا يَلْفِتَنَّكَ عَنْهُ الرِّجَالُ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِيمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِيمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِيمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَامِرَنِي وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَكَ فَإِنِّي لَا أُسَلِّمُ لَكَ وَالسَّلَامُ (عَلَيْكَ)
وَرَوَى عِيسَى بن دينار ٤ عن بن الْقَاسِمِ (قَالَ) سُئِلَ مَالِكٌ أَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فَقَالَ لَا إِلَّا أَنْ (لَا) يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ قِيلَ لَهُ أَيُجْبَرُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ لَهُ فَالْفُتْيَا قَالَ لَا يَجُوزُ الْفُتْيَا إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ
قِيلَ لَهُ اخْتِلَافُ (أَهْلِ) الرَّأْيِ قَالَ لَا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وَيَعْلَمُ) النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ
وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ)
١٣٨٦ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ
стр. 3066
أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا)
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتُلِفَ عَلَى مَالِكٍ فِي أَبِي عَمْرَةَ هَذَا فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فيه يحيى بن يحيى وبن الْقَاسِمِ وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ (عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ) وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَمَعْنُ بْنُ عيسى ويحيى بن بكير (عن بن ابي عمرة)
(وكذلك قال بن وَهْبٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ وَسَمَّيَاهُ فَقَالَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) فَرَفَعَا الْإِشْكَالَ جَوَّدَا فِي ذَلِكَ وَأَصَابَا
وَبَعِيدٌ أَنْ يَرْوِيَ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ (مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْهُ فَغَيْرُ بَعِيدَةٍ وَلَا مَرْفُوعَةٍ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ
وَقَالَ بن وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّهُ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لِلرَّجُلِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَبْلُ فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان
قال بن وَهْبٍ وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ دُعِيَ لِشَهَادَةٍ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ بِهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا (لَا يَعَلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَلْيُؤَدِّهَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا) وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ شَهَادَةُ رَجُلٍ أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَفْسِيرُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَسَنٌ وَتَفْسِيرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِرٌّ وَخَيْرٌ وَقِيَامٌ بِحَقٍّ فَمَنْ بَدَرَ إِلَى ذَلِكَ فَلَهُ الْفَضْلُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْدُرْ بِهَا
قَالَ اللَّهُ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) الْمَائِدَةِ ٤٨
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَ صَاحِبُ الشَّهَادَةِ شَهَادَةَ فَضْلٍ مَعْلُومًا لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ وَلَا مَنْ هُوَ وَيَخَافُ ذَهَابَ حَقِّهِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ بِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً عِنْدَهُ فَرَّجَ كَرْبَهُ وَأَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ
стр. 3067
اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا)
وَهَذَا لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَدْ فَسَّرَ (إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ كلاما معناه ان الشهادة ها هنا الْيَمِينُ أَيْ يَحْلِفُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَيَحْلِفُ حَيْثُ لَا تُرَادُ مِنْهُ يَمِينٌ
وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (ذِكْرُهُ) (اربع شهادات بالله) النور ٦و٨ أَيْ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ
١٣٨٧ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ لَقَدْ جِئْتُكَ لَأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ فَقَالَ عُمَرُ مَا هُوَ قَالَ شهادات الزور ظهرت بارضنا فقال عمر او قد كَانَ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا شَاهِدُ الزُّورِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ
مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُرَاتٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دثار عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (شَاهِدُ الزُّورِ لَا (تَزُولُ) قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
стр. 3068
وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ وَقَرَأَ (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) الْحَجِّ ٣٠
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ
١٣٨٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ
قَالَ ابو عمر حديث ربيعة هذا عَنْ عُمَرَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ قَبِلُوا الْمُرْسَلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْعُدُولِ
وَقَدْ وَجَدْنَا خَبَرَ رَبِيعَةَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ (الْمَسْعُودِيِّ) عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ يَشْهَدُ الزُّورَ
وَمَعْنَى يُؤْسَرُ أَيْ يُحْبَسُ لِنُفُوذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ
فَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ (وَالْبَصْرِيِّينَ)
وَالْمَسْعُودِيُّ هَذَا هُوَ مِنْ ثِقَاتِ مُحَدِّثِي الْكُوفَةِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يقولون انه كان اعلم الناس بعلم بن مَسْعُودٍ وَاخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ جِلَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْهُمُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَوَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَخُوهُ أَبُو الْعُمَيْسِ وَاسْمُهُ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (ثِقَةٌ) أَيْضًا
وَحَدِيثُ رَبِيعَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَمَذْهَبِهِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ عُمَّالِهِ (وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَأْتِي إِلَّا عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نُخْرِجُهُ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُ) (الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَيْنَهُمْ) أَوْ قَالَ (عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا خَصْمًا أَوْ ظَنِينًا)
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فَيَقْبَلُ شَهَادَةَ كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِ دِينِهِ وَيَقُولُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَكَ فَتَخْرُجُ إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَإِنِّي قَدْ قَبِلْتُهُمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْكَ
стр. 3069
وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عُمَرَ مَشْهُورٌ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنِي فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ اعْلَمُوا أَنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ إِذَا اخْتَصَمَ إِلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ حَتَّى لَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي جَوْرِكَ وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا خَصْمًا أَوْ ظَنِينًا مُتَّهَمًا وَلَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ غَدًا أَنْ تَعُودَ إِلَى الْحَقِّ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ شَانَهُ اللَّهُ وَلَا يَضِيعُ عَامِلُ اللَّهِ فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَجَزَاءِ رَحْمَتِهِ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ حَدَّثَنِي الخشني قال حدثني بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَافْهَمْ إِذَا أُولِيَ اليك فانه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ لَهُ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَعَدْلِكَ حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ثُمَّ انْظُرْ أَشْبَهَهَا بِالْحَقِّ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ تعالى فاعمل به ولا يمنعنك قَضَاءٌ قَضَيْتَ بِهِ الْيَوْمَ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ وَإِنَّ مُرَاجَعَةَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ اجْعَلْ لِمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ إِلَى ذَلِكَ أَخَذْتَ لَهُ حَقَّهُ وَإِلَّا أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ لِلْعُذْرِ وَأَجْلَى لِلْعَمَى
الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالنَّاسُ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ وَدَفَعَ عَلَيْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِيَّاكَ
стр. 3070
وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّيَ بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ الَّتِي يَرَى اللَّهُ فِيهَا الْأَجْرَ وَيَحْسُنُ فِيهَا الذِّكْرُ فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ غَيْرَهُ شَانَهُ اللَّهُ فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ والسلام عليك وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَهَذَا الْخَبَرُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ وُجُوهٍ (كَثِيرَةٍ) مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَذْهَبُ نَحْوَ مَذْهَبِ الْحَسَنِ
قَالَ اللَّيْثُ أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يُلْتَمَسُ مِنَ (الشَّاهِدِ) تَزْكِيَةٌ إِنَّمَا كَانَ الْوَالِي يَقُولُ لِلْخَصْمِ إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مَنْ تَجْرَحُ شَهَادَتَهُمْ (فَأْتِ بِهِمْ وَإِلَّا أَجَزْنَا شَهَادَتَهُمْ) عَلَيْكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطَّلَاقِ ٢ وَقَوْلِهِ (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الْبَقَرَةِ ٢٨٢ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ إِلَّا الْعَدْلُ الرَّضِيُّ وَأَنَّ مَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ حَتَّى تُعْلَمَ الصِّفَةُ (الْمُشْتَرَطَةُ)
وَقَدِ اتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَكَذَلِكَ كَلُّ شَهَادَةٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي (الْمَسْأَلَةِ عَنِ) الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمُ الْقَاضِي
فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَقْضِي (الْقَاضِي) بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ فَإِذَا عُدِّلُوا سَأَلَ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ عَلَانِيَةً لِيَعْلَمَ الْمُعَدَّلَ سِرًّا أَحَقٌّ ذَاكَ أَمْ لَا لانه وَافَقَ اسْمٌ اسْمًا وَنَسَبٌ نَسَبًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْأَلُ عَنِ الشُّهُودِ (فِي السِّرِّ) إِلَّا أَنْ يَطْعَنَ فِيهِمُ الْخَصْمُ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَيُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ عَلَيْهِمُ الْخَصْمُ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بن عاصم عن بن شُبْرُمَةَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ فِي السِّرِّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقَوْمِ إِذَا قِيلَ لَهُ هَاتِ مَنْ يُزَكِّيكَ فَيَسْتَحِي الْقَوْمُ مِنْهُ فَيُزَكُّونَهُ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي السِّرِّ فَإِذَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ قُلْتُ هَاتِ مَنْ يُزَكِّيكَ فِي العلانية
стр. 3071
(٣ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ)
١٣٨٩ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَالُوا نَعَمْ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ
مَالِكٌ انه سمع بن شِهَابٍ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النُّورِ ٤ ٥
قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
قَالَ أَبُو عمر ذهب بن وَهْبٍ فِي (مُوَطَّئِهِ) إِلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَا ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ ابيه عن سليمان بن يسار وبن قُسَيْطٍ مِثْلَهُ فِي شَهَادَةِ الْمُفْتَرِي فَدَلَّ مَا ذكره بن وَهْبٍ عَلَى أَنَّ مَالِكًا أَخَذَهُ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ أَنَّهُ مِنْ كُتُبِ أَبِيهِ بُكَيْرٍ وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَسْتَعِيرُهَا مِنْهُ كَثِيرًا وَيَقُولُ كَانَ بُكَيْرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الناس
قال بن وهب واخبرني مالك والليث ويونس عن بن شِهَابٍ بِمِثْلِهِ - يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُ
قال وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وربيعة عن المحدود اذا تاب اتجوز شهاداته فَقَالَا إِذَا تَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ
قَالَ وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ تَوْبَةَ بْنِ نَمِرٍ الْحَضْرَمِيِّ الْقَاضِي بِمِصْرَ كَانَ يَرُدُّ شَهَادَةَ الْقَذِفِ وَإِنْ تَابَ
قَالَ اللَّيْثُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وبن شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ فَكُلُّهُمْ رَأَى أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الْحُدُودِ كُلِّهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ
قَالَ اللَّيْثُ وهو احب الي
قال بن وهب وحدثني خالد بن يزيد عن بن قُسَيْطٍ أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزَّانِي
стр. 3072
وَالسَّارِقِ جَائِزَةٌ وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ إِذَا راي مِنْهُمَا إِقْبَالٌ عَلَى الْخَيْرِ وَتَوْبَةٌ حَسَنَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ - تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ فِي ان القاذف اذا تاب قبلت شهاته
قال ابو عمر قول مالك ها هنا فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ أَنَّهَا تُقْبَلُ إِذَا تَابَ - مَعْنَاهُ عِنْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ - قَذْفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - وَتُقْبَلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا كان عدلا وحسنت حالته
هذه رواية بن القاسم وغيره عنه
وهو قول بن الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَسَحْنُونٍ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ
وروى عنه بن نَافِعٍ أَنَّهُ إِذَا حَسُنَتْ حَالَتُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ في كل شيء
وبه قال بن نافع وبن كنانة
وذكره بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ
وَبِهِ يَقُولُ سَائِرُ ائمة الفتيا ان الحدود إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ مَا شَهِدَ بِهِ
وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْقَاذِفَ إِذَا تاب واصلح قبلت شهادته بن عباس وعطاء
ورواية عن بن جبير ذكرها بن الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ قَالَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ
وَرِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إسماعيل بن علية عن بن أَبِي نَجِيحٍ فِي الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
وَقَالَ كُلُّنَا نَقُولُهُ قُلْتُ مَنْ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ
وَرِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ رَوَاهَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْقَاذِفِ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ يَقْضِي وَيَكْتُبُ إِلَى الْبُلْدَانِ
وَقَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَسْرُوقٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ
стр. 3073
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي تَوْبَةِ الْقَاذِفِ إِذَا حُدَّ مَا هِيَ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا تَابَ وَأَصْلَحَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَكَذَّبَ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يُكَذِّبْ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ بِلِسَانِهِ كَمَا كَانَ الْقَذْفُ بِلِسَانِهِ
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ كَانَ كُفْرُهُ بِلِسَانِهِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ حَتَّى يَنْطِقَ بِهَا بِلِسَانِهِ
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ إِنَّمَا تَفْتَرِقُ تَوْبَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَتَوْبَةُ غَيْرِهِ مِنَ الْمَحْدُودِينَ أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ لَا تَكُونُ حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَإِكْذَابُهُ كَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ وَأَصْلَحَ فِي حَالِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَيْسَ سَائِرُ الْمَحْدُودِينَ كَذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ (سَوَاءٌ)
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ) فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ
وَرَوَى (سُفْيَانُ) بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ (سَعِيدِ) بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ إِنْ تُبْتَ قُبِلَتْ شَهَادَتُكَ فَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ
وَرَوَى (مُحَمَّدُ) بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ (سَعِيدِ) بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ (بْنَ الْخَطَّابِ) جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَنَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ
فَأَمَّا هَذَانَ فَتَابَا وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا وَاسْتَتَابَ أَبَا بَكْرَةَ فَأَبَى وَأَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ وَكَانَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَنَكَلَ زِيَادٌ فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ وَقَالَ لَهُمْ تُوبُوا تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ فَتَابَ رَجُلَانِ وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى مَاتَ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ فِي حَدِيثِهِ وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنَ الْعِبَادَةِ
وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ أَخَا زِيَادٍ لِأُمِّهِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ حَلَفَ أَبُو بَكْرَةَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَ
قَالَ الزُّهْرِيُّ تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ
ذَكَرَ الْخَبَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (وَعَنْ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
стр. 3074
وروى بن وهب عن يونس بن يزيد عن بن شِهَابٍ قَالَ وَقَدْ أَجَازَ عُمَرُ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ وَأَبْطَلَ شَهَادَةَ مَنْ لَمْ يَتُبْ
وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إِذَا جُلِدَ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ طاوس وعطاء و (سعيد) بن المسيب والشعبي و (بن شِهَابٍ) الزُّهْرِيُّ
قَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ
وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ
(وَبِهِ قَالَ) أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَقَالَ (سُفْيَانُ) الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ أَبَدًا تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النُّورِ ٤
وَقَالُوا تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ
وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ فِي قَوْلِهِ (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) آلِ عِمْرَانَ ٨٩ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آلِ عِمْرَانَ ٨٩ لَا إِلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ
وَمِمَّنْ قَالَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ الْمَجْلُودِ أَبَدًا شُرَيْحٌ الْقَاضِي
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ وَبِهِ قَالَ (إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَمَكْحُولٌ
وَرِوَايَةٌ عَنْ سَعِيدِ (بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُمَا
وَمَا تَقَدَّمَ) عَنْ سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَثْبَتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ أَبَدًا وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ
وَرِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ رَوَاهَا يعلى بن حكيم (عنه)
ورواية عن (بن شهاب) الزهري رواها بن وهب عن يونس (عن بن شِهَابٍ) قَالَ إِذَا جُلِدَ قَاذِفُ الْحُرِّ أَوِ الْحُرَّةِ لَمْ تُقْبَلْ (لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يَمُوتَ
وقد يحتمل قول بن شِهَابٍ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا) حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لَا يَنْفَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ لِأَنَّ الثِّقَاتَ قَدْ نَصُّوا عَنْهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَقَدْ
стр. 3075
رُوِيَ فِي حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَحْدُودٍ وَلَا مَحْدُودَةٍ فِي الْإِسْلَامِ)
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ
وَذَكَرَ أَبُو يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ عن الاوزاعي وبن جَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ الْحُرُّ إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ فِي الْفِرْيَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَالْعَبْدُ إِذَا جُلِدَ حَدًّا فِي فِرْيَةٍ عَلَى حَرٍّ أَوْ حُرَّةٍ لَمْ تَقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) النُّورِ ٤
قَالَ فَأَمَّا الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ إِذَا جُلِدَا حَدَّ الْفِرْيَةِ عَلَى الْحَرِّ الْمُسْلِمِ ثُمَّ أَسْلَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا
وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الْقَذْفِ إِذَا شَهِدَ قَبْلَ ان يجلد
فروى بن وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ما لم يجلد
وبه قال بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
قَالَ أَبُو عمر لانه عَلَى أَصْلِ عَدَالَتِهِ وَرُبَّمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِمَا قَالَ أَوِ اعْتَرَفَ لَهُ مَقْذُوفُهُ وَهُوَ حَقٌّ لَا يَجِبُ إِلَّا حِينَ يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ فَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ شَهَادَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَذِفِ قَبْلَ الْجَلْدِ وَلَا بَعْدَهُ إِذَا قَذَفَ حرا مسلما الا ان يتوب
قال بن وَهْبٍ سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَسْأَلُ عَنِ الْقَاذِفِ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَالَ إِذَا قَذَفَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ حَتَّى يَتُوبَ (ضُرِبَ) الْحَدَّ أَوْ عفي عنه ذلك سواء
قال بن وَهْبٍ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فَقَالَ شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يُضْرَبِ الْحَدَّ فَإِنَّ ضُرِبَ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ تَوْبَةً ظَاهِرَةً
قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ شَرٌّ مِنْهُ بَعْدُ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي شَرِّ حَالَتَيْهِ وَتُرَدُّ فِي (أَحْسَنِ حَالَتَيْهِ
стр. 3076
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ فَاسِقِينَ بِرَمْيِهِمْ لَهُنَّ لَا بِجِلْدِهِمْ والمحصنون في حكم المحصنات باجماع (وكذلك) وكل مُؤْمِنٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَفَافِ حَتَّى يَصِحَّ غَيْرُهُ وَقَذْفُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَبَائِرِ فَمَنْ قَذَفَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى تَصِحَّ بَرَاءَتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٤ - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ)
١٣٨٩ - م - مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ (الرُّوَاةِ)
وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُسْنَدًا جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ مِنْهُمْ (عُبَيْدُ اللَّهِ) بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ (بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَدَّادٍ الْمَدَنِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ كُلُّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَرَوَاهُ (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مرسلا كما رواه مالك
ورواه بن عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ - مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ - يَقُولُ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ دِينَارٍ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مُرْسَلًا
وَفِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (آثَارٌ) مَرْفُوعَةٌ حِسَانٌ أَصَحُّهَا حديث بن عَبَّاسٍ رُوَاةُ كُلِّهَا ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ رَوَاهُ سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ المكي عن عمرو بن دينار عن بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثَبْتٌ مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ
стр. 3077
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ إِسْنَادُ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ وَقَيْسٌ ثِقَةٌ
وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَكْثَرُ طُرُقًا وَأَصَحُّ نَقْلًا وَحَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهْمٌ مِنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَكْثَرُ تَوَاتُرًا
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ سُرَّقٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
وَكُلُّهَا لَهَا طُرُقٌ مُتَوَاتِرَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي (التَّمْهِيدِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَضَوْا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْهُمُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ وَأَبُو سَلَمَةَ وَسَالِمٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ
وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ
لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَلَهُ احْتَجَّ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَلَمْ يَحْتَجَّ فِيهِ بِمَسْأَلَةٍ غَيْرِهَا كَاحْتِجَاجِهِ لَهَا وَلَا يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيِّينَ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى تَرَكَهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّيْثَ يُفْتِي بِهِ وَلَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَقُولُ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ ويحملون عليه
стр. 3078
قَالَ وَلَا يَقْضِي بِالْعُهْدَةِ فِي الرَّقِيقِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ أَوْ بَيْنَ قَوْمٍ يَشْتَرِطُونَهَا بَيْنَهُمْ فِي سائر الافاق
وروى ابو ثابت عن بن نَافِعٍ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ أَتُرَى أَنْ يَحْمِلَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِكُلِّ الْبِلَادِ قَالَ نَعَمْ
وَقَالَ بن الْقَاسِمِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدِينَ عَلَى الْغَرِيمِ وَأَقَامَ آخِرُ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَيَمِينًا فَهُمَا سَوَاءٌ فِي أُسْوَةِ الْغُرَمَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ يُفْتُونَ وَيَقْضُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ
رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ أَنْ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ
قَالَ حَمَّادٌ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ شَهِدْتُ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ قَضَى بِذَلِكَ
وَرَوَى هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرْنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ مِثْلَهُ
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْأَشْعَثِ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ خَالِدٍ أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أَجَازَ شَهَادَةَ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ وَحْدَهُ - يَعْنِي - مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ!
وَرَوَى هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرْنَا الْمُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ شهادة الشاهدة وَيَمِينُ الطَّالِبِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ ذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَعَطَاءٍ
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا وَلِيَ الْقَضَاءَ قَضَى بِهِ وَالْأَشْهَرُ (عَنْهُ) رَدُّهُ
قَالَ مَعْمَرٌ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ (عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ) فَقَالَ هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ
هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ
وَقَدْ حَدَّثَنِي خَلَفُ (بْنُ قَاسِمٍ
стр. 3079
قال حدثني (بن) الْمُفَسِّرِ - أَبُو أَحْمَدَ - بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ (يُوسُفَ) عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَدْرَكْتُ الْعُلَمَاءَ وَهُمْ (لَا) يُجِيزُونَ (إِلَّا) شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ ثُمَّ أَخَذَتِ النَّاسُ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (وَيَمِينَ صَاحِبِ الْحَقِّ
قَالَ مَعْمَرٌ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينٍ)
وَقَالَ عَطَاءٌ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَفْسَخُ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا جَهْلٌ وَعِنَادٌ وَكَيْفَ يَكُونُ خِلَافَ الْقُرْآنِ وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ
كَنَحْوِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا مَعَ قَوْلَهُ (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) النِّسَاءِ ٢٤
مَثَلُ ذَلِكَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ غَسْلِهِمَا
وَكَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الْآيَةَ الْأَنْعَامِ ١٤٥
وَكَذَلِكَ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الْبَقَرَةِ ٢٨٢
بَلْ هَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الْبَقَرَةِ ٢٨٢
لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالشَّهِيدِينَ وَبِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ (اللَّهِ وَشَرِيعَةِ دِينِهِ (فِي كِتَابِهِ) وَعَلَى سَنَةِ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَضَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ
وَالَّذِينَ يَرْفَعُونَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ يَقْضُونَ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ الْيَمِينِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ وَيَقْضُونَ مَعَاقِدَ الْقِمْطِ وَأَنْصَافَ اللَّبَنِ وَالْجَزُوعِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْحِيطَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ
فَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِهِ وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ
وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ قَالُوا (الْيَمِينُ) إِنَّمَا جُعِلَتْ لِلنَّفْيِ لَا لِلْإِثْبَاتِ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُدَّعِي
стр. 3080
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي مِنْهُ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِهِ (عَلِمْنَا) أَنَّهُ قَضَى باليمين مع الشاهد وفيه الاسوة الحسنة
١٣٩٠ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ أَنِ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
١٣٩١ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سُئِلَا هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَالَا نَعَمْ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الْبَقَرَةِ ٢٨٢ فَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ مَعَ شَاهِدِهِ
قَالَ مَالِكٌ فَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ (لَهُ) أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ إِنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ)
فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ (النَّاسِ) وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَى آخِرِ الْبَابِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) مَا يَقْضِي عَلَى أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِهَذَا بَلِ الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَذَا وَبِكُلِّ مَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَكَانَ زِيَادَةَ بَيَانٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ) فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ بِاخْتِلَافِ مَنْ قَضَى قَبْلَهُ مَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَظُنَّ احد به جَهِلَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ دُونَ رَدِّ يَمِينٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ قَالَ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي وَكَانَ أَحْرَى ان
стр. 3081
يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مُدَّيْنِ تُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَانَ قَوْلًا صَحِيحًا لِأَنَّ مَنْ قَالَ يُجْزِئُ الْمُدُّ كَانَ أَحْرَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ الْمُدَّانِ
هَذَا مَا أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يُدْعَ الْمَطْلُوبُ إِلَى يَمِينٍ وَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْلِفَ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى النَّاكِلِ عَنِ الْيَمِينِ بِحَقِّ الطَّالِبِ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ فَقُلْتُ لَهُ احْلِفْ ثُمَّ بَدَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ أَنَا أَحْلِفُ لَمْ أَجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ لِأَنِّي قَدْ أَبْطَلْتُ أَنْ يَحْلِفَ وَجَعَلْتُ الْيَمِينَ قَبْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ رَأَى رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَدَّ فِيهَا الْيَمِينَ عَلَى الْيَهُودِ إِذْ أَبَى الْأَنْصَارُ مِنْهَا وَلَيْسَ بِالْأَمْوَالِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الدِّمَاءِ
وَهُوَ قَوْلُ الْحِجَازِيِّينَ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِأَنَّ مَنْ لَا يُوجِبُ رَدَّ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُ الْحُكْمَ بِهَا مَعَ النُّكُولِ
وقال بن أَبِي لَيْلَى إِذَا (نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ رَدَدْتُهَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُتَّهَمُ فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ لَمْ أَرُدَّهَا عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا بِغَيْرِ تُهْمَةٍ
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر اذا نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فِي عَيْبِ الْغُلَامِ لِلَّذِي بَاعَهُ قَضَى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِالنُّكُولِ وَقَضَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لان بن عُمَرَ يَحْتَمِلُ فِعْلُهُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْيَمِينَ لَقَدْ بَاعَ الْغُلَامَ وَمَا بِهِ أَذًى يَعْلَمُهُ كَرِهَ الْيَمِينَ فَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدُ فَكَأَنَّهُ أَقَالَهُ فِيهِ كَرَاهِيَةً لِلْيَمِينِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِالْحُكْمِ بِالنُّكُولِ
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الكوفيين في ذلك بحديث بن ابي مليكة عن بن
стр. 3082
عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَاوَبَهُ فِي الْمَرْأَتَيْنِ ادَّعَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا أَصَابَتْ يَدَهَا بِإِشْفَى وَأَنْكَرَتْ فكتب إليه بن عباس ان ادْعُهَا وَاقْرَأْ عَلَيْهَا (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) الْآيَةَ آلِ عِمْرَانَ ٧٧ فَإِنْ حَلَفَتْ فَخَلِّ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ فَضَمِّنْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الِاسْتِدْلَالُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ أَوْلَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ
ومن حجتهم ايضا ان النبي جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِ الْبَيِّنَةِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا إِلَى نَقْلِ الْيَمِينِ إِلَى الْمُدَّعِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الذي سن رد اليمين على الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ
وَاسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلٍ لَمْ يُتَابَعْ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَهُوَ أَصْلُهُمْ جَمِيعًا فِي الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ
قَالَ مَالِكٌ مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شاهده ويستحق حقه فان نكل وابى يَحْلِفَ أُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ فَإِنَّ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ وَلَا فِي نِكَاحٍ وَلَا فِي طَلَاقٍ وَلَا فِي عَتَاقَةٍ وَلَا فِي سَرِقَةٍ وَلَا فِي فِرْيَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَهِيَ رواية حديث بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَ عَمْرٌو وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ
وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ مَا عَدَاهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀
أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الطَّحَاوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قاسم بن اصبغ قال حدثني بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ
стр. 3083
قَالَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سعد عن عمرو بن دينار عن بن عباس ان رسول الله قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
قَالَ عَمْرٌو فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً
وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عمرو بن الْخَالِقِ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَرِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَا حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بن دينار عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
قَالَ عَمْرٌو بن دينار في الاموال خاصة
قال البزاز سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَتَانِ وَمَنْ بَعْدَهُمَا يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمَا لِشُهْرَتِهِمَا فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ كَثِيرًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ جَمَاعَةٌ
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالْحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عمرو بن دينار عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَأَى مَالِكٌ ﵀ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْيَمِينَ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ قَضَى بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْلِفُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ لَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الرَّجُلُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ (كَمَا) جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ (وَفِي مَعْنَى السُّنَّةِ أَنْ تَحْلِفَ الْمَرْأَةُ مَعَ شَاهِدِهَا كَمَا يَحْلِفُ الرَّجُلُ فَلَوْ أَخَذْنَا شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ يَمِينِهِمَا كَمَا قَدْ قَضَيْنَا بِخِلَافِ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يُجِيزَ أَرْبَعًا مِنَ النِّسَاءِ فِي الْأَمْوَالِ) فَأَتَى فِي هَذَا بِكَلَامٍ كَثِيرٍ حَسَنٍ كُلِّهِ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ عَنْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُتَنَقِّلَةِ من ملك مالك إلى ملك مالك
стр. 3084
قَضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عِنْدَهُمْ فِي طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ عَلَى مَا وَصَفْنَا
وَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَهُوَ أَحْرَى بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مُوجِبُونَ الْيَمِينَ وَرَدَّهَا فِي كُلِّ دَعْوَى مَالٍ وَغَيْرِ مَالٍ طَلَاقًا كَانَ أَوْ عِتْقًا أَوْ نِكَاحًا أَوْ دَمًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ مُدَّعِي الدَّمِ دَلَالَةٌ كَدَلَالَةِ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَيَدَّعِي حِينَئِذٍ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ وَتَكُونُ قَسَامَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَلَالَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا يَحْلِفُ فِيمَا سِوَى الدَّمِ
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي دَعْوَى المراة الطلاق وقول العبد العتق كقول الشافعي يستحلف السيد والزوج لهما الا انه يقضي عليهما بالنكول دون يمين على مذهبهم في ذلك
وقال الشافعي ولو ادعى انه نكح امْرَأَةٍ لَمْ أَقْبَلْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ نَكَحْتُهَا بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ وان نكلت حلف وَقَضَى لَهَا بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْلِيفِ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُدَّعِيَةِ لِلطَّلَاقِ وَتَحْلِيفِ سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُدَّعِي لِلْعِتْقِ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ هَلْ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى السَّيِّدِ أَوِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنَ الْمَرْأَةِ أَوِ الْعَبْدِ أَمْ لَا
فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا عَلَى السَّيِّدِ حَتَّى تُقِيمَ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ يُقِيمَ الْعَبْدُ شَاهِدًا عَدْلًا بِأَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فِي دَعْوَى الْعِتْقِ وَعَلَى الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ
وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ ﵀ فِي الْخُلْطَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ يَمِينًا لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (إِنَّ الْيَمِينَ) وَاجِبَةٌ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُدَّعِيَةِ بِالطَّلَاقِ وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُدَّعِي لِلْعِتْقِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمِينٌ مَعَ شَاهِدٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَلَا يَقُولُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا فِي غَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لِزَوْجَتِهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ لِعَبْدٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَأَبَى مِنَ الْيَمِينِ
стр. 3085
فقال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ
قَالَ وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَتُطَلَّقُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ إِذَا أَبَى وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا قُلْتُ لَكَ
وقال بن الْقَاسِمِ وَيَقُولُ الْآخَرُ أَقُولُ
وَقَالَ أَشْهَبُ إِذَا أَبَى مِنَ الْيَمِينِ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَأَعْتَقَ عَلَيْهِ
وعن بن القاسم ايضا قَالَ إِذَا طَالَ سِجْنُهُ أُطْلِقَ وَرُدَّ إِلَى زَوْجَتِهِ
قَالَ وَأَرَى أَنَّ الطُّولَ فِي سِجْنِهِ عام
وقال بن نَافِعٍ يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ
وَلِمَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ تَنْظِيرُ مَسَائِلَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِيهِ احْتِجَاجًا لِمَذْهَبِهِ يَرِدُ الِاخْتِلَافُ عليها ومذاهب العلماء فِيهَا فِي مَوْضِعِهَا
إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٥ - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ)
١٣٩٢ - مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ قَالَ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ فَتَرَكُوهَا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا فَضْلًا وَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَائِفَتَانِ
إِحْدَاهُمَا مَنْ يَقُولُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
وَالْأُخْرَى الدَّافِعَةُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشاهد
وهي بذلك أحرى فأما الشَّافِعِيُّ فَيَحْلِفُ عِنْدَهُ الْوَارِثُ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي لَمَوْرُوثِهِ عَلَى دَيْنِهِ وَلَا
следующие страницы →