Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
الْفَوَاكِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ قِسْمَتَهَا عَلَى التَّحَرِّي وَكَانَ يَقُولُ الْمُخَاطَرَةُ تَدْخُلُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فَضْلُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ
قَالَ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وبن الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِاقْتِسَامِهِ عَلَى التَّحَرِّي وَالتَّعْدِيلِ أَوْ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالرِّضَا بِالتَّفَاضُلِ
وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ
قَالَ وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّ مَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَازَ فِيهِ التَّحَرِّي
وَذَكَرَ سحنون عن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِي ذَلِكَ
قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ فَأَرْخَصَ فِيهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ لِي فِيهِ
وَقَالَ أَشْهَبُ سَأَلْتُ مَالِكًا مَرَّاتٍ عَنْ تَمْرِ النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّمَارِ تُقْسَمُ بِالْخَرْصِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لِي إِذَا طَابَتِ الثَّمَرَةُ مِنَ النَّخْلِ وَغَيْرُهَا أُقْسِمَتْ بِالْخَرْصِ
وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ الْعَرَايَا وَغَيْرِهَا بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ كَمَا تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ
قَالَ وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إِلَّا فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعَرَايَا فَلَا وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ تَدْخُلُهُ الْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ وَبَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً
وَإِنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ تَخْصِيصِ مِقْدَارِهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ
قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَشْهَبُ لَا يَشْتَرِطُ فِي الثِّمَارِ إِلَّا طَيِّبَهَا ثُمَّ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ أَرْبَابِهَا بِالْخَرْصِ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى اخْتِلَافِ حَاجَاتِهِمْ
ورواه عن مالك
قال وبن الْقَاسِمِ يَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ غَرَضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يُيَبِّسَ وَيَدَّخِرَ وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يَأْكُلَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُمْ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ
стр. 3012
يَعْرِفُ الْخَرْصَ فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حَاجَتُهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَبِيعُوا او على ان يأكلوا رطبا او عَلَى أَنْ يَجِدُوهَا تَمْرًا لَمْ يَقْتَسِمُوهَا بِالْخَرْصِ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّخْلِ الْمُثْمِرِ إِذَا اقْتَسَمَتِ الْأُصُولَ بِمَا فِيهَا مِنَ الثَّمَرَةِ جَازَ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعُ الْأُصُولِ بِالْقِسْمَةِ وَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةٌ لِلْبُيُوعِ قَالَ لِأَنَّهَا تَجُوزُ بِالْقُرْعَةِ وَالْبَيْعُ لَوْ وَقَعَ بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَجُزْ (وَأَيْضًا) فَإِنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّحَابِيَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا جَائِزٌ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَتَطَوُّعٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِسْمَةُ الثَّمَرَةِ دُونَ الْأُصُولِ قَبْلَ طِيبِهَا بِالْخَرْصِ عَلَى حَالٍ وَتَجُوزُ عِنْدَهُ قِسْمَتُهَا مَعَ الْأُصُولِ عَلَى مَا وَصَفْنَا
وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا طَابَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ
قَالَ مَالِكٌ إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ
قَالَ وَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ في المال يسقي لرضب الْأَرْضِ فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ
قَالَ وَإِنِ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ فَإِنِ اشْتُرِطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا وَالنَّفَقَةُ وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِيهَا وَالْعَمَلُ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ أُصُولِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ فَلَمْ يَتَعَدَّ بِهَا مَوْضِعَهَا كَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ أُصُولِهَا الِاسْتِثْنَاءَ بِهَا مِنْهَا وَغَيْرُهُ يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ فِي الْبَيَاضِ مِنْهُمَا مَعًا وَيَقُولُ ذَلِكَ مَا جَوَّزَ وَأَبْعَدَ مِنَ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُهُ
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَالْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ والربع جائزة
стр. 3013
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِيمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْهُ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ
وَجَائِزٌ عِنْدَهُمُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى النَّخْلِ وَالْأَرْضِ نَحْوَ مِمَّا يُخْرِجُ هَذِهِ وَهَذِهِ عَلَى مَا رَوَى فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالنَّخْلُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا الْمُزَارَعَةُ وَلَا الْمُسَاقَاةُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ وَيَقُولُ الْآخَرُ لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ اعْمَلْ وَأَنْفِقْ وَيَكُونُ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَاءِ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الماء كله لانه اتفق وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقِ الْآخَرَ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْءٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَحُجَّتُهُ لَهُ بِذَلِكَ
وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ نَحْوُهُ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ وَحُكُومَةِ حَاكِمٍ فَإِنْ أَنْفَقَ دُونَ قَضَاءِ الْحَاكِمِ رَغْبَةً فِي أَنْ يَتَمَيَّزَ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ عَمَلِ حِصَّتِهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِنَفَقَتِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ كَامِلَةً يَعْتَلُّهَا مَعَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَيُقَالُ لِشَرِيكِهِ إِنْ شِئْتَ تَطَوَّعْ بِالْإِنْفَاقِ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ وَقَضَاءُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ دَيْنًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضًا مِنْهُ
قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَؤُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بيده انما هو اجير ببعض الثمر فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الدَّاخِلِ لَا رَبِّ الْحَائِطِ وَالْقَائِمُ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِالْمُزَارَعَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا
قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ
стр. 3014
النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَشْبِيهُ مَالِكٍ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الْمُسَاقَاةِ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْأَجْرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مَجْهُولًا
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقِي شَدُّ الْحِظَارِ وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقِي شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لرجل من الناس بن لي ها هنا بَيْتًا أَوِ احْفُرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا أَوِ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرَ الْحَائِطِ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَأْهُ وَرَضِيَهُ فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَرَادَ مَالِكٌ ﵀ بِكَلَامِهِ هَذَا بَيَانَ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ وَأَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا كَالْقِرَاضِ لَا يُقَاسُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ من الاجارات
стр. 3015
ان الإجارات عِنْدَهُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَجْعَلَ الْإِجَارَةَ مِنْ بَابِ الْبُيُوعِ
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ تُخْلَقْ
وَقَدْ نَهَى رسول الله عن بيع ما لم يخلق لانها لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَيْسَتِ الْبُيُوعُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ وقالوا الاجازة بَابٌ مُنْفَرِدٌ بِسُنَّتِهِ كَالْمُسَاقَاةِ وَكَالْقِرَاضِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (شَدُّ الْحِظَارِ) فَرُوِيَ بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ وَيُرْوَى عَنْهُ بِالسِّينِ عَلَى مَعْنَى سَدِّ الثُّلْمَةِ وَأَمَّا بِالشِّينِ مَعْنَاهُ تَحْصِينُ الزُّرُوبِ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى
وَأَمَّا (خَمُّ الْعَيْنِ) فَتَنْقِيَتُهَا وَالْمَخْمُومُ النَّقِيُّ وَمِنْهُ يُقَالُ رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ
وَأَمَّا (سَرْوُ الشَّرَبِ) فَالسَّرْوُ الكنس للحوض وللشرب جَمْعُ شَرْبَةٍ وَهِيَ الْحِيَاضُ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَجَمْعُهَا شُرُبٌ وَهِيَ حِيَاضٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ حَوْلَ الشَّجَرِ وَيُقَالُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا شَرَبَاتٌ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ
(يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طَحِلٌ)
وَإِبَارُ النَّخْلِ تَذْكِيرُهَا بِطَلْعِ الْفَحْلِ
وقطع الْجَرِيدِ) قَطْعُ جَرَائِدِ النَّخْلِ إِذَا كُسِرَتْ وَقَدْ يُصْنَعُ مِثْلُ ذَلِكَ بِالشَّجَرِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ قَطْعِ قُضْبَانِ الْكَرْمِ
وَ (جَذُّ الثَّمَرِ) جَمْعُهُ وَهُوَ مِثْلُ حَصَادِ الزَّرْعِ وَقَطْعِ الْعِنَبِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ جِذَاذُ الثَّمَرِ مِنْهُمَا فَقَالَ مَالِكٌ مَا وَصَفْنَا عَلَيْهِ جَمَاعَةَ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا إِنِ اشْتَرَطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ الْمَالِ جِذَاذَ الثَّمَرِ وَعَصْرَ الزَّيْتُونَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا جَازَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ وَالتَّلْقِيحُ وَالْخَبْطُ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا على
стр. 3016
الْعَامِلِ فَإِذَا بَلَغَ الْجَذَاذَ كَانَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفَيْنِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ نِصْفَيْنِ
قَالَ وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ اشْتَرَطَ فِي أَصْلِ الْمُسَاقَاةِ الْجِذَاذَ وَالْخَبْطَ حَتَّى يَصِيرَ ثَمَرًا عَلَى الْعَامِلِ فَإِذَا بَلَغَ الْجِذَاذُ وَالْخَبْطُ بَعْدَ مَا بَلَغَ عَلَى الْعَامِلِ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنِ اشترط المساقي على رب المال جذاذ الثمر أَوْ قَطْفَ الْعِنَبِ لَمْ يَجُزْ فَكَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً وَإِنَّمَا (شَدُّ الْحِظَارِ) عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْعَامِلِ كَمَا عَلَيْهِ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ إِبَارِ النَّخْلِ وَقَطْعِ الْجَرِيدَةِ وَنَوَى النَّطِيحِ وَالْخَبْطِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ مَا كَانَ دَاعِيَتُهُ إِلَى الِاسْتِزَادَةِ فِي الْعُدَّةِ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَاءِ بِطَرِيقِهِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ وَنَحْوِهِ فَشَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ وَأَمَّا (شَدُّ الْحِظَارِ) فَلَيْسَ عَنْهُ مُشْتَرَى فِي الثَّمَنِ وَلَا صَلَاحَ لَهَا وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَنْقِيَةِ الْمِسْقَاةِ وَالْأَنْهَارِ عَلَى الْعَامِلِ وَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلٌ فِي الْحَائِطِ يُصْلِحُهُ وَيَنْعَقِدُ وَعَلَى ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَاقِي نَصِيبَهُ مِنْ عَدَمِهِ فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ مِمَّا لَا يَعُودُ مِنْهُ فَائِدَةٌ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ رَبُّ الْحَائِطِ دُونَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ - يَصِيرُ زِيَادَةً اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهَا الْمَجْهُولُ مِنَ الثَّمَنِ
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى أَنَّ لرب المال نصف التمر مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ
قَالَ مَالِكٌ وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ كُلِّهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَمَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ
стр. 3017
وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ فَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا شَرَطَ وَذَكَرَ فِي (مُوَطَّئِهِ) وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَعْجَزْ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُسَاقَى الزَّرْعُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَالَ فَأَمَّا الْقَصَبُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّ الْقَصَبَ أَصْلٌ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ جَائِزٌ أَنْ يُسَاقِيَ الزَّرْعَ قبل ان يستحقه
وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ دَاوُدَ إِلَّا فِي النَّخْلِ خَاصَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِثْنَاءِ الْعَامِلِ زَرْعًا يَكُونُ بين النخل
فروى بن وهب عن مالك ان ذلك جائزن وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَاضِ يَشْتَرِطُهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ
ذَكَرَهُ بن عَبْدُوسٍ قَالَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ إِلَّا هَاءَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْبَذْرَ فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي الزَّرْعَ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُسَاقَاةِ الموز
وقد ذكر بن المواز عن بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّهُمَا قَالَا يَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ
قال وقد كان بن الْقَاسِمِ أَجَازَهُ فِي مَجْلِسِ أَبِي زَيْدٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْقَصَبِ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الزَّرْعِ وَالْمُقْتَاتِ وَنَحْوِهَا
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُسَاقَاةِ الْبَصَلِ فَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ
وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّلْقِيحِ وَالزَّبْرِ وَالْحَضْرِ وَالْحِفْظِ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ
وَقَالَ اللَّيْثُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَصَلِ وَلَا يُجَازُ إِلَّا فِيمَا يُسْقَى
قَالَ مَالِكٌ لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنَ الثِّمَارِ إِجَارَةٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلِ الدنانير والدراهم يعطيه
стр. 3018
اياها وليس ذلك بالمساقاة إِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ ان يبدو صلاحه ويحل بيعه فتلك السماقاة بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ مَفْهُومٌ جِدًّا وَكُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ لَمْ يُجِزْهَا إِلَّا فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ وَفِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الثِّمَارِ وَيَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الشَّجَرِ مِنَ الْحَفْرِ وَالزَّبْرِ وَسَائِرِ الْعَمَلِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهَا بِهِ عَلَى حَدِّ مَا يُخْرِجُهُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الثَّمَرِ كَالْقِرَاضِ يَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ حَدَّ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ وَهَذَانَ أَصْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْبُيُوعِ وَلِلْإِجَارَاتِ وَكُلٌّ عِنْدِنَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ وَالْعَمَلُ به
وذكر بن عَبْدُوسٍ أَيْضًا عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا لِأَنَّهَا إِجَارَةُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ وَالْعَامِلُ فِي ذَلِكَ أَجِيرٌ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا كَانَ هَذَا فَلَيْسَتْ مُسَاقَاةً وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْطِيهِ فِي عَمَلِهِ مِنَ الثَّمَرِ الَّذِي حَلَّ بَيْعُهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فَمَرَّةً قَالَ مِثْلَ مَالِكٍ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْحَائِطِ وَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ وَمَرَّةً قَالَ لَا تَجُوزُ
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى انه يخبر أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ مَا تُكْرَى بِهِ الدُّورُ وَالْحَوَانِيتُ مِنَ الْعَيْنِ الْمَعْلُومِ وَزْنُهَا وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا الْجَائِزُ بَيْعُهَا فِي مِلْكِهَا عَلَى سُنَّتِهَا طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ طَعَامٍ أَنْ تَكُونَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُهُ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ أُخْرَى وَرُبَّمَا لَمْ يُخْرِجُ شَيْئًا فَلَا هَذَا عِنْدَهُ الْمُزَارَعَةُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عنها
وقال بن نَافِعٍ جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالْآدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ وَأَخَوَاتِهَا يَعْنِي الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ فَإِنَّهَا مُحَاقَلَةٌ
стр. 3019
وقال بن كِنَانَةَ لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ إِذَا أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ
ذكر ذلك عنه بن حبيب وقال واما مالك واصحابه بن القاسم واشهب وبن حبيب ومطرف وعبد الله وبن عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا أَكْلًا وَلَمْ يُؤْكَلْ فَلَا شَيْءَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ خَرَجَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا
وَفِي (الْمُدَوَّنَةِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُكْرَى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ كَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَانَ مَا تُزْرَعُ فِيهَا أَوْ لَا تُزْرَعُ وَلَا مِنَ الْآدَامِ كُلِّهِ قَالَ الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ واللبن وسائر الادام والطعام كله
وذكر بن سَحْنُونٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِطَعَامٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا
وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ
قَالَ فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ فَهَذَا لَا يَحُلُّ وَلَا يَنْبَغِي
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَسَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ
стр. 3020
فَرَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ
وَرَوَى يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ
وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا وَلَا يُؤَاجِرْهَا)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَرَافِعٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ خَيْبَرَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَاهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضَ وَالثَّمَرَةُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى ثُمَّ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ
وَقِيلَ إِنَّمَا فَعَلَهُ بِخَيْبَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي كَرَاهِيَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُهُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَلَكِنَّا كَرَّرْنَاهُ كَمَا كَرَّرَهُ مَالِكٌ
وَاخْتُلِفَ عَنِ اللَّيْثِيِّ فِي الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا وَرُوِيَ عَنْهُ إِجَازَتُهَا
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَامِنًا عَلَى الْمُشْتَرِي دَفَعَ أَوْ لَمْ يَدْفَعْ فَأَمَّا أَنْ يُلْزِمَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيَزْرَعَ فِيهَا نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا فَذَلِكَ حَلَالٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَقُولُ اللَّيْثُ هَذَا فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ ما يزرع فيها
стр. 3021
قال بن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُونُسَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ
قَالَ أَحْمَدُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَحَادِيثُ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةُ الْأَلْفَاظِ
وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّجَرِ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا مَا جَازَ بَيْنَ النَّخْلِ وَإِذْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ بَيْنَ النَّخْلِ
قَالُوا وَتَوْقِيتُ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيتٍ
قَالُوا وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مَا يُبِيحُ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لِلضَّرُورَةِ لِمَنِ ادَّعَى فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً
فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ
فَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ
وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ سَفِينَتَهُ وَدَابَّتَهُ كَمَا يُعْطِي أَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَرْزُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّلَاحِ بِهَا وَجَعَلُوا أَصْلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْقِرَاضِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا إِنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ
قَالَ وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي أَجَلِ الْمُسَاقَاةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَهُودِ خَيْبَرَ (أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ
стр. 3022
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ (أُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا)
وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَنُعِيدُ هُنَا مِنْهَا ذِكْرًا كَمَا أَعَادَهُ مَالِكٌ ﵀ فَنَقُولُ إِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسَاقَاةِ سِنِينَا مَعْلُومَةً وَالْمُسَاقَاةُ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْجِذَاذِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَربَّ الْأَصْلِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَى الْجِذَاذِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ فِي الشَّجَرِ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَرِ فَحُكْمُ السِّنِينَ الْمَعْلُومَاتِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ كُلَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُخْلَقْ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ
وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ الْمُسَاقَاةَ إِلَى غَيْرِ تَوْقِيتٍ مِنَ السِّنِينَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى شَطْرِ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا مُعَامَلَةً عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا وَقْتًا مَعْلُومًا
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ ذَلِكَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ
وَهُوَ يُشْبِهُ مَذْهَبَ بن الْمَاجِشُونِ
فَمَنِ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَهْرٌ وَاحِدٌ
وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِيمَنْ سَاقَى حائضا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي وَقْتِ الْمُسَاقَاةِ مَرَّةً مَعْلُومَةً قَوْلٌ حَسَنٌ
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ ولا شيئا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقِيَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ مَنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ
قَالَ مَالِكٌ وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ أَوْ يَقِلُّ أَوْ يكثر
стр. 3023
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا خِلَافَ بَيْنِ مُجِيزِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ يَزْدَادُهَا عَلَى جُزْئِهِ الْمَعْلُومِ لِأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - يَعُودُ الْجُزْءُ مَجْهُولًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَاتِ فِيمَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ فِي الثَّمَرَةِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ أَيْضًا
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ يَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ
قَالَ مَالِك إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ
ثُمَّ ذَكَرَ إِلَى آخَرِ الْبَابِ هَذَا الْمَعْنَى مُكَرَّرًا وَشَبَّهَهُ بِالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ يَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ فَيُبَاعُ بِالْوَرِقِ إِذَا كَانَ الْوَرِقُ بَيْعًا لِلنَّصْلِ وَالْمُصْحَفِ وَكَذَلِكَ الْقِلَادَةُ والخاتم وذلك ان يكون الثلث فادنى على مَا ذَكَرَ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَعَ الْأُصُولِ
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بَيْنَ السَّلَفِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ
فَأَمَّا مُسَاقَاةُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أُصُولَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ جُمْلَةً وَمَنْ أَجَازَهَا فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَقَاوِيلَ بِذَلِكَ
وَمَنْ لَا يُجِيزُ الْمُزَارَعَةَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَدِ اخْتَلَفَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدْ أَوْضَحَهُ فِي (مُوَطَّئِهِ)
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ أَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ فِي قَلِيلِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ فَكَانَ فِيهِ بَيَاضٌ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِهِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِتَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ وَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ جَازَ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ إِلَّا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ
وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ
стр. 3024
النِّصْفَ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفَ فَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْتُ بَيْنَ ظَهْرَانِي النَّخْلِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ
قَالَ وَلَيْسَ لِلْمُسَاقِي فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ
قَالَ وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ نَخْلَاتٍ بِعَيْنِهَا مِنَ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ وَلَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ زِيَادَةً لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ
(٢ - بَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ)
١٣٧٤ - قَالَ مَالِكٌ إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي عُمَّالِ الرَّقِيقَ فِي الْمُسَاقَاةِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إِلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمُ الْمَؤُونَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مَؤُونَتُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالنَّضْحِ وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقِي فِي أَرَضِينَ سَوَاءٍ فِي الْأَصْلِ وَالْمَنْفَعَةِ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ وَالْأُخْرَى بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ وَشَدَّةِ مُؤْنَةِ النَّضْحِ قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ وَالْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ ماءها الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ
إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْبَابِ
وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ بِرَقِيقِ الْحَائِطِ فِي غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الرَّقِيقِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَلَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ مَنْ كَانَ فيه في عقد في الْمُسَاقَاةِ وَلَهُ ذَلِكَ قِيلَ وَإِنَّمَا يُسَاقِيهِ عَلَى حَالِهِ وَمَنْ مَاتَ مِنَ الرَّقِيقِ أَوْ لَحِقَتْهُ آفَةٌ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَخْلُفَهُ
هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَى آخَرَ الْبَابِ
وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ أَحَدًا كَانَ فَيُخْرِجَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ ازْدَادَ عَلَيْهِ زِيَادَةً كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَخْلَةً بِعَيْنِهَا أَوْ عَمَلًا يَعْمَلُهُ لَهُ خَاصَّةً فِي الْحَائِطِ وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الرَّقِيقُ
стр. 3025
مِنَ الْحَائِطِ قَبْلَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَقَدْ فَعَلَ مَا كَانَ لَهُ فِعْلُهُ فِي مَالِهِ وَسَاقَى الْحَائِطَ عَلَى مَالِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَلَامُهُ ﵀ إِنَّمَا هُوَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنَ الرَّقِيقِ فَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ وَلَا قَوْلُ أَصْحَابِهِ فِيهِ فَإِنِ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ رَقِيقًا لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي الْحَائِطِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في ذلك
فقال بن الْقَاسِمِ فِي (الْمُدَوَّنَةِ) بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سَهَّلَ فِي الدَّابَّةِ الْوَاحِدَةِ يَشْتَرِطُهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَالَ وَذَلِكَ عِنْدِي إِذَا كَانَ الْحَائِطُ كَثِيرًا لَهُ قَدْرٌ فَأَمَّا الْحَائِطُ الصَّغِيرُ فَلَا يَجُوزُ
وَفِي (الْعُتْبِيَّةِ) روى عيسى عن بن القاسم عن مالك مثل ذلك
وقاله بن الْقَاسِمِ
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عدا مِنَ الرَّقِيقِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَئِذٍ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ لَا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي غَيْرِهِ وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِأَكْثَرِ مِنْ أُجْرَتِهِمْ
فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلْمُسَاقِي بِغَيْرِ أَجْرٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُسَاقِي دُولَابًا وَآلَاتٍ يَسْتَقِي عَلَيْهَا الزَّرْعَ وَلَوِ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لم يجز
стр. 3026
(٣٤ كِتَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ)
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ)
١٣٧٥ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عبد الرحمنن عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ
قَالَ حَنْظَلَةُ فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ
١٣٧٦ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ لَا باس به
١٣٧٧ - مالك عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ لَا باس بها بالذهب والورق
قال بن شِهَابٍ فَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَقَالَ أَكْثَرَ رَافِعٌ وَلَوْ كَانَ لِي مَزْرَعَةٌ أَكْرَيْتُهَا
١٣٧٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْنُهُ فَمَا كُنْتُ أَرَاهَا إِلَّا لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مَنْ كِرَائِهَا ذَهَبٍ أَوْ ورق
стр. 3027
١٣٧٩ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مَنْ تَمْرٍ أَوْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْمُسَاقَاةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي كراء الارض وما يجوز أَنْ تُكْرَى بِهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ
وَأَمَّا هَذَا الْبَابُ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِشَارَةً كُلُّهَا إِجَازَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَيَقْتَضِي أَيْضًا الرَّدَّ عَلَى مَنْ كَرِهَ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِكُلِّ حَالٍ وَنَحْنُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى نُبَيِّنُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عن كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كِرَائِهَا بِكُلِّ حَالٍ إِلَّا أَنْ رَافِعًا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كِرَاءَهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ بن عُمَرَ هَذَا الْخَبَرَ وَحَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فَتَرَكَ كِرَاءَ الْمَزَارِعِ
وَرَوَى مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَعَقِيلٌ عَنِ بن شهاب عن سالم عن بن عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نهى عن كراء المزارع فترك بن عُمَرَ كِرَاءَهَا
وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ بن شِهَابٍ كَذَلِكَ
وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي بُجَيْرٍ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ كَانَ يَقُولُ مَنَعَنَا رسول الله ﷺ أن نُكْرِيَ الْمَحَاقِلَ
وَرَوَى عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عن بن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن اجارة الارض
فهذه الرواية فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْمَزَارِعِ بِحَالٍ لَا بِذَهَبٍ وَلَا بِفِضَّةٍ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ
стр. 3028
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْوَرِقِ وَلَا بِالْعُرُوضِ
وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ الْأَصَمُّ قَالَ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهَا إِذَا استؤجرت وحضرها الْمُسْتَأْجِرُ وَأَصْلَحَهَا لَعَلَّهُ أَنْ يَحْرِقَ زَرْعَهُ فَيَرُدَّهَا وَقَدْ زَادَتْ وَانْتَفَعَ رَبُّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْمُسْتَأْجِرُ فَمِنْ هُنَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا كَرِهَ كِرَاءَهُ مِنْ كَرِهَهُ لِلْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَأَبِي مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ضَمْرَةَ بْنِ ربيعة عن بن شَوْذَبٍ عَنْ مَطَرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا وَلَا يُؤَاجِرْهَا)
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِمَنْ شَاءَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ وَرَجُلٌ اكْتَرَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)
قَالُوا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالتَّوْفِيقِ
وَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ وسعيد بن المسيب
وروى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى باسا بكراء الارض البيضاء بالذهب والورق
وبن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عباس
وبن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بَأْسًا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
стр. 3029
وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا خَلَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى)
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ قَالُوا فَقَدْ حَاجَزَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنَعَ مَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ الْمَعْلُومِ وَغَيْرِ الْمَعْلُومِ
وَتَأَوَّلُوا فِي نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ أَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ
وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَرْفُوعًا وَفِيهِ الْمُحَاقَلَةُ اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ
قَالُوا وَسَائِرُ طَعَامِهِ كُلِّهِ فِي مَعْنَاهَا وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً
وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ وَسَائِرِ الْعُرُوضِ كُلِّهَا إِذَا كَانَ مَعْلُومًا
قَالُوا وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِشَيْءٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولًا أَوْ غَرَرًا
وَهُوَ قول سالم وغيره
وروى بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَكْثَرَ رَافِعٌ عَلَى نَفْسِهِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ وَاللَّهِ لَنُكْرِيَنَّهَا كِرَاءَ الْإِبِلِ
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق قال حدثني بن أَخِي جُوَيْرِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَمَّيْهِ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ
قَالَ فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَهَا وَقَدْ كَانَ يُكْرِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ لِسَالِمٍ أَفَتُكْرِيهَا أَنْتَ قَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُكْرِيهَا قُلْتُ فَأَيْنَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَقَالَ إِنَّ رَافِعًا أَكْثَرَ عَلَى نَفْسِهِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ واصحابه
стр. 3030
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤَاجِرُونَ الْأَرْضَ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ فِي إِقْبَالِ الْجَدَاوِلِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا فَكَذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاما شيء مضمون معلوم فلا
قَالُوا فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَافِعٌ بِالْعِلَّةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن كِرَاءِ الْمَزَارِعِ
وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْبَدَلِ وَأَخْبَرَ أَنَّ كِرَاءَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ مَعْلُومٍ جَائِزٌ
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وبن عُيَيْنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُخَابِرُ فَنَقُولُ لِهَذَا هَذَا الْجَانِبُ وَلِهَذَا هَذَا الْجَانِبُ يَزْرَعُهَا لَنَا فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن ذَلِكَ فَأَمَّا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَلَمْ يَنْهَ عنه وهذا لفظ بن عُيَيْنَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْأَثْمَارِ الْمَعْلُومَاتِ
وَقِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ إِنَّ مَالِكًا يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَبِيعَةَ فَقَالَ وَمَا يُرِيدُ مِنْهُ وَمَا يَرْجُو مِنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحْفَظُ مِنْهُ وَقَدْ حَفِظْنَاهُ عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رِوَايَةُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَبِيعَةَ مُخْتَصَرَةٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا مِنْ طُرُقٍ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَزْرَعُ فِيهَا مُكْتَرِيهَا بِثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ نِصْفٍ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بن الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَعْطَى يَهُودَ خَيْبَرَ النَّخْلَ وَالْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ فِيهَا
قَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مِنْ أَحَادِيثِ رَافِعٍ لِأَنَّهَا مُضْطَرِبَةُ الْمُتُونِ جِدًّا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْحَمْدُ لله كثيرا
стр. 3031
وروى سفيان عن بن عيينة عن عمرو بن دينار وبن طَاوُسٍ قَالَا كَانَ طَاوُسٌ يُخَابِرُ
قَالَ عَمْرٌو فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا
قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ أَعْلَمُهُمْ - يَعْنِي بْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا وَقَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْيَمَنَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يُخَابِرُونَ وَأَقَرَّهُمْ وَأَنَا أُعْطِيهِمْ فَأَكُونُ شَرِيكَهُمْ فَإِنْ نَقَصُوا كُنْتُ قَدْ نَقَصْتُ مَعَهُمْ
قَالَ سُفْيَانُ يَقُولُ لِي نَصِيبِي مِمَّا رَبِحُوا وَعَلَيَّ مَا نَقَصُوا
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حدثني بن أَخِي جُوَيْرِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ والربع فقال ذلك حسن
стр. 3032
(٣٥ كتاب الشفعة)
(١ - بَابُ مَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ)
١٣٨٠ - مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا
هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا جُمْهُورُ رُوَاةِ (الْمُوَطَّأِ)
وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَسَيِّدُ بْنُ دَاوُدَ الزَّنْبَرِيُّ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ رَوَوْهُ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ فَأَسْنَدُوهُ وَجَعَلُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِمَا ذَكَرْنَا فِي (التَّمْهِيدِ) وَذَكَرْنَا الاختلاف على بن شِهَابٍ فِي إِرْسَالِهِ وَإِسْنَادِهِ أَيْضًا
وَقَدْ رَوَاهُ بن إسحاق عن بن شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ فَجَعَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ
стр. 3033
وحديث بن شِهَابٍ هَذَا قَدِ اتَّفَقَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لِأَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِي الْمُبْتَاعِ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَكُلِّ مَا تَأْخُذُهُ الْحُدُودُ وَيَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
١٣٨١ - قَالَ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الشُّفْعَةِ هَلْ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ فَقَالَ نَعَمْ الشُّفْعَةُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ
١٣٨٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَ ذَلِكَ
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْمُشَاعِ مِمَّا تَصْلُحُ فِيهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَوَانِيتِ وَالرِّبَاعِ كُلِّهَا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْمُشَاعِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا وَلَمْ يُجْمِعُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ومنهم مَنْ أَوْجَبَهَا إِذَا كَانَتِ الطَّرِيقُ وَاحِدَةً وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مُشَاعٍ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالْأُصُولِ كُلِّهَا وَغَيْرِهَا وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فَعَلَى مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُمْ - يَعْنِي فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَنْقُولَةِ بِنَقْلِ العدول الاحاد حديث بن شهاب المذكور في هذا الباب وقد أسند هـ مَعْمَرٌ وَجَوَّدَهُ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ (انما جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ (١) وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ
стр. 3034
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ عن بن شِهَابٍ فِي الشُّفْعَةِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مُرْسَلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ
ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْهُمَا
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ قَالَ وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا وَبِهِ أَقُولُ لَا أَرَى الشُّفْعَةَ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ لَا أَرَاهَا لِلْجَارِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حديث بن شِهَابٍ مَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ فَإِذَا لَمْ تَجِبِ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إِذَا قَسَمَ وَضَرَبَ الْحُدُودَ كَانَ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ لَمْ يَقْسِمْ وَلَا ضَرَبَ الْحُدُودَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ
وفي حديث بن شهاب ايضا مَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَا يُقْسَمُ وَلَا يَحْتَمِلُ قِسْمَةً وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُصْرَفَ فِيهِ الْحُدُودُ وَذَلِكَ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِمَوْضِعِ الْحُدُودِ
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالُوا لَا شُفْعَةَ فِيمَا سِوَى الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ مَقْسُومًا كَانَ أَوْ مُشَاعًا وَأَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ بِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)
وَهُوَ حَدِيثٌ يرويه جماعة من ائمة أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وحديث بن شِهَابٍ يُعَارِضُهُ وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا
وَالشُّفْعَةُ عِنْدَ الكوفين مُرَتَّبَةٌ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ ثُمَّ الشَّرِيكُ الْمُقَاسِمُ إِذَا بَقِيَتْ لَهُ فِي الطَّرِيقِ شَرِكَةٌ ثُمَّ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ
وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَهُمُ الشُّفْعَةُ فِي الطَّرِيقِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّرِيكُ فِي الْمُشَاعِ
وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ لِلْجَارِ الَّذِي لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ ذَكَرْنَا أَوْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ الْأَخْذَ بِهَا
стр. 3035
وَحُجَّتُهُمْ فِي اعْتِبَارِ الشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَتْ طريقهما واحدة)
وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ شُعْبَةُ وَقَالَ لَوْ جَاءَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِحَدِيثٍ آخَرَ مِثْلَ هَذَا لَأَسْقَطْتُ حَدِيثَهُ وَمَا حَدَّثْتُ عَنْهُ بِشَيْءٍ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَعْدَلُ مِنَ الْمِيزَانِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ مَالُهُ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ الا بيقين يجب التسليم له
وروى بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ أَنِ اقْضِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَكَانَ يَقْضِي بِهَا
وَسُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا حُدَّتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فذكرت ذلك لطاووس فَقَالَ لَا الْجَارُ أَحَقُّ
قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مَعَ قَوْمٍ فِي أَرْضٍ بِحَيَوَانٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ فَجَاءَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ قَدْ هَلَكَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ قَدْرَ قِيمَتِهِمَا فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ مِائَةُ دِينَارٍ ويقول صاحب الشفعة الشريك بل قيمته خَمْسُونَ دِينَارًا
قَالَ مَالِكٌ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّ قِيمَةَ مَا اشْتَرَى بِهِ مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ أَخَذَ أَوْ يَتْرُكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الشَّفِيعُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ دُونَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ الشَّفِيعُ طَالِبٌ آخِذٌ وَالْمُشْتَرِي مَطْلُوبٌ مَأْخُوذٌ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يكون القول قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَالشَّفِيعُ مُدَّعٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَخَذَ بِهَا وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جمهور الفقهاء
стр. 3036
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ
وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ التَّابِعِينَ وَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الشَّفِيعِ لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ وَجَعَلَ الْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا فِي الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ عَرَضًا لِأَنَّهُ أَخَذَ لَهُ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
وَكَذَلِكَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرَى وَالشَّفِيعُ فِي مَبْلَغِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ بِالشُّفْعَةِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ الشِّقْصُ وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ
(أَحَدُهُمَا) الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ
(وَالْأُخْرَى) الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا حَكَاهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ لِلشُّفْعَةِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي سَائِرِ مَسَائِلِ الشُّفْعَةِ فَكَثِيرَةٌ لَا يُحْصَى كَثْرَةً
وفي (المدونة) قال بن الْقَاسِمِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ الشِّقْصِ وَكَانَ قَدْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ وَأَتَى الشَّفِيعُ بِمَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَمَنْ أَتَى مِنْهُمَا بِبَيِّنَةٍ قُضِيَ لَهُ فَإِنْ أَتَيَا جَمِيعًا بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ تَكَافَئَا فِي الْعَدَالَةِ سَقَطَتَا وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يَتَكَافَئَا قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا
وَقَالَ سَحْنُونٌ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذَا سُلْطَانٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الثَّمَنِ فَلَا يَمِينَ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَرْغَبُ فِي الثَّمَنِ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ
وَقَالَ أَشْهَبُ القول قول المشتري مع يمينه إذا ادعى مَا لَا يُشْبِهُ فَإِنِ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ فالقول قوله بلا يمين
وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ المشتري مع يمينه إذا ادعى ما لا يُشْبَهُ وَأَتَى بِالسَّرَفِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ
قَالَ بن حَبِيبٍ إِنَّمَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَأْتِ بِالسَّرَفِ فَإِنْ أَتَى بِالسَّرَفِ رُدَّ إِلَى الْقِيمَةِ وَخُيِّرَ الشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ وَهَبَ شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ فَأَثَابَهُ الموهوب له
стр. 3037
بِهَا نَقْدًا أَوْ عَرْضًا فَإِنَّ الشُّرَكَاءَ يَأْخُذُونَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنْ شَاؤُوا وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةَ مَثُوبَتِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ وَهَبَ هِبَةً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا وَلَمْ يَطْلُبْهَا فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا فَإِنْ أُثِيبَ فَهُوَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الثَّوَابِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كان مالك في صدر من عُمْرِهِ يَرَى فِي الْهِبَةِ الشُّفْعَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ثَوَابٍ لِأَنَّهُ انْتِقَالُ مِلْكٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ الْهِبَةَ لِغَيْرِ ثَوَابِ شفعة
ذكر ذلك عنه بن عَبْدِ الْحَكَمِ
وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ فَهِيَ عِنْدَهُ كَالْبَيْعِ وَفِيهَا الشُّفْعَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا قَوْلَ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَوْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَثَابَ الْوَاهِبَ باكثر من قيمة الشقص الموهوب
فقال بن الْقَاسِمِ لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا بِقِيمَةِ الثَّوَابِ كُلِّهِ قَالَ وَلِهَذَا يَهَبُ النَّاسُ مِنَ الْهِبَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ قُوتًا بَلْ قَالَ ذَلِكَ مُجْمَلًا
وَقَالَ أَشْهَبُ إِذَا أَتَى بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْهِبَةَ قَوْلَانِ
فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّوَابِ أَوْ شِرْكِهِ
وان كان بعد الفوت فله ان يستشفع بقيمة الشقص فقط
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلٌ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْهِبَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قَالَ وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ مِنْ فِعْلِ مَنْ فَعَلَهُ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ وَيُضَمِّنُونَهَا اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ شُفْعَةً لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ هِبَةٌ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ
وَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ عِنْدِهِمْ فِي صَدَاقٍ وَلَا أُجْرَةٍ وَلَا جُعْلٍ وَلَا خُلْعٍ وَلَا فِي شَيْءٍ صُولِحَ عَلَيْهِ مِنْ دَمٍ عَمْدٍ
قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا فِي أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ
стр. 3038
قَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَلَهُ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إِلَى ذَلِكَ الاجل فاذا جاءهم بجميل مَلِيٍّ ثِقَةٍ مِثْلِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الشِّقْصَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ فَذَلِكَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي (مُوَطَّئِهِ) إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَشْتَرِي شِقْصًا مِنْ رَبْعٍ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَلَا يَقُومُ الشَّفِيعُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ عَلَى الْمُشْتَرِي
فَذَكَرَ بن حبيب عن بن الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ إِلَّا بِثَمَنٍ حَالٍّ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ إِنِ اشْتَرَى النَّصِيبَ مِنَ الدَّارِ وَسَائِرَ الرِّبَاعِ وَالْأَرْضِ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنْ شِئْتَ فَعَجِّلِ الثَّمَنَ وَتَعَجَّلِ الشُّفْعَةَ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ
وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِرَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ فَجَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ أَنَا آخُذُهَا إِلَى أَجَلِهَا قَالَ لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِالنَّقْدِ لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْأَوَّلِ
قَالَ سُفْيَانُ وَمِنَّا مَنْ يَقُولُ يُقَرُّ فِي يَدِ الَّذِي ابْتَاعَهَا فَإِذَا بَلَغَ الْأَجَلُ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ
قَالَ مَالِكٌ لَا تَقْطَعُ شُفْعَةَ الْغَائِبِ غَيْبَتُهُ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ وليس لذلك عِنْدَنَا حَدٌّ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الشُّفْعَةُ
قَالَ يَحْيَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ هَلْ تَرَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ - يَعْنِي مِنْ مِصْرَ - غَيْبَةً وَهُوَ يَبْلُغُهُ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ بَاعَ فَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي سِنِينَ الْعَشَرَةَ وَنَحْوَهَا ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُ الشفعة
فقال بن الْقَاسِمِ هَذِهِ غَيْبَةٌ لَا تَقْطَعُ عَلَى الْمُشْتَرِي شُفْعَتَهُ وَإِنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَرَى السُّلْطَانَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ أَنْ يُوقِفَ وَيُعْلِمَهُ شَرِيكُهُ قَدْ بَاعَ فَإِمَّا اخذ واما ترك
стр. 3039
قال بن الْقَاسِمِ لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَيَكْتُبُ لَهُ الْقَاضِي الَّذِي بِمَكَانِهِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ اشْتِرَائِهِ وَمَا يَطْلُبُ مِنْ قَطْعِ الشُّفْعَةِ عَنْهُ فَيُوقِفُهُ فَإِمَّا أَخَذَ وَإِمَّا تَرَكَ فَإِنْ تَرَكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ
قَالَ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَمَا تَرَى الْقُرْبَ الَّذِي يَقْطَعُ الشُّفْعَةَ قَالَ مَا وَقَّتَ لَنَا مَالِكٌ فِيهِ شَيْئًا قَدْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ الضَّعِيفَةُ وَالرَّجُلُ الضَّعِيفُ على البريد فلا يستطع أَنْ يَنْهَضَ وَلَا يُسَافِرَ فَلَمْ يَحِدَّ لَنَا حَدًّا وَإِنَّمَا فِيهِ اجْتِهَادٌ لِلسُّلْطَانِ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَرَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا شُفْعَةُ الْغَائِبِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ الْحِصَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرِيكٌ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ ثُمَّ قَدِمَ فَعَلِمَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ غَيْبَتِهِ
وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَلِمَ فِي حَالِ الْغَيْبَةَ
فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ لَمْ يَشْهَدْ حِينَ عَلِمَ أَنَّهُ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مَتَى قَدِمَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ أَبَدًا حَتَّى يَقْدَمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا إِشْهَادًا
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي أَمَدِ شُفْعَةِ الْحَاضِرِ الْعَاجِلِ فَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ حَيْثُ رَسَمَهُ مَالِكٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) أَوْ قَالَ (بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا)
رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عن حميد الازرق قال مضى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَعْنِي لِلْغَائِبِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوَرِّثُ الْأَرْضَ نَفَرًا مِنْ وَلَدِهِ ثُمَّ يُولَدُ لِأَحَدِ النَّفَرِ ثُمَّ يَهْلَكُ الْأَبُ فَيَبِيعُ أَحَدُ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ فَإِنَّ أَخَا الْبَائِعِ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ مِنْ عُمُومَتِهِ شُرَكَاءِ أَبِيهِ
قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ فِي مِيرَاثِ الشُّفْعَةِ وَهَلْ تُوَرَّثُ أَوْ لَا تُوَرَّثُ وَفِي كَيْفِيَّةِ الشُّفْعَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ هَلْ هِيَ لِلْكَبِيرِ كَالْوَلَاءِ وَهَلْ تَدْخُلُ الْعَصَبَةُ فيها على ذوي الفروض أَوْ يَدْخُلُ بَعْضُ أَهْلِ السِّهَامِ فِيهَا عَلَى بعض
стр. 3040
فَأَمَّا مِيرَاثُ الشُّفْعَةِ فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا لَا تُوهَبُ وَلَا تُوَرَّثُ لِأَنَّهَا لَا مِلْكُهُ وَلَا مَالُهُ
وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَهْلِ الْحِجَازِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ مَوْرُوثَةً لِأَنَّهَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ يَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ
وَأَمَّا الشُّفْعَةُ بَيْنَ ذَوِي السِّهَامِ فِي الْمِيرَاثِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي (الْمُوَطَّأِ) أَنَّ أَهْلَ السَّهْمِ الْوَاحِدِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي سَائِرِ الْمِيرَاثِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ فِي الشُّفْعَةِ وَأَنَّ ذَوِي السِّهَامِ يَدْخُلُونَ عَلَى الْعَصَبَاتِ فِيهَا
واختلف اصحابه
فقال بن الْقَاسِمِ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ وَلَا يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ لَا يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا يَتَشَافَعُ أَهْلُ السَّهْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ خَاصَّةً
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ يَدْخُلُ الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ وَذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُغِيرَةِ
وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِ أَشْهَبَ مِثَالُ ذَلِكَ رَجُلٌ تُوُفِّيَ عَلَى ابْنَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ وَرِثْنَ عَنْهُ أَرْضًا أَوْ دارا فباعت بعضهن حصتها منها
فقال بن الْقَاسِمِ تَدْخُلُ الْبَنَاتُ عَلَى الْأَخَوَاتِ وَلَا تَدْخُلُ الاخوات على البنات لانهن ها هنا عَصَبَةُ الْبَنَاتِ
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَدْخُلُ الِابْنَةُ عَلَى الْأُخْتِ كَمَا لَا تَدْخُلُ الْأُخْتُ عَلَيْهَا
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ
قَالَ وَلَوْ وَرِثَهُ رَجُلَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ابْنَانِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَأَرَادَ أَخْذَ الشُّفْعَةِ دُونَ عَمِّهِ فَكِلَاهُمَا فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ
قَالَ الْمُزَنِيُّ هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِهِ الْآخَرِ إِنَّ أَخَاهُ أَحَقُّ بِنَصِيبِهِ
قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ لِنِصْفَيْنِ من عبد لاحدهما أَكْثَرُ مِنَ الْآخَرِ فِي أَنَّ عَلَيْهِمَا قِيمَةَ الْبَاقِي عَلَى السَّوَاءِ إِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ هَذَا الْقِيَاسُ يَصِحُّ فِي مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ لِأَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي سَهْمٍ
стр. 3041
قَدْ حَصَلُوا شُرَكَاءَ فِي الشِّقْصِ وَشُرَكَاءَ فِي (السَّهْمِ) فَكَانُوا أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ شَرِيكٌ فِي الشِّقْصِ خَاصَّةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَدْلَوْا بِسَبَبَيْنِ وَكَانُوا أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ الشَّرِيكَانِ يَكُونُ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ فِي شَيْءٍ
وَالْحُجَّةُ عِنْدِي لِمَا اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِنَّ الشُّفْعَةَ أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَلَمْ يَخُصَّ شَرِيكًا مِنْ شَرِيكٍ فَكُلُّ شَرِيكٍ فِي الشِّقْصِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِعُمُومِ السُّنَّةِ وَظَاهِرِ الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ مَالِكٌ الشُّفْعَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَقَلِيلًا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَبِقَدْرِهِ وَذَلِكَ إِنْ تَشَاحُّوا فِيهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الشُّفْعَةَ بِالْحِصَصِ مِثَالُ ذَلِكَ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصْفَهُ وَوَجَبَ لِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الثُّلُثِ الثُّلُثَيْنِ وَصَاحِبُ السُّدُسِ الثُّلُثَ
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ منهم شريح القاضي وعطاء وبن سِيرِينَ ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْصَارٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
(الْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الرُّؤُوسِ وَأَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِيهَا سَوَاءٌ وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَكَمِ
وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ هَلْ هِيَ عَلَى الرُّؤُوسِ أَوْ عَلَى السِّهَامِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ شُرَكَائِهِ حَقَّهُ فَيَقُولُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنَا آخُذُ مِنَ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِي وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدَعَ فَدَعْ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا خَيَّرَهُ فِي هَذَا وَأَسْلَمَهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَوْ يُسْلِمَهَا إِلَيْهِ فَإِنْ أَخَذَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى نَحْوِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ قال فان
стр. 3042
حَضَرَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ أَخَذَ الْكُلَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَإِنْ حَضَرَ الثَّانِي أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَإِنْ حَضَرَ الثَّالِثُ أَخَذَ مِنْهُ الثُّلُثَ بِثَمَنِ الثُّلُثِ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً فَإِنْ كَانُوا اثنين اقتسما كان للثالث نقص قِسْمَتِهَا وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضٍ إِلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوِ التَّرْكُ
قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ مِنَ السَّمَاءِ إِمَّا أَخَذَ الْكُلَّ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ وَإِمَّا تَرَكَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَوِ اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَقَبَضَهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ أَحَدُهُمَا دُونَ مَا بَاعَ الْآخَرُ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْآخَرِ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا أَوْ يَدَعَهَا كُلَّهَا وَإِنْ كَانَ الَّذِي ابْتَاعَ الدَّارَ رَجُلَيْنِ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ وَيَدَعَ مَا ابْتَاعَ الْآخَرُ
قَالُوا وَمَنِ اشْتَرَى دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلَيْنِ وَلَهُمَا شَفِيعٌ وَاحِدٌ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مالك في هذه المسائل ايضا
فقال بن الْقَاسِمِ فِي ثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ بَاعَ الِاثْنَانِ مِنْهُمَا نَصِيبَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلثَّالِثِ الشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ
وَقَالَ أَشْهَبُ ياخذ من ايهما شاء
وقال بن الْقَاسِمِ إِذَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِرَجُلَيْنِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ اصحابه وذكر بن حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَتَسْلِيمُهُ رِفْقًا بِالْمُشْتَرِي وَتَجَافِيًا لَهُ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ شُفْعَتَهُ فَلَا يَأْخُذُ الْآخَرُ حِصَّتَهُ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي رَجُلَيْنِ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ حَصَّةَ أَحَدِهِمَا
فَابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا حِصَّتَهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَتْرُكَهُمَا جَمِيعًا إِذَا طُلِبَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً
وَقَالَ أَشْهَبُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدَعَ الْآخَرَ
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ فِيمَا أَجَازَ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَاعَا مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا فَقَالَ الشَّفِيعُ أَنَا آخُذُ مَا بَاعَ فُلَانٌ وَأَدَعُ حِصَّةَ فُلَانٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ
قَالَ وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَى رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ أَيِّهُمَا شَاءَ
стр. 3043
قَالَ الْمُزَنِيُّ وَلَوِ اشْتَرَى شِقْصًا وَهُوَ شَفِيعٌ فَجَاءَ شَفِيعٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِيَ خُذْهَا كُلَّهَا بِالثَّمَنِ أَوْ دَعْ فَقَالَ هُوَ بَلْ آخُذُ نِصْفَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ شُفْعَةَ غَيْرِهِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ فَيَعْمُرُهَا بِالْأَصْلِ يَضَعُهُ فِيهَا أَوِ الْبِئْرَ يَحْفِرُهَا ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ فَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ كَانَ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقِيمَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْبُنْيَانِ قَائِمًا لِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ وَحَقِّهِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَى وَإِنْ كَانَ فِيهِ شُفْعَةٌ أَخْبَرَهُ فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلشَّفِيعِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ - إِنْ شَاءَ شَفَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْفَعْ فَكَأَنَّهُ إِذَا شَفَعَ بَيْعٌ حَادِثٌ وَعُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْبَانِيَ مُتَعَدٍّ بِبُنْيَانِهِ فِيمَا فِيهِ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَعْلُومًا - إِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ أَوْ يَأْخُذُهُ بِنِصْفِهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ وَبَنَى فِي نَصِيبِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ فَإِنْ قَضَى الْحَاكِمُ بِالْقِسْمَةِ وَحَكَمَ بها لما ثبت ما يوجب ذ لك وَأَقَامَ لِلْغَائِبِ وَكِيلًا فِي الْقِسْمَةِ فَقَسَمَ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ وَبَنَى فِيهَا فَهُوَ - حِينَئِذٍ - غَيْرُ مُتَعَدٍّ
فَإِنِ اسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ الْحِصَّةَ مُشَاعَةً لَمْ يَمْنَعْهُ قَضَاءُ الْقَاضِي شُفْعَتَهُ لِأَنَّ الْغَائِبَ عَلَى شُفْعَتِهِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ فَيَتْرُكَ فَإِنْ عَلِمَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ إِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْعِلْمِ قَادِرًا عَلَى الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَفَعَ إِذَا قَدِمَ إِنْ شَاءَ وَأَعْطَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الشِّقْصِ وَقِيمَةَ الْبُنْيَانِ تَامًّا لِأَنَّهُ بَنَى فِي غَيْرِ اعْتِدَاءٍ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ قَالَ وَمَنِ اشْتَرَى دَارًا وَقَبَضَهَا فَبَنَى فِيهَا بِنَاءً ثُمَّ حَضَرَ شَفِيعُهَا فَطَلَبَ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي انْقُضْ بِنَاءَكَ لِأَنَّكَ بَنَيْتَهُ فَمَا كَانَ الشَّفِيعُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الشَّفِيعُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ
فَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ
قَالَ وَبِهِ قَالَ احمد
стр. 3044
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مَنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ مُشْتَرِكَةٍ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الشُّفْعَةِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي فَأَقَالَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَالشُّفْعَةُ تَجِبُ بِالْبَيْعِ لِمَنْ أَرَادَهَا وَطَلَبَهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْبَائِعُ فَالْإِقَالَةُ لَا نَقْطَعُهَا عَمَّنْ جَعَلَهَا بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا وَعَمَّنْ يجعلها فسخ بيع لان في فسخ الْبَيْعَ فَسْخًا لِلشُّفْعَةِ
وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ
وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ لَا تَنْقُضُهَا الاقالة
وقد اختلف قول بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ فِي الْإِقَالَةِ
فقال بن الْقَاسِمِ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي
وَقَالَ أَشْهَبُ الشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الشُّفْعَةَ بِعُهْدَةِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَإِنْ شَاءَ بِعُهْدَةِ الْإِقَالَةِ
قَالَ مَالِكٌ مَنِ اشْتَرَى شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ وَحَيَوَانًا وَعُرُوضًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي خُذْ مَا اشْتَرَيْتُ جَمِيعًا فَإِنِّي إِنَمَا اشْتَرَيْتُهُ جَمِيعًا
قَالَ مَالِكٌ بَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهَا مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ يُقَامُ كُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِدَتِهِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ بِالَّذِي يُصِيبُهَا مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ رَأْسِ الثَّمَنِ وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ كَانَ مَعَ الشِّقْصِ الَّذِي فِيهِ الشُّفْعَةُ عَرْضٌ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَشْفَعُ فِي الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ
وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ
стр. 3045
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ سَأَلْتُ مَعْمَرًا عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا خَرِبَةٌ لَمْ تُقْسَمْ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا مَعَ خَرِبَةٍ لَهُ أُخْرَى بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَجَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ أَنَا آخُذُ نَصِيبَهُ مِنَ الْخَرِبَةِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ
فَقَالَ قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ يَأْخُذُ الْبَيْعَ جَمِيعًا يَتْرُكُهُ جَمِيعًا
وقال بن شُبْرُمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَأْخُذُ نِصْفَ الْخَرِبَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ بِالْقِيمَةِ وَيَتْرُكُ الْأُخْرَى إِنْ شَاءَ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَسَمِعْتُ الثوري وسفيان يقولان مثل قول بن شُبْرُمَةَ
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةَ لِلْبَائِعِ وَأَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ إِنَّ مَنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكَ مَا بَقِيَ
قَالَ مَالِكٌ فِي نَفَرٍ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا فَعُرِضَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ فَقَالَ أَنَا آخُذُ بِحِصَّتِي وَأَتْرُكُ حِصَصَ شُرَكَائِي حَتَّى يَقْدَمُوا فَإِنْ أَخَذُوا فَذَلِكَ وَإِنْ تَرَكُوا أَخَذْتُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَتْرُكَ فَإِنَّ جَاءَ شُرَكَاؤُهُ أَخَذُوا مِنْهُ أَوْ تَرَكُوا ان شاؤوا فَإِذَا عُرِضَ هَذَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَلَا أَرَى لَهُ شُفْعَةً
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى وَمَا فِيهِ لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا هُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀
وَالْآخَرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِحِصَّتِهِ وَيَدَعَ حِصَّةَ شركائه فان جاؤوا كانوا على شفعتهم ان شاؤوا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ
(٢ - باب مالا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ)
١٣٨٣ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا شُفْعَةَ فِي بَئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ
стр. 3046
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ مَالِكٌ وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ دَارٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ لِلْجَارِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ وَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ مَا تَقَدَّمَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ولا شفعة في بئر ولا في فحل نخل فذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي بِئْرِ الْأَعْرَابِ
فَأَمَّا بِئْرُ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فَفِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ النَّخْلُ لَمْ يُقْسَمْ فَإِنْ قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْبِئْرُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا
وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَ الْحَائِطُ وَتُرِكَ الْفَحْلُ وَالْفَحْلَانِ لِلْإِبَّارِ وَأَكْلِ الطَّلْعِ إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا
وَكَذَلِكَ إِذَا قُسِمَتْ بُيُوتُ الدَّارِ وَتُرِكَتِ الْعَرْصَةُ لِلِارْتِفَاقِ فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ بِئْرِ الْأَعْرَابِ الْبِئْرَ الَّتِي فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ
وَالْمِسْقَاةُ لَيْسَتْ بِئْرًا يُسْقَى بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ
وَذِكَارُ الشَّجَرِ حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَحُكْمِ النَّخْلِ
وَحُكْمُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ إِنْ كَانَ لَهَا بَيَاضٌ وَزَرْعٌ وَنَخْلٌ وَبَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْعًا فِيهِ شُفْعَةٌ دَخَلَتِ الْعَيْنُ فِي ذَلِكَ وَالْبِئْرُ فَإِذَا انْفَرَدَتِ الْعَيْنُ أَوِ الْبِئْرُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهَا
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطُّرُقِ وَالْمَرَافِقِ الْمَتْرُوكَةِ لِلِارْتِفَاقِ لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْعًا لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ وَتَجْمَعُهَا صَفْقَةٌ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ لَا بَيَاضَ لَهَا وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهَا بَيَاضٌ وَلَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ
стр. 3047
وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إِلَّا فِيمَا تَحْتَمِلُهُ الْقِسْمَةُ وَتُضْرَبُ فِيهِ الْحُدُودُ
وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي طَرِيقٍ وَإِنَّمَا الْعَرْصَةُ إِذَا احْتَمَلَتِ الْقِسْمَةَ وَبِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَهُ خِلَافَ قَوْلِ مالك
وَسَوَاءٌ تُرِكَتْ لِلِارْتِفَاقِ أَوْ لَمْ تُتْرَكْ وَإِنَّمَا أَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرَضِينَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَضَرْبَ الْحُدُودِ وَكَانَ مُشَاعًا فَفِيهِ الشُّفْعَةُ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَلَّا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ نَخْلٍ
وَأَمَّا الْعَرْصَةُ فَقِيَاسُهُمْ أَنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَرْضِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْقِسْمَةِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي النَّخْلَةِ الْمُطَعَّمَةِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا حصته منها
فذكر بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي (الْمُدَوَّنَةِ) أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَاسَهَا عَلَى فَحْلِ النَّخْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الملك بْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيهَا الشُّفْعَةُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّتُهُمْ فِي إِيجَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ النَّخْلَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْحَائِطِ الْمُثْمِرِ مِنَ الشَّجَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعٌ لِزِرَاعَةٍ وَكَانَ مُشَاعًا أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ وَحُكْمُ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمْ كَحُكْمِ الْحَائِطِ كُلِّهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ فِي أَشْيَاءَ منها الرحا
ففي (المدونة) قال بن الْقَاسِمِ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَلَا شُفْعَةَ فِي الرَّحَا كَمَا أَنْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ
وَرَوَى أبو زيد عن بن الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ يَقْضِي الثَّمَنَ عَلَى الْأَرْضِ وَالرَّحَى وَذَكَرَ أَنَّهُ كَالشِّقْصِ يُبَاعُ مَعَ عَبْدٍ
وَقَالَ أَشْهَبُ لِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِي رَقِيقِ الْحَائِطِ فَكَيْفَ بِالرَّحَى مَعَ الْأَرْضِ
وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ في الاندر أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْهُ
стр. 3048
فَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عن اشهب وبن وَهْبٍ أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ وَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَرَضِينَ
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شُفْعَةَ فِي الْأَنْدَرِ وَكَذَلِكَ الْأَقْبِيَةُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا إِذَا بِيعَتْ قَالَ وَالْأَنْدَرُ عِنْدِي مِثْلُ الْأَقْبِيَةِ
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَمَّامِ
فَقَالَ مَالِكٌ فِيهِ الشفعة
وقال بن الْقَاسِمِ لَا شُفْعَةَ فِيهِ
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحاق روى بن القاسم وبن أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ
قَالَ وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَنَا أَرَى فِيهِ الشُّفْعَةَ
قال إسماعيل وروى بن الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَمَّامَ يُقْسَمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بن لبانة يفتيان في الحمام
وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مُنْفَرِدَةً دُونَ الْأَصْلِ
فقال مالك وبن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّهَا تُقْسَمُ بِالْحُدُودِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مذاهبهم في قسمة الثمار في رؤوس الْأَشْجَارِ
وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ فِيهَا الشُّفْعَةَ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الشُّفْعَةِ فِي الْكِرَاءِ أَوِ الدُّورِ وَالرِّبَاعِ وَالْأَرَضِينَ وَفِي الْمُسَاقَاةِ وَفِي الدَّيْنِ هَلْ يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كله في كتاب اختلافهم
وحديث بن شِهَابٍ يَنْفِي الشُّفْعَةَ وَيُسْقِطُهَا إِلَّا فِي الْمُشَاعِ مِنَ الْأَرَضِينَ وَالرِّبَاعِ حَيْثُ يُمْكِنُ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفُ الطُّرُقِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرِكَةٍ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا
стр. 3049
بِالْخِيَارِ فَأَرَادَ شُرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرِيكُهُمْ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الْبَيْعُ فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي
وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّفِيعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَيَصِيرَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِنْ أَرَادَ لَا قَبْلَ ذَلِكَ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي خَاصَّةً
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنِ اشْتَرَى شِقْصًا عَلَى أَنَّهَا جَمِيعًا بِالْخِيَارِ أَوِ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَقَدْ خَرَجَ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ
ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ قَالَ مَنْ بَاعَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهَا أَيَّامًا ثَلَاثَةً لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ وَكَانَ أَخْذُهُ إِيَّاهَا قَطْعًا بِخِيَارِ الْمُشْتَرِي وَأَمْضَى الْبَيْعَ فِيهَا
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الشَّرِيكِ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ لَهُ فِيهَا شُرَكَاءُ بالخيار ثم بيع بَعْضُ أَشْرَاكِهِ نَصِيبَهُ بَيْعًا بَتْلًا
فَفِي (الْمُدَوَّنَةِ) إِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي فَالسِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ
وَقَالَ سَحْنُونٌ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ بِالْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ حُكْمُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَتْلًا لِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ لِأَنَّ الشِّقْصَ كَانَ لَهُ وَمِنْهُ ضَمَانُهُ فَإِنَّ سَلَّمَ فَلِلْمُشْتَرِي وَلَا تُبَالِي لِمَنْ كَانَ الْخِيَارُ مِنْهُمَا
وَبِهَذَا الْقَوْلِ يقول بن الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ثُمَّ يَأْتِي رجل
стр. 3050
فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ
قَالَ فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ او المشتري أَوْ هُمَا حَيَّانِ فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ عِمَارَةٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحِقِّ بِمِيرَاثٍ نَصِيبًا فِي أَرْضٍ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَدِيمٌ
فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ مَا أَظْهَرَهُ شُهُودُهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ شَرِيكٍ ظَاهِرِ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ بَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ فِي أَرْضٍ مُشَاعَةٍ بَيْنَهُمَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّ
وَمَنْ قَالَ لَا شُفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ يَوْمَ اسْتَحَقَّ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ
أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي وَلَا مِنَ الْبَائِعِ الْجَاحِدِ لَهُ
وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ حُرِّيَّةً عَلَى مَوْلَاهُ وَالْمَوْلَى جَاحِدٌ لَهَا فَلَمَّا قَامَتْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ بِالْحُرِيَّةِ قُضِيَ لَهُ بِهَا وَلَمْ يَلْزَمِ الْمَوْلَى خَرَاجُهُ وَقِيمَةُ خِدْمَتِهِ لِأَنَّهُ جَاحِدٌ لِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ وَإِنَّمَا تَجِبُ شَهَادَتُهُمْ حُكْمًا ظَاهِرًا مِنْ يَوْمِ شَهِدُوا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ
وَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوجِبُونَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْخَرَاجَ أَوِ الْغَلَّةَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ فَإِنَّ طُولَ الزَّمَانِ لِمَنْ كَانَ غَائِبًا وَقَامَتْ بَيِّنَتُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ
следующие страницы →