← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1722

الاستذكار

ابن عبد البر

Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وَقَدْ رَوَاهُ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ كُلُّهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي أَسَانِيدِهَا وَأَلْفَاظِهَا وَتَضْعِيفِهِمْ لِبَعْضِ نَاقِلِيهَا وَأَحْسَنُهَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ وَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْضًا فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ (أَعَلَيْهِ دَيْنٌ) قَالُوا نَعَمْ دِينَارَانِ فَقَالَ (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) قَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَالَ (أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فِعْلِيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ضَمَانَ أَبِي قَتَادَةَ وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ وَرَوَاهُ عَقِيلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُخْتَصَرًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا (أَنَا أَوْلَى بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إِلَى آخِرِهِ لَا غَيْرَ (٣٢ - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ) ١٤٣٨ - قَالَ مَالِكٌ إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ يَنْقُصُ ثَمَنُ الثَّوْبِ ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْبَائِعِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُ قَالَ وَإِنِ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ عَوَارٍ فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَقَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ الَّذِي ابْتَاعَهُ أَوْ صَبَغَهُ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيُمْسِكُ الثَّوْبَ فَعَلَ وَإِنْ

стр. 3187

شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوِ الصَّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ فَعَلَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صبغ الثوب صبغا يزيد فيه ثَمَنِهِ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الثَّوْبِ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبَ فَعَلَ وَيَنْظُرَ كَمْ ثَمَنُ الثَّوْبِ وَفِيهِ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصَّبْغَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَعَلَى حِسَابِ هَذَا يَكُونُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ هَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأِ) عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَقَوْلُهُ قَدْ علمه البائع هو الذي ذكره بن الْقَاسِمِ عَنْهُ إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ قَالَ بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (إِذَا دَلَّسَ بِالْعَيْبِ وَهُوَ يعلم ثم احدث المشتري في الثوب صبغا ينقص الثَّوْبِ أَوْ قَطَعَهُ قَمِيصًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ حَبَسَ الثَّوْبَ وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الصَّبَّاغُ يَزِيدُ فِيهِ) فَذَكَرَ مَا فِي (الْمُوَطَّأِ) عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ وَقَوْلُ أَحْمَدَ في ذلك كقول مالك وقال بن الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ لَبِسَهُ الْمُشْتَرِي فَأَنْقَصَهُ لُبْسُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ لُبْسُهُ إِنْ أَرَادَ رَدَّهُ قَالَ مَالِكٌ وَالتَّدْلِيسُ بِالْحَيَوَانِ وَغَيْرُ التَّدْلِيسِ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَمْ يَبِعْهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُ وَالثِّيَابُ اشْتَرَاهَا لِتُقْطَعَ وَإِذَا اشْتَرَى حَيَوَانًا فَاعْوَرَّ عِنْدَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَ إِذَا كَانَ عَوَرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ عَيْبٍ مُفْسِدٍ دَلَّسَ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَلَا يَرُدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الثَّوْبَ فَيَقْطَعُهُ ثُمَّ يَجِدُ فِيهِ الْعَيْبَ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْخَرْقِ وَالرَّفْوِ حَلَفَ الْبَائِعُ بِاللَّهِ مَا عَلِمَ ذَلِكَ فِيهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ السَّقْطِ فَإِنَّهُ إِنْ علم ان كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ وَيَغْرَمُ لَهُ الْبَائِعُ أَجْرَ الْخِيَاطَةِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرُدَّهُ وَرَجَعَ بِقَيِّمَةِ الْعَيْبِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الثَّوْرِيِّ

стр. 3188

قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهُ وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا خَاطَ الثَّوْبَ قَمِيصًا أَوْ صَبَغَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْبَلَهُ وَإِنْ قَطَعَهُ قَمِيصًا وَلَمْ يَخِطْهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِالْعَيْبِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهُ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهُ وَكَذَلِكَ إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ يَرُدُّهُ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ وَيَرُدُّ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الثَّوْبِ وَالْخَشَبِ إِذَا قَطَعَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا رَدَّهُمَا مَقْطُوعَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْقَطْعِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَطْعُ مِنَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّوْبِ وَالصَّبْغُ الَّذِي يَنْقُصُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ بِحَالِهِ كَمَا أَخَذَهُ وَأَمَّا إِذَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ فَهُوَ عَيْنُ مَا لِلْمُشْتَرِي وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَمَنِ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ مَا وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَلِمَا وَصَفْنَا لِأَنَّ الثَّوْبَ قَدْ دَخَلَهُ مَا غَيَّرَهُ عَنْ حَالِهِ الَّتِي بَاعَهَا عَلَيْهِ الْبَائِعُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا الرُّجُوعُ بِمَا دَلَّسَ لَهُ بِهِ الْبَائِعُ وَسَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي ذَهَابِ الْأَمْوَالِ كَالْعَمْدِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ يُرَدُّ الْمَبِيعُ بِالْعَيْبِ فَيَرُدُّ مَعَهُ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَيْبِ فَهُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا رَدَّ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَيْبِ فَكَأَنَّهُ رَدَّهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ النُّقْصَانَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ وَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْعَيْبُ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى الْقَطْعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ الْفَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الثِّيَابِ والحيوان فيما حكاه بن الْقَاسِمِ عَنْهُ وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَقُولُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَطْعِ وَاللُّبْسِ كَذَلِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الْوَطْءِ وَالتَّأْدِيبِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِرَدِّ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِيهِ الْعَيْبُ أَنَّهُ إِذَا لَبِسَهُ لُبْسًا يُبْلِيهِ بِهِ أَنَّهُ لَا

стр. 3189

يَرُدُّهُ إِلَّا وَيَرُدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَأَنَّ لَهُ قِيمَةَ الْعَيْبِ (٣٣ - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النحل) ١٤٣٩ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا) فَقَالَ لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَارْتَجِعْهُ) قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ (الْعَيْنِ) النِّحَلُ وَالنِّحْلَةُ الْعَطَايَا بِلَا اسْتِعَاضَةٍ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) النِّسَاءِ ٤ أي هبة من مال اله تعالى لمن وَفَرِيضَةً عَلَيْكُمْ وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَوَى جَمَاعَةُ أَصْحَابِ بن شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمَا قَالَ فِيهِ (فَارْتَجِعْهُ) وَبَعْضُهُمْ قَالَ (فَارْدُدْهُ) وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِيهِ وَاحِدٌ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي (التَّمْهِيدِ) وَأَثْبَتُّهَا هُنَاكَ بِالْأَسَانِيدِ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ليشهده

стр. 3190

فَقَالَ (أَكُلَّ بَنِيكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا) قَالَ لَا فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ وَقَالَ فِيهِ (فَارْدُدْهُ) وَقَالَ فِيهِ حُصَيْنٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ الله ﷺ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ (أَعْطَيْتَ أَوْلَادَكَ مَثَلَ سَائِرِ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا) قَالَ لَا فَقَالَ (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ فَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِرَدِّ الْعَطِيَّةِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ رَجَعَ فَرَدَّ الْعَطِيَّةَ إِذْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعَدْلِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَرَوَاهُ هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ وَمُغِيرَةُ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَمَجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ أَنْحَلَنِي أَبِي نُحْلًا - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ نَحَلَهُ غُلَامًا لَهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَفِيهِ قَالَ لَهُ (أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ) قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ (أَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ النُّعْمَانَ) قُلْتُ لَا قَالَ هُشَيْمٌ فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ هَذَا جَوْرٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ تَلْحِيَةٌ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي وَقَالَ مُغِيرَةُ فِي حَدِيثِهِ (أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) وَذَكَرَ مُجَالِدٌ فِي حَدِيثِهِ (إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ

стр. 3191

فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَطِيَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا مِنْ أَجْلِ مَا خَافَ عَلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْعُقُوقِ عَلَيْهِ مِنْ بَنِيهِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَدِّ الْعَطِيَّةِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ فَقَالَ طَاوُسٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذْ وَفُسِخَ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَارْتَجِعْهُ) وَقَوْلُهُ (فَارْدُدْهُ) مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ لَا بَأْسَ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ بِالنِّحْلَةِ دُونَ بَعْضٍ وَيُؤْثِرَهُ بِالْعَطِيَّةِ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْعَطَايَا إِلَى الْبَنِينَ أَحَبُّ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَقُولُ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ فِيمَنْ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ قَالَ وَقَدْ نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ دُونَ وَلَدِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي (الْمُوَطَّأِ) عَنْ هِشَامٍ عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ١٤٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللَّهِ يَا ابْنَتِي مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْتَسَمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ

стр. 3192

قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ! وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أَرَاهَا جَارِيَةً قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ قَبَضَ الْمَوْهُوبِ لَهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْمَرَضِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ مَوْتُهُ وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى قَبْضِ الْهِبَةِ وَحِيَازَتِهَا بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثم يمسكونها الحديث وفي هذا حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا جَوَازُ الْهِبَةِ الْمَجْهُولِ عَيْنُهَا إِذَا عُلِمَ مَبْلَغُهَا وَجَوَازُ هِبَةِ الْمَشَاعِ أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّ الْغِنَى أَحَبُّ إِلَى الْفُضَلَاءِ مِنَ الْفَقْرِ وَأَمَّا إِعْطَاءُ الرَّجُلِ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ تَرْكُ التَّفْضِيلِ فِي عَطِيَّةِ الْأَبْنَاءِ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ قَالَ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (فَارْجِعْهُ) قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي النُّحْلِ يُجَوِّزُهُ فِي الْحُكْمِ وَيَقْضِي بِهِ وَقَالَ طَاوُسٌ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ رَغِيفًا مُحْتَرِقًا وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ هذا الحديث على الندب بنحو ما ستدل بِهِ مَالِكٌ مِنْ عَطِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سواء قال نعم قال (فأشهد على هذا غَيْرِي) قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِرَدِّهَا وَأَمَرَهُ بِتَأْكِيدِهَا بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَشْهَدْ هُوَ عَلَيْهَا لِتَقْصِيرِهِ عَنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِهِ وَتَرَكَ الْأَفْضَلَ لَهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ بِمَا شَاءَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنَّ الْقَضَاءَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطِيَّةِ

стр. 3193

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ كَرِهْنَا ذَلِكَ لَهُ وَأَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِ وَقَدْ كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنْ فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ نَفَذَ وَلَمْ يُرَدَّ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ قَالَ فَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ أُمِرَ بِرَدِّهِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي اسْتِحْبَابِهِمْ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ مِثْلَ مَا يُعْطِي الانثى وممن قال ذلك سفيان الثوري وبن المبارك قال بن الْمُبَارَكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَلَوْ كُنْتُ مُؤُثِرًا أَحَدًا أَثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ) وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَقَالَ آخَرُونَ التَّسْوِيَةُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قِيَاسًا عَلَى قَسْمِ اللَّهِ تعالى الميراث بينهم وممن قَالَ ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَلَا أَحْفَظُ لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ (فَارْجِعْهُ) فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ وَمَعْنَى الِاعْتِصَارِ عِنْدَهُمُ الرُّجُوعُ فِي الهبة

стр. 3194

وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِغَيْرِ الْأَبِ إِلَّا أَنَّ الْأُمَّ عِنْدَهُمْ إِذَا وَهَبَتْ لِابْنِهَا شَيْئًا وَهُمْ أَيْتَامٌ لَمْ تَرْجِعْ فِي هِبَتِهَا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّدَقَةِ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَيْتَامًا وَكَانَ أَبُوهُمْ حَيًّا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ أَصْلًا وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَدَّ لَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِ ابْنِهِ وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا وَهَبَ لَهُ أَبُوهُ هِبَةً ثُمَّ اسْتَحْدَثَ الْوَلَدُ دَيْنًا دَايَنَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْهِبَةِ أَوْ نَكَحَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ - حِينَئِذٍ - الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْ هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْهِبَةِ فَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا رجوع فيها للاب ولا لغير اب بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِصَارُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ وَسَنَذْكُرُ مَا لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فِي بَابِ الِاعْتِصَارِ فِي الْهِبَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هُنَا قَوْلَ مَالِكٍ لِمَا ارْتَبَطَ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ (إِنَّ ذَا بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً فَهَذَا مِنْهُ ﵁ ظن لم نخطئه فَكَانَتْ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً أَتَتْ بَعْدَهُ فَسُمِّيَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ وَأَمَّا بِنْتُ خَارِجَةَ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الَّذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ إِذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَكَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ظَنًّا كَالْيَقِينِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ ظَنُّ الْحَلِيمِ مَهَابَةٌ وَتَقُولُ أَيْضًا (مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِظَنِّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِيَقِينِهِ) وَتَقُولُ أَيْضًا (الظَّنُّ مِفْتَاحُ الْيَقِينِ) وَقَالَ أَوْسُ بن حجر (الالمعي الذي يظن لك الظنن ... كَأَنَ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا

стр. 3195

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلَيٍّ ﵄ وَمِمَّا يُمْدَحُ بِهِ الظَّنُّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَقَالَ ﷺ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي فليظن بي ما شاء) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَمَّا ظَنُّ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ فَمَذْمُومٌ غَيْرُ مَمْدُوحٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) الْفَتْحِ ١٢ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا) قَالَ اللَّهُ ﵎ (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) النَّجْمِ ٢٨ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِنْتَ خَارِجَةَ الْمَذْكُورَةَ وَابْنَتَهَا بِمَا يَجِبُ مِنْ ذِكْرِهِمَا هُنَاكَ والحمد لله كثيرا ١٤٤١ - مالك عن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِئِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَالُ رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها فإن مات بن أَحَدِهِمْ قَالَ مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا وَإِنْ مَاتَ هُوَ

стр. 3196

قَالَ هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ من نحل نحلة فلم يجزها الَّذِي نَحَلَهَا حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ صَحَّ الْقَضَاءُ مِنَ الْخَلِيفَتَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِأَنْ يَحُوزَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَيَنْفَرِدَ بِهَا دُونَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ وَرَوَاهُ بن عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَاهَا نَحَلَهَا جَادًّا عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا بُنَيَّةُ فَإِنِّي - وَاللَّهِ - إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي لَأَنْتِ وَإِنَّ أَعَزَّ النَّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي لَأَنْتِ وَإِنِّي كُنْتُ نحلتك جاد عشرين وسقا من مالي وددت انك حزتيه وحددتيه وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ قَالَتْ هَذَا أَخَوَايَ فَمَنْ أُخْتَايَ قَالَ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ فَإِنِّي أَظُنُّهَا جَارِيَةً قَالَتْ لَوْ كَانَ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا لَرَدَدْتُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْحِيَازَةِ لَهَا وَمَعْنَى الْحِيَازَةِ الْقَبْضُ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْهِبَةِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمَشَاعِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْهِبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا أَصِفُهُ لَكَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنَ الْوَاهِبِ وَالْقَبُولِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ وَمَا دَامَ الْوَاهِبُ حَيًّا فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا الْوَاهِبَ حَتَّى يَقْبِضَهَا فَإِنْ قَبَضَهَا تَمَّتْ لَهُ وَصَارَتْ مِلْكًا مِنْ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتِ الْهِبَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا حِينَ وَهَبَهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ مَنْزِلَةَ مَنْ أَرَادَ إِخْرَاجَ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ وَكَانَتْ فِي يَدِهِ طُولَ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَرْضَ بِهَا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ بِالْمُطَالَبَةِ لَهَا حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْوَاهِبُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمُ الْهِبَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَتَسْلِيمٍ مِنَ الْوَاهِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلٌ وليس الموهوب بِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْوَاهِبَ بِتَسْلِيمِهَا لِأَنَّهَا مَا لَمْ تُقْبَضْ عِدَةً وَعَدَهُ بِهَا فَإِنْ وَفَّى حُمِدَ وَإِنْ لَمْ يُوفِ بِمَا وَعَدَ وَلَمْ يوهب بما سلم لم يقض عليه بشيء

стр. 3197

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَجُّ بِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ﵀ اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلَيٍّ ﵃ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُوزَنُ لَمْ يَصَحَّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ وَكَيْفَ الْقَبْضُ فِيهَا فَقَالَ مَالِكٌ هِبَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبْضِ الْجَمِيعِ وَتَصِحُّ لِلشَّرِيكِ فِي الْمُشَاعِ إِذَا تَخَلَّ الْوَاهِبُ عَنْهَا وَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ وَانْفَرَدَ الشَّرِيكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي الْمُشَاعِ وَالْقَبْضُ فِيهَا كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْهِبَةُ لِلْمُشَاعِ بَاطِلٌ وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً مَعْلُومَةً مُفْرَدَةً كَمَا يَصِحُّ الرَّهْنُ عِنْدَهُمْ فَيُفْرَدُ الْمُرْتَهَنُ وَكَذَلِكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَيَقْبِضُهُ وَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ (٣٤ - بَابُ مَا يَجُوزُ من العطية) قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ جمهور رواة (الموطا) حديث مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُثْمَانَ فِي نِحْلَةِ الرَّجُلِ ابْنَهُ الصَّغِيرِ وَهِبَتِهِ لَهُ وَحِيَازَتِهِ وَهُوَ عِنْدَ يَحْيَى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي آخِرِ الْأَقْضِيَةِ وَهُنَاكَ نَذْكُرُهُ كَمَا رَوَاهُ يحيى - ان شاء الله تعالى ١٤٤٢ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى أَحَدًا عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيَهَا إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا قَالَ وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إِمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا فليس ذلك له وإذا قَامَ عَلَيْهِ بِهَا صَاحِبُهَا أَخَذَهَا

стр. 3198

قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أَعْطَاهَا فَجَاءَ الَّذِي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَرَضًا كَانَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ حَيَوَانًا أُحْلِفَ الَّذِي أُعْطِيَ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ فَإِنْ أَبَى الَّذِي أُعْطِيَ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الْمُعْطِي وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضًا أَدَّى إِلَى الْمُعْطَى مَا ادعى عليه اذ كَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطَى عَطِيَّتَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَ عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي أَنْ يُمْسِكَهَا وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا قَامَ صاحبها اخذها قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ وَأَوْضَحْنَا فِيهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَمَذْهَبَ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَالَّذِي دَعَانَا إِلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِعَائِشَةَ فِيهِ (لَوْ كُنْتِ حُزْتِيهِ وَجَدَّدْتِيهِ لَكَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ) وَقَوْلُ عُمَرَ فِيهِ أَيْضًا (مَا بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها فان مات بن أَحَدِهِمْ قَالَ مَالِي بِيَدِي الْحَدِيثَ) وَهَذَانَ الْحَدِيثَانِ أَصْلُ حِيَازَةِ الْهِبَةِ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي قَبْضِ الْهِبَةِ وَحِيَازَتِهَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَذَكَرْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْوَاهِبِ بِهَا إِنْ مَنْعَهُ إِيَّاهَا وَذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا (٣٥ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْهِبَةِ) ١٤٤٣ - مَالِكٌ عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا

стр. 3199

قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَعَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا إِلَّا لِذِي رَحِمٍ وَعَنْ ايوب عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ حَقٍّ أَوْ معروف فعطيته جائزة والطالب الْمُسْتَعِزِزُ يُثَابُ مِنْ هِبَتِهِ أَوْ تُرَدُّ إِلَيْهِ ١٤٤٤ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ وَقَدْ أَرْجَأْتُ الْقَوْلَ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لِذِي رَحِمٍ وَغَيْرِهِ إِلَى بَابِ الِاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَبُو عُمَرَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ اذا قبضها الموهوب له كان للموهوب مُطَالَبَتُهُ بِالثَّوَابِ مِنْهَا ذَا رَحِمٍ مِنْهُ كَانَ أَوْ غَيْرَ رَحِمٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرٌ فِي رَدِّهَا أَوْ إِعْطَاءِ الْعِوَضِ مِنْهَا هَذَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنْ تَغَيَّرَتْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ كَانَ لِلْوَاهِبِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ جَوَازُ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْهِبَةُ للثواب عنده باطل مَرْدُودَةٌ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وَذَلِكَ بَيْعٌ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُمْ جَائِزَةٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ زَادَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ هَلَكَتْ لَمْ يَكُنْ

стр. 3200

لِلْوَاهِبِ فِيهَا رُجُوعٌ إِنْ كَانَتْ لِذِي رَحِمٍ لِأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - صِلَةٌ خَالِصَةٌ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَجُمْلَةُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ أَنَّ كُلَّ هِبَةٍ وَقَعَتْ عَلَى شَرْطِ عِوَضٍ فَهِيَ وَالْعِوَضُ مِنْهَا عَلَى حُكْمِ الْهِبَةِ لَا تَصِحُّ مَا لَمْ تُقْبَضْ وَيَمْنَعْ كُلُّ وَاحِدٍ منها صَاحِبَهُ إِنْ شَاءَ فَإِنْ مَضَتْ وَقَبَضَ الْعِوَضَ مِنْهَا فَهِيَ كَالْبَيْعِ وَيَرُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وُجِدَ فِيهِ الْعَيْبُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ رُجُوعٌ وَلَا ثَوَابَ فِي هِبَةٍ وَلَا هَدِيَّةٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ قال حدثني بن عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ مِنَّا مَثَلُ السَّوْءِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) (٣٦ - بَابُ الِاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ) ١٤٤٥ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِابْنُ أَوْ كَانَ فِي حِجْرِ أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ نِحَلًا أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثِ الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فَتَنْكِحُ المراة الرجل

стр. 3201

وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ الْأَبُ أَوْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النِّحَلَ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا لِغِنَاهَا وَمَالِهَا وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ أَنَا أَعْتَصِرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنِ ابْنِهِ وَلَا مِنِ ابْنَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ قُلْنَا إِنَّ الِاعْتِصَارَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُوَ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا وَكُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ - مِنَ الْهِبَاتِ - وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الصَّدَقَةِ فِي تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِيهَا وَأَمَّا الْهِبَاتُ إِذَا لَمْ يَقُلِ الْوَاهِبُ فِيهَا لِلَّهِ وَلَا أَرَادَ بِهِبَتِهِ الصَّدَقَةَ الْمُخْرَجَةَ لِلَّهِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ (الْمُوَطَّأِ) عَلَى مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ تَرْكِ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ إِذَا نَكَحَتِ الِابْنَةُ أَوِ اسْتَدَانَ الِابْنُ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ ثُمَّ وَقَفَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَوِ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ (لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ) لَقُلْتُ بِهِ وَلَمْ أَزِدْ وَاهِبًا غَيْرَهُ وَهَبَ لِمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْهُ أَوْ لِمَنْ لَا يَسْتَثِيبُ مِنْهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ وَصَلَ حَدِيثَ طَاوُسٍ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ وَهُوَ ثِقَةٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شعيب عن طاوس عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ وَمِثْلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَهُ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ) قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ ﷺ (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَمِنْ أَحْسَنِ أَسَانِيدِهِ حَدِيثُ شعبة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ بن عباس

стр. 3202

وَأَمَّا قَوْلِهِ ﷺ (لَا يَحْلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ) فَلَيْسَ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ كُلُّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمَةٍ كَالْأَخِ والاخت وبن الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَكَذَلِكَ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَالْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَالْبَنِينَ وَإِنْ سَفُلُوا وَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ إِنْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ كَمَا لَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْ صَدَقَتِهِ فَإِنْ وَهَبَ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ تَزِدْ فِي بَدَنِهَا أَوْ يَزِيدُ فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَمَا لَمْ يَمُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَمَا لَمْ تَخْرُجِ الْهِبَةُ مِنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَمَا لَمْ يُعَوِّضِ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ عِوَضًا يَقْبَلُهُ وَيَقْبِضُ مِنْهُ فَأَيُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَتْ فَلَا رُجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَعَهُ كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَا فِيمَا وَهَبَ لِذِي رَحِمِ مُحَرَّمَةٍ مِنْهُ وَلَا فِيمَا وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَالشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَا وَالْأَوْصَافُ الَّتِي وَصَفْنَا كَانَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَهُ فِيهَا أَوْ بِتَسْلِيمٍ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ فِي (مُخْتَصَرِهِ) وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطْفَانَ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ) فَسَوَّى بَيْنَ الْهِبَةِ لِذِي الرَّحِمِ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ فِيمَنْ وَهَبَ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ذِكْرُ الزَّوْجَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَا غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ كَمَا فَعَلَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَصْلُ عِنْدِي الَّذِي تَلْزَمُ الْحُجَّةُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الرَّجْعَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﷺ (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ سُنَّةٌ تَخُصُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَوْ يَتَّفِقُ عَلَى مَعْنًى مِنْ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

стр. 3203

(٣٧ - باب القضاء في العمرى) ١٤٤٦ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا) لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ ١٤٤٧ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا الدِّمَشْقِيَّ يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَى مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا فَقَالَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أُعْطُوا قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا إِذَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ أَحَدٌ فِي (الْمُوَطَّأِ) قَوْلُهُ (إِنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي اعمرها اذا لَمْ يَقُلْ لَكَ وَلِعَقِبِكَ) غَيْرُ يَحْيَى بْنِ يحيى في (الموطا) وقد رمى بها بن وَضَّاحٍ مِنْ كِتَابِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي إِذَا مَاتَ الْمُعْطَى وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْمُعْطِي لِلْمُعْطَى هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ تَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى الْمُعْطِي عِنْدَ انْقِرَاضِ عَقِبِ الْمُعْطَى إِذَا كَانَ الْمُعْطِي حَيًّا وَإِلَّا قَالَ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ وَرَثَتِهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمُعْمَرُ بِلَفْظِ الْعُمْرَى عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ رَقَبَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بِلَفْظِ الْعُمْرَى وَالسُّكْنَى والاعتمار والاعلال

стр. 3204

وَالْإِعْمَارُ عِنْدَهُمْ وَالْإِسْكَانُ سَوَاءٌ لَا يَمْلِكُ بِذَلِكَ رَقَبَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَكَذَلِكَ الْإِفْقَارُ وَالْإِخْبَالُ وَالْإِطْرَاقُ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَطَايَا لَا يَمْلِكُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَقَبَةَ الشَّيْءِ الْمُعْطَى وَإِنَّمَا تُمْلَكُ بِهِ مَنْفَعَتُهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ ١٤٤٨ - وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي (الْمُوَطَّأِ) بِأَثَرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا قَالَ وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَ حَفْصَةَ وَالْمُنْفَرِدَ بِمِيرَاثِهَا فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ الدَّارُ بَعْدَ مَوْتِهَا لِأَنَّ الْإِسْكَانَ لَا يُمْلَكُ بِهِ إِلَّا الْمَنْفَعَةُ دُونَ الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ الْإِعْمَارُ عِنْدَ مَالِكٍ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أَعْطَوْا يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ الْعُمْرَى يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُعْمِرِ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي أُعْمِرَ إِلَّا مَنْفَعَتُهُ وَعُمْرُهُ لَا غَيْرَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِهِ الْمُسْنَدِ فِي هَذَا الباب عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي (الْمُوَطَّأِ) وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ رَوَى عَنْهُ (الْمُوَطَّأَ) وَرَوَى عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يُعَاتِبُ مُحَمَّدًا وَمُحَمَّدٌ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ يَقُولُ لَهُ مَا لَكَ لَا تَقْضِي بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رسول ﷺ فِي الْعُمْرَى - يَعْنِي حديث بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ فَيَقُولُ لَهُ مُحَمَّدٌ يَا أَخِي لَمْ أَجِدِ النَّاسَ عَلَى هَذَا فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يُكَلِّمُهُ وَمُحَمَّدٌ يَأْبَاهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ الْعُمْرَى وَرَدَّهُ بِالْعَمَلِ عِنْدَهُ وَقَدْ أَخَذَ به بن شهاب وغيره وروى معمر عن بن شِهَابٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَأَمَّا إِذَا قَالَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صاحبها

стр. 3205

قَالَ مَعْمَرٌ وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ وَبِهِ قَالَ بن أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ جَارِيَتِي هَذِهِ لَكَ حَيَاتَكَ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَالَ لَا قُلْتُ فَقَالَ هِيَ لَكَ عُمْرِي أَوْ عُمْرَكَ فَيَحِلُّ لَهُ فَرْجُهَا قَالَ لَا حَتَّى يَبِينَهَا لَهُ إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا لِلْمُعْمَرِ شَيْءٌ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ يُعْطِيهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ لَا يَكُونُ لِلْمُعْطِي فِيهَا مَثُوبَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ حَدِيثُ مَعْمَرٍ هَذَا إِنَّمَا مُنْتَهَاهُ إِلَى قَوْلِهِ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ وَمَا بَعْدَهُ عِنْدَنَا مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَمَا رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرُدُّ حَدِيثَ مَعْمَرٍ هَذَا قَالَ أَبُو عمر حديث ابي الزبير رواه بن جُرَيْجٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُعْمِرُوهَا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ) وَقَدْ رَوَاهُ بن جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان قال حدثني بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءً يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ) قَالَ سُفْيَانُ وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَضَى طَارِقٌ بِالْمَدِينَةِ بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ عَنْ قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي (التَّمْهِيدِ

стр. 3206

قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ قَالَ فِي الْعُمْرَى بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَمَا كَانَ مَثَلَهُ فِي الْعُمْرَى جَعَلَ الْعُمْرَى هِبَةً مَبْتُولَةً مِلْكًا لِلَّذِي أَعْمَرَهَا وَأَبْطَلَ شَرْطَ ذِكْرِ الْعُمُرِ فِيهَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ وَسُفْيَانَ الثوري والحسن بن صالح وبن عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِالْعُمْرَى هِبَةً مَبْتُولَةً يَمْلِكُ الْمُعْمَرُ رَقَبْتَهَا وَمَنَافِعَهَا وَاشْتَرَطُوا فِيهَا الْقَبْضَ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ فَإِذَا قَبَضَهَا الْمُعْمَرُ وَرِثَهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْطَلَ شَرْطَ الْمُعْمَرِ فِيهَا وَجَعَلَهَا مِلْكًا لِلْمُعْمَرِ مَوْرُوثًا عَنْهُ قَالُوا وَسَوَاءٌ ذِكْرُ الْعَقِبِ فِي ذَلِكَ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْمَرَهَا مَنْ أَعْقَبَهَا أَوْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ عَقِبٌ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعَقِيمِ فَقَالَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَقِبٌ فَمَاتُوا قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْعَقِبِ مَعْنًى يَصِحُّ إِلَّا أَنَّهَا حِينَئِذٍ تُورَثُ عِنْدَهُمْ عَنْهُ وَقَدْ يَرِثُهُ غَيْرُ عَقِبِهِ قَالُوا فَذِكْرُ الْعَقِبِ لَا مَعْنَى لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى الصَّحِيحُ ما جاء به الاثر واضحا ان العمرى تورث عَنِ الْمُعْطِي لِمِلْكِهِ لَهَا بِمَا جَعَلَهَا رَسُولُ الله مِنْ ذَلِكَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ وَهُوَ قَوْلُ جابر بن عبد الله وبن عمر وبن عباس ذكر معمر عن ايوب عن حبيبه بن ابي ثابت قال سمعت بن عُمَرَ وَسَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ أَعْطَى ابْنَهُ نَاقَةً لَهُ حياته فانتجت ابلا فقال بن عُمَرَ هِيَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ قَالَ فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ بن عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْعُمْرَى بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فِي الْإِسْكَانِ وَالسُّكْنَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ دَارًا كَانَتْ أَسْكَنَتْهَا بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ فَلَمَّا مَاتَتْ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ مَوْتِ حفصة ورث بن عُمَرَ الدَّارَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى مِلْكِهَا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَارِثَهَا لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهَا وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ اهل العلم في الاعمار والعمرى اذا ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْإِسْكَانِ وَالسُّكْنَى وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ يُسَوُّونَ بَيْنَ الْعُمْرَى وَالسُّكْنَى وَقَالُوا مَنْ أَسْكَنَ أَحَدًا دَارَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهِ ابدا

стр. 3207

وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ إِذَا قَالَ هِيَ لَكَ سُكْنَى حَتَّى تَمُوتَ فَهِيَ لَهُ حَيَّاتَهُ وَمَوْتَهُ وَإِذَا قَالَ دَارِي هَذِهِ اسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ جَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّكْنَى كَالْعُمْرَى هِبَةً تُمْلَكُ بِهَا الرَّقَبَةُ وَجَعَلَ مِلْكَ الْعُمْرَى كَالسُّكْنَى لَا تُمْلَكُ بِهَا إِلَّا الْمَنْفَعَةُ دُونَ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي السُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ أَنَّهُ لَا تُمْلَكُ بِهِ رَقَبَةُ الشَّيْءِ وَالْخَبَرُ عن بن عَبَّاسٍ فِي الْعُمْرَى رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابي الزبير عن طاوس عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا تَحِلَّ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَالْخَبَرُ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي (التَّمْهِيدِ) وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَبِهِ كَانَ يَقْضِي شُرَيْحٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ هَذَا الْبَابِ وَطُرُقَهَا وَأَلْفَاظَهَا وَاخْتِلَافَهَا فِي (التَّمْهِيدِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَرَوَى بن عيينة عن ايوب السختياني عن بن سِيرِينَ قَالَ خَاصَمَ رَجُلٌ إِلَى شُرَيْحٍ فِي الْعُمْرَى فَقَضَى لَهُ وَقَالَ لَسْتُ أَنَا قَضَيْتُ لك ولكن محمدا قَضَى بِذَلِكَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً الْعُمْرَى مِيرَاثٌ عَنْ أَهْلِهَا مَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لورثته اذا مات فاما حديث بن شِهَابٍ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ أَوْرَدْنَا فِيهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ لَهُ بِأَلْفَاظِهِ ثُمَّ رِوَايَةَ معمر له بالفاظه ورواه بن ابي ذئب والاوزاعي ومحمد بن أَخِي الزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى خِلَافِ ذلك فاما رواية بن ابي ذئب فذكرها في موطئه عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى فِيمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ وَلَا مَثُوبَةٌ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ بِهِ الْمَوَارِيثُ فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ قَالَ ابو عمر بين بن أَبِي ذِئْبٍ مَوْضِعَ الْمُسْنَدِ الْمَرْفُوعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَجَعَلَ سَائِرَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ فجوده

стр. 3208

وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِذْ جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عن بن شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَلِعَقِبِهِ) وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا هِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ) ورواية بن اخي الزهري نحو ذلك ومعاني رواة بن شِهَابٍ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مالك عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ وَرِثَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ دَارَهَا فَأَسْقَطَ حَرْفَ الْجَرِّ وَهِيَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ قَالَ ابو الحجناء (اضحت جياد بن قَعْقَاعٍ مُقَسَّمَةً ... فِي الْأَقْرَبِينَ بِلَا مَنٍّ وَلَا ثمن) (ورثتيهم فَتَسَلَّوْا عَنْكَ إِذْ وَرِثُوا ... وَمَا وَرِثْتُكَ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) أَرَادَ وَمَا وَرِثَتْ مِنْكَ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَقَالَتْ زَيْنَبُ الطَّثَرِيَّةُ (مَضَى وَوَرِثْنَاهُ دَرِيسَ مُفَاضَةٍ ... وَأَبَيَضَ هِنْدِيًا طَوِيَلًا حَمَائِلُهُ) (٣٨ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ) ١٤٤٩ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ (اعْرِفْ عِفَاصَهَا (٣) وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صاحبها والا

стр. 3209

فَشَأْنَكَ بِهَا) قَالَ فَضَالَةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ الله قَالَ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) قَالَ فَضَالَةُ الْإِبِلِ قَالَ (مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا (١) وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) ١٤٥٠ - مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ سَنَةً فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ فِي هَذَا الْبَابِ جَمَاعَةٌ عَنْ رَبِيعَةَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ كَمَا رَوَاهُ رَبِيعَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ إِلَّا فِي شَيْءٍ نَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ فِيهِ مُعَانٍ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا وَمَعَانٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ عِفَاصَ اللُّقَطَةِ وَهِيَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ وَأَصْلُ الْعِفَاصِ فِي اللُّغَةِ مَا سُدَّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ وَكُلُّ مَا سُدَّ بِهِ فَمُ إِنَاءٍ فَهُوَ عِفَاصٌ الْوِكَاءُ هُوَ الْخَيْطُ الَّتِي تُرْبَطُ بِهِ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ عَلَامَاتِ اللُّقَطَةِ إِذَا جَاءَ بِوَصْفِهَا صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَخَذُهَا وَجَازَ لِلْمُلْتَقِطِ لَهَا دَفْعُهَا إِلَيْهِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ اللُّقَطَةَ مَا لَمْ تَكُنْ تَافِهًا يَسِيرًا أَوْ شَيْئًا لَا بَقَاءَ له فانها تعرف حولا كاملاف وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَاحِبَهَا إِنْ جَاءَ وَثَبَتَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ مُلْتَقِطِهَا وَأَنَّهُ يَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ قِيمَتَهَا إِنْ كَانَ أَكَلَهَا أَوِ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ اسْتِهْلَاكُ الْمُلْتَقِطِ لَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَ صَاحِبُهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْمُلْتَقِطُ قِيمَتَهَا وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ فِعْلَهُ فَيَنْزِلَ عَلَى أَجْرِهَا

стр. 3210

هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ يَدَ الْمُلْتَقِطِ لَهَا لَا تَنْطَلِقُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْحَوْلِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَبْقَى مِثْلُهَا حَوْلًا دُونَ فَسَادٍ يَدْخُلُهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ لِآخِذِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا أَكْلُهَا وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ أَخَذِ اللُّقَطَةِ أَوْ تَرْكِهَا فَرَوَى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ أَيَأْخُذُهَا فَقَالَ أَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ بَالٌ فَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ قَالَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْوَى عَلَى تَعْرِيفِهِ فَإِنَّهُ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ يُعْطِيهِ فَيُعَرِّفُهُ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَهُ بَالٌ فَأَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَرَوَى يَحْيَى بن يحيى عن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ جَمِيعًا قَالَ فَإِنْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَبَقَ أَوْ ضَاعَتِ اللُّقَطَةُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَلَمْ يُضَيِّعْ لَمْ يَضْمَنْ وَقَوْلُ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ قال بن وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا وَاللَّيْثَ يَقُولَانِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَنْ وَجَدَهَا فِي الْقُرَى أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا وَمَنْ وَجَدَهَا فِي الصَّحَارِي فَلَا يَقْرَبْهَا قَالَ وَقَالَ اللَّيْثُ وَلَا أُحِبُّ لِضَالَّةِ الْغَنَمِ أَنْ يَقْرَبَهَا أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يُجَوِّزَهَا لِصَاحِبِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَتِ اللُّقَطَةُ كَالْآبِقِ وَلَا كَالضَّالَّةِ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا وَفِي حِفْظِهَا عَلَى صَاحِبِهَا أَجْرٌ لَا مُؤْنَةَ فِيهِ وَلَا مُؤْذِيَةَ وَلَيْسَتْ ضَوَالُّ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ وَلَمْ يُكَلِّفِ اللَّهُ عِبَادَهُ ذَلِكَ وَلَا رَسُولَهُ ﷺ وَاخْتَلَفَ بن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الَّذِي يَأْخُذُ الضَّالَّةَ ثُمَّ يبدو له فيردها إلى مكانها فقال بن الْقَاسِمِ إِنْ تَبَاعَدَ ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ تَبَاعَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهِ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ

стр. 3211

قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَرِهَ قَوْمٌ أَخْذَ اللُّقَطَةِ وَرَأَوْا تَرْكَهَا فِي مَوْضِعِهَا رُوِيَ ذَلِكَ عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَفِي هَذَا الْبَابِ فِي (الْمُوَطَّأِ) رَوَاهُ ١٤٥١ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَرِّفْهَا قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ زِدْ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا وَقَدْ رُوِيَ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَهَا وَرَأَى آخَرُونَ أَخْذَهَا وَتَعْرِيفَهَا وَكَرِهُوا تَرْكَهَا مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَالَ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً كَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ أَخْذَهَا وتعريفها والا يكون ذلك سَبَبًا لِضَيَاعِهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ) وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ فَقَالَ (خُذْهَا إِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ بِهَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي (التَّمْهِيدِ) وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِأَخْذِ الشَّاةِ وَيَقُولُ (خُذْهَا وَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللُّقَطَةَ مِثْلُهَا لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ أَرَادَهُ بِهَلَاكٍ أَوْ فساد

стр. 3212

وَفِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَعْرِيفِ الضَّالَّةِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْهَا وَلَمْ يَقِلْ لَهُ لِمَ أَخَذْتَهَا وَأَمَرَهُ أَيْضًا ﷺ بِأَخْذِ الشَّاةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الْإِبِلِ دَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا لِأَنَّ تَرْكَهَا عَوْنٌ عَلَى ضَيَاعِهَا وَمِنَ الْحَقِّ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُسْلِمِ مَالَهُ وَيَحُوطَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَمَنْ قَاسَ اللُّقَطَةَ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَ لَا تُؤْخَذُ لَمْ يُصِبِ الْقِيَاسَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَقَالَ الضَّالَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيَوَانِ وَاللُّقَطَةُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إِنَّمَا الضَّوَالُّ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ وَكَانَ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ اللُّقَطَةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الضَّالَّةِ وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ الْجَارُودِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ) وَبِحَدِيثُ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ) وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اللُّقَطَةُ وَالضَّالَّةُ سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ وممن ذهب إلى هذا ابو جعفر الحطاوي وَأَنْكَرَ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ الضَّالَّةُ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ وَقَالَ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ قَوْلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ (إِنَّ أَمَّكُمْ ضَلَّتْ قِلَادَتَهَا) فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى الْقِلَادَةِ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ (ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوهَا لِلرُّكُوبِ وَالِانْتِفَاعِ لَا لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا) وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا فِي (التَّمْهِيدِ) قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ او للذئب) وفي ضالة الابل مالك وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا

стр. 3213

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ خَوْفُ التَّلَفِ وَالذَّهَابِ لَا جِنْسُ الْوَاهِبِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ وَمَا لَمْ يَضِلَّ بِنَفْسِهِ وَلَا بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَفْظُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَخَوْفُ ذَهَابِهِ عَنْهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِبِلَ لانها اذا تركها واحدها وَلَمْ يَعْرِضْ لَهَا وَجَدَهَا صَاحِبُهَا سَالِمَةً عِنْدَ طَلَبِهِ لَهَا وَبَحْثِهِ عَنْهَا لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَمْرِهَا وَصَبْرُهَا عَنِ الْمَاءِ فَوْقَ صَبْرِ غَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ ﷺ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ الْمُلْتَقَطِ هَلْ يُعَرَّفُ حَوْلًا كَامِلًا أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَقَالَ فِي مِثْلِ الْمِخْلَاةِ وَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ وَضَعَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ لِيُعْرَفَ وَإِنْ كَانَ فِي مَدِينَةٍ انْتَفَعَ بِهِ وَعَرَّفَهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ كَانَ عَلَيَّ حَقُّهُ وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وبن الْقَاسِمِ أَنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ سَنَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بين قليلها وكثيرها وروى عيسى عن بن وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ مَا قَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَرَّفَهُ أَيَّامًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ تَصَدَّقَ به وان كَانَ غَنِيًّا وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَكَلَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعَرَّفُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ مِنْ مَالِهِ بَقَاءً حَوْلًا كَامِلًا وَلَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِصَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَإِذَا عَرَّفَهَا حَوْلًا أَكَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَإِذَا جَاءَهُ صَاحِبُهُ كَانَ غَرِيمًا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ قَالَ وَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَا يَبْقَى فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَيَغْرَمَهُ لِرَبِّهِ وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَمِمَّا وجد بخطه احب الي ان يبعه وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ حَوْلًا ثُمَّ يَأْكُلَهُ قَالَ الْمُزَنِيُّ هَذَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ فَشَأْنَكَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا عَرَّفَهُ حَوْلًا كَامِلًا وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ كَقَوْلِهِمْ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مَا كَانَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

стр. 3214

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الَّذِي يَجِدُ الدِّرْهَمَ يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ أَنْ يُعَرِّفَ اللُّقَطَةَ سَنَةً كَامِلَةً لَهُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ أَنْ يَأْكُلَهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَشَاءَ أَنْ يَضْمَنَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ منهم عمر وبن عمر وبن عَبَّاسٍ ﵃ كُلِّهِمْ - قَالَ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا وَجَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَجْرِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَوِ الضَّمَانِ يَضْمَنُ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا إِنْ شَاءَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَهَا وَيَسْتَنْفِقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ أَمْ لَا فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَحْبِسَهَا وَإِنْ أَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضِمِنَهَا قَالَ بن وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ مَا قَوْلُ عُمَرَ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا) قَالَ شَأْنُهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ - إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا قَالَ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَأْكُلُهَا الْغَنِيُّ أَلْبَتَّةَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا حَاجَةٍ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يَأْكُلُهَا الْفَقِيرُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ مُخَيَّرًا عَلَى الْفَقِيرِ الْأَكْلُ وَعَلَى الْغَنِيِّ التَّصَدُّقُ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَتَصَدَّقُ بِهَا وَلَا يَأْكُلُهَا علي وبن عَبَّاسٍ ﵄ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا جَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ يُنَاطُ أَصْحَابُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لِوَاجِدِهَا شَأْنَكَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَلَا سَأَلَهُ أَغَنِيٌّ أَنْتَ ام فقير

стр. 3215

وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ انْطِلَاقُ يَدِ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَكْلِ لَهَا وَاسْتِنْفَاقِهَا أَوِ الصَّدَقَةِ بِهَا وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ مُخَيَّرٌ بَعْدَ الْحَوْلِ في اكلها او الصدقة بها عمر وبن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْعِ اللُّقَطَةِ إِلَى مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ يَسْتَحِقُّ بالعلامة قال بن الْقَاسِمِ وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إِلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَاسْتَحَقَّهَا بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنِ الْمُلْتَقِطُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ اللُّصُوصُ إِذَا وُجِدَ مَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ فَجَاءَ قَوْمٌ فَادَّعَوْهَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّ السُّلْطَانَ يَتَلَوَّمُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ الْآبِقُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فِي اللُّقَطَةِ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ قَوْلُهُ ﷺ (وَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا يُعَرِّفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ) وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُوجِبُ طَرْحَ مَا خَالَفَهُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَا يُجْبَرُ الْمُلْتَقِطُ لَهَا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ وَيَسَعُهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ دُونَ قَضَاءٍ وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ فَإِذَا عَرَّفَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعِدَّةَ وَالْوَزْنَ وَحَلَّاهَا بِحِلْيَتِهَا وَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُلْتَقِطِ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا وَلَا أُجْبِرُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ الْمُلْتَقِطَ يَصِفُهَا

стр. 3216

قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا مَعَهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنْ يُؤَدِّيَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا مَعَهَا وَلِيَعْلَمَ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ وَقَدْ يَكُونُ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِ الْمُعَرَّفِ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَفَهَا عَشَرَةٌ أَيُعْطَوْنَهَا كُلُّهُمْ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إِلَّا وَاحِدٌ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَسَمَّى طَالِبُهَا وَزْنَهَا وَعَدَدَهَا وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَأَخَذَهُ بِهَا كَفِيلًا قَالَ أَبُو عُمَرَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْلَى مِمَّا قَالَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُلْتَقِطِ (اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنَّ عَرَفَهَا صَاحِبَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ) هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي (التَّمْهِيدِ) وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا وَأَنَّهَا عِنْدَهُ لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ هَلَكَتْ عِنْدَهُ وَهُوَ لَمْ يَشْهَدْ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِنْ أَشْهَدَ حِينَ أَخَذَهَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيُعَرِّفَهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إِنْ هَلَكَتْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلْيُعَرِّفْ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْمَغْصُوبَاتِ لَوْ أَشْهَدَ الْغَاصِبُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ غَصَبَهَا لَمْ يُدْخِلْهَا إِشْهَادُهُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْأَمَانَاتِ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى الْأَمَانَاتِ لَا يُدْخِلُهَا فِي حُكْمِ الْمَضْمُونَاتِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللُّقَطَةِ (إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ) فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي (التَّمْهِيدِ) وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا تُضْمَنُ بِهِ الْأَمَانَاتُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّضْيِيعِ وَالِاسْتِهْلَاكِ

стр. 3217

وَمَعْنَى حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُلْتَقِطَ اللُّقَطَةِ إِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا وَلَمْ يَسْلُكْ بِهَا سُنَّتَهَا مِنَ الْإِشَادَةِ وَالْإِعْلَانِ بِهَا وَغَيَّبَ وَكَتَمَ ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً وَأَنَّهُ أَخَذَهَا وَضَمَّهَا إِلَى بَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ فِيهَا خَارِجٌ عَنِ الْأَمَانَةِ فَيَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِتَلَفِهَا وَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا وَأَعْلَنَ أَمْرَهَا وَسَلَكَ فِيهَا سُنَّتَهَا مِنَ الْإِشَادَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْجَوَامِعِ وَشِبْهِهَا وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ فَهَذَا مَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي اللُّقَطَةِ وَأَمَّا حُكْمُ الضَّوَالِّ مِنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ فَقَالَ مَالِكٌ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ مَا قَرُبَ مِنَ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا وَضَمِنَهَا إِلَى أَقْرَبِ الْقُرَى لِتُعَرَّفَ فِيهَا قَالَ وَلَا يَأْكُلُهَا وَاجِدُهَا وَلَا مَنْ تُرِكَتْ عِنْدَهُ حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سنة كاملة او اكثر كذا قال بن وَهْبٍ عَنْهُ قَالَ وَإِنْ كَانَ لِلشَّاةِ صُوفٌ أَوْ لَبَنٌ وَوَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ بَاعَهُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ إِنْ جَاءَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصِيبَ مِنْ نَسْلِهَا وَلَبَنِهَا بِنَحْوِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا قَالَ وَإِنْ كَانَ تَيْسًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَنْزُو عَلَى غَنَمِهِ مَا لَمْ يُفْسِدْهُ ذَلِكَ هَذَا كُلُّهُ إِذَا وُجِدَ بِقُرْبِ الْقُرَى مِنَ الْغَنَمِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْفَلَوَاتِ وَالْمَهَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْكُلُهَا وَلَا يُعَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) قَالَ وَالْبَقَرُ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا السِّبَاعَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الشَّاةِ إِنْ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا ضِمِنَهَا لِصَاحِبِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَأْخُذُ الشَّاةَ بِالْفَلَاةِ وَيُعَرِّفُهَا فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا أَكَلَهَا ثُمَّ ضَمِنَهَا إِنْ جَاءَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَبُو عُمَرَ اتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لِلشَّاةِ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَكَلَ مِنْ لَبَنِهَا وَثَمَنِ صُوفِهَا وَقِيمَةِ نَزَوَاتِهِ عَلَى ضَأْنِهِ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِقِيَامِهِ عَلَيْهَا لَا يَسْتَحِقُّ عليه شيء

стр. 3218

وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ فَيَعْرِضَ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يُوَافِقْ مَالِكٌ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ إِنْ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا لَمْ يَضْمَنْهَا وَاجِدُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهِيَ لَكَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ (أَوْ لِلذِّئْبِ) لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّمْلِيكَ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يُمَلَّكُ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَيَنْزِلُ عَلَى أَجْرِ مُصِيبَتِهَا فَكَذَلِكَ الْوَاجِدُ إِنْ أَكَلَهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَإِنْ جَاءَ ضَمِنَهَا لَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الشَّاةِ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَإِنْ أَكَلَهَا أَحَدٌ ضَمِنَهَا وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَالشَّاةُ الْمُلْتَقَطَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ صَاحِبَهَا إِنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ مَذْبُوحَةً وَكَذَلِكَ لَوْ أَكَلَ بَعْضَهَا أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْهَا وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا لَهَا بِالْفَلَوَاتِ وَغَيْرِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الشَّاةِ (هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا (إِذَا عَرَّفْتَهَا سَنَةً وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَشَأْنَكَ بِهَا) بَلْ هَذَا أَشْبَهُ بِالتَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ فِي لَفْظِ التَّمْلِيكَ دَيْنًا وَلَا غَيْرَهُ وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي اللُّقَطَةِ أَنَّ وَاجِدَهَا يَغْرَمُهَا إِذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا طَالِبًا لَهَا فَالشَّاةُ أَوْلَى بِذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا وَقَدْ شَبَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّاةَ الْمَوْجُودَةَ بِالْفَلَاةِ بِالرِّكَازِ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ قَبْلَ وَاجِدِهِ وَالشَّاةُ مِلْكُ رَبِّهَا لَهَا صَحِيحٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ أَوْ سُنَّةٍ لَا إِشْكَالَ فِيهَا وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ فِيهَا وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ إِنْ أَكَلَ الشَّاةَ وَاجِدُهَا بِالْفَلَاةِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وبالله التوفيق

стр. 3219

(٣٩ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ) هَذَا الباب - اغنى التَّرْجَمَةَ - لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ فِي (الْمُوَطَّأِ) فِيمَا عَلِمْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَمَّا الْخَبَرُ فِيهِ فَهُوَ فِي آخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ لَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ وَكَانَ صَوَابُهُ ان يكون لو كان بَابِ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ ١٤٥٢ - قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ وَذَلِكَ سَنَةٌ أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدَهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يُخَالِفُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَإِذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ فَعَلِمَ السَّيِّدُ بِهَا فَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ فَالسَّيِّدُ ضَامِنٌ لها فِي مَالِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ وَغَيْرِهَا إِنِ اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَمِمَّا وُجِدَ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ غُرْمٌ حَتَّى يُعْتِقَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا قَالَ الْمُزَنِيُّ الْأَوَّلُ أَقْيَسُ إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ وَالْعَبْدُ عِنْدِي لَيْسَ لَهُ ذِمَّةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ إِنِ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ وَبَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ لِأَنَّ أَخْذَهُ اللُّقَطَةَ عُدْوَانٌ إِنَّمَا يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ قَالَ الْمُزَنِيُّ هَذَا أَشْبَهُ قَالَ وَلَا يَخْلُو السَّيِّدُ إِذَا عَلَّمَ بِهَا وَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا فَكَيْفَ لَا يَضْمَنُ مَا يَتَعَدَّى فِيهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا فَلَا يَعْدُو رَقَبَةَ عَبْدِهِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ الْعَبْدُ بِيعَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ (٤٠ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ) ١٤٥٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ

стр. 3220

الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمْرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ ١٤٥٤ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضال ١٤٥٥ - مالك انه سمع بن شِهَابٍ يَقُولُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَنَاتَجُ هَمَلًا لَا يُعْرَفُ لَهَا أَحَدٌ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَضَعَ عَلَيْهَا مَيْسَمَ الصدقة وهو في (الموطا) لمالك عن بن شهاب لم يتجاوز به بن شِهَابٍ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسِيَاقَةُ مالك له عن بن شِهَابٍ أَتَمُّ مَعْنًى وَأَحْسَنُ لَفْظًا قَالَ أَبُو عمر في (المدونة) عن مالك وبن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إِذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا أُخِذَتِ الْإِبِلُ وَدُفِعَتْ إِلَيْهِ لِيَعْرِفَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا رَدَّهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ قال بن الْقَاسِمِ هَذَا رَأْيٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عمر في ذَلِكَ وَقَالَ أَشْهَبُ إِنْ لَمْ يَأْتِ رَبُّهَا بَاعَهَا وَأَمْسَكَ ثَمَنَهَا عَلَى مَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ قَالُوا وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ تُؤْخَذْ ضَالَّةُ الْإِبِلِ وَتُرِكَتْ فِي مَكَانِهَا واما ضالة البقر فقال بن الْقَاسِمِ إِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا فهي بمنزلة البعير

стр. 3221

وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ أَشْهَبُ إِنْ كَانَ لَهَا مِنْ أَنْفُسِهَا مَنَعَةٌ فِي الْمَرْعَى كَالْإِبِلِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ كَالْغَنَمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ كَالْغَنَمِ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ تَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا وَتَرِدَانِ الْمِيَاهَ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَتَعِيشَانِ فِي الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا قَالَ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ كَالْبَعِيرِ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ كَالظَّبْيِ وَالْأَرْنَبِ وَالطَّيْرِ الْمُنْعَتَةِ بِالِاحْتِيَالِ وَالسُّرْعَةِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَاءَ النَّصُّ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ قِيَاسًا عَلَيْهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنَّ الْبَعِيرَ لَا يُؤْخَذُ وَيُتْرَكُ حَيْثُ وُجِدَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَقُولُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي الضَّوَالِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ سَوَاءٌ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَعِيرًا أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ حِمَارًا أَوْ بَغْلًا أَوْ فَرَسًا يَأْخُذُ ذَلِكَ الْوَاجِدُ لَهُ وَيُعَرِّفُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَاسْتَحَقَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَيَكُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى الضَّالَّةِ دَيْنًا فِي رَقَبَتِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَإِلَّا بِيعَتْ لَهُ وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي قَبْلَ مَجِيءِ صَاحِبِهَا الْأَمْرَ بِبَيْعِهَا لِمَا رَآهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِهَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ كَانَ غُلَامًا أَجَرَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ أَيْضًا فَعَلَهُ قَالُوا وَمَنْ وَجَدَ بَعِيرًا ضَالًّا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَخْذُهُ وَتَعْرِيفُهُ وَأَلَّا يَتْرُكَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَيَاعِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا (٤١ - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ) ١٤٥٦ - مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ

стр. 3222

مغازيه فحضرت امه الوفاة بالمدينة فقيل لها أَوْصِي فَقَالَتْ فِيمَ أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ) فَقَالَ سَعْدٌ حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عمرو وتابعه اكثر الرواة منهم بن القاسم وبن وهب وبن بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ سَعْدُ بن عمرو وكذلك قال بن الْبَرْقِيِّ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِيُّ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ ١٤٥٧ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ) قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ سَعْدَ بْنَ عبادة وروى بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قال سفيان قال عمرو واخبرني بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا قَالَ (نَعَمْ) قَالَ فَإِنَّهَا تَرَكَتْ مَخْرَفًا أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ سُفْيَانُ ثُمَّ أَتَيْتُ بن الْمُنْكَدِرِ فَحَدَّثَنِي بِهِ وَالْأَحَادِيثُ فِي قِصَّةِ أَمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ مُتَوَاتِرَةٌ مُسْنَدَةٌ وَمُرْسَلَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي (التَّمْهِيدِ) وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مُتَلَقًّى عِنْدَهُمْ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ

стр. 3223

وَأَمَّا حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَمُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَالِ خِلَافُ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْضَى صَلَاةٌ عَنْ أَحَدٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ الصيام عند الجمهور والاكثر وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ (أَفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) فَمَعْنَاهُ اخْتُلِسَتْ مِنْهَا نَفْسُهَا وَمَاتَتْ فَجْأَةً قَالَ الشَّاعِرُ (مَنْ يَأْمَنِ الْأَيَّامَ بَعْدَ صُبَيِرَةَ الْقُرَشِيِّ مَاتَا ... سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ افْتِلَاتًا) قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ سَأَلْتُ أَبَا زَيْدٍ النَّحْوِيَّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ (كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً) وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا فَقَالَ أَرَادَ كَانَتْ فَجْأَةً وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ (وَكَانَتْ ميتته افْتِلَاتًا) قَالَ وَتَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا رَأَتِ الْهِلَالَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَلْتَةً قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مُصْعَبٍ فَإِنْ تَفْتَلِتْهَا فَالْخِلَافَةُ تَنْفَلِتْ بِأَكْرَمِ عَلْقِي مِنْبَرٍ وَسَرِيرِ ١٤٥٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى ابويه بصدفة فَهَلَكَا فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَأَنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قَالَ (وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ)

стр. 3224

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْحَارِثِيِّ الْخَزْرَجِيِّ - وَهُوَ الَّذِي أُرِي الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ فِيهِ لِينٌ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَمْ تَعْرِفِ الْحَدِيثَ فَكَرِهَتْ لَهُ أَخْذَهَا بِالْمِيرَاثِ وَرَأَتْهُ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ فِي الْفَرَسِ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرَيْرَةَ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا وَرَوَيْنَا عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ ثُمَّ يردها إليه الميراث فَقَالَ مَا رَدَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَكُلْ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ كَرِهَ رُجُوعَ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي عُمُومِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ ومخالف الاثر وجمهور العلماء وبالله التوفيق

стр. 3225

(٣٧ كِتَابُ الْوَصِيَّةِ) (١ - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ) ١٤٥٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ) قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ وَقَالَ بعضهم فيه عن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَالٌ يُوصَى فِيهِ تَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ) وَقَالَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَبِيتُ ثَلَاثًا إِلَّا وَوَصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي (التَّمْهِيدِ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ أَمَانَةٌ فَيُوصِي بِذَلِكَ وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَأَوْجَبُوا الْوَصِيَّةَ فَرْضًا إِذَا تَرَكَ الرَّجُلَ مَالًا كَثِيرًا وَلَمْ يُوَقِّتُوا فِي وُجُوبِهَا شَيْئًا وَالْفَرَائِضُ لَا تَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً مَعْلُومَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِقَوْلِهِ في اية
следующие страницы →