Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ
وَقَالَ أَشْهَبُ إِنْ كَانَ لَهَا مِنْ أَنْفُسِهَا مَنَعَةٌ فِي الْمَرْعَى كَالْإِبِلِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ كَالْغَنَمِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ كَالْغَنَمِ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ تَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا وَتَرِدَانِ الْمِيَاهَ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَتَعِيشَانِ فِي الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا
قَالَ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ كَالْبَعِيرِ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ كَالظَّبْيِ وَالْأَرْنَبِ وَالطَّيْرِ الْمُنْعَتَةِ بِالِاحْتِيَالِ وَالسُّرْعَةِ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَاءَ النَّصُّ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ قِيَاسًا عَلَيْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنَّ الْبَعِيرَ لَا يُؤْخَذُ وَيُتْرَكُ حَيْثُ وُجِدَ
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَقُولُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي الضَّوَالِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ سَوَاءٌ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَعِيرًا أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ حِمَارًا أَوْ بَغْلًا أَوْ فَرَسًا يَأْخُذُ ذَلِكَ الْوَاجِدُ لَهُ وَيُعَرِّفُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَاسْتَحَقَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَيَكُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى الضَّالَّةِ دَيْنًا فِي رَقَبَتِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَإِلَّا بِيعَتْ لَهُ وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي قَبْلَ مَجِيءِ صَاحِبِهَا الْأَمْرَ بِبَيْعِهَا لِمَا رَآهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِهَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ كَانَ غُلَامًا أَجَرَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ أَيْضًا فَعَلَهُ
قَالُوا وَمَنْ وَجَدَ بَعِيرًا ضَالًّا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَخْذُهُ وَتَعْرِيفُهُ وَأَلَّا يَتْرُكَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَيَاعِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٤١ - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ)
١٤٥٦ - مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ
стр. 3222
مغازيه فحضرت امه الوفاة بالمدينة فقيل لها أَوْصِي فَقَالَتْ فِيمَ أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ) فَقَالَ سَعْدٌ حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ
هَكَذَا قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عمرو وتابعه اكثر الرواة منهم بن القاسم وبن وهب وبن بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ سَعْدُ بن عمرو وكذلك قال بن الْبَرْقِيِّ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِيُّ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ
١٤٥٧ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ سَعْدَ بْنَ عبادة
وروى بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ
قال سفيان قال عمرو واخبرني بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا قَالَ (نَعَمْ)
قَالَ فَإِنَّهَا تَرَكَتْ مَخْرَفًا أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا
قَالَ سُفْيَانُ ثُمَّ أَتَيْتُ بن الْمُنْكَدِرِ فَحَدَّثَنِي بِهِ
وَالْأَحَادِيثُ فِي قِصَّةِ أَمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ مُتَوَاتِرَةٌ مُسْنَدَةٌ وَمُرْسَلَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي (التَّمْهِيدِ)
وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مُتَلَقًّى عِنْدَهُمْ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ
стр. 3223
وَأَمَّا حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَمُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَالِ خِلَافُ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْضَى صَلَاةٌ عَنْ أَحَدٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ الصيام عند الجمهور والاكثر
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ (أَفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) فَمَعْنَاهُ اخْتُلِسَتْ مِنْهَا نَفْسُهَا وَمَاتَتْ فَجْأَةً
قَالَ الشَّاعِرُ
(مَنْ يَأْمَنِ الْأَيَّامَ بَعْدَ صُبَيِرَةَ الْقُرَشِيِّ مَاتَا ... سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ افْتِلَاتًا)
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ سَأَلْتُ أَبَا زَيْدٍ النَّحْوِيَّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ (كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً) وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا فَقَالَ أَرَادَ كَانَتْ فَجْأَةً وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ
(وَكَانَتْ ميتته افْتِلَاتًا)
قَالَ وَتَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا رَأَتِ الْهِلَالَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَلْتَةً
قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مُصْعَبٍ فَإِنْ تَفْتَلِتْهَا فَالْخِلَافَةُ تَنْفَلِتْ بِأَكْرَمِ عَلْقِي مِنْبَرٍ وَسَرِيرِ
١٤٥٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى ابويه بصدفة فَهَلَكَا فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَأَنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قَالَ (وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالْمِيرَاثِ)
стр. 3224
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْحَارِثِيِّ الْخَزْرَجِيِّ - وَهُوَ الَّذِي أُرِي الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ فِيهِ لِينٌ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا
وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَمْ تَعْرِفِ الْحَدِيثَ فَكَرِهَتْ لَهُ أَخْذَهَا بِالْمِيرَاثِ وَرَأَتْهُ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ
وَقَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ فِي الْفَرَسِ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرَيْرَةَ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا
وَرَوَيْنَا عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ ثُمَّ يردها إليه الميراث فَقَالَ مَا رَدَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَكُلْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ كَرِهَ رُجُوعَ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي عُمُومِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ ومخالف الاثر وجمهور العلماء وبالله التوفيق
стр. 3225
(٣٧ كِتَابُ الْوَصِيَّةِ)
(١ - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ)
١٤٥٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ وَقَالَ بعضهم فيه عن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَالٌ يُوصَى فِيهِ تَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ)
وَقَالَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَبِيتُ ثَلَاثًا إِلَّا وَوَصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ
وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ أَمَانَةٌ فَيُوصِي بِذَلِكَ
وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَأَوْجَبُوا الْوَصِيَّةَ فَرْضًا إِذَا تَرَكَ الرَّجُلَ مَالًا كَثِيرًا وَلَمْ يُوَقِّتُوا فِي وُجُوبِهَا شَيْئًا وَالْفَرَائِضُ لَا تَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً مَعْلُومَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِقَوْلِهِ في اية
стр. 3226
الْوَصِيَّةِ (بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) الْبَقَرَةِ ١٨٠ وَالْمَعْرُوفُ التَّطَوُّعُ بِالْإِحْسَانِ قَالُوا وَالْوَاجِبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُتَّقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ
وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يُوصِ وَهَذَا لَا يُحْتَجُّ لَهُ لِأَنَّ مَا تَخَلَّفَهُ ﷺ مِنْ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا
- قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ)
وَقَالَ ﷺ (إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)
فَأَيُّ وَصِيَّةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا صَدَقَةً لَا مِيرَاثَ فِيهَا وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ
قَالَ اللَّهُ (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) الْبَقَرَةِ ١٨٠
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِنْسَانِ (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) الْعَادِيَاتِ ٨ الْخَيْرُ عِنْدَهُمْ هُنَا الْمَالُ
كَذَلِكَ قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ سُلَيْمَانَ ﵇ (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) ص ٣٢
وكذلك قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) هُودٍ ٨٤ قَالُوا الْغِنَى
وَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْخَيْرِ بِمَعْنَى الْمَالِ وَالْغِنَى وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا فَلَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا وَلَا مَالًا يُوصَى فِيهِ
стр. 3227
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بعيرا ولا اوصى بشيء)
وقال بن الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ قَالَ لَا قَالَ قُلْتُ فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ
وقد ذكرنا فِي (التَّمْهِيدِ)
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَالِ الَّذِي تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْوَصِيَّةُ أَوْ تَجِبُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا
فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِيهِ وَصِيَّةٌ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَالٌ فِيهِ وَصِيَّةٌ وَهَذَا يُحْتَمَلُ لِمَنْ شَاءَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا يَسِيرًا فَلْيَدَعْهُ لِوَرَثَتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ
وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يتكففون الناس)
وقال بن عَبَّاسٍ لَا وَصِيَّةَ فِي ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ
стр. 3228
وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَرْبَعٌ مِنَ الْوَلَدِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لَا وَصِيَّةَ فِي مَالِهَا
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ الْخَيْرُ - يَعْنِي فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ - أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا فَلَا يُوصِ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) الْبَقَرَةِ ١٨٠ وَقَالَ الْخَيْرُ أَلْفٌ فَمَا فَوْقَهَا
وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مَرْغُوبٌ فِيهَا وَأَنَّهَا جَائِزَةٌ لِمَنْ أَوْصَى فِي كُلِّ مَالٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ آيَةَ الْوَصِيَّةِ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ
قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) كَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ في روايته عن بن عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ مُرْسَلَةً فَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ فِي الْبَيَانِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إِذْ كَانَ لَا يَرِثُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرُهُمْ إِلَّا وَصِيَّةً إِنْ كَانَ لِلْأَقْرَبِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ له ولد ورثه أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) النِّسَاءِ ١١ قَالَ فَبَيَّنَ اللَّهُ مِيرَاثَ الْأَبَوَيْنِ وَأَمَرَ بِوَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ (وَالْأَقْرَبُونَ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ لَيْسُوا بِوَارِثِينَ) وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَأَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْ آيَةِ الْوَصِيَّةِ الْوَالِدَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَا عَلَى دِينِ وَلَدِهِمَا لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ - وَارِثَانِ لا يحجبان
стр. 3229
وَكَذَلِكَ كُلُّ وَارِثٍ مِنَ الْأَقْرَبِينَ لِقَوْلِهِ ﷺ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ تَجِبُ لَهُ الْوَصِيَّةُ لَانْتَقَضَتْ قِسْمَةُ اللَّهِ لَهُمْ فِيمَا وَرَّثَهُمْ وَصَارَ لَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ
فَمِنْ هُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ لَا يُجِيزُ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَقَدْ قَالَ لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيِّينَ وَدَاوُدَ وَسَمُّوا السُّنَّةَ بَيَانًا لَا نَسْخًا
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَقَالُوا كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا نَسَخَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مِنَ الْوَصِيَّةِ قَوْلُهُ ﷺ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الملك قال حدثني بن الْأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَهُمْ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ
стр. 3230
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَعَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ قَطْعًا مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَلَقِّيًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْقَبُولِ فَسَقَطَ الْكَلَامُ فِي إِسْنَادِهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لَهُمْ أَمْ لَا
فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَهُمْ لِأَنَّ أَصْلَهَا النَّدْبُ كَمَا وَصَفْنَا
وَقَالُوا الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ أَفْضَلُ
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ وَإِنَّمَا انْتُسِخَ الْوَارِثُونَ وَالْآيَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِيجَابِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ
فَقَالَ طَاوُسٌ تُرَدُّ وَصِيَّتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ
وَقَالَ الضَّحَّاكُ مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - أَبُو الشَّعْثَاءِ - مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ رُدَّ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَا الثُّلُثِ وَيَمْضِي لِمَنْ أَوْصَى لَهُ ثُلُثُ الثُّلُثِ
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَفِعْلُهُ مَعَ ذَلِكَ مَاضٍ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ
وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عن عمر وعائشة
وهو قول بن عمر وبن عَبَّاسٍ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَوْصَتْ لِمَوْلَاتِهَا
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ فَقَالَ يَمْضِي وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُلْقَى ثلثه في البحر
قال بن سِيرِينَ أَمَّا فِي الْبَحْرِ فَلَا وَلَكِنْ يَمْضِي كَمَا قَالَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ ثُلُثُهُ يَطْرَحُهُ فِي الْبَحْرِ إِنْ شاء
стр. 3231
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ (١)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ فِي هَذَا وَعَنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا فِي (التَّمْهِيدِ)
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى مَنْ لَمْ يُجِزِ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً
فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فِي ثُلُثِهِ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلَّهَا وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِهِ فَقَدْ أَجَازَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَصِيَّةَ بِعِتْقِهِمْ وَهُمْ - لَا مَحَالَةَ - مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ وَأَمَّا مَنْ اوصى لوارث فلا تجوز وصيته باجماع وان اوصى لِغَيْرِ وَارِثٍ وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْوَارِثَ فَقَدْ حَافَ وَجَارَ وَأَتَى الْجَنَفَ وَالْجَنَفُ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلُ وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِثْمُ وَالْمَيْلُ عَنِ الحق
روى الثوري ومعمر عن بن طَاوُسَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ الْجَنَفُ أَنْ يُوصِيَ لِابْنِ ابْنَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُدَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سنة ثم يحضرهما الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ) وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) النِّسَاءِ ١٢
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ
стр. 3232
ثُمَّ قَرَأَ (غَيْرَ مُضَارٍّ) النِّسَاءِ ١٢ إِلَى قَوْلِهِ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) النِّسَاءِ ١٣ وَإِلَى قَوْلِهِ (وَمَنْ يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) النِّسَاءِ ١٤
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ جَازَتْ وَإِنْ ردوها فهي مردودة
ولهم في اجازتها إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ إِجَازَتَهُمْ لَهَا تَنْفِيذٌ مِنْهُمْ لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَحُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ
وَالْأُخْرَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ وَصِيَّةً أَبَدًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى حُكْمِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ عِنْدَهُمْ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ جَائِزَةٌ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ النَّاقِدُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ حدثني حجاج عن بن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ)
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ مسندا وانما هو من قول بن عباس كذلك رواية الثقات له عن بن جُرَيْجٍ وَإِنَّمَا رَفَعَهُ أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ وحسبهم ان يعطوه من اموالهم ما شاؤوا
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ إِنَّمَا مُنِعَ الْوَارِثُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لِئَلَّا يَأْخُذَ مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ تَجْوِيزَ الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَأَجَازَهُ الْوَرَثَةُ جَازَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الموصي اذا اوصى في صحته او مرضه بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بدا له
стр. 3233
وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبَدِّلَهَا فَعَلَ إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)
قَالَ مَالِكٌ فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَلَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنَ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ
قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي أَنَّ لِلْمُوصِيَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ غَيْرَ التَّدْبِيرِ
هُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعَ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ إِلَّا التَّدْبِيرَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الرُّجُوعِ فِي الْمُدَبَّرِ وَفِي بَيْعِهِ فَكُلُّ مَنْ رَأَى بَيْعَهُ رَأَى الرُّجُوعَ فِيهِ لِمَنْ شَاءَ
وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَلَا الرُّجُوعُ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ
وَقَدْ أَجَازَ اللَّيْثُ بَيْعَهُ لِلْعِتْقِ مِنْ نَفْسِهِ ومن غيره
وقال بن سِيرِينَ لَا يُبَاعُ إِلَّا مِنْ نَفْسِهِ
وَهُوَ قول مالك
وكره بيع المدبر بن عمر وبن الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُدَبَّرِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٢ - بَابُ جَوَازِ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ)
١٤٦٠ - مالك عن عبد الله بن أبي بكر بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب ان ها هنا غلاما يفاعا لم
стр. 3234
يحتلم عن غَسَّانَ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ له ها هنا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلْيُوصِ لَهَا قَالَ فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمٍ قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَّقِيِّ
١٤٦١ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصِي قَالَ فَلْيُوصِ
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَبُو بكر وكان الغلام بن عَشْرِ سِنِينَ أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ درهم
قال ابو عمر روى بن عُيَيْنَةَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنَّ فُلَانَا يَمُوتُ قَالَ مُرُوهُ فَلْيُوصِ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ قَالَ فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا
قَالَ وكان الغلام بن عَشْرِ سِنِينَ أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً
هَكَذَا قال بن عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ
وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَهُ
وَسُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ مَنْ أَوْصَى مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَأَصَابَ الْحَقَّ فَاللَّهُ قَضَاهُ عَلَى لِسَانِهِ لَيْسَ للحق مدفع
قال بن سِيرِينَ وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ
قَالَ سفيان وقال بن شبرمة وبن ابي لَيْلَى لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ
قال وقال بن شُبْرُمَةَ أَنَا لَا أُجِيزُ صَدَقَتَهُ فَكَيْفَ أُجِيزُ وَصِيَّتَهُ!
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ وَالسَّفِيهَ وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ
стр. 3235
ما يوصون به فاما من ليس معه من عقله ما يعرف بذلك ما يوصي بِهِ وَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا وَصِيَّةُ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ مَا أَوْصَى بِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَأَصْحَابِهِمَا وَلَا حَدَّ عِنْدَهُمْ فِي صِغَرِهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَا يَأْتِي بِهِ فِي ذَلِكَ وَأَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا أَوْصَى فِي وَسَطِ مَا يَحْتَلِمُ لَهُ الْغِلْمَانُ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ أَجِدْ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ذَكَرَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ
أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ مَالِكٍ
وَالثَّانِي كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَلَا يُقْبَضُ مِنْهُ فِي جِنَايَةٍ وَلَا يُحَدُّ بِهِ فِي قَذْفٍ فَلَيْسَ كَالْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ وَصِيَّتُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يَعْقِلُ مِنَ الصِّبْيَانِ مَا يُوصِي بِهِ فَحَالُهُ حَالُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ
وعلة الحجر تبديد المال وتلافه وَتِلْكَ عِلَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَنْهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَعَ الْأَثَرِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁
وَقَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْبَالِغِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَقَدْ مَضَى قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مُوَطَّئِهِ
وَقَالَ بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى بِوَصَايَا فَذَلِكَ جَائِزٌ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ - وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - وَالْقِيَاسُ فِي وَصَايَا الْغُلَامِ الَّذِي قَدْ بَلَغَ وَهُوَ مُفْسِدٌ غَيْرُ مُصْلِحٍ أَنَّهَا بَاطِلٌ وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فِي وَصَايَاهُ إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ فِيهَا وَلَمْ يَأْتِ سَرَفًا أَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ ثُلُثِهِ كَمَا تَجُوزُ مِنْ ثُلُثِ غيره
стр. 3236
وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَجُوزُ وَصِيَّةُ كُلِّ مَنْ عَقَلَ الْوَصِيَّةَ مِنْ بَالِغٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِ مَحْجُورٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا مُنِعَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِمَا يُخَافُ مِنْ إِفْسَادِ مَالِهِ احْتِيَاطًا عَلَيْهِ فَإِذَا صَارَ فِي حَالِ الْمَوْتِ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٣ - بَابُ الْوَصِيَّةُ فِي الثلث لا تتعدى)
١٤٦٢ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا) فَقُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ (لَا) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الثلث وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ (١) وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ)
قَالَ ابو عمر هكذا قال جماعة اصحاب بن شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوداع كما قال مالك الا بن عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صحة اسناده
стр. 3237
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الْعَطَايَا الْمُقْبِلَةِ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ
فَقَالَ الْجُمْهُورُ إِنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ وَيُعْتِقُ وَيَهَبُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ كُلَّهَا فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقُلْ فيه بن شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَفَأُوصِي وَإِنَّمَا قَالَ أَفَأَتَصَدَّقُ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الثلث كالوصية المجتمع عليها
وبن شِهَابٍ حَافِظٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ فِي حِفْظِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَقَدْ قَالَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَفَأُوصِي
وَكَذَلِكَ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَفَأُوصِي وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حديث بن شِهَابٍ سَوَاءً
وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ إِذَا قُبِضَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَدَاوُدُ
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فَقَالُوا هِبَةُ الْمَرِيضِ قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً فَأَمْضَى لَهُ مِنْ مَالِهِ ثُلُثَهُ وَرَدَّ سَائِرَ مَالِهِ مِيرَاثًا
وَهَذَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ
وَأَجْمَعُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا مَاتَ عَنْ بَنِينَ أَوْ عَنْ كَلَالَةٍ تَرِثُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ
وَاخْتَلَفُوا إِذَا لم يترك بنين ولا عصبة
стр. 3238
فقال بن مَسْعُودٍ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلُهُ
وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ وَمَسْرُوقٍ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ راهويه
وقد ذكرنا الاثار عن بن مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَيْدَةَ وَمَسْرُوقٍ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَشَرِيكٌ الْقَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَنِ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ وَمَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ كَانَ لَهُ بَنُونَ أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ
وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ
وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا يُصْرَفُ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَحَقَّهُ الرَّجُلُ وَابْنُهُ وَلَا مَنْ يُحْجَبُ مَعَ مَنْ يَحْجُبُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَالِحِهِمْ
وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ
وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْمَغْرِبِ وَالشَّامِ
وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ فَلَمْ يُجِيزُوا الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَقَالُوا لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِلْمُوصِي ذَلِكَ وَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصَى لَهُ مِنْ فَرَائِضِهِمْ وَسَائِرِ اموالهم ما شاؤوا
وَكَرِهَ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ فِي الثلث لمن يرثه ذريته واستحبت منهم جماعة الوصية بالخمس
стр. 3239
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ رَضِيتُ فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي مِنَ الْغَنِيمَةِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ
وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ رُوِيَ ذَلِكَ عن بن عَبَّاسٍ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (الثُّلُثُ كَثِيرٌ) إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَعْرِفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ
وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ)
رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا لِينٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي (التَّمْهِيدِ)
مِنْهَا مَا رواه وكيع وبن وَهْبٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عن بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو هَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ مُجْتَمَعٌ على ضعفه
والصحيح عن بن عَبَّاسٍ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال بن عَبَّاسٍ لَوْ غَضَّ النَّاسُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فِي الْوَصِيَّةِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)
قَالَ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ أَرْضَى فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِالْخُمُسِ
قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي خُمُسَ الْفَيْءِ لقوله (فان لله خمسه) الاية الْأَنْفَالِ ٤١
وَقَالَ قَتَادَةُ الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ وَالرُّبُعُ قَصْدٌ وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ
وَقَالَ بن سِيرِينَ الثُّلُثُ جَهْدٌ وَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ قَتَادَةُ أَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبُعِ وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ
стр. 3240
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانَ الْخُمُسُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ وَالرُّبُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ وَسَائِرِ الْجِلَّةِ لِلْمَرِيضِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا يَزْكُو مِنْهَا إِلَّا مَا أُرِيدَ به وجه الله تعالى لقوله ﷺ (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا)
وَفِيهِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْبَنِينِ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَأَنَّ تَرْكَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ إِذَا كَانَ فَضْلًا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ (أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)
وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ (أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي) فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَأُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُتَصَدِّقِينَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ
قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا وَإِشْفَاقًا مِنْ بَقَائِهِ فِي مَوْضِعٍ قَدْ هَجَرَهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ
وَأَمَّا جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ بِقَوْلِهِ (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً) فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى كَلَامِهِ وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَلَكِنَّ مَنْ خُلِّفَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَعَتْ بِهِ دَرَجَتُهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) فَهَذَا مِنْ ظُنُونِهِ الصَّادِقَةِ الَّتِي كَانَ كَثِيرًا مِنْهَا يَقِينًا فَقَدْ خُلِّفَ سَعْدٌ ﵁ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ اقوام وهلك به اخرون
روى بن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ سَأَلْتُ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِسَعْدٍ (وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) فَقَالَ أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ فَأَضَرَّ بِهِمْ وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فَتَابُوا فَانْتَفَعُوا
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّرَهُ عُمَرُ ﵀ عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى حَرْبِ الْقَادِسِيَّةِ وَعَمَّرَ سعد بعد حجة الوداع خمس واربعون سَنَةً وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ (اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) فَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ لَهُمْ فِي أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ هِجْرَتَهُمْ سَالِمَةً مِنْ آفَاتِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِجْرَتِهِ إِلَى اللَّهِ وَأَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ تِلْكَ وَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعُودُوا كَالْأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَمْ يُتَعَبَّدُوا بِالْهِجْرَةِ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ
стр. 3241
وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ (مُقْتَصَرَةٌ) فِي تَرْكِ الْوَطَنِ وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الهجرة المفترض فيها البقاء مع النبي ﷺ حَيْثُ اسْتَقَرَّ وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ
وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ) فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ
وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ
أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ
رَوَاهُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ خَلَّفَ النبي ﷺ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ (إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا)
قَالَ سُفْيَانُ لِأَنَّهُ كان مهاجرا
وعن بن عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ (نَعَمْ
стр. 3242
وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عن ابيه عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا) لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا
وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْمُقَامِ وَالْجِوَارِ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَمَّا الْمُهَاجِرُ فَلَا يُقِيمُ بِهَا وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ خَشْيَةَ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ بِهَا فَتَغْلُوا أَسْعَارُ أَهْلِهَا
وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَخَافُ أَوْ قَالَ إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا فَادْعُ اللَّهَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) أَنَّ مَعْنَاهُ لَا هِجْرَةَ تُبْتَدَأُ بَعْدَ الْفَتْحِ مُفْتَرَضَةٌ لَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ
ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ كُلِّهَا وَفِي بَعْضِهَا (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) ثُمَّ قَالَ لَهُمْ (الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)
وَقَالَ لِبَعْضِهِمْ إِذْ سَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ (أَقِمِ الصَّلَاةَ وَآتِ الزَّكَاةَ وَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَاجْتَنِبْ مَا نَهَاكَ عَنْهُ وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضَةُ الْبَاقِيَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهِجْرَتِهِمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمَدِينَةِ وَالرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ أَبَدًا
стр. 3243
أَلَا تَرَى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَا يَطُوفُونَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُمْ قَدْ رُحِّلَتْ
وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مَا كان ﷺ حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِ فَافْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ ﵃
وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عن ابيه فذكر معنى حديث بن شِهَابٍ
وَفِيهِ (لَكِنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ الْبَائِسَ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ مِنْهَا)
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا في حديث بن شِهَابٍ (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) مِنْ كَلَامِ بن شِهَابٍ صَحِيحٌ
وَمَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ (الْبَائِسَ) إِنَّمَا كَانَ رُثِيَ بِذَلِكَ لِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ وَاخْتَارَ التَّوَدُّدَ بِهَا حَتَّى أَدْرَكَتْهُ فِيهَا مَنِيَّتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ بَدْرِيٌّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ غُلَامِي يَخْدِمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ قَالَ فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيمَا زَادَ مِنَ الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ
стр. 3244
عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ وَسُكْنَى الْمَسَاكِينِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ
فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَوَّارٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا الْحَسَنِ قَاضِيَا الْبَصْرَةِ الْوَصِيَّةُ بِسُكْنَى الدَّارِ وَغَلَّةِ الْبَسَاتِينِ فِيمَا يُسْتَأْذَنُ وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذلك اذا اجازه الورثة
وقال بن ابي ليلى وبن شُبْرُمَةَ الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ ذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ
وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنَافِعٌ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَمَاتَ وَهُوَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلٌ
وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَمْلِكُ الْمُؤَاجِرُ بِهَا الْبَدَلَ مِنْ مَنَافِعِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ عَلَى مِلْكِهِ كُلُّ مَا يَطْرَأُ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا دَامَ الْأَصْلُ فِي مِلْكِهِ وَكَانَ حَيًّا وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِمَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ
وَأَمَّا الْأَوْقَافُ فَإِنَّ السُّنَّةَ أَجَازَتْهَا بِخُرُوجِ مِلْكِ أَصْلِهَا عَنِ الْمُوقِفِ إِلَى اللَّهِ لِيَتَحَرَّى عَلَيْهَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَيْسَتِ الْمَنَافِعُ فِيهَا طَارِئَةً عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَمْلِكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ أُصُولَ الْأَوْقَافِ عَلَى مِلْكِ الْمُوقِفِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ ﷺ (يَنْقَطِعُ عَمَلُ الْمَرْءِ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ) فَذَكَرَ مِنْهَا صَدَقَةً يَجْرِي عَلَيْهِ نَفْعُهَا
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْأَجْرَ الَّذِي يَنَالُهُ الْمَيِّتُ فِيمَا يُوقِفُهُ مِنْ أُصُولِ مَالِهِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ أَصْلَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ كَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا غَيْرُهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ بن شبرمة وبن ابي لَيْلَى مَنْ أَوْصَى بِفَرْعِ شَيْءٍ وَلَمْ يُوصِ بِأَصْلِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ بن ابي ليلى وبن شُبْرُمَةَ وَمَنْ تَابَعَهُمَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ
стр. 3245
قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَسِّمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابُهَا يَدْعُونَهَا مَسْأَلَةَ خَلْعِ الثُّلُثِ
وَخَالَفَهُمْ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ وَأَنْكَرُوهَا عَلَى مَالِكٍ ﵀
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِمَوْتِ الْمُوصِي وَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَإِذَا صَحَّ مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ لِلشَّيْءِ الْمُوصَى بِهِ فَكَيْفَ تَجُوزُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ بِثُلُثٍ لَا يَبْلُغُ إِلَّا مَعْرِفَتَهُ وَلَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْبِيَاعَاتُ وَالْمُعَاوَضَاتُ فِي الْمَجْهُولَاتِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِلْكُ مَالِكٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ مَا قَدْ مَلَكَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي وَقَبُولِهِ لَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ
وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلُثَ مَوْضِعٌ لِلْوَصَايَا فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُخْرِجُوا مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَزَعَمُوا أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرُوا بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا لِلْمُوَصَّى لَهُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ لَهُمْ أَوْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ ثُلُثَ الْمَيِّتِ كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَالْعَبْدُ قِيمَتُهُ أَلْفٌ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَلَا يَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى الْعَبْدِ سَبِيلٌ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَضْعَافَ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الْوَرَثَةَ إِذَا ادَّعَوْا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ كُلِّفُوا بَيَانَ ذَلِكَ فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَكَانَ كَمَا ذَكَرُوا أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ من الموصى له قدر ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ وَكَانَ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ أُجْبِرُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ
стр. 3246
(٤ - بَابُ أَمْرِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ وَالَّذِي يَحْضُرُ الْقِتَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ)
١٤٦٣ - قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ فَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ غَيْرُ الْمَخُوفِ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي مَالِهِ مَا يَشَاءُ وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ
قَالَ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ أَوَّلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ وَسُرُورٌ وَلَيْسَ بِمَرَضٍ وَلَا خَوْفٍ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) هُودٍ ٧١ وَقَالَ (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الْأَعْرَافِ ١٨٩
فَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهَا فَأَوَّلُ الْإِتْمَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) الْبَقَرَةِ ٢٣٣ وَقَالَ (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) الْأَحْقَافِ ١٥ فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ فِي مَالِهَا إِلَّا فِي الثُّلُثِ
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِّ لِلْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا فِي الثُّلُثِ وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْلُ عَلَامَاتِ الْمَرَضِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ صَاحِبُهُ الْفِرَاشَ وَلَا يُعْذَرُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ وَيَغْلِبُ عَلَى الْقُلُوبِ أَنَّهُ يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْمَوْتَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالُ الْمَرِيضِ
فَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ
وَأَمَّا الْحَامِلُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا هِيَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ فِي أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّهَا إِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ وَالطَّلْقُ أَنَّهَا كَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ لَا يَنْفُذُ لَهَا فِي مَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهَا
стр. 3247
وَاخْتَلَفُوا فِي حَالِهَا إِذَا بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا إِلَى حِينِ يَحْضُرُهَا الطَّلْقُ فَقَالَ مَالِكٌ مَا وَصَفَهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ والاوزاعي وابو ثور وداود الحامل كالصحيح ما لم يَكُنِ الْمَخَاضُ وَالطَّلْقُ أَوْ يَحْدُثُ بِهَا مِنَ الْحَمْلِ مَا تَصِيرُ بِهِ صَاحِبَةَ فِرَاشٍ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الْجِرَاحُ أَنْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ أَوْ قُدِّمَ لِلْقَتْلِ فِي قِصَاصٍ أَوْ لِرَجْمٍ فِي زِنًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ فِي مَالِهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ الَّذِي يَبْرُزُ فِي الْتِحَامِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْمَرِيضِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ الثَّقِيلِ الْمَرَضِ لِعَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَحْمِلُ ثُلُثَ مَالِهِ
وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ثُمَّ مَاتَ فَأَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ وَعَتَقَ - ثُلُثَهُمْ - اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ ثُلُثَيْهِمْ أَرْبَعَةً
وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ هِبَاتِ الْمَرِيضِ وَصَدَقَاتِهِ وَسَائِرَ عَطَايَاهُ إِذَا كَانَتْ حَالُهُ مَا وَصَفْنَا لَا يَنْفُذُ مِنْهَا إِلَّا مَا حَمَلَ ثُلُثُهُ
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ أَمَّا عِتْقُ الْمَرِيضِ فَعَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ يَنْفُذُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ
وَأَمَّا هِبَاتُهُ وَصَدَقَاتُهُ وَمَا يُهْدِيهِ وَيُعْطِيهِ وَهُوَ حَيٌّ فَنَافِذٌ ذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ مَاضٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ وَإِنَّمَا الْوَصِيَّةُ مَا يُسْتَحَقُّ بِمَوْتِ الْمُوصِي
وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ إِنَّ هِبَاتِ الْمَرِيضِ كُلِّهَا وَعِتْقَهُ وَصَدَقَاتِهِ لَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ نُفِّذَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَيُرَاعُونَ فيها ما عدا الْعِتْقَ الْقَبْضَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أُصُولِهِمْ مَنْ قَبْضِ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هذا الكتاب
стр. 3248
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ أَمَّا الْعِتْقُ خَاصَّةً فِي الْمَرَضِ فَلَا يُنَفَّذُ مِنْهُ إِلَّا الثُّلُثُ مَاتَ الْمُعْتِقُ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ صَحَّ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يَعْلَمُ مَا مِنْهُ الْمَوْتُ وَمَا مِنْهُ الصِّحَّةُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى
وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِتْقَ ثُلُثِ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ بِالْمَرَضِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ عَلَى دَاوُدَ قَائِمَةٌ بِنَصِّ الْحَدِيثِ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِمْ وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ (لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَا أَعْتَقَ جَمِيعَهُمْ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُ فِي (التَّمْهِيدِ) وَفِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
(٥ - بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْحِيَازَةِ)
١٤٦٤ - قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الْبَقَرَةِ ١٨٠ نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ التَّنَازُعِ وَهَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ وَمَا النَّاسِخُ لَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا
قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضٌ جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ وَمَنْ أَبَى أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ أَيْضًا مُجَوَّدَةً فِيمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِهَا
قَالَ وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُثُهُ فَيَأْذَنُونَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ فَإِذَا
стр. 3249
هَلَكَ الْمُوصِي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ وَمَا أُذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ
قَالَ فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ فَيَأْذَنُونَ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يردوا ذلك ان شاؤوا وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلَ ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا فَإِنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ فُلَانٌ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ضَعِيفٌ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ
قَالَ وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا قَوْلُ مَالِكٍ إِنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلْمَرِيضِ فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُخَافُ دُخُولُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْعِ رِفْدٍ وَإِحْسَانٍ وَقَطْعِ نَفَقَةٍ وَمَعْرُوفٍ وَنَحْوِ هَذَا إِنِ امْتَنَعُوا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُمْ إِذْنُهُمْ وَكَانَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَذِنُوا فِيهِ بعد موته روى ذلك بن الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ وَإِنِ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي صِحَّتِهِ فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ وَيَلْزَمُهُمْ إِذْنُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا فِي مُوَطَّئِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ مِنْ مَذْهَبِهِ
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ إِنَّ إِذْنَهُمْ وَإِجَازَتَهُمْ لِوَصِيَّتِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ سَوَاءٌ وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ يَجِبُ لَهُمُ الْمِيرَاثُ وَيَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ وَقَدْ لَا يَمُوتُ وَقَدْ يَمُوتُ ذَلِكَ الْوَارِثُ الْمُسْتَأْذَنُ قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُ وَارِثًا وَيَرِثُهُ غَيْرُهُ وَمَنْ أَجَازَ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يَجِبْ لَهُ فَلَيْسَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِلَازِمٍ له
стр. 3250
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وسفيان الثوري
وروي ذلك عن بن مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْطَى بَعْضَ وَرَثَتِهِ شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا عَلَى كِتَابِ الله تعالى لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ وَلَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذِهِ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا إِلَّا فِي الْمَرَضِ أَوْ عَطِيَّةٌ مِنْ صَحِيحٍ ذَكَرَهَا فِي وَصِيَّتِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ فَإِذَا لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ وَلَا سَبِيلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِقْرَارِهِ فِي مَرَضِهِ شَيْءٌ يُنْقَلُ إِلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ
وَهَذَا رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ وَهُوَ مَرِيضٌ صَنِيعَ صَحِيحٍ فَيُعْطِي الْوَارِثَ وَهُوَ مَرِيضٌ عَطِيَّتَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ فَلَمْ يُجِزْ لَهُ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَّا أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ شَيْئًا فِي صِحَّتِي لَمْ يَقْبِضْهُ وَأَنَا أُوصِي بِهِ لَهُ الْآنَ فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ
وَلَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ وَقَدْ قَالَ أَنْفِذُوا لَهُ مَا أَعْطَيْتُهُ فِي الصِّحَّةِ فَقَدْ أَوْصَيْتُ لَهُ بِهِ وَأَنْفَذْتُهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا له مِنْ ثُلُثِهِ رَضِيَ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إِجَازَتِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَا
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ مِنَ الرِّجَالِ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ)
١٤٦٥ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ
стр. 3251
زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ (الْمُوَطَّأِ) عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا إِلَّا سَعْدَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
وَلَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ لِأَنَّ بن عُيَيْنَةَ وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ
وَهَذَا أَصَحُّ أَسَانِيدِهِ عِنْدِي وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي (التَّمْهِيدِ)
وَرَوَاهُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قالت يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً فَقَالَ إِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بأربع واذا أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا ها هنا لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ) فَحَجَبُوهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْكُنَّ لِأَنَّهُ خَاطَبَ الرِّجَالَ أَلَّا يَدْخُلَ بُيُوتَهُمْ عَلَى نِسَائِهِمْ فَحَجَبُوهُ
فَهَكَذَا رِوَايَةُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ (عَلَيْكُمْ) وَقَدْ رُوِيَ (لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ) مُخَاطَبَةً مِنْهُ لِنِسَائِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ عِنْدِي مُخَنَّثٌ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ أَخِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ فَقَالَ (لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ
стр. 3252
وبه عن يونس بن بكير عن بن إِسْحَاقَ قَالَ وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْلًى لِخَالَتِهِ فَاخِتَةَ ابْنَةِ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ مُخَنَّثٌ يُقَالُ لَهُ مَاتِعٌ يَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَكُونُ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَفْطِنُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ مِمَّا يَفْطِنُ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ إِرْبًا فَسَمِعَهُ يَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَا خَالِدُ! إِنْ فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّائِفَ فَلَا يَنْفَلِتَنَّ مِنْكُمْ بَادِيَةُ ابْنَةُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَهَا مِنْهُ (لَا أَرَى هَذَا الْخَبِيثَ يَفْطِنُ لِمَا أَسْمَعُ) ثُمَّ قَالَ لِنِسَائِهِ (لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ) فَحُجِبَ عَنْ بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
هكذا قال بن إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْمُؤَنَّثِ أَنَّ اسْمَهُ مَاتِعٌ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ اسْمَهُ (هِيتٌ)
كَذَلِكَ ذَكَرَ (حَبِيبٌ) عَنْ مالك وكذلك رواه بن عيينة عن بن جريج ان اسم ذلك المحنث هيث وهو قول الواقدي وبن الكلبي
وقال بن إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْلَى خَالَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ المخزومي
وقال بن الْكَلْبِيِّ كَانَ هِيتٌ الْمُخَنَّثُ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ وَكَانَ طُوَيْسٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ايضا
وقال بن إِسْحَاقَ فَقَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَالُوا كُلُّهُمْ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ
كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ قَوْلُ بن إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الطَّائِفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَى أُمَيَّةَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ
وَفِي رواية بن الْكَلْبِيِّ وَالْوَاقِدِيِّ أَنَّ هِيتًا هَذَا الْمُخَنَّثَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ - وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ - إِنِ افْتَتَحْتُمُ الطَّائِفَ فَعَلَيْكَ بِبَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ إِنْ قَعَدَتْ تَثَنَّتْ وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ بَيْنَ رِجْلَيْهَا مِثْلُ الْإِنَاءِ الْمَكْفُوِّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَقَدْ غَلْغَلْتَ النَّظَرَ إِلَيْهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ) ثُمَّ أَجْلَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحِمَى
قَالَ فَلَمَّا افْتُتِحَتِ الطَّائِفُ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عوف فولدت له بريهة
هذا قول بن الْكَلْبِيِّ قَالَ وَلَمْ يَزَلْ هِيتٌ بِذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3253
فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ كُلِّمَ فِيهِ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كُلِّمَ فِيهِ وَقِيلَ إِنَّهُ قَدْ كَبِرَ وَضَعُفَ وَاحْتَاجَ فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَيَسْأَلُ النَّاسَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَدْ فَسَّرَهُ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ وَذَكَرَ غَيْرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ معناه ما نذكره ها هنا أَنَّ الْمَرْأَةَ وَصَفَهَا الْمُخَنَّثُ بِأَنَّهَا امْرَأَةٌ لَهَا فِي بَطْنِهَا أَرْبَعُ عُكَنٍ تَبْلُغُ خَصْرَتَهَا فَتَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ فِي كُلِّ خَصْرٍ فَتَصِيرُ ثَمَانِيًا أَرْبَعًا مِنْ هُنَا وَأَرْبَعًا مِنْ هُنَا فَإِذَا أَقْبَلَتْ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبَلْتَهَا رَأَيْتَ فِي بَطْنِهَا أَرْبَعَ عُكَنٍ فَإِذَا أَدْبَرَتْ رَأَيْتَ ثَمَانِيًا مِنْ جِهَةِ الْأَطْرَافِ فِي خَصْرَيْهَا
هَكَذَا فَسَّرَهُ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّابِغَةِ فِي قَوَائِمِ نَاقَتِهِ
(عَلَى هَضَبَاتٍ بَيْنَمَا هُنَّ أَرْبَعٌ ... أَنَخْنَ لِتَعْرِيسٍ فَعُدْنَ ثَمَانِيَا)
وَقَدْ رُوِيَ خَبَرُ هَذَا الْمُخَنَّثِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِتَمَامِهِ وَقَدْ ذكرناه في (التمهيد)
وفي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ أَحَدٍ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ وَهُمُ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ عِنْدَنَا الْمُؤَنَّثِينَ عَلَى النِّسَاءِ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) النُّورِ ٣١
وَهَذِهِ الصِّفَةُ هُوَ الْأَبْلَهُ الْأَحْمَقُ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ وَلَا يَفْطِنُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَايِبِهِنَّ وَمَحَاسِنِهِنَّ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ بِدُخُولِهِ عَلَى النَّاسِ بَأْسٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ بِهِيتٍ الْمُخَنَّثِ أَنَّهُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُ مَا سَمِعَ أَمَرَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى النِّسَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَنَفَاهُ عَنْهَا
وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَنْ يُتَأَذَّى بِهِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى الِاحْتِرَاسِ مِنْهُ أَنْ يُنْفَى إِلَى مَكَانٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنْهُ الْأَذَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ صَحَّفَ قَوْمٌ مِنَ الرُّوَاةِ اسْمَ ابْنَةِ غَيْلَانَ هَذِهِ وَالصَّوَابُ فِيهِ (بَادِيَةُ) بِالْبَاءِ وَالْيَاءِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بَدَا يَبْدُو أَيْ ظَهَرَ فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ ظَاهِرَةً
هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٤٦٦ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عمر
стр. 3254
ثُمَّ إِنَّهُ فَارَقَهَا فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءَ فَوَجَدَ ابْنَهُ عَاصِمًا يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقَالَ عُمَرُ ابْنِي وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ ابْنِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَالَ فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ قَالَ وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ مَرْوِيٌّ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ
وَزَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أُمُّ ابْنِهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ هِيَ جَمِيلَةُ ابْنَةُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي وَلَمْ يُخَالِفْ أَبَا بَكْرٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ
ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ إِنَّ عُمَرَ طَلَّقَ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَاصِمٍ فَجَاءَتْ جَدَّتُهُ الشَّمُوسُ فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ فَجَاءَ عُمَرُ عَلَى فَرَسٍ فَقَالَ أَيْنَ ابْنِي فَقِيلَ ذَهَبَتْ بِهِ الشَّمُوسُ فَدَفَعَ فَلَحِقَهَا فَخَاصَمَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى لَهَا أَبُو بَكْرٍ بِهِ وَقَالَ هِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرزاق عن بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ أَبْصَرَ عُمَرُ عَاصِمًا ابْنَهُ مَعَ جَدَّتِهِ أُمِّ أُمِّهِ فَكَأَنَّهُ جَاذَبَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ مُقْبِلًا قَالَ لَهُ مَهْ مَهْ هِيَ أَحَقُّ بِهِ فَمَا راجعه الكلام
وعن بن جريج انه اخبره عن عطاء الخرساني عن بن عَبَّاسٍ قَالَ طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ عَاصِمٍ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمِحْسَرٍ وَقَدْ فُطِمَ وَمَشَى فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا وَنَازَعَهَا إِيَّاهُ حَتَّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ وَبَكَى وَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِابْنِي مِنْكِ فَاخْتَصَمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى لَهَا بِهِ وَقَالَ رِيحُهَا وَحِجْرُهَا وَفِرَاشُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ
وَمِحْسَرٌ سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ خَاصَمَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ إِلَى أَبِي
стр. 3255
بَكْرٍ وَكَانَ طَلَّقَهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأُمُّ أَعْطَفُ وَأَلْطَفُ وَأَرْحَمُ وَأَحَقُّ وَأَرْأَفُ هِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ
وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عَلَى عُمَرَ فِي ابْنِهِ مَعَ أُمِّهِ وَقَالَ أُمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بِمُوَافَقَتِهِ أَبَا بَكْرٍ ﵄ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ اخْتُصِمَ إِلَى عُمَرَ فِي صَبِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ هُوَ مَعَ أُمِّهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَيَخْتَارُ
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ
وَفِي ذَلِكَ تَخْيِيرُ الصَّبِيِّ إِذَا مَيَّزَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ - سُلَيْمَانَ - مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ جَاءَتْ أُمٌّ وَأَبٌ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بن لَهُمَا فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَنَفَعَنِي فَقَالَ النبي ﷺ (يَا غُلَامُ! هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلَفِ فِي الْمَرْأَةِ المطلقة اذا لم تتزوج انها احق بولدها مِنْ أَبِيهِ مَا دَامَ طِفْلًا صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ شَيْئًا إِذَا كَانَ عِنْدَهَا فِي حِرْزٍ وَكِفَايَةٍ وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا فِسْقٌ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَخْيِيرِهِ إِذَا مَيَّزَ وَعَقِلَ بَيْنَ أُمِّهِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَفِيمَنْ هو اولى به ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الْفُتَيَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمِمَّنْ خَيَّرَ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ مِنَ السَّلَفِ عُمَرُ بْنُ الخطاب وغيره
روي عن بن عيينة عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَيَّرَ صَبِيًّا بَيْنَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ
стр. 3256
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيِّ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ قَدِمَ عَمِّي مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَنِي مِنْ أُمِّي فَأَرْسَلَتْنِي أُمِّي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَدْعُوهُ إِلَيْهَا فَدَعَوْتُهُ فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي
قَالَ وَأَبْصَرَ عَلِيٌّ أَخًا لِي أَصْغَرَ مِنِّي مَعَ أُمِّي فَقَالَ وَهَذَا إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا خُيِّرَ
وعن سفيان عن ايوب عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
قَالَ سُفْيَانُ الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ صَغِيرًا فَإِذَا بَلَغَ سِتًّا وَعَقِلَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ شَيْءٌ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا وَصَفْنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ توفقنا
ذكر عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ ارفق
رواه هشيم قال اخبرنا يونس وبن عون وهشام واشعث كلهم عن بن سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ أَرْفَقُ
وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَحَقُّ بِهِ إِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَا نُورِدُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تاولناه عَلَى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ بِهَذَا الاسناد معمر عن ايوب عن بن سِيرِينَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى أَنَّ الصَّبِيَّ مَعَ أُمِّهِ إِذَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً وَيَكُونُ مَعَهُمْ من النفقة ما يصلحهم
وبن عيينة عن ايوب عن بن سِيرِينَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ بِالْكُوفَةِ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الْبَادِيَةِ فَخَاصَمَهَا الْعَصَبَةُ إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ هُمْ مَعَ أُمِّهِمْ مَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِهِمْ أُخِذُوا مِنْهَا وَقَالَ الْأَبُ أَحَقُّ وَالْأُمُّ أَرْفَقُ
سُفْيَانُ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا إِلَى الرُّسْتَاقِ فَاخْتَصَمُوا إِلَى الشَّعْبِيِّ فَقَالَ الْعَصَبَةُ أَحَقُّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى هَذَا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأُمِّ عَنْ حَضْرَةِ الْأَبِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
واما مذاهب الفقهاء في الحضانة
فذكر بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ثُمَّ لَا حَضَانَةَ
стр. 3257
لَهَا بِذَلِكَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ فَإِذَا أَثْغَرُوا فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا
قال بن وهب وسئل مالك عن المطلقة ولها بن فِي الْكُتَّابِ أَوْ بِنْتٌ قَدْ بَلَغَتِ الْحَيْضَ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا
فَقَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ الْغُلَامَ وَيُعَلِّمَهُ وَيَقْلِبَهُ إِلَى أُمِّهِ وَلَا يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ وَلَكِنْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُتَّابِهِ وَيَقَرُّ عِنْدَ أُمِّهِ وَيَتَعَاهَدُ الْجَارِيَةَ وَهَى عِنْدَ أُمِّهَا مَا لَمْ تُنْكَحْ
قَالَ مَالِكٌ وَلِلْجَدَّةِ مِنَ الْأُمِّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْأُمِّ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ
قَالَ وَلَيْسَ لِلْأُمِّ وَلَا لِلْجَدَّةِ أَنْ يَخْرُجَا بِالْوَلَدِ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ
وذكر بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ وَلَدَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ ذَكَرًا فَهِيَ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَيَدْخُلْ بِهَا حَتَّى يَبْلُغَ فَإِذَا بَلَغَ ذهب حيث شاء
خالف بن القاسم رواية بن وهب في اعتبار البلوغ
وقد ذكر بن عبد الحكم الروايتين
قال بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ ابْنَتِهَا وَإِنْ بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ ابْنَتِهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ
قَالَ مَالِكٌ وَأَوْلِيَاءُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِهِمْ - وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا - مِنْ أُمِّهِمْ إِذَا نَكَحَتْ
قَالَ مَالِكٌ فَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ فَالْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ أَوْلَى فَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَّمَتْهُ الْأُمُّ اسْتِثْقَالًا لِلْوَلَدِ ثُمَّ طَلَبَتْهُ لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهَا
قال بن الْقَاسِمِ عَنْهُ فَإِنْ مَاتَتْ جَدَّتُهُ لِأُمِّهِ فَخَالَتُهُ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ ثُمَّ بَعْدَهَا جَدَّتُهُ لِأَبِيهِ ثُمَّ الْأُخْتُ ثُمَّ الْعَمَّةُ وَبِنْتُ الْأَخِ أَوْلَى بِالْوَلَدِ مِنَ الْعَصَبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ تَخْيِيرَ الْوَلَدِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ وَيُنْظَرُ لِلْوَلَدِ بِالَّذِي هُوَ أَكْفَأُ وَأَحْوَطُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ فَالْخَالَةُ أَحَقُّ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْأُمُّ إِذَا تَزَوَّجَتْ فَالْعَمُّ أَحَقُّ مِنَ الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ وَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ أَرَادَتْ أَخْذَ الْوَلَدِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْيِيرَ الصَّبِيِّ
وَذُكِرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ وَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةُ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِنْ سَلَّمَتْهُ إِلَى جَدَّتِهِ فَمَتَى ارْتَجَعَتْهُ مِنْهُ رَدَّ عَلَيْهَا نَفَقَتَهَا وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّةِ إِذَا قَوِيَتْ عَلَى النَّفَقَةِ وَلَا تَعُودُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِطَلَاقِهَا
стр. 3258
وَاللَّيْثُ الْأُمُّ أَحَقُّ بِالِابْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا ثُمَّ الْأَبُ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا وَأَدَبِهَا لِوَلَدِهَا أُخِذَ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا كَانَتِ الِابْنَةُ كَاعِبًا وَالْغُلَامُ قَدْ أَيْفَعَ وَاسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ خُيِّرَا بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا فَأَيَّهُمَا اخْتَارَا فَهُوَ أَوْلَى فَإِنِ اخْتَارَا بَعْدَ ذَلِكَ الْآخَرَ حُوِّلَ وَمَتَى طُلِّقَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ رجع حقها فان كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَأْمُونِ حَتَّى يَبْلُغَ
وَالْبِكْرُ إِذَا بَلَغَتْ فَأَخْتَارُ لَهَا أَنْ تَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَبَتْ وَهِيَ مَأْمُونَةٌ فَلَهَا ذَلِكَ
وَالِابْنُ إِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ رُشْدُهُ وَلِيَ نَفْسَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ خُيِّرَ إِذَا كَانَتْ دَارُهُمَا وَاحِدَةً وَكَانَا مَأْمُونَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ مِنْهُمَا كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِنْ مُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا فِي وَلَدِهَا لِأَنَّهَا مُنِعَتْ لِوَجْهٍ فَإِذَا ذَهَبَ فَهِيَ كَمَا كانت
وهو قول المغيرة وبن أَبِي حَازِمٍ
وَعَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهُ وَيُؤَدِّبُهُ بِالْكُتَّابِ وَالصِّنَاعَةِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَيَأْوِي إِلَى أُمِّهِ وَلَا يُمْنَعُ إِنِ اخْتَارَ الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ الْأَبِ وَلَا الْأُمَّ مِنْ إِتْيَانِ ابْنَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا عِنْدَ الْأَبِ
قَالَ وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ ثُمَّ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ الْعَمَّةُ
ولا ولاية لام اب الام لِأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبٍ لَا بِأُمٍّ
وَقَرَابَةُ الصَّبِيِّ مِنَ النِّسَاءِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَخْبُولًا فَهُوَ كَالصَّغِيرِ
قَالَ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَ الْأَبِ غَيْرَ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهَا فَأَمَّا أَخَوَاتُهَا وَغَيْرُهُنَّ فَإِنَّمَا حُقُوقُهُنَّ بِالْأَبِ فَلَا يَكُونُ لَهُنَّ حَقٌّ مَعَهُ وَهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ
وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ أَوْ كَانَ غَائِبًا أَوْ غَيْرَ رشيد
стр. 3259
وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْأُمُّ أَوْلَى بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الصَّغِيرَيْنِ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأُمِّ ثُمَّ الْجَدَّةُ مِنَ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ هِيَ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَفِي الْأُخْرَى الْأُخْتُ أَوْلَى ثُمَّ الْعَمَّةُ وَالْأُمُّ وَالْجَدَّتَانِ أَوْلَى بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَحِيضَ وَبِالْغُلَامِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ فَيَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ وَمَنْ سِوَاهُمَا أَحَقُّ بِهِمَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَا وَلَا يُرَاعَى الْبُلُوغُ
وقال زفر في رواية عمرو بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ الْخَالَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِلْأَبِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْأُخْتُ أَوْلَى
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ أَيْضًا عَنْ زُفَرَ الْخَالَةُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْجَدَّةِ لِلْأَبِ
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ أَوْلَى بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ بَعْدَ الْأُمِّ ثُمَّ أُمَّ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأُخْتَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْحَضَانَةِ وَلَا تَتَقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا فِيهِ الْأُخْرَى ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ الْعَمَّةُ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَانَ غَيْرُهَا أَوْلَى إِذَا كَانَ زَوْجُهَا ذا رحم من الولد ومتى عَادَتِ الْأُمُّ أَوْ غَيْرُهَا غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ عَادَتْ إِلَيْهَا حَضَانَتُهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي الخالة حديث علي وبن عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرَ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ تَرَافَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ فِي حِينِ دُخُولِهِ مَكَّةَ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَعْفَرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ وَقَالَ (الْخَالَةُ أُمٌّ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ)
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ وَهُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ حَدِيثًا بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ إِلَّا أَنِّي اخْتَصَرْتُهُ
وَرَوَى حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عن الحكم عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ
стр. 3260
(٧ - بَابُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ وَضَمَانِهَا)
١٤٦٧ - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ فَيُرَدُّ وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ
قَالَ مَالِكٌ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ وَلَيْسَ يَوْمَ يُرَدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَمِنَهَا مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُقْصَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ فَبِذَلِكَ كَانَ نَمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا لَهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْبَضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنَهَا ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ أَوْ يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ثُمَّ يَرُدُّهَا وَقِيمَتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبَضَهُ
قَالَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنِ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ إِمَّا فِي سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي شَأْنِهِ وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ السَّارِقُ ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ قَطْعِهِ بِالَّذِي يَضَعُ عَنْهُ حَدًّا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ أَخَذَهَا إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بَنَى مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْبَابَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَنْ ضَمِنَ شَيْئًا أَنَّهُ يَطِيبُ لَهُ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ فِيهِ وَالنُّقْصَانُ
وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ وَالثِّيَابَ دُونَ الْعَقَارِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ الْمَشْهُورَ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ بِالنَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْأَثْمَانِ فَوْتٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كُلِّهِ إِذَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ
следующие страницы →