Полный текст (4 158 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
١٦٤٩ - قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نصف الثمر ونصف الأرض
فأقام لهم عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَجِبَالٍ وَأَقْتَابٍ ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى حديث بن شهاب هذا معمر عن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَجْتَمِعُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ قَالَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ دِينَانِ
قَالَ فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَجَدَ عَلَيْهِ الثَّبْتَ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَكَذَلِكَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ
فَجَعَلَ الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَلَمْ يَجْعَلْ فيه من كلام بن شِهَابٍ إِلَّا قَوْلَهُ فَلِذَلِكَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ يَهُودِيٌّ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ! فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ أَتُرَانِي نَسِيتُ قَوْلَهُ ﷺ كَأَنِّي بِكَ قَدْ قَلَصَتْ بِكَ نَاقَتُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ إِنَّمَا كَانَ هِزْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ عُمَرُ كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ
وَأَمَّا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ الْمُهَدَّلِ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الزُّهْرِيُّ قَالَ قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ مُدُنُهَا وَقَرْيَاتُهَا
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الَّتِي أَخْرَجَ عُمَرُ ﵁ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْهَا مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا فَأَمَّا الْيَمَنُ فَلَيْسَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الْعَرَبِ
стр. 3782
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ فِي ذَلِكَ وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَارِ الشَّامِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ حَفْرِ أَبِي مُوسَى إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي الطُّولِ وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ بِئْرِ يَبْرِينَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةٌ فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ
وَقِيلَ لِبِلَادِ الْعَرَبِ جَزِيرَةٌ لِإِحَاطَةِ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ بِهَا مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى الْبَصْرَةِ
(٦ بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ)
١٦٥٠ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ
فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
١٦٥١ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطْرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ
стр. 3783
مِنْهُ
ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الخبر بن بُكَيْرٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ
وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَقَدْ تَابَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ
وَأَمَّا النَّبِيذُ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ طَيِّبٌ فَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ مَا يُفَسِّرُ الطَّيِّبَ وَغَيْرَ الطَّيِّبِ وَكُلُّ شَرَابٍ حُلْوٍ لَا يُسْكِرُ الْكَثِيرُ مِنْهُ فَهُوَ الطَّيِّبُ وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ الْخَبِيثُ لَا الطَّيِّبُ
وَأَمَّا مُنَاوَلَةُ عُمَرَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فَضْلَةَ شَرَابِهِ فَهِيَ السُّنَّةُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ وَأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَقْرِيرِهِ وَتَوْبِيخِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ الْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيلِ عُمَرَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ
وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا وَفِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنُّوا مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِنْ ذَلِكَ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ
وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ
وَخَافَ مِنْهُ عُمَرُ أَنْ يَمْدَحَ مَكَّةَ وَيُزَيِّنَهَا لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَيْهَا وَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباس بن عُمَرَ فِي ذَلِكَ دُرَّتَهُ وَسَطْوَتَهُ فَفَزِعَ إِلَى الْفَضْلِ الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ عُمَرُ وَجَادَلَهُ عَمَّا أَرَادَ مِنْهُ فَقَالَ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ يَعْنِي وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْمَدِينَةُ وَأَقَرَّ لَهُ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا وَأَعَادَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَوْلَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ عبد الله بن عباس مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يُنْكِرْهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمْ أَسْأَلْكَ عَنِ التَّفْضِيلِ وَلَا الْفَضَائِلِ وَسَكَتَ لِمَا سَمِعَ مِنْهُ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مَا لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَحْتَجَّ مَعَهُ إِلَى ذَلِكَ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ رُطَبِهَا
стр. 3784
وَتَمْرِهَا وَحَرْثِهَا وَدُرُوبُ الْعَيْشِ فِيهَا أَغْزَرُ لِاجْتِمَاعِ الناس بها لِلْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ لِأَنَّ الْخَيْرَ أَكْثَرُ فِي الْبِلَادِ الْكِبَارِ وَحَيْثُ الْأَئِمَّةُ وَالسُّلْطَانُ فَكَيْفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ
فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَى خَبَرِ عمر مع عبد الله بن عباس الْمَخْزُومِيِّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ خَيْرٌ لَيْسَ بِمَعْنَى أَفْضَلَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُقَيْلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ أَحَدُ الْفُصَحَاءِ لَمَّا أَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ عَطَاءً جَزْلًا قَالَ لَهُ مَنْ خَيْرٌ لَكَ أَنَا أَوْ أَخُوكَ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَخِي وَأَخِي خَيْرٌ لِنَفْسِهِ مِنْكَ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَخَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ وَلَكِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ خَيْرًا لَهُ فِي دُنْيَاهُ
وَقَدْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عُمَرَ فَقَالَ كَانَ أَسْوَدَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ يَعْنِي الْخُلَفَاءَ قَالَ وَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْهُ
وَالدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ الْمَكِّيُّ بِمَكَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّمَا فَضْلُهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ
وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ فِي أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ وَكَانَ يَقُولُ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْمَدِينَةَ مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالشُّهَدَاءِ وَعَلَى أَنْقَابِهَا مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ وَهِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةُ وَبِهَا كَانَ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ وَبِهَا أَخْيَارُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتَارَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مماته فجعل بها قبره وبها أروضة مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قول عبد الله بن عباس لِعُمَرَ فِيهَا حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ وَلَمْ يَقُلْ هِيَ حَرَمُ إِبْرَاهِيمَ وَتَرْكُ عُمَرَ إِنْكَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ
стр. 3785
(٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ)
١٦٥٢ - مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وقع بأرض الشام قال بن عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَلَا نَرَى أن تقدمهم على هذا الوبإ فَقَالَ عُمَرُ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادع لي من كان ها هنا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعْوَتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ أَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إذا
стр. 3786
سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ وما يمكن استنباطه منها ونذكر ها هنا مَا فِي ظَاهِرِهِ الَّذِي سَبَقَ وَذُكِرَ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْقُدُومِ عَلَى الْوَبَاءِ فَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْنًى صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَأَنَّ مَا أَصَابَ الْمَرْءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ مَعَ إِبَاحَةِ الْأَخْذِ بِالْحَذَرِ وَالْحَزْمِ وَالْفِرَارِ عَنِ الْمَهْلَكَةِ الظَّاهِرَةِ
وَقَدْ أَحْكَمَتِ السُّنَّةُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا مَا قَطَعَ وُجُوهَ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدِمَ عَلَى مَوْضِعِ طَاعُونٍ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ عَنْهُ إِذَا كَانَ قَدْ نَزَلَ فِي وَطَنِهِ وَمَوْضِعِ سُكْنَاهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أصاب الناس الطاعون بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ فَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ لَقَدْ كُنْتَ فِينَا وَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هُوَ رَحْمَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ مُعَاذًا فِي مَنْ تَذْكُرُهُ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَاتَ مُعَاذٌ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ إِنَّهُ رِجْسٌ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ
فَقَالَ شُرَحْبِيلُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ فَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَظُنُّ قَوْلَهُ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ
стр. 3787
وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَا فَمَا الطَّاعُونُ قَالَ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ وَحَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْبَدَنِ
وَرَوَيْنَا أَنْ زِيَادًا كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ إِنِّي قَدْ ضَبَطْتُ الْعِرَاقَ بِيَمِينِي وشمالي فارغة فأخبر بذلك بن عُمَرَ فَقَالَ مُرُوا الْعَجَائِزَ يَدْعُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ فَفَعَلْنَ فَخَرَجَ بِأُصْبُعِهِ طَاعُونٌ فَمَاتَ مِنْهُ
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزحف
وروينا عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَعَلَى الْفَارِّ أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ
وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ أَقَمْتُ فَمُتُّ وَإِنَّمَا فَرَّ مَنْ لَمْ يَجِئْ أَجَلُهُ وَقَامَ فَمَاتَ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ
وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى انْصِرَافِهِ عَنِ الطَّاعُونِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ نَزَلَ بِالشَّامِ وَدَخَلَهَا يَوْمَئِذٍ
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ عَنْ قَاسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغَ يَعْنِي حِينَ رجع من أجل الوبإ
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالشَّامِ إِذَا سَمِعْتَ بِالطَّاعُونِ قَدْ وَقَعَ عِنْدَكُمْ فَاكْتُبْ إِلَيَّ أَخْرُجْ إِلَيْهِ
وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَفِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَانْصَرَفَ مِنْ سرغ وبها الطاعون
وقال ضمرة عن بن شَوْذَبٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ قُلْتُ لِمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ مَا تَقُولُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ قَالَ هُوَ الْقَدَرُ تَخَافُونَهُ وَلَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ وَأَخْبَارًا غَيْرَهَا فِي مَعْنَاهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا مِنْهَا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ
стр. 3788
وَجَلَّ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ ديرهم وهم ألوف حذر الموت) البقرة ٢٤٣
قالوا كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ فماتوا فدعا الله نبي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ فَخَرَجَ أُنَاسٌ وَبَقِيَ أُنَاسٌ فَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَقِيَ فَنَجَا الَّذِينَ خَرَجُوا وَهَلَكَ الَّذِينَ أَقَامُوا فَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ وَدَوَابَّهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ إنه قل مَا فَرَّ أَحَدٌ مِنَ الطَّاعُونِ فَسَلِمَ مِنَ الْمَوْتِ
قَالَ وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَرِبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رِبَاطٍ مِنَ الطَّاعُونِ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَعْنَبِيُّ
(وَلَمَّا اسْتَفَزَّ الْمَوْتُ كُلَّ مُكَذِّبٍ ... صَبَرْتُ وَلَمْ يَصْبِرْ رِبَاطٌ وَلَا عَمْرُو) وَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي قَوْلِهِ
(كُلٌّ يُوَافِي بِهِ الْقَضَاءُ إِلَى الْمَوْتِ ... وَيُوفِيهِ رِزْقَهُ كَمِلَا)
(كُلٌّ فَقَدْ أَمْهَلَهُ أَمَلٌ ... يُلْهِي وَلَكِنْ خَلْفَهُ الْأَجَلَا)
(يَا بُؤْسَ لِلْغَافِلِ الْمُطِيعِ ... عَنْ أَيِّ عَظِيمٍ مِنْ أَمْرِهِ غَفَلَا)
١٦٥٣ - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ
قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ
هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ مَذْكُورٌ فِيهِ أبو النضر مع بن المنكدر وما خالف فيه أبو النصر من اللفظ
стр. 3789
وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ لَمْ يَذْكُرْ سَعْدًا وَلَا ذَكَرَ أَبَا النَّضْرِ فِي الْإِسْنَادِ وَلَا لَفْظَهُ فِي الْحَدِيثِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي إِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَمَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ لِسَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ وَمَنْ جَعَلَهُ لِسَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ جَعَلَهُ لِأُسَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ لِسَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ فَقَدْ وهم واللن أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ لِسَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأُسَامَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ سَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ أُسَامَةَ جَمِيعًا وَالْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لِعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فرار مِنْهُ فَقَدَ جَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَلَطًا وَإِحَالَةً لِلْمَعْنَى وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّحْوِ وَتَصَارِيفِهِ إِنَّ دُخُولَ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنَّمَا هُوَ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ بِالْجُمْلَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ تَخْرُجُوا مِنْهَا
يَعْنِي الْبَلْدَةَ الَّتِي وَقَعَ الطَّاعُونُ بِهَا إِذَا لَمْ يكن خروجكم إلا فرارا والنصب ها هنا بِمَعْنَى الْحَالِ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
أَيْ إِذَا كَانَ خُرُوجُكُمْ فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا وَفِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الْخُرُوجِ مِنْ مَوْضِعِ الطَّاعُونِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْخُرُوجُ قَصْدًا إِلَى الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ
وقد روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ حَدِيثَهُ فقال فيه كما قال في حديث بن الْمُنْكَدِرِ لَا غَيْرَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ مَا يَشْفِي فِي لَفْظِهِ وَإِسْنَادِهِ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا أَبَا النَّضْرِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ عَنْهُ مَذْكُورٌ كُلُّ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
١٦٥٤ - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ
стр. 3790
الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ
فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اقْتَضَى مَعْنَاهُ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ فيه مدخل
١٦٥٥ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ بَيَّنَ أَنَّ رُجُوعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْلِ مَشْيَخَةِ الْفَتْحِ وَإِنَّمَا كَانَ لِمَا حَدَّثَهُ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَلِيقُ بِعُمَرَ وَنُظَرَائِهِ وَمَا كَانَ عُمَرُ مَعَ الِاخْتِلَافِ لِيُؤْثِرَ رَأْيًا عَلَى رَأْيٍ بِلَا حُجَّةٍ وَمَا كَانَ لِيَنْقَادَ إِلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ مَشُورَتُهُ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِيَجِدَ عِنْدَهُمْ عِلْمًا مِنَ النبي ﷺ فكثرا مَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يَنْزِلُ بِهِ وَمَعْرُوفٌ عَنْهُ وَمَشْهُورٌ عَنْهُ تَفْضِيلُ أَهْلِ السَّوَابِقِ فِي الرَّأْيِ وَفِي الْعَطَاءِ وَفِي الْمَنْزِلَةِ مِنْ مَجْلِسِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَكَانَ لَا يُقِيمُ لِمَشْيَخَةِ الْفَتْحِ وَزْنًا إِلَّا فِي الْعِمَالَةِ وَالْإِمَارَةِ وَمَعَانِي الدُّنْيَا وَيَقُولُ مَا كُنْتُ لِأُدَنِّسَ أَهْلَ بَدْرٍ بِالْوِلَايَةِ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ سَالِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنِ الطَّاعُونِ مِنْ سَرْغَ إِلَّا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرحمن بن عوف عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
١٦٥٦ - مَالِكٌ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَبَيْتٌ بِرُكْبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ بِالشَّامِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ لِطُولِ الْأَعْمَارِ وَالْبَقَاءِ وَلِشِدَّةِ الْوَبَاءِ بِالشَّامِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاتِهِ
وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّامَ كَثِيرَةُ الْأَمْرَاضِ وَالْوَبَاءِ وَالْأَسْقَامِ وَأَنَّ رُكْبَةَ أَرْضٌ مُصِحَّةٌ طَيِّبَةُ الْهَوَاءِ قَلِيلَةُ الْأَمْرَاضِ وَالْوَبَاءِ لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ تُنْقِصُ مِنَ الْعُمُرِ أَوْ تَزِيدُ فِي الْبَقَاءِ أو تؤخر الأجل
وقال بن وَضَّاحٍ رُكْبَةُ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِ
وَقَالَ غَيْرُهُ رُكْبَةُ وَادٍ مِنْ أودية الطائف
стр. 3791
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَعْمَلَ عَشْرَ خَطَايَا بِرُكْبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْمَلَ وَاحِدَةً بِمَكَّةَ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ مَكَّةَ وَعَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهَا السيئات
وَقَدْ رَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الزِّيَادَةَ فِي دِيَةِ الْأَنْفُسِ وَالْجِرَاحِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَرَأَوْا أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِمَّنْ جَنَى جِنَايَةً أَوْ أَصَابَ حَدًّا وَلَحِقَ بِالْحَرَمِ حَتَّى يَخْرُجَ من الحرام
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَتَى حَدًّا أُقِيمُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ وَقَالَ اللَّهُ (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الْحَجِّ ٢٥ قِيلَ الْحَرَمُ وَقِيلَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ
стр. 3792
(٤٦ كتاب القدر)
(١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ)
١٦٥٧ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِلَى هنا انتهى حديث مالك ورواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِإِسْنَادِهِ وَزَادَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً
وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طرق شتى منها حديث محمد بن عمرو وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أبي هريرة
ورواه بن شِهَابٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ جَعَلَ فِيهِ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكُلُّهُمْ رَفَعُوهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وهو حسن صحيح الألفاظ والسياقة
стр. 3793
ورواه بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ يَا رَبِّ أَرِنِي أَبَانَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ آدَمُ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ فَسَجَدُوا لَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُوسَى قَالَ أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلُ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَكُلُّهُمْ يَرْوِيهِ وَيُقِرُّ بِصِحَّتِهِ وَيَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ قِدَمِ عِلْمِ اللَّهِ ذِكْرُهُ)
وَسَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ دُونَ الْعِلْمِ وَمَنْ قَالَ الْعَمَلُ وَالْعِلْمُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ خَبَرٌ جَاءَ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًا فَاشِيًا
وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَيُنْكِرُونَهُ وَيَدْفَعُونَهُ وَيَعْتَرِضُونَ فِيهِ بِدُرُوبٍ مِنَ الْقَوْلِ كَرِهْتُ ذِكْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ كِتَابَنَا هَذَا كِتَابُ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ لَا كِتَابُ جِدَالٍ وَابْتِدَاعٍ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مَا يَكُونُ وَأَنَّهُ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ جَرَى الْقَلَمُ فِيهِ بِمَا يَكُونُ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَعْمَلُونَ إِلَّا فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وَقَضَى بِهِ وَقَدَّرَهُ
وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ فَقَالَ إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أن ما أصابه لن يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ
فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ﵁ قَالُوا إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ فِي حَرْبٍ وَإِلَى جَنْبِ عَدُوٍّ وَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يُغْتَالَ فَلْيَحْرُسْهُ مِنَّا كُلَّ لَيْلَةٍ عَشَرَةٌ وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ لَصِقَ بِقِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِهِ فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَآهُمْ فَقَالَ مَا أَجْلَسَكُمْ هُنَا هَذِهِ السَّاعَةَ فَقَالُوا أَجْلَسَنَا نَتَحَدَّثُ فَقَالَ لَتُخْبِرُنِّي فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ أَمِنَ أَهْلِ الْأَرْضِ تَحْرُسُونِي أَمْ من أهل
стр. 3794
السَّمَاءِ فَقَالُوا نَحْنُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ نَحْرُسَكَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَلَكِنْ نَحْرُسُكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ
قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ إِذَا قُضِيَ الْأَمْرُ مِنَ السَّمَاءِ عَلِمَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَجِدُ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُوقِنَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ
وَرَوَيْنَا أَنَّ النَّاسَ لَمَّا خَاضُوا فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ وَرُفَيْعٌ أَبُو الْعَالِيَةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ تَعَالَ نَنْظُرْ في ما خَاضَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَقَعَدَا وَنَظَرَا فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمَا أَنَّهُ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ وَأَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ
وَرَوَيْنَا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ مَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِمَ عِلْمًا فَجَعَلَهُ كِتَابًا
أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ انْحَدَرَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ يَوْمًا مِنْ دَرَجَتِهِ وَقَوْمٌ يَتَجَادَلُونَ فِي الْقَدَرِ فَقَالَ لَهُمْ إِمَّا أَنْ تَقُومُوا عَنَّا وَإِمَّا أَنْ تُجَاوِرُونَا بِخَيْرٍ ثُمَّ قَالَ لأن يلقى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ
قَالَ وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ يَقُولُ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الْإِنْسَانِ ٣٠ فَأَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنْ لَا مَشِيئَةَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
قَالَ الرَّبِيعُ قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْقَدَرِيِّ وَإِنِّي أَكْرَهُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُيَيْنَةُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ قَالَ بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ قَالَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ
وَرَوَيْنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ خَلْقَهُ بِمَا قَضَى عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ يُطَالِبُهُمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَمَرَهُمْ بِهِ فَطَالِبْ نَفْسَكَ مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُكَ رَبُّكَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ آدَمَ ﵇ أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ
فَهُوَ خُصُوصٌ لِآدَمَ ﵇ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِمَا
стр. 3795
السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عَلَى آدَمَ وَبَعْدَ أَنْ تَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ فِي أَكْلِ الشَّجَرَةِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ حُجَّةً إِذَا أَتَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجَّ بِمِثْلِ هَذَا فَيَقُولُ أَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ قَتَلْتُ وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ أَقْتُلَ وَتَلُومُنِي فِي أَنْ أَسْرِقَ أَوْ أَزْنِيَ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أَجُورَ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ عَلَيَّ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ
وَهَذَا مَا لَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ حُجَّةً لِنَفْسِهِ
وَالْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزُ لَوْمُ مَنْ أَتَى مَا يلام عليه من معاصي ربه وَذَمُّهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى حَمْدِ مَنْ أَطَاعَ رَبَّهُ وَأَتَى مِنَ الْأُمُورِ المحمودة ما يحمد عليه
وقد روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ آدَمَ لِمُوسَى بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَى آدَمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْتِقَاءُ آدَمَ وَمُوسَى يُمْكِنُ أَنْ يكون كما قال بن وَهْبٍ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَهُوَ حَيٌّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَعَلِمَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَعْلَمُ بِهِ خَبَرَ السَّمَاءِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
وَهَذَا وَمِثْلُهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ فِيهِ التَّكْيِيفُ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّسْلِيمُ
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
١٦٥٨ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غفلين) الْأَعْرَافِ ١٧٢ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ آدَمَ
ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَرِّيَّةً وَقَالَ خلفت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَفِيمَ الْعَمَلُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى
стр. 3796
يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ هَذَا لَمْ يلق عمر بن الخطب بَيْنَهُمَا نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ هَذَا إِنْ صَحَّ لِأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أُنَيْسَةَ فَذَكَرَ فِيهِ نُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ لَيْسَ هُوَ أَحْفَظَ مِنْ مَالِكٍ وَلَا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ مَالِكٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ نُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ وَمُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ جَمِيعًا مَجْهُولَانِ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ
وَلَيْسَ هُوَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ الْبَصْرِيُّ الْعَابِدُ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مَدَنِيٌّ مَجْهُولٌ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ قَرَأَتْ عَلَى يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَكَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ لَا يُعْرَفُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ عَلِيلَ الْإِسْنَادِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ
وَمِمَّنْ روي عن النبي ﷺ مَعْنَاهُ فِي الْقَدَرِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وبن عباس وبن عمر وأبو هريرة وسعيد الْخُدْرِيُّ وَأَبُو سَرِيحَةَ الْغِفَارِيُّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو بن العاصي وَذُو اللِّحْيَةِ الْكِلَابِيُّ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَسُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا اسْتَحْسَنَّا مَنْ طُرُقِ أَحَادِيثِهِمْ فِي التَّمْهِيدِ وَمِنْ أَحْسَنِهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عن سعد بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَنْزِلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فلم نعمل قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَقَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) اللَّيْلِ ٥ - ١٠
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِبَعْضِ أَسَانِيدِهِ فِي التَّمْهِيدِ
стр. 3797
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَا أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ
قَالَ حَمْزَةُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ الرِّشْكِ منهم بن شُعْبَةَ الْحَجَّاجُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ
وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ الدُّئِلِيِّ قَالَ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُوكَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ قُلْتُ لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ وَقَالَ فَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ظُلْمًا قَالَ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ فَقَالَ سَدَّدَكَ اللَّهُ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لَأَحْرِزَ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ قَالَ لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ قَالَ فَلِمَ نَعْمَلُ إِذَنْ فَقَالَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لَهَا وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) الشَّمْسِ ٦ ٧
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) الْقَمَرِ ١٢ وَقَالَ (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) الْأَحْزَابِ
стр. 3798
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَمَاءُ قَدِيمًا الْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَنْظُرُوا فِيهِ فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَلَّا يُعْصَى مَا عَصَاهُ أَحَدٌ فَالْعِبَادُ أَدَقُّ شَأْنًا وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ إِلَّا بِمَا يُرِيدُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ
وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ لَوْ كَانَ الْخَيْرُ فِي يَدِ أَحَدٍ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ فِيهِ
قَالَ وجدت بن آدَمَ مُلْقًى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَالشَّيْطَانِ فَإِنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ نَجَا وَإِنْ خَلَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ بِهِ
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ قَالَ
(لَيْسَ لِلَّهِ الْعَظِيمِ نِدٌّ ... وَهَذِهِ الْأَقْدَارُ لَا تُرَدُّ)
(لَهُنَّ وَقْتٌ وَلَهُنَّ حَدٌّ ... مؤخر بعض وبعض نقد)
(وَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَهَذَا بُدٌّ ... وَلَيْسَ مَحْتُومًا لِحَيٍّ خُلْدُ) وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ إِذَا أَرَادَ الله بعبد خيرا سلك في قلبه اليقين والتصديق وإذا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا سَلَكَ فِي قَلْبِهِ الرِّيبَةَ وَالتَّكْذِيبَ
وَقَالَ اللَّهُ (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ) الْحِجْرِ ١٢ ١٣
وَقَالَ اللَّهُ (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضيقا حرجا وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) النَّحْلِ ٩٣ وَقَالَ اللَّهُ (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) الْأَعْرَافِ ١٥٥
وَقَالَ الْفَضْلُ الرِّقَاشِيُّ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَا أَبَا وَائِلَةَ! مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ يَعْنِي الْقَدَرَ قَالَ إِنْ أَقْرَرْتَ بِالْعِلْمِ خُصِمْتَ وَإِنْ أَنْكَرْتَ كَفَرْتَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ﵀ هَلَكَ عُبَّادُنَا وَخِيَارُنَا فِي هذا الرأي يعني القدر
وسمع بن عَبَّاسٍ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي الْقَدَرِ فَقَالَ مَا مِنْكُمَا إِلَّا زَائِغٌ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ محمد بن الْحَنَفِيَّةِ قَالَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْقَدَرِيَّةُ أَنْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ كَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهَ أَنَّ شَرَرَةً طَارَتْ فَأَحْرَقَتِ الْكَعْبَةَ فَقَالَ آخَرُ لَيْسَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ أَنْ يَحْرِقَ الْكَعْبَةَ
стр. 3799
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَكْثَرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ تَخْرِيجِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَكْثَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْجِدَالِ
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَمُجْتَمِعُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ وَمِثْلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى اعْتِقَادِ مَعَانِيهَا وَتَرْكِ الْمُجَادَلَةِ فِيهَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ عَنْ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ رُفِعَ الْكِتَابُ وَجَفَّ الْقَلَمُ وَأُمُورٌ تُقْضَى فِي كِتَابٍ قَدْ خَلَا
قَالَ وَحَدَّثَنِي مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَصْمَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَعَلِمَتِ الْقَدَرِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ كَانَ الْحَسَنُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بطون أمهتكم) النَّجْمِ ٣٢ قَالَ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا هِيَ عَامِلَةٌ وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَةٌ وَرَوَى أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ سَأَلْتُ أَعْرَابِيًّا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ ذَلِكَ عِلْمٌ اخْتَصَمَتْ فِيهِ الظُّنُونُ وَتَغَالَبَ فِيهِ الْمُخْتَلِفُونَ
وَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا مِنْ حُكْمِهِ إِلَى مَا سَبَقَ فِيهِ مِنْ عِلْمِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ رِجْزًا فِي مَعْنَى الْقَدَرِ قَوْلُ ذِي النُّونِ إِبْرَاهِيمَ الْإِخْمِينِيِّ
(قَدَّرَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ... وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَى عِلْمِ غَيْبِهِ بَشَرَا)
(وَيَرَى مِنَ الْعِبَادِ مُنْفَرِدًا ... مُحْتَجِبًا فِي السَّمَاءِ لَيْسَ يُرَى)
(ثُمَّ جَرَى بِالَّذِي قَضَى قَلَمٌ ... أَجْرَاهُ فِي اللَّوْحِ رَبُّنَا فَجَرَى)
(لَا خَيْرَ فِي كَثْرَةِ الْجِدَالِ وَلَا ... فِي مَنْ تَعَدَّى فَأَنْكَرَ الْقَدَرَ)
(مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَنْ يَضِلَّ وَمَنْ ... يُضْلِلْ فَلَنْ يَهْتَدِيَ وَقَدْ خَسِرَا)
(دَعْوَتُهُ لِلْعِبَادِ شَامِلَةٌ ... وَخَصَّ بِالْخَيْرِ مِنْهُمْ نَفَرًا)
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذريات ٥٦
وروي عن بن عَبَّاسٍ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي قَالَ لِيُقِرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وكرها
стр. 3800
وقال مجاهد وبن جُرَيْجٍ إِلَّا لِيَعْرِفُونِي
وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ
هِيَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ عَامَّةٌ فِي الْمَنْطِقِ خَاصَّةٌ فِي الْمُؤْمِنِينَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ خَاصَّةٌ يَعْنِي أَنَّهُ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُؤْمِنِينَ لِعِبَادَتِهِ
قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى خُصُوصِهَا قَوْلُهُ (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الْإِنْسَانِ ٣٠ فَلَنْ يَكُونَ بِخَلْقِهِ مَشِيئَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ مِنَ النَّظْمِ فِي قِدَمِ الْعَمَلِ وَأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَقَدْ سَبَقَ الْعِلْمُ بِهِ وَجَفَّ الْقَلَمُ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ لَا شَاءَ غَيْرُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ رَوَيْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَعَنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ
(فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ ... وَمَا شِئْتُ وَإِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ)
(خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ ... وَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ)
(عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ ... وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ)
(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ ... وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ)
(وَمِنْهُمْ فَقِيرٌ وَمِنْهُمْ غَنِيٌّ ... وَكُلٌّ بِأَعْمَالِهِ مُرْتَهَنْ)
قَالَ أَبُو عُمَرَ كُلُّ مَا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَذْهَبُهُمْ فِي الْقَدَرِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَهُوَ أَصْلُ مَا يَبْنُونَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ
١٦٥٩ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أمرين لن تضلوا ما مسكتم بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ اثْنَتَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْهَدْيُ كُلُّ الْهَدْيِ فِي اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فهي
стр. 3801
المبنية لِمُرَادِ كِتَابِ اللَّهِ إِذَا أَشْكَلَ ظَاهِرُهُ أَبَانَتِ السُّنَّةُ عَنْ بَاطِنِهِ وَعَنْ مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ
والجدال في ما تَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ مِنَ الضَّلَّالِ
١٦٦٠ - مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ
قَالَ طَاوُسٌ وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ
هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الشَّكِّ في تقديم إحدى اللفظتين وتابعه بن بكير وأبو مصعب ورواه بن وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ فَلَمْ يَزِيدَا عَلَى قَوْلِ طَاوُسٍ أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ
وَلَمْ يَذْكُرَا حديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعَ
وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَرْوُونَهُ كَمَا رَوَى يَحْيَى وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ طاوس عن بن عُمَرَ لَا أَعْلَمُهُ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ اللَّهُ (إنا كل شيء خلقه بِقَدَرٍ) الْقَمَرِ ٤٩ وَقَالَ تَعَالَى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الْإِنْسَانِ ٣٠
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَشِيئَةٌ تَنْفُذُ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَجْرِي الْعِبَادُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَالْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ لَا يُدْرَكُ بِجِدَالٍ وَلَا يَشْفِي مِنْهُ مَقَالٌ وَالْحِجَاجُ مُرْتَجَةٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُفْتَحُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِكَسْرِ شَيْءٍ
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ فِيهِ وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ وَالْإِيمَانِ بِهِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي بن الْأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ أملى علي علي بن الْمَدِينِيِّ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ لِي كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ بِقَدَرٍ وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ
قَالَ عَلِيٌّ قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ الْعِلْمُ وَالْقَدَرُ وَالْكِتَابُ سَوَاءٌ
ثُمَّ عَرَضْتُ كَلَامَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فَقَالَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا قَلِيلٌ ولا كثير
стр. 3802
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ عَنِ بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فأمسكوا
١٦٦١ - مالك عن زياد بن سعيد عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ (تَعَالَى) (يضل من يشاء ويهدى من يشاء) الرعد ٢٧ وَقَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ ﵇ (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)
هود ٣٤
وقال (تبارك اسمه) (ولو شاء لهدكم أَجْمَعِينَ) الْأَنْعَامِ ١٤٩ وَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِ اللَّهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ كنت عند بن عَبَّاسٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَ مَنْ حَرَمَنِي الْهُدَى وَأَوْرَثَنِي الضَّلَالَةَ وَالرَّدَى أَتُرَاهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أو ظلمني فقال بن عَبَّاسٍ إِنْ كَانَ الْهُدَى شَيْئًا لَكَ عِنْدَهُ فَمَنَعَكَهُ فَقَدْ ظَلَمَكَ وَإِنْ كَانَ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا وَلَا تُجَالِسْنِي بَعْدَهُ
وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ وَقَفَ بِرَبِيعَةَ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عُثْمَانَ! أَرَأَيْتَ الَّذِي مَنَعَنِي الْهُدَى وَمَنَحَنِي الرَّدَى أَأَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ إِنْ كَانَ مَنَعَكَ شَيْئًا هُوَ لَكَ فَقَدْ ظَلَمَكَ وَإِنْ كَانَ فَضْلَهُ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَمَا ظَلَمَكَ شَيْئًا
فَهَذَا أَخَذَهُ رَبِيعَةُ مِنْ كلام بن عَبَّاسٍ
وَقَالَ غَيْلَانُ لِرَبِيعَةَ أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْصَى قَالَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُعْصَى قَسْرًا
١٦٦٢ - مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ رَأْيِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وذلك رأي
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ رَأْيِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ قَتَلَ غَيْلَانًا
стр. 3803
الْقَدَرِيَّ وَصَلَبَهُ وَهَذَا جَهْلٌ بِعِلْمِ أَيَّامِ النَّاسِ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا نَاظَرَهُ دَعَا عَلَيْهِ وَقَالَ مَا أَظُنُّكَ تَمُوتُ إِلَّا مَصْلُوبًا فَقَتَلَهُ هِشَامٌ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَصَلَبَهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ يُسْتَتَابُونَ قِيلَ لِمَالِكٍ كَيْفَ يُسْتَتَابُونَ قَالَ يُقَالُ لَهُمُ اتركوا ما أنتم مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَانْزِعُوا عَنْهُ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كُلِّهِمْ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَةَ يُتَخَيَّرُ لَهَا أَهْلُ الْكَمَالِ فِي الدِّينِ مِنْ أَهْلِ التِّلَاوَةِ وَالْفِقْهِ هَذَا فِي الْإِمَامِ الرَّاتِبِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُرِيدُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ زَجْرٌ لَهُمْ وَخِزْيٌ لَهُمْ لِابْتِدَاعِهِمْ رَجَاءَ أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ مَذْهَبِهِمْ وَكَذَلِكَ تَرْكُ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ
وَأَمَّا أَنْ تُتْرَكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً إِذَا مَاتُوا فَلَا بَلِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
مُبْتَدِعًا كَانَ أَوْ مُرْتَكِبًا لِلْكَبَائِرِ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَأَنَّ مَالِكًا شَذَّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَلَا الرَّافِضَةِ وَلَا الْقَدَرِيَّةِ قَالَ إِسْحَاقُ وَكَذَلِكَ كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ
قال أبو عمر اتفق بن أبي ليلى وبن شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بن حي وعثمان التبي وُدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَسَائِرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ إِلَّا مَالِكًا وَطَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانُوا عُدُولًا وَلَا يَسْتَحِلُّونَ الزُّورَ وَلَا يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَصْدِيقِ بَعْضٍ فِي خَبَرِهِ وَيَمِينِهِ كَمَا تَصْنَعُ الْخَطَّابِيَّةُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَشَهَادَةُ مَنْ يَرَى إِنْفَاذَ الْوَعِيدِ فِي دُخُولِ النَّارِ عَلَى الذَّنْبِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ شَهَادَةِ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِالذُّنُوبِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كُلُّ مَنْ يُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ لَا يَرَى اسْتِتَابَتَهُمْ وَلَا عَرْضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3804
(٢ - باب جامع ما جاء في أهل الْقَدَرِ)
لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ فِي الْقَدَرِ إِلَّا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
١٦٦٣ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَعْقِدَ لَهَا عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَنْكِحُهَا عَلَيْهِ طَالِقٌ
وَأَمَّا سُؤَالُهَا طَلَاقَ مَنْ جَمَعَهَا مَعَهَا عَصَبَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَنَصٌّ لَا دَلِيلٌ
وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالْإِقْرَارُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ ﷺ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا
وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لنا هو مولنا) التَّوْبَةِ ٥١
وَذِكْرُ الصَّحْفَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كِنَايَةٌ عَنْ خَيْرِ الزَّوْجِ لِتَنْفَرِدَ بِهِ وَحْدَهَا
١٦٦٤ - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ
قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ مَنْ يُرِدِ اللَّهَ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ الِانْقِطَاعُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ لَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَطَرَفًا مِنْ فَضَائِلِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ
وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَمِعَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3805
وَرَوَى أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنَ الطُّرُقِ الصِّحَاحِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ إِلَى هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا من يرد الله به خيرا يفقهه في الدِّينِ
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ لَا مَا قَبْلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ حَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ فَالرِّوَايَةُ عِنْدَنَا فِي الْمُوَطَّأِ الْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ الْحَظُّ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ الْبَخْتُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى عِنْدَكَ غِنَاهُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ بِطَاعَتِكَ
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ
يَعْنِي أَصْحَابَ الْغِنَى
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْكَسْرُ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ
قَالَ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ اجْتِهَادُهُ وَإِنَّمَا لَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ الرِّزْقُ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَيْضًا وَجْهٌ حَسَنٌ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ مَرْفُوعٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ
١٦٦٥ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا
стр. 3806
يَنْبَغِي الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٍ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ حَسْبِي اللَّهُ وَكَفَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى
هَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى وَطَائِفَةٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى بِأَنْ لَا يَتَقَدَّمَ شَيْءٌ وَقْتَهُ وَحِينَهُ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ أَوْ قُدِّرَ لَهُ وَآنَاءُ الشَّيْءِ وَقْتُهُ وَحِينُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ (غير نظرين إنه) الْأَحْزَابِ ٥٣
أَيْ وَقْتُهُ وَحِينُهُ
وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ الَّذِي لَا يَعْجَلُ بِشَيْءٍ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ
وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ مَعَهُ هَكَذَا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَجَّلُ مَا قَضَى بِتَأْخِيرِهِ وَلَا يُؤَخَّرُ مَا قَضَى بِتَعْجِيلِهِ وَكُلٌّ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ
وَالْأَنَاءُ وَالْأَنَاةُ فِي اللُّغَةِ التَّأْخِيرُ
قَالَ الشَّاعِرُ
(وَأَنَيْتُ الْعَشَاءَ إِلَى سُهَيْلٍ ... أَوِ الشِّعْرَى فَطَالَ بِنَا الْأَنَاءُ)
الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا عَلَى مَا قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ لَا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ وَقْتِهِ الَّذِي سَبَقَ الْقَضَاءُ بِهِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ (يمحوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) الرَّعْدِ ٣٩ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ لِلْخُرُوجِ بِذَلِكَ عَمَّا قصدنا لَهُ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أن
стр. 3807
يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ عَذَابِ النَّارِ كَانَ خَيْرًا لَكِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالد قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ سَهْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو تَوْبَةَ نُعَيْمُ بْنُ مُوَرِّعِ بْنِ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا أُعَلِّمُكَ عَوْذَةً كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَعُوذُ بِهَا بَنِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَأَنَا أَعُوذُ بِهَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ كَفَى بِسَمْعِ اللَّهِ دَاعِيًا لِمَنْ دَعَاهُ لَا مَرْمَى وَرَاءَ اللَّهِ لِرَامٍ فَرَمَى
١٦٦٦ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنْ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ
هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَمِنْ طُرُقِهِ مَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِدِمْيَاطَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عن بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ فَاتَّقَوْا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرَّمَ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ فِي التَّمْهِيدِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ
وَأَخَذَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ ﵀ فَقَالَ
(أُقَلِّبُ طَرْفِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ... لِأَعْلَمَ مَا فِي النَّاسِ وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبْ)
(فَلَمْ أَرَ عِزًّا كَالْقُنُوعِ لِأَهْلِهِ ... وَأَنْ يُجْمِلَ الْإِنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطلب
стр. 3808
(٤٧ كتاب حسن الخلق)
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ)
١٦٦٧ - مَالِكٌ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ
يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ
هَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَرَوَاهُ غَيْرُ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ
وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ رَوَى كُلَّ رِوَايَةٍ مِنْهَا وَلَا يُؤْخَذُ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُسْنَدًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللَّهَ وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ آخِرَ مَا فَارَقْتُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ أَنْجَا لِابْنِ آدَمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَالَ أَنْ يَمُوتَ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (عز وجل
стр. 3809
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التمهيد
١٦٦٨ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زوج النبي أَنَّهَا قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا
فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَالْحَنِيفِيَّةُ سَمْحَةٌ وَقَالَ اللَّهِ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) الْبَقَرَةِ ١٨٥
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُسْلِمٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَأَمَّا أَخْلَاقُهُ ﷺ فَلَا يُحْصَى الْحَسَنُ مِنْهَا كَثْرَةً وَلَوْ أُفْرِدَ لَهَا كِتَابٌ لَقَصُرَ عَنْهَا وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) الْقَلَمِ ٤ وَقَوْلُهُ تَعَالَى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالعرف وأعرض عن الجهلين) الأعراف ١٩٩
وهذا الحديث قد رواه الفضيل بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِأَلْفَاظٍ أَتَمَّ مِنْ أَلْفَاظِ مَالِكٍ ﵀
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حدثني الفضيل بن عياش عن منصور بن المعتمر عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ
стр. 3810
حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا ضَرْبُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إلا أن يجاهد في فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً قَطُّ وَلَا خُيِّرَ فِي أَمْرَيْنِ إِلَّا كَانَ أَيْسَرُهُمَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْإِثْمُ فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَهُمْ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَكُونُ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ وَيَنْدُبُ الْأُمَرَاءَ وَسَائِرَ الْحُكَّامِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ الِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ تَأَسِّيًا بِنَبِيِّهِ ﷺ وَلَا ينسى الفضل والأخذ به في العفو عن من ظَلَمَهُ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ
وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ شَهَادَتُهُ مِنْ بَنِيهِ وَآبَائِهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ أَوْلَى لِذَوِي الْعِلْمِ وَالْحِجَا مِنَ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُنْتَهَى عَنْ مَحَارِمِهِ وَتُجْتَنَبَ عَزَائِمُهُ
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ أَنْ تَسْمَعَ بِالرُّخْصَةِ مِنْ ثِقَةٍ وَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ
١٦٦٩ - مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ شِهَابٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَتَابَعَهُ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى هَذَا الحديث عن مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ
стр. 3811
وَهُوَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أصحاب بن شهاب فيه عن بن شِهَابٍ وَأَحْسَنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ قُرَّةَ بْنِ حَيْوَئِيلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَوْلُهُ ﷺ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ وَحِكْمَتِهَا وَهُوَ جَامِعٌ لِمَعَانٍ جَمَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ
وَفِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمِلِهِ قَلَّ كَلَامَهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ
وَقِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَالَ بَلَى قَالُوا فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى قَالَ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وتركي ما لا يعنيني
وروى بن وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَحْبَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ إِنَّمَا الْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ أَوْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ تُسَلْ عَنْ عِلْمٍ فَتُخْبِرَ بِهِ أَوْ تتكلم في ما يَعْنِيكَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكَ
١٦٧٠ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بئس بن الْعَشِيرَةِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ سَمِعْتُ ضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قُلْتُ يارسول اللَّهِ قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ ثُمَّ لَمْ تَنْشَبْ أَنْ ضَحِكْتَ مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ
قَالَ أَبُو عمر هذا الحديث عند طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ
وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ كُلُّهَا مُسْنَدَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ
стр. 3812
عَائِشَةَ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عروة عن عائشة وحديث بن الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وَأَحْسَنُهَا عِنْدِي حديث بن الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَصِيبِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرَ يَقُولُ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ائْذَنُوا له فبئس بن الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ! فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ
قال بن الْمُنْكَدِرِ لَا أَدْرِي أَقَالَ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ قَالَ وَدَعَهُ النَّاسُ
قَالَ سُفْيَانُ فَعَجِبْتُ مِنْ حفظ بن الْمُنْكَدِرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ شِرَارَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ)
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ يُتَّقُونَ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ بِأَسَانِيدِهِمَا
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَكَمٍ قَالُوا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ
١٦٧١ - مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ
стр. 3813
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي زَائِدَةُ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَرَّ بِجِنَازَةٍ فَقِيلَ لَهَا خَيْرٌ
فَتَتَابَعَتِ الْأَلْسُنُ بِالْخَيْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ قَالَ وَمَرَّ بِجِنَازَةٍ فَقِيلَ لَهَا شَرٌّ
وَتَتَابَعَتِ الْأَلْسُنُ بِالشَّرِّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجِنَازَةٍ فَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵃ لَا يُثْنُونَ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَمْدَحُونَ إِلَّا بِالْحَقِّ لَا لِشَيْءٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا شَهْوَةً أَوْ عَصَبِيَّةً أَوْ تَقِيَّةً وَمَنْ كَانَ ثَنَاؤُهُ هَكَذَا يَصِحُّ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٦٧٢ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْمَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ درجة القائم بالليل الظامىء بِالْهَوَاجِرِ
وَهَذَا يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْنَدًا
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ
стр. 3814
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال إن أكملكم إيمانا أحسانكم أَخْلَاقًا إِذَا فَقِهُوا
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْيَمَانُ بْنُ عُدَيٍّ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ السَّاهِرِ بِاللَّيْلِ الظَّامِئِ بِالْهَوَاجِرِ
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بن داود قال حدثني سحنون قال حدثني بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ
وَذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَحَادِيثَ فِي هَذَا الْمَعْنَى حِسَانًا كُلُّهَا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ
أَيْضًا حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ خُلُقٌ حَسَنٌ
وَقَدْ ذَكَرْتُهُ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ
١٦٧٣ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْهَا مَا
حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عن بن
стр. 3815
عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب عن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَمَّا إِنِّي لَا أَقُولُ حَالِقَةُ الشَّعْرِ وَلَكِنَّهَا حَالِقَةُ الدِّينُ
١٦٧٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ
وَهَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ بن عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ
وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أبو عُمَرَ كَذَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ
(٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ)
١٦٧٥ - مَالِكٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ يَرْفَعُهُ إلى النبي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ
هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ زَيْدُ بن طلحة
وقال القعنبي وبن القاسم وبن بُكَيْرٍ يَزِيدُ بْنُ طَلْحَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا فِيهِ يَزِيدُ
إِلَّا أَنَّ وَكِيعًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ
وَأَنْكَرَهُ بن مَعِينٍ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ عن أبيه
стр. 3816
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَكِيعٍ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا شَوَاهِدَ مَا قُلْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قُرَشِيٌّ مُطَّلِبِيٌّ
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْهَا مَا
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ السُّبَيْعِيُّ الْحَلَبِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَوْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنْ مَعْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ مَنْ لَا حَيَاءَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيِّنُوا الْإِسْلَامَ بِخَصْلَتَيْنِ
قُلْنَا وَمَا هُمَا قَالَ الْحَيَاءُ وَالسَّمَاحَةُ فِي اللَّهِ لَا في غيره
١٦٧٦ - مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُ
فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ
هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَزِيدُوا شَيْئًا فِي لَفْظِهِ وَلَا اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِهِ
وَأَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ جُوَيْرِيَّةُ عَنْ مَالِكٍ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ
وَكَذَلِكَ رواه بن عيينة وغيره عن بن شِهَابٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ
وَقَدْ زَادَ فِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ أَلْفَاظًا حِسَانًا
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ فَارِسِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو الْعَبَّاسٍ بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ
стр. 3817
عن بن عُمَرَ قَالَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ تَسْتَحِي حَتَّى إِنَّهُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
أَنَّ الْحَيَاءَ لَمَّا كَانَ يَمْنَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُحْشِ وَالْفَوَاحِشِ وَيَحْمِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ صَارَ كَالْإِيمَانِ مُضَارِعًا لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ شَأْنُهُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ كُلِّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ إِذَا صَاحَبَهُ التَّوْفِيقُ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْإِيمَانِ يَرْدَعُهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَالْآثَامِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ
وَالْفَتْكُ الْقَتْلُ بَعْدَ الْأَمَانِ وَالْغَدْرُ بَعْدَ التَّأْمِينِ
فَلَمَّا كَانَ الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ سَبَبَيْنِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ جَعَلَ الْحَيَاءَ شُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ لأنه يمنع مِثْلُ الْإِيمَانِ مِنِ ارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ وَمَا يُعَدُّ مِنَ الْفُحْشِ وَالْفَوَاحِشِ وَإِنْ كَانَ الْحَيَاءُ غَرِيزَةً وَالْإِيمَانُ فِعْلُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَفَّقِ لَهُ
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا طرق أسانيدها فِي التَّمْهِيدِ
وَلِلْإِيمَانِ أُصُولٌ وَفُرُوعٌ فَمِنْ أُصُولِهِ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ مَعَ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ بِمَا نَطَقَ بِهِ اللِّسَانُ مِنَ الشَّهَادَةَ بَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ حَقٌّ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانِ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَكُلِّ مَا أَحْكَمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَنَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ بَعْدَ هَذَا
فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فَهُوَ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ فَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْإِيمَانِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنَ الْإِيمَانِ وَحُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ مِنَ الْإِيمَانِ وَتَوْقِيرُ الْكَبِيرِ مِنَ الْإِيمَانِ وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ حَتَّى إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ
стр. 3818
فَهَذِهِ الْفُرُوعُ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يكن ناقص الإيمان بتركها كَمَا يَكُونُ نَاقِصَ الْإِيمَانِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ وَتَرْكِ عمل الفرائض وإن كان مقرى بِهَا
وَتَلْخِيصُ هَذَا يَطُولُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِيرَادِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ وَلِسَائِرِ فِرَقِ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَيْضًا وَمَا نَزَعَتْ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ في ما ذهبت إليه من ذلك وفي باب بن شهاب عن سالم من كتاب التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ عَنِ السَّلَفِ أَيْضًا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدٌ الْكِشْوَرِيُّ بِصَنْعَاءَ قَالَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَا سَمِعْنَا عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ سَمِعْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ شُيُوخِنَا وَأَصْحَابِنَا سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمَعْمَرَ بْنَ راشد ومالك بن أنس وبن جُرَيْجٍ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فَقُلْنَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ قَالَ أَقُولُ كَمَا قَالُوا وَإِنْ لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَكَانَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وبن جُرَيْجٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا أَنَا مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ مُبَارَكِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ إِنَّ في المسجد عمر بن ذر ومسلم التحات وسالم الْأَفْطَسَ يَقُولُونَ مَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ وَقَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ وَأَكَلَ الرِّبَا وَعَمِلَ الْمَعَاصِي أَنَّهُ مُؤْمِنٌ كَإِيمَانِ الْبَرِّ التَّقِيِّ الَّذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ
فَقَالَ عَطَاءٌ أَبْلِغْهُمْ مَا حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْتُلُ الْقَاتِلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
стр. 3819
قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَالِمٍ الْأَفْطَسِ وَأَصْحَابِهِ فَقَالُوا وَأَيْنَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطَاءٍ فَقَالَ كَانَ هَذَا ثُمَّ نَزَلَتِ الْأَحْكَامُ وَالْحُدُودُ بَعْدُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ
وَقَالَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مَا
قَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرَّحْمَنِ ٤٦ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
وَقَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ
قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ سَأَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزُّهْرِيَّ قَالَ حَدِّثْنِي بحديث النَّبِيِّ ﷺ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ أَيْنَ يَذْهَبُ بِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ هَذَا قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
стр. 3820
النَّبِيِّ ﷺ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ
كحديث بن عُمَرَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ يَعْقُوبَ الْمَقْدِسِيُّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطِّهْرَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ وَلَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي خِرَاشٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ مَا يَنْزِعُ اللَّهُ مِنَ الْعَبْدِ الْحَيَاءَ فَيَصِيرُ مَمْقُوتًا ثُمَّ يَنْزِعُ اللَّهُ مِنْهُ الْأَمَانَةَ فَيَصِيرُ خَائِنًا مَخُونًا ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الرَّحْمَةَ فَيَصِيرُ فَظًّا غَلِيظًا وَيَخْلَعُ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ فَيَصِيرُ شَيْطَانًا لَعِينًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ وَخِرَاشٌ هَذَا مَجْهُولٌ وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْقِطْعَةُ الَّتِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ كُلُّهَا لَا يَشْتَغِلُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا مُنْكَرَةٌ عندهم موضعة
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوْلِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زَاذَانَ عَنْهُ قَالَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا أَوْ هَلَكَةً نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمْقَتًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا فَظًّا غَلِيظًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مَخُونًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُزِعَتْ رِبْقَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ فَكَانَ لَعِينًا مَلْعُونًا
(٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغَضَبِ)
١٦٧٧ - مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف أن
следующие страницы →