Полный текст (4 158 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
١٨٥٤ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كانت ترسل بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتْمَةِ فَتَقُولُ أَلَّا تُرِيحُونَ الكتاب
قال أبو عمر الكتاب ها هنا الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ وَهُمُ الْحَفَظَةُ الرُّقَبَاءُ قَالَ اللَّهُ (كراما كتبين) الِانْفِطَارِ ١١ قَالَ اللَّهُ (مَا يَلْفِظُ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق ١٨
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ رَاحَةٌ لِلْحَفَظَةِ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ عَلَى النَّائِمِ شَيْءٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ مِنْهُمُ النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ
وَرَوَى أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَنِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا وَكَرِهَ ﷺ السمر إلا لمصلي أَوْ مُسَافِرٍ
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَجُوزُ السَّمَرُ بعد العشاء إلا لمصلي أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مُذَاكِرٍ بِعِلْمٍ
(٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ)
١٨٥٥ - مَالِكٌ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الْغِيبَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ حُوَيْطِبٍ وَإِنَّمَا هو بن حَنْطَبٍ كَذَلِكَ قَالَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ المطلب بن عبد الله بن حويطب الْمَخْزُومِيُّ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّ عَامَّةَ أَحَادِيثِهِ مَرَاسِيلُ وَيُرْسِلُ أَيْضًا عَنْ مَنْ يَلْقَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَقِيلَ إِنَّ سَمَاعَهُ مِنْ جَابِرٍ صَحِيحٌ وَمِنْ عَائِشَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ
وَأَمَّا أَبُو هريرة وبن عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ فلم يسمع منهم في ما يقولون عَنْهُمْ وَهُوَ يُرْسِلُ عَنْهُمْ
وَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ مَالِكٍ
стр. 4097
وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الْغِيبَةِ مَحْفُوظٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هريرة رواه عنه شعبة والدراوردي وبن عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي التَّفْسِيرِ فِي الْمُسْنَدِ فِي قَوْلِ اللَّهِ (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) الْحُجُرَاتِ ١٢ وَيَقْتَضِي مَعْنَى الْغِيبَةِ وَمَعْنَى الْبُهْتَانِ وَإِنْ كَانَ الْبُهْتَانُ عِنْدَهُمُ الْمُوَاجَهَةُ بِالْقَبِيحِ
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنِّي اغْتَبْتُ فَلَانًا وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَحِلَّهُ فَقَالَ أَمَا يَكْفِيكَ أَنِ اغْتَبْتَهُ حَتَّى تُرِيدَ أَنْ تَبْهَتَهُ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ظُلْمٌ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ أَنْ تَقُولَ أَسْوَأَ مَا تَعْلَمُ فِيهِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أبو اليمان قال حدثني بن أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ مِنْ أَرْبَى الربى الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي السَّمْحِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ فَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ أَعْرِفُهُمَا وَأَعْرِفُ أَنْسَابَهُمَا فَقَالَ عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قُلْتُ فَمَا ذَنْبُهُمَا قَالَ ذَنْبُهُمَا أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُصَحِّحُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ
стр. 4098
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ داود قال حدثني سحنون قال حدثني بن وهب عن بن لَهِيعَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِفَضْلٍ أَوْ صَلَاحٍ قَالَ كَيْفَ هُوَ عِنْدَهُ إِذَا ذُكِرَ إِخْوَانُهُ فَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يَنْتَقِصُهُمْ وَيَنَالُ مِنْهُمْ قَالَ عُمَرُ لَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يَذْكُرُ مِنْهُمْ جَمِيلًا وَخَيْرًا وَيُحْسِنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ قَالَ هُوَ كَمَا تَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَكَفَّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ الرَّجُلُ
فَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْبَابِ مَنْ لَا غِيبَةَ فِيهِ مِنَ الْفُسَّاقِ الْمُعْلِنِينَ الْمُجَاهِرِينَ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الْمُضِلِّينَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا مَجْلِسٌ سُفِكَ فِيهِ دَمٌ حَرَامٌ أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ أَوِ مَالٌ بِغَيْرِ حَقِّهِ
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا الْوَقْعَةُ فِي أَهْلِ الرِّيبَةِ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ غِيبَةٌ
وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُهُ ﷺ في الأحمق المطاع عيينة بن الحصين الفزاري بئس بن الْعَشِيرَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ
(وَأَخْلَاقُ ذِي الْفَضْلِ مَعْرُوفَةٌ ... بِبَذْلِ الْجَمِيلِ وَكَفِّ الْأَذَى) وَقَالَ آخَرُ
(احْذَرِ الْغِيبَةَ فَهْيَ الْ ... فِسْقُ لَا رُخْصَةَ فِيهِ)
(إِنَّمَا الْمُغْتَابُ كَالْآكِلِ ... مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ) وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ
стр. 4099
وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِلْغِيبَةِ بَابًا كَامِلًا أَوْرَدْنَا فِيهِ مَا جَاءَ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ فِي كِتَابِنَا كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَأُنْسِ الْمُجَالِسِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا
(٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللِّسَانِ)
١٨٥٦ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُخْبِرْنَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ الرَّجُلُ لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُخْبِرْنَا عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَعَادَ الكلام أربع مرات وتابعه بن الْقَاسِمِ وَطَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى قَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا عَلَى النَّهْيِ إِلَّا أَنَّ إِعَادَةَ الكلام عند بن الْقَاسِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ فِيهِ أَلَا تُخْبِرُنَا عَلَى لَفْظِ الْعَرْضِ وَالْإِغْرَاءِ وَالْحَثِّ وَأَعَادَ الْكَلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وما أَظُنُّ تَكْرِيرَ الْكَلَامِ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ إِلَّا حِرْصًا مِنَ الْقَائِلِ أَنْ يَسْتَخْرِجَ ذَلِكَ الْمُبْهَمَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا وَلَوْ شَاءَ لَقَالَ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ لِسَانِهِ وَفَرْجِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا أَبْهَمَ ذَلِكَ وَأَجْمَلَهُ أَرَادَ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا بِأَيِّهِمَا فَقُلْنَا نَذْكُرُهُمَا أَوْ نُعَلِّمُهُمَا بَعْضَنَا أَوْ نَحْوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 4100
وَأَمَّا مَنْ رَوَاهُ أَلَا تُخْبِرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِخْبَارَهُمْ بِهَا لِيَعْلَمَ كَيْفَ فَهْمُهُمْ لَهَا وَهُوَ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ فِيهِ
وَلَيْسَ عِنْدَ بن بُكَيْرٍ هَذَا الْحَدِيثُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَلَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابٌ وَاحِدٌ تَرْجَمَتُهُ بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْرَدَ فِيهِ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ
وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ يَتَكَفَّلْ لِي بِمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ
وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أن أكبر الكبائر وإنما هِيَ مِنَ الْفَمِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ اللَّحْيَيْنِ الْفَمُ وَمَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ الْفَرَجُ
وَمِنَ الْفَمِ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ اللِّسَانِ وَهُوَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ وَأَخْذُ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنَ الْفَمِ أَيْضًا شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ اليتيم ظلما
ومن الفرج الزنى وَاللِّوَاطُ وَمَنِ اتَّقَى مَا يَأْتِي مِنَ اللِّسَانِ وَالْفَرْجِ فَأَحْرَى أَنْ يَتَّقِيَ الْقَتْلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْكَبَائِرُ كَثِيرَةٌ إِلَّا أَنَّ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا مَا جَاءَ مَنْصُوصًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) النِّسَاءِ
стр. 4101
فمن ذلك حديث بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ وَأَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارك
وقد روي عن بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
ومنها حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هُنَّ تِسْعٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِلْحَادُ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةُ أَلْفَاظٍ عَلَى بَعْضٍ وَيَجْمَعُهَا كُلُّهَا الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا حَقُّ مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ كَاذِبٌ
وَفِي بَعْضِهَا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ يَعْنِي يَتَسَبَّبُ لَهُمَا وَهَذَا عِنْدِي دَاخِلٌ فِي عُقُوقِهِمَا
وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ قَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالشِّرْكُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ
وَحَدِيثُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَهَادَةَ الزُّورِ
وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يذكر فيه الزنى وَالسَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالُوا بَلَى قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ
стр. 4102
وَحَدِيثُ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ ثُمَّ تَلَا (فاجتنبوا الرجس من الأوثن وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) الْحَجِّ ٣٠
وَرَوَى وَائِلُ بْنُ ربيعة عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوثن واجتنبوا قول الزور)
وروى محارب بن دثار عن بن عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ شَاهِدُ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ
وَفِي حَدِيثِ بن عمر وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ فِيهَا كُلُّهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ومنع بن السَّبِيلِ يَعْنِي مَا يَرُدُّ رَمَقَهُ وَيَحْبِسُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمُوبِقَاتُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ والزنى وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وقذف المحصنات
وأجمع العلماء الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجَوْرَ فِي الْحُكْمِ مِنَ الْكَبَائِرِ لِلْوَعِيدِ الْوَارِدِ فِيهِ قَالَ اللَّهُ (وأما القسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) الْجِنِّ ١٥ وَالْقَاسِطُ الْجَائِرُ وَالْمُقْسِطُ الْعَادِلُ وَقَالَ اللَّهُ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكفرون) الْمَائِدَةِ ٤٤ يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ (فَأُولَئِكَ هم الفسقون) المائدة ٤٧ (فأولئك هم الظلمون) الْمَائِدَةِ ٤٥
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْإِمَامِ الْجَائِرِ كَثِيرَةٌ وَالْوَعِيدُ فيها شديد
стр. 4103
وروي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ الْإِضْرَارَ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْوَعِيدَ أَتَى مَنُوطًا بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) النِّسَاءِ ١٢ ثُمَّ الوعيد الْوَعِيدَ بِإِثْرِ ذَلِكَ فِي مَنْ تَعَدَّى حُدُودَ الله
ومنهم من يرفع حديث بن عَبَّاسٍ فِي الْإِضْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ أَنْ تُقَاتِلَ أَهْلَ صَفْقَتِكَ وَتُبَدِّدَ سُنَّتَكَ وَتُفَارِقَ أُمَّتَكَ فَسَرَّهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنْ قَالَ يُعَاهِدُهُ ثُمَّ يَغْدِرُهُ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُقَاتِلُهُ أَوْ يَرْجِعُ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَوْ يَلْحَقُ بِالْمُشْرِكِينَ
وَتَجْتَمِعُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلُّهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَدَدُ الْكَبَائِرِ سَبْعَ عَشْرَةَ كَبِيرَةً وَذَلِكَ أَتَمُّ وَأَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ فِيمَا بَيْنٌ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئائكم وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) النِّسَاءِ ٣١ وَالْمُدْخَلُ الْكَرِيمُ الْجَنَّةُ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ
١٨٥٧ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ - وَمَوْضِعُهُ مِنَ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ أَعْلَى الْمَوَاضِعِ - يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَقُولُ إِنَّهُ يُورِدُهُ مَوَارِدَ يَخْشَى مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ وَعَلَى قَدْرِ عِلْمِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ خَوْفُهُ وَوَجَلُهُ وَإِشْفَاقُهُ (إِنَّمَا يخشى الله من عباده العلمؤا) فَاطِرٍ ٢٨ (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرَّحْمَنِ ٤٦
روينا عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ الْمُؤْمِنُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ جَالِسٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فَيَدُقُّ عُنُقَهُ وَالْفَاجِرُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى الْفَمِ فَصَرَفَهُ بِيَدِهِ
وَرَوَيْنَا عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ
стр. 4104
أَفْضَلُ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَانَهُ وَوَضَعَ عَلَيْهِ أَصْبُعَهُ فَاسْتَرْجَعَ مُعَاذٌ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُؤَاخَذُ بِمَا نَقُولُ كُلِّهِ وَيُكْتَبُ عَلَيْنَا قَالَ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْكِبَ مُعَاذٍ وَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكَبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ
وَقَدْ رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ خَبَرَ مَالِكٍ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا وَهُوَ يَشْكُو اللِّسَانَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
وَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ رُوِيَ معناه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّكَ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا
وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَمَتَ نَجَا
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا فِي الْبَاطِلِ
وَرُوِّينَا عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنهما قالا ما شيء أحق بطول سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ لِسَانٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ امْرُؤُ الْقَيْسِ في قوله
(إذا المرء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانُهُ ... فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ بِحَازِنِ)
وَقَالَ الشَّاعِرُ امْرُؤُ الْقَيْسِ
(رَأَيْتُ اللِّسَانَ عَلَى أَهْلِهِ ... إِذَا سَاسَهُ الْجَهْلُ لَيْثًا مُغِيرَا
стр. 4105
وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ
(خَرِسٌ إِذَا سَأَلُوا وَإِنْ ... قَالُوا عَيِيٌّ أَوْ جَبَانُ)
فَالْعِيُّ لَيْسَ بِقَاتِلٍ ... وَلَرُبَّمَا قَتَلَ اللِّسَانُ)
وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا تَقَصَّيْنَا فِيهِ مَا لِلْحُكَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَمِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اكْفُلُوا لِي سِتَّ خِصَالٍ أَكْفُلْ لَكُمُ الْجَنَّةَ مَنْ حَدَّثَ فَلَا يَكْذِبْ ومن وعد فلا يخلف ومن اؤتمن فَلَا يَخُنْ امْلُكُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
(٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنَاجَاةِ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ)
١٨٥٨ - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ اسْتَأْخِرَا شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ اسْتَأْخَرَا شَيْئًا أَيْ تَأَخَّرَا
١٨٥٩ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَسْتَعْمِلَهُ أَلَا تَرَى اجتهاد بن عُمَرَ فِي اسْتِعْمَالِ مَا رُوِيَ حَتَّى دَعَا الرَّجُلَ الرَّابِعَ لِيَقِفَ عِنْدَمَا سَمِعَ
стр. 4106
وَرَحِمَ اللَّهُ الشَّعْبِيَّ حَيْثُ يَقُولُ كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ
وَالْمَعْنَى فِي هذا الحديث قد بان في حديث بن مَسْعُودٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُ الثَّالِثَ الْمُنْفَرِدَ
وَأَمَّا حديث بن عُمَرَ فَلَيْسَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ لَا مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَلَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ عَنِ بن عُمَرَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ بن عُمَرَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ ذلك يحزنه وإنما هو في حديث بن مَسْعُودٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَعَاضُ قَالَ حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بن الحارث قال حدثنا بن مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ إِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أبي صالح عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ
فَقُلْنَا لِابْنِ عُمَرَ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ إِنَّمَا وَرَدَ فِي ثَلَاثَةٍ أَنْ لَا يَتَنَاجَى مِنْهُمُ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ وَأَمَّا إِذَا كَثُرَ النَّاسُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاجَى مِنْهُمُ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ
وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حازم عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ويسوؤه حتى تختلطوا بالناس
стр. 4107
وهذا حديث حسن وفيه عن بن عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ مَا ليس في غيره عنه
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُكْرَهُ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَا يُعْرَفُ الْمُتَنَاجِيَانِ وَلَا يُوثَقُ وَيُخْشَى الْغَدْرُ مِنْهُمَا
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ بن لَهِيعَةَ وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى قال حدثنا عثمان بن سعيد عن بن لَهِيعَةَ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الفريابي حدثني بن لهيعة قال أخبرنا بن هُبَيْرَةَ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ وَاسْمُهُ سُفْيَانُ بْنُ هَانِئٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا
قَالَ أَبُو عمر قد استعمل بن عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي السُّوقِ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَا حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَلَا أَرَاهُ سَمِعَ حَدِيثَ السَّفَرِ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ دُونَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ وَظَاهِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ)
١٨٦٠ - مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ
وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة عن صفوان عن سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَكْذِبَ امْرَأَتِي قَالَ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْكَذِبَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَصْلِحُهَا وَأَسْتَطِيبُ نفسها فقال لا جناح عليك
стр. 4108
قال بن عيينة وأخبرني بن أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ يُصْلِحُ الرَّجُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ وَالرَّجُلُ يَسْتَصْلِحُ امْرَأَتَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْذِبَ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِصْلَاحُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ ظُلْمًا وَكَذَلِكَ غَيْرُ امْرَأَتِهِ مِنْ صَدِيقٍ قَدْ آخَاهُ فِي اللَّهِ يَخْشَى فَسَادَهُ وَأَنْ يُحْرَمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ
وَقَدْ رَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّ الكذب يكتب على بن آدَمَ إِلَّا ثَلَاثًا كَذِبُ الرَّجُلِ أَمْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا وَرَجُلٌ كَذَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَرَجُلٌ كَذَبَ في خديعة الحرب
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَسْبُكَ فِي هَذَا الْبَابِ بحديث بن شِهَابٍ وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبٌ وَعُقَيْلٌ وغيرهم عن بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَيْسَ بِالْكَذَّابِ مَنْ قَالَ خَيَرًا لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مَالِكِ بن أنس عن بن شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَيْسَ بِالْكَذَّابِ الَّذِي يَمْشِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيُنَمِّي خَيْرًا أَوْ يَقُولُهُ
وَقَدِ احتج بن عُيَيْنَةَ فِي إِبَاحَةِ الْكَذِبِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى أَحَدٍ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْخَيْرَ وَنَوَاهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) الْأَنْبِيَاءِ ٦٣ وَبِفِعْلِ يُوسُفَ إِذْ جَعَلَ الصَّاعَ فِي رَحْلِ أخيه ثم نادى مناديه (أيتها العير إنكم لسرقون) يُوسُفَ ٧٠
وَقَدْ أَتَيْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنِ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ وَسُكُونٌ لِلنَّفْسِ فِي الِاقْتِدَاءِ فِي التَّمْهِيدِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
١٨٦١ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ
стр. 4109
فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ
وَكَذَبَ وَفَجَرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْمَعْنَى يُرْوَى عَنِ بن مَسْعُودٍ مُسْنَدًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ فَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَدِّيقًا
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ وَإِذَا وعد نجز وإذا اؤتمن وَفَّى وَالْمُنَافِقُ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أخلف وإذا اؤتمن خَانَ
وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُ بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه
قَالَ الشَّاعِرُ
(مَا أَقْبَحَ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ قَائِلُهُ ... وَأَحْسَنَ الصِّدْقَ عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ)
وَقَدْ أَفْرَدْنَا فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ بَابًا فِي مَدْحِ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَذَمِّ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ أَتَيْنَا فِيهِ مِنَ النَّظْمِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 4110
سَعِيدٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ الناس فيكذب ليضحك به القول وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ
١٨٦٢ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى يُرِيدُونَ الْفَضْلَ فَقَالَ لُقْمَانُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي
قَالَ أَبُو عُمَرَ ثَلَاثٌ وَأَيُّ ثَلَاثٍ مَا أجمعها للخير قال الله تعالى (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصدقين) التَّوْبَةِ ١١٩
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا دِينَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ
وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ الْأَمَانَةُ
وَقَالَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَنَامِ فِي الْجَنَّةِ فَقُلْتُ وَأَيْنَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَقِيلَ رُفِعَ
قُلْتُ بِمَاذَا قَالَ بِصِدْقِهِ
قَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ
(الصِّدْقُ أَوْلَى مَا بِهِ ... دَانَ امْرُؤٌ فَاجْعَلْهُ دِينًا)
(وَدَعِ النِّفَاقَ فَمَا رَأَيْ ... تُ مُنَافِقًا إِلَّا مَهِينًا)
١٨٦٣ - مَالِكٌ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ فَيُكْتَبُ عِنْدَ الله من الكاذبين يحيى
١٨٦٤ - مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أيكون المؤمن بخيلا فقال نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا فَقَالَ لَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مُرْسَلٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ كَذَّابًا وَالْكَذَّابُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَنْ غَلَبَ عليه
стр. 4111
الْكَذِبُ وَمِنْ شَأْنِهِ الْكَذِبُ فِي مَا أُبِيحَ لَهُ وَفِي مَا لَمْ يُبَحْ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَاذِبِ لِأَنَّ الْكَاذِبَ يَكُونُ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَالْكَذَّابُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْرَارِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ بَخِيلًا وَقَدْ يَكُونُ جَبَانًا فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ مَعْرُوفٌ بِالْأَخْبَارِ وَالْمُعَايَنَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ الْبُخْلُ وَلَا الْجُبْنُ مِنْ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الْجِلَّةِ مِنَ الْفُضَلَاءِ لِأَنَّ الْكَرَمَ وَالسَّخَاءَ مِنْ رَفِيعِ الْخِصَالِ
وَكَذَلِكَ النَّجْدَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَقُوَّةُ النَّفْسِ على المدافعة إذا كان ذلك فِي الْحَقِّ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْبُخْلُ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَسَمِعْتُ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ يَقُولَانِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّهُ يَحْمِلُهُ النَّقْصُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّهِ
قَالَ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ
وَأَمَّا الْكَذِبُ وَالتَّشَدُّدُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ عَنِ السَّلَفِ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذْبَةٍ كَذَبَهَا لَا نَدْرِي عَلَى اللَّهِ كَذَبَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عن بن سِيرِينَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا كَانَ شَيْءٌ أَبْغَضُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ وَمَا اطَّلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ وَإِنْ قَلَّ فَتَخْرُجُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً
стр. 4112
وَفِي التَّمْهِيدِ فِي هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَاتٌ
(٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ)
١٨٦٥ - مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمَرَكُمْ وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ
هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَتَابَعَهُ القعنبي وبن وهب وبن الْقَاسِمِ وَمَعْنُ بْنُ مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصوري
ورواه بن بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَمُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بن يوسف التنيسي وبن عُفَيْرٍ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا
وَعِنْدَ مَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَهُوَ غَرِيبٌ قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْحَضُّ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى حَبْلٍ فَقِيلَ الْقُرْآنُ
وَقِيلَ الْجَمَاعَةُ وَالْخِلَافَةُ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مُتَدَاخِلٌ لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَأْمُرُنَا بِالِائْتِلَافِ وَيَنْهَى عَنِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ بن مَسْعُودٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا
رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وائل عن بن مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) آلِ عِمْرَانَ ١٠٣ قَالَ حَبْلُ اللَّهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ
وَرَوَى أَبُو حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الذي أمر وأن تكرهون في الجماعة خير مما يحبون في الفرقة
стр. 4113
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا التَّأْوِيلُ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ بن الْمُبَارَكِ ﵀
(إِنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللَّهِ فَاعْتَصِمُوا ... مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا)
(لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَمْ تُؤَمَنْ لَنَا سُبُلٌ ... وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا) فِي أَبْيَاتٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ
وَقَدْ رَوَى هَذَا اللَّفْظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ مَنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَفِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ أَيْضًا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
أَيْ لَا يَكُونُ الْقَلْبُ الْمُعْتَقِدُ لَهُنَّ غَلِيلًا
وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ عَجِيبٌ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُهَيْلٍ رَوَاهُ الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ ذَكَرْتُهُ بِطُولِهِ فِي التمهيد
وروى بن عَبَّاسٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ
وَمِنْ حَدِيثِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ وَمَاتَ وَلَا طَاعَةَ عَلَيْهِ كَانَتْ مِيتَتُهُ ضَلَالَةً وَلَا حُجَّةَ لَهُ
وَمِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ
وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا وَقَدْ ذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ وَتَكَلَّمْتُ بِمَا أَحْضَرَنِي في معانيها
стр. 4114
وَأَمَّا مُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهَا إِذَا كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُهَا وَيَقْبَلُهَا وَلَمَّا رَأَى الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ نَصِيحًا وَلَا يُرِيدُونَ مِنْ جُلَسَائِهِمْ إِلَّا مَا وَافَقَ هَوَاهُمْ زَادَ الْبُعْدُ عَنْهُمْ وَالْفِرَارُ مِنْهُمْ
قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ إِذَا كَانَ وَالِي الْقَوْمِ خَيْرًا مِنْهُمْ لَمْ يَزَالُوا فِي عُلْيَا وَإِذَا كَانَ وَالِيهِمْ شَرًّا مِنْهُمْ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا سفالا
حدثنا بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْهَوْنَنَا عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ
وَبِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ مَا سَبَّ قَوْمٌ أَمِيرَهُمْ إِلَّا حُرِمُوا خَيْرَهُمْ
وَقَدْ أَشْبَعْنَا مَعْنَى الطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ لِلْوُلَاةِ وَكَيْفَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَمَا يَجِبُ لِلْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ لَهُمْ بِالْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ
فَالْمَعْنَى فِي قِيلَ وَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْخَوْضُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا جُلُّهَا الْغَلَطُ وَحَشْوٌ وَغِيبَةٌ وَمَا لَا يُكْتَبُ فِيهِ حَسَنَةٌ وَلَا سَلِمَ الْقَائِلُ وَالْمُسْتَمِعُ فِيهِ مِنْ سَيِّئِهِ
قَالَ الشَّاعِرُ
(وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الشَّفَتَيْنِ يُسْحَقْ ... بِسُوءِ اللَّفْظِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ) وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ
(عَلَيْكَ مَا يَعْنِيكَ مَنْ كُلِّ مَا تَرَى ... وَبِالصَّمْتِ إِلَّا عَنْ جَمِيلٍ تَقُولُهُ)
(تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مَنِ التُّقَى ... فَكُلٌّ بِهَا ضَيْفٌ وَشِيكٌ رَحِيلُهُ) وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِضَاعَةُ المال
فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال أحدهما أَنَّ الْمَالَ أُرِيدَ بِهِ مِلْكُ الْيَمِينِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي فِي ملكه أن يحسن إليه ولا يضيعهم فيضيعون
وَهُوَ قَوْلُ السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ عَامَّةَ وَصِيَّةِ رَسُولِ
стр. 4115
اللَّهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ كَانَتْ قَوْلَهُ اللَّهَ اللَّهَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِضَاعَةُ الْمَالِ تَرْكُ إِصْلَاحِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ وَتَنْمِيَتِهِ وَكَسْبِهِ
وَاحْتَجَّ من قال بهذا القول - فيس بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ لِبَنِيهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَا بَنِيَّ عَلَيْكُمْ بِكَسْبِ الْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ فَإِنَّ فِيهِ مَنْبَهَةٌ لِلْكَرِيمِ وَيُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ
ويقول عمرو بن العاصي فِي خُطْبَتِهِ حَيْثُ قَالَ يَا مَعْشَرَ النَّاسِ إِيَّاكُمْ وَخِلَالًا أَرْبَعَةً تَدْعُو إِلَى النَّصَبِ بَعْدَ الرَّاحَةِ وَإِلَى الضِّيقِ بَعْدَ السِّعَةِ وَإِلَى الْمَذَلَّةِ بَعْدَ الْعِزِّ إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْعِيَالِ وَإِخْفَاضَ الْحَالِ وَالتَّضْيِيعَ لِلْمَالِ وَالْقِيلَ وَالْقَالَ فِي غَيْرِ دَرْكٍ ولا نوال
والقول الثَّالِثُ إِضَاعَةُ الْمَالِ إِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْإِسْرَافِ وَالْمَعَاصِي
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عند ذوي الدين والألباب
روى بن وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ قَالَ سَأَلْتُ عُمَرَ مَوْلَى عَفْرَةَ عَنِ الْإِسْرَافِ مَا هُوَ فَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقْتَهُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَفِي غَيْرِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِسْرَافٌ وَإِضَاعَةٌ لِلْمَالِ
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ فَقَالَ أَنْ يَرْزُقَكَ اللَّهُ رِزْقًا فَتُنْفِقَهُ فِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ
وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ
فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا كَثْرَةُ السُّؤَالِ عَنِ الْمَسَائِلِ النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ فِي مَعَانِي الدِّيَانَاتِ
وَالْآخَرُ كَثْرَةُ السُّؤَالِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْمَالِ وَالْكَسْبِ بِالسُّؤَالِ
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ بِالْآثَارِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَسَيَأْتِي مَعْنَى السُّؤَالِ لِلْمَالِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ الله تعالى
وقد روى بن وهب وبن الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ أَمَّا نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فَلَا أَدْرِي أَهُوَ الَّذِي أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثْرَةَ الْمَسَائِلِ وَعَابَهَا أَمْ هُوَ مَسْأَلَتُكَ النَّاسَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَكْرَهُونَ السُّؤَالَ فِي الْعِلْمِ عَنْ مَا لَمْ ينزل ويقولون إن النازلة إذا نزلت المسؤول عنها
стр. 4116
وَكَانُوا يَجْعَلُونَ الْكَلَامَ فِي مَا لَمْ يَنْزِلْ تكلفا ويتلو بعضهم (قل مآ أسئلكم عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) صَ ٨٦
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ أَدْرَكْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَلَدِ وَمَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ غَيْرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ جَمَعَ لَهَا الْأَمِيرُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ أَنْفَذَهُ وَأَنْتُمْ تُكْثِرُونَ مِنَ الْمَسَائِلِ وَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ نَزَلَ النَّوَازِلَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَجَابَ فِيهَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ مِمَّنِ اسْتَعْمَلَ الرَّأْيَ قَالُوا رَأْيُنَا لِمَنْ بَعْدَنَا خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ ﵀
وَأَمَّا صِعَابُ الْمَسَائِلِ وَمَا عَسَى أَلَّا يَنْزِلَ فَهُوَ بَابٌ إِلَى النَّظَرِ وَإِلَى التَّكَسُّبِ وَإِلَى التَّحَفُّظِ مِنَ الْخَصْمِ وَمُخَادَعَتِهِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَعْنِي صِعَابَ الْمَسَائِلِ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَيْدُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا بَابٌ قَدْ أَوْضَحْنَاهُ وَبَسَطْنَاهُ بِالْآثَارِ عَنِ السَّلَفِ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاظِرِ فِيهِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي فَكَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَعْنَى إِضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ سُؤَالُ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَالتَّكَسُّبُ بِالْمَسْأَلَةِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 4117
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ فِي الْمَالِ أَقْرَبُ وَأَشْبَهُ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ لِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ إِنَّنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَمَنْعٍ وَهَاتِ وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ
١٨٦٦ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ لِلْقَوْلِ فِيهِ مُدْخَلٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى سَامِعِهِ
وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ أَمِينًا
وَمِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَهُمَا فِي التَّمْهِيدِ
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ
(إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ يَشْكُرُنِي ... حِينَ يَلْقَانِي وَإِنْ غبت شتم
стр. 4118
(٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ)
١٨٦٧ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ الرسول ﷺ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ لِأُمِّ سَلَمَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنَّمَا يُحْفَظُ هَذَا اللَّفْظُ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ هنا إن شاء الله
وقد سئل بن وَهْبٍ عَنْ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ
فَقَالَ أَوْلَادُ الزِّنَى
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهَا إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَسَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَقَالَتْ إِنَّ الْفَسَادَ إِذَا فَشَا فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يُتَنَاهَ عَنْهُ أَرْسَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ! قَالَ نَعَمْ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَيَقْبِضُهُمُ اللَّهُ إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ وَمَغْفِرَتِهِ
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو يُونُسَ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُهَاجِرُ بْنُ الْقِبْطِيَّةِ أَنَّهُ سَمِعَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخْسَفَنَّ بِجَيْشٍ يَغْزُونَ هَذَا الْبَيْتَ بَعِيدًا مِنَ الْأَرْضِ
فَقَالَ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ الْكَارِهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَيُبْعَثُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى نِيَّتِهِ
وَرَوَى عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَالَ بَلَى قلت فكيف بأولئك قال يصيبهما مَا أَصَابَهُمْ ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ
فَهَذَا مَا وَجَدْتُهُ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي هَذَا الْبَابِ
стр. 4119
وَقَدْ ذَكَرْتُ الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فرواه بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَحَلَّقَ بِيَدِهِ وَعَقَدَ عَشْرًا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ
هَكَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كثير وعبد الرحمن بْنُ إِسْحَاقَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَاهُ بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ امْرَأَةً رَابِعَةً قَالَ فِي إِسْنَادِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا ما قال عقيل ومن تابعه وأخطأ بن عُيَيْنَةَ فِي زِيَادَتِهِ فِيهِ الْمَرْأَةَ الرَّابِعَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عن بن عُيَيْنَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ كُلَّهَا بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوَ رِوَايَةِ زَيْنَبَ وَأُمِّ سَلَمَةَ
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُضَيْبِيُّ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو جَعْفَرٍ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك قال ذكر خسف قِبَلَ الْمَشْرِقِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يُخْسَفُ بِأَرْضٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا أكثر أهلها الخبث
وروى بن الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِذَا أَصَابَ اللَّهُ قُومًا بِبَلَاءٍ عَمَّ بِهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ على أعمالهم
стр. 4120
وَرَوَى الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ مَثَلُ الْمُنْتَهِكِ لِحُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا وَالْقَائِمِ بِهَا مَثَلُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ اصْطَحَبُوا فِي سَفِينَةٍ فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَحْفُرُهَا فَقَالَ الْآخَرُ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُغْرِقَنَا وَقَالَ الْآخَرُ دَعْهُ فَإِنَّمَا يَحْفُرُ فِي نَصِيبِهِ وَمَوْضِعِهِ
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا قذعة بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَوْلَاهُ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذُنُوبِ الْخَاصَّةِ حَتَّى تَكُونَ الْعَامَّةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغِيرَ عَلَى الْخَاصَّةِ فَإِذَا لَمْ تغير الْعَامَّةُ عَلَى الْخَاصَّةِ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ
قَالَ أَسَدٌ وَحَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلْتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا صَعْبًا فَلَا يُجَلُّ كَبِيرُكُمْ وَلَا يُرْحَمُ صَغِيرُكُمْ ثُمَّ يَدْعُو عَلَيْهِمْ خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ كَثِيرًا مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَغَيْرِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ يَكْفِي إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ
١٨٦٨ - مَالِكٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي حَكِيمٍ ذَكَرَهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ لَا يُغِيرُونَ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ
стр. 4121
ذكره بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ وَذَكَرَهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ أَنْ يغيرون عليه فلا يغيرون إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ إِلَّا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ إِلَّا مَنْ هَذِهِ حَالُهُ
وَأَمَّا مَنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِقَلْبِهِ وَالْإِنْكَارُ وَالْكَرَاهَةُ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِحَسْبِ الْمُؤْمِنِ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ تَغْيِيرًا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أم سلمة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أنكر شيئا فقد بريء وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَقْتُلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا
وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَكَثِيرًا مِنْهَا مِثْلَهَا فِي التَّمْهِيدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَقُولُونَ مَنْ رَضِيَ بِالْفِعْلِ فَكَأَنَّهُ فَعَلَهُ
قَالَ الْحَسَنُ ﵀ إِنَّمَا عَقَرَ النَّاقَةَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُمْ عَمُّوا فِعْلَهُ بِالرِّضَى
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ بن عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْقَوْمَ لَيَصْنَعُونَ الْمُنْكَرَ فيكون من حضرهم لمن غَابَ عَنْهُمْ يَعْنِي إِذَا أَنْكَرَ وَلَمْ يَرْضَ وَيَكُونُ مَنْ غَابَ عَنْهُمْ كَمَنْ حَضَرَهُمْ إِذَا رَضِيَ فِعْلَهُمْ
هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ دُونَ لَفْظِهِ كَتَبْتُهُ مِنْ حِفْظِي
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَكْرَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أنس عن بن عون عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ يَا أَبَا بَحْرٍ أَلَا نتكلم قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ إِنْ كَذَبْتُ وَأَخَافُكُمْ إِنْ صَدَقْتُ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا علي بن سهل
стр. 4122
وَسَهْلُ بْنُ مُوسَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ إِنَّ الْخَطِيئَةَ إِذَا أُخْفِيَتْ لَنْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا وَإِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ
(١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي التُّقَى)
١٨٦٩ - مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! بَخٍ بَخٍ وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَ اللَّهَ أَوْ لِيُعَذِّبَنَّكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) الْبَقَرَةِ ١٩٧ يُرِيدُ دَارَ الْآخِرَةِ
وَالتَّقْوَى اسْمٌ جَامِعٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي مَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ فَإِذَا انْتَهَى الْمُؤْمِنُ عَنْ مَا نَهَاهُ اللَّهُ وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطَّلَاقِ ٢ ٣ (يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) الطَّلَاقِ ٤
وَالتُّقَى اسْمٌ أَيْضًا لِخَشْيَةِ اللَّهِ و (إنما يخشى الله من عباده العلمؤا) فَاطِرٍ ٢٨
فَمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ وَانْتَهَى عَنْ مَا نَهَاهُ وَقَامَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ الْعَالِمُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ وَحَسْبُكَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ بَخٍ بَخٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ تَوْبِيخٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَتَوْبِيخُ النَّفْسِ وَتَقْرِيعُهَا عِبَادَةٌ كَمَا أَنَّ الرِّضَى عَنْهَا هَلَكَةٌ
وَقَوْلُهُ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لِيُعَذِّبَنَّكَ اللَّهُ يَعْنِي إِنْ شَاءَ وَهُوَ مقيد بقول اللَّهِ تَعَالَى (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) الْبَقَرَةِ ٢٨٤
١٨٧٠ - قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقُولُ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا يَعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ
قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى عَمَلِهِ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِّينَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سَمِعْتَ مِنَ الرَّجُلِ كَلَامًا حَسَنًا
стр. 4123
فَرُوَيْدًا بِهِ فَإِنْ وَافَقَ قَوْلَهُ فَعْلُهُ فَذَلِكَ وَإِلَّا فَإِنَّمَا يَذْرِي عَلَى نَفْسِهِ
وَقَالَ الْمَأْمُونُ نَحْنُ إِلَى أَنْ نُوعَظَ بِالْأَعْمَالِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى أَنْ نُوعَظَ بِالْأَقْوَالِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (يأيها الذين ءامنوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصَّفِّ ٣
(١١ - بَابُ الْقَوْلِ إِذَا سَمِعْتَ الرَّعْدَ)
١٨٧١ - مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ
هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ عَامِرًا
وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَقَالُوا فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ
قَالَ أبو عمر جمهور أهل العلم مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ يَقُولُونَ الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَجْرُهُ لَهَا تَسْبِيحًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) الرَّعْدِ ١٣
وَالرَّعْدُ لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ إِلَّا بِذَلِكَ الصَّوْتِ
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْبِيحَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الْإِسْرَاءِ ٤٤
وَقَدْ قَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يجبال أَوِّبِي مَعَهُ) سَبَأٍ ١٠ أَيْ سَبِّحِي مَعَهُ
وَرَوَى بُكَيْرُ بْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ قَالَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ
قَالُوا فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ قَالَ زَجْرُهُ السَّحَابَ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ
قَالُوا صَدَقْتَ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ الرَّعْدُ مَلَكٌ وَالْبَرْقُ مَخَارِقُ مِنْ حَدِيدٍ
стр. 4124
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي أَنَّ كَعْبًا أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّعْدِ فَقَالَ هُوَ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ كَمَا يَزْجُرُ الْحَادِي - أَوْ قَالَ الرَّاعِي الْخَبِيثُ - الْإِبِلَ إِذَا شَذَّتْ سَحَابَةٌ ضَمَّهَا أَوْ يُفْضِي إِلَى الْأَرْضِ صعق من يبصره
وعن الضحاك عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الرَّعْدُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزْجُرُ السَّحَابَ اسْمُهُ الرَّعْدُ وَهُوَ الَّذِي تَسْمَعُونَ صَوْتَهُ
وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ يَزْجُرُهَا اللَّهُ بِهِ كَالْحَادِي بِالْإِبِلِ
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ
وَعَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ قَالُوا الرَّعْدُ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ الرَّعْدُ يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُمْطِرَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الرَّعْدِ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَحَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ سُئِلَ عَنِ الرَّعْدِ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرْبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ قَالَ كَانَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ سُبْحَانَهُ
ورواه زمعة بن صالح عن بن طاوس عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ يَقُولُ سبحان من سبحت له
وروى بن عُلَيَّةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَهَذَا مَا لِسَلَفِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الرَّعْدِ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سِنَانُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي مطرف عن سالم عن بْنَ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالْبَرْقَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا غَضَبًا وَلَا تَقْتُلْنَا نِقْمَةً وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ
стр. 4125
زِيَادٍ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي مُطَرِّفٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّوَاعِقَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ
(١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ
١٨٧٢ - مَالِكٌ عَنْ بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ
هَكَذَا رُوِيَ هذا الحديث عن مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كِلَاهُمَا جَعَلَ الْحَدِيثَ لِعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وتابعه يونس عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كِلَاهُمَا جَعَلَ الحديث لعائشة عن النبي ﵇
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَعُقَيْلٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأسامة بن زيد عن بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُمْ
وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ
وَلَيْسَ هذا الحديث عند بن عُيَيْنَةَ إِلَّا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ
فَقَالَ قوم من أهل البصرة منهم بن عُلَيَّةَ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ زِيَادَةً فِي فَضْلِهِ كَمَا خُصَّ بِمَا خُصَّ بِهِ مِنْ نِكَاحٍ فَوْقَ الْأَرْبَعِ بِالْمَوْهُوبَةِ مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ إِلَى أَشْيَاءَ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا زِيَادَةً فِي فَضَائِلِهِ ﷺ
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ ذَلِكَ لِلْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ لَا يُورَثُونَ وَمَا تَرَكُوا فَهُوَ صَدَقَةٌ
وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 4126
يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ النَّحَّاسُ قَالَ قُرِئَ عَلَى مَالِكِ بن أنس عن بن شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ
أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ
وَبِمَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي
١٨٧٣ - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ
هَكَذَا قَالَ يَحْيَى دَنَانِيرُ وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَقُولُونَ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ حَدِيثِهِ عن بن شِهَابٍ الْمَذْكُورِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إِلَّا الرَّوَافِضَ وَهُمْ لَا يُعَدُّونَ خِلَافًا لِشُذُوذِهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَوَرِثَ سليمن دَاوُدَ) النَّمْلِ ١٦ وَقَوْلُهُ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا وَرِثَ مِنْ دَاوُدَ النُّبُوَّةَ وَالْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ
كَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يرثنى ويرث من ءال يَعْقُوبَ) إِلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ قَالَ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ وَالْحِكْمَةَ
وَكَيْفَ يَسُوغُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ مَنَعَ فَاطِمَةَ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا ﷺ وَمَعْلُومٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يُعْطِي الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ وَيُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ وَلَمْ يَسْتَأْثِرْ لِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَمْنَعَ فَاطِمَةَ وَيَرُدَّهُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَمَرَ بَنِيهِ أَنْ يَرُدُّوا مَا زَادَ فِي مَالِهِ مُنْذُ وَلِيَ
стр. 4127
أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا لَبِسْنَا عَلَى ظُهُورِنَا وَمَا أَكَلْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ
وَرَوَى أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِعَائِشَةَ لَيْسَ عِنْدَ آلِ أَبِي بَكْرٍ شَيْءٌ غَيْرُ هَذِهِ اللَّقْحَةِ وَالْغُلَامِ الصَّغِيرِ كَانَ يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدِمُنَا فَإِذَا مُتُّ فَادْفَعِيهِ إِلَى عُمَرَ
فَلَمَّا مَاتَ دَفَعَتْهُ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَرَ أَبُو بَكْرٍ مِمَّا يَخْلُفُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكَ وَسَهْمِهِ بِخَيْبَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَلِيَهُ بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ فَيُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى عِيَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَأْخُذُ مِنْهُ لَهُمْ كُلَّ عَامٍ قُوتَ الْعَامِ وَيَجْعَلُ مَا فَضَلَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ
وَفِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ تَخَاصَمَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ لِيَلِيَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلِيهَا بِهِ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا نُورَثُ وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُولُ وَأُنْفِقَ عَلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي مَا تَخَاصَمَ فِيهِ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَفِي ظواهرهما اخْتِلَافٌ وَتَدَافُعٌ
وَقَدْ ذَكَرْتُهَا عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيَّ مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ وَالَّذِي ذَكَرْتُ فِي هذا الكتاب كاف مقنع والله الموفق للصواب
стр. 4128
(٥٧ كِتَابُ جَهَنَّمَ)
(١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ)
١٨٧٤ - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَارُ بَنِي آدَمَ التي يوقدون جزء من سبعين جزأ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لِكَافِيَةٌ
قَالَ إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بتسعة وستين جزأ
١٨٧٥ - مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ وَالْقَارُ الزِّفْتُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَعْنَاهُ مَرْفُوعٌ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا
وَفِيهِ قَوْلُهُ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ وَهِيَ لُغَةٌ مَهْجُورَةٌ
وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ أشد سوادا من القار وأشد بياضا وليس فِي هَذَا الْبَابِ مَدْخَلٌ لِلْقَوْلِ وَالنَّظَرِ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّسْلِيمُ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ التَّوْقِيفِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وقد جاء عن بن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إِلَّا بِمَا عَلِمُوهُ وَمَا وَقَفُوا عَلَيْهِ
رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ إِنْ نَارَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ مِثْلَ نَارِ جَهَنَّمَ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ أَوْ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ ضُرِبَ بِهَا الْبَحْرُ ضَرْبَتَيْنِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ أَحَدٌ بِهَا
стр. 4129
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدْ رُوِيَ إسرائيل عن عمار الذهني عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ مِنَ النَّارِ قَدْ ضُرِبَ بِهَا الْبَحْرُ حِينَ أُنْزِلَتْ سَبْعَ مِرَارٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا انْتُفِعَ بِهَا
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَلَوْلَا أَنَّهَا أُطْفِئَتْ بِالْمَاءِ مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ بِهَا وَإِنَّهَا لَتَدْعُو اللَّهَ أَلَّا يُعِيدَهَا بِتِلْكَ النَّارِ أَبَدًا
قَالَ وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سَأَلَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ لَمْ يُرَ فِي الْيَهُودِ مِثْلُهُ عَنِ النَّارِ الْكُبْرَى فَقَالَ الْبَحْرُ يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّيحَ الدَّبُّورَ عَلَى الْبُحُورِ فَتَعُودُ نَارًا فَهِيَ النَّارُ الْكُبْرَى
قَالَ أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ وَمَيْسَرَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْأَشْجَعِيُّ ثِقَتَانِ لَا بأس بهما جميعا
стр. 4130
(٥٨ كِتَابُ الصَّدَقَةِ)
(١ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ)
١٨٧٦ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا كَانَ إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يربيها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ
هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ عَلَى إرساله
وممن تابعه بن وهب وبن القاسم وأبو المصعب ومطرف
ورواه بن بُكَيْرٍ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى مُسْنَدًا عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وكذلك رواه بن عَجْلَانَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا الخشني قال حدثنا بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن بن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ فَيَضَعَهَا فِي حَقٍّ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّبٌ
стр. 4131
- إِلَّا كَانَ كَأَنَّمَا وَضَعَهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ وَفَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ أَوِ التَّمْرَةَ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ
قَالَ سُفْيَانُ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وقال (يمحق الله الربوا ويربى الصدقت) البقرة ٢٦٧
قال أبو عمر كان بن عُيَيْنَةَ كَثِيرًا مَا يُفَسِّرُ الْحَدِيثَ بِالْقُرْآنِ وَكَانَ عَالِمًا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ
وَمَعْنَى مَا قَالَهُ بن عيينة موجود عن بن مَسْعُودٍ قَالَ إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ وَتَلَا (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويعفوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشُّورَى ٢٥
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ طَيِّبٍ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ وَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَهَذَا مَجَازٌ وَحُسْنُ عِبَارَةٍ عَنْ قَبُولِ اللَّهِ تَعَالَى لِلصَّدَقَةِ وَمَعْنَى أَخْذِ اللَّهِ لَهَا قَبُولُهُ ﵎ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ إلا الطيب والطيب الْحَلَالُ بِهَذَا جَاءَ الْقُرْآنُ فَقَالَ (كُلُوا مِنَ الطيبت واعملوا صلحا) المؤمنون ٥١
وقال (كلوا مما في الأرض حللا طَيِّبًا) الْبَقَرَةِ ١٦٨
وَفِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرْنَا مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ فِي التَّمْهِيدِ
مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بجير القاضي قال حدثنا جعفر بن محمد الْفِرْيَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ يَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ الصدقة لتطفىء عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ
стр. 4132
وَقَالَ ﷺ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ رَوَاهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
١٨٧٧ - مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ ماء فيها طيب قال أنس فلما أنزلت هَذِهِ الْآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) آلِ عِمْرَانَ ٩٢ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ ﵎ يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تُحِبُّونَ) آلِ عِمْرَانَ ٩٢ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرَجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ كُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَقَالَ فِيهِ فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَقَارِبَ وَبَنِي العم ها هنا هُمْ أَقَارِبُ أَبِي طَلْحَةَ لَا أَقَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا غَيْرِهِ
стр. 4133
وقد روي ذلك منصوصا من رواية الثقاة أَيْضًا
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الماجشون عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) آلِ عِمْرَانَ ٩٢
جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المنبر قال وكانت دار بن جعفر والدار التي تليها إلى قصر بن جدلية حوائط لأبي طلحة وقد كان قصر بني جديلة حائطا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ بَيْرُحَاءُ
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَأْكُلُ مِنْ تَمْرِهَا فَجَاءَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (لَنْ تَنَالُوا الْبَرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أموالي إلى بيرحاء فهي لله ولرسوله أرجو بره وزخره اجْعَلْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بخ بذلك يَا أَبَا طَلْحَةَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ فَاجْعَلْهُ فِي الْأَقْرَبِينَ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ فَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ فَبَاعَ حَسَّانُ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَقِيلَ لَهُ يَا حَسَّانُ تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ فقال ألا أبتع صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عن تمامة عَنْ أَنَسٍ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي
قَالَ أَنَسٌ كَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ أَرْضٌ فَجَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ اجْعَلْهَا فِي أَقَارِبِكَ
فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيٍّ
قَالَ أَنَسٌ وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو داود قال وبلغني عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حِزَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ
وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حِزَامٍ يَجْتَمِعُ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ وَحَسَّانَ فِي حِزَامٍ
قَالَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ
قَالَ الْأَنْصَارِيُّ بَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ وَأُبَيٍّ سِتَّةُ آباء قال وعمرو بن مالك يجمع حسانا وَأُبَيًّا وَأَبَا طَلْحَةَ
стр. 4134
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ ما بد إِلَيْنَا مِنْ وُجُوهِ مَعَانِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ وَتَقَصَّيْنَا ذَلِكَ هُنَاكَ
وَنَذْكُرُ ها هنا طرفا فمن ذلك أنه جائز أن يضيف إِلَى الرَّجُلِ الْفَاضِلِ حُبُّ الْمَالِ وَجَائِزٌ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَائِشَةَ مَا أَجِدُ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى مِنْكِ وَلَا أَعَزَّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْكِ
وَفِيهِ إِبَاحَةُ دُخُولِ جَنَّاتِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْإِخْوَانِ الْأَصْفِيَاءِ وَالْأَكْلِ مِنْ ثِمَارِهَا وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ
وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِهَا تَطِيبُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَشَاحُّ النَّاسُ فِيهِ وَكَانَ تَافِهًا
وَقِيلَ إِنَّ كَسْبَ الْعَقَارِ مِنْ شَأْنِ الْأَبْرَارِ وَأَنَّ اكْتِسَابَ ذَلِكَ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِ الْهِبَةِ مُبَاحٌ حَلَالٌ أَخْذُ النَّاسِ فِيهِ وَكَانَ تَائِهًا لَا بَادٍ لَهُمْ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَعْذَبُ الْمَاءُ لِلْفُضَلَاءِ الْجِلَّةِ الْعُلَمَاءِ
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فَجَائِزٌ جَعْلُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَجَائِزٌ أَنْ يُشَاوِرَ فِيهِ وَيَصْدُرَ عَنْهُ بِرَأْيِ مَنْ يَثِقُ بِرَأْيِهِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَجْهٌ مَعْلُومٌ لَا يُتَعَدَّى كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ لِلَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ كَذَا دُونَ كَذَا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَشْهَدُ إِلَّا بِالْأَفْضَلِ مِنَ الْأَعْمَالِ
وَقَدْ قَالُوا الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَقَارِبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ
وَقَدْ فَضَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ عَلَى الْعِتْقِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ فَأَعْتَقْتُهَا فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ آجَرَكِ اللَّهُ لَوْ أَعْطَيْتِهَا إِخْوَانَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السري عن عبدة عن بن إِسْحَاقَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فَذَكَرَهُ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) آلِ عِمْرَانَ ٩٢ قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ فَرَسِي هَذَا وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ سَبَلٌ فَجَاءَ به النبي
стр. 4135
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لِأُسَامَةَ اقْبِضْهُ
فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَهَا مِنْكَ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِثْلَهُ
١٨٧٨ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَعْطُوا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافًا وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ الْحَضُّ عَلَى إِعْطَاءِ السَّائِلِ وَهَذَا عِنْدِي مُرَتَّبٌ عَلَى مَا قَدْ مَضَى فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ الصِّحَاحِ فِي كَرَاهَةِ السؤال لمن معه ما يعد به وما يعيشه
وَمَا جَاءَ عَنْهُ ﷺ فِي أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ يَعْنِي قَوِيًّا عَلَى الْخِدْمَةِ وَالِاكْتِسَابِ بِهِمَا
وَإِذَا كَانَ السَّائِلُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي السُّؤَالِ إِلَّا بِدَابَّةٍ تَحْمِلُ رَاحِلَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعِيشَةٌ وَلَا حِرْفَةٌ فَجَائِزٌ لَهُ السُّؤَالُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ لَيْسَ مِمَّا تُقْطَعُ بِهِ الْحُجَّةُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَرَأَوْا - أَوْ رَأَى أَكْثَرُهُمْ - أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي دَارِهِ فَضْلٌ عَلَى سُكْنَاهُ وَلَا فِي خَادِمِهِ فَضْلٌ عَنْ مَنْ يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا أَنَّهُ فَقِيرٌ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ
следующие страницы →