Полный текст (4 158 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
عَنْ مَسْحِ الْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَاحِدَةٌ لأن تُمْسِكَ عَنْهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا سُودُ الْحَدَقَةِ
وَأَمَّا مَسْحُ الْجَبْهَةِ فَقَالَ بن عَبَّاسٍ إِذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ فَلَا تَمْسَحُ جَبْهَتَكَ وَلَا تَنْفُخُ وَلَا تُحَرِّكِ الْحَصْبَاءَ
وَقَالَ بن مَسْعُودٍ أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَوْ يَبُولَ قَائِمًا أَوْ يَسْمَعَ الْمُنَادِي ثم لا يجيبه
وعن بن بُرَيْدَةٍ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الرَّابِعَةَ أَوْ يَنْفُخُ فِي سُجُودِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الصَّلَاةَ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَكْرَهُونَ أَنْ يَمْسَحَ الرِّجْلُ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنَ الْجَفَاءِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامِ بْنِ طَلْقٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ أَبُو عُثْمَانَ الْوَرَّاقُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ دَخَلْتُ على أم سلمة فدخل عليها بن أَخٍ لَهَا فَصَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا سَجَدَ نَفَخَ التُّرَابَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا بن أخي لا يتنفخ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِغُلَامٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ يَسَارٌ وَنَفَخَ تَرِّبْ وَجْهَكَ لِلَّهِ تَعَالَى
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا رَأَتْ نَسِيبًا لَهَا يَنْفُخُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فَقَالَتْ لَهُ لَا تَنْفُخُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِغُلَامٍ لَنَا يُقَالُ لَهُ رَبَاحٌ تَرِّبْ وَجْهَكَ يَا رَبَاحُ
(١٤ بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ)
٣٤٤ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَإِذَا أَخْبَرُوهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ كَبَّرَ
стр. 807
٣٤٥ - وَعَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ مَعْنَاهُ
وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْإِحْرَامِ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ
وَأَمَّا تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ فَالْآثَارُ فِيهَا متواترة من طرق شتى صحاح كله ثَابِتَةٌ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ
وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ
وَأَسَانِيدُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا
(١٥ بَابُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ)
٣٤٦ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ (يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسَّحُورِ
٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ
قَدْ جَرَا فِي التَّمْهِيدِ مِنَ الْقَوْلِ فِي عَبْدِ الْكَرِيمِ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا
وَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرُوفٌ مَحْفُوظٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ كَثِيرَةٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ رَوَاهُ شُعْبَةُ
стр. 808
وَالثَّوْرِيُّ وَشَرِيكٌ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عن ربعي بن خراش عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مِنْ مَا أَدْرَكَ النَّاسُ وَلَفْظُ الثَّوْرِيِّ آخِرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ
وَلَفْظُ شَرِيكٍ آخِرُ مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ
وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ
وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي التَّحْذِيرَ وَالذَّمَّ عَلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ فِي مَعْنَى الْخَبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَيَاءٌ يَحْجِزُهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ فِعْلُ الْكَبَائِرِ مِنْهَا وَالصَّغَائِرِ
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ
فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِبَاحَةِ شِقْصِ الْخَنَازِيرِ لِمَنْ بَاعَ الْخَمْرَ وَلَكِنَّهُ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ يَقُولُ مَنِ اسْتَحَلَّ بِيعَ الْخَمْرِ وَقَدْ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ بَيْعِهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ عَنْ شِقْصِ الْخَنَازِيرِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَى الْحَجِّ سَبِيلًا وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا
وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَحُجَّ أَيْ لَمْ يَرَ الْحَجَّ وَاجِبًا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَشْهَدْ مُصَلَّانَا
يَقُولُ مَنْ ترك السنة في الصحبة مَعَ السَّعَةِ رَغْبَةً عَنْهَا فَمَا لَهُ لَا يَرْغَبُ عَنِ الصَّلَاةِ مَعَنَا
وَنَحْوَ هَذَا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ
(إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ)
(فَلَا وَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ ... وَلَا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ
стр. 809
وَقَالَ أَبُو دُلَفَ الْعِجْلِيُّ
(إِذَا لَمْ تَصُنْ عِرْضًا وَلَمْ تَخْشَ خَالِقًا ... وَتَسْتَحِ مَخْلُوقًا فَمَا شِئْتَ فَاصْنَعْ)
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ افْعَلْ مَا شِئْتَ مِمَّا لَا تَسْتَحِي مِنْ فِعْلِهِ أَيُّمَا حَلَّ لَكَ وَأُبِيحَ فَافْعَلْهُ وَلَا تَسْتَحْيِ مِنْهُ
وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ أولى عند العلماء بالنسة وَاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ
وَأَمَّا وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَفِيهِ آثَارٌ ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهَا
حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ
هَذِهِ رِوَايَةُ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ
وَرِوَايَةُ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قَبَضَ عَلَى شِمَالِهِ بِيَمِينِهِ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ إِذَا كَبَّرَ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي ثَوْبِهِ فَأَدْخَلَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ وَذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ في التمهيد
وحديث بن مَسْعُودٍ قَالَ رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ قَدْ وَضَعْتُ شِمَالِي عَلَى يَمِينِي فَأَخَذَ يميني فوضعا عَلَى شِمَالِي
وَحَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ غُطَيْفٍ أَوْ غُطَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ مَتَى رَأَيْتُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ فَإِنِّي لَمْ أَنْسَ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ
وَحَدِيثُ سِمَاكٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاضِعًا يَمِينَهُ عَلَى شَمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ وَضَعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى رُسْغِهِ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَرْكَعَ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ ثَوْبًا وَلِحَكِّ جَسَدِهِ
стр. 810
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَرَوَى عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ ظَهِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الْكَوْثَرِ ٢ قَالَ وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى في الصلاة تحت الصدر
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْعَطَّارِ عن ثور ين يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى آلِ دَرَّاجٍ قَالَ مَا رَأَيْتُ فَنَسِيتُ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَنْسَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ هَكَذَا وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
قَالَ أبو الدراداء مِنْ أَخْلَاقِ النَّبِيِّينَ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ في الصلاة
وقال بن الزُّبَيْرِ صَفُّ الْقَدَمَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ مِنَ السُّنَّةِ
وَكُلُّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي التَّمْهِيدِ بِأَسَانِيدِهِ
وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ فذهب مالك في رواية بن الْقَاسِمِ عِنْدَهُ إِلَى إِرْسَالِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ
وهو قول الليث بن سعد
قال بن الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي النَّوَافِلِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ قَالَ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ
وَقَالَ اللَّيْثُ سَدْلُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَّا أَنْ يَطُولَ الْقِيَامُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
وروى بن نَافِعٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ تُوضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا شَاءَ فَعَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ
وَقَالَ عَبْدُ الرزاق رأيت بن جُرَيْجٍ يُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ وَيَمِينُهُ عَلَى شِمَالِهِ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالطَّبَرِيُّ يَضَعُ الْمُصَلِّي يَدَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ
وَهُوَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ
стр. 811
وَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الصَّدْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ السُّرَّةِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ فِي السَّحُورِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ
وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَدَّادِ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى خَيَّاطُ السُّنَّةِ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثٌ مِنَ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ
وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ ثَلَاثٌ مِنَ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ
وَأَمَّا قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ فَالْأَغْلَبُ فِيهِ أَنَّهُ عَمَلٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ
وَقَوْلُ أَبِي حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ أَوْ يرفعه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(١٦ بَابُ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ)
٣٤٨ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر كان لا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ
стр. 812
لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ ذَلِكَ
وَفِي أَكْثَرِ الْمُوطَّآتِ بَعْدَ حديث بن عُمَرَ هَذَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَا فِي الْوِتْرِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ
وَعِنْدَ أَبِي مُصْعَبٍ فِي بَابِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ مالك أنه سأل بن شِهَابٍ عَنِ الْقُنُوتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ مُحْدَثٌ
وفي غير الموطآت عن طاووس وَإِبْرَاهِيمَ قَالَا الْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ وَكَانَ مكحول يكرهه
ولي عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْجُمُعَةِ
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَبْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقْنَتُونَ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُرِكَ الْقُنُوتُ فِي الْجُمُعَةِ
وَقَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ
وأما القنوت في صلاة الصبح فاختلف الْآثَارُ الْمُسْنَدَةُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهِ عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ
فَرُوِيَ عَنْهُمُ الْقُنُوتُ وَتَرْكُ الْقُنُوتِ مِنَ الْفَجْرِ
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ
وَقَدْ أَكْثَرَ فِي ذَلِكَ المصنفون بن أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ
وَالْأَكْثَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَّصِلَةٍ صِحَاحٍ
وَأَمَّا بن عُمَرَ فَكَانَ لَا يَقْنُتُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ بن أبي نجيح قال قلت لمجاهد صحبت بن عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهَلْ رَأَيْتَهُ يَقْنُتُ قَالَ لَا قَالَ وَلَقِيتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فقلت له أكان بن عُمَرَ يَقْنُتُ قَالَ لَا إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أحدثه الناس
سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد ن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ
وَسُفْيَانُ عن بن جريح عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ ها هنا بمكة
стр. 813
وَسُفْيَانُ عَنْ مُخَارِقٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ طَارِقٍ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ فقنت
وقال سفيان قلت لابن طاووس مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي الْقُنُوتِ قَالَ كَانَ يَقُولُ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَكَانَ لَا يَرَاهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ لَا يَرَى القنوت
وسئل بن شُبْرُمَةَ عَنْهُ فَقَالَ الصَّلَاةُ كُلُّهَا قُنُوتٌ
قَالَ فَقُلْتُ لَهُ أَلَيْسَ قَنَتَ عَلِيٌّ يَدْعُو عَلَى رِجَالٍ فَقَالَ إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ دَعَا بَعْضُكُمْ على بعض
ذكره بن عيينة عن بن شُبْرُمَةَ
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا في الأمصار فكان مالك وبن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بَعْدَ الرُّكُوعِ
وَقَالَ مَالِكٌ قَبْلَ الرُّكُوعِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَيَّرَ في ذلك قبل الركوع وبعده
وقال بن شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا قُنُوتَ فِي الْفَجْرِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ سَكَتَ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْنُتُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنِ احْتَاجَ الْإِمَامُ عِنْدَ نَائِبَةٍ تَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ قَنَتَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي قُنُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَنَحْوِ ذلك من الآثار
стр. 814
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ سَمِعَتْ سُفْيَانَ يَقُولُ مَنْ قَنَتَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَمْ يَقْنُتْ فَحَسَنٌ وَمَنْ قَنَتَ فَإِنَّمَا الْقُنُوتُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَرَاءَهُ قُنُوتٌ
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُسَدَّدًا يَقُولُ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ يَجِبُ الدُّعَاءُ إِذَا وَغَلَتِ الْجُيُوشُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ يَعْنِي الْقُنُوتَ
قَالَ وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْأَئِمَّةُ تَفْعَلُ
قَالَ وَكَانَ مُسَدَّدٌ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ بن عُمَرَ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ مَا شَهِدْتُ وَلَا رَأَيْتُ
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ جَيْشٍ وَلَا سَرِيَّةٍ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ وَأَيَّامَ عُمَرَ فَكَانَ لَا يَشْهَدُ الْقُنُوتَ لِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقُنُوتِ إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ فَإِذَا شَاءَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُقْنَتُ بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ
فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَمَالِكٌ لَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُوَقَّتٌ وَلَكِنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَلَّا يَقْنُتَ إِلَّا بِقَوْلِهِمُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْنَعُ لَكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجوا رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ الْجِدَّ إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ ملحق
وَهَذَا يُسَمِّيهِ الْعِرَاقِيُّونَ السُّورَتَيْنِ وَيَرَوْنَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
стр. 815
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يُقْنَتُ بِاللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَأَنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ
وَهَذَا يَرْوِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ يَقْنُتُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ مَنْ لَمْ يَقْنُتْ بِالسُّورَتَيْنِ فَلَا تُصَلِّ خَلْفَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ وَخِلَافٌ لِلْجُمْهُورِ وَلِلْأُصُولِ
(١٧ بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانِ يُرِيدُ حَاجَتَهُ)
٣٤٩ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ لِلْمُوَطَّأِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ فِي التَّمْهِيدِ
٣٥٠ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ إِذَا كَانَ حَقْنُهُ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ إِقَامَةِ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ وَإِنْ قَلَّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى وَهُوَ حَاقِنٌ إِلَّا أَنَّهُ أَكْمَلَ صلاته فقال مالك فيما روى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ إِذَا شَغَلَهُ ذَلِكَ فَصَلَّى كَذَلِكَ فَإِنَّنِي أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ وَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ مَعَ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا من فروضها
стр. 816
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْبَوْلُ قَدَّمَ رَجُلًا وَانْصَرَفَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَيْضًا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَهُوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ يَعْنِي الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ فَرَائِضِهَا شَيْئًا أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّى حَاقِنًا فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُ الْمُصَلِّي بِالطَّعَامِ فَيَسْهُو عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا يُقِيمُهَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْحَاقِنُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لِكُلِّ حَاقِنٍ أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاتِهِ فِي حَالَتِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَسَلِمَتْ صَلَاتُهُ جَزَتْ عَنْهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَلَا الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ كَالشَّابِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الشَّامِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ جِدًّا
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ
وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ
وَعَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أُصَلِّيَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ ثَوْبِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ وَأَنَا أَدَافِعُهُ
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعْنَاهُ
وعن نافع مولى بن عُمَرَ كَرَاهِيَتُهُ
وَعَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ
كُلُّ هَؤُلَاءِ يَكْرَهُونَ لِلْحَاقِنِ الصَّلَاةَ
стр. 817
وَرُوِيَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِيهِ رُخْصَةٌ
وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّا لِنَصُرُّهُ صَرَّا وَنَضْغَطُهُ ضَغْطًا
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُعْجِلْهُ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ
وَذَكَرَ أبو بكر قال حدثنا أبو معاوية عن وَاصِلٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَجِدُ الْعَصْرَ مِنَ الْبَوْلِ وَتَحْضُرُ الصَّلَاةُ أَفَأُصَلِّي وَأَنَا أَجِدُهُ قَالَ نَعَمْ إِذَا كُنْتَ تَرَى أَنَّكَ تَحْبِسُهُ حَتَّى تُصَلِّيَ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي مُخَاطِبَاتِهَا مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الْفُحْشِ وَالْبِذَاءِ وَالْقَذَعِ وَمَجَانَبَةِ الْخَنَا وَدَنَاءَةِ الْقَوْلِ وَفُسُولَتِهِ
وَلِهَذَا قَالُوا لِمَوْضِعِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ الْخَلَاءُ وَالْمَذْهَبُ وَالْغَائِطُ وَالْمَخْرَجُ وَالْكَنِيفُ وَالْحُشُّ وَالْمِرْحَاضُ وَالْمِرْفَقُ وَكُلُّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ وَفِرَارٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الرَّجِيعِ
(١٨ بَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا)
٣٥١ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ
قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْحَدَثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُهُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ فَقَدْ بَانَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ اغْفِرِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ
وَمَعْنَى تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ يُرِيدُ تَدْعُو لَهُ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ
وَمُصَلَّاهُ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَذَلِكَ عِنْدِي فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ هُنَاكَ يَحْصُلُ مُنْتَظِرًا
стр. 818
لِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مَعْنَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ
وَلَوْ قَعَدَتِ الْمَرْأَةُ فِي مُصَلَّى بَيْتِهَا تَنْتَظِرُ وَقْتَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَتَقُومُ إِلَيْهَا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي شُغُلٍ يَفُوتُهَا مَعَهُ الصَّلَاةُ
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ لِأَنَّ الْمُرَابِطَ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَنِ الْمَكَاسِبِ وَالتَّصَرُّفِ إِرْصَادًا لِلْعَدُوِّ وَمُلَازَمَةً لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْشَى فِيهِ طَرِيقَ الْعَدُوِّ
وَلِلصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وُجُوهٌ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ تَكُونُ الصَّلَاةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي فيه الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الْكَوْثَرِ ٢
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَ الْأَعْشَى
(يُرَاوِحُ مِنْ صلوات الملك ... طورا سجودا وطورا جؤارا) والحوار ها هنا الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ للبكرة تدور على الحور
قال بن الْأَنْبَارِيِّ وَتَكُونُ الصَّلَاةُ التَّرَحُّمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
قال الله (أؤلئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) الْبَقَرَةِ ١٥٧
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
(صَلَّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمُ مِنْ فِتْيَةٍ ... وَسَقَى عِظَامَهُمُ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ) وَقَالَ آخَرُ
(صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ ... رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعْ)
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عن بن أَبِي أَوْفَى قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَةِ آلِ أَبِي أَوْفَى فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى يُرِيدُ اللهم ارحمهم
стр. 819
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ حدثنا عبيد الله بن محمد يعني بن حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى
وَتَكُونُ الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ لِأَنَّهَا لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ يُرِيدُ يَدْعُو
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بها) الإسراء ١١٠ فقيل والصلاة ها هنا الدُّعَاءُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ الْآيَةُ عَلَى مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ وَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ له اللهم ارحمه ماروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِذْ عُوتِبَ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ قُعُودِي فِي الْمَسْجِدِ أَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ أَحَبُّ إِلَيَّ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيَّ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرَ سَعِيدٍ هَذَا بِتَمَامِهِ وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي مَذْهَبِهِ هَذَا وَرَأَى شُهُودَ الْجَنَائِزِ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالْفَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ وَالنَّافِلَةِ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يُحْدِثْ أَنَّهُ الْحَدَثُ الَّذِي يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ فِي الْمَسْجِدِ الْقَاعِدَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ
وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ من قال إن الحدث ها هنا الْكَلَامُ الْقَبِيحُ
وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّ مِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَصْلُحُ مِنَ الْقَوْلِ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ
стр. 820
يَكُونَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ وَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلصَّلَاةِ فِي حَالٍ يَجُوزُ لَهُ بِهَا الصَّلَاةُ إِذَا كَانَ عَقْدُهُ وَنِيَّتُهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا
٣٥٢ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ
وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ فِيهِ
٣٥٣ - وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ أَيْضًا عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ
وَالْقَوْلُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِي هَذَا لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا أَنَّ قِيَامَ الْمُصَلِّي مِنْ مُصَلَّاهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّهُ لَا تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ كَمَا تُصَلِّي عَلَى الَّذِي فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
عَلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ يَكُونُ قَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ شَرْطًا يُخْرِجُ مَا خَالَفَهُ عَنْ حُكْمِهِ وَمِمَّنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُهُ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ لِشَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَأَقَامَ لِمَا يَعْنِيهِ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُهُ فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الذِّكْرِ
стр. 821
٣٥٤ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُدْرِكُهُ بالرأي والاجتهاد لأنه قطع على عيب مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ فِي ثَوَابِهِ
وَقَدْ رُوِيَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى آثَارٌ مَرْفُوعَةٌ وَقَدْ أَوْرَدْنَا مِنْ ذَلِكَ أَبْوَابًا فِي كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ كَافِيَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
٣٥٥ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فذلكم الربط
وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ
وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ طَرْحُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَابْتِدَاؤُهُ بِالْفَائِدَةِ وَعَرْضُهَا عَلَى مَنْ يَرْجُو حَفِظَهَا وَحَمْلَهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ الْإِكْمَالُ وَالْإِتْمَامُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) لُقْمَانَ ٢٠ يَعْنِي أَتَمَّهَا عَلَيْكُمْ وَأَكْمَلَهَا
وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَاءِ عَلَى كُلِّ عُضْوٍ يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ مَعَ إِمْرَارِ الْيَدِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَأَكْمَلَ فَقَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى الْمَكَارِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ شِدَّةَ الْبَرْدِ وَكُلَّ حَالٍ يُكْرِهُ الْمَرْءُ فِيهَا نَفْسَهُ عَلَى الْوُضُوءِ وَمِنْهُ دَفْعُ تَكْسِيلِ الشَّيْطَانِ لَهُ عَنْهُ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ مِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَبِرِّهِ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ
стр. 822
وَمِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَبِرِّهِ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ وَيَدَعَهَا لَا يَدَعُهَا إِلَّا لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَإِنَّ الرباط ها هنا مُلَازَمَةُ الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ
قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ
قَالَ وَالرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الصَّلَاةِ
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ (يأيها الذي ءامنوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) آلِ عِمْرَانَ ٢٠٠ قَالَ مَا كَانَ الرِّبَاطُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ نَزَلَتْ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي ذَلِكَ اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدْتُكُمْ وَرَابِطُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ حَتَّى يَتْرُكَ دِينَهُ لِدِينِكُمْ وَاتَّقَوْا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيْ إِلَيَّ تُفْلِحُونَ
وَقَالَ قَتَادَةُ صَابِرُوا الْمُشْرِكِينَ وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَذَكَرْنَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَإِعْمَالُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَغْسِلُ الْخَطَايَا غَسْلًا
٣٥٦ - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ يُقَالُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِقٌ
وَهَذَا كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَخَرَجَ مُشْتَغِلًا لَهَا أَبِيًّا لِإِقَامَتِهَا فَهَذَا لَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَنِفَاقِهِ
وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ يَحُلُّ عِقَالَ نَاقَتِهِ لِيَخْرُجَ فَنَهَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَلَمْ يَنْتَهِ فَمَا سَارَتْ بِهِ نَاقَتُهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى وَقَصَتْ بِهِ فَأُصِيبَ فِي جَسَدِهِ فَقَالَ سَعِيدٌ بَلَغَنِي أن من خرج من الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِغَيْرِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ
стр. 823
٣٥٧ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي اسْتِحْسَانِهِ الرُّكُوعَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ طَاهِرٌ فِي وقت تجوز النافة فِيهِ
وَتَرَكَ إِيجَابَ الرُّكُوعِ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَيَسْتَحْسِنُونَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهُ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَنْ يُحَيِّيَهُ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُوجِبُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مَرَّةً رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَمَرَ مَرَّةً أُخْرَى رَجُلًا رَآهُ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ بِالْجُلُوسِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ارْكَعْ
وَاسْتِعْمَالُ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي الدَّاخِلِ الْمَسْجِدَ إِنْ شَاءَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْكَعْ
حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ رَأَيْتُ الْحَسَنَ دَخَلَ يَوْمَ الجمعة وبن هُبَيْرَةَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ جَلَسَ
وَأَوْجَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ طَاهِرًا فِي حِينٍ يَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَنْ يَرْكَعَ
وَأَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَقَالُوا فِعْلُ الْخَيْرِ لَا يُمْتَنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَمْ يَقُولُوا بِالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَالَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ
стр. 824
وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَجْلِسُ فِيهِ وَلَا يُصَلِّي فيه
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ ولا يصلون
قال وقد رأيت بن عُمَرَ يَفْعَلُهُ
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فِيهِ فَاذْكُرِ اللَّهَ فَكَأَنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ فِيهِ
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّكْعَتَيْنِ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَدْبٌ وَإِرْشَادٌ لَا إِيجَابٌ
وَفِي قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ دَلِيلٌ عَلَى خَطَأِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَصَوَابِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
٣٥٨ - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ إِذْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَابَ عَلَيْهِ تَقْصِيرَهُ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ فِي اسْتِعْمَالِ السُّنَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ صَلَاةُ الصُّبْحِ
فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا
فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يركع
وروى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَرْكَعَ
стр. 825
وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَرْكَعَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يَرْكَعُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ يَرْكَعُ
(١٩ بَابُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ فِي السُّجُودِ)
٣٥٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ
قَالَ نَافِعٌ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ وَإِنَّهُ لَيُخْرِجُ كَفَّيْهِ مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ حَتَّى يضعهما على الحصباء
٣٦٠ - وعن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا فَإِنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ
وَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَأْمُورٌ بِهِ إِلَّا قَوْلَهُ فِي الْيَدَيْنِ فَلْيَرْفَعْهُمَا فَإِنَّ رَفْعَهُمَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَرْضٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْهُمَا مِنَ الْأَرْضِ وَالِاعْتِدَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَاجِبٌ فَرْضًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وَفِعْلِهِ لَهُ وَقَوْلِهِ ﵇ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
وَقَوْلُهُ ﷺ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ ولا سجوده
стр. 826
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّا لَمْ نُعِدْ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي تَرْكِ الِاعْتِدَالِ خِلَافًا لِأَنَّ مُخَالِفَ الْجُمْهُورِ وَالْآثَارِ مَحْجُوجٌ بِهِمْ وَبِالْآثَارِ
مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَوَصَفَ الصَّلَاةَ قَالَ ثُمَّ سَجَدَ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ
رَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فَذَكَرَهُ
وَرَوَى الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وقد ذكرنا بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ كَانَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَسْجُدُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَسْتُورَتَيْنِ بِالثِّيَابِ وَهِيَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ الَّتِي أُمِرَ الْمُصَلِّي بِالسُّجُودِ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْضَائِهِ إِلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ كَشْفِ الْوَجْهِ
إلا أن في قول بن عُمَرَ الْيَدَانِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْيَدَيْنِ عِنْدَهُ حُكْمُ الْوَجْهِ لَا حُكْمُ الرُّكْبَتَيْنِ
وَالَّذِي أُحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَلَّا يَسْتُرَ يَدَيْهِ بِأَكْمَامِهِ عِنْدَ سُجُودِهِ وَأَنْ يُبَاشِرَ بِهِمَا مَا يُبَاشِرُهُ بِوَجْهِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَصَّرَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ وصلاته ماضية جائزة عنه إن شاء اللعه
стр. 827
وَإِذَا كَانَتِ الْيَدَانِ كَالْوَجْهِ لِلْحُرْمَةِ كَانَ الْأُولَى لِلْمُصَلِّي أَنْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ قَاسِيًا عَلَى الْوَجْهِ
ذكر بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هِنْدٍ الشَّامِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُبَاشِرْ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْرِفُ عَنْهُ الْغِلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عن محمد أن بن عُمَرَ كَانَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ إِذَا سَجَدَ وَأَنَّهُمَا لَيَقْطُرَانِ دَمًا
قَالَ وَحَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ قَتَادَةَ الْعَدَوِيَّ إِذَا سَجَدَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ يَمِينُ بِهِمَا الْأَرْضَ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ سَالِمًا إِذَا سَجَدَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ بُرْنُسِهِ حَتَّى يَضَعَهُمَا عَلَى الأرض
قال وحدثنا أبو أسامة عن بن عَوْنٍ قَالَ كَانَ مُحَمَّدٌ يُبَاشِرُ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ إذا سجد
وذكر يعني بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ وَبَرَانِسِهِمْ بِالْأَسَانِيدِ عَنْهُمْ
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يَرْوِيهِ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ
(٢٠ بَابُ الِالْتِفَاتِ وَالتَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ)
٣٦١ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ
стр. 828
سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمُ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ التَّصْفِيقِ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ وَغَيْرِهِ
وَبَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ بِلَالًا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا خُشِيَ فَوْتُ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ الْإِمَامُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا
وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ إِلَى الْمُؤَذِّنِ هُوَ أَوْلَى بِهَا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى
فَقَالَ قَائِلُونَ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ وَرَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا أُخْرِجَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ فِيهِ لِينٌ يَدُورُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ الْأَفْرِيقِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْكُوفِيُّونَ وَلَا بَأْسَ بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ وَإِقَامَةِ غَيْرِهِ
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُقِيمَ الْمُؤَذِّنُ فَإِنْ أَقَامَ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَهُ
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ إِذْ أُرِيَ النِّدَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلْقِهِ عَلَى
стр. 829
بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا فَفَعَلَ فَلَمَّا أَذَّنَ بِلَالٌ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَقِمْ أَنْتَ
وَفِي هَذَا أَذَانُ رَجُلٍ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ
وَإِسْنَادُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَخَلُّلِ الصُّفُوفِ وَالْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَلِيقُ بِهِ الصَّلَاةُ فِيهِ لِأَنَّ شَأْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَفْضَلُ الْقَوْمِ عِلْمًا وَدِينًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلني منكم أولوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى يَعْنِي لِيَحْفَظُوا عَنْهُ وَيَعُوا مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي صَلَاتِهِ
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُلَقِّنَهُ مَا تَعَايَا عَلَيْهِ وَوَقَفَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَنْ يَصْلُحُ أَيْضًا لِلِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ إِنْ نَابَ الْإِمَامَ فِيهَا مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ
وَفِيهِ أَنَّ التَّصْفِيقَ لَا يُفْسِدُ صَلَاةَ الرِّجَالِ إِنْ فَعَلُوهُ فِيهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِإِعَادَةٍ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ
وَفِيهِ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ الرَّجُلِ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ حَالِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ
فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ الْخَفِيفَ لِأَمْرٍ لابد مِنْهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ
وَقَدْ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ آثَارٌ حِسَانٌ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ مَحَلُّهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ
مِنْهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ لَا وَلَا فِي غير الصلاة
стр. 830
وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الصَّلَاةِ بِالْيَدِ وَالْغَمْزَ بِالْعَيْنِ لَا تَضُرُّ الْمُصَلِّيَ
وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِيهِ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ حَمْدًا وَشُكْرًا وَدُعَاءً وَضَرَاعَةً إِلَى اللَّهِ لَا تَضُرُّ الصَّلَاةَ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ أَوْ مَنَعَهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاتِهِ مَانِعٌ وَقَدْ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ لِيَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
فَمَنْ نَابَهُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَادِي فِيهَا أَحْرَى بِأَنْ يَجُوزَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَالتَّأَخُّرُ
وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَبْقَى مَكَانَهُ وَلَا يَتَأَخَّرَ بِدَلِيلِ إِشَارَةِ رَسُولِ الله أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ
وَأَمَّا تَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ وَتَقَدُّمُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَانِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ خُصُوصٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكُلُّهُمْ لَا يُجِيزُ إِمَامَيْنِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ يَقْطَعُهَا عَلَى الْإِمَامِ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلنَّهْي فِي ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَسَائِرُ النَّاسِ تَتَقَارَبُ أَحْوَالُهُمْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ أَوْ إِذْنِ مَنْ لَهُ الْإِذْنُ مِنْهُمْ فَلَا ضَرُورَةَ بِأَحَدٍ الْيَوْمَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلِذَلِكَ بَانَ فِيهِ الْخُصُوصُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَمَوْضِعُ الْخُصُوصِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ اسْتِئْخَارُ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَأَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ لِعِلَّةِ الحدث فجائز لم وصفنا
وقد روى عيسى عن بن الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ رَكْعَةً مَنْ صَلَاتِهِمْ ثُمَّ أَحْدَثَ فَخَرَجَ وَقَدَّمَ رَجُلًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَانْصَرَفَ فَأَخْرَجَ الَّذِي قَدَّمَهُ وَتَقَدَّمَ مَكَانَهُ فَأَتَمَّ بِهِمْ هَلْ تُجْزِئُهُمْ صَلَاتُهُمْ فَقَالَ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِهِ وَبِالنَّاسِ
قَالَ فَإِمَّا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِمْ ثُمَّ يَجْلِسُونَ حَتَّى يُتِمَّ هُوَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ
قَالَ عِيسَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَلَوْ ذَكَرَ قَبِيحَ مَا صَنَعَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَةً
стр. 831
قَالَ يَخْرُجُ وَيَقُومُ الَّذِي خَرَجَ
قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَقُومُ غَيْرُهُ مِمَّنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا
وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُسَبِّحَ وَلَا يُصَفِّقَ
هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِلرِّجَالِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَتَأَوَّلُوا فِي قَوْلِهِ فَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ أَيْ أَنَّ التَّصْفِيحَ مِنْ أَفْعَالِ النِّسَاءِ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ لِذَلِكَ
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَجَمَاعَةٌ مَنْ نَابَهُ مِنَ الرِّجَالِ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ سَبَّحَ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُصَفِّقُ إِذَا نَابَهَا فِي صَلَاتِهَا شَيْءٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هَذَا
وَهُوَ مَحْفُوظٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَغَيْرُهُمْ
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﷺ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ فَلْيُسَبِّحْ إِذْ عَلَيْهِمْ خَرَجَ الْخَبَرُ وَإِلَيْهِمْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ التَّصْفِيحَ لِلنِّسَاءِ أَنْ تَضْرِبَ الْمَرْأَةُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الشَّمَالِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كُرِهَ التَّسْبِيحُ لِلنِّسَاءِ وَأُبِيحَ لَهُنَّ التَّصْفِيقُ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ فِتْنَةٌ وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهَا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَإِذَا جَازَ التَّسْبِيحُ جَازَتِ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ
стр. 832
وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا وَقَفَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَقْرَأُ عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَثْرَمِ قَالَ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ لَا يُفْتَحُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَيْسَ الرَّجُلُ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الثَّوْرِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَقُولُونَ لَا يَفْتَحُ أَحَدٌ عَلَى الْإِمَامِ
قَالُوا فَإِنْ فُتِحَ عَلَيْهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ
وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ لَا يَكْرَهُونَ الْفَتْحَ عَلَى الْإِمَامِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا لَا بَأْسَ بِالْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ اتِّفَاقًا
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَجْوَزُ مِنَ التَّسْبِيحِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ التَّسْبِيحُ جَوَابًا قَطَعَ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مُرُورَ إِنْسَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَقْطَعُ وَإِنْ كَانَ جَوَابًا
وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ جَاوَبَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي جَوَابًا مَفْهُومًا
٣٦٢ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاةٍ
فَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا
وَالِالْتِفَاتُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ وَصَعِدَ عُنُقُهُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا
وَلَا يَكْرَهُونَ لَهُ النَّظَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا إِلَى مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ
٣٦٣ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَائِي وَلَا أَشْعُرُ بِهِ فَالْتَفَتُّ فَغَمَزَنِي
فَهَذَا الْغَمْزُ بِالْيَدِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي الْمُصْعَبِ لَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي قفاي فغمزني
стр. 833
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَرَدَّ إِشَارَةً أَنَّهُ لَا شيء عليه
وقد ثبت من حديث بن عُمَرَ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَالْأَنْصَارُ يَدْخُلُونَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَرُدُّ إِشَارَةً
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ لَا يَرُدُّ إِشَارَةً وَلَكِنَّهُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ رَدَّ السَّلَامَ كَلَامًا
وَأَكْثَرُهُمْ يُجِيزُونَ رَدَّ السَّلَامِ إِشَارَةً بِالْيَدِ لِلْمُصَلِّي
وَكَرِهَ السَّلَامَ عَلَى الْمُصَلِّي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا عَنْهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
(٢١ بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ راكع)
٣٦٤ - ذكر فيه مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعًا فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الصَّفِّ
٣٦٥ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَدِبُّ رَاكِعًا
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ في هذا الباب متصل صحيح وحديث بن مَسْعُودٍ وَإِنْ كَانَ بَلَاغًا مُنْقَطِعًا عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ
رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قال دخلت مع بن مَسْعُودٍ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْنَا النَّاسَ رُكُوعًا فَرَكَعْنَا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ نَصِلَ إِلَى الصَّفِّ ثُمَّ مَشَيْنَا رَاكِعِينَ حَتَّى دَخَلْنَا فِي الصَّفِّ فَلَمَّا سَلَّمَ الإمام قمت لأقضي الركعة فأخذ بن مَسْعُودٍ بِيَدِي فَقَالَ اجْلِسْ فَقَدْ أَدْرَكْتَ
وَرَوَى سُفْيَانُ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ رَاكِعًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى الصَّفِّ
стр. 834
وسفيان عن عبيد الله بن يزيد قا ل رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى رَاكِعًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى الصَّفِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أعلم لزيد وبن مَسْعُودٍ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ يَرْكَعُ الْإِمَامُ وَلَمْ أَصِلْ إِلَى الصَّفِّ أَفَأَرْكَعُ فَأَخَذَ بِرِجْلِي وَقَالَ لَا يَا أَعْرَجُ حَتَّى تَأْخُذَ مَقَامَكَ مِنَ الصَّفِّ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رُوِيَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
رواه بن عَجْلَانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فَلَا يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنَ الصَّفِّ
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصَّفِّ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِصِحَّةِ رَفْعِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مع ما روي عن بن مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ
وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَعَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ دُونَ الصَّفِّ وَيَمْشِي إِلَى الصَّفِّ إِذَا كَانَ قَرِيبًا قَدْرَ مَا يَلْحَقُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَمْشِي وَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْجَمَاعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ
قَالَ أَبُو عمر من هذا الباب صلاة الرجل الصَّفِّ وَحْدَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ قَدِيمًا
فَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَقَدْ كَرِهَ أَنْ يَجْذِبَ إِلَيْهِ رَجُلًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ إِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَجْزَأَهُ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ بِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَنَّهُ سَمِعَ
стр. 835
وَابِصَةَ بْنَ مَعْبَدٍ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ
وَمَنْ أَجَازَ صَلَاةَ الرَّجُلِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَلَمْ يَأْمُرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْإِعَادَةِ وَقَالَ لَهُ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ
وَقَالُوا لَيْسَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ أن رسول الله ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِصَلَاتِهِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ لَعَلَّهُ قَدْ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِشَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ
وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ مَا سَبَقَ لَهُ الْحَدِيثُ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ فِي رُكُوعِهِمَا دُونَ الصَّفِّ وَالرُّكُوعُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ قَالُوا فَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُصَلِّي خَلْفَ الرَّجُلِ وَحْدَهَا صَفًّا وَأَنَّ سُنَّتَهَا الْوُقُوفُ خَلْفَ الرَّجُلِ لَا عَنْ يَمِينِهِ
وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ مَضَى فِي جَامِعِ سُبْحَةِ الضُّحَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعًا فَلَا يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ إِلَّا أَنْ يَطْمَعَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ رَاكِعًا قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ
وهو معنى ما رواه بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ وَيَعْقِدَ رَكْعَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ كَمَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ
قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرَةَ حِينَ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا
стр. 836
تَعُدْ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا تَعُدْ إِلَى الْإِبْطَاءِ عنها حتى يقوتك شيء منها ولم يأمره بإعادة ركوعه الصَّفِّ وَلَا لِسَعْيِهِ إِلَيْهِ
حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْجُوَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَهُمْ رُكُوعٌ فَسَعَى إِلَى الصَّفِّ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنِ السَّاعِي قَالَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ
(٢٢ بَابُ ما جاء في الصلاة على النَّبِيِّ ﷺ
٣٦٦ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الْحَدِيثَ
ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقَالَ قُولُوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته الحديث
٣٦٧ - وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَاسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ
стр. 837
ذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نزلت (إن الله وملئكته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) الْأَحْزَابِ ٥٦ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِوَجْهٍ أَوْ لِوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَلَّا يَقْطَعَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ إِنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ
أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الصَّلَاةِ مِنَ الْمَعَانِي وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ هَلِ الْعُمُومُ أَوْلَى بِذَلِكَ أَمِ الْخُصُوصُ فِي أَقَلِّ مَا يقع عليه الاسم
وذلك سبق لي كِتَابِ الْأُصُولِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَخْرُجُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ وَيُبَيِّنُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (إن الله وملئكته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) الْأَحْزَابِ ٥٦ الْآيَةَ فَبَيَّنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كيف الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ لَهُمْ فِي التَّشَهُّدِ كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ علمتم
ويشهد لما قلنا قول بن عباس وبن مسعود كان رسول الله يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ
стр. 838
وقال بن عُمَرَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يَعْلَمُ الْمُكْتِبُ الْوِلْدَانَ
وَذَكَرَ أبو بكر قال حدثنا بن عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْغُلَامِ الْمُتَوَكِّلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ كُنَّا لَا نَكْتُبُ شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ وَالتَّشَهُّدَ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ التَّسْلِيمُ مِنَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ تَحْلِيلُهَا
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِي حَدِيثِ بن مَسْعُودٍ وَمَنْ رَوَى مِثْلَ رِوَايَتِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَلَامٌ مُجْمَلٌ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ لِأَنَّ لَفْظَ الْآلِ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ مِنَ الْأَهْلِ وَمِنْهَا الْأَتْبَاعُ كَمَا قال تعالى (أدخلوا ءال فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غَافِرٍ ٤٦ أَيْ أَتْبَاعَهُ فَبَيَّنَ رسول الله ﷺ أن الْآلَ هُنَا الْأَهْلُ وَأَنَّ مَا أَجْمَلَهُ مَرَّةً فَسَّرَهُ أُخْرَى وَأَوْقَفَ عَلَى أَنَّ الْأَهْلَ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ وَيُدْخِلُ فِي قَوْلِهِ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِبْرَاهِيمَ وَفِي آلِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا كَأَنَّهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَآلُهُ أَلَا تَرَى إِلَى قوله تعالى (أدخلوا ءال فِرْعَوْنَ) يَدْخُلُ فِيهِ فِرْعَوْنُ
هَذَا مَا يُوحِيهِ تَهْذِيبُ الْأَحَادِيثِ وَتَرْتِيبُهَا وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ على كل مؤمن لقوله (يأيها الذين ءامنوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الْأَحْزَابِ ٥٦
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وَمَوْضِعِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ بِعَقْدِ الْإِيمَانِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ
وَمِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ فَقَدْ سَقَطَ فَرْضُ ذَلِكَ عَنْهُ وَبَقِيَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مِنْ عُمُرِهِ بِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُهُ
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا الصلاة على النبي ﷺ مُسْتَحَبٌّ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَصَلَاةُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذلك تامة
стр. 839
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَرَوْنَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ وملائكته يصلون على النبي يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ التَّشَهُّدَ كَافٍ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا لَمْ يُصَلِّ الْمُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ
قَالَ وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ
وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ عَنْهُ حَرْمَلَةُ لَا يَكَادُ يُؤْخَذُ عَنْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَغَيْرِ حَرْمَلَةَ إِنَّمَا يُرْوَى عَنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَمَوْضِعُهَا التَّشَهُّدُ الْآخِرُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعَادَةً فِيمَنْ وَضَعَهَا قَبْلَ التَّشَهُّدِ فِي الْجَلْسَةِ الْآخِرَةِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ تَقَلَّدُوا رِوَايَةَ حَرْمَلَةَ وَمَالُوا إِلَيْهَا وَنَاظَرُوا عَلَيْهَا
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصلاة حديث بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ إِلَى وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ لَهُ فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ الصَّلَاةَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَتَمَامِ أَلْفَاظِهِ فِي التَّمْهِيدِ
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ وكذلك سائر الآثار عن بن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فِي التَّشَهُّدِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَفِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أن رسول الله ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ
وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ كَمَا فَعَلَ بِالَّذِي لَمْ يُكْمِلْ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ
стр. 840
وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ مِنْهُ ﵇ بِالتَّشَهُّدِ فَعَلَّمَهُمْ فِيهِ كَيْفَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَالَ لَهُمْ إِنَّهُ يُقَالُ فِي الصَّلَاةِ لَا فِي غَيْرِهَا
وَقَالُوا لَهُ قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ فِي التَّشَهُّدِ يَعْنُونَ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ فَعَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمُ السَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَرِينُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ
قَالُوا وَقَدْ وَجَدْنَا الْأُمَّةَ بِأَجْمَعِهَا تَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي صَلَاتِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهَا وَلَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِمَا وَأَرَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلًا وَعَمَلًا
قَالُوا وَلَيْسَ في حديث بن مَسْعُودٍ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ خَرَجَ عَلَى مَعْنًى فِي التَّشَهُّدِ كَانُوا يَقُولُونَ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَقُولُوا وَقُولُوا كَذَا
وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِيهِ فَإِذَا قُلْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ يَعْنِي إِذَا ضُمَّ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ غَيْرُهُ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي بِهِ يَسُدُّ الْخَلَلَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ يَعْنِي إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِمْ مِنْ سُمِّيَ مَعَهُمْ فِي الْقُرْآنِ
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فِي الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ فَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لَهُ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ يَعْنِي إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ
стр. 841
فيها ما لابد مِنْهُ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَمَا أَشْبَهَ ذلك
وإذا جاز المستدل أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ظَوَاهِرِ أَحَادِيثِ التَّشَهُّدِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِحَدِيثِ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ جَازِ لِغَيْرِهِ أَنْ يستدل على إيجاب الصلاة على النبي فِي الصَّلَاةِ بِمَا وَصَفْنَا وَبِبَعْضِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالُوا وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي يَرْوِي الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ الْقَائِلُ مَا أَرَى أَنَّ صَلَاةً لِي تَمَّتْ إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكْرَنَا حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
رَوَى حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ
وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَعَنَ عليه قوم منهم بن عُيَيْنَةَ فَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا وَوَصَفُوا بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ لِمَا رَوَى
وَمِنْ حُجَّةِ الشافعي أيضا ما رواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى (إن الله وملئكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الْأَحْزَابِ ٥٦ فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّسْلِيمَ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
هَذَا كُلُّهُ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ لِمَذْهَبِهِمْ فِي إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَصْلُ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ أَوْ بِإِجْمَاعٍ لَا مُخَالِفَ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ الْفُقَهَاءَ وَأَصْحَابَهُمْ إذا قام لأحدهم دليلا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْجَبُوا بِهِ وَاسْتَقْصَوْا فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ
стр. 842
وحجة أصحاب الشافعي فيها ضعيف وَلَسْتُ أُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضًا فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رُوِيَتِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا فِيهَا كُلُّهَا لَفْظُ الصَّلَاةِ وَالْبَرَكَةِ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَارْحَمْ مُحَمَّدًا فَلَا أُحِبُّ أَحَدًا أَنْ يَقُولَهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خُصَّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) النُّورِ ٦٣
وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ
٣٦٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
قَالُوا إِنَّمَا الرِّوَايَةُ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ الله بن دينار عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
فَفَرَّقُوا بِمَا وَصَفْتُ لَكَ بَيْنَ يَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبَيْنَ يُصَلِّي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ قَدْ تَكُونُ دُعَاءً لِمَا خُصَّ بِهِ ﷺ مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عن عبد الله بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَائِرُ النَّاسِ يُدْعَى لَهُمْ وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ بن عَبَّاسٍ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ الدُّعَاءَ والرحمة أيضا
وقد رد بن وضاح رواية يحيى إلى رواية بن القاسم فإنه روى رواية بن الْقَاسِمِ عَنْ سَحْنُونٍ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْهُ
وَكَمَا رواه بن القاسم كذلك رواه القعنبي وبن بُكَيْرٍ وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي الْمُوَطَّأِ وَجَعَلَهَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَنْ لَا يَرَى أَلَّا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﵊
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ
стр. 843
حكيم عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ مَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ تَنْبَغِي مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﵇
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّينَ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي
وَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ غَيْرُ مُحَمَّدٍ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ بِصَدَقَاتِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْعُو لَهُمْ فَجِئْتُ مَعَ أَبِي بِصَدَقَتِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلَّى عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﵇
قَالَ أَبُو عُمَرَ تَهْذِيبُ هَذِهِ الْآثَارِ وَحَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ التَّضَادِّ وَالتَّدَافُعِ هُوَ أَنْ يُقَالَ أَمَّا النَّبِيُّ ﵇ فَجَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ شَاءَ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَأْخُذُ صَدَقَتَهُ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ النَّبِيَّ ﵇ بالصلاة عليه كما قال بن عَبَّاسٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) النُّورِ ٦٣
وَالَّذِي اخْتَارُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُلَانًا وَاغْفِرْ لَهُ وَرَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا وَغَفَرَ لَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ آلُهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ عَنْهُ ﷺ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِهِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ امْتِثَالًا لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ) النُّورِ ٦٣ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 844
(٢٣ بَابُ الْعَمَلِ فِي جَامِعِ الصَّلَاةِ)
٣٦٩ - ذَكَرَ فِيهِ مالك عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبُعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
هَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرْ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقَطْ وَتَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ على ذلك
وقال بن بُكَيْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَيْتِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَى فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ
وَقَالَ بن وَهْبٍ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يذكر الصرافة فِي الْجُمُعَةِ
وَقَدْ تَابَعَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُ نَافِعٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَنِ بن عُمَرَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ مَبْسُوطًا فِي التَّمْهِيدِ
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَرِهَهَا قَوْمٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إِلَى قَوْمٍ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ
وَرَخَّصَ فيها آخرون لحديث بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
стр. 845
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ شَاءَ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً
فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ وَلَا يَرْكَعُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ إِنْ شَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَاهُ فِي ذَلِكَ
قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَيْضًا أَنْ يَنْصَرِفُوا إِذَا سَلَّمُوا وَلَا يَرْكَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ رَكَعُوا فَذَلِكَ وَاسِعٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا أَكْثَرَ الْمُصَلِّي مِنَ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَسِتًّا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا فَحَسَنٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتًّا فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَحَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ عَنْهُمْ بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ أَنَّهُ لَا حَرَجَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَلَا مَنْ فَعَلَ مِنَ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا اخْتَارَهُ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ
следующие страницы →