صلاة الغائب
دراسة فقهية مقارنة
تأليف
الدكتور حسام الدين عفانة
دكتوراة في أصول الفقه الإسلامي
كلية الدعوة وأصول الدين/جامعة القدس
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾.
وبعد:
فقد اعتاد المصلون في بلادنا فلسطين أن يصلوا صلاة الغائب في مناسبات كثيرة عند وفاة شخص أو أشخاص في بلاد أخرى. وقد رأيتهم يصلون صلاة الغائب على الشهداء الذين يستشهدون في أماكن أخرى فرغبت أن أدرس صلاة الغائب دراسة علمية متأنية فرجعت إلى كتب السنة المشرفة فجمعت الأحاديث التي ذكرت أن النبي ﷺ صلى صلاة الغائب وأوردت كلام أهل الحديث عليها.
وتبين لي بعد البحث والتنقيب أنه لم يثبت عن الرسول ﷺ أنه صلى صلاة الغائب الا صلاته عليه
стр. 3
الصلاة والسلام على النجاشي وما عدا ذلك فغير ثابت عند المحدثين أهل هذا الشأن، وأتبعت ذلك بدراسة صلاة الغائب عند الفقهاء فذكرت أقوال الفقهاء فيها وأدلتهم وردودهم ورجحت ما أيده الدليل فيما ظهر لي.
ثم ذكرت بعض المسائل الفقهية المتعلقة بصلاة الغائب مثل صلاة الغائب على الشهداء وقدمت لهذه الدراسة بتمهيد موجز ذكرت فيه ما ينبغي على المسلم من الاستعداد للموت وكراهة تمني الموت والصبر عند الموت وذكرت أنه يندب للمسلم حضور الجنازة وتشييعها. ثم عرفت صلاة الجنازة وبينت أن صلاة الغائب هي صلاة الجنازة مع كون الميت غير حاضر أمام المصلين.
وأخيراً فإني أشكر أهل الخير الذين طبعوا هذا الكتاب على نفقتهم وأسأل الله العلي العظيم أن يجزيهم خير الجزاء وأن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الدكتور حسام الدين موسى عفانة
أبوديس - القدس.
فجر يوم الأربعاء الخامس عشر من شعبان ١٤١٧هـ.
وفق الخامس والعشرين من كانون الأول ١٩٩٦.
стр. 4
تمهيد
الموت حق: -
الموت حق وصدق قدره الله على كل نفس، وهو سيف مسلط على رقاب العباد لا ينجو منه أحد، قال الله تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلى متاع الغرور﴾ سورة آل عمران الآية ١٨٥.
وقال ﷻ ﴿كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ سورة الأنبياء الآية ٣٥.
وقال أيضاً ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾ ... سورة العنكبوت الآية ٥٧.
وهذه الحقيقة القاطعة مسلمة لا شك ولا ريب فيها ويتساوى فيها الناس جميعاً الأنبياء وغيرهم، الصالحون والفاسدون، المؤمنون والكافرون قال تعالى مخاطباً نبينا محمد ﷺ ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ ... سورة الزمر الآية ٣٠.
وسيقبض ملك الموت روح كل إنسان عند انتهاء أجله بغض النظر عن مكانه قال تعالى ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ سورة السجدة الآية ١١.
وقال تعالى ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ سورة النساء الآية ٧٨.
стр. 5
الاستعداد للموت: -
إن الإنسان في هذه الدنيا كالشخص المسافر الذي يستعد لسفره بإعداد أمتعته وأطعمته وحاجياته والمسلم يستعد للسفر من هذه الدنيا التي هي معبر وممر الآخرة دار المقام والمقر فلا بد له من الاستعداد الدائم للموت ومما يعين على ذلك الاستعداد تذكر الموت فقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال (أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني حسن صحيح (١).
وجاء في الحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه:
استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحي من الله يا نبي الله، والحمد لله. قال: ليس ذلك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء) رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني: حسن (٢).
стр. 6
وورد في الأثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: كفى بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلاً (١).
وقال أبو الدرداء ﵁: من أكثر ذكر الموت قلَ حسده وقلَّ فرحه. (٢).
ومن الأمور التي تذكر بالموت زيارة القبور فإن الزائر للقبور يتعظ بذلك ويتذكر أن حاله سيصير كحال أصحاب القبور فقد ورد في الحديث عن بريدة أن النبي ﷺ قال (إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ولتزدكم زيارتها خيراً فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً) رواه مسلم وأبو داود وأحمد وغيرهم (٣).
وقوله ولا تقولوا هجراً أي كلاماً باطلاً (٤).
وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا) رواه أحمد والحاكم وسنده حسن كما قال الشيخ الألباني) (٥).
стр. 7
كراهية تمني الموت: -
ومع أن المسلم مطالب بالاستعداد للموت إلا انه يكره في حقه تمني الموت تخلصاً من مصاعب الحياة وهمومها فقد ورد في الحديث عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال ﴿لا يتمنين أحدكم الموت من ضرٍ أصابه فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً" رواه البخاري ومسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال "لا يتمنى أحدكم الموت إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب" رواه البخاري (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن، الرسول ﷺ قال "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه إنه إذا مات أنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً" رواه مسلم (٣).
قال الإمام النووي بعد أن ساق حديث أنس "فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره. وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم" (٤).
стр. 8
ويطلب من المسلم إذا نزل به الموت أن يتلقاه بالرضا والسرور حباً للقاء الله كما قال المنذري (١) لما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه ومن كره لقاء الله كره الله لقائه. فقلت يا نبي الله أكراهية الموت فكلنا يكره الموت؟ قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه " ... رواه البخاري ومسلم (٢).
الصبر عند الموت:
لا ريب أن فقد الأحباب من الأهل والأولاد والآباء والأمهات والأقارب والأصدقاء من المصائب الشديدة الوقع على النفس الإنسانية والمطلوب من المسلم عند حلول المصيبة الصبر الجميل فإنه إن صبر واحتسب ذلك عند الله فله جزيل الأجر والثواب.
يقول الله تعالى ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ سورة البقرة الآيات ١٥٥ - ١٥٧.
وقال تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ ... سورة الزمر الآية ١٠.
стр. 9
وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة) رواه البخاري (١).
وعن أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. قال: فقيل لها: إنه النبي ﷺ . قال فأخذها مثل الموت قال: فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى" رواه البخاري ومسلم (٢).
شهود الجنازة والصلاة عليها وتشييعها: -
يستحب للمسلم أن يشهد جنازة أخيه المسلم حتى يصلى عليها ويدفن بل إن ذلك من حق المسلم على أخيه المسلم. وقد ورد في ذلك أحاديث منها:-
عن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبراء المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام" رواه البخاري ومسلم (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله
стр. 10
قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين) رواه البخاري ومسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط﴾ ... رواه البخاري (٢).
صلاة الجنازة وحكمها وفضلها: -
ذهب جماهير الفقهاء إلى أن صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين وقد نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك. (٣).
وقال بعض المالكية صلاة الجنازة سنة (٤).
وقول الجمهور هو الصحيح.
وقد ورد في الحث على صلاة الجنازة أحاديث منها:
١ - عن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له﴾ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه والحاكم وصححه. وقال الإمام النووي حديث حسن (٥).
стр. 11
٢ - وعن عائشة ﵂ إن النبي ﷺ قال: ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم (١).
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه" رواه مسلم (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أنه كان يصلي على الجنازة (٣).
تعريف الصلاة على الغائب:
الأصل في صلاة الجنازة أن تكون على ميت حاضر موجود بين يدي الإمام والمصلين ويكون الميت موضوعاً على الأرض تجاه القبلة.
وقد اختلف الفقهاء في شرط حضور جثة الميت بين يدي المصلين فاشترط ذلك الحنفية والمالكية وبناء على ذلك لا تشرع عندهم الصلاة على الميت الغائب. جاء في الدر المختار (وشرطها - أي صلاة الجنازة- أيضاً حضوره ووضعه- أمام المصلي وكونه للقبلة فلا تصح على غائب). (٤).
وقال القرافي (ويصلى على كل ميت مسلم حاضر) (٥).
стр. 12
وأجاز الشافعية والحنابلة الصلاة على الميت الغائب كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.
وبهذا يظهر لنا أن صلاة الغائب هي صلاة الجنازة مع كون الميت غير حاضر أي غائب ومن هنا سميت صلاة الغائب. وبما أن صلاة الغائب هي صلاة الجنازة بالقيد المذكور فهي عبارة عن أربع تكبيرات عند جمهور الفقهاء وقد ثبتت فيها أحاديث كثيرة (١).
وكيفيتها: أن يرفع المصلي يديه في التكبيرة الأولى فقط وهو القول المعتمد في مذهب الحنفية ومذهب المالكية ولا يرفع في سائر التكبيرات وهذا اختيار ابن حزم والشوكاني (٢). واختاره أيضا الشيخ الألباني فقال (ولم نجد في السنة ما يدل على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى فلا نرى مشروعية ذلك) (٣).
ثم يضع يمينه على يساره على صدره ويقرأ الفاتحة ثم يكبر التكبيرة الثانية دون أن يرفع يديه كما سبق ثم يأتي بالصلاة الإبراهيمية ثم يكبر التكبيرة الثالثة وبعدها يخلص الدعاء للميت والسنة أن يدعو بالأدعية المأثورة عن الرسول ﷺ (٤) ثم يكبر التكبيرة الرابعة ثم يسلم تسليمتين (٥).
стр. 13
المبحث الأول
الأحاديث الواردة في صلاة الغائب
وردت عن رسول الله ﷺ روايات كثيرة أنه ﵊ صلى صلاة الغائب على عدد من الصحابة الذين ماتوا في أماكن بعيدة عن رسول الله ﵊ ولم يحضر موتهم ولا دفنهم وهؤلاء الصحابة الذين وقفت على الروايات الواردة عن الرسول ﵊ وتفيد أنه صلى عليهم صلاة الغائب أربعة وهم:
١ - النجاشي ملك الحبشة.
٢ - معاوية بن معاوية الليثي أو المزني.
٣ - زيد بن حارثة.
٤ - جعفر بن أبي طالب ﵃.
وهذه الروايات بعضها ثابت بطريق صحيح أو حسن عن رسول الله ﷺ وبعضها ضعيف لا يثبت ولا يصلح للاستدلال به وهذا عرض لتلك الروايات:
أولاً: الروايات الواردة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي .
وردت روايات كثيرة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي عن جماعة من الصحابة وهم جابر بن عبد الله وأبو هريرة وعمران بن حصين وحذيفة بن أسيد وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله وأبي سعيد ومجمع بن جارية وهي:
стр. 14
١ - روى الإمام البخاري بسنده عن عطاء عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث" (١).
٢ - وروى الإمام البخاري بسنده عن عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلم فصلوا عليه قال فصففنا فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف" (٢).
٣ - وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: نعى النبي ﷺ النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً" (٣).
٤ - وفي رواية أخرى عند البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة اليوم الذي مات فيه فقال استغفروا لأخيكم" (٤).
٥ - وفي رواية أخرى عند البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعاً" (٥).
стр. 15
٦ - وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه. قال فقمنا فصفنا صفين" (١).
٧ - وروى الامام مسلم بسنده عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما حدثاه عن أبي هريرة أنه قال: نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: إستغفروا لأخيكم" (٢).
٨ - وفي رواية أخرى عند مسلم عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ حدثه ان الرسول ﵊ صف بهم بالمصلى فصلى فكبر عليه أربع تكبيرات" (٣)
٩ - وروى الامام مسلم بسنده عن سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً" (٤).
١٠ - وروى الامام مسلم بسنده عن عطاء عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : مات اليوم عبد لله صالح أصحمة فأمنا وصلى عليه" (٥).
١١ - وروى الامام مسلم بسنده عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن اخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه. يعني النجاشي، وفي رواية زهير ... "إن أخاكم" (٦).
стр. 16
١٢ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم فقال: صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم قالوا من هو يا رسول الله؟ قال: أصحمة النجاشي، فقاموا فصلوا عليه" رواه أحمد واللفظ له وابن ماجة والطيالسي بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني وقال في موضع آخر صحيح (١).
١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: إن اخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه قال: فنهض ونهضنا حتى انتهى إلى البقيع فتقدم وصففنا خلفه فكبر عليه أربعا" رواه أحمد وابن ماجة والطيالسي وأصله في الصحيحين. (٢).
١٤ - وعن مجمع بن جارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ان أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه فصففنا صفين" رواه أحمد وابن ماجة وابن أبي شيبة بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني وقال في الزوائد: اسناده صحيح ورجاله ثقات (٣).
١٥ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: أنبأنا رسول الله ﷺ أن أخاكم النجاشي توفي فقوموا فصلوا عليه فقام رسول الله ﷺ وصفوا خلفه
стр. 17
وكبر أربعاً وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه" رواه ابن حبان وإسناده صحيح كما قال الشيخ الأرناؤوط ورواه أحمد بنحوه (١).
١٦ - وفي رواية لأحمد "وما نحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه" قال الشيخ الألباني وإسناده صحيح متصل (٢).
١٧ - وفي رواية للترمذي "فقما فصففنا كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلىعلى الميت" قال الشيخ الألباني صحيح (٣).
١٨ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن اخاكم النجاشي قد مات فإستغفروا له" رواه أحمد وسنده جيد (٤) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (٥).
١٩ - وعن ابن عباس ﵄ ان رسول الله ﷺ صلى على النجاشي" رواه أحمد (٦).
وقال الهيثمي وفيه رجل لم يسم (٧).
٢٠ - وعن ابن عمر ﵁ ان النبي ﷺ صلى على النجاشي فكبر عليه أربعاً" رواه ابن ماجة والبزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح كما قال الهيثمي (٨) وقال في الزوائد: اسناده صحيح ورجاله ثقات (٩).
стр. 18
٢١ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين نعي. فقيل يا رسول الله تصلي على عبد حبشي فأنزل الله ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ الآية. رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني ثقات كما قال الهيثمي (١).
٢٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال لما قدم على النبي ﷺ وفاة النجاشي قال اخرجوا فصلوا على أخ لكم لم تروه قط فخرجنا وتقدم النبي ﷺ وصفنا خلفه فصلى وصلينا فلما إنصرفنا قال المنافقون إنظروا إلى هذا خرج فصلى على علج نصراني لم يره قط فأنزل الله تعالى ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ... الخ الآية﴾ قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف. وقال الساعاتي: وله شاهد يقويه (٢). يشير إلى حديث أنس السابق.
ويضاف إلى ما سبق أحاديث أخرى وردت في صلاة النبي ﷺ على النجاشي ساقها الهيثمي وتكلم عليها (٣).
стр. 19
ثانياً: الروايات الواردة في صلاة النبي ﷺ على معاوية بن معاوية الليثي أو المزني: -
١ - قال البيهقي (أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن يوسف من أصل كتابه أنبأ أبو سعيد الاعرابي أنبأ الحسن بن محمد الزعفراني نبأنا يزيد بن هارون أنبأ العلاء أبو محمد، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فطلعت الشمس بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى فأتى جبرئيل رسول الله ﷺ فقال: يا جبرئيل مالي أرى الشمس طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى فقال ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال: وفيم ذلك؟ قال: كان يكثر قراءة قل هو الله أحد بالليل والنهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه قال نعم فصلى عليه ثم رجع).
قال البيهقي (العلاء هذا - أحد رجال السند - هو ابن زيد ويقال ابن زيدل يحدث عن أنس بن مالك بمناكير. أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأ أبو أحمد بن عدي ثنا الجنيدي ثنا البخاري قال: العلاء بن زيد أبو محمد الثقفي عن أنس روى عنه يزيد بن هارون منكر الحديث) (١).
стр. 20
٢ - وقال البيهقي أيضا (أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنبأ أبو سهل بن زياد القطان ثنا إسماعيل بن اسحق القاضي ثنا عثمان بن الهيثم ثنا محبوب بن هلال عن ابن أبي ميمونة يعني عطاء عن انس بن مالك قال نزل جبريل ﵇ فقال يا محمد: مات معاوية بن معاوية المزني أفتحب أن تصلي عليه قال نعم قال فضرب جبريل ﵇ بجناحه فلم تبق شجرة ولا أكمة الا تضعضعت ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة كل صف سبعون الف ملك. فقال النبي ﷺ لجبريل ﵇ يا جبريل: بما نال هذه المنزلة فقال بحبه قل هو الله أحد وقراءته إياها جائياً وذاهباً وقائماً وقاعداً). أخبرنا أبو سعد الماليني أنبا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال محبوب بن هلال مزني عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس نزل جبريل ﵇ لا يتابع عليه سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري) (١).
٣ - وذكر الهيثمي رواية أخرى لحديث أنس المتقدم وقال (رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وفي إسناد أبي يعلى محمد بن إبراهيم بن العلاء وهو ضعيف جدا. وفي إسناد الطبراني محبوب بن هلال قال الذهبيي لا يعرف وحديثه منكر) (٢).
стр. 21
٤ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ جبريل وهو بتبوك فقال يا محمد إشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني فخرج رسول الله ﷺ ونزل جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعن حتى نظر إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله وجبريل والملائكة فلما فرغ قال يا جبريل بما بلغ معاوية بن معاوية المزني هذه المنزلة. قال بقراءة قل هو الله أحد قائما وقاعدا وراكبا وماشيا) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه نوح بن عمر. قال ابن حبان: يقال إنه سرق هذا الحديث. قلت: ليس هذا بضعف في الحديث وفيه بقية وهو مدلس وليس فيه علة غير هذا قاله الهيثمي (١).
٥ - وعن معاوية ان رسول الله ﷺ كان غازيا بتبوك فأتاه جبريل فقال يا محمد: هل لك في جنازة معاوية بن معاوية؟ فقال: نعم، فقال جبريل بيده هكذا ففرج له عن الجبال والاكام فجاء رسول الله يمشي ومعه جبريل ومع جبريل سبعون الف ملك فصلى على معاوية بن معاوية فقال رسول الله لجبريل بم بلغ معاوية هذا؟ قال: بكثرة قراءة قل هو الله احد كان يقرؤها قائما وقاعدا وراقدا فبهذا بلغ ما بلغ) رواه الطبراني في الكبير وفيه صدقة بن أبي سهل ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات قاله الهيثمي (٢).
стр. 22
هذه الروايات التي وقفت عليها في قصة صلاة النبي ﵊ على معاوية بن معاوية وقد تكلم علماء الحديث عليها كلاما طويلا في نقدها وبينوا ضعفها وأنها لا تصلح للاستدلال في باب الأحكام الشرعية ومن أهم ما قاله المحدثون في نقد هذه الروايات ما قاله الحافظ ابن حجر في ترجمة معاوية بن معاوية المزني أنقله لأهميته حيث قال الحافظ (معاوية بن معاوية المزني ذكره البغوي وجماعة وقالوا مات في عهد النبي ﷺ وردت قصته من حديث أبي أمامة وأنس مسندة ومن طريق سعيد بن المسيب والحسن البصري مرسلة.
فأخرج الطبراني ومحمد بن أيوب بن الضريس في فضائل القرآن وسمويه في فوائده وابن منده والبيهقي في الدلائل كلهم من طريق محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك قال نزل جبريل - ثم ساق حديث أنس المتقدم ..... وأول حديث ابن الضريس كان النبي ﷺ بالشام ومحبوب قال أبو حاتم ليس بالمشهور, وذكره ابن حبان في الثقات.
وأخرجه إبن سنجر في مسنده وابن الأعرابي وابن عبد البر. ورويناه بعلو في فوائد حاجب الطوسي كلهم من طريق يزيد بن هارون أنبأنا العلاء أبو محمد الثقفي سمعت أنس بن مالك يقول ... فذكر نحوه .. والعلاء أبو محمد هو ابن زيد الثقفي واهٍ وأخطأ في قوله الليثي. وله طريق ثالثة عن أنس ذكرها ابن منده من رواية أبي عتاب في الدلائل عن يحيى بن أبي محمد
стр. 23
عنه قال ورواه نوح بن عمرو عن بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة نحوه.
قلت: وأخرجه أبو أحمد الحاكم في فوائده والطبراني في مسند الشاميين والخلال في فضائل قل هو الله أحد وابن عبد البر جميعا من طريق نوح فذكر نحوه ..
وقال ابن حبان في ترجمة العلاء الثقفي من الضعفاء بعد أن أنكر له هذا الحديث سرقه شيخ من اهل الشام فرواه عن بقية فذكره. قلت: فما أدري عنى نوحاً أو غيره فإنه لم يذكر نوحاً في الضعفاء.
وأما طريق سعيد المرسلة فرويناها في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق علي بن يزيد بن جدعان عنه.
وأما طريق الحسن البصري فأخرجها البغوي وابن منده من طريق صدقة بن أبي سهل عن يونس بن عبيد عن الحسن عن معاوية بن معاوية المزني .. فذكر الحديث وهذا مرسل ...
قال ابن عبد البر: أسانيد هذا الحديث ليست بالقوية ولو أنها في الأحكام لم يكن في شيء منها حجة ومعاوية بن مقرن المزني معروف هو وأخويه وأما معاوية بن معاوية فلا أعرفه) (١).
وقال الإمام الذهبي في الميزان العلاء بن زيد الثقفي بصري روى عن أنس، قال ابن المديني، يضع الحديث وقال أبو حاتم والدارقطني: متروك الحديث.
стр. 24
وقال البخاري وغيره: منكر الحديث.
وقال إبن حبان: روى عن أنس نسخة موضوعة منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثي. قال ابن حبان وهذا منكر ولا احفظ في أصحاب رسول الله هذا. والحديث سرقه شيخ شامي فرواه عن بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة (١).
وقال الامام النووي (وأما حديث العلاء بن زيدل ويقال ابن زيد عن انس أنهم كانوا في تبوك فأخبر جبريل النبي بموت معاوية بن معاوية في ذلك اليوم وأنه قد نزل عليه سبعون ألف ملك يصلون عليه فطويت الأرض حتى ذهب فصلى عليه ورجع. فهو حديث ضعيف ضعفه الحفاظ منهم البخاري في تاريخه والبيهقي واتفقوا على ضعف العلاء هذا وأنه منكر الحديث) (٢).
وقال العلامة ابن القيم (وقد روي عنه أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب ولكن لا يصح فإن في إسناده العلاء بن زيد ويقال ابن زيدل. قال علي بن المديني. كان يضع الحديث ورواه محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال البخاري لا يتابع عليه) (٣).
وذكر إبن كثير حديث العلاء عن أنس كما رواه أبو يعلى أيضاً ثم قال (وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريق يزيد بن هارون عن العلاء بن محمد وهو
стр. 25
متهم بالوضع والله أعلم) (١). ثم ذكر طريقا آخر له عن أبي يعلى ثم قال (ورواه البيهقي من رواية عثمان إبن الهيثم المؤذن عن محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس فذكره وهو الصواب ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور.
وقد روي هذا من طرق أخرى تركناها إختصاراً وكلها ضعيفة) (٢).
وذكر الشوكاني أن الذهبي قال: لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية (٣).
وخلاصة كلام المحدثين أن قصة صلاة النبي ﵊ على معاوية بن معاوية ليست ثابتة بل هي ضعيفة جداً هذا إن لم تكن مكذوبة والله أعلم.
стр. 26
ثالثاً: الروايات الواردة في صلاة النبي ﷺ على زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ﵄:
١ - قال الزيلعي (وغائبان آخران هما زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ورد أنه أيضاً كشف له عنهما أخرجه الواقدي في كتاب المغازي فقال حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة حدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قال: لما إلتقى الناس بمؤتة جلس رسول الله على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال ﵇: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى إستشهد وصلى عليه ودعا له وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ودعا له وقال استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء" ... وهو مرسل من الطريقين المذكورين (١).
وقال في عون المعبود تعليقا على الرواية السابقة (والحديث مرسل والواقدي ضعيف جدا) (٢).
وهذه الرواية التي ساقها الواقدي لا تثبت صلاة الغائب على زيد وجعفر ﵄ لما يلي:
اولاً: إن هذه الرواية ضعيفة والواقدي ضعيف جدا فلا تصلح للاستدلال.
стр. 27
ثانيا: إن المراد بقوله (وصلى عليه) في الموضعين اللذين وردت فيه هو الدعاء له وليست الصلاة المعروفة ويؤكد ذلك أن الروايات الصحيحة في هذه الحادثة لا ذكر فيها للصلاة المعروفة وإنما فيها أن الرسول ﵊ طلب من المسلمين الاستغفار والدعاء لهما. فقد روى الامام أحمد بإسناده عن أبي قتادة ﵁ بعث رسول الله جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة فإن اصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً. قال إمضوا فإن لا تدري أي ذلك خير. قال فإنطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال رسول الله ناب خبر أو ثاب خبر الا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم إنطلقوا حتى لقوا العدو فأصيب زيداً شهيداً فاستغفروا له فاستغفرله الناس ثم اخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً إشهدوا له بالشهادة فإستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً فإستغفروا له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد .. ) ورواه النسائي والبيهقي وهو حديث صحيح رجاله ثقات) (١).
стр. 28
وروى الامام البخاري بسنده عن أنس أن النبي نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (١). وليس في هذه الرواية ذكر لصلاة الغائب.
وورد في رواية أخرى عند الواقدي وعند ابن سعد في الطبقات قوله (فصلى عليه رسول الله أي دعا له وقال إستغفروا لأخيكم قد دخل الجنة وهو يسعى) (٢).
وبعد هذا العرض المفصل للروايات الواردة في صلاة الغائب يظهر لنا جلياً أن الروايات الصحيحة والمعتمدة في هذا الباب هي الروايات الواردة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي فقط وأما الروايات الأخرى فلا تثبت ولا تصح كما قرر ذلك أهل الحديث.
قال الذهبي في سياق ترجمة النجاشي (وقد توفي في حياة النبي ﷺ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب. ولم يثبت انه صلى ﵊ على غائب سواه) (٣).
стр. 29
المبحث الثاني
اختلاف الفقهاء في مشروعية صلاة الغائب
اختلف الفقهاء في صلاة الغائب هل هي مشروعة أم لا؟ وهذه أقوالهم وأدلة كل قول:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة في القول المعتمد عندهم إلى أن صلاة الغائب مشروعة وجائزة في حق المسلم الذي يموت في بلد آخر فتستقبل القبلة ويصلى عليه كما يصلى على الميت الحاضر (١). وهذا قول إبن حزم الظاهري وجمهور السلف (٢). وبه قال ابن حبيب من المالكية (٣).
القول الثاني: وذهب الحنفية والمالكية إلى أن صلاة الغائب غير مشروعة (٤). وهو رواية عن أحمد (٥). وهو قول العترة (٦). واختلف المالكية هل هي مكروهة أو محرمة على قولين في مذهبهم (٧).
стр. 30
القول الثالث: صلاة الغائب مشروعة في حق المسلم إذا مات في بلد لم يصل عليه فيه وإن صلي عليه حيث مات فلا يصلى عليه صلاة الغائب.
واختار هذا القول أبو داود صاحب السنن والإمام الخطابي وشيخ الإسلام إبن تيمية وتلميذه إبن القيم والروياني من الشافعية والمحقق الشيخ صالح المقبلي ومن المحدثين الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين وهو قول في مذهب أحمد (١).
القول الرابع: تجوز صلاة الغائب في اليوم الذي مات فيه المسلم أو ما قرب منه ولا تجوز إذا طالت المدة. حكاه إبن عبد البر عن بعض أهل العلم (٢).
القول الخامس: تجوز صلاة الغائب على الميت الذي يكون بلده في جهة القبلة فقط. فلو كان بلد الميت في غير جهة القبلة لا تصلى عليه صلاة الغائب وقد انفرد بهذا القول ابن حبان (٣).
قال المحب الطبري "ولم أر ذلك لغيره" (٤).
هذه أقوال الفقهاء التي وقفت عليها في صلاة الغائب ولكل قول أدلته:
стр. 31
الأدلة:
إحتج الفريق الأول بما يلي:
أولا: ما ثبت ان النبي ﷺ صلى على النجاشي صلاة الغائب حيث إن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي توفي فيه وقال: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلم فصلوا عليه فصف الصحابة خلف النبي ﷺ وصلوا على النجاشي صلاة الغائب.
وقد سبق ذكر الأحاديث الواردة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي.
ثانيا: احتجوا بما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على قبر الميت إذا فاتته الصلاة عليه والميت في القبر غائب فكذلك الحال إذا كان الميت غائباً في الأصل (١).
وقد استدلوا على إثبات صلاة النبي ﷺ على القبر بأدلة كثيرة منها:
أ- عن إبن عباس ﵄ قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا) رواه البخاري (٢).
ب- وعن أبي هريرة ﵁ أن إمرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شاباً ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنه أو عنها فقالوا: مات. قال أفلا آذنتموني؟ قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها
стр. 32
ثم قال: إن هذه القبور مملؤة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) رواه البخاري (١).
ج- وعن إبن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد شهر) رواه الدارقطني والبيهقي (٢).
وروى الترمذي بسنده عن الشعبي قال أخبرني من رأى النبي ﷺ ورأى قبرا منتبذا فصف أصحابه فصلى عليه فقيل له من اخبرك؟ فقال إبن عباس.
قال الترمذي: حديث ابن عباس حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وهو قول الشافعي وإسحاق ورأى ابن المبارك الصلاة على القبر وقال أحمد واسحق يصلى على القبر إلى شهر. وقالا: أكثر ما سمعنا عن إبن المسيب أن النبي صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر (٣).
د- وعنه أيضا ان النبي ﷺ صلى على ميت بعد موته بثلاث. رواه الدارقطني والبيهقي (٤).
هـ- وعن سعيد بن المسيب: ان أم سعد بن عبادة ماتت والنبي ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر) رواه الترمذي والبيهقي وقال وهو مرسل صحيح (٥).
قال إبن القيم (وكان من هديه ﷺ إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى على قبر مرة بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتاً.
стр. 33
قال أحمد ﵀: من يشك في الصلاة على القبر؟ ويروى عن النبي ﷺ كان إذا فاتته صلى على القبر من ستة أوجه حسان.
فحدَّ الإمام أحمد الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روي عن النبي ﷺ أنه صلى بعده وحدَّه الشافعي ﵀ بما إذا لم يبل الميت.
ومنع منها مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلا للولي إذا كان غائباً) (١).
وذكر صاحب عون المعبود ما قاله الإمام أحمد عن الأوجه التي وردت في صلاة النبي ﷺ على القبر. ثم قال (قال إبن عبد البر: بل من تسعة وجوه كلها حسان وساقها كلها بأسانيدها في تمهيده .. فالصلاة على قبر ذلك الميت لمن لم يصل عليه ثابت بالسنة المطهرة سواء صلى على ذلك الميت قبله أم لا. وهذا مذهب جماعة من الصحابة والتابعين) (٢).
وذكر الشيخ الألباني كلام الامام أحمد ثم قال (صحيح متواتر ورد من حديث إبن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك ويزيد بن ثابت أخي زيد بن ثابت وعامر بن ربيعة وجابر بن عبد الله وبريدة بن الحصيب وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة بن سهل) (٣).
стр. 34
وبعد عرض أدلة العلماء في إثبات صلاة النبي ﷺ على القبر أذكر ما قاله الإمام الشافعي ﵀ (ورويتم عن النبي ﷺ : أنه صلى قبر والميت في القبر غائب وإنما الصلاة د عاء للميت وهو إذا كان بيننا ملففا يصلى عليه فإنما ندعو له بالصلاة بوجه علمناه فكيف لا ندعوا له غائبا وفي القبر بذلك الوجه) (١).
واحتج الفريق الثاني (وهم الحنفية والمالكية) بما يلي:
اولا: قالوا إن صلاة النبي ﷺ على النجاشي من خصوصياته ﷺ (٢) وسيأتي تفصيل هذه القضية عند مناقشة الآدلة.
ثانيا: قالوا إنه توفي خلق كثير من أصحابه ﷺ من أعزهم القراء ولم ينقل عنه أنه صلى عليهم مع حرصه على ذلك حتى قال: لا يموتن أحد منكم الا آذنتموني فإن صلاتي عليه رحمة" (٣).
ثالثا: قالوا: إنه لم يصل صلاة الغائب بعد الرسول ﵊ أحد وكذلك لم يصل المسلمون على رسول الله ﵊ صلاة الغائب (٤).
رابعا: قالوا إن من شرط الصلاة على الجنازة حضورها بدليل ما لو كان الميت في البلد لم تجز الصلاة عليها مع غيبتها عنه (٥).
стр. 35
واحتج الفريق الثالث بما يلي:
١ - احتجوا بما قاله أبو داود صاحب السنن في سننه (باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك) ثم ساق بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي لليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات) (١).
قال الإمام الخطابي معلقاً على الحديث السابق (قلت النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ وصدقه على نبوته الا انه كان يكتم إيمانه والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه فلزم رسول الله ان يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه في الصلاة عليه فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائباً فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق ومانع عذر كانت السنة أن يصلي عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة. فإن صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة) (٢).
ونقل إبن القيم عن شيخه شيخ الإسلام إبن تيمية قوله: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلى عليه صلاة الغائب كما صلى النبي ﷺ على النجاشي
стр. 36
لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه وإن صلي عليه حيث مات ولم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي ﷺ صلى على الغائب وتركه وفعله وتركه سنة وهذا له موضع وهذا له موضع والله أعلم (١).
وقال ابن القيم (ولم يكن من هدية وسنته ﷺ الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غُيَّبْ فلم يصل عليهم) (٢).
٢ - واحتجوا بما ورد في إحدى روايات حديث صلاة النبي ﷺ على النجاشي وهي (إن أخاكم قد مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه) وسندها على شرط الشيخين كما قال الشيخ الألباني (٣).
فهذه الرواية تدل على ان صلاة الغائب تكون مشروعة إذا كان الميت بأرض لم يصل عليه فيها.
٣ - وقالوا إن مما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب انه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب ولو فعلوا ذلك لتواتر النقل بذلك عنهم (٤).
стр. 37
واحتج الفريق الرابع: بما ورد في حادثة صلاة النبي ﷺ على النجاشي حيث ورد أن النبي ﷺ قال: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلم فصلوا عليه).
وورد في رواية أخرى (نعى لنا النبي ﷺ النجاشي صاحب الحبش في اليوم الذي مات فيه (١). فأخذوا من ذلك أن صلاة الغائب تصح في اليوم الذي مات فيه الميت أو ما قرب منه.
وأما ابن حبان صاحب القول الخامس فعبر عن حجته بقوله (العلة في صلاة المصطفى على النجاشي وهو بأرضه ان النجاشي أرضه بحذاء القبلة وذاك أن بلد الحبشة إذا قام الإنسان بالمدينة كان وراء الكعبة والكعبة بينه وبين بلاد الحبشة فإذا مات الميت ودفن ثم علم المرء في بلد آخر بموته وكان بلد المدفون بين بلده والكعبة وراء الكعبة جاز له الصلاة عليه.
فأما من مات ودفن في بلد المصلي عليه الصلاة في بلده وكان بلد الميت وراءه فمستحيل حينئذ الصلاة عليه) (٢).
هذه هي أهم الأدلة التي استدل بها أهل العلم في هذه المسألة مما وقفت عليه.
стр. 38
مناقشة الأدلة:
إعترض الحنفية والمالكية على أدلة الشافعية والحنابلة بإعتراضات كثيرة وردود عديدة أذكر أهمها ثم أتبع ذلك بالإجابة عليها:
أولاً: قالوا إن صلاة النبي ﷺ على النجاشي من خصوصياته ﷺ وذلك لعدة أوجه:
الأول: إن الأرض دحيت (١) له ﷺ جنوباً وشمالاً حتى رأى نعش النجاشي كما دحيت له جنوباً وشمالاً حين رأى المسجد الأقصى صباح ليلة الإسراء والمعراج حين وصفه لكفار قريش (٢).
قال ابن عابدين (لأنه رفع سريره - أي النجاشي- حتى رآه ﵊ بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الإمام وبحضرته دون المأمومين وغير مانع من الإقتداء) (٣).
وأيدوا قولهم بما ورد من حديث عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا فصلوا عليه فقام رسول الله ﷺ وصفوا خلفه فكبر أربعاً وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه) (٤).
стр. 39
الثاني: إن النجاشي لم يكن في بلاده ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه (١).
الثالث: إن النبي ﷺ إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه وإستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الإهتمام به حياً وميتاً (٢).
وقد أجاب الشافعية والحنابلة ومن وافقهم عن هذه الإعتراضات بما يلي:
١ - إن إدعائهم أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي من خصوصياته ﵊ غير مسلم لأن الأصل عدم الخصوصية (٣).
قال الإمام الخطابي (وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصاً بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهدين للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى كان يبصر مكانه. وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئاً من افعاله الشريفة كان علينا متابعته والإيتساء به والتخصيص لا يعلم الا بدليل.
ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم فصلوا معه فعلمت ان هذا التأويل فاسد) (٤).
стр. 40
وقال الإمام البغوي (وزعموا ان النبي ﷺ كان مخصوصاً به.
وهذا ضعيف لأن الإقتداء به في أفعاله واجب على الكافة ما لم يقم دليل التخصيص ولا تجوز دعوى التخصيص هاهنا لأن النبي ﷺ لم يصل عليه وحده إنما صلى مع الناس) (١).
وقال صاحب عون المعبود:
(قلت دعوى الخصوصية ليس عليها د ليل ولا برهان بل قوله ﷺ "فهلموا فصلوا عليه" وقوله "فقوموا فصلوا عليه" وقول جابر "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" وقول أبي هريرة "ثم قال إستغفروا له ثم خرج بأصحابه فصلى بهم كما يصلى على الجنازة" وقول عمران "فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت" وتقدم هذه الروايات يبطل دعوى الخصوصية لأن صلاة الغائب إن كان خاصة بالنبي ﷺ فلا معنى لأمره ﷺ بتلك الصلاة بل نهى عنها لأن ما كان خاصاً به ﷺ لا يجوز فعله لأمته. ألا ترى صوم الوصال لم يرخص لهم به مع شدة حرصهم لأدائه والأصل في كل أمر من الأمور الشرعية عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل عليها وليس هنا دليل على الخصوصية بل قام الدليل على عدمها) (٢).