Полный текст (7 495 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
١٠٤ - (١٧٩١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنس؛
أن رسول الله ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ. فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ (كَيْفَ يفلح قوم شجوا نبيهم وشجوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [٣ /آل عمران /١٢٨].
الحواشي
(١) (وشج في رأسه) أي حصل جرح في رأسه الشريف. والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة.
(يسلت) أي يمسح.стр. 4587
١٠٥ - (١٧٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حدثنا وكيع. حدثنا الأعمش عن شفيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ:
كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ (رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
стр. 4588
(١٧٩٢) - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عن جبينه.
الحواشي
(١) (ينضح) أي يغسله ويزيله.стр. 4589
٣٨ - بَاب اشْتِدَادِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رسول الله ﷺ
١٠٦ - (١٧٩٣) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ الله .
الحواشي
(١) (في سبيل الله) احتراز ممن يقتله في حد أو قصاص. لأن من يقتله في سبيل الله، كان قاصدا قتل النبي ﷺ .стр. 4590
٣٩ - بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
١٠٧ - (١٧٩٤) وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ) عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ:
بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جلوس، وقد نحوت جَزُورٌ بِالْأَمْسِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضل فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ. فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا. وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ. وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ، مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ. فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلَاثًا. وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ. وَخَافُوا دَعْوَتَهُ. ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ،
⦗١٤١٩⦘
وَعُتْبَةَ بْنِ ربيعة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ) فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ! لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غلط في هذا الحديث.
الحواشي
(١) (جزور) أي ناقة.
(سلا) هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان. وهي من الآدمية المشيمة.
(فانبعث أشقى القوم) أي بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير. وهو عقبة بن أبي معيط، كما صرح به في الرواية الثانية.
(فاستضحكوا) أي حملوا أنفسهم على الضحك والسخرية. ثم أخذهم الضحك جدا، فجعلوا يضحكون ويميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك.
(لو كانت لي منعة) هي بفتح النون، وحكي إسكانها، وهو شاذ ضعيف. ومعناه لو كان لي قوة تمنع أذاهم، أو كان لي عشيرة بمكة تمنعني. وعلى هذا: منعه جمع مانع. ككاتب وكتبة. قال الفيومي: هو في منعة أي في عز قومه فلا يقدر عليه من يريده. قال الزمخشري: وهي مصدر مثل الأنفة والعظمة، أو جمع مانع وهم العشيرة والحماة.
(جويرية) هو تصغير جارية، بمعنى شابة. يعني أنها إذ ذاك ليست بكبيرة.
(تشتمهم) الشتم وصف الرجل بما فيه إزراء ونقص.
(وإذا سأل) هو الدعاء. لكن عطفه لاختلاف اللفظ. توكيدا.
(والوليد بن عقبة) هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم: والوليد بن عقبة. واتفق العلماء على أنه غلط - وصوابه: والوليد بن عتبة. كما ذكره مسلم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، بعد هذا.
(ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) القليب هي البئر التي لم تطو. وإنما وضعوا في القليب تحقيرا لهم، ولئلا يتأذى الناس برائحتهم. وليس هو دفنا، لأن الحربي لا يجب دفنه.стр. 4591
١٠٨ - (١٧٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (واللفظ لابن المثنى). قالا: حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاق يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ:
بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ. إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ. فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ. وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ. فَقَالَ (اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ. أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ (شُعْبَةُ الشَّاكُّ)) قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ. فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ. غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيًّا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ. فَلَمْ يُلْقَ في البئر.
الحواشي
(١) (اللهم عليك الملأ من قريش) أي خذهم وأهلكهم. والملأ جماعة يجتمعون على رأي فيملأون العيون.
(تقطعت أوصاله) الأوصال هي المفاصل.
(فلم يلق) هكذا هو بعض النسخ بالقاف فقط. وفي أكثرها: فلم يلقى، بالألف، وهو جائز على لغة. وقد سبق بيانه مرات، وقريبا.стр. 4592
١٠٩ - (١٧٩٤) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثًا يَقُولُ (اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ.
⦗١٤٢٠⦘
اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) ثَلَاثًا. وَذَكَرَ فِيهِمْ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ. وَلَمْ يشك. قال أبو إسحاق: ونسيت السابع.
الحواشي
(١) (يستحب) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: يستحب بالباء الموحدة في آخره. وذكر القاضي أنه روى بها. وبالموحدة وبالمثلثة: يستحث. قال: وهو الأظهر. ومعناه الإلحاح في الدعاء.стр. 4593
١١٠ - (١٧٩٤) وحدثني سلمة بن شبيب. حدثنا الحسن بن أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ:
اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ. فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ. وَكَانَ يَوْمًا حارا.
стр. 4594
١١١ - (١٧٩٥) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سرح، وحرملة ابن يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شهاب. حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي ﷺ حَدَّثَتْهُ؛
أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ. وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ. إِذْ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ. فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي. فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ. فَنَادَانِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ. وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ
⦗١٤٢١⦘
وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ. وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ. وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لا يشرك به شيئا).
الحواشي
(١) (لقد لقيت من قومك) المراد من قومها قريش. ومفعول لقيت محذوف، تقديره لقد لقيت منهم ما لقيت.
(يوم العقبة) هو اليوم الذي وقف ﷺ عند العقبة التي بمنى، داعيا الناس إلى الإسلام. فما أجابوه، وآذوه. وذلك اليوم صار معروفا.
(على وجهي) أي على الجهة المواجهة لي. فالجار متعلق بانطلقت. أي انطلقت هائما لا أدري أين أتوجه.
(فلم أستفق إلا بقرن الثعالب) أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه، إلا وأنا عمد قرن الثعالب. لكثرة همي الذي كنت فيه.
قال القاضي: قرن الثعالب هو قرن المنازل. وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة. وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير.
(فما شئت) استفهام. أي فأمرني بما شئت.
(إن شئت أن أطبق عليهم) شرط. وجزاؤه مقدر وهو: أطبقت. أي إن شئت ضممت الأخشبين وجعلتهما كالطبق عليهم، حتى هلكوا تحته.
(الأخشبين) هما جبلا مكة: أبو قبيس والجبل الذي يقابله.стр. 4595
١١٢ - (١٧٩٦) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كلاهما عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ. قَالَ:
دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ. فَقَالَ:
(هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دميت * وفي سبيل الله ما لقيت)
الحواشي
(١) (دميت) أي جرحت وخرج منها الدم.
(ما لقيت) لفظ ما هنا بمعنى الذي. أي الذي لقيته محسوب في سبيل الله.стр. 4596
١١٣ - (١٧٩٦) وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غار. فنكبت إصبعه.
الحواشي
(١) (غار) كذا هو في الأصول: في غار. قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكناني: لعله غازيا فتصحف. كما قال في الرواية الأخرى: في بعض المشاهد. وكما جاء في رواية البخاري: بينما كان النبي ﷺ يمشي، إذ أصابه حجر.
قال القاضي: وقد يراد بالغار، هنا، الجيش والجمع. لا الغار الذي هو الكهف. فيوافق رواية بعض المشاهد. ومنه قول علي ﵁: ما ظنك بامرئ جمع بين هذين الغارين، أي العسكرين والجمعين.
(فنكبت) أي نالتها الحجارة. والنكبة المصيبة، والجمع نكبات.стр. 4597
١١٤ - (١٧٩٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ:
أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ
⦗١٤٢٢⦘
وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [٩٣ /الضحى /١ و ٢ و ٣].
الحواشي
(١) (ودع) أي ترك ترك المودع. ومن ودع أحدا مفارقا له فقد بالغ في تركه. وسمى الوداع وداعا لأنه فراق ومتاركة.
(وما قلى) أي وما قلاك. يعني ما أبغضك.стр. 4598
١١٥ - (١٧٩٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (واللفظ لابن رافع) (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ آدَمَ). حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ:
اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
الحواشي
(١) (قربك) بكسر الراء والمضارع يقربك، بفتحها، أي دنا منك.
(سجى) أي سكن وستر الأشياء بظلمته.стр. 4599
(١٧٩٧) - وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلَاهُمَا عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حديثهما.
стр. 4600
٤٠ - باب فيف دعاء النبي ﷺ ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ
١١٦ - (١٧٩٨) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ) (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حدثنا. وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق). أخبرنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا، عَلَيْهِ إِكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ. وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ. فِيهِمْ
⦗١٤٢٣⦘
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ . ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ. فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ! لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا. وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ. فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا. فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ. حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا. فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ. ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَقَالَ (أَيْ سَعْدُ! أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ (يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) قَالَ كَذَا وَكَذَا) قَالَ: اعْفُ عَنْهُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاصْفَحْ. فَوَاللَّهِ! لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ. فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ شَرِقَ بِذَلِكَ. فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ النبي ﷺ .
الحواشي
(١) (إكاف) هو للحمار بمنزلة السرج للفرس.
(قطيفة) دثار مخمل - جمعها قطائف وقطف.
(فدكية) منسوبة إلى فدك. بلدة. معروفة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة.
(عجاجة الدابة) هو ما ارتفع من غبار حوافرها.
(خمر أنفه) أي غطاه.
(لا تغبروا علينا) أي لا تثيروا علينا الغبار.
(لا أحسن من هذا) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: لا أحسن. أي ليس شيء أحسن من هذا. وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم. قال: وقع للقاضي أبي علي: لأحسن من هذا. قال القاضي: وهو عندي أظهر. وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك.
(إلى رحلك) أي إلى منزلك.
(يخفضهم) أي يسكنهم ويسهل الأمر بينهم.
(البحيرة) بضم الباء، على التصغير. قال القاضي: وروينا في غير مسلم: البحيرة، مكبرة. وكلاهما بمعنى. وأصلها القرية. والمراد بها، هنا، مدينة النبي ﷺ .
(فيعصبوه بالعصابة) معناه اتفقوا على أن يعينوه ملكهم. وكان من عادتهم، إذا ملكوا إنسانا، أن يتوجوه ويعصبوه.
(شرق بذلك) أي غص. ومعناه حسد النَّبِيِّ ﷺ .стр. 4601
(١٧٩٨) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ (يَعْنِي ابْنَ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَزَادَ: وذلك قبل أن يسلم عبد الله.
الحواشي
(١) (وذلك قبل أن يسلم) معناه قبل أن يظهر الإسلام. وإلا فقد كان كافرا منافقا ظاهر النفاق.стр. 4602
١١٧ - (١٧٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ:
قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ. وَرَكِبَ حِمَارًا. وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ. وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ. فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي. فَوَاللَّهِ! لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ! لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ. قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَبِالْأَيْدِي وَبِالنِّعَالِ. قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بينهما﴾ [٤٩ /الحجرات /٩].
الحواشي
(١) (سبخة) قال النووي هي بفتح السين والباء، وهي الأرض التي لا تنبت لملوحتها. وذكر الفيومي أنها بكسر الباء.стр. 4603
٤١ - بَاب قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ
١١٨ - (١٨٠٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ). حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟) فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ. فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ. فَقَالَ: آنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ (أَوَ قَالَ) قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟
⦗١٤٢٥⦘
قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غير أكار قتلني!
الحواشي
(١) (مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ) سبب السؤال عنه أنه يعرف أنه مات، ليستبشر المسلمون بذلك، وينكف شره عنهم.
(برك) هكذا هو في بعض النسخ: برك. وفي بعضها: برد. فمعناه، بالكاف، سقط إلى الأرض، وبالدال، مات. يقال: برد، إذا مات. قال القاضي: رواية الجمهور برد. ورواه بعضهم بالكاف. قال: والأول هو المعروف. هذا كلام القاضي. واختار جماعة محققون الكاف وإن ابني عفراء تركاه عقيرا. ولهذا كلم ابن مسعود.
(وهل فوق رجل قتلتموه) أي لا عار علي في قتلكم إياي
(فلو غير أكار قتلني) الأكار الزراع والفلاح. وهو عند العرب ناقص. وأشار أبو جهل إلى ابني عفراء اللذين قتلاه، وهما من الأنصار، وهم أصحاب زرع ونخيل. ومعناه لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني، ولم يكن علي نقص في ذلك.стр. 4604
٤٢ - بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ
١١٩ - (١٨٠١) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن محمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو. سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (من لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ (نَعَمْ) قَالَ: ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ. قَالَ (قُلْ). فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً. وَقَدْ عَنَّانَا. فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا. وَاللَّهِ! لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ. وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا. قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ. قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ. قال: أنت أجمل العرب. أنرهنك نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ. قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا. فَيُقَالُ: رُهِنَ
⦗١٤٢٦⦘
فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ. وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ (يَعْنِي السِّلَاحَ). قَالَ: فَنَعَمْ. وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ: فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ. إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ. فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ. فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ. قَالَ: نَعَمْ. تَحْتِي فُلَانَةُ. هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَشُمَّ. فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ. ثُمَّ قَالَ: دونكم. قال: فقتلوه.
الحواشي
(١) (من لكعب بن الأشرف) أي من كائن لقتله.
(ائذن لي فلأقل) معناه ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره.
(قد عنانا) أي أوقعنا في العناء وهو التعب والمشقة وكلفنا ما يشق علينا. قال النووي: هذا من التعريض الجائز بل المستحب. لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب. لكنه تعب في مرضاة الله تعالى. فهو محبوب لنا والذي فهم المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب.
(لتملنه) أي لتضجرن منه أكثر من هذا الضجر.
(بوسقين) الوسق، بفتح الواو وكسرها. وأصله الحمل.
(كأنه صوت دم) أي صوت طالب دم. أو صوت سافك دم.
(إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نائلة) هكذا هو في جميع النسخ: قال القاضي رحمه الله تعالى: قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقال: إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة. وكذا ذكر أهل السير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة.стр. 4605
٤٣ - بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
١٢٠ - (١٣٦٥) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حدثنا إسماعيل (يعني ابْنَ عُلَيَّةَ). عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ؛
أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ. قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس. فركب نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ . وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ. فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ. وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ (اللَّهُ أَكْبَرُ! خَرِبَتْ خَيْبَرُ. إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ
⦗١٤٢٧⦘
فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بعض أصحابنا: والخميس. قال: وأصبناها عنوة.
الحواشي
(١) (صلاة الغداة) يريد بها صلاة الفجر. والغداة والغدوة والغدية ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.
(فأجرى نبي الله) في الكلام حذف. تقديره فأجرى نبي الله ركوبته وأجرينا ركوبتنا معه، بقرينة، قوله: وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ .
(بساحة قوم) الساحة الفناء. وأصلها الفضاء بين المنازل.
(والخميس) روي بالرفع عطفا على محمد. وبالنصب على أنه مفعول معه. والخميس الجيش. وقيل: سمى به لأنه خمسة أقسام: ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة وقلب.
(عنوة) هي بفتح العين. أي قهرا لا صلحا.стр. 4606
١٢١ - (١٣٦٥) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عفان. حدثنا حماد ابن سلمة. حدثنا ثابت عن أنس. قال:
كنت رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَقَدَمِي تَمَسُّ قدم رسول الله ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ. وَقَدْ أَخْرَجُوا مواشيهم. وخرجوا بفؤسهم ومكاتلهم ومرورهم. فقالوا: محمد والخميس. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خَرِبَتْ خَيْبَرُ. إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ .
الحواشي
(١) (وخرجوا بفؤسهم ومكاتلهم ومرورهم) الفؤوس جمع فأس. وهي آلة يشق بها الحطب ونحوه. والمكاتل جمع مكتل، وهو الزنبيل والقفة. والمرور جمع مر، وهي المساحي أي المجارف من حديد. أي أنهم لم يخرجوا للقائنا بل خرجوا إلى أعمالهم غير عالمين بنا. وذكر القاضي أنه قيل: إن المرور هي حبالهم التي يصعدون بها إلى النخل.стр. 4607
١٢٢ - (١٣٦٥) حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ:
لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ).
стр. 4608
١٢٣ - (١٨٠٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (والفظ لِابْنِ عَبَّادٍ). قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيل) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ. فَتَسَيَّرْنَا لَيْلًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَلَا تسمعنا من هنياتك؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا. فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يقول:
⦗١٤٢٨⦘
اللهم! لو أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاغْفِرْ، فِدَاءً لَكَ، مَا اقْتَفَيْنَا * وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ رسول الله ﷺ (من هَذَا السَّائِقُ؟) قَالُوا: عَامِرٌ. قَالَ (يَرْحَمُهُ اللَّهُ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ. حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ.
⦗١٤٢٩⦘
ثُمَّ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ) قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟) فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. قَالَ: (أَيُّ لَحْمٍ؟) قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا) فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا؟ فَقَالَ (أَوْ ذَاكَ) قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ. فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ. وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ. فَمَاتَ مِنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتًا قَالَ (مالك؟) قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ (مَنْ قَالَهُ؟) قُلْتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ (كذب من قاله. إن له لأجران) وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ. قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّدًا في الحديث في حرفي. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ: وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا.
الحواشي
(١) (فتسيرنا) أي فسرنا. أو سرنا سيرا بعد سير، أو جماعة بعد جماعة.
(هنياتك) وفي بعض النسخ: هنيهاتك. أي أراجيزك. والهنة تقع على كل شيء.
(فنزل يحدو بالقوم) أي يحث إبلهم على السير، ويغني لها. وهذا الفعل يتعدى بنفسه وبالحرف. فيقال: حدا المطية وحدابها. أي ساقها بالحداء.
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا) كذا الرواية. قالوا: وصوابه في الوزن: لاهم، أو تالله، أو والله لولا أنت. كما في الحديث الآخر: والله لولا أنت.
(فاغفر فداء لك ما اقتفينا) قال المازري: هذه اللفظة مشكلة. فإنه لا يقال: فدى الباري . ولا يقال له : فديتك. لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به، ويفديه منه. قال ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه. كما يقال: قاتله الله، ولا يراد بذلك حقيقة الدعاء عليه. وكقوله ﷺ : تربت يداك وتربت يمينك ويل أمه. وفيه كله ضرب من الاستعارة. لأن الفادي مبالغ في طلب رضا المفدى حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه. فكأن مراد الشاعر إني أبذل نفسي ورضاك وعلى كل حال فإن المعنى، وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة، فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز به يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه. قال: وقد يكون المراد بقوله: فداء لك، رجلا يخاطبه. وفصل بين الكلام بذلك. فكأنه قال: فاغفر ثم دعا إلى رجل ينبهه فقال: فداء لك ثم عاد إلى تمام الكلام الأول فقال: ما اقتفينا. قال: وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى. لولا أن فيه تعسفا اضطرنا إليه تصحيح الكلام. وقد يقع في كلام العرب من الفصل بين الجمل المعلق بعضها ببعض ما يسهل هذا التأويل. ومعنى اقتفينا اكتسبنا. وأصله الاتباع.
(إنا إذا صيح بنا أتينا) هكذا هو في نسخ بلادنا: أتينا. وقد ذكر القاضي أنه روىأبينا. فمعنى أتينا: إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكارم أتينا. ومعنى الثانية أبينا الفرار والامتناع.
(وبالصياح عولوا علينا) أي استغاثوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هي من التعويل على الشيء، وهو الاعتماد عليه، وقيل: من العويل وهو الصوت.
(وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به) معنى وجبت أي ثبتت له الشهادة. وستقع قريبا. وكان هذا معلوما عندهم أن دعا له النبي ﷺ هذا الدعاء، في هذا الموطن، فاستشهد. فقالوا: هلا أمتعتنا به. أي وددنا أنك لو أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة.
(مخمصة شديدة) أي جوع شديد.
(لحم الحمر الإنسية) هكذا هو هنا: حمر الإنسية. بإضافة حمر. وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. وسبق بيانه مرات. فعلى قول الكوفيين هو على ظاهره. وعند البصريين تقديره حمر الحيوانات الإنسية. وأما الإنسية ففيها لغتان وروايتان حكاهما القاضي عياض وآخرون: أشهرهما كسر الهمزة وإسكان النون. قال القاضي: هذه رواية أكثر الشيوخ. والثانية فتحهما جميعا. وهما جميعا نسبة إلى الإنس، وهم الناس، لاختلاطها بالناس. بخلاف حمر الوحش.
(إن له لأجران) هكذا هو في معظم النسخ: لأجران. وفي بعضها لأجرين. وهما صحيحان. لكن الثاني هو الأشهر الأفصح. والأول لغة أربع قبائل من العرب. ومنها قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾. وقد سبق بيانها مرات.
(إنه لجاهد مجاهد) هكذا رواه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين: لجاهد مجاهد. وفسروا الجاهد بالجاد في علمه وعمله. أي أنه لجاد في طاعة الله. والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله تعالى، وهو الغازي. وقال القاضي: فيه وجه آخر إنه جمع اللفظين توكيدا. قال ابن الأنباري: العرب، إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر على غير بنائه زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه. فيقولون: جاد مجد وليل لائل وشعر شاعر ونحو ذلك.
(قل عربي مشى بها مثله) ضبطنا هذه اللفظة، هنا، في مسلم بوجهين: وذكرهما القاضي أيضا. الصحيح المشهور الذي عليه جماهير رواة البخاري ومسلم: مشى بها. ومعناه مشى بالأرض أو في الحرب.стр. 4609
١٢٤ - (١٨٠٢) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ (وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ)؛ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ
⦗١٤٣٠⦘
فَقَتَلَهُ. فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ. وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ. وَشَكُّوا فِي بَعْضِ أَمْرِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي أَنْ أَرْجُزَ لَكَ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ. قال فقلت:
والله! لولا الله ما هتدينا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَدَقْتَ).
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
قَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي قَالَ رسول الله ﷺ (من قَالَ هَذَا؟) قُلْتُ: قَالَهُ أَخِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَرْحَمُهُ اللَّهُ) قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ. يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ. فقال رسول الله ﷺ (مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سألت ابنا لسلمة ابن الأَكْوَعِ. فَحَدَثَنيِ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ (حِينَ قُلُتُ: إِنَّ نَاسًا يَهَابُونَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَذَبُوا. مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا. فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَتَيْنِ) وَأَشَارَ بِإصبَعَيهِ.
стр. 4610
٤٤ - بَاب غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهِيَ الْخَنْدَقُ
١٢٥ - (١٨٠٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى). قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ:
كان رسول الله ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ. وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
(وَاللَّهِ! لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * إِنَّ الأُلى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا)
⦗١٤٣١⦘
قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ:
(إِنَّ الْمَلَا قَدْ أبو علينا * إن أرادوا فتنة أبينا)
ويرفع بها صوته.
الحواشي
(١) (إن الملا قد أبوا علينا) الملأ مهموز مقصور. وهم أشراف القوم. وقيل: هم الرجال ليس فيهم نساء. ومعنى أبوا علينا، امتنعوا من إجابتنا إلى الإسلام.стр. 4611
(١٨٠٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ. إِلَّا أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا).
стр. 4612
١٢٦ - (١٨٠٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن مسلمة القعنبي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ:
جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ! لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ).
الحواشي
(١) (لا عيش إلا عيش الآخرة) أي لا عيش باق، أو لا عيش مطلوب.стр. 4613
١٢٧ - (١٨٠٥) وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار (واللفظ لِابْنِ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ ابن مَالِكٍ،
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ:
(اللَّهُمَّ! لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ * فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ)
стр. 4614
١٢٨ - (١٨٠٥) حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قال ابن المثنى: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛
أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ (اللَّهُمَّ! إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ) قَالَ شُعْبَةُ: أَوَ قَالَ
(اللَّهُمَّ! لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ * فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ)
стр. 4615
١٢٩ - (١٨٠٥) وحَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:
كَانُوا يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ معهم وهم يقولون:
⦗١٤٣٢⦘
اللَّهُمَّ! لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ * فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ (بَدَلَ فَانْصُرْ): فَاغْفِرْ.
стр. 4616
١٣٠ - (١٨٠٥) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حماد بن سلمة. حدثنا ثابت عن أنس؛
أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا * عَلَى الْإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
أَوَ قَالَ: عَلَى الْجِهَادِ. شَكَّ حَمَّادٌ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ
(اللَّهُمَّ! إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ * فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ)
стр. 4617
٤٥ - بَاب غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا
١٣١ - (١٨٠٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابن إسماعيل) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سلمة ابن الْأَكْوَعِ يَقُولُ:
خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى. وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رسول الله ﷺ . فقلت: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ! قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي قَرَدٍ. وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ.
⦗١٤٣٣⦘
فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي. وَكُنْتُ رَامِيًا. وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَرْتَجِزُ. حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ. وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ. وَهُمْ عِطَاشٌ. فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ (يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ! مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ). قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا. وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دخلنا المدينة.
الحواشي
(١) (قبل أن يؤذن بالأولى) أي بالصلاة الأولى، يريد بها صلاة الصبح.
(لقاح) واحدها لقحة. وهي ذات اللبن، قربية العهد بالولادة.
(بذي قرد) هو ماء على نحو يوم من المدينة مما يلي غطفان.
(يا صباحاه) كلمة يقولها المستغيث. والألف فيها عوض عن لام المستغاث. والهاء للسكت. فهي منادى على وجه الاستغاثة. وتقال أيضا لاستنفار من كان غافلا عن عدوه ليتأهب للقائه. قال في النهاية: هذه كلمة يقولها المستغيث. وأصلها إذا صاحوا للغارة. لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح. ويسمون يوم الغارة يوم الصباح. فكأن القائل: يا صباحاه، يقول قد غشينا العدو. وقيل: إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال. فإذا عاد النهار عاودوه. فكأنه يريد بقوله: يا صباحاه، قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال.
(اليوم يوم الرضع) قالوا: معناه اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع. من قولهم: لئيم راضع. أي رضع اللؤم. وقيل لأنه يمص حلمة الشاة والناقة لئلا يسمع السؤال والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه. وقيل معناه اليوم يعرف من رضع كريمة فأنجبته، أو لئيمة فهجنته.
(استنفذت) أي أنقذت.
(استلبت) أي سلبت.
(حميت القوم) أي منعتهم الماء.
(فأسجح) معناه فأحسن وارفق. والسجاحة السهولة. أي لا تأخذ بالشدة بل ارفق فقد حصلت الننكاية في العدو ولله الحمد.стр. 4618
١٣٢ - (١٨٠٧) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ عكرمة ابن عَمَّارٍ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. وَهَذَا حَدِيثُهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ). حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ونحن أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ. فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَتْ. فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ.
⦗١٤٣٤⦘
قَالَ فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ. ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ (بَايِعْ. يَا سَلَمَةُ!) قَالَ قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ (وَأَيْضًا) قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزِلًا (يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ). قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً. ثُمَّ بَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ (أَلَا تُبَايِعُنِي؟ يَا سَلَمَةُ!) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ (وَأَيْضًا) قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِي (يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟) قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا. فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ (إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي). ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ. حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ. وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدِمُهُ. وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ. وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فكسحت شوكها. فاضجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعو مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَبْغَضْتُهُمْ. فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى. وَعَلَّقُوا
⦗١٤٣٥⦘
سِلَاحَهُمْ. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى منادي مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي. ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ. فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ. فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ! لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَلَاتِ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ. يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ. فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال (دعوهم. كن لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ) فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [٤٨ /الفتح /٢٤] الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا. بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ. وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ. كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ
⦗١٤٣٦⦘
غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَنَا مَعَهُ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ. أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ. وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ. فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ. وَأَرْتَجِزُ. أَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ. حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ * وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ. فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا. ثُمَّ رَمَيْتُهُ. فَعَقَرْتُ بِهِ. حَتَّى إِذَا تضايق الجبل دخلوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ. فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم لتبعتهم أَرْمِيهِمْ. حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ
⦗١٤٣٧⦘
بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا. يَسْتَخِفُّونَ. وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ. يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى إذا أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ. فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ (يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ). وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ. قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا، مِنْ هَذَا الْبَرْحَ. وَاللَّهِ! مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ. يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ قَالَ قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ قلت: أنا سلمة ابن الْأَكْوَعِ. وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ! لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ. وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا. فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ. عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرْهُمْ. لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: يَا سَلَمَةُ! إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ. وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ.
⦗١٤٣٨⦘
وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ، فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ محمد ﷺ ! اتبعتهم أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ. حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا غُبَارِهِمْ، شَيْئًا. حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ. يُقَالُ لَهُ ذا قَرَدٍ. لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ. قَالَ: فَنَظَرُوا إلي أعدو ورائهم. فحليتهم عَنْهُ (يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً. قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فأعدوا فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ. وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ! أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ! أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ. وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ. فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الماء الذي حلأتهم منه. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ. وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ. وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي
⦗١٤٣٩⦘
اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ. وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ. فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نواجذه في ضوء النهار. فَقَالَ (يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟) قُلْتُ: نَعَمْ. وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! فَقَالَ (إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غطفان. فقال: نحر لهم جَزُورًا. فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا. فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ. فَخَرَجُوا هَارِبِينَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رسول الله ﷺ (كان خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ. وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ) قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ. فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا. ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ. رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا. إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ (إِنْ شِئْتَ) قَالَ قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ. وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي. ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ. فَرَبَطْتُ عليه شرفا أو شرفي. ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ.
⦗١٤٤٠⦘
قَالَ فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ. وَاللَّهِ! قَالَ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
تَاللَّهِ! لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا * فَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ هَذَا؟) قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ (غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ) قَالَ:
وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ. فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ. وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ. فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ. فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ.
⦗١٤٤١⦘
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فإذا أنا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ. قَتَلَ نَفْسَهُ. قال: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟) قَالَ قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ (كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ). ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَرْمَدُ. فَقَالَ (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ. حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ. وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ * شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ: أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث الغابات كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ على يديه.
قال إبراهيم: حدنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا الحديث بطوله.
الحواشي
(١) (جبا الركية) الجبا ما حول البئر. والركي البئر. والمشهور في اللغة ركي، بغير هاء. ووقع هنا الركية بالهاء. وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره.
(وإما بسق) هكذا هو في النسخ: بسق. وهي صحيحة. يقال: بزق وبصق وبسق. ثلاث لغات بمعنى. والسين قليلة الاستعمال.
(فجاشت) أي ارتفعت وفاضت. يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا، إذا ارتفع.
(عزلا) ضبطوه بوجهين: أحدهما فتح العين مع كسر الزاي. والثاني ضمهما. وقد فسره في الكتاب بالذي لا سلاح معه. ويقال أيضا: أعزل، وهو الأشهر استعمالا.
(حجفة أو درقة) هما شبيهتان بالترس.
(إنك كالذي قال الأول) الذي صفة لمحذوف. أي أنك كالقول الذي قاله الأول. فالأول، بالرفع، فاعل. والمراد به هنا، المتقدم بالزمان. يعني أن شأنك هذا مع ابن عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه.
(أبغني) أعطني.
(راسلونا) هكذا هو في أكثر النسخ: راسلونا، من المراسلة. أي أرسلنا إليهم وأرسلوا إلينا في أمر الصلح.
(مشى بعضنا في بعض) في هنا بمعنى إلى. أي مشى بعضنا إلى بع. وربما كانت بمعنى مع. فيكون المعنى مشى بعضنا مع بعض.
(كنت تبيعا لطلحة) أي خادما أتبعه.
(وأحسه) أي أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه.
(فكسحت شوكها) أي كنست ما تحتها من الشوك.
(فاخترطت سيفي) أي سللته.
(شددت) حملت وكررت.
(ضغثا) الضغث الحزمة. يريد أنه أخذ سلاحهم وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله في يده حزمة. قال في المصباح الأصل في الضغث أن يكون له قضبان يجمعها أصل واحد، ثم كثر حتى استعمل فيما يجمع.
(الذي فيه عيناه) يريد رأسه.
(العبلات) أي عليه تجفاف. وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه السلاح. وجمعه تجافيف.
(يكن لهم بدء الفجور وثناه) البدء وهو الابتداء. وأما ثناه فمعناه عودة ثانية. قال في النهاي: أي أوله وآخره والثني الأمر يعاد مرتين.
(وهم المشركون) هذه اللفظة ضبطوها بوجهين ذكرهما القاضي وغيره. أحدهما وهم المشركون على الابتداء والخبر. والثاني وهم المشركون، أي هموا النبي ﷺ وأصحابه وخافوا غائلتهم. يقال: همني الأمر وأهمني. وقيل: همني أذابني. وأهمني أغمني وقيل: معناه هم أمر المشركين النبي ﷺ خوف أن يبيتوهم لقربهم منهم.
(بظهره) الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال.
(أنديه) معناه أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلا ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلا ثم ترد إلى المرعى.
(فأصك سهما في رحله) أي أضرب.
(أرميهم وأعقر بهم) أي أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم. أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف. ثم اتسع حتى استعمل في القتل كما وقع هنا. وحتى صار يقال: عقرت البعير أي نحرته.
(حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ) التضايق ضد الاتساع. أي تدانى. فدخلوا في تضايقه أي المحل المتضايق منه بحيث استتروا به عنه، فصار لا يبلغهم ما يرميهم به من السهام.
(فجعلت أرديهم بالحجارة) يعني لما امتنع على رميهم بالسهام عدلت عن ذلك إلى رميهم من أعلى الجبل بالحجارة التي تسقطهم وتهورهم. يقال: ردى الفرس راكبه إذا أسقطه وهوره.
(حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من، هنا، زائدة. أتى بها لتأكيد العموم. وإنما سميت زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها فيصح أن يقال: ما خلق الله بعيرا. ومن، في قوله: من ظهر، بيانية. والمعنى أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كل بعير أخذوه من إبل رسول الله ﷺ .
(إلا خلفته وراء ظهري) خلفته أي تركته. يريد أنه جعله في حوزته وحال بينهم وبينه.
(ثم اتبعتهم) هكذا هو في أكثر النسخ: اتبعتهم. وفي نسخة: أتبعتهم، بهمزة القطع. وهي أشبه بالكلام وأجود موقعا فيه. وذلك أن تبع المجرد واتبع بمعنى مشى خلفه على الإطلاق. وأما أتبع الرباعي فمعناه لحق به بعد أن سبقعه. ومنه قوله تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده﴾ أي لحقهم مع جنوده بعد أن سبقوه. وتعبيره هنا بثم المفيدة للتراخي يشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل توقف عن اتباعهم ولعل ذلك ريثما جمع الإبل وأقامها على طريق يأمن عليها فيه. والمعنى على هذا الوجه: وبعد أن توقفت عن اتباعهم حتى سبقوني، تبعتهم حتى لحقت بهم.
(يستخفون) أي يطلبون بإلقائها الخفة ليكونوا أقدر على الفرار.
(آراما من الحجارة) الآرام هي الأعلام. وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة ليهتدي بها. واحدها إرم كعنب وأعناب.
(حتى أتوا متضايقا من ثنية) الثنية العقبة والطريق في الجبل. أي حتى أتوا طريقا في الجبل ضيقة.
(على رأس قرن) هو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير.
(البرج) أي الشدة.
(يتخللون الشجر) أي يدخلون من خلالها، أي بينها.
(ذا قرد) هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة: ذا قرد. وفي بعضها: ذو قرد، وهو الوجه.
(فحليتهم عنه) أي طردتهم عنه. وقد فسرها في الحديث بقوله: يعني أجليتهم عنه. قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا غير مهموز. قال وأصله الهمز، فسهله. وقد جاء مهموزا بعد هذا في الحديث.
(نغض) هو العظم الرقيق على طرف الكتف. سمي بذلك لكثره تحركه. وهو الناغض أيضا.
(قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة) معنى ثكلته أمه، فقدته. وقوله: أكوعه، هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار؟ ولهذا قال: نعم. وبكرة منصوب غير منون. قال أهل العربية: يقال أتيته بكرة، بالتنوين، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين. قالوا: وإن أردت بكرة يوم بعينه، قلت أتيته بكرة، غير مصروف. لأنها من الظروف المتمكنة.
(وأرادوا) قال القاضي: رواية الجمهور بالدال المهملة، ورواه بعضهم بالمعجمة. قال: وكلاهما متقارب المعنى. فبالمعجمة معناه خلفوهما. والرذى الضعيف من كل شيء. وبالمهملة معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما. ومنه المتردية. وأردت الفرس الفارس أسقطته.
(بسطيحة فيها مذقة من لبن) السطيحة إناء من جلود سطح بعضها على بعض. والمذقة قليل من لبن ممزوج بماء.
(حلأتهم) كذا هو في أكثر النسخ: حلأتهم. وفي بعضها حليتهم. وقد سبق بيانه قريبا.
(من الإبل الذي) كذا هو في أكثر النسخ: الذي. وفي بعضها: التي. وهو أوجه. لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من الآدميين. والأول صحيح أيضا. وأعاد الضمير إلى الغنيمة، لا إلى لفظ الإبل.
(نواجذه) أي أنيابه.
(ليقرون) أي يضافون، والقري الضيافة.
(العضباء) هو لقب ناقة النبي ﷺ . والعضباء مشقوقة الأذن. ولم تكن ناقته ﷺ كذلك، وإنما هو لقب لزمها.
(شدا) أي عدوا على الرجلين.
(فطفرت) أي وثبت وقفزت.
(فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي) معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد. والشرف ما ارتفع من الأرض. وقوله: أستبقي نفسي، لئلا يقطعني البهر.
(رفعت حتى ألحقه) أي أسرعت. قوله: حتى ألحقه. حتى، هنا، للتعليل بمعنى كي. وألحق منصوب بأن مضمرة بعدها.
(أظن) أي أظن ذلك. حذف مفعوله للعلم به.
(فجعل عمي) هكذا قال، هنا: عمي. وقد سبق في حديث أبي الطاهر عن ابن وهب أنه قال: أخي. فلعله كان أخاه من الرضاعة، وكان عمه من النسب.
(يخطر بسيفه) أي يرفعه مرة ويضمه أخرى. ومثله: خطر البعير بذنبه يخطر، إذا رفعه مرة ووضعه أخرى.
(شاكي السلاح) أي تام السلاح. يقال: شاكى السلاح، وشاك السلاح، وشاك في السلاح، من الشوكة وهي القوة. والشوكة أيضا السلاح. ومنه قوله تعالى: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾.
(بطل مجرب) أي مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان. والبطل الشجاع. يقال بطل الرجل يبطل بطالة وبطولة، إذا صار شجاعا.
(بطل مغامر) أي يركب غمرات الحرب وشدائدها ويلقي نفسه فيها.
(يسفل له) أي يضربه من أسفله.
(كذب من قال) كذب، هنا بمعنى أخطأ.
(وهو أرمد) قال أهل اللغة: يقال رمد الإنسان يرمد رمدا فهو رمد وأرمد. إذا هاجت عينه.
(أنا الذي سمتني أمي حيدرة) حيدرة اسم للأسد. وكان علي ﵁ قد سمي أسدا في أول ولا دته. وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدا يقتله. فذره علي ﵁ بذلك ليخيفه ويضعف نفسه. وسمي الأسد حيدرة لغلظه. والحادر الغليظ القوي. ومراده: أنا الأسد في جراءته وإقدامه وقوته.
(غابات) جمع غابة. وهي الشجر الملتف. وتطلق على عرين الأسد أي مأواه. كما يطلق العرين على الغابة أيضا. ولعل ذلك لاتخاذه إياه داخل الغاب غالبا.
(أوفيهم بالصاع كيل السندرة) معناه أقتل الأعداء قتلا واسعا ذريعا. والسندرة مكيال واسع. وقيل: هي العجلة. أي أقتلهم عاجلا. وقيل: مأخوذ من السندرة: وهي شجرة الصنوبر يعمل منها النبل والقسي.стр. 4619
(١٨٠٧) - وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بهذا.
стр. 4620
٤٦ - باب قول الله تعالى: ﴿هو الذي كف أيديهم عنكم﴾. الْآيَةَ
١٣٣ - (١٨٠٨) حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛
أن ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رسول الله ﷺ من جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ. يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا. فَاسْتَحْيَاهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بعد أن أظفركم عليهم﴾ [٤٨ /الفتح /٢٤].
الحواشي
(١) (غرة) الغرة هي الغفلة. أي يريدون أن يصادفوا منه ومن أصحابه غفلة عن التأهب لهم ليتمكنوا من غدرهم والفتك بهم.
(سلما) ضبطوه بوجهين: أحدهما سلما. والثاني سلما. قال الحميدي: ومعناه الصلح. قال القاضي في المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون. قال: والرواية الأولى أظهر. والمعنى أسرهم. والسلم الأسر. وجزم الخطابي بفتح اللام والسين. قال: والمراد به الاستسلام والإذعان. كقوله تعالى: ﴿وألقوا إليكم السلم﴾، أي الانقياد. وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع. قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصة. فإنهم لم يأخذوا صلحا وإنما أخذوا قهرا، وأسلموا أنفسهم عجزا. قال: وللقول الآخر وجه. وهو أنه لما لم يجر معهم قتال، بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم، فرضوا بالأسر، فكأنهم قد صولحوا على ذلك.стр. 4621
٤٧ - بَاب غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالُ
١٣٤ - (١٨٠٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛
أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا. فَكَانَ مَعَهَا. فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟) قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ. إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ!
⦗١٤٤٣⦘
إِنَّ اللَّهَ قَدْ كفى وأحسن).
الحواشي
(١) (خنجر) الخنجر سكين كبيرة ذات حدين.
(بقرت) أي شققت بطنه.
(من بعدنا) أي من سوانا.
(الطلقاء) هم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح. سموا بذلك لأن النبي ﷺ من عليهم وأطلقهم. وكان في إسلامهم ضعف. فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم وغيره.
(انهزموا بك) الباء في بك، هنا، بمعنى عن. أي انهزموا عنك. على حد قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرا﴾. أي عنه وربما تكون للسببية، أي انهزموا بسببك لنفاقهم.стр. 4622
(١٨٠٩) - وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ.
стр. 4623
١٣٥ - (١٨١٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ:
كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ. وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.
стр. 4624
١٣٦ - (١٨١١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. حدثنا عبد الله ابن عَمْرٍو (وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
لَمَّا كَانَ يوم أحد انهزم ناس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مجوب عليه بجحفة. قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ. وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ. فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف النبي ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ. فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! لَا تُشْرِفْ لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ. نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ. أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا. تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا. ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ. ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا.
⦗١٤٤٤⦘
ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثا، من النعاس.
الحواشي
(١) (مجوب عليه بحجفة) أي مترس عنه ليقيه سلاح الكفار. وأصل التجويب الاتقاء بالجوب، كثوب، وهو الترس.
(شديد النزع) أي شديد الرمي بالسهام.
(الجعبة) هي الكنانة التي تجعل فيها السهام.
(لا تشرف) أي لا تتشرف من أعلى موضع أي لا تتطلع.
(نحري دون نحرك) أي أقرب منه. والنحر أعلى الصدر وموضع القلادة منه، وقد يطلق على الصدر أيضا. والجملة دعائية. أي جعل الله نحري أقرب إلى السهام من نحرك، لأصاب بها دونك.
(خدم سوقهما) الواحدة خدمة، وهي الخلخال. والسوق جمع ساق.
(على متونهما) أي على ظهورهما.
(من النعاس) هو النعاس الذي من الله به على أهل الصدق واليقين من المؤمنين يوم أحد. فإنه تعالى لما علم ما في قلوبهم من الغم وخوف كره الأعداء، صرفهم عن ذلك بإنزال النعاس عليهم لئلا يوهنهم الغم والخوف ويضعف عائمهم. قال تعالى: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾.стр. 4625
٤٨ - بَاب النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ وَلَا يُسْهَمُ. وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ
١٣٧ - (١٨١٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ جَعْفَرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛
أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ. كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ. فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه العباس: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا بِسَهْمٍ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ. فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ
⦗١٤٤٥⦘
تَسْأَلُنِي متى: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ. ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا. فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كنا لنقول: هو لنا. فأبى علينا قومنا ذاك.
الحواشي
(١) (لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ) يعني إلى نجدة الحروري من الخوارج. معناه أن ابن عباس يكره نجدة لبدعته، وهي كونه من الخوارج الذين يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. ولكن لما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه. فاضطر إلى جوابه. وقال: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ. أي لولا أنني إذا تركت الكتابة أصير كاتما للعلم مستحقا لوعيد كاتمه، لما كتبت إليه.
(ويحذين) أي يعطين الحذوة وهي العطية. وتسمى الرضخ. والرضخ العطية القليلة.
(متى ينقضي يتم اليتيم) أي متى ينتهي حكم يتمه. أما نفس اليتم فينقضي بالبلوغ.
(فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ) أي فإذا صار حافظا لما له عارفا بوجوه أخذه وعطائه.
(عن الخمس) معناه خمس الغنيمة الذي جعله الله لذوي القربى.
(فأبى علينا قومنا ذاك) أي رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا، بل يصرفونه في المصالح. وأراد بقومه ولا ة الأمر من بني أمية.следующие страницы →