Полный текст (901 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مستكبرين". فالجواب أن الاستكبار أمر معنوي ... فناسب التعبير عنه بالإسم المقتضي للثبوت؛ لا يقال: هذا السؤال دوري، لأنه لا دور مع ظهور المناسبة. قال شيخنا: وكان في مجلس الأمير أبي الحسن المريني، يورد ابن الصباغ على ابن هارون أسئلة فيقول له: هذه دورية، فيقول ابن الصباغ: لكنك تورد كذلك. فيقول ابن هارون: إنما أوردناه لكون صاحب "الكشاف" أورده، فما أورده أوردناه وما لا فلا".
وذكر ابن عرفة أنه وقع البحث بين الفقهاء بالقصبة في مجلس السلطان: هل المنافقون يدخلهم الخلاف في خطاب الكفار بفروع الشريعة أم لا؟. ...
وكان أبو الحسن يلزم أولاده حضور مجالسه العلمية، فعند قراءة قوله تعالى: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لي وَلِوَلِدَيَّ﴾، برسم التفسير، التفت إلى بعض ولده وقال: الله الله، أكثر من قراءة هذه السورة، فإنها مشتملة على الدعاء.
وقد حمل أبو الحسن معه بعض العوائد، من قبيل استعماله ليلة الميلاد النبوي، بمحضر العلماء أهل تونس وغيرهم.
ولم تكن حملة أبي الحسن الداعية للعلماء إلى الورود على تونس، بل نجد أن كثيرا من العلماء الأفارقة، حلوا بها للاستزادة من العلم، أو إحياء رسوم الرحلة فمن المغاربة الواردين على تونس:
- محمد بن عبد الرزاق الجزولي (ت ٧٥٨ هـ).
- أحمد السلاوي ثم التونسي المالكي (ت ٧٧٣ هـ في الطاعون).
- أبو زيد عبد الرحمن العدنانى المراكشي، قاضي الجماعة بتونس.
стр. 37
- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي الأصل، القسنطيني التونسي.
...
د - انتشار مدارس العلم:
تعددت أماكن التلقي عند الأفارقة، فلم تقتصر على المدارس المتخصصة والمساجد الجوامع، بل شملت مساجد الأرباض ومدارس سكنى الطلبة والمنتديات ودور الأشياخ. واتخُّذ للمدارس أحباسٌ ينفَق عليها من ريعها، ورُسِم لها الإمام والوقَّاد والنقيب، يدل على ذلك ما حكاه ابن عرفة عن القاضي ابن عبد السلام، أن الفقيه أبا القاسم ابن البرا، لمّا ولي القضاء والتدريس بمدرسة الشماعين، ودخلَها جعل يسأل عن تحبيسها ومصْرِفِه فقيل له: فيها الإمام. فقال: الطّلبة كلُّهم عدول، مَن حضر منهم يؤُمّ، فقيل له: وفيها الوَقَّاد. فقال: لا حاجة إليه، مَن أتى يُشعل الفتيلةَ يُشعِل القنديل. فقيل له: وفيها النَّقيب. فقال: "إنما كانت النّقَبَاء في بني إسرائيل، فهذا إسرافٌ في الحبس؛ فأنكروا ذلك عليه".
فمن المدارس المتخصصة التي ذكرَتْها كتبُ التراجم والفهارس:
- مدرسة الكتبيين:
كان يدرِّس بها ابن عبد الستار وقرأ بها البَلَوي واستوطنها مدة.
- مدرسة ابن عبد السلام:
ذكرها المجاري في "برنامجه".
- المدرسة الشماعية:
أسسها أبو زكرياء ابن عبد الواحد بن أبي حفص سنة ٦٣٣ هـ، وسميت بذلك لوقوعها بسوق الشماعين، وهي أعرق المدارس المعَدَّةِ لسُكنى الطلبة ولإلقاء الدروس بها ممن
стр. 38
يتولى النظر فيها، مثل ابن عرفة والبرزلي والأبي. لقَّبها أبو عبد الله محمد بن مرزوق (ت ٧٨١ هـ)، بأمِّ المدارس، وقد ولي التدريس بها للسلطان أبي إسحق (١٧٦)، وقرأ بها ابن رُشَيد على ابن زيتون، والبسيلي على ابن عرفة، والرصاع على أبي العباس أحمد القلشاني، ودرَّس بها ابن عبد السلام وابن قداح والقلشاني وأبو عبد الله محمد البحيري.
- المدرسة الحكيمية:
نسبةً إلى محمد بن علي اللخمي المعروف بابن الحَكِيم، المنتسب إلى بيت العَزَفيِّ الرؤساء بسبتة. وبهذه المدرسة كان البسيلي يلقي دروسه في المنطق، وبها أخذ عنه الرصاع.
- المدرسة التوفيقية:
بَنَتِ الأميرةُ عَطْف زوجة أبي زكريا يَحْيَى الأول جامع التوفيق والمدرسة التوفيقية في عهد ابنها المستنصر، وأشرفت على تعيين المدرِّسين بها، وجعلت لإقامة الدروس بها أوقافا واسعة.
قرأ بها البسيلي والأبِّي والقَلْشاني على ابن عرفة، والرصاع على القلشاني؛ وتولى التدريس بها أبو عبد الله محمد المسراتي، ثم خلفه عليها أخوه من بعده.
стр. 39
وذكر ابن غازي في "فهرسه" أن ابن عرفة كان يقعد للتدريس بمدرسته بتونس من بعد صلاة الغداة إلى الزوال، وكان يقري فنونا يبتدئها بالتفسير، فهل المقصود التوفيقية أم مدرسة أخرى لابن عرفة؟.
- المدرسة المنتصرية:
وتعرف بمدرسة سوق الفلقة أيضا. ابتدأ المنتصر تأسيسها ومات قبل إكمالها سنة ٨٣١ هـ، وأتمها أخوه عثمان.
ختم بها الرصاع التفسير على ابن عُقَاب، وكان مُعيداً بها. وتولى التدريس بها أبو عبد الله محمد الزواري وابن عُقاب كما مرَّ، وسكن بها القلصادي في رحلته الحجازية، أثناء مقامه بتونس، وسمع فيها التفسير وبعض "صحيح مسلم" و "الموطأ" وكتبا شتى من "مختصر المدونة" للبراذعي، وبعض "الرسالة" وابن الجلاب وابن الحاجب الفرعي، ورواية صحيح البخاري غير مرة، وكتاب "الشفاء" لعياض.
- المدرسة السيجومية:
بناها الأمير أبو عبد الله محمد بن أبي فارس الحفصي، ونسبت إلى الشيخ حسن بن عطية السيجومي. قرأ بها الرصاع على ابن عقاب.
- مدرسة المعرض:
أسسها الأمير أبو زكرياء يحيى بن أبي إسحق الحفصي سنة ٦٨٣ هـ، وبناها بإزاء داره، وأحدث كوَّة في منزله يسمع منها ما يُقرأ. الزركشي: وحبس عليها ريعا كثيرا من ماله،
стр. 40
مع مكتبة نفيسة في كل فن من فنون العلم، ولما كمل بناؤها، جلس فيها المدرِّس أبو العباس الغرناطي، ووجَّه للمدرِّس قرطاسين من ذهب، وقال له: فرِّقها على كل من يجد في المدرسة، فسمع الناس بذلك فجاؤوها من كل المدارس، حتى امتلأت، ولم يجد أحد أين يجلس ... وأجرى على المدرس رزقا كثيرا.
وبها درس أبو عبد الله بن الستار، حضر مجلسه محمد المقَّري، حسبما صرح به في كتابه "نظم اللآلي في سلوك الأمالي".
- مدرسة دار صولة:
بناها أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله محمد بن أبي فارس، آخر بني حفص. وجعل بها مسجدا للصلاة ودرسا للعلوم أعدّ للطلبة.
- مدرسة ابن تافراكين:
أسسها الوزير ابن تافراكين (ت ٧٦٦ هـ)، فحملت اسمه وضمت جثمانه، وقد كانت واقعة بحي باب اسويقة. درَّس بها على التوالي أبو القاسم القسنطيني والفقيه أبو البركات محمد بن محمد بن عصفور.
- مدرسة القائد قبيل:
ولي مشيختها أبو العباس اليزليتني، عرف بحُلُولُو.
وقد مثلت المساجد معاهد عليمة متخصصة، إلى جانب المدارس الرسمية، فمن هذه المساجد:
- جامع الزيتونة.
- مسجد القطانين:
جلس للإقراء به أبو عبد الله محمد البلنسي.
стр. 41
- مقصورة سيدي محرز بن خلف:
وهي خزانة كتب بالمقصورة الشرقية من جامع الزيتونة، مشتملة على أمهات العلوم، أوقف عليها أبو عمرو عثمان وقفا كافيا يقوم بإصلاح ما تخرم منها، وما يقوم بالقائمين بخدمتها.
- مسجد حرز الله:
قرأ به الرصاع المنطق، على أبي يوسف يعقوب المصمودي.
- مسجد المشرف:
درس فيه الرصاع على أبي حفص عمر القلشاني.
- دويرة جامع الزيتونة:
درَّس بها ابن عرفة، وعنه أخذ بها ابن القنفذ.
- مسجد الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري قريباً من القباقبيين:
به درس البسيلي القرآن.
- مسجد الحنابليين:
كانت تعقد به مجالس العلم، ويجلس فيه الشيخ أبو إسحق البسيلي جد صاحبنا.
******
ولم تكن مجالس العلم حكرا على المدارس والمساجد، بل عرفتها أيضا مساجد الأرباض ومدارس سكنى الطلبة والمنتديات ودور الأشياخ، وهذه الأخيرة كثيرة
стр. 42
جدا، حيث جرت العادة باستقبال الشيوخ لتلامذتهم الرحالة أو نظرائهم بمنازلهم، فالبلوي قرأ على ابن عبد السلام "الموطأ" في مجالس كثيرة بمنزله، وقرأ ابن رشيد على ابن زيتون بداره بتونس، وكان البسيلي يقرئ بسقيفة داره كثيرا حسب شهادة تلميذه الرصاع.
стр. 43
المبحث الثاني: نشاط الدراسات القرآنية في العهد الحفصي
لا شك أن مجالس ابن زيتون ومن بعده ابن عبد السلام وتلميذه ابن عرفة، أنعشت سوقا نافقة في تدريس التفسير وإجالة النظر في مرامي كتاب الله ؛ وقد آتت هذه السوق أكلها بإنتاج ضخم في التفسير وعلوم القرآن؛ فمن ذلك:
- " تفسير جزء من القرآن" لابن عصفور الإشبيلي (ت ٦٦٩ هـ)؛ قال أبو العباس الغبريني: "شرح جزءا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكا لم يسبق إليه من الإيراد والإصدار والإعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني، ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو أعانني الله وأمدني بالمعونة منه وأكمل هذا الشرح على هذا المنزع، لكان ذخيرة العالم".
- "البيان والتحصيل المطلع على علوم التنزيل، الجامع بين مقاصد الزمخشري وابن عطية في تفسيرهما، المكمل بزيادات عن غيرهما ... " لابن بزيزة عبد العزيز بن إبراهيم ابن أحمد القرشي التميمي التونسي (ت ٦٧٣ هـ):
خ ق ٢٨: المجلد ٦، ابتداء من آخر سورة القصص، حتى نهاية سورة القتال.
- "إيجاز البرهان في إعجاز القرآن"، لإبراهيم بن محمد الجزْري الأندلسي (بقيد الحياة سنة ٦٨٤ هـ).
- "منتهى الغايات في شرح الآيات" للجزري أيضا.
- "الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة" لأبي بكر بن أبي محمد عبد الغني، المعروف باللبيب؛ منها نسخ كثيرة، منها بالمغرب:
стр. 44
ن خ ح ٨٠٠٩.
ن خ ح ٣٨٩٣.
ن خ ع د ٢٢٦٢.
ن خ ع ق ٣٩٩.
- "مختصر في الألفات المحذوفات والثابتات والياءات المحذوفات والثابتات والموصول وما كتب من هاء التأنيث بالياء"، للبيب أيضا، مخطوطة بالمكتبة الوطنية التونسية، رقم ٩٦٧٦.
- "تآليف وتصانيف على كتاب الله تعالى" لأبي العباس الغرناطي (ت ٦٩٢ هـ)، قال الغبريني: طالعت بعضها.
- "الفتوحات الربانية في المواعظ المرجانية"، أمالي في التفسير، لعبد الله بن محمد بن عبد الملك ... التونسي الإسكندري المعروف بالمرجاني (ت ٦٩٩ هـ)، وهي دروس تفسير ٢٦ سورة جمعها ابن السكري من كلامه. ومنها مخطوطة في دار الكتب المصرية، تيمورية، رقم ٢٦١ تفسير.
- "نظم قراءة يعقوب من طريق أبي عمرو الداني"، لأبي العباس البطرني الأنصاري (ت ٧١٠ هـ)، شيخ تونس، حلاه الشمس ابن الجزري بالأستاذ، ووصف نظمه بأنه حسن.
- "التنوير مختصر التفسير"، لمحمد بن أبي القاسم ابن جميل الربعي (ت ٧١٥ هـ):
стр. 45
اختصر فيه "مفاتيح الغيب" للرازي، الجزء السادس منه بدار الكتب الوطنية التونسية في ٢٥٣ ورقة، تحت رقم ٢١٣، نسخ سنة ٧٠٤ هـ في حياة المؤلف، وجزء آخر بالقاهرة، المكتبة الأزهرية، رقم ١٣، أوله تفسير سورة الأنفال وآخره تفسير سورة يس. و ٥ أجزاء متفرقة بالمكتبة الوطنية بباريس، تحت أرقام: ٦١٥؛ ٦١٧؛ ٦١٨ - ٦١٩؛ ٦١٤؛ ٦١٦.
- "التمييز لما أودعه صاحب الكشاف من الاعتزال في الكتاب العزيز"، لأبي علي بن خليل، عمر بن محمد بن محمد السكوني الإشبيلي نزيل تونس (ت ٧١٧ هـ):
انظر مخطوطاته في "الفهرس الشامل"، حيث عُدت له ٢٦ نسخة.
- "الاعتراض المشرق على كثير من أهل المنطق" للسكوني أيضا، وهي حاشية على الكشاف للزمخشري:
ولي الدين، تحت رقم ٣٣٠.
- "مقتضب التمييز"، له أيضا:
مخطوطات أوقاف الجزائر، تحت رقم ٢٧٢، ت ن ١١٨٦ هـ، عدد أوراقه ١٢١.
المكتبة الوطنية التونسية: ٥٦؛ ٧٢٦٢.
مكتبة فيض الله باستانبول ٢٣٩.
- "تحصيل الكفاية من الاختلاف الواقع بين التيسير والتبصرة والكافي والهداية"، لأبي عبد الله محمد بن جماعة التنوخي المهدوي (كان حيا بين سنتي ٧٢٥ و ٧٢٩ هـ.
стр. 46
- "اختصار تفسير ابن الخطيب"، المسمى "نفحات الطيب في اختصار تفسير ابن الخطيب" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد النور التونسي (ت ٧٢٦ هـ)، في سبعة أسفار؛ قيل إنه اختصار حسن.
- "تفسير القرآن"، لأبي فارس عبد العزيز ابن الدروال التونسي (ت ٧٣٣ هـ): قال ابن مرزوق: وهو من أعجب ما صنف؛ زاد الثعالبي: لم يكمل.
- "المجيد في إعراب القرآن المجيد"، لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي التونسي (ت ٧٤٢ هـ): له ٥٥ نسخة ورد ذكرها في "الفهرس الشامل"؛ طبع جزء منه.
- "أحكام القرآن" للسفاقسي المذكور:
مخطوط الحرم النبوي رقم ٢٢٨، ت ن ٧٥٨ هـ.
- "تفسير القرآن"، لأبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم المرادي، شهر العشَّاب (ت ٧٣٦ هـ): جمع بين تفسيري " المحرر الوجيز" و "الكشاف"؛ ذكر ابن الجزري أنه تفسير صغير، والموجود منه نسخة في عشرة أجزاء ينقصها الجزء ٣ وبعض ٦، مخطوط بدار الكتب المصرية، رقمها ١٤٧ تفسير. وبمراجعة وصفه يظهر أنه كبير خلاف ما ذكر ابن الجزري، وإليك عدد أوراق كل جزء منه:
стр. 47
ج ١: ١٥٦ و؛ ج ٢: ٢٢٨ و؛ ج ٤: يبتدئ بقوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ إلى آخر سورة هود؛ ج ٥: ١٩٩ و؛ ج ٦: ٥٠ وقطعة منه؛ ج ٧: ٢٠٧ و؛ ج ٨: ١٧٣ و؛ ج ٩: ١٢٨ و؛ ج ١٠ يبتدئ بتفسير سورة القلم، وينتهي بأول العاديات.
- اختصار تفسير ابن الخطيب المسمى "تحفة اللبيب في اختصار ابن الخطيب" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت ٧٣٦ هـ).
- "الدر الثمين في علم التفسير"؛ له أيضا.
- "مفردة يعقوب"، لمحمد بن محمد بن حسن بن سلامة، أبو عبد الله الفقيه المقرئ (ت ٧٤٦ هـ): جمع فيها بين مفردة أبي عمرو الداني، ومفردة محمد بن شريح الرعيني الأندلسي (٢٥٣).
- نظم قراءة يعقوب، لأبي عبد الله بن عرفة (ت ٨٠٣ هـ).
- أرجوزة في ألفات وضادات القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الصَّفار (حي في عام ٨٢٥ هـ):
مخطوط بدار الكتب الوطنية التونسية، رقم ١٩٤٦٩ ضمن مجموع.
- أرجوزة في ألفات القطع والوصل؛ له أيضا ضمن المجموع السابق.
стр. 48
- تفسير القرآن، لأبي عبد الله محمد بن خلفة بن عمر الوشتاتي الأبي (ت ٨٢٧ هـ):
مخطوط؛ منه النسخ التالية:
ن خ ع ك ٢٠٣٠ ج ١، ٢.
ن خ ع ك ٢٠٢٨ جزء.
مكتبة بلدية الإسكندرية ١٠٦٩ بـ: ٣ مج.
مكتبة بلدية الإسكندرية ٦٠٦، بـ: ٢ مج.
- تفسير أبي القاسم الشريف السلاوي رواية عن ابن عرفة: كان مفقودا، فوفقنا الله إلى العثور على مجلد يغلب الظن أنه منه.
- "نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد" لأبي العباس البسيلي (ت ٨٣٠ هـ)؛ وهو موضع عملنا هذا.
- "تفسير القرآن" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عيسى بن كرامة العقدي الزنديوي (ت ٨٧٤ هـ).
- "الجمع الغريب في ترتيب آي مغني اللبيب" لمحمد بن أبي القاسم الرصاع (ت ٨٩٤ هـ):
وهو تفسير للشواهد القرآنية الواردة في "مغني اللبيب" لابن هشام بعد أن أفردها، ورتبها على السور، وتكلم عليها في جزئين، يوجد الأول منه بمكتبة الزاوية الحمزاوية بتافيلالت، رقم ٨٩، بخط مغربي.
стр. 49
الفصل الثاني
حياة أبي العباس أحمد البسيلي وآثاره
وفيه مباحث:
١ - مصادر ترجمته وأوهام المترجمين.
٢ - اسمه ونسبه.
٣ - مولده ووفاته.
٤ - شيوخه.
٥ - تلاميذه.
٦ - مؤلفاته.
٧ - علاقته بالحفصيين.
٨ - صفاته الخُلُقية والأعمال التي تولاها.
٩ - ثناء العلماء عليه.
стр. 50
المبحث الأول: مصادر ترجمته وأوهامها
أ. مصادر ترجمته:
- المصادر المخطوطة:
- "محاذي مختصر ابن عرفة في الفقه" لأبي العباس البسيلي (ورقة ١).
- "نكت وتنبيهات في تفسير كتاب الله المجيد"؛ للمترجم له:
أ - ن خ ع ق ٢٧١.
ب - ن خ ع د ٢/ ١٧٤٣ ضمن مجموع.
ج - ن م ع ف.
- "التقييد الكبير":
أ - ن خ ع ق ٦١١.
ب - ن خ ع خ ٣٤.
ج - ن خ ع ك ٢٠٣٨.
- المصادر والمراجع المطبوعة أو المرقونة:
- "التقييد الكبير في تفسير كتاب الله المجيد" للمنوه به آنفا: تفسير سورة البقرة وآل عمران، تحقيق د. عبد الله بن مطلق الطوالة.
- "فهرست الرصاع" لأبي عبد الله محمد الأنصاري (ت ٨٩٤ هـ): (١٧٧ - ١٧٥).
стр. 51
- "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): (١١/ ١٩٥؛ قسم الأنساب).
- "توشيح الديباج وحلية الإبتهاج" لبدر الدين القرافي (ت ٩١٤ هـ): (٥٨).
- "نيل الإبتهاج بتطريز الديباج" لأحمد بابا التنبكتي (ت ١٠٣٢ هـ): (٤٦١ - ٤٦٢: أصالة)؛ (٢٩٧؛ ٤٦٦؛ ٤٦٩؛ ٤٣٢؛ ٦٣٥؛ ٢٦٨؛ ١٠٧؛ ١١٥؛ ٢٥٢: عَرَضاً).
- "كفاية المحتاج" للتنبكتي: (١/ ١٠٨ - ١٥٩؛ رت: ٥١).
- البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان: لأبي عبد الله محمد، الملقب بابن مريم المديوني التلمساني: (١٩٣؛ ١٩٧؛ ٢٠٠ عرضا).
- "تفسير الإمام ابن عرفة برواية الأبي"، تحقيق د. حسن المناعي: (١/ ٢٧ - ٣١؛ ٣٢ - ٣٦).
- "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ): (١/ ٣٠٤).
- "الحلل السندسية في الأخبار التونسية " للوزير السراج، محمد بن محمد الأندلسي (ت ١١٤٩ هـ): (١ / ق ٣: ٦٥٠).
- "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية" لمحمد مخلوف المنستيري (ت ١٣٦٠ هـ): (١/ ٢٥١).
- "تعريف الخلف برجال السلف" لأبي القاسم محمد بن الشيخ الحفناوي (ت ١٣٦١ هـ): (٢/ ٧٣).
- "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" للعباس بن إبراهيم (ت ١٣٧٨ هـ) (عَرَضاً في المواضع التالية: ٢/ ٢٧١؛ ٨/ ١٠٧؛ ٥/ ٢٤٨).
- "أعلام المغرب العربي" للأستاذ عبد الوهاب بن منصور (٤/ ٤٠٣).
- "تاريخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (ت ١٣٧٥ هـ): "طبعة الهيئة المصرية للكتاب": (ق ٤: ٤٦٦).
стр. 52
- "فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات" لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت ١٣٨٢ هـ): (١/ ٢٧٨؛ عرضا).
- "طبقات المفسرين" للأدنه وي (١/ ٦٣ - ٦٤).
- "كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين" لحسن حسني عبد الوهاب (ت ١٣٨٨ هـ): (١/ ١٧٢ - ١٧٤).
- "الأعلام" لخير الدين الزركلي (ت ١٣٩٠ هـ): (١/ ٧٢٧).
- "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة: (٢/ ٨٥).
- "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ (١/ ١٠٣ - ١٠٥).
- "مدخل لدراسة تفسير ابن عرفة الورغمي" لسعد غراب؛ ضمن ملتقى الإمام ابن عرفة: (٣٩٧ - ٤٠٦).
- "منتخبات من نوادر المخطوطات بالخزانة الملكية بالرباط" للمنوني: (٧٣ - ٧٤).
- "التفسير والمفسرون بالمغرب الأقصى" لسعاد أشقر، د دع تحت إشراف د. الشاهد البوشيخي، برسم السنة ١٩٩٤، كلية الآداب بفاس.
- "فهرس المخطوطات القرآنية المحفوظة بأشهر الخزائن المغربية"، لمحمد صقلي حسيني: (٢٥٥ - ٢٥٦): بحث لنيل الإجازة، تحت إشراف د. الشاهد البوشيخي، برسم السنة ١٩٨٦ كلية الآداب بفاس.
- مجلات:
- مجلة البحث العلمي، عدد ٧؛ ١٩٦٦؛ "فصلة تصف الدراسة بالقرويين أيام المنصور السعدي" تقديم وتحقيق محمد المنوني (ص ٢٦١ - ٢٦٣؛ حاشية رقم ٣٤).
- مجلة تطوان، عدد ٨، ١٩٣٦؛ "مكتبة الزاوية الحمزية"، لمحمد المنوني: (١١١).
- مجلة دعوة الحق، عدد ذي القعدة ١٣٩٣ هـ: (١٥٥).
стр. 53
- مجلة دار الحديث الحسنية، العدد ٣، ١٩٨٢؛ "مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث"، لمحمد المنوني: (٥٨ - ٥٩).
ب- أوهام المترجمين:
- توهم الأدنه وي أن البسيلي تلميذ أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي النحوي (ت ٣٢٣ هـ)، وبينهما شُقَّة تاريخية تحيل احتمال التلمذة. وإليك سياق قوله:
"إبراهيم بن محمد بن عرفة، أبو عبد الله الواسطي، نفطويه النحوي العالم الفاضل، صنف التفسير، اشتهر بتفسير ابن عرفة، وجمعه بعد وفاته، تلميذه العالم التقي الفاضل الزكي الشيخ أحمد بن محمد الشهير بالمسيلي".
- سمى محمد مخلوف المنستيري في "شجرة النور الزكية"، والد البسيلي "عمر" بدلا من "محمد"، ولعله تصحيف.
- جعل السخاوي وفاة البسيلي متأخرة إلى سنة ٨٤٨ هـ؛ وهو وهم تابعه فيه حسن حسني عبد الوهاب. ولعل السخاوي نقل عن ابن عزم التونسي من "دستور الأعلام"؛ ويظهر أنه يَهِم في مواطن تظهر بالتَّتبُّع لمسَاق المنقول عنه.
- وقع للأستاذ عبد الوهاب بنمنصور تردُدٌ بين عَلَمين، وغَلَب على ظنه أخيرا أنهما واحد، فخلط بين البسيلي والمسيلي، وقال: "وهذا الفقيه من المترجمين من يذكره مرتين، مرة باسم أحمد بن محمد البسيلي الذي كان حيا سنة ٧٨٧ هـ، ومرة باسم أحمد ابن أبي القاسم بن أبى عمار المسيلي المتوفى سنة ٧٨٩ هـ؛ ويغلب على الظن أن الترجمتين لرجل واحد".
- تابع محقق "كفاية المحتاج" ما ورد في "أعلام المغرب العربي"، فوقع في الوهم عينه، في موضعين اثنين.
стр. 54
- نسب د. سعد غراب وتابعه محقق الزهراوين من "التقييد الكبير" البسيلي إلى المسيلة الجزائرية، وجوزا إبدال الباء في اسمه بالميم، وسيأتي خلافه وعدم استقامته.
- رسم محقق "نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي" البسيلي بالميم، وجزم بكونه أحمد بن أبي القاسم المسيلي (ت ٧٨٧ هـ)، كما وهم في أبي القاسم الشريف السلاوي، فظنه ابن المجراد، وكل ذلك غلط.
стр. 55
المبحث الثاني:
اسمه ونسبه
أ- اسمه:
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي؛ كذا ترجمته المصادر التي بين أيدينا، وهي تكاد تكون مطبقة على هذا، فيما عدا أن صفحة العنوان من إحدى نسخ "نكت وتنبيهات" (نسخة خ ع ق ٢٧١)، والتي يرجع تاريخ نسخها لسنة ثلاثة وسبعين وتسعمائة (٩٧٣ هـ)، تَشِذُّ فتسوق كنيته ولقبه كالآتي: "أبو عبد الله، شهاب الدين أحمد البسيلي". ولم أظفر إلى اليوم بمستند يدعم هذه الرواية، وإن كنت أرجح أن الناسخ قد يكون واهما، لوهمه فيما تلا هذه الرواية مباشرة، وذلك قوله: "هذا المجموع بخط أبي عبد الله شهاب الدين أحمد البسيلي، تلميذ ابن عرفة"، وظاهر وهمه من حيث إن
وفاة البسيلي متقدمة على تاريخ النسخ المذكور آنفا بنحو من ثلاث وأربعين ومائة سنة؛ وعليه يستحيل كون المجموع بخطه. ثم إن الورقة ٨٥، وجها وظهرا منسوخة بخط مخالف، ويندُرُ أن نجد هذا في أصول تآليف العلماء؛ لأنهم لا يأمنون عندئذ على تصنيفهم من التغيير، اللهم إلا أن يكون ما نسخ بخط مغاير إملاء من المصنف على غيره.
ب - نسبه وسلفه:
لم يرد فيما بين أيدينا من المصادر ما يبل نقعة الصديان، بصدد أصل البسيلي، وكل ما يوجد هنالك استنتاج مبني على احتمال كون الباء الموحدة في اسمه مبدلة عن ميم، إذْ يصير أصله حينها جزائريا نسبة إلى "مسيلة" عاصمة "الزاب" الشهيرة في محافظة "قسنطينة" بالجزائر. والذين قرَّت أعينُهم بهذا الوجه ووجاهته، يُزكّون ذلك بأن الشيخ صاحب الترجمة -حسب "النيل"؛ نقلا عن "التقييد الكبير" - إنما ابتدأ حضوره
стр. 56
عند ابن عرفة عام (٧٨٣ هـ)، غير أنهم في هذا يحتاجون إلى عاضد من نقل أو أَثَارَةٍ من علم، سيما وأننا لسنا على بينة من الوِجهة التي وَرَدَ منها، ناهيك أنه ليس بالمكْنة استبعاد كون البسيلي من أهل تونس أصالة، وهو عند ورود حاضرتها للأخذ عن ابن عرفة، إنما ورد من مكان متاخم لها؛ وأيّاً ما يكون، فصاحبُنا بتوطنه تونس ووفاته بها من أهل تونس بلا ريب، وهو الذي جرى عليه البحاثة حسن حسني عبد الوهاب، حين ترجمه في "كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين".
وأستطيع أن أجزم بتونسية البسيلي لأمور:
- تصريح المؤلف بتلقيه عن ابن مُسافر -وهو بتونس- وهو صغير، حمله أبوه إليه.
- كون جدّ البسيلي لأبيه إمام وخطيب جامع الزيتونة؛ وقد جرى في عرف أهل تونس ألا يوهمهم به إلا بَلَدِيُّهُم.
- أن لسلف البسيلي مقبرة بتونس عرفت باسم أبي إسحق إبراهيم البسيلي، ودفن فيها ابن أخته عبد العزيز البسيلي. ويكفي أن لأسرة البسيلي مقبرة عرفت باسم أحد أعلامها ليكون ذلك أدل على عراقتها بتونس.
فيَبْعُد لكل ما ذكرنا أن ننفي عن البسيلي أصالةَ كونِه تونسيا. ثم إن هذا الخلاف في إبدال اسمه لم يثبت من طريق نركن إليها، فإن المغايرة بين العَلَمين متأكدة بأمور منها: أن البسيلي نفسه ينقل عن المسيلي في "تذكرته"؛ ولوْ جَازَ على النُّسّاخ الوَهَمُ في رسم البسيلي بالميم، لجاز عليهم ذلك أيضا في رسم المسيلي بالباء، فلما لم يفعلوا ثبتت المغايرة. ثم إن تعليل جواز كون الأصل في البسيلي، المسيلي بالتقارب بين مخرجي الميم والباء، واستساغة الإبدال بينهما -والذي نقل عن الأستاذ سعد غراب- إنما يسري على غير الأسماء.
وقد كفاني مؤنة الرد على هذا التعليل الأستاذ محمد محفوظ، حين تعقب الأستاذ سعد غراب وهذا سياق كلام كل منهما:
стр. 57
- كلام سعد غراب:
"فالراجح أن اسمه في الأصل هو المسيلي، نسبةً إلى المسيلة عاصمة الزاب الشهيرة" إلى أن قال: "والإبدال بين الميم والباء أمر معروف شائع في العربية، وهما حرفان شفويان متقاربان، ومن أشهر الأمثلة القديمة بين هذين الحرفين أنه يقال مكة وبكة، ولا ندري متى وقع هذا الإبدال في نسبة البسيلي، هل كانت شائعة في عهده في بعض اللهجات، وعلى كل فهو سمي في بعض المراجع الجزائرية المسيلي (خاصة "تعريف الخلف" و "أعلام الجزائر". والتحريف -فيما يبدو لي- قديم لذا لي نشأ إصلاحه".
- تعقب محمد محفوظ:
"ويلاحظ على كلامه أن الأنساب لا مجال للقياس والاجتهاد فيها وأن الإبدال بين الميم والباء إذا كان شائعا في اللغة الفصحى، فهو كذلك في اللهجة الدارجة العامية، ومن المعلوم أن ما هو شائع ومطرد في الفصحى لا يلزم أن يكون كذلك في اللهجة الدارجة؛ لأن لها قواعد وخصائص في الاستعمال غير التي في الفصحى. وإذا كان قد ذكر مثالا للإبدال بين الميم والباء في الفصحى، فلماذا لم يذكر مثالا من ذلك في اللهجة العامية ليكون كلامه أدنى إلى القبول ومقنعا وليكون القياس بدون وجود فارق؟، وما نقله عن بعض المراجع الجزائرية هي مراجع حديثة وعمدتها ومعولها هي المصادر القديمة، فإذا خالفتها فإنه ينظر إلى هذا بعين الحذر والاحتراز، بل الرفض إن لم يوجد بعد البحث ما يؤيد خلافها المبني على الإجتهاد الشخصي بدون حجة ولا مستند" اهـ.
وأضيف أن إطباق النسخ المخطوطة من التقييد الكبير أو الصغير على رسم اسم البسيلي بالباء الموحدة، وكذا ورود اسم ابن عم والد المؤلف، أبي فارس عبد العزيز في "التقييد الكبير" مرسوما بالباء أيضا قاطع للجاجة في هذا الشأن.
وحين سكتت معاجم البلدان عن ذكر بسيلة التي يمكن أن تكون نسبة البسيلي إليها أسعفني مخطوط خاص بهذا الأمر، فوجدت فيه ما نصه: "البسيلي، منسوب إلى
стр. 58
بَسِيلَةَ، وهي قرية من قرى الأندلس، أظنها على قرب من غرناطة". ولعلها مثوى أسرة البسيلي قبل أن ينزحوا إلى تونس.
ومن سلف البسيلي:
٤ - أبوه: أبو عبد الله محمد البسيلي:
لم يأت في المعلوم من كتب الرجال عنه شيء، إلا أنه كان مهتبلا بالعلم، فحمل ابنه صغيرا إلى ابن مسافر ليجود القرآن، وتلك خصيصة حمدها الولد للوالد فذكرها طيَّ تفسيره.
وأسعفنا "محاذي مختصر ابن عرفة"، بأن ظفرنا فيه بتحليةٍ، جعلتنا منضافة إلى اسمه المعروف، نظن أن لهذا الرجل شأنا بعد أن عثرنا على عَلَم يوافقه في الإسم والكنية والنسبة، والفترة الزمنية، في مخطوط نادر خاص، هو "تلخيص التلخيص"، من سماع أحد تلاميذه عنه، نفسُه عال، يزكي نص منه ما ذهبنا إليه بُدَاءة من رفض الإبدال في اسمه بين الباء والميم، إذْ ينسبه هذا النص إلى الأندلس ويجعله تبعا لذك أندلسيا، والتلميذ المجهول الذي أسند هذا النص تلميذ لابن مرزوق والبسيلي الأندلسي، ولكنه لم يأخذ عنه إلا خارج الأندلس، فليس يبعد أنه تلقى عن الرجل بعد أن نزح من غرناطة إلى تونس، حين فساد الأحوال في الأندلس، وإليك النصان:
- النص الأول:
"قال الشيخ الفقيه الإمام المتفنن، أبو العباس أحمد بن الشيخ الصالح الصدر أبي عبد الله محمد بن الشيخ".
والصفة التي تستوقفنا في التحلية صفة الصدر، وليس تقال -والله أعلم- إلا لمن تصدر للعلم وأخذ عنه، وهي صفة تجعلنا نأنس إلى نسبة المؤلف المذكور إليه.
стр. 59
- النص الثاني:
بعد الحمدلة والتصلية: " ... فهذا تلخيص التلخيص، أرجوا به الفوز في الجنان، ومثوبة الرحيم الرحمن، مما سمعته من الفقيه المحصل المحقق الحافظ المقدس المرحوم سيدي أبي عبد الله محمد الأندلسي، الشهير بالبسيلي ... وقد قال شيخنا الرحلة العلم سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق، أنه كتب إليه من جزيرة الأندلس بأنه لم يترك بها أحفظ منه".
وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن ابن مرزوق ولد سنة عشر وسبعمائة (٧١٠ هـ) وطوَّف البلاد للأخذ، ورجع إلى الغرب سنة سبع وثلاتين (٧٣٠ هـ) فأقام، ثم صُرِف إلى الأندلس إلى أن استدعاه أبو عنان إلى تونس سنة أربع وخمسين (٧٥٤ هـ)، حيث يصدُقُ عليه حينَها قول صاحب التلخيص إنه كُتِبَ إليه من جزيرة الأندلس، بأنه لم يترك بها أحفظ من البسيلي، فإن عمره حينها يكون أكثر من أربع وأربعين سنة، وهو أهل ليؤخذ عنه. وإذا ما اعتبرنا أيضا أن أول ما أخذ المنكِّت عن ابن عرفة، كان ذلك سنة ٧٨٣ هـ، وأن عمره على الأقل خمس وعشرون سنة، علمنا أن أباه كان حيا على التقدير سنة ٧٥٨ هـ، وهي سنة تأتي بعد سنة ٧٥٤ هـ، حيث يحتمل أن يكون هو المقصود بقول الملَخِّص.
ولكنْ يشغِّب على هذه الاحتمالات أن المتبادر مما نعرف عن سلف البسيلي وأفراد أسرته المذكورين بعدُ أنهم قطَّان تونس، وأن ورودَهم من الأندلس إن كانوا منها كان قبل القرن السابع بكثير. وأيا ما يكون، فالبسيلي نفسُه يورد حكاية دالة على اتصال أسرته بابن مرزوق -سنذكرها بعد- مما يجعل القطع بيقين في هذا الأمر معروضا للشك.
٢ - جده: أبو العباس أحمد البسيلي:
حلَّاه ناسخ "المحاذي" بالشيخ الصالح.
стр. 60
٣ - جده لأبيه: أبو إسحق إبراهيم البسيلي (ت ٧٥٩ هـ):
إمام جامع الزيتونة. ذكره الوزير السراج؛ وخطيبه أيضا، حلاَّه ابن عرفة بالشيخ الصالح. دفن بمقبرة عرفت باسمه، ودفن فيها ابن أخته عبد العزيز البسيلي.
عرض له البسيلي بالذكر عند قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسِك﴾ " وقال: "وهو جدي لأبي ... ومما يحقّق صحة اتصال نسبي بالشيخ أبي إسحق المذكور، أني لما أردت تجويد القرآن العزيز وأنا صغير، مضيت مع والدي إلى الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري ... فوجدناه جالسا بإثر صلاة الظهر وحده ليس معه أحد، ولم يكن ذلك وقت جلوسه، فلمّا رآني قال: تكون فلانا؟. قلت: نعم -ولم يكن يعرفني قبل ذلك- فقال: إنى البارحة رأيت وأنا نائم الشيخ أبا إسحق المذكور ... فقال لي: إن حفيدي يأتيك غدا ليجود عليك القرآن فاحتفظ عليه".
نقل ابن عرفة أن أبا إسحق هذا ذَكرَ في الخطبة لفظَ النفس في الله تعالى، فأنكرِ ذلك عليه الفقيه أبو عبد الله محمد بن مرزوق، فردَّ عليه بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا في نفْسِي وَلاَ أعْلَمُ مَا فيِ نَفْسِكَ﴾، فَسَكَتَ وسلَّم له.
٤ - عم والده: أبو فارس عبد العزيز البسيلي (ت ٢٨ شعبان ٧٨٤ هـ):
ولولا أنْ أتى على ذكره البسيلي في نكته ما عرفناه، وسياقُ ذكْرِه التدليلُ على بعض مناقب ابن عرفة وثبوت فضله حتى في الرؤى، كالرؤيا التي أسندها المنكِّت المنبِّه عن قريبه، قال: "وَأَخبرِني عنهُ عم والِدِي، الشَّيخُ الصَّالحُ الزَّاهِدُ العَابِدُ أَبُو فارِس عبدُ العزيزِ البَسِيلِي؛ أنه رَأى في نَوْمِهِ بعضَ مَنْ كَان مُعَاصِراً لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكَانَ فيِ نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالة لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تعَالى، فقال له نعم. قالَ لي
стр. 61
العَمُّ: فالْتَقَيتُ بالشيخ ابن عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى. وَلَم يَزِدْ عَلَى ذَلك".
وتحليةُ البسيلي لعَمِّ والده بالشيخ الصالح الزاهد العابد، بعيدةٌ عن مظنة القرابة، وليس هو بالغمْر حتى يخلِّد في كتابه ذكْرَ من لا يشرفُ بذكره؛ ناهيك عن أن القصة تشي بالدالة التي للعم على الشيخين الكبيرين، الأكبر من مجرد المعرفة، فهو شفيعٌ أهلٌ لابن حيدرة -حتى وإن كانَ ذلك في المنام! -، ودانٍ إلى ابن عرفة ودودٍ إلى حدٍّ يسمح له بأن يقُصَّ عليه رؤاه، ونحن نعلم أن الرؤى لا تُقَصُّ إلا على الأخلاء. وليس من شك عندي في صلاح هذا العم، لأن الرؤية التي رآها، حتى على فرض عدم صحتها دليلٌ على حسن طويته، وسعيِه الحثيث إلى إصلاح ذاتِ بَيْنِ الرجلين، وأنْ يستحلَّ لأحدهما مظلمة الآخر.
وأخيرا فالقصة سيقت أصالةً للترفيع بابن عرفة، وذكْرُ العمّ فيها عارضٌ، فلم يكن مقصودُ المنكت التكثُّرَ بأهله، ولو شاء لتحدث عن نفسه، ولم يفعل ... وليته!.
وفي ثنايا "التقييد الكبير"، عند تفسيره للآية ٢٨ من سورة الذاريات، نجد ما نصه:
"قال كاتبه: وأخبر ابن عم والدي وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد أبو فارس عبد العزيز البسيلي أنه حين صلاته بالليل يرى الملائكة تدخل عليه ببيته وتسلم عليه في صفة طيور ذوي أجنحة.
قلت: ولما توفي ﵀، صبيحة يوم الخميس ٢٨ من شعبان عام ٧٨٤ هـ، رأيت كأني بين السماء والأرض، وإذا برُقْعة هابطةٍ من السماء فيها مكتوب بخط بَيِّنٍ: عبد
стр. 62
العزيز البسيلي من أهل الجنة!. ودُفِنَ ﵀ بمقبرة خالِه الشيخ أبي إسحق إبراهيم البسيلي. قال لي شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني: لَمْ أَرَ أحدا في زماننا على طريق السلف غيرَه".
وشهادة الغبريني في هذا الرجل، دالة على فضله ونبله.
وهؤلاء المذكورون قبْلا من آل البسيلي بالبتِّ، والذين يلونهم بعدُ، هُم ممن اتفقت نسبتُهم مع البسيلي، ولا يُدرى قدْرُ الوشيجة الجامعة بينهم؛ فمنهم:
- أبو محمد عبد الله بن محمد البسيلي، الملقب بجمال الدين (ت ٧٤٤ هـ):
فقيه أصولي ترجمه الونشريسي في وفياته. عثرت له على تأليف في أصول الفقه، سماه "غاية المحصول"، لا تزال مكتبة السليمانية بتركيا قسم الفاتح، تحتفظ بالجزء الثاني منه، تحت رقم ١٣٦٢، في ٣٨٠ صفحة، ولعله أن يكون شرحا لمحصول الرازي؛ وله أيضا شرح مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، يوجد الجزء الأول منه مخطوطا بمكتبة المسجد الأقصى -انتقذه الله من براثن الصهاينة الغاصبين- رقم ٦٥، نسخه محمد بن عبد الغني الخزامي الحنبلي بتاريخ ٧٦٦ هـ، عدد أوراقه ٢١٤، مقياسه ١٨ × ٢٥.٥ ولسنا نعرف لهذا البسيلي صلة بصاحبنا.
- أبو محمد البسيلي:
أندلسي من تلامذة ابن رُشَيْد، كان صديقا لابن البرذعي؛ حسبما أفادته حكاية للمقري.
- أبو عبد الله شهاب الدين أحمد البسيلي:
لم يَرِدْ له ذكر في أي المصادر، ولكننا استدللنا عليه بما كتبه أحد من تملكوا نسخة "نكت وتنبيهات" (خ ع ق ٢٧١) على ظهرها، والكنية واللقب المذكوران، مما يبعد
стр. 63
أن يقترحه المرء من تلقاء نفسه، فالمتملك لا شك وقف عليهما في كتاب أو غيره، فتوهم أن شهاب الدين صاحبنا وهو غيره، وليس يبعد أن يكون من أسرته.
وهناك غير هؤلاء، بسيلي آخر، ليست بينه وبين صاحبنا شبهة صلة، وهو أسد بن البسيلي ثم القاهري، ترجم له السخاوي.
стр. 64
المبحث الثالث: مولده ووفاته
أ- مولده:
ضربت المصادر صَفْحاً عن أن تذكر تاريخ ولادة البسيلي أو مكانها، وهذا أمرٌ يكثر في تراجم الرجال، وليست علَّتُه دائما تواضع أسرة العلم أو خمول ذكرها، فليس علينا من حرج إذن أن لا ننسب عدم الإشارة إلى تاريخ مولده إلى ذلك.
وقد حاول الأستاذ محقق "التقييد الكبير" تقدير مولده فقال: "يمكن تقدير مولده، وذلك أنه قدم تونس سنة (٧٨٥ هـ) وتوفي بها سنة (٨٣٠ هـ)، فتكون مدة إقامته بها خمسا وأربعين سنة مضافة إلى إقامته بتونس، فيكون مجموع عمره سبعين سنة تقريبا، تطرح من تاريخ وفاته عام (٨٣٠ هـ) فتكون ولادته: (٧٦٠ هـ) ".
وليس ينازع أحد حق الدكتور في التقدير، إذْ هذا المسلك مطروق، وما هو بأبي عذره، ولا بالمبتدع فيه، ولكنى آخذ عليه تجانفه عن الصواب، حين أثبت تاريخ الولادة الافتراضي على صفحة عنوان "التقييد الكبير" غفْلاً عن أي إشارة إلى كونِه افتراضيا، وكان يكفيه لوْ جعل على يسار هذا التاريخ علامةَ استفهام أو صدَّرَه بكلمة: "نحوٍ" أو "في حدود" أو غيرها مما يحول بين القارئ وبين تَلَقُّفِه تاريخ مولده هذا، حقيقة تاريخية، ثقة بالباحث ورُكُونا إليه.
ب - وفاته:
عدا السخاوي الذي يجعل وفاة البسيلي متأخرة إلى سنة ٨٤٨ هـ، فإنَّ كل مترجميه يثبتون تاريخ وفاته في سنة ٨٣٠ هـ.
стр. 65
المبحث الرابع: شيوخه
تتلمذ البسيلي لجملة من الشيوخ، لهم يد طولى في العلوم الشرعية، وحظ وافر من الرسوخ، على ناصيتهم شيخ الإسلام بتونس الإمام ابن عرفة، الذي به تخرج وتفقه ولولاه ما عرف؛ فمنهم:
١ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري (بقيد الحياة سنة ٧٨٦ هـ):
شيخ مقرئ، جلس للإقراء بتونس بمسجده قريبا من القباقبيين؛ أقدّر أنه ثاني من أخذ عنه البسيلي بعد المكَتِّب، تلقى عنه التجويد؛ وحدّثنا عن بداية ذلك فقال: "ولما أردت تجويد القرآن العزيز -وأنا صغير- مضيتُ مع والدي إلى الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري، بمسجده الذي كان يقرئ به قريباً من القباقبيين، فوجدناه جالسا بإِثْر صلاة الظهر وحدَه ليس معه أحد، ولم يكن ذلك وقتَ جلوسه، فلما رآني قال: تكون فلانا؟ قلت: نعم -ولم يكن يعرفني قبل ذلك- فقال: إني البارحة رأيت وأنا نائم الشيخ أبا إسحق ... [يعني جد البسيلي لأبيه] في مسجد الحنابليين فقال لي: إن حفيدي يأتيك غدا ليجوِّد عليك القرآن فاحتفظ عليه".
وسيطولُ العمر بالشيخ -إن تمحَّض أنه هو- حتى يكاتِفَ تلميذَه يأخذان معاً عن ابن عرفة، فقد ذكر البسيلي عند الآية ٨٠ من سورة يوسف في "نكت وتنبيهات" الصغير: "هذا عشر يوم السَّبت، سابع شهر شعبان، منْ عام ستةٍ وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيثِ مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ اللَهِ بنُ مُسَافِرٍ، عِوَضاً عَنْ سَيِّدِي عِيسَى الغُبْرِيني".
стр. 66
٢ - أبو العباس أحمد ابن القصار (حي في سنة ٧٩٠ هـ):
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، شهر بالقصَّار الأزدي التونسي، من علمائها، عاصر ابن عرفة، كان على ما قيل إماما علامة محققا؛ تتلمذ له ابن خلدون، وقال فيه إنه كان ممتعا في صناعة النحو، متقدما فيه. له:
- شرح شواهد المقرب: ولاشك أنه نحوي لغوي أريب حتى يُقْدم على صرح هذه الشواهد البالغة ٣٥٥ شاهدا، قال التنبكتي عن كتاب إنه نفيس جدا في مجلد، ولعله وقف عليه، وعبارته تشي بذلك.
- ونسب له القرافي تحشية على الكشاف؛ وهو أهل لذلك؛ فقد حكى الرصاع عن بعض شيوخه قوله: "إن آخر من كان يقرئ سيبويه بالحضرة الشيخ أبو العباس أحمد القصار"؛ وقد بقيت لنا قطعة صالحة من هذه الحاشية، في خزانة الجامع الكبير بمكناس، رقم ٣٧، تبتدئ بشرح سورة مريم، وبداخلها بتر، أوراقها ٣١٨ ورقة.
- وله أيضا شرح حسن على البردة؛ استطاع أن يسْلَمَ من أيدي الحدثان، فقد وصلنا مخطوطا ثاويا بدار الكتب الناصرية، تحت رقم ١٦١٤؛ إلا أن فيه اسم المؤلف محمد بن عبد الرحمن الأزدي القصار، بإسقاط أحمد، وإثباته لازم، لأن تلميذَه ابن خلدون نسب هذا الشرح له.
стр. 67
وقد تتلمذ له ابن مرزوق الحفيد والبسيلي. ومن أدلِّ الدلائل على تلمذة البسيلي للقصار، أنه نقل عنه في "التقييد الكبير" وصرح بأنه شيخه، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوا كَمَ أهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن القُرُونِ أَنَهُمُ إليهِمْ لَا يَرْجِعُون﴾، حيث قال: "قال ابنُ خَروف في "شرحه" يريد أنه بَدَلٌ من المعنى، كقولك "عرفت زيدا أبو من هو"، أي: عرفت كنية زيد أبو من هو. وكذلك هذا بدل من المعنى، انتهى ... قال الزمخشري: لأنّ عدمَ الرجوع هو بمعنى الإهلاك، والكونُ يصدق على الكثرة وعدمِها، فهو لا ينافي الكثرة، فيصحُّ أنه بدلُ شيء من شيء، وبدليل قولِ الزمخشري في الوجه الذي بعده: والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال. ويظهر من كلامه أن تمثيله بـ "ألم يروا كثرة إهلاكنا" تمثيلُ معنىً لا تمثيلُ إعراب، وليس مراده البدل على هذا المعنى، بل بدل الاشتمال يتنزل على تفسير الإعراب، وهو: "ألم يروا كثيرا أهلكنا"، وهذا على أن شرط الإضافة في بدل الاشتمال فيه نظر، هل هو مُطَّرِد في جميع بدل الاشتمال أو إنما هو اتفاقي. قال شيخنا أبو العباس بن القصار: ولا أعلم أحدا شَرَطَ ذلك من النحويين".
وقد نَدَّ عن المؤرخين ضبطُ تاريخ وفاة ابن القصار، فذكروا أنه كان حيا بعد ٧٩٠ هـ؛ وعليه يحتمل أن يكون أخذ البسيلي عنه قبل هذه السنة، والبسيلي لا يزال شابا، ومن ثم لا يُشْكِل ما نُلفيه في "الكبير"، من العَزْوِ إليه بعد القول "وقال صاحبنا الأستاذ أبو العباس أحمد ابن القصار"، إذْ يكونُ ذلك من قول ابن عرفة لا من قولِ تلميذه.
٣ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى البطرني الأنصاري التونسي (٧٠٣ - ٧٩٣ هـ):
يكنى بأبي الحسن أيضا. الأستاذ الفقيه المميز الخطيب الصالح، زاد البرزلي: الراوية المحدث المسن المقرئ، محدث تونس.
стр. 68
قال أبو الطيب ابن علوان: سيدنا وولي الله ابن الحافظ أبي العباس، كان إماما راوية متقنا مشاورا أصيلا خطيبا.
أخذ عن والده أبي العباس البطرني وماضي بن سلطان، خديم أبي الحسن الشاذلي، يروي عنه أحزابه، وأجازه من المشرق نور الدين ابن فرحون (ت ٧٤٦ هـ) والعز ابن جماعة.
وأخذ عنه أبو عبد الله بن علوان المصري وأبو القاسم البرزلي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الوانُّوغي، وأبو العباس أحمد ابن قنفذ القسنطيني، أخذ عنه بتونس سنة ٧٧٧ هـ، ونقل عنه في "أنس الفقير وعز الحقير"، سندَه في أدعية الشاذلي، قال: "أخذتها عن الخطيب أبي الحسن محمد بن أحمد الأنصاري شُهر البطرني عن الشيخ أبي العزائم ماضي بن سلطان عن الشاذلي".
وذكر الشيخ مخلوف أن ابن خلدون أخذ عنه، ولم يذكر ذلك في "التعريف"، وإنما ذكر والده أبا الحسن البطرني عرَضاً في عِداد شيوخ أبي عبد الله محمد بن سعد بن بُرَّال الأنصاري، شيخِ ابن خلدون في القراءات.
ومن إنشاداته ما ذكر البرزلي أنه أنشده شيخه الشيخ الصالح أبو الحسن محمد البطرني عن شيخه أبي عبد الله عن شيخه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حيان لنفسه ﵀ في سنده لكتاب "الشفاء":
أَأَحْبَابَنَا هَذَا الشِّفَا ... بالْقُرْبِ في سَنَدِ الشِّفَا
بَيْنِي وَبيْنَ عِيَاضِهِ ... شيْخَانِ مِنْ أَهْلِ الصفَا
стр. 69
شرَفُ الوجُودِ بأسرِهِ ... قُرْبُ النبي المصْطَفَى
صَلَّى عليه اللهُ مَا ... شَفَعَ الحبيبُ وشرّفَا
توفي عن سن عالية سنة ٧٩٣ هـ.
نقل عنه البسيلي في "التقييد الكبير"، عند قوله تعالى: ﴿فَلَن أكُونَ ظَهيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾.
٤ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (٧١٦ - ٨٠٣):
ذكره أبو حامد ابن ظَهَيرة في "معجمه" وأثنى عليه ثناء جميلا. قرأ بالروايات على أبي عبد الله محمد بن محمد بن سلامة وغيره، وبرع في الأصول والفروع والعربية والبيان والمعاني والقراءات والفرائض والحساب، وسمع من ابن عبد السلام الهواري
стр. 70
"الموطأ" والفقه والأصول، ومن الوادي آشي "الصحيحين"، وكان رأسا في العبادة والزهد والورع، ملازما للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به، ولم يكن في المغرب من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له. وكانت والفتيا تأتي إليه من مسافة شهر.
ووقع في "أزهار الرياض": "وأما الإمام ابن عرفة، فانتفع به جماعة. وكان أصحابه كأصحاب سحنون؛ أئمةً في كل بلد، فمنهم أيضا من بلغ درجة التأليف ووقع الإتفاق على إمامته، وتقدمه وسمو رتبته ... وأمَّا من نجب من تلاميذ شيخ شيوخنا ابن عرفة، وتمكن من ملكة التعليم، فخَلْق يطول عددُهم، فمنهم من أدركناه وأخذنا عنه وأجازنا مروياته، ومنهم من لم ندركه".
وقد حلَّى ابنَ عرفة، أبو عبد الله المجاري الأندلسي (ت ٨٦٢ هـ)، بالشيخ الفقيه المفتي المحدث الراوية، إمام أهل زمانه في فتح أقفال المشكلات، وكشف نقاب الشُّبَهِ المعْضِلات.
وهذا أبو العباس أحمد بابا التنبكتي في كفايته، يعد ابن عرفة مجدد القرن الثامن؛ وذلك حيث قال: "ابن عرفة ... إمام المغرب وشيخ الإسلام العلامة المحقق القدوة النظار العالم المبعوث على رأس المائة الثامنة، حسبما ذكر السيوطي في نظمه ﵀".
ولعل كلام التنبكتي يوهم أن السيوطي عدَّ ابن عرفة مجدد القرن الثامن، والواقعُ خلافه فهو -أي السيوطي- في منظومته "تحفة المهتدين بأسماء المجددين"، إنما يذكر البلقيني والعراقي:
والثامنُ الحَبْرُ هو البُلْقِينِي ... أوْ حافظُ الأنامَ زَيْنُ الدِّين
стр. 71
وعلى كثرة المترجمين لابن عرفة، تبدو ترجمة البسيلي له أصيلة من حيث إنه تلميذه، وباعتبار أنها كتبت بعد وفاته، فهي شهادةٌ حية لا يخامر الشكُّ في صدقها؛ ناهيك عن اهتمامها بالجانب الوجداني والاجتماعي الذي تغفل عنه كتب التراجم غالبا. وهذا سياق نصين من "نكت وتنبيهات"، ونص ثالث من "التقييد الكبير" تترجم كلها لابن عرفة.
- النص الأول:
"قلت: وولد شيخنا أبو عبد الله محمد بن عرفة سنةَ ستَّ عشْرَة وسبعمائة، وتوفي ﵀ ضَحْوَةَ يوم الثلاثاء، الرابع والعشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الأُخْرى، عام ثلاثة وثمانمائةٍ، ودُفِنَ بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء غَدَ تارِيخِه، وله من العمر ستَّةٌ وثمانونَ عاماً وأَشْهُر؛ وحج حجة الفريضة؛ كان خروجه لذلك من تونس بعد صلاةِ الظهر مِنْ يوم الإثنين الحادي والعِشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الآخِرَةِ من عام اثنين وتسعين وسبعمائةٍ، وقدَ كان بلغ في تفسيرِ القُرآنِ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السًاعَة﴾، ورجع من حجه فدخل تونس يوم الثُّلاثَاءِ، التاسع عشَرَ لشهر جمادى الأُولى، مِن عام ثلاثة تِسْعيَن وسبعمائةٍ قرب الزوال. وحَبَّسَ قبل موته كثيرا من الرّبَاع، وتصدق قرب موته بمالٍ كثيرِ، وترك موروثا عنه ما قيمته ثمانيةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينارٍ ذَهَبَاً كبيرة، ما بين عَيْنٍ ودراهم وحُلِيٍّ وطعام ورِباع وكتب؛ وكان ﵀ مستجاب الدعاء.
وَممَّا رأيت من بركته، أنِّي كنتُ أجلسُ قُبَالَتَهُ بمجلسِ تدريسِه، فرُبَّمَا تكلَّمَ مَعِي بمَا يقع في خاطِرِي.
وَأَخبرنيِ عنهُ عم والِدِي، الشَّيخُ الصالِحُ الزاهِدُ العَابِدُ أَبُو فارِس عبدُ العزيزِ البَسِيلِي، أنه رَأَى في نوْمِهِ بعضَ مَنْ كانَ مُعَاصِرًا لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكانَ في نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالَّةَ لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تَعَالى فقال له نعم. قالَ لي العَمُّ: فالْتَقَيتُ
стр. 72
بالشيخِ ابنِ عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلك".
- النص الثاني:
" ... عام ستة عشر، هو عام مولد شيخنا ابن عرفة، ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور ... وتوفي ... يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته:
بلغت الثمانين بل جزتها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام
وآحادُ عصري مضوْا جملة ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وأرجوا به نيل صدر الحديث ... بحب اللقاء وكره المقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
... وأنشدني بعضُ أصحابنا تخميسَه بقوله:
علمت العلوم وعلمتها ... ونلت الرياسة بل حزتها
وهاك سنِينِيَ عدَّدْتُها ... بلغت الثمانين بل جزتها
فهان على النفس صعب الحمام
******
فلم تُبْقِ لي في الورى رغبة ... ولا في العلا والنهى بغيةً
وهيهات أرجيهما لحظةً ... وآحاد عصري مضوا جملةً
وعادوا خيالا كطيف المنام
******
ونادى الرحيل وما لي مغيث ... وحث المطية كل الحثيث
وإني لراج وحبي أثيث ... وأرجو به نيل صدر الحديث
بحب اللقاء وكره المقام
стр. 73
فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بدارك عما قليل
فيمسى رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل
لسبق دعاء أبي في المقام"
- النص الثالث:
يطرز البسيلي ترجمة ابن عرفة بنص ثالث، أورده في "التقييد الكبير"، وإليك سياقه:
" ... وهذه الأسولة وأجوبتها وأمثالها مما ذكرنا في كتابنا هذا هو مما كان يقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة ﵀، أو بينه وبينهم، وذلك مما يدل على علو مرتبته وعظم منقبته، ولذلك كان حذاق الطلبة يفضلونه على غيره من مجالس التدريس، وأنشدنا من نظمه في هذا المعنى:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلسِ العلِم نُكْتَةٌ ... بتَقْرير إيضَاح لمشْكِل صُورَةِ
وِعزوُ غريبِ النقْلِ أو حَلُّ مشْكلٍ ... أَو إشكالٍ أبدَتهُ نتيجة فكرَةِ
فدَعْ سَعيَهُ وانْظرْ لنفسِكَ واجْتَهِد ... وإياكَ تَرْكاً فهْوَ أقبَحُ خلَّةِ
ولتلميذه الفقيه أبي عبد الله محمد بن خلفة الأبي جوابا لها:
يميناً بمن أوْلاك أرفَعَ رتبةِ ... وَزَانَ بك الدنيا بأكمل زينةِ
لَمجلسُكَ الأعلى الكفيلُ بكُلِّها ... على حينِ ما عنْها المجالسُ وَلَّتِ
فأبقاك مَن رَقَّاكَ للخلق رحمةً ... وللدِّين سَيْفاً قاطعا كل بِدْعَةِ
وقد أساء الأدب بعض من ينتمي إلى العلم، ووصْفُ الجهل ألْيَقُ به، فذَمَّ هذا
المجلس بشعر سخيف لا يليق كتْبُهُ، ولم يشعر بقلْبِ النكتة عليه، حسبما قرّره
الجدَلِيُّون، وقال فيه شيخنا:
وما حال من يهجو أخاه بلفظة ... كذا داكر المروي عند الأئمة
وعلم أصول الفقه والبحث والنظر ... سوى حال من قد ساءه قلب نكتة
стр. 74
فباء بفسق قاله سيد أتى ... بذكر وقرآن ووعظ وحكمة
روى مسلم مع شيخه عند قوله ... سباب لذي الإسلام فسق بحجة
بصغرى وكبرى ينتجان فسوقه ... فبالله أعرض عنه وادفعه بالتي"
...
تآليفه الموجودة:
- المختصر الفقهي:
وهو أعظم آثاره؛ عرف بأسماء عديدة؛ منها: "المبسوط في الفقه"، "التقييد الكبير في المذهب"، لم يُسبق به في تهذيبه وجمعِه وحدودِه وأنيق أبحاثه، لضبطه في المذهب مسائلَ وأقوالا مع زوائدَ مكمِّلة، والتنبيهِ على مواضَع مشكلة، وتعريف الحقائق الشرعية، ابتدأ تصنيفه عام اثنين وسبعين وكمله عام ستة وثمانين وسبعمائة. وقد أقرأه ابنُ عرفة بتونس والمشرق، ويحدِّدُ الدمَاميني تاريخَ سماعِه للمختصر بإقْرَاِء مؤلفه بالإسكندرية سنة ٧٩٢ هـ، حيث كان هو القارئ، وهو ينقلُ لنا حكايةً عن بعض ما كان يجوسُ خلال مناقشة ابن عرفة لطلابه، حين يساجل المؤلفَ من لا أَيْدَ له في العلم، مِن قصير يطاول، وضعيفٍ يُقَاوي؛ قال الدماميني: "كان شخص من الطلبة الموسومين بالتشدق والتّكَثُّرِ بما لم يُعْطَ حاضرا بالمجلس، فَمَرَّ موضع من كلام الشيخ عائد فيه ضمير على مضاف إليه، فقال له ذلك الشخص بجرأة: النحويون يقولون: لا يعود الضمير على المضاف إليه، فكيف أعدتموه؟. فقال الشيخ على الفور بلا تعلم: قال تعالى: ﴿كمَثَلِ الحمَارِ يَحْمِلُ أَسفَاراً﴾، ولم يزد على ذلك؛ وفيه من اللطف ما لا يخفى، ولا شك أن النحاة لم يقولوا ما نقل هذا الرجل".
стр. 75
وقد جاء "المختصر" منسوجا على منوال واحد في عُمْق النظر وعلوِّ الحكم، كبقية تآليفِ ابن عرفة، إلا أنَّه هو الذي سُلِّم له الفوزُ من غير نظير.
والمميز في "المختصر" أن صاحبَه خرج بالفقه من المنهج التقليدي الذي رَسَخ في البيئة الثقافية الإفريقية إلى هذه الطريقة الجديدة، والمعتمِدة على جَمْعِ الأنظار الفقهية، ومقارنِتها واستخلاص النتائج منها، بحسب منهج البحث العلمي المؤسَّس على المنطق والأصول.
والحدودُ التي أُخِذَت عن المختصر بالغة الأهمية، إذِ اعتبرت عمدةً في ضبط المسائل وتعريف الحقائق لدى علماء المغرب والمشرق، حيث أنه ما منْ تأليف كلي أو بحثٍ فقهي في القرن التاسع وما بعدَه، يأخذُ في بسْط بابٍ من أبواب الفقه إلا وهو معتمدٌ قبل كل شيء على إيرادِ تعريفِ ابنِ عرفة لتلك الحقيقة. وقد أعانه على هذه الصياغة الدقيقة المحكمة التي أثارت الإعجابَ شغفُه بالمنطق، وله فيه مختصر مركز.
وقد قصد في تأليفه أمرين اثنين:
- الأول: جمعُ أقصى ما يمكن جمعُه من مسائلِ الفقه ليمكنَ الرجوعُ إليها في القضاء والفتوى جمعَ تحقيق وترجيح.
- الثاني: تعريف أبواب الفقه تعريفا دقيقا موجزا مدخلا ومخرجا.
وقد دفع تقدير الأبي لهذا التأليف أن يمدحه فقال ناظما:
أيا طالِبي العلمِ يبْغون حفظَه ... هلُمُّوا فإن العلمَ هانت سبيلُه
فهذا هُدِيتمْ للصوابِ ابنُ عَرْفَة ... أتاكم بوضْعٍ لم يُشاهَدْ مثِيلُه
فدونكُمْ يُغْنِي عن الكُتْبِ كلها ... وإنْ قَل حجماً والعِيَانُ دليلُهُ
وحَلَّ من التَحْقِيقِ أرفَعَ رُتْبَةٍ ... وهُذِّب مَبْنَاهُ فَصَحَّتْ نُقُولُه
следующие страницы →