Полный текст (901 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وعلى كثرة المترجمين لابن عرفة، تبدو ترجمة البسيلي له أصيلة من حيث إنه تلميذه، وباعتبار أنها كتبت بعد وفاته، فهي شهادةٌ حية لا يخامر الشكُّ في صدقها؛ ناهيك عن اهتمامها بالجانب الوجداني والاجتماعي الذي تغفل عنه كتب التراجم غالبا. وهذا سياق نصين من "نكت وتنبيهات"، ونص ثالث من "التقييد الكبير" تترجم كلها لابن عرفة.
- النص الأول:
"قلت: وولد شيخنا أبو عبد الله محمد بن عرفة سنةَ ستَّ عشْرَة وسبعمائة، وتوفي ﵀ ضَحْوَةَ يوم الثلاثاء، الرابع والعشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الأُخْرى، عام ثلاثة وثمانمائةٍ، ودُفِنَ بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء غَدَ تارِيخِه، وله من العمر ستَّةٌ وثمانونَ عاماً وأَشْهُر؛ وحج حجة الفريضة؛ كان خروجه لذلك من تونس بعد صلاةِ الظهر مِنْ يوم الإثنين الحادي والعِشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الآخِرَةِ من عام اثنين وتسعين وسبعمائةٍ، وقدَ كان بلغ في تفسيرِ القُرآنِ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السًاعَة﴾، ورجع من حجه فدخل تونس يوم الثُّلاثَاءِ، التاسع عشَرَ لشهر جمادى الأُولى، مِن عام ثلاثة تِسْعيَن وسبعمائةٍ قرب الزوال. وحَبَّسَ قبل موته كثيرا من الرّبَاع، وتصدق قرب موته بمالٍ كثيرِ، وترك موروثا عنه ما قيمته ثمانيةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينارٍ ذَهَبَاً كبيرة، ما بين عَيْنٍ ودراهم وحُلِيٍّ وطعام ورِباع وكتب؛ وكان ﵀ مستجاب الدعاء.
وَممَّا رأيت من بركته، أنِّي كنتُ أجلسُ قُبَالَتَهُ بمجلسِ تدريسِه، فرُبَّمَا تكلَّمَ مَعِي بمَا يقع في خاطِرِي.
وَأَخبرنيِ عنهُ عم والِدِي، الشَّيخُ الصالِحُ الزاهِدُ العَابِدُ أَبُو فارِس عبدُ العزيزِ البَسِيلِي، أنه رَأَى في نوْمِهِ بعضَ مَنْ كانَ مُعَاصِرًا لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكانَ في نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالَّةَ لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تَعَالى فقال له نعم. قالَ لي العَمُّ: فالْتَقَيتُ
стр. 72
بالشيخِ ابنِ عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلك".
- النص الثاني:
" ... عام ستة عشر، هو عام مولد شيخنا ابن عرفة، ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور ... وتوفي ... يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته:
بلغت الثمانين بل جزتها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام
وآحادُ عصري مضوْا جملة ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وأرجوا به نيل صدر الحديث ... بحب اللقاء وكره المقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
... وأنشدني بعضُ أصحابنا تخميسَه بقوله:
علمت العلوم وعلمتها ... ونلت الرياسة بل حزتها
وهاك سنِينِيَ عدَّدْتُها ... بلغت الثمانين بل جزتها
فهان على النفس صعب الحمام
******
فلم تُبْقِ لي في الورى رغبة ... ولا في العلا والنهى بغيةً
وهيهات أرجيهما لحظةً ... وآحاد عصري مضوا جملةً
وعادوا خيالا كطيف المنام
******
ونادى الرحيل وما لي مغيث ... وحث المطية كل الحثيث
وإني لراج وحبي أثيث ... وأرجو به نيل صدر الحديث
بحب اللقاء وكره المقام
стр. 73
فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بدارك عما قليل
فيمسى رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل
لسبق دعاء أبي في المقام"
- النص الثالث:
يطرز البسيلي ترجمة ابن عرفة بنص ثالث، أورده في "التقييد الكبير"، وإليك سياقه:
" ... وهذه الأسولة وأجوبتها وأمثالها مما ذكرنا في كتابنا هذا هو مما كان يقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة ﵀، أو بينه وبينهم، وذلك مما يدل على علو مرتبته وعظم منقبته، ولذلك كان حذاق الطلبة يفضلونه على غيره من مجالس التدريس، وأنشدنا من نظمه في هذا المعنى:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلسِ العلِم نُكْتَةٌ ... بتَقْرير إيضَاح لمشْكِل صُورَةِ
وِعزوُ غريبِ النقْلِ أو حَلُّ مشْكلٍ ... أَو إشكالٍ أبدَتهُ نتيجة فكرَةِ
فدَعْ سَعيَهُ وانْظرْ لنفسِكَ واجْتَهِد ... وإياكَ تَرْكاً فهْوَ أقبَحُ خلَّةِ
ولتلميذه الفقيه أبي عبد الله محمد بن خلفة الأبي جوابا لها:
يميناً بمن أوْلاك أرفَعَ رتبةِ ... وَزَانَ بك الدنيا بأكمل زينةِ
لَمجلسُكَ الأعلى الكفيلُ بكُلِّها ... على حينِ ما عنْها المجالسُ وَلَّتِ
فأبقاك مَن رَقَّاكَ للخلق رحمةً ... وللدِّين سَيْفاً قاطعا كل بِدْعَةِ
وقد أساء الأدب بعض من ينتمي إلى العلم، ووصْفُ الجهل ألْيَقُ به، فذَمَّ هذا
المجلس بشعر سخيف لا يليق كتْبُهُ، ولم يشعر بقلْبِ النكتة عليه، حسبما قرّره
الجدَلِيُّون، وقال فيه شيخنا:
وما حال من يهجو أخاه بلفظة ... كذا داكر المروي عند الأئمة
وعلم أصول الفقه والبحث والنظر ... سوى حال من قد ساءه قلب نكتة
стр. 74
فباء بفسق قاله سيد أتى ... بذكر وقرآن ووعظ وحكمة
روى مسلم مع شيخه عند قوله ... سباب لذي الإسلام فسق بحجة
بصغرى وكبرى ينتجان فسوقه ... فبالله أعرض عنه وادفعه بالتي"
...
تآليفه الموجودة:
- المختصر الفقهي:
وهو أعظم آثاره؛ عرف بأسماء عديدة؛ منها: "المبسوط في الفقه"، "التقييد الكبير في المذهب"، لم يُسبق به في تهذيبه وجمعِه وحدودِه وأنيق أبحاثه، لضبطه في المذهب مسائلَ وأقوالا مع زوائدَ مكمِّلة، والتنبيهِ على مواضَع مشكلة، وتعريف الحقائق الشرعية، ابتدأ تصنيفه عام اثنين وسبعين وكمله عام ستة وثمانين وسبعمائة. وقد أقرأه ابنُ عرفة بتونس والمشرق، ويحدِّدُ الدمَاميني تاريخَ سماعِه للمختصر بإقْرَاِء مؤلفه بالإسكندرية سنة ٧٩٢ هـ، حيث كان هو القارئ، وهو ينقلُ لنا حكايةً عن بعض ما كان يجوسُ خلال مناقشة ابن عرفة لطلابه، حين يساجل المؤلفَ من لا أَيْدَ له في العلم، مِن قصير يطاول، وضعيفٍ يُقَاوي؛ قال الدماميني: "كان شخص من الطلبة الموسومين بالتشدق والتّكَثُّرِ بما لم يُعْطَ حاضرا بالمجلس، فَمَرَّ موضع من كلام الشيخ عائد فيه ضمير على مضاف إليه، فقال له ذلك الشخص بجرأة: النحويون يقولون: لا يعود الضمير على المضاف إليه، فكيف أعدتموه؟. فقال الشيخ على الفور بلا تعلم: قال تعالى: ﴿كمَثَلِ الحمَارِ يَحْمِلُ أَسفَاراً﴾، ولم يزد على ذلك؛ وفيه من اللطف ما لا يخفى، ولا شك أن النحاة لم يقولوا ما نقل هذا الرجل".
стр. 75
وقد جاء "المختصر" منسوجا على منوال واحد في عُمْق النظر وعلوِّ الحكم، كبقية تآليفِ ابن عرفة، إلا أنَّه هو الذي سُلِّم له الفوزُ من غير نظير.
والمميز في "المختصر" أن صاحبَه خرج بالفقه من المنهج التقليدي الذي رَسَخ في البيئة الثقافية الإفريقية إلى هذه الطريقة الجديدة، والمعتمِدة على جَمْعِ الأنظار الفقهية، ومقارنِتها واستخلاص النتائج منها، بحسب منهج البحث العلمي المؤسَّس على المنطق والأصول.
والحدودُ التي أُخِذَت عن المختصر بالغة الأهمية، إذِ اعتبرت عمدةً في ضبط المسائل وتعريف الحقائق لدى علماء المغرب والمشرق، حيث أنه ما منْ تأليف كلي أو بحثٍ فقهي في القرن التاسع وما بعدَه، يأخذُ في بسْط بابٍ من أبواب الفقه إلا وهو معتمدٌ قبل كل شيء على إيرادِ تعريفِ ابنِ عرفة لتلك الحقيقة. وقد أعانه على هذه الصياغة الدقيقة المحكمة التي أثارت الإعجابَ شغفُه بالمنطق، وله فيه مختصر مركز.
وقد قصد في تأليفه أمرين اثنين:
- الأول: جمعُ أقصى ما يمكن جمعُه من مسائلِ الفقه ليمكنَ الرجوعُ إليها في القضاء والفتوى جمعَ تحقيق وترجيح.
- الثاني: تعريف أبواب الفقه تعريفا دقيقا موجزا مدخلا ومخرجا.
وقد دفع تقدير الأبي لهذا التأليف أن يمدحه فقال ناظما:
أيا طالِبي العلمِ يبْغون حفظَه ... هلُمُّوا فإن العلمَ هانت سبيلُه
فهذا هُدِيتمْ للصوابِ ابنُ عَرْفَة ... أتاكم بوضْعٍ لم يُشاهَدْ مثِيلُه
فدونكُمْ يُغْنِي عن الكُتْبِ كلها ... وإنْ قَل حجماً والعِيَانُ دليلُهُ
وحَلَّ من التَحْقِيقِ أرفَعَ رُتْبَةٍ ... وهُذِّب مَبْنَاهُ فَصَحَّتْ نُقُولُه
стр. 76
وأَحْكَمَ مِنْ كُلِّ الحقائِق رَسْمَهَا ... فلا خَلَلٌ يُخْشى لديها حُلُولُهُ
وَرَدَّ مِن التخريج والنقْلَِ وَاهِياً ... وأوْردَ تنْبيهاً فحَقَّ قَبُولُه
كذا فليكُنْ وضْعُ التآليف لو يدم ... ولا غَرْوَ ذاك العلْمُ هَذَا قَلِيلُهُ
فإنْ جاء فَرْضاً من يُرِيدُ اعْتِرَاضَهُ ... فَدَعْ أَمْرَهُ إِنّ التعسُّف قِيلُه
لكن أليس غريبا أن يكون الكتاب بهذا القدر، فلا يكتب له الاشتهار الذي وسم "المختصر الخليلي"؟. والجوابُ من وجهين:
١ - أنه شديد الغموض، وَصَفه بهذا ابن حجر، وهو عيْنُ مُؤَدَّى حكايةِ القباب مع ابنِ عرفة حين اجتَمعا بتونس، فأراه ما كتب من المختصر الفقهي -وقد شرع في تأليفه- فقال له القبَّاب: ما صنعتَ شيئا. فقال له ابن عرفة: ولم؟ فقال: لأنه لا يفهمُه المبتدي ولا يحتاجه المنتهي؛ فتغَيَّرَ وجهُ الشيخ ابن عرفة، ثم ألقى عليه مسائلَ فأجابه عنها. ويقال: إن كلامه هذا هو الحاملُ لابن عرفة أنْ ليَّن عبارته في أواخر كتابه. بل إن استغلاقَه لم يَجُزْ على عامة الباحثين فحسب، بل تعداه إلى مؤلفه، حتى إنه في آخر عمره صار يصعب عليه هو نفسه بعض المواضع منه، كما وقع له في تعريف الإجارة.
والحقيقة أن الغموض لم يكن وحده علة خبوِّ وهَج الكتاب، فمختصر خليل أغمض منه وأعوص، ولكن هناك سببا آخر، وهو التالي:
٢ - أن الكتاب لم يكن من "مقررات" الوقت، وكان مغربيا فجنى عليه ذلك، فلم يرتفع له صوت في المشرق، بدليل أن كل شراحه على قلَّتهم مغاربة، يُبين ذلك أن فقهاء مصر في ق ٩ هـ كانوا يرفضون دراسة كتب ابن عرفة، هذا بهرام الدميري (ت ٨٠٥ هـ) شرح المختصر الخليلي شرحين، وكان شيخَ الشيخونية، ومعه فضلاء مغاربة، فطلب منهم تصحيحه بين يديه على عادة الشيوخ فأبوا عليه حسدا وقالوا: لا نسمع كتبك ولا كتب شيخك ولا ابن عرفة، ولا نسمع إلا كتاب ابن عبد السلام فمن فوقه.
стр. 77
ويأتي كلام ابن حجر، أحد الآخذين عن ابن عرفة، حَكَما عدلا على هذا الكتاب بقوله: "وله كتاب في الفقه سماه المختصر، يبلغ عشرة أسفار أو دونها، جامع لغالب أمهات المذهب والنوازل والفروع الغريبة وكثرة البحث مع ابن شاس في "الجواهر" وابن بشير في "التنبيه" وابن الحاجب في اختصاره لهذين الكتابين، وشيخه ابن عبد السلام في "شرحه على ابن الحاجب"، إلا أن التفقه به صعب".
ولعل بَعْثَ ابنِ عرفة للأنظار المهجورة في الفقه، وتَعَبُّدَ الفقهاء بألفاظ الكتب، سيما شراح ابن الحاجب، صَرَفهم عن معاناة الكتاب ورَدّ تلك الأقوال إلى أصولها والترجيح بينها وبين المشتهر في الإفتاء وما جرى به العمل، وهو عمل لا يطيقه إلا النَّظَّار المسْتبحر؛ فلعل هذا مظنة عدم إقبال العلماء على شرحه. إلا أن ذلك لم يمنع محمد بن أبي القاسم بن حمد الْمَشَذَّالي (ت ٨٦٦ هـ)، الفقيه المحقق من استدارك ما صرَّح ابن عرفة فيه في مختصره بعدم وجوده؛ في تأليف اختصر فيه أبحاث ابن عرفة في مختصره، المتعلقة بكلام ابن شاس وابن الحاجب، وشرحه مع زيادة شيء يسير في بعض المواضع مما لم يطلع عليه ابن عرفة في سِفْر، نحو ١٧ كراسا من القالب الكبير.
وقد سبق المشذالي، عيسى بنُ علال المصْمُودي الفاسي (ت ٨٢٣ هـ)، فاستدرك على مختصر ابن عرفة، ووضع تَعْلِيقَةً عليه.
ثم ألف ابن غازي "تكميل التقييد وتحليل التعقيد"، ومسمَّاه مغْن عن سيماه، ولكن الكتاب تُعُقِّب بقول محفوظ شهير: "أما التقييد فقد كمله، وأما التعقيد فما حلله".
وممن شرح المختصر شرحا وافيا جاء في مجلدات، ثم اختصر الشرح بعد ذلك، أبو العباس البسيلي، وسيأتي الحديث عنه.
стр. 78
ومخطوطات الكتاب كثيرة، احتفل المطوي والبكوش في ذكرها (٣٥ نسخة من أجزاء متفرقة). وظهرت أخيرا نسخ عزب ذكرها عنهما، وهي كثيرة؛ فمنها:
- خزانة وزان:
- رقم ٨٩٠ (أول الكتاب - كتاب النكاح)، ت ن ٩٨١ هـ، خط مغربي مليح.
- رقم ٨٩١ (النكاح - بعض البيع).
- رقم ٨٩٢ (بقية البيع - كتاب الشركة).
- رقم ٩٨٠ (مبتور الأول؛ ج ٥) خط مغربي.
- المعهد الإسلامى بتطوان، رقم ٨٩٢. جزآن، غير تام.
- المختصر الشامل في أصول الدين.
عارض به "طوالع" البيضاوي، وأتم تأليفه في سنة ٧٨٩ هـ، وحقق د. سعد غراب فصل الإمامة، ونشره بحوليات الجامعة التونسية، عدد ٩، ١٩٧٢؛ [١٧٧ - ٢٣٤]. منه نسخ بتونس، وبالمغرب، وقفنا منها على ما يلي:
- ن خ م ع ف ٦٠٠.
- ن م خ ع ف ٥٥ ون خ ع ك ١.
- المختصر المنطقي:
وهو تأليف مدرسي تعليمي، قال عنه الوزير السَّرّاج: "فيه من القواعد ما يعجز عنه الفحول"، على صِغرِ جرمه.
стр. 79
وقد حققه وقدم له د. سعْد غراب، ونشره مرْفقا بـ "جمل الخونجي"، تحت عنوان: "رسالتان في المنطق"، عن مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، ١٩٧٦، في ١٣٦ صفحة.
وقد استفاد منه البسيلي، وصرح بالنقل عنه في "التقييد الكبير"؛ مثاله قولُه: "قال شيخنا في "مختصره المنطقي": لو استلزم المحال مُحالا لما صَدَقَتْ قضية مُقَدَّمُها كاذبٌ، مع أنها قد تصدق وقد تكذب".
وممن شرح هذا المختصر:
(أ) محمد بن يوسف السنوسي (ت ٨٩٥ هـ)، ومخطوطاته كثيرة.
(ب) محمد الشافعي العوني (ت ١١٧٣ هـ)، وقد سماه: "نتائج الفكر في شرح المختصر"، توجد منه نسخة بدار الكتب الوطنية التونسية، رقمها ١٦٣٢٨.
ج) مجهول، يوجد شرحه بدار الكتب الناصرية، رقم ١٧٣٧، بخط مغربي، ولعله أن يكون أحد السابِقَيْن.
- شرح ابن الحاجب الأصلي:
نقل عنه الرصاع، وذكره التنبكتي وجان فونتان، ومحققا "كتاب العمر".
وقد أحال هذان الأخيران إلى الكتاب باعتباره موجودا، وعيَّنُوا مخطوطةً ظهر أنها شرح لأصلي ابن الحاجب لا المختصر الفقهي، وهي مخطوطةٌ فريدة بالخزانة الحسنية
стр. 80
بالرباط، تحت رقم ٢٠٩١، وقد وقفتُ عليها، وهي في ٥٣٦ صفحة (٢٦٨ ورقة)، من القطع المتوسط، ٢٣ سطرا في كل صفحة، بمعدل ١٢ كلمة في كل سطر، تاريخ تمام تأليفه ١٥ ذي الحجة سنة ٧٩٩ هـ. والكتاب يحتاج إلى دراسة وافية لبيان قيمته، وإيفائه حقه.
- مختصر الحوفية في الفرائض:
وهو أول تآليفه. و "الحوفية" نسبة إلى الفرضي البارع أبي القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفى الإشبيلي (ت ٥٨٨ هـ)؛ وهي مما بلغ فيه الغاية، تحصيلا لعلمها وتقريبا لأغراضها وضبطا لأصولها، وتيسيرا على ملتمسها.
ونسخ هذا الاختصار كثيرة، ذكرُها في "كتاب العمر". ولست أدري أشرح هي أم اختصار، تلك النسخة الوثقى بدار الكتب الناصرية، تحت رقم ١٨٦١؛ مبتورة الأول، بخط تونسي، وبأولها سماعُ محمد بن أحمد بن بلال اللوّاتي تلميذ المؤلف، بتاريخ ٥ شوال عام ٧٥٦ هـ. وفائدة هذا السماع، بيانُ أن تاريخ التأليف كان قبل سنة ٧٥٦ هـ إن لم يكن قبلها.
- الحدود الفقهية:
وجملتُها ٢٦٠ حدا، عرَّفَتِ الحقائق الشرعية المذكورة في كتب الفقه، شملت ٧٢ كتابا من "المبسوط"، بداية بكتاب الطهارة، وانتهاء بكتاب الفرائض.
стр. 81
وتوجد مجردةً مخطوطة، بالخزانة الكَنونية نسخةٌ منها تحت رقم ١٠١٩٣. وهي التي شرحها الرصاع. والحق أن في عَدِّ هذا الكتاب تأليفا مستقلا بعضُ تسامح؛ لأن فرز الحدود ليس من عمل ابن عرفة، وإنما هو عملٌ إجرائي أقدم عليه الشراح.
تآليفه المفقودة:
- نظم قراءة يعقوب:
بروايتي أبي عمرو الداني وابن شريح.
- نظم تكملة القصيد:
كذا ذكره البدْر القرافي، نقلاً عن إجازة أحمد بن علوان لابن مرزوق؛ وعنه نقل صاحب "الحلل". والمقصود بالقصيد حرْزُ الشاطبي؛ كما أفاده البسيلي.
- مختصر في النحو.
- تساعيات وعشاريات.
- نظم في أصول الفقه.
- الفتاوى:
وهى متفرقة في دواوين النوازل، لم يذكر المترجمون أنها مجموعة؛ وفي "المعيار" الشيء الكثير منها؛ انظر على سبيل التمثيل الجزء الأول: الصفحات:
стр. 82
٩؛ ١٨ - ١٩؛ ٢٣ - ٢٤؛ ٢٤ - ٢٥؛ ٦٨، ١٤٦؛ ١٧٦ - ١٧٧؛ ٢٨٠ - ٢٨١؛ ٣١٩؛ ٣٨٤؛ ٣٨٤ - ٣٨٥ ... وقد بلغتُ في جمعها منه ومن نوازل البرزلي شوطا بعيدا، يسر الله في الإتمام.
- تآليف غفل عنها مترجموا ابن عرفة، وذكرها تلاميذه عرضا:
- شرح المدونة:
لم يكمِّلْه؛ أفاده البسيلي في "محاذي مختصر ابن عرفة الفقهي".
- نتيجة النكتتين في بيان وحدة الليلتين:
نقل عنه البسيلي في "التقييد الكبير"، عند قوله في سورة القدر: ﴿مِنْ كلِّ أمْرٍ﴾؛ وعنه نقل ابن غازي في "تكملة النكت الصغير".
- تقييد في تحقيق القول بالجهة والسمت:
نقل عنه الرصاع في "الهداية الكافية الشافية".
٥ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن جابر بن خلدون الحضرمي (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ):
إشبيلي الأصل، تونسي المولد، أبو زيد ولي الدين القاضي العلامة المؤرخ الحافظ.
ترجم له صديقُه ابن الخطيب في "الإحاطة" -وهو أعرف الناس به- فقال: كان فاضلا حسن الخلق جم الفضل، باهر الخصال رفيع القدر، ظاهر الحياء وقور المجلس، عالي الهمة قوي الجأش، طامح للرئاسة متقدم في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا،
стр. 83
سديد البحث، كثير الحفظ صحيح التصوّر، بارع الخط، مُغْرىً بالتَّجِلَّةِ جواد الكف حسن العشرة، من مفاخرالمغرب، من ذرية وائل ابن حُجْر.
قرأ على أبي عبد الله محمد ابن بُرَّال الأنصاري القراءات، وأخذ العربية عن والده، وأبي عبد الله بن العربي الحصَائرِي، وعلى أبي عبد الله محمد بن الشّواش الزَّلْزَالي، وعن أبي العباس أحمد بن القَصَّار، وأبي عبد الله محمد بن بحر، وشمس الدين أبى عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الجَيَّاني، وأبي القاسم بن القصير، وأبي عبد الله محمد بن عبد السلام، وأبي عبد الله محمد السَّطِّي، وأبي محمد الحضرمي وأبي العباس أحمد الزواوي، وأبى عبد الله الآبِلِّي وغيرهم.
ولي العلامة بتونس، ثم ولى الكتابة بفاس لأبي عنان، وسجن سنة ٧٥٨ هـ، نحو عامين. ودخل بجاية، فراسله صاحبُها فدبَّرَ أمورَه، وبعد وفاته استدعاه صاحا تلمسان، ولم تطُلْ بها إقامتُه، ثم استدعاه عبد العزيز بفاس، فمات قبل دخوله إليها فقبض عليه ثم خلص فسار إلى مراكش، وتنقلت به الأحوال، ثم رجع إلى تونس سنة ٧٨٠ هـ فأكرمه سلطانها، ووقعت سِعايةٌ ضده لديه، فتحيَّنَ
стр. 84
الفرصة وفَرَّ إلى المشرق في سنة ٧٨١ هـ، فنزل القاهرة وولي قضاء المالكية بها ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها، وولي القضاء مرارا آخرها في ٢٦ رمضان سنة ٨٠٨، فباشره ثمانية أيام، وأدْركه الحِمَام فجأة يوم الأربعاء، ودُفن بمقابر الصوفية.
وكان ممن رافق العسكر إلى تيمورلنك واجتمع به وأعجبه كلامه وبلاغته وحسن تَرَسُّلِه.
كان يسلك في إقرائه مسلك الأقدمين كالغزالي والرازي مع الغض على طريقة طلبة العجم، ويقول: إن اختصار الكتب في كل فن، والتعبُّدَ بالألفاظ على طريقة العَضُدِ وغيره من مُحْدَثَاتِ المتأخرين، والعلمُ مِنْ وراء ذلك كلِّه. وكان شاعرا أيضا، أورد هو لنفسه كثيرا من القصائد في "التعريف"، وساق جملة من ذلك، صاحب "عنوان الأريب".
...
من تآليفه:
- كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر (ط)، صدَّره بالمقدمة الفذة التي ضارع بها أساطين فلاسفة التاريخ؛ وشرحها الشيخ أحمد المقري المغربي. وهي تُعَدُّ من أصول علم الاجتماع، ترجمت هي وأجزاء منه إلى الفرنسية وغيرها. قال الحجوي: كفى بتاريخه آية على فضله.
стр. 85
- شرح الردة: وهو شرح بديعٌ دل على تفننه وغزارة حفظه.
- اختصار محصول الفخر.
- التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، كراريس بذيل تاريخه، حققها مجردة ابن تاويت الطنجي ﵀، عن نسخة أصلية بخط ابن خلدون، واهتم فيها بنقل ما ضبطه المؤلف ضبط قلم.
- كتاب في الحساب.
- رسالة في المنطق.
- شرح رجز ابن الخطيب في أصول الفقه.
- لباب المحصل للرازي، طبع عن نسخة بخط المؤلف.
- تلخيص كثير من كتب ابن رشد.
- شفاء السائل لتهذيب المسائل، طبع.
أخذ عنه كثير منهم: الإمام ابن مرزوق، والبسيلي والدماميني والبساطي.
ويتعلق بتلمذة البسيلي لابن خلدون، أسئلة ثلاثة:
- الأول: عن زمن أخذه عنه، وابن خلدون بارَحَ تونس إلى مصر سنة ٧٨٤، والبسيلي يذكر أنه أول ما أخذ عن ابن عرفة سنة ٧٨٣ هـ، وهو أول تاريخ معروف يتعلق
стр. 86
بالبسيلي، حتى دفع ذلك بعض الباحثين إلى القول بأنه وارد على تونس وليس من أهلها. فلم يبق إلا القول أن أخذه عنه كان سنة ٧٨٣ أو قبلها على القول أنه تونسي، وهو الذي نرجحه.
- الثاني: إذا سلمنا أن أخذ البسيلى عن ابن خلدون كان في الفترة ما بين سنة ٧٨٣ هـ، تاريخ حضوره مجلس ابن عرفة وسنة ٧٨٤، أوان رحيل الخلدوني إلى مصر. أفلم يكن تزامن الأخذ عن الشيخين، في أوْجِ استحكام العداوة بينهما داعياً لابن عرفة إلى الانقباض عن تلميذه، وذلك ما لا شاهدَ عليه؟!. والذي دَرَأَنَا لطرح السؤال هو هذا النص الذي أثبته ابن خلدون في التعريف بنفسه: "ولما قدمتُ تونسَ انثَالَ عليَّ طلبةُ العلم من أصحابِ ابن عرفة وسواهم، يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفْتُهم بذلك، فَعَظُم عليه، وكان يُسِرُّ التنفيرَ إلى الكثير منهم فلم يَقْبَلُوا، واشتدت غيرتُه ... ".
- الثالث: لماذا نقل البسيلي عن ابن خلدون في تفسيره، وهو على خلاف مع ابن عرفة؟.
الظاهر والله أعلم أن ما نقله البسيلي، هو من زياداته لا من أصل إملاءات ابن عرفة، لفساد ما بينه وبين ابن خلدون، وما كان لينقل عنه في دروسه وذلك مظنة الفضل والتقدم، فلعل البسيلي إنما جرَّأه على ذلك أن تأليفه لكتابه كان بعد موت ابن عرفة (٨٠٣)، بضميمة أنه يذكر تاريخ ٨٠٨ هـ في أطواء التفسير، وحينها فلا ضير من أن يثبت ما عنَّ له.
وقد صرح البسيلي بأخذه عن ابن خلدون بما لا يدع للشك مجالا، فهو يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطرِ﴾، عند تخلصه للحديث عن حكم راء
стр. 87
"القطر" في الأداء: "قلت: [يقصد نفسه]: وسمعت الشيخ الفقيه أبا زيد عبد الرحمن ابن خلدون يقول: كان بعضهم يُورِدُ على قول الحُصْرِيِّ في أول منظومة هذا في قوله:
إذَا قُلْتُ أَبْيَاتاً حسَاناً من الشِّعْرِ ... فلا قُلْتُها في وصْف وَصْل ولا هَجْرِ
ولا مدحِ سلطان ولا ذَمِّ مسلم ... ولا وصفِ خِلّ بالوفاء أو الغدْر
ولكنني في ذَمِّ نَفْسِى أقولُها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: قوله "ولا ذم مسلم" مع قوله "ولكنني في ذم نفسي أقولها"، يُنتِج الشكلَ الثاني، أنه غيرُ مسْلم!؛ على قوةِ دَعْوَاهُ، وشدّة عارضته في قوله "ولو كُتِبَتْ بِالمِسْكِ"؛ و "لَمْ أَرَهُمْ يَدْرُونَ وَرْشاً قِرَاءَةً" وقوله "وبَاعُهُمُ في النَحْوِ أَقْصَرُ مِنْ شِبْرِ"، إلى غير ذلك".
...
٦ - أبو مهدي عيسى الغبريني (ت ٨١٥ هـ):
عيسى بن أحمد بن محمد الغبريني التونسي، أبو مهدي، خطيبُ جامع الزيتونة وإمامه ومدرِّسُه، العالم الصالح، حافظ المذهب. قال أبو زيد الثعالبي:
стр. 88
شيخُنا أوحَدُ زمانه علما وديناً. وقال ابن ناجي: ممن يُظَن به حفظُ المذهب بلا مطالعة، ما رأيت أصح منه نقلا ولا أحسن منه ذهنا ولا أنصَفَ منه، مع كمال الرياسة. كان صحيح العقيدة متين الدين، سَجَدَ بين يديْه بعض جهلة المؤدِّبين مشْتكياً بشخص فصاح عليه وانتهره وغضب لمخالفته السنة وحلَفَ لا يسمع منه الآن كلمة.
وقال تلميذه الأمير محمد الحسين بن أبي العباس الحفصي: "كان شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني من مجتهدي المذهب، والعيان شاهد بذلك".
وهو شيخ البسيلي والثعالبي وابن ناجي والبرزلي وأحمد القلشاني والشرف العجيسي. قال التنبكتي: بل أخذ عنه غالب متأخري أصحاب ابن عرفة وغيرهم كالبسيلي، وأبي يحيى بن عَقيبَةَ وأبي القاسم القسنطيني، وأبي الحسن ابن عصفور والأبي والزَّلَدِيوِي وأبي عبد الله محمد بن عُقَاب وأبي عبد الله محمد بن عبد الله المغِربي في خلق. وكان يُقدِّم للعدالة من استوثق من دينه وأمانته من الطلبة، وهو الذي كلَّم أبَا فارس الحفصي في تقديم أبي عبد الله محمد بن أبي بكر. وقد استنابه ابن عرفة أثناء سفره للحج سنة ٧٩٢ هـ، وتولى الإمامة بجامع الزيتونة بعد موته.
وقد مكث الغبريني ١٢ سنة يقرأ المعقولات، وندم على ذلك آخر عمره فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لكانت مدة قراءتي في المعقول كلها في الفقه؛ ولذا عكف على "المدونة" بشرح ابن يونس، وسأله والد الرصاع عن ذلك فقال: لأن صاحب هذه الدار؛ يعني الشيخ القاضي ابن حيدرة -وكان ساكنا بداره وتتلمذ له-
стр. 89
يقول: عليكم بابن يونس فإنه عجوز الدار، وهو مرْويٌّ كله، ولذا يقول فيما لم يروه: وهذا لم أروه.
وكان الغبريني هو قارئ العشر في مجلس ابن عرفة، قال البسيلي عند الآية ٨٠ من سورة يوسف: "هذا عشر يوم السبت، سابع شهر شعبان، منْ عام ستّةٍ وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيثِ مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ اللَهِ بنُ مُسَافِرٍ، عِوَضاً عَنْ سَيِّدِي عِيسَى الغُبْرِيني". وقد صرح البسيلي بتلمذته عليه، فقال عند تعريفه بالزمخشري: "وله يَرْثي شيخه أبا مُضَرٍ، حسبما وجدته مقَيًدًا بخطّ شيخِنا أبي مهْدِي عِيسَى الغُبْرِيني:
وقَائلَةٍ مَا هذِه الدُّرَرُ التِي ... تساقط مِنْ عينِكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْن
فقُلْتُ هُو الدُّرُّ الذي قدْ حَشَا بِهِ ... أبُو مُضَرٍ أذْني تسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي"
وساق من فوائده عند تفسيره لسورة الفلق: "ع: مما يسئل عنه هنا: لم قال (إذا وقب) و (إذا حسد)، ولم يقل من شر النفاثات إذا نفثت؟. فأجابه الفقيه عيسى الغبريني: بأنَّ الوسط الذي هو (النفاثات) لَمَّا أَنْ كان كله شرا وليس فيه من الخير شيء، لم يحتج لتقييد، ولما أن كان الطرفان يصلحان للخير والشر قُيِّدَا؛ ألا ترى أن غَسَقَ الليل فيه ما هو محمود ومحل لرجاء الخير وقبول الدعاء، وهو آخِرُه، لِمَا وَرَدَ فيه؛ وألا ترى أن الحسد لشكله شرا للحديث "لا حسد إلا في اثنتين".
ولم يذكر المترجمون أنه ترك تأليفا، لكنني عثرت على "شرح للبردة البوصيرية" للغبريني، وراجعت تراجم من عُرِفُوا بهذه النسبة، أبي العباس الغبريني صاحب "عنوان الدراية" وولديه الأخوين أبي القاسم وأبى سعيد، فلم أجد نسبة التأليف
стр. 90
لأحدهم، فيبقى للتحقيق بالوقوف على المخطوط، وهو بالخزانة المكلية، من رصيد م عبد الرحمن بن زيدان، ورقمه بها ٧٧٦ في سفرين، بخط الحسن بن محمد البكري السيفي (بقى بقيد الحياة عام ١١٤٣ هـ، وتوفي بسوس).
وقد توفى الغبريني ليلة السبت سابع وعشرين من ربيع الأول عام ٨١٥ هـ؛ وقيل: سنة ٨١٣؛ والأول أصحُّ لأنه منقول عن تلميذه القلشاني.
٧ - أبو الفضل بن القاسم بن أبي الحسن علي الأندلسي:
الشيخ المقرئ الراوية، سمع عليه البسيلي "الشفا" لعياض، في شهر رمضان من عام ٨٠٨ هـ. وهذا الذي دَرَأَنَا إلى أن نسْلُكَهُ في عِداد شيوخه، بعد أن ذكر المقيِّد بيتين وقال: "وجدنا هذين البيتين على ظهر جزء من أجزاء بعض نسخ لكتاب "الشفا" لعياض، وهي النسخة المشرقية من كتب خزانة مولانا السلطان أمير المومنين أبي فارس عبد العزيز، وذلك حَالَ مقابلتِهَا بجامع الزيتونة بقراءة الشيخ المقرئ الراوية أبي الفضل بن القاسم بن أبي الحسن على الأندلسي".
******
ولعل للبسيلي شيوخا آخرين غيرَ مَن ذَكرْنا، لم نستطع الاستدلال عليهم، لِتَلافيهِ ذِكرَ أسمائهم، وخلوّ كتب التراجم التي بين أيدينا من أسمائهم، ولربما كان بعضُهم مقصودا بقوله في تضاعيف الكتاب، "بعض شيوخنا"، كصنيعه عند قوله تعالى: ﴿في آِذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾: "وكان بعض الشيوخ ينشد عند تفسيره للآية:
تصامَمْتُ إذ نَطَقَتْ ظَبْيَةٌ ... تَصِيدُ الأسُودَ بأَلْحَاظِهَا
ومَا بيَ وقْرٌ وَلَكِنَّنِي ... أَرَدْتُ إِعَادَةَ أَلفَاظِهَا
وقد حكى البسيلي في تفسيره عن علماءَ عَاصَرَهُم، لا ندري مبْلَغَ الصلة الجامعة بينه وبينهم، كأبي العباس أحمد بنِ حُلُولُو، إذْ بالنظر إلى وفاته المتأخرة، سنة ٨٩٨ هـ، نتوقف في عَدِّهِ من شُيُوخه، إلى أن نعْثُرَ على دليل قاطع.
стр. 91
المبحث الخامس: تلاميذه
ليس بدْعاً من القول تقريرُ أنّ البسيلي كان مُزاحما من كُثْر من الشيوخ ينصرف أكثر التلاميذ إلَيهم دونَه، لما أوتي هؤلاء الشيوخ من علم وشهرة تكاد تربو في الغالب الأعمِّ على شهرة البسيلي، إذْ فيهم مَن سَبَقَهُ إلى التلقي عن ابن عرفة وملازمته، وظهر فضلُه في فَنٍّ من الفنون يقصده الطلبة من أجله؛ فمنهم: أبو عبد الله الأُبِّي (ت ٨٢٧ هـ)، الذي وصفه ابن حجر في "المشتبه" "بالأصولي عالم المغرب في المعقول"، وابن مرزوق الحفيد (ت ٨٤٢ هـ) صاحب "المتْجر الرّبيح والمسْعى الرّجيح على الجامع الصحيح"، وابن ناجي التنوخي القيرواني (ت ٨٣٨ هـ) صاحب الشرح النفيس على الرسالة القيروانية، وأبو عبد الله الوانُّوغي (ت ٨١٩ هـ)، وأبو عبد الله الزَّندِيوِي (ت ٨٧٤ هـ على الأرجح) الذي قال في شأنه العلامة زروق البرنسي الفاسي: "هو شيخُ تونس في وقته"، وغيرهم.
إلا أن البسيلي كان شديدَ العارضَةِ في علم المنطق، طويلَ الباع فيه، بحيثُ لستُ أشُك أن كثيراً ممن جلس بين يديه، إنما تغَيَّا الإستفادةَ منه في هذا العلم؛ فهذا أبو عبد الله الرصاع يصرح إنْ بتفوقِ صاحبنا في المنطق أو بقراءته هو المنطق عليه فيقول: "وكان عارفا بالمنطق، حضرتُ مجلسه بالمدرسة الحَكِيمِيةِ، وقرأت عليه "جُمَلَ "الخُونْجِي" بها ... ولازمتُه شهورا في قراءة المنطق وغيره".
ثم هذا صاحب "تراجم المؤلفين التونسيين"، يذكر أنّ أبا العباس التجاني -وهو معدود من تلاميذه- إنما أخذ عن البسيلي المنطق وعلم الكلام؛ قلت: وفي هذا الحصر بهذه الصفة إيماءٌ إلى ما ذكرنا من قبل.
стр. 92
غير أن كثرةَ الشيوخ الجلَّة الْمُجَايلين لصاحبنا، لم تُفْلِحْ في جعْلِهم يستأثرون بالتلاميذ دونه فله أيضا قرْصٌ في العرس؛ فمن تلاميذه:
١ - أبو عبد الله محمد بن قاسم الأنصاري نسبا، التلمساني مولدا، التونسي تربية، الرصاع شهرة المالكي مذهبا (ت ٨٩٤ هـ):
قاضى الجماعة الفقيه العالم الصالح المفتي من عائلة هي من كرائمِ عائلاتِ الأنصار بمدينة تلمسان، ولم يكن لهم وهم بتلمسان سابقةٌ راسخة في العلم، وجدُّ المؤلف الرابع للأب كان نجارا تميز بالبراعة وروعة الدقَّة في التَّرْصيع في الخشب فعُرِف بالرّصّاع، واشتهر بعد ذلك، بعد ترصيع جامع العُبَّاد.
كان أبوه كثير الإقامة بحاضرة تونس، متردّداً على أهل العلم بها. وقدِم ولدُه محمد إلى تونس صغير السن فاعتنى به، وعرفه على مشاهير علماء الزيتونة، فتتلمذ لجماعة من الأعلام، منهم: البرزلي وأبو عبد الله محمد بن عُقاب؛ ختم عليه التفسير وهو الذي عيَّنه مُعيدا بالمدرسة المنتصرية، وأبو محمد عبد الواحد الغرْيَاني وأبو العباس أحمد السَّلاَوي، قرأ عليه العربية والوانُّوغي وأبو الحسن محمد البَطَرْني وأبو عبد الله الزنديوي وأبو القاسم العبْدُوسي وأبو محمد عبد الله البَحِيرِي وأبو القاسم العُقْبَاني وبَلْقَاسَمْ القسنطيني وأبو حفص عمر
стр. 93
القَلْشَاني وأخوه أحمد، وصهرُ الرصاع أبو عبد الله محمد الرملي وأبو عبد الله محمد البلنسي، وأبو القاسم الغرناطي وأبو يوسف يعقوب المصمودي، وقرأ على الأخيرين المنطق، وأبو العباس أحمد البسيلي.
ولي قضاء العسكر ثم الأنكحة ثم الجماعة، ثم اقتصر على إمامة جامع الزيتونة، وخطابتها، متصدّيا للإفتاء ولإقراء الفقه وأصول الدين والعربية والمنطق وغيرها، درَّس بالمنتصرية وزاوية باب البحر سنة ٨٦٥، خَلَفا للفقيه أحمد كحيل، واستُفتي من خارج تونس.
ولم يزل كعبةَ الآخذين عنه بالزيتونة مفتيا وإماما وخطيبا، حتى توفي سنة ٨٩٤ هـ، ودفن بمنزله بتونس.
مؤلفاته:
- الهداية الشافية الكافية، لبيان حقائق ابن عرفة الوافية.
- الأجوبة التونسة على الأسئلة الغرناطية، بعث إليه بها الموَّاق من غرناطة، فأجابه عنها.
стр. 94
- الجمع الغريب في ترتيب آي مغني اللبيب: وهو تفسير للشّواهد القرآنية الواردة في "مغني اللبيب" لابن هشام بعد أن أفردها، ورتّبها على السور، وتكلم عليها في جزئين، يوجد الأول منه بمكتبة الزاوية الحمزاوية بتافيلالت، رقم ٨٩، بخط مغربي.
- التسهيل والتقريب لرواية الجامع الصحيح: انتقاء من "فتح" ابن حجر. (خ).
- فهرست الرصاع: طبعت بتحقيق العنابي بتونس، سنة ١٩٦٧.
- تذكرة المحبين في أسماء سيد المرسلين (خ): مخطوطاته كثيرة للغاية، وبعضها خزائني كُتب بأوضاع غاية في الجمال.
- تحفة الأخيار في فضل الصلاة على النبي المختار (خ): نسخه كثيرة.
- الخمسمائة صلاة على النبي ﷺ وشرحها (خ).
- رسالة في أسماء الأجناس وأحكامها.
- جزء في كراسة أو ثلاثة في أحكام "لو".
- جزء في صرف اسم "أبي هريرة".
стр. 95
- شرح على جمل الخونجي في المنطق: مخطوط بدار الكتب الوطنية التونسية، من رصيد ح ح عبد الوهاب رقم ١٨١٩٤.
- جزء في إعراب كلمة الشهادة.
- شرح وصية الشيخ محمد الظريف: (خ).
- مقاصد التعريف في فضل اسم محمد الشريف.
- تفسير شرع فيه: أفاده السخاوي.
- فتاوى متفرقة: ذكر بعضها الونشريسي في "المعيار" (٢/ ٢٢٩)؛ (٤/ ٣٧٠)؛ (٩/ ٩٢)؛ (٩/ ٩٣)؛ (١١/ ٢٩٠)؛ (١١/ ٣١٦).
نقل عن شيخه البسيلي دون أن يسميه في ذيل "الهداية الكافية"؛ ولربما كان يقصده بقوله في أطواء الكتاب: "فممَّا رأيته بخط بعض المشايخ تلامذة الإمام ابن عرفة أسكنه الله دار السلام ... "؛ "ووجدت أيضا عن بعض المشايخ من تلامذته ... "؛ "قال بعض تلامذته ﵀: ... "؛ "ثم وقفت على خط بعض أشياخي من تلامذته أنه ... ".
ويتعلق بتلمذة الرصاع للبسيلي إشكالٌ مفاده أن الرصاع يذكر في فهرسه أنه رحل من تلمسان إلى حاضرة تونس، في حدود إحدى وثلاثين، فإذا كانت هذه سنة وروده فأين ومتى أخذ عن البسيلي وقد توفى قبل هذا التاريخ؟.
стр. 96
وقد يقال إن هذه السنة كانت سنة استقراره بتونس، لا سنةَ وروده عليها لأول مرة، إذْ كان أبوه كثير الإقامة بحاضرة تونس، مترددا على أهل العلم بها فلعله أخذ عن البسيلي صحبة ولده ولَمَّا يبارحْ تلمسانَ بالمرة، لكنَّ ما يشغب على افتراضِنا أنه أخَذَ عنه قبل هذا التاريخ، تعبيرُه عن اندهاشه الكبير لما رَأى في تونس، ولا ريب أن هذا العجبَ لا يكون من المتردد على المدينة، وهو أحْرى بزائرها لأول مرة، فهو يقول: "ثم لما كنت حدود إحدى وثلاثين، رحلت من بلد تلمسان إلى حضرة تونس المحروسة ... ثم دخلناها بالغدوة فرأينا بلدة عظيمة بها رجال كرام وشيوخ عظام، وبها قوة شهيرة، وحضارة كثيرة ... ". ثم إن هذا الفرض يتهافت إذا علمنا أن أخْذَ الرصاع قبل هذا التاريخ غيرُ مستقيم، لأنه يكونُ حينَها صغيرا جدا؛ فَمَا بين ٨٣١ سنةِ وُرُودِه و ٨٩٤ سنةِ وفاته، ثلاثٌ وستون سنة، وإذا قدرنا أن عمرَه الافتراضي كان ٧٥ سنة، فلن يكون عمرُه حين ورد على تونس غير ١٢ سنة وهي سنٌّ بالْكَاد تؤهّله لتحصيل فنِّ المنطق سيما وأنه معضل صعب، فكيف مع القول إنه تلَقَّاه قبل هذه السن؟.
وهناك احتمالُ أن يكون قولُ الرصاع إنه ورد على تونس في حدود إحدى وثلاثين، تاريخا تقريبيا لا غير، فيكون قد أخذ عنه قبيل وفاته سنة ٨٣٠ هـ. ولا مانع يمنع من هذا الفرض، لأن الرصاع لم يلازم البسيلي إلا شهورا في قراءة المنطق وغيره.
٢ - أبو العباس التجاني (٨٠٢ - ٨٩٥ هـ):
أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن أبي الفتح محمد بن أبي البركات محمد بن علي ابن أبي القاسم بن حسن بن عبد القوي التِّجَّاني -بكسر الفوقية والجيم المشددة-، نسبة إلى قبيلة بالمغرب، يعرف بابن كَحِيل التونسي القاضي المالكي.
стр. 97
كان فاضلا مفوها، طلْق العبارة، حسن المحاضرة، بهي المنظر، حسن الخبر والمخبر، والغالب عليه التصوف والصلاح.
ولد بتونس في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة؛ أخذ النحو عن أبي عبد الله ابن آجُرُّوم الصنهاجي، صاحب الآجرومية، وأبي الحسن المعروف بسَمِعْت، والمنطق والكلام على أبي عبد الله الأبي، وعن أبي القاسم البرزلي، وإبراهيم المطماطي، وأبي القاسم العبدوسي، وأبي يوسف يعقوب الزغبي وأبي عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي، والرصاع والبسيلي؛ وقد دَرَسَ عليه المنطق.
ولا ريب أن أخْذَه عن البسيلي، كان في ريعان شبابه، وهو بالبتِّ لم يستوفِ عِقْده الثالث؛ لأن البسيلي توفي في رأس الثلاثين من القرن التاسع، وعمر التجاني ٢٨ سنة.
وانتصب للتدريس بزاوية باب البحر، ثم في سنة ٨٤٦ هـ، عينه السلطان الحفصي قاضيا لركب الحجاج فزار مصر واجتمع فيها بأفاضل، كابن حجرالعسقلاني وغيره. وبعد رجوعه تولى قضاء المحلة ثم قدم للإفتاء سنة ٨٦٥ هـ. وأقام على هذه الخطة إلى أن مات. توفي على خلافٍ سنة ٨٦٥ هـ، وهي رواية الزركشي، أو سنة ٨٦٩ هـ وهي رواية السخاوي، ورجَّح محمد العروسي المطوي وبشير البكوش الرواية الأولى -خلافا لحسن حسني عبد الوهاب-، لأن الزركشي متابع للأحداث، وله اطلاع قريب على الحياة العلمية، بل يُعتبر معاصرا له، ناهيك أن عبارة السخاوي فيها كثير من الضعف "وبَلَغَنَا أنه مات قريب (كذا) سنة تسع وستين ... ".
стр. 98
وقد تعاطى صاحبنا لصناعة التأليف، فصنف ثلاثة كتب، ذكرها السخاوي، وتُنُوقِلَتْ عنه، وهي:
- متن في الفقه: سماه المقدمات، وهو في مجلد لطيف.
- كتاب في الوثائق: سماه الوثائق العصرية، وقال التنبكتي إنه كتاب في وثائق العصر، كذا.
- عون السائرين إلى الحق: وهو كتاب في التصوف.
******
تنبيه:
عدَّ محقق "التقييد الكبير" من تلاميذ البسيلي؛ ثلاثة علماء وهم:
- أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله الباجي القلشاني (ت ٨٤٨ هـ).
- أبو المواهب محمد بن أحمد بن محمد بن داود بن سلامة، ابن الحاج اليزليتني، ابن زغدان (ت ٨٨٢ هـ).
- أبو القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (ت ٨٣٩ هـ).
وبالرجوع إلى تراجم هؤلاء لم نُلْفِ ما ينص على تلمذتهم للبسيلي؛ ولعل الدكتور الطوالة اغتر بقول مترجمي هؤلاء: "أخذ عن ابن عرفة وأصحابه كالغبريني والأبي والبرزلي ويعقوب الزغبي والسلاوي ... وغيرهم"؛ "أخذ عن بعض أصحاب ابن عرفة كالبرزلي ولقي جماعة من شيوخ تونس وعلمائها ... "؛ "أخذ عن الأئمة ... "؛ ظنا منه أن البسيلي منهم بالتغليب. وغلبة الظن لا تغني من الحق شيئا.
стр. 99
المبحث السادس: تآليفه
١ - محاذي المختصر الفقهي لابن عرفة ومختصرُه:
عدا عبارة الرصاع التي أجمل فيها تواليف شيخه البسيلي: "وله تواليف عديدة وتصانيف حسنة ... "، لم يذكر أحد قط أن للبسيلي تأليفا في الفقه المالكي حاذى به المختصر الفقهي لشيخه، حتى ظفرت بقطعة من مخطوط نادر، هو إحدى ذخائر جائزة الحسن الثاني لسنة ١٩٨٤ تملكه أحد المراكشيين، ثم صور عنه شريط فلمى، لكن تصويره كان رديئا إلى حد استحالة استخلاص صورة عنه، فتجشمت قراءته بصعوبة بالغة لعله يضيف زخما جديدا إلى ترجمة البسيلي المكرورة والقصيرة.
والمخطوط من القطع الكبير، تشي فاتحته بعد التحلية، أنه كُتِبَ والبسيلي لا يزال حيا أو نُقل عن نسخة كتبت في حياته، ناهيك عن أن التحلية بإضافاتها الموضوعية المميطة للثام عن بعض الغموض المتعلق بأسرة البسيلي، تُنْبِي عن معرفةٍ للناسخ أكيدةٍ به وبأسرته.
ومقدمة الكتاب وجيزة على ما عوَّدنا البسيلي في ديباجتي النكت الكبير والصغير، أفصح فيها عن أمور تالية:
- أنه وضع تأليفا في الفقه المالكي محاذيا لمختصر شيخه، رام من ورائه شرح معانيه المستغلقة، وتوضيح قواعده الفقهية، وشرح ألفاظه وغريب لغاته، وتوجيه أقواله، والتنبيه على ما قد يكون وقع من الوهم فيه، بيد أنه جاء في مجلدات كثيرة تصرف القارئ عن العكوف عليها لطولها.
стр. 100
- أنه اختصر محاذي مختصر ابن عرفة في مجموع، شأنه في ذلك شأنه صنيعه في روايته لتفسير ابن عرفة.
تأتي ديباجة الكتاب إذن، مختصرة للغاية، متضمنة الغرض من التأليف، يتخلص بعدها البسيلي ليعرف بالمؤلف ابن عرفة: نسبه ومولده ووفاته وتواريخهما وعمره على التفصيل وموروثه وما حبس قبل موته ومبتدأ حجه ومنتهاه، ومثالا عن نظمه قرب وفاته، وتخميس ذلك النظم، وتآليفه، ومصطلحه في عزو الأقوال في المختصر الفقهي.
ثم ينتقل إلى أصل تأليفه، فيسوق بعض كلامه، ثم يشرحه أو يعقب عليه، على طريقة الفنقلة، قال فقلت.
وهذه مقدمة "مختصر محاذي مختصر ابن عرفة":
" ... بعد حمد الله كما يجب لجلاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله، خاتم رسله وأنبيائه، مُبَلِّغِ وَحْيِهِ وأنبائه.
فإنني وضعتُ تأليفا في الفقه المالكي، حَاذَيْتُ به مختصرَ شيخِنا الإمام أبي عبد الله محمد بن عرفة، مُبَيِّناً لمعانيه، موضِّحا لقواعدِه ومَبَانيه، لأقواله موجها، وعلى ما لا عاصم للبشر منه، مُنْتَبذاً فضولَ الكلام في ذلك، إلى ما تَحْوِيه مجلداتٌ كثيرة، يقصر عنها العجز البشري، ويمنع من استيفائِهَا الشُّغْل الدنيوي، فاختصرتُ من ذلك ما قيَّدْتُه في هذا المجموع. ومن الله سبحانه أسال الفوزَ والتوفيق، والهداية إلى سواء الطريق".
ويأتي بعد هذه المقدمة نصُّ التعريف بابن عرفة، حذو القُذَّة بالقذة لما ذكره في "نكت وتنبيهات" الصغير إلا أنه يضيف هاهنا ذكر تآليفه، ويُردِفُ ذلك بسَوْقِ اصطلاحِ ابنِ عرفة في عَزْوِ الأقوال في المختصر الفقهي؛ وهو اصطلاحٌ وُجِدَ بخط
стр. 101
الشيخ القاضي العلامة تلميذ المؤلف، أبي مهدي عيسى الغبريني، غير أن البسيلي يسوقُهُ دون ذكر مأخذه.
وقد كنت مجْدُوداً في العثور على نسخة من لفظ هذا الاصطلاح، مكتوب على ظهر أول ورقة من نسخة أميرية لكتاب ابن مرزوق الجد (ت ٧٨١ هـ) "الأحاديث الأربعون النبوية من رواية الخلافة العلوية" الذي تملكه ابن عرفة، وقد قابلت بين رواية البسيلي وما وجد بخط الغبريني، وخلصت إلى هذا النص:
" [واعلم أن اصطلاحَه في "مُختصره" هذا في عزْوِ الأقوال] جعْلُ أولِ الأقوال [لأول] مذكور من القائلين على الترتيب، على طريق اللفّ والنشر، فإنْ تَقَدم القائلون للقول، أتى بلفظة "مع" مصحوبةً مع أولِ قائلِ ذلك القول مخفوضاً بها القائلُ الثاني معطوفاً عليه القائلُ الثالثُ والرابع، ويُعْلَمُ انتهاءُ قائلي ذلك القولِ [إما] بأنْ يكون بإضافةِ كل المعطوفين على المخفوضِ بها يؤدي إلى بقاء بعض الأقوال غير معزو، ويترك من المعطوفين ما بقي ببقية الأقوال. على أن كل قول منسوب لقائل واحد لا أكثر.
وأما الإتيان بلفظة "مع" مرة ثانية، فيعلم أيضا انتهاء القائلين قبل القائل الذي قبلها، ويكون الحكم فيما بعدها أيضا كالأولى. وأما القرينان فهما أشهب
стр. 102
وابن نافع، لأنَّ العُتْبِيَّ قَرَنَهُما في السماع، بسبب أن ابن نافع كان أعمى، فكان أشهب هو الذي يكتب له، حسبما ذكره عياض في "مداركه". وأما الأخوان فمُطَرِّف وابن الماجشون، بسبب كثرة موافقتهما ومصاحبتهما في كتب الفقهاء كحمزة والكسائي في القراءات".
إلى هنا ينتهي نص البسيلي، ويزيد عليه مقيد الغبريني بإضافات مهمة، نوردها لمزيد الفائدة:
"والشيخ، المراد به ابن أبي زيد؛ والإمام يريد به المازري؛ والقاضي يريد به عبد الوهاب، والصقلي يريد به ابن يونس. هذا ما وجدنا من خط الشيخ القاضي العلامة تلميذ المؤلف أبي مهدي عيسى الغبريني رحمه الله تعالى".
بقي لنا أن نتساءل عن الذي حذا بالبسيلي إلى أن ينتصب لشرح مختصر شيخه، وليس لقائل أن يقول: إنه نفس ما دَرَأه إلى تدوين التفسير؛ لأننا نعرف أن ابن عرفة لم يدون تفسيرا كاملا، فكانت الحاجةُ ملحة إلى أن يُحتفظ بدروسه ضمن تأليف جامع. والواقعُ بخلافِ ذلك في المختصر، فهو تأليف مستقل لابن عرفة، واستغلاقُه من الشهرة بمكان، لدرجة أن تعقيد عبارته جعل مؤلفه يذهل في بعض المواطن عن مقصوده منها!. فظاهرٌ إذن أن مرادَ البسيلي كان تحليل التعقيد -على حد عبارة ابن غازي-، ولذلك جاء شرحه الوافي في مجلدات كثيرة يقول المؤلف عنها إنها مما "يقصر عنها العجز البشري، ويمنع من استيفائها الشغل الدنيوي".
٢ - تفسير القرآن الكريم:
كبير وصغير.
أ - الكبير:
جمعه من إملاءات شيخه ابن عرفة، وزاد عليه من كلام غيره حسبما قرره في ديباجة الكتاب، حيث قال "تفسير على كتاب الله المجيد، قصدت منه جمع ما تيسر حفظه
стр. 103
وتقييده من مجالس شيخنا أبي عبد الله محمد بن عرفة رحمه الله تعالى، مما كان يبديه هو أو بعض حذاق طلبة المجلس، زيادة على كلام المفسرين وغيرهم، وأضفت إلى ذلك في بعض الآيات شيئا من كتب التفسير".
وأغلب نسخه واقعة في مجلدين، ومنه عدة نسخ هذا تفصيل ما هو موجود منها في المكتبات؛ حسبما وقع العثور عليه:
- الخزانة العامة بالرباط:
خ ع ك - ٢٠٣٨: نسخة تامة خالية من البتر، تقع في سفرين.
خ ع ق - ٦١١: سفران يتخللهما بتر.
خ ع ك - ٢١١٨: سفر يشتمل على النصف الثاني فقط.
خ ع ج - ٣٤.
- الخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط:
خ ح - ٩٨: سفران يتخللهما بتر من آخر سورة يوسف، حتى آخر سورة الكهف.
خ ح - ٦٧٩: سفران يتخللهما البتر المشار إليه.
- خزانة الزاوية الحمزية بالرشيدية، إقليم تافيلالت:
رقم ٩٣ نسخة تامة في مجلد ضخم، بخط أندلسي، به ملزمة بخط مغربي من الورقة ٧٤٠ إلى آخر الكتاب.
стр. 104
رقم ٦٩٣ نسخة تامة بخط مشرقي.
- دار الكتب الناصرية، بتامكَروت:
النصف الثاني في مجلد، بخط مغربي مبتور الطرفين تحت رقم ٢٨٦٢.
- خزانة جامع القرويين، بفاس:
رقم ٥٣.
- دار الكتب الوطنية التونسية:
رقم ١٠٩٧٢، مبتورة الأول.
- المكتبة الوطنية الجزائرية:
رقم ٣٤٩. وذكر موقع وزارة الأوقاف الجزائرية على الإنترنت، أن بها نسخة منه في ٢٤٨ ورقة، بمقياس ٢٧ × ١٩.
- خزانة فيض الله أفندي باستانبول:
رقم ٦٤.
- قليج علي باشا، بتركيا:
رقم ١٠١.
- المكتبة الوطنية بمدريد:
رقم CCCLXXXII.
- مكتبة ممّا حيدرة بتنبكتو، بالسودان:
رقم ٢٧٧٦.
стр. 105
- الرحلة الجغرافية للتقييد الكبير:
ذكر التنبكتي أن الكتاب وقع للأمير الحفصي بعد إلحاحه على البسيلي في المطالبة به، فَبَقِيَ بيده إلى أن توفي وبِيعَ في تركته فسافر به مشتريه إلى السودان، ومن هناك انتشرتْ نسخُه.
وتتبُّعُ نسخ التقييد الكبير يؤيد هذه الحكاية؛ إذْ أغلب النسخ منه ثاويةٌ بالمغرب، بالزاوية الحمزية ودار الكتب الناصرية، الموجودةِ في خطِّ السير إلى السودان في الجنوب المغربي، وما وُجد بخزانتي الرباط وعلال الفاسي فهي نسخٌ منقولة عن المتقدمة أو هي نسخٌ مشرقية مصرية، ليس يبعُدُ أنها وردَتْ على مصر من جارتها السودان، ثم استقْدَمَها الحجاج العلماء المغاربة في حجازياتهم.
ومما يعضد كلام التنبكتي أيضا، أنني عثرتُ على نسخةٍ من البسيلي بالسودان ناقصة، في ٢٦٥ ورقة، بخط صحراوي سودانى، توجد بمكتبة مما حيدرة بتنبكتو رقم ٢٧٧٦.
ب - الصغير: نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد.
سيأتي الحديث عنه في الفصل الثالث.
٣ - شرح المدونة:
لم نعثر له على ذكر فيما وقع لنا من فهارس المخطوطات، وأظنه كبيرا، بالنظر إلى حجم "المدونة" نفسها؛ ولو لم يذكر المترجمون أنه له شرحا على "المدونة" لكان لمتصفح تفسيره المختصر أن يلحظ ذلك الاهتمام بها، والحشْدَ الوافرَ من النقول المتقَنة عنها (٣١ مرة)، خلاف ما اعتدناه على البسيلي من النقل بالمعنى.
٤ - شرح على الخزرجية في العروض:
والخزرجية هي قصيدة الرامزة في علم العروض، لضياء الدين عبد الله بن محمد الخزرجي الأندلسي (ت ٦٢٦ هـ)، عِدَّتُها ٩٦ بيتا، وفاتحتها:
стр. 106
وَلِلشِّعْرِ مِيزَانٌ تُسَمَّى عَرُوضَهُ ... بهَا النَّقْصُ والرُّجْحَانُ يَدْرِيهِمَا الْفَتَى
وهذا الشرح معدودٌ في المفقود. وإقدام البسيلي على شرحها دليلٌ على علمه بالعروض، ومشاركتِه في فنون الأدب. بلْ إنه تعاطى لصناعة النظم، فمِنْ ذلك ما ذكره عن نفسه من نظمه لقصيدةِ مديح رَفَعَهَا إلى أبي فارس قال فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطاً إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا
٥ - شرح على جمل الخونجي في المنطق:
وهذه الثلاثة التآليف الأخيرة ذكرها الرصاع تلميذ المصنف، بعد أن قال: "وله تواليف عديدة، وتصانيف حسنة".
وهناك نشاط علمي اضطلع به البسيلي غير التأليف، وهو تلك المداخلاتُ التي كان ينشط بها حلقة ابن عرفة، والتي كانت تَلْقى من ابن عرفة القبول والاستحسان، حسبما صرع المؤلف، عند قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، حيثُ رَدَّ على البيضاوي استدلاله بالآية على صحّةِ إرادته بالإغواء، بما أوردَه الفخر من أن ملازمة الشيء للشيء لا يدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، ثم قال البسيلي عقيبه: "وقد ذكرتُ هذا في مجلس درسِ شيخنا ابنِ عرفة فاستحْسَنَه".
******
تنبيه:
نسب بعض المترجِمين للبسيلي تقييدا في الوفيات؛ وليس للبسيلي كتاب في هذا الفن، والذي أوهمهم هذا الأمْرَ عبارةُ التنبكتي التالية -عند ترجمته لابن بزيزة-: "لم أقفْ على تاريخ وفاته، ثم رأيت في تقييد للبسيلي ما ملخصه: ... ". والمقصود لدى صاحب "نيل الابتهاج" هو "نكت وتنبيهات" الصغير، موضوع تحقيقنا، لا غيره.
стр. 107
المبحث السابع: علاقته بالحفصيين
شحَّتِ المصادر في هذه البابة، وكلما باليَدِ رفْضُ البسيلي تسليمَ الأمير الحسين الحفصي "التقييد الكبير" ومماطلتُه في ذلك، ثم رضوخُه وتسليمُه آخِرَ الأمر، بعد أن كلِفَتِ الرسلُ ببابه لا تَرِيم أو تعود بالطَّلِبة. وهي حكايةٌ إن لم تدُل على ما ساء مِن علاقة الرجلين -ربما بسبب المجايَلَة-، فلا أقل من إيماضها إلى ازْورار من البسيلي عن مخالطة الأمير أو قصْدِ التزلف إليه، وقد كان بمسْطَاعِهِ أن يفعل؛ وبالنظر إلى زهَادَةِ الرجل وإيثارهِ خمولَ الذكر، فقد كان عازفاً عن ذوي المناصب السياسية بإيحاءٍ مِنْ سَنَن شيخِه، ناهيك أنه أثبت -هو نفسُه- من فَلَتَات ولَفَتَات ابن عرفة في التفسير، ما يمَكنُ أن يفسِّرَ تحاشيه الأمير، فقد أورد عند قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، قولَه: "ابن عطية: احتج العلماء بها على مَنْعِ خِدْمَةِ الظَّلَمَة. قال شيخنا أبو الحسن محمد البطرني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب لهم، فقال: النظرُ في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم!. قال شيخنا ابن عرفة: يريد: إنْ كان خاصّاً بهم، كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكفار". وذلك أيضا واضح عند قوله: "وَوَقعَ لابن خليل -يعنى السكوني- في شرحه أن السلطان لو أَمَرَهُ إذا دُعي إلى معصية فإنه يجبُ اتباعه؛ وهذا خطأٌ صُراح، وحديث مسلم في كتاب الإمارة يرد عليه".
وإقراوُه بسقيفة داره كثيرا، دون المدارس الكثيرة المنتشرة، قرينةٌ على حبِّه للخمول، وتلافيه لمقاربة ذوي الأمر، سيما إذا عُلِمَ أن المدارس بمدرسيها وطلابها،
стр. 108
كانت تدين لبُناتها وأعقابهم بالجِرَايات وأسباب الإمداد، ولم يكن يدرِّسُ بها إلا من أوتي بسطةً في العلم، ورضا من السلطان، وليست البسطةُ بِشَفيع ما لم يكاتِفْها رضا.
على أن البسيلي وإن لم يتولَّ مناصب رسمية -فيما نعلمه عنه-، ولم يفارق انقباضَه عن أولي الأمر، فإن ذلك لم يمنعْه من المساهمة العلمية حين يقتضي الأمر، فقد ذكر عن نفسِه -عَرَضا- أنه شارك في مقابلة كتُب خزانة أبي فارس بجامع الزيتونة، ولم يحُلْ بينه وبين حُسن الثناء على ملوك بني حفص، وإيلائهم من الاحترام والطاعة ما يجب لأمثالهم، فهو يقول في موضعٍ من تفسيره، إثْر كلام طويل: " ... قال كاتبه -عفا الله عنه-: وهذه سيرةُ مولانا السلطان صالح السلاطين ... أبي فارس عبد العزيز بن مولانا أمير المومنين أبي العباس أحمد، في أفعالِه كلِّها مسافرا أو حاضرا -يريد بروره وقصده للخير-؛ وقد ضمَّنْتُ هذا المعنى في قصيدةٍ نظمتُها له، قلتُ فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلِّها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطا إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا"
стр. 109
المبحث الثامن: صفاته الخلقية والأعمال التي تولاها
أ - صفاته الخُلقية:
مما يشهدُ له الشرِع، وتؤيِّدُه العادة، أنَّ مَن نشأ في حِجْر نقيٍّ طاهر، وأُرْضع حُبَّ القرآنِ على صِغر، وتَنَقَّلَ في أطوار الحياة، يُسْلِمُه طوْرٌ لطور، وهو يعُبّ من حياض العلم، ويتفيؤ ظلالَ مجالسه، لا يمكن ولا ينبغي له إلا أن يكون شخصا متخلِّقا أُشْرِبَ حب الدين، وبدا ذلك في سلوكه، وصار سمة لازبة له؛ والبسيليُّ لم يعدم الأصل الطيّب، فقُعْدُدُ نسبه يزدان بصدور العلم، ورجال المحاريب، وهو نفسُه قد فتح مغاليق عينيْه وهو في المكتب يحفظ القرآن ويجوده، وقد أنفق بعْدُ شطرا من عمره يلزم ابنَ عرفة -يقرأ ويقرئ-، فلا بِدْعَ أن يكون صاحبُنا كما وصفه تلميذه وأعرف الناس به، أبو عبد الله الرصاع، حيث قال: "وكان شيخنا هذا عالما ... عليه وقار ... كثير الصمت، قليل الخوض فيما لا يعني؛ عليه آداب العلم من وقار وسكينة".
صفةٌ أخرى، لا تخطئُها العين في تلافيف كتاب البسيلي، وهي إنصافُه البالغ، وذلك داعيه -مثلا- إلى أن يخلع صفة الحذق على قرين له في الطلب، حين أنشدَه تخميسا لأبيات للأبي في ابن عرفة. وحاديه إلى أن ينقل عن تآليف مخالفي ابنِ عرفة، دون أن يكون لما شَجَرَ بينهما دخلٌ في الاستفادة العلمية، كنقْلِهِ عن الضرير المراكشي، وابن خلدون.
стр. 110
وليس يخفى على القارئ اللبيب نزوعُ صاحبنا إلى التصوف، وتبجيلُه الجلي للقوم، فهو يحكي عن أبي محمد المرجاني، وأبي الحسن المنتصر، بلفظ سيدي. ويصِفُ المتصوفَ أبا محمد عبد العزيز المهدوي بالشيخ الصالح العالم، وهي أوصاف لم يُحَلِّ بها غيرَ شيخِه وعمِّه. بل إنه لَيَعتقد فيهم اعتقادا لا يخامره ريب، وينقل حكاياتهم من غير توقف؛ فقد قال عند قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقيَةٍ﴾:
"فإنْ قلت: قد قيل إن هذه الهيئة العادية، التي عند قرطاجنة، من بناءاتهم؛ وقد أَخْبَرَ سيدي محرز في "كتاب كراماته" أنه التقى عند المعلقة بالخضر ﵇ فأخبره بذلك، وبأشياءَ من أمورها غير واحدة". قلت: ليس على الله بمستكثر أن يخص من يشاء أنى شاء بما يشاء من مواهب الفيوضات، وفتوحات الغيب، ولكن حكايات الصالحين وكرامات الأولياء رضوان الله عليهم، لا تصلح دليلا على كلام الله، ولا حجة يستنصر بها المتأول لمعاني الذِّكر.
ْوهو بعدُ ينقل عن أصولٍ للتصوف، كرسالة القشيري وحلية أبي نعيم، وإحياء الغزالي؛ بل إنه لينقل نصا طويلا عن أبي مدين شعيب الأندلسي -أحد القائلين بوحدة الوجود-، وينشد أبياتا تنسب للشوذي المتصوف الغالي، صاحب النحلة.
следующие страницы →