Полный текст (111 стр.). Показаны 106–111 · переход к 111.
стр. 106
وأما من جهة المعنى فقد أتاهم بمعنى غريبٍ دقيقٍ مقتبَسٍ مما يُقَرِّرُه المتكلمون في الكَسْب، وهو قولهم: "إنَّ الفعلَ يحصل عند المقدرة لا بها".
وقد روي أن عمر ﵁ كان هَمَّ أن يخطب الناس في الحج في أمر الخلافة لَمَّا بلغه أن امرأً قال: لئن مات عمر لأبايعنَّ فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكرٍ إلا فَلْتَةً فتمَّت. فقال له ابن عباس ﵄: "يا أمير المؤمنين: إنَّ الموسم يجمع رَعَاع الناس، فربما سمعوا منك الكلمةَ فيُطَيِّرُوها عنك كلَّ مَطِير، فتربَّصْ إلى أن ترجع إلى المدينة فتخلُصَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ وأهل العلم". فرأيُ حَبْر الأمَّة وموافقة عمر ﵄ أَدَلُّ دليلٍ على أنَّ من الأغراض ما يُضَنُّ به عن غير أهله، وفي الحديث: "لا تؤتوا الحِكْمَة غيرَ أهلِها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتُضيعوها" فبذلك فلتقتدوا.
стр. 107
ومثل ذلك يقال في أساليب تنسيق الخطب على حسب الأغراض، فلكلِّ غَرَضٍ لهجةٌ ونَسَقٌ، فليست خطبةُ الجمعة كخطبةٍ في حفلةٍ سياسيةٍ أو أدبيةٍ، ولذلك يحسُن التأنُّق في بعضها والبَسَاطة في بعض، كما أنَّه يحسن الإرسال في بعضها ويحسن السجع في بعض. وقد تتبعت ما استطعت مواقع السجع في الخطب النبوية، وخطب فصحاء العرب في الجاهلية والإسلام، فرأيت مواقع السجع عندهم في حيث يُراد الحفظ للقول، كالوصايا والآداب والخطب الأدبية والعلمية، ويُرشِد إلى هذا ما روى الجاحظ عن عبد الصَّمد بن الفضل بن عيسى الرّقاشي أنه قيل له: لِمَ تؤثر السجع على المنثور؟ فقال: "لو كنتُ لا آمُلُ إلا إسماع الشَّاهد لَقَلَّ خلافي عليك، ولكني أريدُ الغائب والحاضر، والرَّاهن (الحال) والغَابِر (المستقبل)، فالحفظ إليه (أي السجع) أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحقُّ بالتَّقييد وبقلة التفلُّت". وعندي أنَّ هذا هو مراد الشيخ عبد القاهر بقوله في مقدمة كتابه (أسرار البلاغة) حيث قال: "إنَّ الخطب من شأنها أن تُعتمَد فيها الأوزانُ والأسجاعُ، فإنها تُروى وتُتَنَاقل تَنَاقُلَ الأشعار". وليس مراده أنَّ تناقل ذلك شأن الخطب كلِّها، لِمَا هو معلومٌ لا يفوتُه من أساليب خطب العرب وخطب الصَّدر الأول، ولذلك كان مقام السَّجع كل مقام يحضر للقول من قبل، فقد رأينا العَرَب لم تكن تحفل بالسجع إلا هنالك، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة التي خطبها في سوق عكاظ وهي مشهورة.
وكلُّ مقام يظهر فيه الارتجال لا يتأتَّى فيه السَّجع، فيحسُن حتى بالمولدين أن يتجنَّبوه هنالك، وإن كانوا لا يتكلمون إلا بِتَرَوٍّ سابقٍ، ولذلك لا تُعَدُّ خطبةَ منذر بن سعيد البلوطي التي ارتجلها في مجلس
стр. 108
الأمير الناصر بقرطبة -حين وَفَد رُسُل مَلِك الروم، وحين أُرتِج على أبي علي القالي- إلا من حُسْن استعداده للحوادث، وعِلْمِه بأنَّ من عُيِّن للخطابة لا يُحسِنُها. وقد قدمنا في فن الإنشاء طرفا من هذا.
هذا ومما يلتحق بالكلام على نَسْج الخطب: اشتمالُها على شيء من الشِّعْر، وكان ذلك قليلاً عند العرب، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة؛ إذ ختمها بأبيات، وكما في خطبتين لسيدنا علي ﵁ تمثَّل في إحداهما ببيت للأعشى، وفي الأخرى ببيت لدريد بن الصِّمَّة، وكذا خطبة عبد الملك المتقدِّمة، فإنه ذكر في آخرها بيت النابغة.
وقد أكثر صاحب المقامات في خُطَبه المذكورةِ فيها من ذِكْر الشِّعْر، ولا شَكَّ أن غرضَه منه إدخال طريقة جديدة في الخطابة، إلا أنه لم يُتَابَع عليها مِنْ أحد، فلم يزل ذِكْرُ الشِّعر في الخُطَب قليلاً جاريًا مجرى التَّمَثُّل.
стр. 109
التدرُّب بالخَطَابة
قد قَدَّمْنَا في قسم الإنشاء أنَّ أَجْدَرَ بالغٍ بالمَرْء إلى إتقان هذه الصِّناعة هو التدَرُّب والتمرُّن، ولا شكَّ أنَّ الخطابةَ إلى ذلك أحوج، وهي به أعلق، فإنَّ لصاحبها فضلَ احتياجٍ إلى بَدَاهَة القول وحُسْن العِبَارة، ولا يكاد ينال ذلك إلا بالتمرُّن عليها، وإلا كان عَالةً على ما حَرَّره المتقدمون، أو التزم كُلَيْمَاتٍ يُعِيدُها أينما حَلَّ، وقد حكى الجاحظ عن محمد بن سليمان أنه كان ملتزمًا خطبةً يوم الجمعة لا يغيِّرها.
ويظهر أن أصول التدرب على الخطابة خمسة أمور:
أولها: ضَبْطُ الغَرَض المرادُ التكلُّم فيه، وذلك بتصوُّرِه وتصوُّرِ الغاية منه، وحسن تفهُّمِه، وإتقانه، والإحاطة بِمُهِمِّ ما ينبغي أن يقال فيه من المعاني، ولا يهتم بالألفاظ إلا بعد ذلك؛ لأنَّه إن ابتدأ بانتقاء الألفاظ ضاعت عنه المعاني.
ثانيها: التَّكرير؛ ليرسخ، إما بإعادة الفكرة فيه المرَّة بعد الأخرى، وإما بمذاكرة الغير فيه، والتنبُّه لِمَا عسى أن يكون قد أغفله؛ فإنَّ ما بين الرأيين رأيًا، ولأنه بالمذاكرة يرى المتكلِّم هل بلغ إلى حَدِّ
стр. 110
التأثير في السامعين حتى إن لم يَرَ منهم التأثيرَ عَلِمَ أنه لم يُتقِن الغرض، ولم يَقتُلْه تعبيرًا.
ثالثها: اختيار ساعة نشاط البال، كما ذكر أبو هلال العسكري، والجاحظ عن بشر بن المعتمر أنه قال لمن عَلَّمه الخطابة: "خُذْ مِنْ نفسِك ساعةَ نشاطِك، وفراغِ بالك، فإنَّ نفسَك تلك الساعة أكرمُ جوهرًا، وأشرفُ حَسبًا، وأحسن في الأسماع، وأسلم من فاحش الخطأ. واعلم أنَّ ذلك أجدى عليك مما يُعطيك يومُك الأطولُ بالكَدِّ والمطاولة، ومهما أخطأَكَ لم يُخطِئْكَ أن يكون مقبولاً وخفيفًا على اللسان، كما خرج من يَنْبُوعِه، ونَجَم من مَعْدِنِه". رابعها: تدريبُ القُوَّة الذاكرة، وذلك بتجنُّبِ الاعتماد على الكتابة بقدر الاستطاعة، وقد يعسُر ذلك على المَرْء بادئَ بَدْءٍ فَيُغْتَفَرُ حينئذٍ الاعتمادُ على الكتابةِ، على شَرْطِ أن يأخذَ في الإقلالِ عن الكتابة تدريجًا، فيكتب عُقَدَ الموضوع كالفِهْرس، ويشير عندها إلى خُلاصَة الأمثلة، وإذا أخذ في استحضار أوَّل خُطبته فإنه إن استرسل فيها جَاءَتْه البقيَّةُ طَوْعًا، ومع ذلك فقد قيل: إنَّ الذي يعتمد على ذاكرته تُلَبِّيه مُسْرِعةً. وإذا قُدِّرَ لبعض الخطباء كتابةُ مفكِّرَاتِ الخطبة، فمن المستحسَن أن لا يُحضِرَها معه وقتَ الخطابة، ولكن من الخطباء من يضطرُّ إلى ذلك لِضَعْفِ ذاكرتِه، ولا ضَيْرَ في ذلك إذا لم يَكْثُر تردُّدُ بَصَرِه عليها.
خامسها: المواظبَة، فيُشترَط في الخطيب أن يكون غيرَ هَيَّابٍ ولا وَجِلٍ من تكرير التكلُّم، وعَدَمُ الاكتراث في أول الأمر بالإِجَادَة، وقد عَرَفْتَ ما نُقِل عن عمرو بن سعيد الأشدق، وعن ديموستين -الخطيب اليوناني- إذ كان كلٌّ منهما في أوَّلِ أمرِه عَيِيًّا فعَالَجَ بالمواظبة
стр. 111
والتدرُّب حتى صَارَ أفصحَ خطباءِ زمانِه.
هذا غايةُ ما تعيَّن تحريرُه من فَنِّ الخطابة لأبناء الأدب السَّاميةِ هِمَمُهُم لمراقي الفنون، الأبيةِ نفوسُهم من الاقتناع بالدُّون، فإذا انعطف عليه صِنْوُه السَّالف، والتفَّ به التفافًا يبسُط ظِلَّه الوارف، جاء بحمد الله تعالى كتابًا وافيًا بما لا غِنَى عن معرفته للمنشئ والخطيب، كافيًا عن مطوَّلاتٍ بِلَمْحَةٍ تُغنِي اللبيب.
***