← Адаб

Адаб · id 17321

أصول الإنشاء والخطابة

ابن عاشور

Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فنُّ الخَطابَة

стр. 72

ما هي الخطابة ؟ إن الخطابة وإن كانت فنًّا من فنون الإنشاء، وكانت القواعدُ المتقدمة والشروط المقررةُ مطردةً فيها لا محالة، غيرَ أنَّ صاحبها لما كان أشدَّ اعتمادًا على البَداهة والارتجال منه على الكتابة، تعيَّن أن يُذكَر لها من الضوابط والشروط ما لا يجري مثله في عموم صناعة الإنشاء، كما كان للشعر من الضوابط ما يختصُّ به عن الإنشاء، وإن كان هو في الأصل فنًّا من أفانينه. ولقد رأينا من المتقدِّمين ممن ألَّف في صناعة الإنشاء لم يُعَرِّجوا على ذكر ما هو من خصائص الخطابة؛ حتى إنك لتجد شيئًا من قواعدها في خلال مطوَّلات كتب المنطق، ولا تجد ذلك في كتب الأدب، غيرَ أنَّ المناطقة خَصَّوها بضَرْبٍ من ضروب الحُجَّة، وهو ما يتركَّب من قياسات مظنونةٍ أو محمولَةٍ على الصِّدق، وأما المعنيُّ بها عند علماء الأدب فهو شامل لجميع أقسام الحجة؛ إذ الخطيب قد يأتي بجميعها وإن كان الغالبُ عليه بيانَ القياسات المظنونة؛ إذ هو لا يتعرض للقطعيَّات إلا عند الاحتجاج بها، ولا يتعرض للشعر والسَّفْسَطَة إلا نادرًا؛ لئلا يعرِّضَ نفسه للتكذيب أو الاستخفاف.

стр. 73

فيمكن أن نعرِّفها بأنها: كلامٌ يحاوَلُ به إقناعُ أصناف السامعين بصحَّة غَرَضٍ يقصِدُه المتكلِّم لفِعْلِه أو الانفعالِ به. فقولنا: (كلام) خرجت به الرسائلُ العامة، والمكاتيب، والتقاليد الموجَّهة للبلدان، وشمل ذلك الكلام المنظوم والمنثور؛ إذ يجوز أن تشتمل الخطبةُ على نَظْم، أو يكون جلُّها نظمًا _كما سيأتي _. وقولنا: (يحاول به إقناع أصناف السامعين) يخرجُ التدريس؛ فإنه كلامٌ يحاول به إقناع صِنْفٍ واحد من السامعين، وهم طلبة فنٍّ خاص في موضع خاص، ولا يُسمَّى ذلك في العرف خطابةً ولا صاحبُه خطيبًا، وإن كان له عونٌ كبيرٌ على مَلَكَة الخطابة، وتعلُّقٌ شديدٌ بأصولها. ويخرج ما يخاطَب به شخصٌ واحدٌ، كالمناظرات العلميَّة، ومُرَافعات الخصوم والوكلاء لدى القضاة؛ فإنها لا تُسمَّى خطابةً عرفًا، وإن كانت شديدةَ التعلُّقِ بقواعدها، وفي الحديث: "ولعلَّ بعضَكم يكون ألحنَ بحجَّتِه من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع". وقولنا: (بصحة غَرَضٍ يقصده المتكلم) نريد منه التعميمَ ليشمل كلَّ غرض تصَدَّى الخطيب لترويجه، سواء كان المراد حَمْلَ الناس على فعله، كالحثِّ على طلب العلم والجهاد، أم اعتقادَهم صوابَه كالخطبة في إرضاء الناس بأمر واقع، ويشمل ذلك الخطبَ التي يَرُدُّ بها الخطيبُ على الغير، أو يعتذرُ بها عن فعله أو فعل غيره، أم الكفَّ عن فِعْلٍ كالمواعظ وتسكين الثورات، أم تحصيلَ عِلْمِهم به كالخطب التي تُقَال على ألسنة الملوك والرؤساء لإعلامٍ بقانون أو فَتْحٍ أو نحو ذلك، ويشملُ ذلك

стр. 74

التعليمَ الذي يتعرَّضُ له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يُتعرَّضُ فيها لتعليم بعضِ الواجبات، فإنَّها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علميَّة، ولكن بوصف تعليماتٍ عامَّةٍ تستوي فيها الناس، أو بوصف التنبيه على تركها وإهمالِها، وبهذا الاعتبار تصيرُ غرضًا للمتكلِّم يحاولُ الإقناعَ بصحته. ويخرجُ بها ما يُقرأ على المنابر من عقود البيعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد فلا تُسمَّى خُطبًا، وإنما القصد من ذلك إشهارُها وإعلانُها. وقولنا: (لفِعْلِه أو الانفعالِ به) إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخَطابة، وهي إما فعل المخاطبين شيئًا يريده أو اعتقادهم شيئًا يُعلِمُهم إيَّاه. وقد انطبق التعريف على المعرَّف.

стр. 75

منافع الخطابة إن الخطابة ركنٌ عظيمٌ من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيب الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جَأْشِهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء، وبها تحصل مُحَاجَّة المموِّهين عليهم والمعنِّتين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفرادٍ لا تبلغ عقولُهم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تِلقاء نفسها إلى الغايات الحقيقية، فناسب أن يُعدَل عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهورات الموصِّلة إلى ما يوصِّل له البرهان ولو خالفته في الطريق، وقد يخاطِب الخطيب قومًا من الخاصة إلا أن المَقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقِصَر الوقت واحتياج البرهان إلى طُولٍ، وإما لأنَّ في البرهان خَفَاءً وتدقيقًا وتفاوتًا في قَبول الناس له، أو مُكَابرةً في الاعتقاد فيُصَار إلى الإقناعيات والتمثيلات والمسلَّمات لتُمْكِنَ

стр. 76

معارضة الخصم الألدِّ وإيقاظ الغالط الغافل، فلذلك كان الخطيب في حاجةٍ إلى معرفة محاسن الأشياء وأضدادها ليتوسَّل بذلك إلى مناقضة ضَالٍّ مروِّج أو إرشاد جاهل غيرِ متيقِّن. وحسبك من منفعة الخطابة أن الله تعالى شرع لنا الخطبة عند كلِّ اجتماع مهم من جُمُعة وعيد وحج، وذلك أنَّ النُّفوس تميل في طِباعها لمتابعة الشهوات وتتجهَّم الاتِّباع لمقتضى الأخلاق الفاضلة، فإذا لم تتكرر عليها الدعوة إلى الفضائل بالخطب غلبت عليها أضداد الفضائل والعدالة، وليس كلُّ صِنْفٍ من أصناف الناس بصالحٍ لتلقِّي ذلك وحدَه من مطاوي كتب التهذيب وأوراق الحكمة، ولا كلُّ صالحٍ لذلك بفاعلٍ، فلا جَرَم وجبَ التذكير عند المجتمعات العامَّة لأنها تحشُر أصناف الناس. ولقد كان الشعرُ أغلبَ على العرب، وكان الشاعر مُقدَّمًا عندهم على الخطيب في الجاهلية -كما قال أبو عمرو بن العلاء- لفَرْط حاجتهم حينئذٍ إلى الشعر الذي يُقيِّد عليهم مآثرهم، ويفخِّم شأنهم، ويُهَوِّل على عدوِّهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مَكسِبةً وتسرَّعوا به إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، ومع ذلك فلم يُحفظ من خُطَبهم شيءٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الشعر كان أسرعَ إلى الحفظ وأعلق بالذهن، ولما جاء الإسلام وتأسَّس الدينُ ارتفع شأن الخطابة، وقُيِّدت آثارُها بشيوع الكتابة.

стр. 77

أصول الخطابة اعلم أن أصول الخطابة من حيث إنها كلامٌ مُنشَأ لا تفارق الأحوالَ الثلاثة التي شرحناها في كيفية إنشاء المعنى من القسم الأول في الإنشاء، وهي: المعنى الأصلي، وتفصيله، وإيضاحه، المشار إليها بقول ابن المعتز: "البلاغة: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وحَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أَعمَلَ فيه الفِكْرَ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها". وكل ذلك محتاجٌ إلى طبع سليم، فقد قال أبو داود بن جرير: "رأس الخطابة الطبع"، =ولكن الذي يختلف هو كيفية التفصيل والتنسيق، وكيفيةُ الإيضاح والتعبير، فأما كيفية التفصيل فسيأتي جلُّها في معرفة أركان الخطبة، وأما كيفية التنسيق فهو في الخطابة: أن يتمكن الخطيب من الموضوع الذي يتصدَّى للتكلُّم فيه، ويجمعَ أصولَه ويستحضر غايته والغرضَ الذي يرمي إليه، ويتصوَّر ذلك بوجه مجمل،

стр. 78

ثم يأخذ في تفريعه قبل التكلُّم لكيلا يُرْتَجَ عند الشروع، ثم إنه يُحسِن ربطه ويناسب في الانتقال لكيلا يَشِذَّ عليه وقتَ الاشتغال بالتكلم بعضُ ما كان أعدَّه، فإن لوقت التكلم ضيقًا غيرَ ما يكون من السَّعَة في حال التفكر، فإذا أَخَذ بعضُ المعاني بأيدي بعض، وحَسُن رَبْطُ بعضه ببعض، كان أسهلَ استحضارًا وأقربَ تناولاً للسامع والناقل؛ لأنَّ بعضه يُذَكِّر ببعض، ومن هذا ما يُعبَّر عنه بـ (حُسْن التخلُّص)، ثم يَعقُب ذلك تقريرُ المعنى -على حسب ما تقدم في نقد المعاني- ثم الاستدلال عليه، وذلك لا يعسُر على الخطيب إن هو أحسن تنسيقَ أصول خطبته؛ لأنه يتمكَّن منها كمال التمكُّن. ثم إن الخطيب لا يستغني عن الاستكثار من استحضار معانٍ صالحة في أغراض شتَّى يحتاج إليها في الاستدلال على فضل شيء أو ضدِّه؛ لتكون له عونًا عند الاندفاع في الخطابة، وتخفيفًا عن ذهنه من شدة التحضير، ولأنَّه إن لم ينفتح له بابُ القول في غَرَضٍ ارتجاليٍّ يأخذْ من تلك المعاني ما يدفع عنه عيبَ الإرْتَاج والحُبْسَة، وقد روي أن عثمان ﵁ لما قام عندما بويع بالخلافة أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فإنَّ لكل قادمٍ دهشةً، وأنتم إلى إمامٍ فعَّال أحوجُ منكم إلى إمامٍ قوَّال، وإن أَعِشْ فستأتيكم الخطبُ على وجهها". وكذلك روي أن داود بن علي قام للخطبة، فلما قال: (أما بعد) أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فقد يجِدُ المُعسِرُ، ويُعسِرُ الموسِرُ، ويُفَلُّ الحديد، وإنما الكلام بعد الإفحام

стр. 79

كالإشراق بعد الظلام. وقد يَعزُب البيان، ويَعتَقِمُ الصَّوابُ، وإنما اللسان مُضْغَةٌ من الإنسان، يَفْتُر بفتوره إذا نَكَل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنَّا لا ننطِق بَطَرًا، ولا نَسكتُ حَصَرًا، بل نسكت معتبرين، وننطِقُ مرشِدين، ونحن بعد ذلك أُمَرَاءُ القولِ، فينَا وَشَجَت أعراقُه، وعلينا عَطَفَتْ أغصانُه، ولنا تهَدَّلتْ ثمرتُه، فنتخيَّرُ منه ما احْلَوْلَى وعَذُب، ونَطِّرِحُ منه ما امْلَوْلَح وخَبُثَ، ومِنْ بعدِ مقامِنا هذا مَقام، ومِنْ بعد يومنا أيام". فبذلك كان في إرتاجه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب لسكت وحُبِسَ لسانُه. ولا بد للخطيب من التنبُّه إلى مواقع النقد والاعتراض، وهي الأشياء التي يظنُّ أنَّ في السامعين من ينكرها؛ لمخالفة اعتقادٍ أو مخالفة هوى، فيَعُدُّ ذِهْنَه للجواب عنها، وقد قيل: إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان قد أعدَّ لكل حادثةٍ جوابًا. وسيأتي بيانٌ لذلك في الكلام على الخطيب. وأما كيفية الإيضاح والتعبير فقد قال أبو هلال العسكري: "الرسائل والخطب مُتشَاكِلَتَان في أنهما كلامٌ لا يلحقه وَزْنٌ ولا تَقْفِيَة،

стр. 80

وكذلك من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظُ الخطب تشبه ألفاظ الكِتَاب في السهولة والعذوبة، وكذلك فواصل الخطبة مثلُ فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة يُشافَه بها بخلاف الرسالة". وقال في الباب الرابع: "أجناس الكلام ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشِّعْر، وكلُّها تحتاج إلى حُسْن التأليف وجودة التركيب". وعليه فكل ما قررناه في قسمي الإنشاء المعنوي واللفظي يجري بعينه ها هنا. ولم نزل نرى الخطابة والكتابة يجريان على سَنَنٍ واحد في اللهجة، ويتلوَّنَان تبعًا لأذواق العصور المختلفة بلونٍ واحدٍ، إلا أنه لا بد لنا من إيضاح الفرق بين الرسالة والخطبة الذي أشار له أبو هلال بقوله: "الفرق بينهما أنَّ الخطبة يُشَافَه بها بخلاف الرسالة" لكيلا يَظُنَّ الواقفُ عليه أن ذلك قُصَارى الفَرْق، وإنما هو يَنْبُوعُ فروقٍ كثيرة؛ إذ لا يخلو حال الكلام المشافَه به من مخالفةٍ لحال الكلام المكتوب المبعوث به، وقد حَضَر لنا من ذلك فروقٌ كثيرة: أحدها: أن الخطابة يشافَه بها جمعٌ من الناس، فهي من هذا الوجه أولى باستعمال الألفاظ السهلة التناول للجمهور، مع بَسَاطة المعاني وقلة تركيبها والإغراب فيها. ثانيه: أنها لذلك يجب أن تكون جُمَلها شديدةَ الارتباط قريبةَ التآخي، بحيث لا يحسُن فيها تطويلُ الاستطراد ولا بُعْدُ مَعَاد الضمائر والإشارات ونحوها؛ إذ ليس لذهن سامعِها من التمكُّن في التفهم ما لذهن قارئ الرسالة. ثالثها: أن السجع الذي هو فنٌّ من فنون الإنشاء لا يحسُن كلَّ

стр. 81

الحُسْنِ في الخطابة، خصوصًا الخطابة التي تُقَال لجماهير الناس وعامتهم؛ لأنَّ السجع لا يخلو عن تكلُّف ألفاظٍ تحجُب ذهن السامعين عن كمال فَهْم المعاني، فإن اغتُفِر فيها السجعُ فإنما هو ما يقع عَفْوًا بلا تكلُّف، أي السجع الذي يطلبُ المتكلِّمَ لا الذي يطلبُه المتكلِّمُ. رابعها: أن الخطابة لَمَّا كان شأنَها الارتجالُ -ولو كانت مُحَضَّرةً أو مُنقَّحَةً، فينبغي أن تكون صورتُها صورةَ الارتجال- فلذلك كانت جديرةً بطرح كلِّ ما تُشَمُّ منه رائحةُ التصنُّع. نعم، لا نجهل أنَّ الخطابة ضَعُف التَّبْريزُ فيها من أواسط القرن الخامس شيئًا فشيئًا، وصارت الخُطَب مهيَّئةً من قَبْل إلقائِها، وصار الخطباءُ يلقونَها من الأوراق فمالوا فيها إلى المحسِّنات اللفظية التي غلبت على إنشاء تلك العصور فما دونها، إلا أنَّ تَكاثُرَ ذلك لم يَحُلْ بصاحب الذوق السليم مِنْ أن تُخَالجه السَّمَاجةُ عند سماعها، وهذا هو الذي أيقنَنَا بأنَّ كثيرًا من الخُطَب المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ ﵁ في كتاب (نهج البلاغة) هي من موضوعات أدباء الشيعة، وإن شئتَ مثالاً لهذا وذاك فدونك الخطبَ النبوية

стр. 82

وخطب فصحاء العرب، ثم انظر الخطب المنبرية المجموعة في الدواوين كخطب ابن نباتة، والخطب التي تضَمَّنَتْهَا المقاماتُ الحريريَّة. ولتمام الاستعانة على التنسيق والتعبير اللذين هما ملاك أصول الخطابة تعيَّن على الخطيب التملِّي من رواية أقوال الخطباء؛ فإنَّ في ذلك معرفةً لمعانٍ جامعةٍ وألفاظ بارعةٍ، وقد نقل الجاحظُ عن أبي داود بن جرير أنه قال: "رأسُ الخطابة الطَّبْعُ، وعَمودُها الدُّرْبَة، وجَنَاحاها روايةُ الكلام". وذلك ليعتادَ سهولةَ التعبير.

стр. 83

كما لا غُنْيَة للخطيب عن معرفة أحوالِ الأمم ومحامِدهم ومَذَامِّهم؛ فإن ذلك مما يعرِض للخطيب، ويُعِينُه على التكلُّم في المجامع؛ ليأخذ من ذلك أمثالاً صالحةً أو تحذيراتٍ نافعةً، ولأنه يستعين به على تأييد أنصارِه أو الحَطِّ من أعدائهم، وقد حَضَر الخطيبُ خالد بن صفوان الأهتمي بمجلس أبي العباس السَّفَّاح، ففخر عليه ناسٌ من بَلْحارث بن كعب، وأكثروا في القول، فقال له السَّفَّاح: مالك لا تتكلم؟ فقال له: أخوالُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال له: فأنتم أعمامُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال خالد حينئذٍ: وما عسى أن أقول لقومٍ كانوا بين نَاسِجِ بُرْد، ودَابغِ جِلْد، وسَائِسِ قِرْد، وراكب عَرْدٍ (الحمار)، دَلَّ عليهم هدهد، وغَرَّقَتْهُم فأرة، ومَلَكتهم امرأة". أشار إلى أنهم من بقايا سَبَأ. وقد قال فيه مَكِّيُّ بن سَوَادَة -الشاعر، وجَمَع في شِعْره ما يلزمُ الخطيب-: عَليمٌ بتنزيلِ الكلامِ مُلَقَّنُ ... ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاهُ أوَّلَ أوَّلا يَبُذُّ قَريعَ القومِ في كلِّ مَحْفِلٍ ... وإن كان سحبانَ الخطيبَ ودَغْفَلا ترى خُطَباءَ القومِ يومَ ارتجاله ... كأنَّهمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلا

стр. 84

وكذلك معرفة ما يكثرُ الدعاء إليه مثل منافع المَدَنِيَّة ومنافع التعليم، ومثل استحضار الخطيب السِّيَاسيِّ لعلائق الأمم وتواريخ حوادثها، ولذِكْرِ مفاخر أمته ودولتها، واستحضار ما يَذُبُّ به عن سياستِه ممن يَنتقِدُهَا.

стр. 85

الخطيب يتعلق الكلام على الخطيب بأمرين: أحدهما: شروطه. وثانيهما: عيوبُه. لتحصل من معرفتِهما ما يجبُ اتِّبَاعه، وما يتعين عليه تركُه. أما شروطُه فكثيرةٌ: منها: ما يَرجِعُ إلى ذِهْنِه. ومنها: ما يرجع إلى ذاته. فأما شروط الخطيب الراجعة إلى ذِهْنِه فقد أرجعها أرسطو في كتابه في الخطابة إلى ثلاثة أشياء -هي كالأصول لها-: أولها: معرفة الأقوال التي يحصل بها الإقناع. وثانيها: معرفة الأخلاق والفضائل الذاتية. وثالثها: معرفة الانفعالات، ومِنْ أيِّ شيءٍ تكون. ونحن نزيدها رابعًا وهو قُوَّة البَدَاهة في استحضار المعاني. أما الثلاثة الأُوَل فقد شرحها ابن رشد في تلخيص كتاب أرسطو بعض الشرح، ونحن نزيدها بيانا فنقول: أما معرفة الأقوالِ المُقْنِعَة فالمراد بها معرفة الأَقْيِسَة الخطابيَّة، وذلك يحصل من التمييز بين الأقيسة الصحيحة، والكُلِّيات وجزئياتها، والصادق والكاذب، ومراتب أنواع الحُجَّة، وذلك مما دُوِّن له علمُ المنطق، ولا نريدُ معرفتَه بصناعة المنطق؛ إذ قد كان الخطباءُ خطباءَ قبل تدوينِه، ولا يزال الخطباءُ خطباءَ ومنهم من لم يخطُر المنطق بباله، وإنما المراد أن تكون له مَلَكَةُ التمييز، سواء حصلت تلك المَلَكَة من سلامة

стр. 86

الفِطْرة وأصَالة الرَّأي، أم من مُزَاولة الفنون الحِكْمِيَّة، ويُلحَق بذلك معرفةُ الحقِّ والباطل، والمقبول والمردود، والصَّريح والخفي، والظاهر والمُؤَوَّل، ونضربُ لذلك مثلاً وهو كلما كان القولُ أعمَّ معنى كان أكثرَ تأتِّيًا لأن يُستعمَلَ في مواطن كثيرة، وكلما كان أخصَّ كان أوضحَ دِلالةً وأقربَ تناوُلاً، ولكلٍّ مَقَامٌ ووقتٌ ومخاطَبٌ، وهكذا معرفةُ العِلَل والغايات. وقد تقدم في جزء صناعة الإنشاء المعنوي من ذلك مَقْنَعٌ، وفي مُمَارسة علوم البلاغة والمنطق منه مَبْلَغٌ. وأما معرفة الأخلاق والفضائل فالقصدُ من ذلك التمييزُ بين ما هو فضيلةٌ وضدِّه من الأفعال، ومعرفة محاسِن الأخلاق ومساوئها، فإن بمعرفة ذلك تحصيل غرضين مهمين: أحدهما: رياضة الخطيبِ نفسَه على التَّحَلِّي بتلك الفضائل. وثانيهما: معرفتُه ذلك من حال المخاطَبين؛ ليلقي لهم الكلام على قَدْر احتياجهم وبقدر ما تَهيَّأَت له نفوسُهم. وكأنَّ هذا الثاني موجِب اشتراط الاستيطان في خطيب الجمعة عند مَن اشترطه. واعلم أن الخطيب لا غِنَى له عن معرفة أضداد الفضائل أيضًا؛ إذ قد يدعوه الحالُ إلى بيانها إما لِذَمِّ ما تشتملُ عليه وتُؤثِرُه، وإما لمعرفة ما فيها من منافع قليلة؛ لئلا يَبْهَتَه بها مَنْ يريدُ التَّضليلَ بترويجها، فإذا كان

стр. 87

عالمًا بتفاصيلها لم يعسُر عليه تفنيدُ من يضلِّلُ بها، وفي ذلك أيضًا عَوْنٌ على الدِّفَاع عن مُرتكِب هَفْوةٍ وصاحب فَلْتَة. وقد يكون الشيءُ نافعًا في وقتٍ، وضدُّه نافعًا في آخرَ، كالشَّجاعة وقت الحَرْب، والأَنَاة وقت السِّلْم. وأما معرفة الانفعالات ومَنْشَئِها فهي من أكبر ما يعتمدُ عليه خطيبُ القوم؛ إذ به يُمَيِّزُ بين ما تنفعلُ به نفوس العامة، وما تنفعلُ به نفوس الخاصة، وما هو مُشترَكٌ بينهما، وبين أنواعِ الانفعالات خيرِها وشَرِّها، وقوَّتِها وضعفِها، وما هو مقبولٌ وما هو مردود. وقد تَعَرَّض أرسطو إلى ذلك بما عَبَّر عنه بـ (إثارة الأهواء) فقال: "إنها انفعالات في النَّفْسِ تُثِيرُ فيها حُزْنًا أو مَسَرَّةً". وقال أفلاطون: "لكلِّ أمرٍ حقيقةٌ، ولكلِّ زمانٍ طريقةٌ، ولكلِّ إنسانٍ خَلِيقَةٌ، فالتمس من الأمور حقائقَها، واجْرِ مع الزَّمان على طرائقه، وعامِل الناسَ على خلائقهم". فعلى الخطيب ألا يقيس الناسَ على حَذْوِ نفسِه؛ فإنَّ منهم مَنْ يُسَاويه، ومنهم مَنْ يفوقُه، ومنهم مَنْ هو دونه، وليس ما يزهد فيه الفتى -مثلاً- يزهد فيه الصَّبي، ولا ما يخاطَب به الجنديُّ في صَفِّ القتال يخاطَب به الحكيمُ؛ إذ رُبَّ مَحْمَدَةٍ عند هذا هي مَذَمَّةٌ عند الآخَر، فنحن ندعو كلاً منهما -إذا أَرَدْنا منه انفعالاً- بما يُناسِب اعتقادَه. ألا ترى أن حُبَّ التعظيم والفَخْر -مثلاً- لو زَهِد فيه الطِّفْل في المَكْتَبِ كما يزهَد فيه الحكيمُ لاستوى عنده العمَل والكَسل، ولم يهتمَّ بمنافسة أقرانِه فتَضَاءلتْ مواهبُه. وكذلك القناعة المحمودة لا يحسُن أن يذكرَها أو يدعوَ إليها مَنْ يخطُبُ في قومٍ تكاسلوا عن التِّجَارة وفشا فيهم الفَقْر، فإن جاء يخطُب فيمن أعرضوا عن تعاطي العِلْم، أو عن تهذيب النَّفْس لشِدَّة التعلُّقِ بالدنيا حَسُنَ أن يتعرَّض حينئذٍ لمحامد القناعة وأنها أكبرُ غِنًى.

стр. 88

وعلى هذا فالخطيب يُخاطِبُ السَّامعين بمقدار ما يَعْلَمُ من رُتْبَةِ انفعالهم بكلامه؛ فتَارةً يتوجَّه إلى ابتداء المطلوب منهم مِنْ غير طَلَبٍ لوسائلِه، ويَكِلُ لهم السَّعْيَ في وسائل تحصيله، وذلك إنْ عَلِم أن لا نُشُوزَ منهم. وتارةً يتطلَّب منهم تحصيلَ الأسبابِ والوسائل إن عَلِمَ منهم نُشُوزًا عن المطلوب لِيَقَعُوا في الأمر المطلوب بعد ذلك على غيرِ تَهَيُّؤٍ إليه، مثال ذلك: لو أراد أن يدعوَ إلى أَمْرٍ فيه صَلاحٌ عامٌّ مثل تكثير سَواد الأمة بالتَّنَاسُل، ويعلمُ من المخاطَبين بعض الإِجْفَال عن ذلك لِمَا يتوقَّعون من متاعب تربية البنينَ والبنات، فيقتضي الحالُ أن يدعوَهم إلى وسيلة ذلك وهو الحَثُّ على التَّزَوُّجِ مُظْهِرًا له في صفةِ السَّعْي لمنفعةٍ شخصيةٍ، مُرَغِّبًا فيه بما يعودُ من حُسْنِ الأُحْدوثَةِ أو بما يحصُل مِنْ أجر عاجل أو آجل. وكذلك القولُ في حَمْلِ المخالفين على الشيء بالرَّغبة والرَّهبة، فإذا كان الخطيب معتمِدًا على قُوَّة، وعَلِم أنَّ للمخاطَبين من الحِدَّة والعصيان ما يُحبِط سعيَ الخطيب، فعليه أن يتَظاهرَ بقُوَّتِه بَادِئَ الأمر؛ ليَفُلُّ من تلك الحِدَّة، كما فعل الحَجَّاج يوم دخوله الكوفة بعد وقعة دَيْر الجَماجِم.

стр. 89

هذا وقد يجهل المتكلِّمُ في غرضٍ ضمائرَ الناس، ولا يَزِنُ مراتبَ عقولهم، فينبغي له أن يتفطَّن لِمَا يلوحُ عليهم من الانفعال، فيفاتحُهم بما يُثير انفعالَهم مِن أمورٍ صالحة لأغراض مختلفة، حتى يرى أَمْيَالَهم إلى أيَّةِ وِجْهَةٍ تُولِّي، فيعلم من أيِّ طريق يسلك إليها، ولا بد في هذه المُفَاتَحة من جَلْب التَّوْرِيَات والتَّوجيهات ونحوها، مما يمكن تأويلُه ويتيسَّرُ له عند إجفالِهم تحويلُه، حتى لا يَسترسِلَ في موضوعه فيعسُرَ عليه الرُّجوع إلى تعديله، وانظر ما قصَّه الله تعالى في كتابه الحكيم عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فوَرَّى في اللَّوْمِ، أي كيف تفعلون هذا بِمَنْ يختارُ لنفسِه ربًّا. ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا ارتقاءٌ في الحُجَّةِ. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ وهذا تزهيدٌ لهم في قتلِه، بتقديم احتمال الكذب ليظهر أنه قَصَد الإنصاف. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهذا تحضيرٌ لنفوسهم إلى تَرَقُّبِ صدق مُعجِزَتِه ووعدِه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ وهذا تَوْرِيَةٌ أيضًا، أي إنكم تنتظرون ما يتبيَّنُ من أَمْرِه، فإنَّ الله لا يُصدِّقُ الكاذبَ بخارِقِ العادة. ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩]

стр. 90

وهذا توبيخٌ وتقريعٌ؛ لأنَّه قد أوجب بما تقدَّم انفعالَ نفوسِهم لِقَبوله، أي لا تكونوا سببًا لزوال سُلْطانِكم بالتعرُّضِ لسَخَط الله. إذ لا شك أن هذا المؤمنَ الصَّالحَ كان يتَرقَّبُ مِنْ قومِه الإجْفَالَ والتَّكَشُّفَ على إيمانِه، فأظهَرَ لهم الكلامَ في مَظهِر المُتَرَدِّدِ الخائف مِنْ حُلُول المصائب به وبقومه، لا المُنتَصِر لموسى ﵇. وإنما تظهرُ مَواهِب الخطيب وحِكْمتُه وبلاغتُه في هذا المقام؛ لأنَّ مَنْ تكلَّم عن احتراسٍ وسوءِ ظَنٍّ بسامعيه حَاطَ لِنَفْسِه من الغَلَط؛ لأنَّ شِدَّة الثِّقَةِ بالنَّفْس تُغَطِّي على عَوارِها فلا يَتَّقِيه ربُّها. ومن هذا أن يتركَ لنفسه بابًا لتَدارُك فائت، كما قال الحريريُّ في المقامة الثانية والعشرين -بعد أن ذكر استرسال أبي زيد السَّروجِيِّ في تفضيل كتابةِ الإنشاء على كتابة الحِسَاب-: "فلما انتهى في الفَصْل، إلى هذا الفَصْل، لَحَظ من لمَحَات القوم أنَّه ازْدَرَع حُبًّا وبُغْضًا، وأرضَى بعضًا وأَحْفَظَ بعضًا، فعَقَّب كلامَه بأن قال: ألا إنَّ صِنَاعة الحساب موضوعةٌ على التَّحقيق، وصناعة الإنشاء مَبنِيَّةٌ على التَّلفيق". هذا إن كان المتكلِّم مُفَاتِحًا بالكلام، فأما إن كان مُجِيبًا فقد يلاحظ من أصول المُجَادَلة ما يطول بسطُه هنا، وعلى كلِّ حال فعليه أن يَخْتَبِئ للمعترضين من الرُّجُوم، ما يَقِيه وَصْمَة الإرْتَاج عليه أو الوُجُوم. وأما الأمر الرابع وهو قوَّة البَدَاهَة في استحضار المعاني وسماه أبو هلال في الصناعتين بـ (انتهاز الفرصة) فهي من أهمِّ ما يلزم

стр. 91

الخطيب؛ إذ ليس يخلو من سامعٍ يدافع عن هواه، أو عدوٍّ يترصَّدُ سَقَطات الخطيب ليُري الحاضرين أنه ليس على حقٍّ فيما قال، أو مُجيبٌ يُجيبُ عن تَقْريع الموعظة. فإن لم يكن الخطيبُ قويَّ البَداهَة أَسْكَتَه المعترِضُ أو المجيبُ، وقد كان عمرُ ﵁ مرَّةً يخطُب يوم الجمعة فدخل عثمان ﵁ فقال له عمر: "أيَّةُ سَاعةٍ هذه؟ ! ما بالُ أقوامٍ يسمعون الأذان ويتأخرون. فقال عثمان: ما زِدْتُ على أن سمعتُ الأذان فانقلبتُ فتوضَّأت. فقال له عمر: والوضوءَ أيضًا! وقد علمتَ أنَّ رسول الله ﷺ كان يأمرُ بالغُسْل". ويُعين على ذلك تنبُّهُه لِمَا في كلام المجيب من مَجَاري الخَلَل ومواضع النَّقْد. وأما شروطُ الخطيب في ذاتِه: فمنها: جَوْدَةُ القَرِيحة، وهي أمرٌ غيرُ مُكتسَب، وقد قال موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه]، وسيأتي

стр. 92

لذكر اكتسابها كلامٌ في عيوب الخطباء. قال أبو هلال: "مِن الناس مَن إذا خلا بنفسه وأَعْمَل فِكْرَه أتى بالبيان العجيب، واستخرجَ المعنى الرَّائق، وجاء باللفظ الفائق، فإذا حاوَر أو ناظَر قَصَّر وتأخَّر، فخَلِيقٌ بهذا ألا يتعرَّض لارتجال الخُطَب. ومنهم مَن هو بالعكس. ومنها: أن يكون رابط الجَأْش، أي غير مُضطَرِبٍ في فَهْمِه ولا مندَهِش؛ لأنَّ الحَيْرة والدَّهَشَ يصرِفان الذِّهْنَ عن المعاني فتجيءُ الحُبْسَة ويُرتَج على الخطيب". ومنها: أن يكون مرموقًا من السَّامعين بعين الإجلال؛ لِتُمْتَثَلَ أوامرُه، ويحصلُ ذلك بأمور كثيرة: منها: شَرَفُ المَحْتِد، قال الشاعر: لَقَدْ ضَجَّتِ الأرْضُونَ إِذْ قَامَ مِنْ بِني بني ... سَدُوسٍ خَطِيبٌ فوقَ أَعْوَاد مِنْبَر وكذلك: حفظ العِرْض؛ بحيث لا تُحفَظ له هَنَةٌ أو زَلَّةٌ، وقد رُوي عن عمر ﵁ أنه قال: "احذر من فَلَتاتِ الشَّباب، كُلَّ ما أَوْرَثَكَ النَّبَز وأَعْلَقَك اللَّقَب، فإنه إن يعظُمْ بعدها شَأْنُك يَشتدَّ على ذلك نَدَمُك". وفي متابعة آداب الإسلام والوقوف عند شرائعه مِلاك ذلك كلِّه. ومثل ذلك: رَجَاحَة الرأي وقوُّة العِلْم والحكمة، قال أبو واثلة يهجو عبد الملك بن المهلب:

стр. 93

لقد صَبَرَتْ للذُّلِّ أعوادُ مِنْبَرٍ ... تقومُ عليها في يديك قَضِيبُ بكى المِنْبَرُ الغَرْبِيُّ إذ قُمْتَ فوقَه ... فكادت مَساميرُ الحديدِ تذوبُ رأيتُك لمَّا شِبْتَ أَدْرَكَكَ الذي ... يُصِيبُ سَرَاةَ الأَزْدِ حين تَشيبُ سَفاهَةُ أحلامٍ وبُخْلٌ بِنَائلٍ ... وفيك لِمَنْ عَابَ المَزُونَ عُيوبُ فهذه أهمُّ الشروط الذاتية. ويَعُدُّ علماء الأدب تارةً صفاتٍ أخرى هي بالمحاسن أشبه، مثل سكون البَدَن وقت الكلام؛ لأنه دليلٌ على سكون النَّفْس، ولا يوجد هذا في كل خطيب. ومثل ما سماه أرسطو بـ (السَّمْت) وهو أن يكون على هيئة مُعْتبَرَةٍ في نفوس الجمهور من لُبْسِه وحَرَكتِه ونحو ذلك، وقد أشار الحريريُّ إلى هذا في المقامة (٢٨) فقال: "برَزَ الخطيبُ في أُهْبَتِه، مُتَهَادِيًا خَلْفَ عُصْبَتِه". فأشار إلى تصنُّعِه في لباسه ومشيه. ومثل مناسبة طَبَقَةِ الصَّوْت لموضوع الخطبة وغير ذلك.

стр. 94

وأما شروط الخطيب في نفسه فأهمها: اعتقادُه أنه على صواب وحقٍّ؛ لأنَّ ذلك يودِع كلامَه تأثيرًا في نفوس السامعين، وأقوى له في الدعوة إليه والدفاع عنه، ويحصُلُ ذلك بالتزامه متابعةَ الحقِّ، وبكونه على نحو ما يطلبُه من الناس. وانظر ما حكاه الله تعالى عن شعيب ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود]. ومنها: عِفَّتُه ونزاهتُه. ومنها: الوَقَار والصَّون عن الابتذال في معاشرة القوم، وعدم الإكثار من الهَزْل والسُّخْف والفُحْش والخِفَّة والطَّيْش. ومنها: النَّزَاهة عن الطَّمَع في جَرِّ نَفْعٍ من كلامه؛ فإنَّ في ذلك نُفْرَةً عن اتِّعَاظ الناس بقوله، وظِنَّةً في صِدْق دَعْوتِه، وقد قال السَّروجيُّ بعد أن قام خطيبًا: لَبِسْتُ الخَمِيصَةَ أبغي الخَبيصَهْ ... وأَنْشَبْتُ شِصِّيَ في كُلِّ شِيصَهْ ولقد يجدرُ بنا إذ بَلَغْنَا هذا الموضعَ أن نختِمَه بذِكْر بعض عيوبٍ يكثُر عُروضُها للخُطَباء ليتنبَّه المُطَالِعُ إلى تجنُّبِها.

стр. 95

واعلم أنها تنقسم إلى فطري وإلى مكتسب: فأما الفِطْريُّ فمنه ما يمكن تجنُّبُه بكثرة الممارسة، نحو: الحُبْسَة عند التكلُّم، فقد كان عمرو بن سعد بن أبي العاص -البليغ الخطيبِ- في أول أمره لا يتكلَّم إلا اعْتَرَتْه حُبْسَةٌ في مَنْطِقِه، فلم يزل يَتَشَادقُ ويُعَالِجُ إخراج الكلام حتى مال شِدْقُه مِنْ كثرة ذلك، ولُقِّب لذلك بـ (الأشدق) فقال فيه الشاعر: تَشَادَقَ حتى مَالَ بالقَوْلِ شِدْقُهُ ... وكلُّ خطيبٍ لا أبا لكَ أَشْدَقُ وقد اعتقد الناس فيه حين انتقل من الحُبْسَة إلى الفصاحة أن الجِنَّ لطَمَتْهُ على وجهِه ليتعلَّم الفصاحة، وكذلك كان اعتقادهم في الشُّعراء أن الجن تَتَراءى لهم وتُمْلِي عليهم، فقال في ذلك الشاعر: وعمرٌو لَطِيمُ الجِنِّ وابنُ محمَّدٍ ... بأسوأ هذا الرأيِ مُلْتَبِسَان وسبَّه رجلٌ يومًا فقال له: "يا لَطِيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن". ومِنْ قَبْلُ حُكِي مثل هذا التدرُّب عن ديموستين خطيبِ اليونان في عهد الإسكندر الأكبر، وقد تقدم ذلك في مقدمة قسم الإنشاء. ونحو سقوط الأسنان، وكان عبد الملك بن مروان ﵀ قد شَدَّ أسنانه بالذهب لما كبِرت سِنُّه وقال: "لولا المنابرُ ما باليتُ متى سَقَطَتْ".

стр. 96

ومن العيب الفِطْري ما لا يمكن تجنُّبُه كبُحَّةِ الصوت، والفَهَاهَةِ، واللُّثْغَةِ ببعض الحروف وضِيق النَّفَس فجديرٌ بصاحبها أن يتجنَّب هذه الصِّنَاعة. وأما العيب المكتسب فهو أشياء تعرِض للخطباء في أول اشتغالهم بالخطابة من أفعالٍ تصدُر عن غير اختيار، فإن هم غفلوا عن مراقبة أنفسهم لإزالتها صارت لهم عوائدَ سيئةً، وقد نَهى الأدباءُ عن أمورٍ من ذلك، كالتَّنَحْنُح، ومَسْح اللِّحْية في أثناء الخطبة لا عند الشروع -على أنه يُغتفَر منه ما لا يَكثرُ، إذا طال الكلامُ جدًّا- وحكُّ الجِلْد، وفَتْلُ الأصابع، وكثرةُ حَرَكة الأيدي والبَدَن، والتمخُّط، وغيرُه. قال مَنْ ذمَّ خطيبًا: مليءٌ بِبُهْرٍ والتفاتٍ وسَعْلَةٍ ... ومَسْحَةِ عُثْنُونٍ وفَتْلِ الأصابع

стр. 97

الخُطْبَة قد عَرَفْتَ حقيقتَها مما تقدَّم، وليس لمقدارِها حَدٌّ محدودٌ، ولكنها تكون بحسب الغرض الذي دعا الخطيبَ للكلام، ثم تكون بحسب ذلك الغرضِ بَيْنَ موجَزةٍ ومُطْنَبَةٍ ومتوسطة بحسب ما يأتي في المقامات، ولذلك تكلَّم الفقهاء على أقلِّ مقدار خطبة الجمعة والعيدين، والمرويُّ في المذهب أنَّ مسمَّى الخطبة: "حمدُ الله، وصلاةٌ على رسوله ﷺ ، وتحذيرٌ وتبشيرٌ، وقرآن"، وذلك لأنَّ غرض الخطبة الدينية لا يُقَصِّر عن ذلك إلا أنَّ الخطبة التامَّةَ تطول وتقصُر بحسب الحاجة، ألا ترى أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقصِّر الخطبة الجُمُعِيَّة، وأطال خطبة الحج؛ لأنَّ الأُولى تتكرَّر فيُقتصَر فيها على ما دعت إليه الحاجة في تلك الجمعة بخلاف الأخرى. ومتى نظرنا إلى أغراض الخطباء في تركيب الخُطَب نجد الخطبة تعتمد على أركان سبعة: الركن الأول: الدِّيبَاجة: وهي فاتحة الخطبة المشتملة على حَمْدٍ وثناءٍ على الله تعالى، وصلاةٍ على رسوله، وما هو من ذلك القبيل. قال أبو هلال: "لأنَّ النفسَ تتشوَّقُ للثناء على الله تعالى فهو داعيةٌ إلى

стр. 98

الاستماع". وقال الجاحظ: "ما زال السلفُ يُسَمُّون الخطبةَ التي لم يَفتتِح صاحبُها بالتَّحميد (البَتْرَاء)، والتي لم تُوَشَّحْ بالقرآن والصلاة على النبي ﷺ (الشَّوْهَاء) ". ومن أجل ذلك لُقِّبَتْ خطبةُ زياد بن أبي سفيان بـ (البتراء)، وهي التي خَطَبَها بالبصرة، وأولها: "أمَّا بعدُ: فإنَّ الجَهَالةَ الجهلاء، والضَّلالةَ العَمْيَاء، والغَيَّ الموفيَ بأهله على النَّار، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حُلَمَاؤُكم، من الأمور العِظَام ينبُت فيها الصَّغير، ولا يتحاشى منها الكبير ... إلخ". وفي التَّسْمِيَة إشارةٌ إلى حديث: "كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لا يُبْدَأ فيه باسم الله فهو أَبْتَرُ". وسميت خطبة سَحْبَان بـ (الشَّوْهَاء) -خَطَب بها في مجلس معاوية-. وقيل: سميت بذلك لحسنها. ويُستحسَن في الدِّيبَاجة الإيجازُ والارتباطُ بالمقصود، ويسمى ذلك بـ (براعة الاستهلال). كما يُستحسَن فيها الاعتناءُ بالبلاغة والصِّنَاعة، ويحسُن وَقْعُ السَّجع فيها لأنه يُضَارِع الشِّعْر فينشِّط النَّفْس، ويُهَيِّئُ الأذهان إلى ما سَيُلقَى إليها. وليس يصعب على الخطيب الحاذق التَّأنِّي في الفاتحة؛

стр. 99

لأنها لما كانت مشتملةً على أمور عُمومِيَّةٍ أمكنَ تحضيرُها من قبلُ في النَّفْس، وإنما يظهر الحِذْقُ في حُسْنِ مناسبتها للغَرَض وإشارتها إليه. وقد عَدَّ علماء البلاغة فاتحة الكلام من مواطن تأنُّق المتكلِّم. الثاني: التَّخَلُّصُ: وهو مَوْقِعُ (أمَّا بعدُ) ونحوها، مثل: (أيُّها الناس)، والشرط فيه أن تكون الدِّيبَاجَة قد هيَّأت النفوس، وأشعرت بالغَرَض المطلوب. الثالث: المقدِّمة: وهي مَبْدَأ الخطبة في الحقيقة، ونعني بها الكلام الذي يُقصَد منه تهيئة نفوس السامعين لتلقِّي ما سَيُلقَى إليهم بالتَّسليم. وطريقة ذلك: أن يستعين الخطيب بما يَعْلَمُ من سَجَايا الأقوام ومقادير انفعالاتهم، على اختلاف الطبقات والعصور والعقائد، فيأتي لكل فريق بمقدِّماتٍ تهيئ لقَبول الغرض، ولذلك لم يلزم أن تكون المقدمة صحيحةً، بل يكفي أن تكون مقبولةً مسلَّمة، ولو كانت وَهْميَّةً. وقَصْدُ الخطيبِ قَمْعُ الهوى ومحاولةُ الصَّلاح، والهوى حائلٌ قويٌّ دون الحق، فإذا أُرِيد الإقناعُ بشيءٍ فمن الواجب ألا يَنْقَضَّ عليه، بل يحومُ حوله وينتهزُ الفرصة لتحصيله، وبمقدار الظن بِبُعْدِ نفوس السامعين عن الاعتراف بالحقِّ ينبغي للخطيب الإبعادُ بالمقدِّمات. ويتوصَّل الخطيب إلى انتهاز الفرصة التي تقوم مقام تطويل المقدِّمة بالاستعانة بأمور: أحدها: المعتقَدات الثابتة في النفوس، ولو كانت غير صحيحة كما أشرنا إليه، ويظهر اختيار بعض طرائق الانفعال دون بعضٍ في هذا المجال، وهو من أهم ما يتفطَّن له الخطيب اللبيب، ألا ترى أنَّ النبي ﷺ لَمَّا خَطَب النساء ورَغَّبَهُنَّ في الصَّدَقة قال: "يا معشر النِّسَاء:

стр. 100

تَصَدَّقْنَ، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا، عاريةٌ يوم القيامة". فقد كانت طرقٌ أخرى من التحذير أشدَّ من هذا إلا أنَّ النِّسَاء لَمَّا كُنَّ يَتَّقين العَرَاء والكَشْف كان ذكره من أشدِّ ما تنفعلُ له نفوسهن. ثانيها: القضايا الكُلِّية والمُسَلَّمة، كقول عثمان ﵁ في خطبةٍ له في شأن النَّاقمين عليه وتحذير المسلمين من سوء نواياهم: "أمَّا بعدُ، فإنَّ لكل شيء آفة، ولكل نعمةٍ عاهة، وإنَّ آفة هاته الأمةِ، وعاهةَ هذه النِّعْمَةِ عَيَّابون طَعَّانون، يُظهِرون لكم ما تُحِبُّون، ويُسِرُّون ما تكرهون، لقد أقررتم لابن الخطاب بأعظم مما نَقَمتم عليَّ، ولكنه وَقَمَكُم وقَمَعَكُم ... إلخ". ثالثها: النَّوازل الحادثة، فإنها فُرَصٌ للموعظة، والنُّفوسُ عند نزولها سريعةُ الانفعال رقيقةُ الوِجْدَان، وللُّنفوس غِرَّةٌ كغِرَّةِ الصَّيْد فإذا لم يُضِعْهَا الخطيبُ أصابَ منها الغرض، ولهذا سُنَّت الموعظةُ عند خسوف الشمس.

стр. 101

ولقد أجاد الحريريُّ ما شاء حين تخيَّل أبا زيدٍ خطيبًا إِثْرَ دفن الجَنازة في المقامة الحادية عشرة إذ قال: "فلما ألحدوا المَيْت، وفات قولُ لَيْت، أشرف شيخٌ مِن رِبَاوَهْ، مُتخَصِّرًا بِهِرَاوه، فقال: "لمثل هذا فليعمل العاملون، فادَّكِروا أيها الغافلون، وشَمِّروا أيُّها المقصِّرون، وأحسنوا أيُّها المتبصِّرون، ما لكم لا يحزنُكم دَفْنُ الأتراب، ولا يَهُولُكم هَيْلُ التُّراب .. إلخ". فأنت تراه كيف جعَلَه مُستغنِيًا بذلك على مقدمة الخُطْبة. ولَمَّا أَفْلَسَ الأُسَيفِع الجهني في زَمَن عمر بن الخطاب ﵃ خَطَب عمرُ فقال: "أما بعد، فإنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَينة قد رضي لدينه وأمانته أن يقال: إنه سَبَقَ الحَاجَّ، ألا وإنه قد تَدَاينَ مُعْرِضًا فأصبح وقد رِينَ به، فمن كان له عليه شيءٌ فليأتنا غدًا نقسِم ماله بالمسجد، وإياكم والدَّينَ فإنَّ أولَه هَمٌّ وآخره حَرَبٌ". فتراه قد استغنى بالواقعة المُشَاهَدة عن تقديم المقدمة. الرابع من أركان الخطبة: الغَرَضُ ، وهو الذي من أجله انتصب الخطيبُ ليخطب، فَوِزَانُه وِزَان المطلوبِ في القياس المنطقي، ويعبر عنه بالنتيجة عند حصوله. الخامس: البيان ، أعني بيانَ الغرض وإيضاحَه، وذلك إما بالاستدلال، أو التمثيل، أو الاستطراد، أو الإشارة: فالبيان بالاستدلال كثيرٌ بإقامة الدليل على صِحَّة الغَرَض والنِّضَال عنه.

стр. 102

وأما التمثيل فبابٌ واسعٌ من البيان للعامة؛ لأنه أخصر من الدليل، والأذهانُ إلى إدراكه أسرع. قال صاحب الكشاف: "ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمثالَ، واستحضار العلماء المُثُل والنظائر شأنٌ ليس بالخفيِّ في إبراز خَفِيَّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تُريك المُتَخَيَّلَ في صورة المُحَقَّق، والغائبَ كالشاهد، وفيها تبكيتٌ للخَصْم الألدِّ، وقمعٌ لسَوْرَةِ الجامح الأبيِّ، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت] ". والتمثيلُ يكون بذِكْر الأمثال، ويكون بالبناء على اعتقادٍ أو قصَّة، وقد خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة خطبةً اقتصر فيها على ذِكْر المَثَل، روى شارح ديوان النابغة عن أبي عبيدة قال: لما حجَّ عبد الملك أوَّل حجَّة حجَّها في خلافته، قدم المدينة فخطب فقال: "يا أهلَ المدينة: والله لا تحبوننا، ولا نحبُّكم أبدًا وأنتم أصحاب عثمان، إذ نَفَيْتُمُونَا عن المدينة ونحن أصحابُكم يوم الحَرَّة، فإنما مَثَلُنَا ومَثَلكم كما قالوا: إنه كانت حيَّةٌ مُجَاورةٌ رجلاً فوَكَعَتْه فقتلَتْه، ثم إنها دعت أخاه إلى أن يصالحها على أن تَدِي له أخاه فعاهدها، ثم كانت تعطيه يومًا ولا تعطيه يومًا، فلما تنجَّزَ عامَّةَ دِيَتِه قالت له نفسه: لو قَتَلْتَها وقد أَخَذْتَ عامَّة الدِّيَة، فأخذ فَأْسًا فلمَّا خَرَجَت لتعطيه ضَرَبَها على رأسها فسَبَقَتْهُ يدُه فأخطأ مقاتِلَها، فنَدِم وقال لها: تعالي نتعاقد أن لا نغدر، فقالت: أبى الصُّلْحَ القَبْرُ الذي بين عينيك، والضَّرْبَةُ التي فوق رأسي، فلن تحبَّني أبدًا ما رأيتَ قبر أخيك، ولن أحبَّك ما كانت الضَّرْبَة برأسي".

стр. 103

وروي أنَّ عليًّا ﵁ لَمَّا رأى اختلاف جُنْدِه قال: "ألا إنما أُكِلتُ يوم أُكِل الثَّورُ الأبيض" يريد أنَّ الاختلاف ابتدأ ظهورُه من يوم اختلاف الأمة على عثمان ﵁، وأشار بهذا إلى قصَّة عند العرب، وذلك أنهم زعموا أنَّ أسدًا وثَوْرًا أحمر وثَوْرًا أسود وثَوْرًا أبيض اصطحبوا في أَجَمَةٍ، فقال الأسد يومًا للثَّوْرَين الأحمر والأسود: هذا الثور الأبيض يفضحُنا بلونِه فلو تَرَكْتُمَاني آكلُه أَمْنًا، فأَذِنَا له في أَكْلِه فأكَلَه، ثم قال للأحمر: هذا الأسود يخالفُ لوننا فدَعْني آكلُه فأذن له فأكله، ثم قال للأحمر: لم يبق إلا أنا وأنت وأريد أن آكلك. فقال: إن كنتَ فاعلاً فدعني أصعدْ تلك الهَضَبة وأصيح ثلاثة أصوات، قال: افعل، فصعد وصاح: "ألا إنما أُكِلتُ يوم أُكِل الثَّوْرُ الأبيض" ثلاثًا. وأما الاستطراد فيكون بمدحٍ أو ذَمٍّ أو ثوابٍ، وأحسنُه ما اشتدَّت فيه المشابَهةُ كقول أبي حمزة الخارجيِّ في خطبة له خَطَبَها بالمدينة: "يا أهل مكة: أُتَعَيِّرُونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ ! ويحكم! وهل كان أصحابُ رسول الله المذكورون في الخير إلا أحداثًا شبابًا، مكتهلون في شبابهم، غَضِيضَةٌ عن الشَّرِّ أعينُهم، ثقيلةٌ عن الباطل أرجلهم، أَنْضَاءُ عبادةٍ، قد نظر الله لهم في جَوْف الليل منحنيةً أصلابُهم على أجزاء القرآن ... إلخ". وقد يكون البيان بالإشارة كما خطب مصعب بن الزبير حين قدم

стр. 104

العراق فإنه صعد المنبر ثم قال: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ وأشار بيده نحو الشام. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿الْوَارِثِينَ (٥)﴾ وأشار بيده نحو الحجاز. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ١ - ٦] وأشار بيده نحو العراق. يريد بالأولى عبد الملك، وبالثانية أنصار أخيه بمكة، وبالثالثة الحجاج وأنصاره. السادس: الغاية: وهي التَّحريضُ أو التحذير، وشأنُها أن تقع آخر الخطبة بعد ما تقدم، وقد يقدِّمُها الخطيب ثم يأتي بعدها بغيرها فتصير المقدمةُ دليلاً إذا تَأَخَّرَتْ، وتَعْرَى الخطبةُ عن المقدمة حينئذٍ. السابع: خاتمة الخطبة: ويحسن فيها أن تكون كلامًا جامعًا لِمَا تَقَدَّمه، أو إشارةً إلى أنه قد أتى على المقصود وانتهى منه، أو أَمْرًا بالتثبيت أو دعاءً أو نحو ذلك، وإنما يكون ذلك عند إتيان الكلام المتقدِّم على الغَرَض المقصود واستيفائِه. وقد يكون ذِكْرُ الشِّعْر في الخطبة إشارةً إلى نهايتها كما سيأتي. وللبحث عن كيفية تنسيق الخطبة ونَسْجِها مزيدُ تعلُّقٍ بهذا الفن حسبما أشرنا إليه عند الكلام على أصول الخطابة، ولا يكاد يستطيع أحدٌ حَصْرَ الضوابط في هذا الغرض؛ لأنه يأتي على جميع فنون البلاغة والأدب، فيوكَل ذلك إلى حُسْنِ اختيار الألمعي، ورَشِيقِ توقيف المُدَرِّس النِّحْرِير، إلا أنَّ جُمْلَة القول أنه لا يعدو المطابقة لمقتضى أحوال السامعين، واختلاف الأذواق باختلاف مراتب الأذهان والعصور

стр. 105

والبلدان، فيكون على مِنْوَال كلِّ ذلك نسيجُ معاني الخطب، وتنسيق ألفاظها، وهو ما يُعبَّر عنه بـ (اختلاف المقامات وخطاب كلِّ قوم بما يفهمون). وقد تقدم الإلمام بذلك في قسم الإنشاء، وفي ذكر الانفعالات في هذا القسم الخطابي. فإذا خطب الخطيب في العامَّة فعليه بِسَهْلِ المعاني؛ لأن تركيبَ المعنى ودِقَّتَه لا يَتَوَصَّل لفهمه الذِّهْنُ البسيط، وبالضَّرورة يستدعي ذلك سهولة دِلالة الألفاظ؛ إذ هي قوالبُ المعاني، مع انتخاب سَهْلِهَا ومُتَعَارَفِهَا بدون ابتذال -كما تقدم في الإنشاء-. وإذا خَطَب في الخاصَّة فليأت بالمعاني الرَّائقة، والحِكَم العالية، والألفاظ العَزِيزة المُعَبَّر عنها بـ (السَّهْل الممتنع)؛ لأنه إذا أتى بما دون ذلك لا يُثير انفعالهم، ولا يَرُوقُ كلامُه في أسماعهم فلا يحفلون به, ولقد سمعت خطيبًا يخطب يوم الجمعة بخطبة من الخطب العتيقة في الحَضِّ على شكر النِّعْمة، فكان مما قاله: "ومِن النِّعَم نعمةٌ خاصَّةٌ كالمال، وقد كاد أن لا يكونَ شُكْرُها إلا عندها لا بها". فانظر كيف خاطب العامة بلفظ معقَّدٍ لا يُسرِع الذهنُ المتوسِّط لاستخلاص معناه؛ إذ جَمَع بين سِتِّ أدوات في جملة واحدة، وهي: كاد، وإن، ولا، ويكون، وإلا، ولا، ثم جمع بين نَفْيٍ مستفاد من (لا) وإثباتين مستفادٌ أحدُهما من (كاد) والآخر من (إلا) متوجه جميعها إلى جِهَةٍ واحدة،

стр. 106

وأما من جهة المعنى فقد أتاهم بمعنى غريبٍ دقيقٍ مقتبَسٍ مما يُقَرِّرُه المتكلمون في الكَسْب، وهو قولهم: "إنَّ الفعلَ يحصل عند المقدرة لا بها". وقد روي أن عمر ﵁ كان هَمَّ أن يخطب الناس في الحج في أمر الخلافة لَمَّا بلغه أن امرأً قال: لئن مات عمر لأبايعنَّ فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكرٍ إلا فَلْتَةً فتمَّت. فقال له ابن عباس ﵄: "يا أمير المؤمنين: إنَّ الموسم يجمع رَعَاع الناس، فربما سمعوا منك الكلمةَ فيُطَيِّرُوها عنك كلَّ مَطِير، فتربَّصْ إلى أن ترجع إلى المدينة فتخلُصَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ وأهل العلم". فرأيُ حَبْر الأمَّة وموافقة عمر ﵄ أَدَلُّ دليلٍ على أنَّ من الأغراض ما يُضَنُّ به عن غير أهله، وفي الحديث: "لا تؤتوا الحِكْمَة غيرَ أهلِها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتُضيعوها" فبذلك فلتقتدوا.

стр. 107

ومثل ذلك يقال في أساليب تنسيق الخطب على حسب الأغراض، فلكلِّ غَرَضٍ لهجةٌ ونَسَقٌ، فليست خطبةُ الجمعة كخطبةٍ في حفلةٍ سياسيةٍ أو أدبيةٍ، ولذلك يحسُن التأنُّق في بعضها والبَسَاطة في بعض، كما أنَّه يحسن الإرسال في بعضها ويحسن السجع في بعض. وقد تتبعت ما استطعت مواقع السجع في الخطب النبوية، وخطب فصحاء العرب في الجاهلية والإسلام، فرأيت مواقع السجع عندهم في حيث يُراد الحفظ للقول، كالوصايا والآداب والخطب الأدبية والعلمية، ويُرشِد إلى هذا ما روى الجاحظ عن عبد الصَّمد بن الفضل بن عيسى الرّقاشي أنه قيل له: لِمَ تؤثر السجع على المنثور؟ فقال: "لو كنتُ لا آمُلُ إلا إسماع الشَّاهد لَقَلَّ خلافي عليك، ولكني أريدُ الغائب والحاضر، والرَّاهن (الحال) والغَابِر (المستقبل)، فالحفظ إليه (أي السجع) أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحقُّ بالتَّقييد وبقلة التفلُّت". وعندي أنَّ هذا هو مراد الشيخ عبد القاهر بقوله في مقدمة كتابه (أسرار البلاغة) حيث قال: "إنَّ الخطب من شأنها أن تُعتمَد فيها الأوزانُ والأسجاعُ، فإنها تُروى وتُتَنَاقل تَنَاقُلَ الأشعار". وليس مراده أنَّ تناقل ذلك شأن الخطب كلِّها، لِمَا هو معلومٌ لا يفوتُه من أساليب خطب العرب وخطب الصَّدر الأول، ولذلك كان مقام السَّجع كل مقام يحضر للقول من قبل، فقد رأينا العَرَب لم تكن تحفل بالسجع إلا هنالك، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة التي خطبها في سوق عكاظ وهي مشهورة. وكلُّ مقام يظهر فيه الارتجال لا يتأتَّى فيه السَّجع، فيحسُن حتى بالمولدين أن يتجنَّبوه هنالك، وإن كانوا لا يتكلمون إلا بِتَرَوٍّ سابقٍ، ولذلك لا تُعَدُّ خطبةَ منذر بن سعيد البلوطي التي ارتجلها في مجلس

стр. 108

الأمير الناصر بقرطبة -حين وَفَد رُسُل مَلِك الروم، وحين أُرتِج على أبي علي القالي- إلا من حُسْن استعداده للحوادث، وعِلْمِه بأنَّ من عُيِّن للخطابة لا يُحسِنُها. وقد قدمنا في فن الإنشاء طرفا من هذا. هذا ومما يلتحق بالكلام على نَسْج الخطب: اشتمالُها على شيء من الشِّعْر، وكان ذلك قليلاً عند العرب، كما في خطبة قُسِّ بن ساعدة؛ إذ ختمها بأبيات، وكما في خطبتين لسيدنا علي ﵁ تمثَّل في إحداهما ببيت للأعشى، وفي الأخرى ببيت لدريد بن الصِّمَّة، وكذا خطبة عبد الملك المتقدِّمة، فإنه ذكر في آخرها بيت النابغة. وقد أكثر صاحب المقامات في خُطَبه المذكورةِ فيها من ذِكْر الشِّعْر، ولا شَكَّ أن غرضَه منه إدخال طريقة جديدة في الخطابة، إلا أنه لم يُتَابَع عليها مِنْ أحد، فلم يزل ذِكْرُ الشِّعر في الخُطَب قليلاً جاريًا مجرى التَّمَثُّل.

стр. 109

التدرُّب بالخَطَابة قد قَدَّمْنَا في قسم الإنشاء أنَّ أَجْدَرَ بالغٍ بالمَرْء إلى إتقان هذه الصِّناعة هو التدَرُّب والتمرُّن، ولا شكَّ أنَّ الخطابةَ إلى ذلك أحوج، وهي به أعلق، فإنَّ لصاحبها فضلَ احتياجٍ إلى بَدَاهَة القول وحُسْن العِبَارة، ولا يكاد ينال ذلك إلا بالتمرُّن عليها، وإلا كان عَالةً على ما حَرَّره المتقدمون، أو التزم كُلَيْمَاتٍ يُعِيدُها أينما حَلَّ، وقد حكى الجاحظ عن محمد بن سليمان أنه كان ملتزمًا خطبةً يوم الجمعة لا يغيِّرها. ويظهر أن أصول التدرب على الخطابة خمسة أمور: أولها: ضَبْطُ الغَرَض المرادُ التكلُّم فيه، وذلك بتصوُّرِه وتصوُّرِ الغاية منه، وحسن تفهُّمِه، وإتقانه، والإحاطة بِمُهِمِّ ما ينبغي أن يقال فيه من المعاني، ولا يهتم بالألفاظ إلا بعد ذلك؛ لأنَّه إن ابتدأ بانتقاء الألفاظ ضاعت عنه المعاني. ثانيها: التَّكرير؛ ليرسخ، إما بإعادة الفكرة فيه المرَّة بعد الأخرى، وإما بمذاكرة الغير فيه، والتنبُّه لِمَا عسى أن يكون قد أغفله؛ فإنَّ ما بين الرأيين رأيًا، ولأنه بالمذاكرة يرى المتكلِّم هل بلغ إلى حَدِّ

стр. 110

التأثير في السامعين حتى إن لم يَرَ منهم التأثيرَ عَلِمَ أنه لم يُتقِن الغرض، ولم يَقتُلْه تعبيرًا. ثالثها: اختيار ساعة نشاط البال، كما ذكر أبو هلال العسكري، والجاحظ عن بشر بن المعتمر أنه قال لمن عَلَّمه الخطابة: "خُذْ مِنْ نفسِك ساعةَ نشاطِك، وفراغِ بالك، فإنَّ نفسَك تلك الساعة أكرمُ جوهرًا، وأشرفُ حَسبًا، وأحسن في الأسماع، وأسلم من فاحش الخطأ. واعلم أنَّ ذلك أجدى عليك مما يُعطيك يومُك الأطولُ بالكَدِّ والمطاولة، ومهما أخطأَكَ لم يُخطِئْكَ أن يكون مقبولاً وخفيفًا على اللسان، كما خرج من يَنْبُوعِه، ونَجَم من مَعْدِنِه". رابعها: تدريبُ القُوَّة الذاكرة، وذلك بتجنُّبِ الاعتماد على الكتابة بقدر الاستطاعة، وقد يعسُر ذلك على المَرْء بادئَ بَدْءٍ فَيُغْتَفَرُ حينئذٍ الاعتمادُ على الكتابةِ، على شَرْطِ أن يأخذَ في الإقلالِ عن الكتابة تدريجًا، فيكتب عُقَدَ الموضوع كالفِهْرس، ويشير عندها إلى خُلاصَة الأمثلة، وإذا أخذ في استحضار أوَّل خُطبته فإنه إن استرسل فيها جَاءَتْه البقيَّةُ طَوْعًا، ومع ذلك فقد قيل: إنَّ الذي يعتمد على ذاكرته تُلَبِّيه مُسْرِعةً. وإذا قُدِّرَ لبعض الخطباء كتابةُ مفكِّرَاتِ الخطبة، فمن المستحسَن أن لا يُحضِرَها معه وقتَ الخطابة، ولكن من الخطباء من يضطرُّ إلى ذلك لِضَعْفِ ذاكرتِه، ولا ضَيْرَ في ذلك إذا لم يَكْثُر تردُّدُ بَصَرِه عليها. خامسها: المواظبَة، فيُشترَط في الخطيب أن يكون غيرَ هَيَّابٍ ولا وَجِلٍ من تكرير التكلُّم، وعَدَمُ الاكتراث في أول الأمر بالإِجَادَة، وقد عَرَفْتَ ما نُقِل عن عمرو بن سعيد الأشدق، وعن ديموستين -الخطيب اليوناني- إذ كان كلٌّ منهما في أوَّلِ أمرِه عَيِيًّا فعَالَجَ بالمواظبة
следующие страницы →