← Адаб

Адаб · id 17321

أصول الإنشاء والخطابة

ابن عاشور

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أصول الإنشاء والخطابة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور (المتوفى سنة ١٣٩٣ هـ) تحقيق ياسر بن حامد المطيري مكتبة دار المنهاج بالرياض الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الحمد لله منشئ الخلق ومعيده، وواهب البيان لراغبه ومستزيده، والصلاة والسلام على رسوله الذي أيده بمعجزِ القرآن، وأرسله بالبينات وأنزل معه الكتاب والميزان، وعلى آله وأصحابه أفضلُ مَنْ فَرَعَ المنابر، وسطَّرت فخرَه الأقلامُ في الدفاتر، أما بعد: فإن مزية فن الإنشاء قد ترجَمَتْ عنها كثرةُ مطالبيه، ونباهة شأن النابغين فيه، كيف وهو الذي يُفصِحُ به المرءُ عما يريد من المقصِد، وطالما كفى قلمَ الكاتب مُهِمَّهُ فما ضرَّه أن لا يُهَزَّ المهنَّدُ. وقد كنت أمليتُ على بعض المتعلمين عُجَالةً تُلِمُّ بالمهم من أغراضه إلماما، وتَرِيشُ لقُنَّاصِ شوارده سِهَاما، وتمكِّنُ بأيديهم لصِعَابه زِمَاما، تجنبتُ فيها طريقة جمهور المؤلفين في هذا الفن؛ إذ ملؤوا كتبهم بمسائل علم المعاني والبيان، وربما تجاوزوا إلى بقية علوم اللسان، وتركوا جانب المسائل الخاصة بهذا الفن ظِهْريًّا، إلا قليلاً منها لا يفيد المطالع كمالاً أدبيًّا، وقد تلقَّفوا ذلك الصنيع، فتابع المتأخرُ المتقدمَ وتشبَّه فيه الظالعُ بالضَّليع، والعذرُ للمتقدِّمين منهم: أنَّ علم الأدب لم يكن في عصرهم منخولاً بعضُ فنونه من بعض، أما المتأخرون فإنما

стр. 3

اتبعوا طريقة المتقدمين بعد أن تمايزت الفنون، حتى أصبح طَلبَة هذا الفن إن هم شرعوا فيه نُقِلت لهم المسائلُ التي قرؤوها في علم البلاغة فلم يجدوا فائدةً يستزيدونها، ولا مُهِمَّةً ينقلونها، فربما أُدخِلَ على أذهانهم بذلك شيءٌ من التَّهويس، زيادةً على ما أُضِيعَ من وقتهم النفيس، ولذلك جَعَلْنا بعض مسائل فنون البلاغة لهذا الفنِّ كالأصول نُحِيل عليها المتعلِّم، ونكتفي فيها بتوقيف المعلِّم؛ لئلا يطول الفنُّ بلا طائل، وأخذنا من كلام أئمة الفن المتناثر، ما جعلنا له قواعدَ وكلياتٍ وأدرجناه تحتها كالشواهد، فجاء شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ مِنْ مُرْتَاضِ الشَّوارد، وجاء أولَ إملاءٍ فيما علمتُ ظهر به فنُّ الإنشاء مهذَّبًا ممتازًا عما سواه، ومَنْ خَبرَ ما سلف من كُتبه عَلِمَ قيمةَ ما صنعنا، وكيف تتبَّعنا مواقعَ القطر فانتجَعْنا. وكان العزمُ معقودًا على أن نعود إلى تلك الأمالي فنهذِّبَ ديباجَها، ونعالجَ مِزَاجَها، فحالت دون ذلك شواغل، وصَرَفت الذهنَ خصومٌ ونوازل، إلى أن اشتدت حاجة الراغبين في تعلم الإنشاء إلى كتاب يبيِّنُ طرائقه، ويُدنِي لِجَانِيه حدائقَه، فرأيتُ من اختلاف طرقِ المزاولين، وتعطُّشِهم إلى كتابٍ مُذَكِّرٍ أو معين، ما حداني إلى أن نفضتُ منها عُثَّ الهِجْران، وأَمَطْتُ عنها عناكب النِّسْيان، ورجائي من أهل الأدب ورواته، وأطبَّاء اللسان وأُسَاته، أن يتلقَّوْها تلقَّيَ الجيش للرَّبيئة، ويضموا إليها ما تُوضِحُه شمسُ أفهامهم المضيئة.

стр. 4

مقدمة الغرض من تدريس الإنشاء: هو إبلاغ المتعلم إلى الإفصاح عن مراده، كتابة أو قولاً مِن أقرب طريق، وسلوكِ سبل الإفهام بأحسن ما يُستطاع من التعبير، ومن الواضح أن ذلك لا يحصل بقواعد مطردة، بل الأصل فيه هو الممارسة، ومزاولة مآثر نوابغ الكُتَّاب في ألفاظهم ومعانيهم، لتحصل منها في ذِهْن المُطَالِع قوالبُ غيرُ جُزْئِيَّة تُفرَغُ فيها أمثالُها، وإنما القواعد التي تُدرَس في هذا الفَنِّ ليست غير أُنموذجٍ من طرق التعبير، أو كليات في حُسْن التنسيق واختلاف أغراض الكلام ونحو ذلك، مما يجعلُ بصيرةَ المتعلِّم قادرةً على الحكم والتمييز بين ما يجب أن يأخذَه وما يجب أن يتركَه. إذن، فالإنشاء: علمٌ تُعرَف به كيفيَّةُ أداء المعاني التي تخطُِر بالذِّهْن أو تُلقَى إليه، على وَجْهٍ تتمكَّنُ به من نفوس المخاطبين، من حيث حُسْنُ رَبْطِ أجزاء الكلام، واشتماله على ما يُستَجَاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب، مع بلاغته. فقولنا: (تُعرَفُ به كيفيَّة أداء المعاني) يدخل فيه علوم اللغة كلُّها.

стр. 5

وقولنا: (التي تخطُِر بالذهن أو تُلقَى إليه) لقَصْد التعميم؛ لأنَّ من الناس من لا يحسن التعبير عن غير المعاني التي تخطر بذهنه، فإذا كُلِّفَ إنشاءَ شيءٍ اقتُرِحَ عليه لم يستطع، حتى قيل: إنَّ الأفضل للكاتب أن يكتب كما يريد ويُرَادُ منه. وقيل: إنَّ الحريريَّ صاحب المقامات لَمَّا أُحضِر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّفَ كتابةَ كتابٍ أُفْحِمَ حتى قيل فيه: شَيْخٌ لنَا مِنْ رَبيعَةِ الفَرَسِ ... يَنْتِفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الهَوَس أنطقَه الله بالعراق كمَا ... ألْجَمَهُ في بغدادَ بالخَرَس وقولنا: (على وَجْهٍ تتمكَّن به من نفوس المخاطبين بها) خرج به علم اللغة، والنحو، والصرف، إذ لا يشترط فيها ذلك. وقولنا: (من حيث حسن ربط أجزاء الكلام ... إلخ) لإخراج علم

стр. 6

البلاغة؛ لأنه لا تشترط فيه تلك الحيثيَّة، وبذلك فارق هذا الفنُّ بقيةَ فنون الأدب اللساني. وقولنا: (ما يُستَجاد من الألفاظ، ويحسن من الأساليب) إشارةٌ إلى أنَّ من أخصِّ وظائف المنشئين التَّدَرُّبَ على اختيار أخفِّ الألفاظ استعمالاً ورَوْنَقًا، وتحسين أسلوب الخطاب واختيار ما يناسب المقام منها وسيأتي الكلام على اختيار الألفاظ في القسم اللفظي والكلام على الأساليب بعد هذا. وقولنا: (مع بلاغته) لإخراج ما ليس ببليغ، فليس من الإنشاء المبحوث عنه عُرفًا، وإنما هو التعبير عن المعاني كيفما اتفق، وذلك لا يَتوقَّف إلا على معرفة المفردات، وكيفية رَبْط الكَلِم بعضها ببعض، والبحثُ عنه في أُولَيَات علمي النَّحْو والصَّرف. وموضوعُه: الكلامُ العربي من حيث رَبْط جُمَلِه ومحاسن كَلِمَه، وبذلك فارق موضوع البلاغة؛ إذ الإنشاء لا يتعلَّق إلا بالكلام المشتمل على جُمَلٍ كثيرة، ولا يدخُلُ الجملةَ الواحدة المفيدة، إلا أنَّ بعض أبوابٍ من البلاغة لا تخلو من شديدِ انتسابٍ بمسائل الإنشاء، كالفَصْل والوَصْل، والإيجاز والإطناب، وبعض المحسِّنَات البديعيَّة. واستمدادُه: من كلام البُلَغَاء وخُطَبهم، ورسائلهم، وأشعارهم، وآداب العرب وعوائدهم، ومشهور أحوال الأمم المعروفة وأمثالها، قال ابن الأثير في المثل السائر: "قد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلَّقَ بكلِّ عِلْمٍ، وأهمُّ ما يَفتقِر إليه أنواع ثمانية: علم العربية، وأمثال العرب العَارِبَة ومَنْ

стр. 7

بَعدَهم وأيامُهم ووقائعُهم، والاطلاعُ على كلام المتقدِّمين من الكُتَّاب في النَّظم والنَّثر، وحفظ كثيرٍ منه، ومعرفةُ الأحكام السُّلْطَانية، وحفظُ القرآن والتدرُّب به، ومشهورِ الأخبار النبوية". ولم يكن فنُّ الإنشاء مخصوصًا بالتأليف، ولكنه كان مِنْ جُمْلَة فنون آداب اللغة العربية، فيوجَد بعضُ مسائلِه متناثرًا في كتب البلاغة، ومختارات خُطَب العَرَب، ومُلَحِهم، وبَدَاهَة أجوبتِهم، وأمثالِهم، فتكون مسائلُه مشمولةً بالرِّوَاية من أواخر عصر الدولة الأموية؛ إذ كان ابن القِرِّيَّة قد عُنِي بنوادر العرب ومُلَحِهم، ثم شُمِلت بالتدوين في أوائل الدولة العباسية، ضِمْنَ كتب أدب العرب، مثل كتاب أبي عبيدة وأضرابه، ثم كان بَعْدُ مُدرَجًا في كتب بلاغة العربية إلى أن شَبَّ شباب ديوان الإنشاء في الدولة العباسية وما تفرَّع عنها، فأصبح بُلَغَاء الكُتَّاب

стр. 8

يُميِّزُون مسائل هذا الفن بالتدوين، وذلك من منتصَف القرن الثالث، فمنهم من جَمَع ما صَدَر عنه من بديع المراسلات أو الخطب أو المقامات، ومنهم من جَمَع أفضل ما يُؤثَر عن العرب ومَنْ يليهم من غُرَرِ الخطب وبدائع الجُمَل، كما صنع الجاحظ في بيانه (توفي سنة ٢٥٥ هـ)، ومنهم من جَمَع أمثال العرب ومُوجَزَ أقوالِهم، كما فعل أبو منصور الثعالبي في جُلِّ كتبه (توفي سنة ٤٣٠ هـ)، ثم جاء الذين حاموا حول ضبط الأصول وتدوين القواعد، فمزجوا الفَنَّ بمسائل علوم البلاغة والمحسِّنات، وأكثروا فيما عدا ذلك بالوصايا على تَتَبُّع مُنْشَئَات البُلَغَاء من الكُتَّاب، وأتوا بجُملة منها ووازنوا بينها؛ لتحصلَ للمتعلِّم مَلَكَةٌ يقتدِر بها على تمييز الحَسَن من غيره، والنَّسْج على مِنوال ما يراه حسنًا، وفي هذه الطريقة ظهرت أفضلُ كتب الفنِّ وأقربُها إلى الطريقة التعليمية، كما فعل ابن الأثير في (المثل السائر)، وسبقه في ذلك أبو هلال العسكري في (كتاب الصناعتين) (توفي سنة ٣٩٥ هـ) وعلى وَقْع خُطَاهم اقتفى السَّالكون، المطوِّلون كتبَهم والمقصِّرون. ومَلَكَةُ الإنشاء تُكتَسب من جهة المعنى، ومن جهة ما يُعبِّر عن المعنى وهو اللفظ والكتابة، فالأول ينحصر في معرفة إيجاد المعنى في الفِكْر، وترتيبِه، والاستنتاج منه. والثاني يبحث عن حال اللفظ ومناسبتِه للمعنى مُفرَدًا أو مركَّبًا، وذلك أصول أساليب الكتابة. هذا وللإنشاء فضيلةٌ واضحةٌ، فإنه لم يَخْلُ عَصْرٌ من رجالٍ تمكَّنوا

стр. 9

من سَوْقِ غيرهم بعِصِيِّ آرائهم، ففي الحديث: "إنَّ من البيان لَسِحْرًا"، وقد اختار الله تعالى المعجزةَ لأصحاب اللسان العربي بلاغةَ القرآن، وقديمًا ما عالج ديموستين -الخطيب اليوناني- من العَنَاء لِيَتدَرَّبَ على الخطابة التي تَمَكَّن بها بَعْدُ على قهر فيليبوس مَلِك مقدونيا ووالد الإسكندر، وسمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ زياد بن أبي سفيان -وكان يومئذٍ لا يُدعَى لأبيه- يخطُب في زمن عمر ﵁ فقال:

стр. 10

"لو كان هذا الفتى قُرَشِيًّا لسَاقَ العَرَب بعَصَاه". ولولا مكانةُ عبد الله بن المقفَّع الشهير في الكتابة لَمَا سَلِم عبدُ الله بن علي بن عبدالله بن عباس -أخو السَّفاح- من غَدْر ابن أخيه أبي جعفر المنصور، فإنَّ ابن المقفع كتب له على المنصور عَهْدًا لم يترك للمنصور فيه مدخلاً للخيانة إلا سدَّه عليه.

стр. 11

كيفية الإنشاء للمعنى الإنشاء كاسمه إحداثُ معانٍ منسَّقَةٍ ومُفْرَغَةٍ في غَرَضٍ مطلوب، فإذا أُحسِن وصلُها وجمعُها جاء الإنشاء كاملاً. وأساس ذلك ثلاثة أمور: المعنى الأساسي، وتفصيله، وإيضاحه. أما المعنى الأساسي: فهو الموضوع الذي يجول في الفِكْر ويجيش به الخاطِر، وهو غَرَضٌ إجماليٌّ يجب إحضارُه على إجماله، ثم يَشرَعُ في بيانه وإقناع السامعين به، فهو نظير (المطلوب) في اصطلاح المناطقة، أعني ما يُقَامُ عليه البُرْهَان. وهو في اصطلاح الكُتَّاب: ما تُتَرْجَمُ به الرِّسَالة أو تُعَنْوَنُ به المقالة، مثل قولنا: العِلْمُ أساس العُمْران، والاتِّحَاد سبب القوة. ولا نريد من إجماله كونه بسيطًا، وإنما نريد أنه غيرُ ملحوظٍ فيه التَّفريعُ ابتداء. وأما تفصيل المعنى: فهو التَّبَصُّرُ في تقاسيمه وفروعِه، وتفكيكُه بإطالة النَّظَر فيه؛ للتنبُّهِ إلى ما ينحَلُّ إليه من الحقائق والأدلَّة والمُرغِّبَات أو المُنفِّرات. وأما الإيضاح: فهو شرح تلك المعاني وذِكْرُ أدلتِها وفروعها، ليمكن حينئذٍ التعبير عنها بوجه سَهْلِ التصوُّر للسامعين، فإذا حصل ذلك لم يبق إلا كَسْوُ تلك المعاني بالألفاظ، فتسهُل الإفاضة في إنشاء الموضوع المرادِ، على حَدِّ ما قيل: فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلاً فَقُلِ

стр. 12

نُقِل عن عبد الله بن المعتز أنه قال: "البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وما حَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أُعمِلَ فيه الفِكْرُ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها". واعلم أنه قَلَّمَا يستطيع الكاتب أو الخطيب أن يتناول الموضوعَ من أوله إلى نهايته دَفْعَةً واحدة، فإن هو كَلَّف عَقْلَه ذلك أرهقه ضَجَرًا، ولاسِيَّمَا عند تَشَعُّبِ الموضوع وكثرة المعاني فيه، فيكادُ ييأسُ من المقدرة عليه؛ إذ تلوح له معانٍ كثيرةٌ فَيَرُوعُه انتشارُها ولا يدري كيف يبتدئُها، ولكنه إن اتَّبَع هاتِه الطريقةَ المشروحةَ، ورَتَّبَ المعاني الأساسية، وآخَى بين المعاني الفرعِيَّة التي هي من نَوْعٍ واحدٍ، وأحسنَ ترتيبَها، فذلك وقتُ رَفْعِ القَلَم من الدَّوَاة للكتابة، أو وقت الانتصاب للخَطابة؛ لأنَّ ثِمَار الفِكْر قد أينعت وآن قِطَافُها. مِثالٌ لل تمرين: كتب ابن الأثير في الزُّهْد في الدنيا ما يأتي: "الناس في الدنيا أبناء السَّاعة الرَّاهنة، وكما أنَّ النفوسَ ليست بقاطنة، فالأحوال ليست بقاطنة، ولا شبيه لها إلا الأحلامُ التي يتلاشَى خيالُها عاجلاً، وتجعَلُ اليَقَظَةُ حقَّها باطلاً، وما ينبغي حينئذٍ أن يُفرَح بها مقبلة، ولا يؤسى عليها مُدْبِرَة، وكلُّ ما تراه العَيْنُ منها ثم

стр. 13

يذهب فكأنها لم تَرَهُ، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يُمَدَّ له في عُمُره، ويُمْلَى له في امتداد كُثْرِه. أمَّا تعميرُه فيعترضُه المشيب الذي هو عدمٌ في وجود، وهو أخو الموت في كلِّ شيءٍ إلا في سُكْنَى اللُّحُود. وأمَّا مالُه فإن أمسَكَه فهو عُرْضَةٌ لوارث يأكلُه، أو حادثٍ يستأصلُه، وإن أنفقَه كان عليه في الحلال حِسَابًا، وفي الحرام عِقَابًا، فهذه زَهْرَةُ الدنيا النَّاضِرة، وهذه عُقْبَاها الخاسرة". فقوله: (وما ينبغي حينئذٍ أن يُفرَح بها مقبلة، ولا يؤسَى عليها مدبرة) هو المعنى الأساسي. وقوله في الدنيا: (ولا شبيهَ لها إلا الأحلامُ ... ) إلخ الفِقْرات. وقوله: (وهو أخو الموت في كلِّ شيءٍ ... ) إلخ الفِقْرة. من قبيل إيضاح المعنى. وقوله: (الناس في الدنيا). وقوله: (وكل ما تراه العين) مع بقية الكلام، ذلك كلُّه من قبيل تفصيل المعنى، وقد خَلَط ترتيبَها خلطًا تظهرُ به مقدرةُ المتعلِّم عند تمييز بعضها من بعض، بحسب المراتب الثلاثة المذكورة.

стр. 14

أساليبُ الإنشاء للإنشاء أساليبُ متنوعةٌ باختلاف الأغراض، والمَعْنِيُّ باختلاف أساليب الإنشاء اختلافُ مستعمَل الألفاظ، واختلافُ كيفيَّةِ رَبْط الجمل تَبَعًا لاختلاف الأغراض، وذلك أمرٌ وراء اختلاف المعاني، واختلاف مقتضيات الأحوال، المدوَّن لأولِها علم اللغة والنحو والصرف، ولثانيها علمُ البلاغة، وهو الأمر الذي إذا حَصَل جاء الكلامُ عربيًّا، وبضَيَاعِه تضيع اللَّهْجَةُ العربيةُ مع بقاء المفردات اللغوية، وبقاء قواعد فنِّ البلاغة، ولهذا لا تجد مشابَهةً بين كلام المتكلِّفين من الأُدَباء، وبين

стр. 15

كلام العرب ومَنْ يليهم من البلغاء أهلِ اللِّسان، وأحسنُ قولٍ يُفْصِح عن هذا قولُ الشيخ عبد القاهر ﵀ في (دلائل الإعجاز): "إنَّ النَّظْمَ هو تَوَخِّي معاني النحو فيما بين الكَلِم على حسب الأغراض". وطريق علم ذلك: هو عَرْضُ الأساليب المختلفة من كلام البلغاء على المتعلِّمين؛ ليحصلَ لهم من اختلاف أمثلتها صُوَرٌ متنوعةٌ، يَلُوحُ لأذهانِهم منها وقتَ مُحَاولةِ الإنشاء أُنْمُوذجٌ فيما يصلح له من الأغراض، وهو الذي سمَّيْنَاه فيما مضى بـ (القوالب غير الجُزْئِيَّة). ألا ترى أن النبي ﷺ لَمَّا راجَعَه بعضُ المسلمين في دِيَة الجَنِين بقوله: "كيف نَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلك بَطَل"، قال له على وجه التوبيخ: "أَسَجْعًا كَسَجْعِ الكُهَّان؟ "، فعاب منه الأسلوبَ، وإن كان كلامُه عربيًّا بليغًا. وقد جادل عتبةُ بن ربيعة قريشًا حين أجمعوا على أن يعتذروا لوفود العرب عامَ

стр. 16

ظهورِ دعوةِ النبي ﷺ إلى الله بالقرآن بأن يقولوا: هو شِعْرٌ، أو كَهانةٌ، أو سِحْرٌ. فقال لهم: "والله ما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهن، ولقد عرفت الشِّعْرَ ورَجَزَهُ وقَصِيدَهُ فما هو بشيءٍ من ذلك، وما هو بكلامِ بَشَرٍ". فَفَرَّقَ بين القرآن وبين غيره باختلاف الأسلوب. ومن الغَلَط أن يَقتصِرَ متعلِّم الإنشاء على أسلوبٍ واحدٍ يعكُف عليه، مثل أن يَقتصِر على أسلوب (مقامات الحريري)، أو (رسائل ابن الخطيب) أو غيرهما، فلا يَرتَسِمُ في ذِهْنِه إلا ذلك، حتى إذا أراد أن ينشئ لم يستطع أن يعدو ذلك الأسلوب، مع أنه لا يحسن في جميع مواقع الإنشاء، كما أنه لا يحسن أن يَقتصِر على نوعٍ من أنواع الإنشاء الأدبي، كالرسائل فقط، فإنَّ للإنشاء أنواعًا كثيرة: فمن أنواعه: المُرَاسَلَة، والخطابة، والمُحَادَثة، والتَّصْنِيف،

стр. 17

والمقامات، والوَصْف. وكلُّها فنونٌ كثيرة، ويجيء الإنشاء فيها نظمًا ونثرًا، ولكلٍّ منها لهجةٌ وأسلوبٌ يُخَالِفُ ما لغيرِه، فلا بد من ممارسة طرق البلغاء في هاتِه الأنواع وفنونِها ليحصل للمُمَارِس ذَوْقٌ ومَلَكةٌ يستطيع به أن يَعرِف ما يجب في كلِّ مَقَامٍ من هاتِه المقامات، بحسب العُصُور والعَوَائد، فليس ما يحسن للشاعر أو الخطيب يحسن للمؤرِّخ، فلو أنَّ أبا نصرٍ العُتْبِيِّ وَهَب محاسن إنشائه لغير كتابِ (التاريخ اليميني) لَمَا قَصُرت شهرتُه عن شهرة الحريري، ولكنه غلط في الوَضْع. قال بشر بن المعتمر: "ينبغي للمتكلِّم أن يعرفَ أقدارَ المعاني، ويُوازنَ بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعلَ لكلِّ

стр. 18

طبقةٍ من ذلك كلامًا، ولكلِّ حالةٍ من ذلك مَقَامًا، حتى يَقسِم أقدار الكلام على أقدار المعاني، وأقدارَ المعاني على أقدار المقامات، وأقدارَ المستمعين على أقدار تلك الحالات. فإن كان [الخطيبُ متكلِّمًا] تجنَّبَ ألفاظ المتكلِّمين (علماء الكلام)، وإن كان واصفًا أو مُجِيبًا أو سائلاً كان الأَوْلى به ألفاظُ المتكلِّمين".

стр. 19

القسم الأول: المعنوي إنما ينشئ المنشئ معاني يعبَّر عنها بألفاظ، فمادة الإنشاء هو المعنى واللفظ ظَرْفٌ له، فإذا حاول الكاتبُ حتى ابتكرَ شريفَ المعاني أطاعَتْهُ الألفاظُ وجاء إنشاؤُه متينًا واضحًا ولأمرٍ مَّا تفاوت البلغاء والشعراء من العرب في الإجادة، مع أنهم ينطِقون بِلُغَةٍ واحدة، لا يتفاوتون في العلم بها وبخصائصها، وإنما تفاوتُهم في ابتكار المعاني والنَّبَاهة في التعبير عنها، وكذلك الأمر فيمن بعدهم من المولَّدين، فقد تجد الإمامَ في اللغة لا يستطيع إنشاء رسالةٍ ينشئُها مَنْ هو دونَه عِلْمًا، كما قيل: "إنَّ ابنَ دُرَيْدٍ شاعرُ العلماء"، مع أنَّ كثيرًا ممن هو دونه أجودُ منه شِعْرًا بكثيرٍ. قال الشيخ عبد القاهر في (دلائل الإعجاز): "إنَّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدَةٌ، ولا من حيث هي كَلِمٌ مفردةٌ، وإنما الفضيلة وخِلافُها في مُلاءَمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك".

стр. 20

فيدخل في قوله: (وما أشبه ذلك) ما ذكرناه هنا. وقد بَسَط هذا وكرَّرَه في مواضع من (دلائل الإعجاز). وقال التفتازاني في شرح قول المفتاح: (وأصل الحُسْنِ في جميع ذلك أن لا تكون المعاني توابعَ الألفاظ) ما نَصُّه: "إن المعاني إذا تُرِكت على سَجِيَّتِها طَلَبت لأنفسها ألفاظًا تليق بها، فيحسن اللفظ والمعنى جميعًا، وإذا أتي بالألفاظ متكلَّفةً وجُعِلت المعاني تابعةً لها فات الحُسْنُ لفوات ما هو المقصِد الأصلي والغَرَض الأوَّلي، بل ربما صارت جِهَةُ حُسْنِ الكلام جِهَةَ قبحٍ لكون الكلام كظاهرٍ مُمَوَّه على باطن مُشَوَّه". فيجب على المتعلِّم الاهتمامُ أول الأمر بإيجاد المعاني، والبحث عن الحَسَن منها، ومحاولةُ التعبير عن الحوادث والصِّفَات ومظاهر المخلوقات، فإنَّ ذلك أسهلُ تناولاً، ثم يرتقي إلى التعبير عن الوجدانيَّات النفسيَّة، ثم إلى التعبير عن الحقائق الحِكْمَيَّة ونحوها. ولا ينبغي للمتعلِّم أن يجعل جُلَّ عِنَايته باقتباس آثار الكاتبين ونَقْل معانيهم؛ لأنَّ اعتماد ذلك يُصَيِّرُه غيرَ قادرٍ على مجاوزة معاني السَّالفين، نعم، يجوزُ له ذلك في ابتداء التعلُّم، إذا لم يستطع في وقتٍ من الأوقات إحضارَ معنى، أن يأخذَ رسالةً أو شِعْرًا فيحوي معانيه دون ألفاظِه، ثم يكلِّف نفسَه التعبيرَ عنه، ولا بد أن يكون ذلك مرادَ ابنِ الأثير في كتابه (الجامع الكبير) إذ قال: "يجب على المبتدئ في هذا الفنِّ أن يأخذَ رسالةً من الرَّسائل، أو قصيدةً من الشِّعْر، ويقفَ على معانيها، ويتدبَّر أوائلَها وأواخرها، ويقرِّر ذلك في قلبه، ثم يكلِّف نفسَه عمل مثلِها

стр. 21

مما هو في معناها، ويأخذ تلك الألفاظ، ويُقيم عِوَض كلِّ لفظةٍ منها لفظةً من عنده تَسُدُّ مَسَدَّها". والنظرُ في تعيين هاته المواضيع لمدرِّس فنِّ الإنشاء.

стр. 22

تعريف المعنى وتقسيمُه عرَّف السيد الجُرْجَانيُّ المعنى بأنه "الصُّورة الذهنيَّةُ من حيث تُقْصَد من اللفظ فهمًا أو إفهامًا". وفوائد القيود ظاهرة. ثم إن المعنى ينقسم إلى بسيط، ومُكَيَّف: فالبسيط: هو الخالي عن التَّحسين، ويسمَّى (الخاطر)، سواء كان مشهورًا نحو: العلم نافعٌ، أم كان عزيزًا نحو: الصَّمْتُ حِكْمَة، والجِدَةُ عَوْنٌ على المروءة. والمكيَّف: هو الذي زِيدَ فيه تنميقٌ من خُصُوصِيَّاتِ الكلام؛ لإفادة محاسنَ للمعنى، وتقرير له، كالاستعارة في مثل: "لا يُلدَغ المؤمن من جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ"، و (الإحسان سلاح النَّصْر). وكذلك التقديُم لإفادة الحَصْر، ونحو ذلك. وقد يسمَّى بالشُّعُور ما كان دقيقًا خفيًّا، كالمعاني الشِّعْريَّة.

стр. 23

صِفَاتُ المعنى للمعنى ثلاث صفات لِحُسْنِه يجب توخِّيها، وهي: الوضوح، والسَّدَاد، والشَّرَف. أما الوضوح: فهو سُهُولة مَأْخَذِه من قول صاحبِه، بأن يخلو عن اللَّبْس، وعن التَّعقيد المعنوي، وعن الكنايات الخَفِيَّة. وقد تَكَفَّل ببيانها علمُ البلاغة، إلا إذا كان في مَقَامٍ يُرَادُ فيه الإخفاءُ أو التَّشكيك، فيجوز من اللَّبْسِ والكناية ما هو خَفِيفٌ. والأحسنُ أن يكون المعنى المطلوب أظهرَ من الآخر، فمن هذا قول المتنبي في كافور: وَمَا طَرَبي لَمَّا رأيتُكَ بِدْعَةً ... لقد كنتُ أرجو أن أَرَاك فَأَطْرَبُ قال أبو الفتح ابن جني: "قرأتُ على أبي الطيِّب ديوانَه إلى أن وصلتُ إلى هذا البيت، فقلت له: يا أبا الطيب: ما زِدْتَ على أن جَعَلْتَه (أبا زَنَّة) فضَحِك لقولي". وكذلك في مقام المَزْح أو الاستخفاف، مثل ما ذُكِر عن إياس القاضي مع الذي قال له: أين القاضي؟ فقال: بينَك وبين الحَائِط.

стр. 24

إلى أن قال له: اقضِ بَيْنَنَا. قال: قد فعلتُ. قال: على من؟ قال: على ابنِ أخت خالتك. وقال النبي ﷺ للذي تأوَّل الخيطَ الأبيض والأسود على حقيقتِهما: "إنَّك لَعَريضُ القَفَا". ومن هذا القبيل: الإلغاز؛ لاختبار تنبُّه السامع، أو للإخفاء عن الغير، كما حُكِيَ أنَّ أعرابيًّا أوصى إلى قومه ينذرُهم عُدوَّهم -وكان أسيرًا بِيَدِ العدو-: "إنَّ العَوْسَجَ قد أَوْرَقَ، واشتكت النِّسَاء. واتركوا ناقتي الحَمْرَاء فلطَالَما رَكِبْتُمُوها، واركبوا جَمَلي الأسود، واسألوا الحارث عن خبري".

стр. 25

قال ابن الأثير في المثل: "إنَّ الكاتب أو الشاعر ينظرُ إلى الحال الحاضِرَة، ثم يستنبِطُ لها ما يُنَاسِبُها من المعاني". وأما السَّدَاد: فهو الموافَقَة للواقع، والمطابقة لمقتضى الحال من غير زيادة، كقول لبيد: ألا كلُّ شيءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا مَحَالةَ زَائِلُ وقول الآخر: إذا امتحنَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ ... له عن عَدُوٍّ في ثياب صَدِيق وقد يخرج عن ذلك إلى المبالغة إذا اقتضاها الحال، فيُقبَلُ منها ما اقتُصِدَ فيه. كما تقرَّر في البيان. وأما الشَّرَف: فهو أن لا يكون المعنى سخيفًا، ولا مشتملاً على فُضُول، سواء كان سابقًا للذهن أم مبتكَرًا، وكلاهما يُجتنَبُ إذا كان سخيفًا مُبتذَلاً، ومن المبتكَر السَّخيف قولُ المعرِّي: فَيَا وطَنِي إن فاتَنِي بكَ سَابقٌ ... مِنَ الدَّهْرِ فَلْيَنْعَمْ لِسَاكنِكَ البَالُ فإن أَسْتَطِعْ في الحَشْرِ آتِكَ زَائِرًا ... وهيهاتَ لي يومَ القيامةِ أشغالُ وقوله في مرثيَّةٍ لوالد الشَّريف الرَّضي: إن زارَه الموتى كَسَاهُمْ في البِلَى ... أَكْفَانَ أَبْلَجَ مُكْرِمِ الأضياف واللهُ إِنْ يَخْلَعْ عليهم حُلَّةً ... يَبْعَثْ إليه بمثلِها أَضْعَاف ومن غير المبتكر وهو سخيفٌ ما خَطَب به والي من ولاة اليَمَامة

стр. 26

يَعِظُ الناس فقال: "إنَّ الله لا يَقَارُّ عبادَه على المعاصي، وقد أهلك الله أُمَّةً عظيمةً في نَاقةٍ ما كانت تساوي مئتي درهم". وفي رواية: "قيمتها مئتا درهم". فلقَّبوه: مُقَوِّمُ النَّاقة. وقد رأيتُ نسبة هذه الخطبة لعبيدالله بن الزبير حين كان والي المدينة، وأنَّ ذلك لَمَّا بَلَغ أخاه عبدَالله عَزَلَه، وأَوْلَى عِوَضَه مصعبًا. وقد يعرِض للمعنى الشريف سَخَافَةٌ إذا وقع في غير موقعه، كما قال أبو فِرَاس: ولكنَّنِي والحمدُ للهِ حَازِمٌ ... أُعَزُّ إذا ذَلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ فإنَّ ذِكْرَ حَمْدِ اللهِ على حقيقته في مقامِ غَرامٍ وفَخْرٍ لا يخلو من سَمَاجة. فأين هو من قول الآخر: وقد زَعَمَتْ أنِّي نَذَرْتُ لَهَا دَمِي ... وَمَا لِيْ بِحَمْدِ الله لَحْمٌ ولا دَمُ حيث ورد في مقام الشِّكَايَةِ، وحَسُنَ بكونِه مستعمَلاً مجازًا على طريقة التَّمليح.

стр. 27

طرق أخذ المعنى هي ثلاثة: الابتكار، والبَدَاهَة، والشُّهْرَة. أما الابتكار: فهو استنباط المعنى بفِكْرٍ ونَظَرٍ، وهذا الاستنباط إما أن يَعرِضَ للمعنى من أَصْلِه، نحو تشبيه ابنِ نُبَاتَةَ اجتماع الفَرَح والأَسَفِ، وجَرَيان دَمْعٍ مع ابتسَامٍ، بِوَابِلِ غَيْثٍ في وقت الضُّحَى. وإما أن يكون بالأَخْذِ من الغير مع حُسْن التَّصَرُّف، نحو قوله: النَّاسُ لِلْمَوْتِ كَخَيْلِ الطِّرَادْ ... فَالسَّابِقُ السَّابِقُ منها الجَوَادْ أَخْذًا من حديث: "إنما يُعَجِّلُ الله بِخِيَارِكُم". أو بتركيبِ شيئين معروفين والجَمْعِ بينهما، مثل قول مَنْ قال:

стр. 28

لا أدخلُ البَحْر إنِّي ... أخافُ منه المعاطِبْ طِينٌ أنا وهو مَاءٌ ... والطِّينُ في الماء ذائِبْ فقد أَخَذَهُ من كَوْنِ الإنسان طينًا والبَحْرِ ماءً، وذلك واضحٌ مشهور، ولكنَّه تنبَّه إلى الجمع بينهما، وذَكَر أَثَر اجتماعِهما فأحسن الاعتذار. ويسمَّى المعنى الحاصل بالابتكار: عزيزًا وغريبًا. وأما البَدَاهَة: فهي أَخْذُ المعنى الواضح للعقل من وِجْدَانٍ ومشاهدَة، ولا فضل فيه إلا لحُسْن التعبير، ونَبَاهَة المعنى في إحاطته بملاحظةِ مَا تَجِبُ ملاحظتُه. وقد يبلُغ المعنى من دِقَّةِ الوجدان ما يُلحِقُه بالمعاني المبتكَرة، وكلُّ هذا يظهر في الشِّعْر الغَرَاميِّ والتَّوصِيفيِّ وحكايات الأحوال، ومثالُه قَوْلُ من اعتذر عن فِرَاره من الزَّحْف: ألا لا تَلُمْنِي إِنْ فَرَرْتُ فإنني ... أخافُ على فَخَّارَتِي أن تُحَطَّمَا فلو أنني في السُّوقِ أَبْتَاعُ مثلَها ... وَحَقِّكَ ما بَاليتُ أَنْ أتقَدَّمَا وقول الصاحب بن عباد من رسالةٍ في وَصْفِ مُنهَزِمين: "طَارُوا وَاقِينَ بظهورِهم صدورَهم، وبأصلابِهم نُحُورَهم". فإنَّه لم يزد على حُسْن التعبير عن الحالة المشاهَدة. وقولُ أبي نواس في وَصْف كؤوسِ ذهبٍ بها تَصَاويرٌ: تُدَارُ علينا الرَّاحُ في عَسْجَدِيَّةٍ ... حَبَتْهَا بأنواع التَّصَاويرِ فَارِسُ قَرارَتُها كِسْرى وفي جَنَبَاتِهَا ... مَهًا ثَوَّرَتْهَا بالقِسِيِّ الفَوَارِسُ ويسمَّى المعنى الحاصل بذلك بسيطًا؛ إذ الفضل كما قلنا للتعبير.

стр. 29

وأمَّا الشُّهْرَة: فهي عِبَارةٌ عن شُيُوع المعنى، حتى لا يكاد يتكلَّف المتكلِّمُ في استحضاره شيئًا من عَمَل الفِكْر، ويسمَّى المعنى بـ (المبتذَل)، ويدعو البليغَ إليه إما تَعيُّنُه، وإما لِكَوْنِ المقامِ مقامَه، كخطاب العَوامِّ والصِّغَار، وينبغي أن تُجَنَّبَ عنه مقاماتُ الإبداع والصَّنْعَة، ولذلك نعيب على ابن الخطيب ﵀ قولَه في وصَيَّتِه البديعة: "والطَّهَارةُ التي هي في تحصيلها سببٌ مُوَصِّل، وشَرْطٌ من شروطِها مُحَصِّل، فاستوفوها، والأعضاءَ نظِّفُوها، ومياهَها بغير أوصافها الحميدة فلا تَصِفُوهَا، والحُجُولَ والغُرَّ فأطيلوها .. إلخ". فإنَّه ما كان مترقَّبًا من مثل ذلك الوزير العالِم أن يضمِّن وصيَّةَ أبنائه الغُرِّ الأنجاب، ما يتعلَّمُه الصِّبيان في أيام الكُتَّاب، خصوصًا في أضيق أوقات الكلام، وأحوجِه إلى الملأ بالمَهَام. ومن العجائب أنَّ ابن الأثير ذكر في (المثل السائر) فصلاً لنفسه من رسالةٍ قال فيها: "وأَقْبَلَتْ ربائِبُ الكِنَاس، في مُخْضَرِّ اللباس، فقيل: إنَّما اخترنَ الخُضْرَة من الألوان، ليَصِحَّ تشبيهُهُنَّ بالأغصان". فَعَدَّ هذا معنًى مبتدَعًا وأُعْجِبَ به مع أنَّه معنًى مبتذَلٌ شائعٌ.

стр. 30

ترتيبُ المعاني وتنسيقُها وتهذيبُها اعلم أنه لا سبيلَ إلى الاستنتاج إلا الترتيبُ، ولا يحصُل ترتيبُ المعاني إلا بتقريرها في الذِّهْن ابتداءً، ثم رَعْيُ التَّنَاسبِ بينها بتفكيكِها وتقسيمِها والموازنةِ بينها. والخطيبُ أحوجُ إلى هذا من الكاتب -كما يأتي في الخطابة- لأنه يقولُ ولا يكتبُ، فلا يُعِينُه إلا الاعتمادُ على الترتيبِ الطبيعيِّ للكلام، حتى يعتاد ذهنُه ذلك، ويصير له دُرْبَةً وسَجِيَّةً، كي لا يُرتَجَ عليه إن لم يقرِّر المعاني في ذهنِه، ولئلا يلعنَ بعضُ كلامِه بعضًا إن لم يرتِّبْهَا ويقسِّمْهَا، ويشهدُ لهذا ما نُقِلَ أنَّ النبي ﷺ قال لعبد الله بن رواحة ﵁: "كيف تقولُ الشِّعْرَ؟ فقال: أنظرُ ثم أقول". وأما التناسب بين المعاني ففيه يَبْحَثُ بابُ (الفَصْل والوَصْل) من علم البلاغة، وكذلك (المطابقة) المبحوث عنها في البديع، و (المزاوجة) أيضًا. وأما التفكيك والتقسيم فهما متشابهان، إلا أنَّ التفكيك عبارةٌ عن استقلال كلِّ معنى بنفسه، وعدمِ تراكم المعاني المسمَّى بـ (المعاظلة) ، المعدود قديمًا من عيوب الكلام. وقد مدح عمرُ ﵁ زهيرًا بأنه:

стр. 31

"لا يعاظل بين الكلامَيْن"، وذلك أنَّ المتكلِّم قد يخطر بباله المعنيان فصاعدًا، فيحاول أن يمزجَهُمَا جميعًا، ويُنزِلَ السامع منزلة المطَّلِع على ضميرِه، كما قال أبوتمام: سَبَقَ المشيبَ إليه حتى ابتَزَّه ... وَطَنَ النُّهَى من مَفْرِقٍ وقَذَال أراد أنَّ السَّيفَ سَبَقَ المشيبَ إلى رأس القَرْنِ فافتكَّ منه الرأس، ومراده: أنه لو لم يُقتَلوا لشَابوا من هَوْل الحَرْبِ، إلا أنَّ هذا لا يدُلُّ عليه لفظُه، ولكنَّه شيءٌ قدَّرَه في نفسِه وتراكم بعضُه على بعضٍ، فعَبَّر عن الصورة التي حَصَلت في ذِهْنِه دَفْعَةً واحدة. وأما التقسيم فهو جمعُ طائفةٍ من المعاني في شِقٍّ من الكلام لارتباطٍ لها ببعضِها، واتفاقٍ في نَوْعٍ أو غايةٍ أو نحوِهما. وقد نُقِل عن بعض الحكماء أنه قال: "الخَطَابة: صِحَّةُ التَّقسِيم". وأكملُه ما استوعب الأقسام كلَّها، كقول علي ﵁: "الحقُّ ثقيلٌ مَرِيءٌ، والباطل خفيفٌ وبيءٌ، وأنت رجلٌ إن صُدِقْتَ سخطتَ، وإن كُذِبْتَ رَضِيتَ". لأنه إذا شَذَّت بعض الأقسام عُدَّ الكلام معيبًا، كما قيل: إنَّ ابن مَيَّادة هَرَب أحدُ عُمَّالِه من صَارِفِه، فكتب ابن ميادة إليه: "إنَّك لا تخلو في هروبك من صارفك: أن تكون قدَّمتَ إليه إساءةً خِفْتَه معها، أو خَشِيتَ في عملك خيانةً فلا بد من مطالبتك". فوقَّع العاملُ تحته: "في الأقسام ما لا يدخلُ فيما ذكرتَه، وهو أني خِفْتُ من ظلمِه

стр. 32

إيَّاي بالبعد عنك، وتكثيرِه عَلَيَّ الباطلَ عندك، فوجدتُ الهَرَبَ إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرَّصُه أَنْفَى للظِّنَّةِ عَنِّي، وبُعْدِي عمَّن لا يُؤمَن ظلمُه أولى بالاحتياط لنفسي". وأما الموازنة بين المعاني فهي من ضروب النقد المعنوي، وإنما تعرِض بين المعنيين المتشابهين فصاعدًا، عند قصد التخيير لما يناسب منها، وكذلك تعرض بين طريقي أداء المعنى الواحد. فمن الأول ما يعرض بين تشبيهِ وحيدِ عصرِه فضلاً وعلمًا بالمسك من بين الدِّمَاء، كما صنع أبو الطيب، أو بالذَّهَب من المعادن، كما ورد في الحديث، أو بالبَيْض من الدِّمَاء كما قيل في انتقاد بيت أبي الطيب. وطريقُ الموازنة في هذا النَّظَرُ إلى أنزه الأشياء وأقربِها لمحاسن الموصوف. والثاني كالموازَنة بين أداء المعنى بالحقيقة أو بالمجاز، وبالتَّصْريح أو بالكناية -مثلاً- فقد ذكر الأصوليون والبيانيون مقاماتِ العدول عن الحقيقة إلى المجاز، ألا ترى أنَّ المجاز قد يَقبُح في مقام الجِدِّ

стр. 33

والحُزْن -مثلاً- مثل ما ترى في قول بعضهم: (دمعةٌ أَمْطَرَتْهَا عيني، فَأَعْشَبَ لها قلبي)؛ إذ لا تناسب بين امتلاء القلب حُزْنًا وبين اعْشِيشَابِ الأرض، بل هو بخلاف المقصود أقرب، وكذا قولُ الزمخشري في رثاء شيخه أبي مُضَر: وقائلةٍ ما هَاتِه الدُّرَرُ التي ... تَساقَطُ مِنْ عينيكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَين فإنَّ المقامَ ليس مقامَ تشبيهِ دمع الحُزْن بالدُّرَر، وإن كان قصدُه أن يَصِلَ بذلك إلى تشبيه فوائد شيخِه، لكنه جاء بافتتاحٍ تنكرُه النَّفْسُ، خلافَ قول الآخر: فأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ ... وَرْداً وَعَضَّتْ عَلَى الْعُنَّابِ بِالبَرَد وعلى هذا قياسُ غيرِه. وأما تنسيق المعاني وتهذيبها: فهو تنقيحُها عن كلِّ ما يَعْلَقُ بها مما يكون غريبًا عنها، ولا مناسبةَ له بها من خطأٍ أو صواب. وأظهرُ مواقع الحاجة إليه مقاماتُ الاستطراد، ويسمَّى: (الاعتراض) فإن المتكلِّم أو الكاتب أو الخطيب قد تدعوه إلى الاستطراد دواعٍ كثيرة، ليلقي من المعاني التي يرى الداعي لإلقائها موجودًا، ويخشى أن لا يجد لها مناسبةً غير ذكرِها عند نظيرها، وذلك كاستطراد الدعاء في طوالع الرسائل، أو استطراد قِصَّة أو حادثة أو شِعْر في أثناء رسالة أو خطبة، وتلك سُنَّةٌ قديمة شائعة بين الكُتَّاب والخطباء، فيجب أن يكون ذلك الاستطرادُ شديدَ التعلق بالموضوع، إما لثناءٍ أو بيانٍ أو تحسينٍ أو إظهارِ

стр. 34

إمكانِه أو تنظيرِه أو تذكيرٍ بسابقٍ أو نحو ذلك، فإن عري الاستطرادُ عن شيءٍ من العلاقات المقبولة الواضحة صار أشبه بالهَذَيان، مثل ما وقع لأبي العلاء المعري في نَثْرٍ في رسالةٍ كتب بها إلى قاضٍ شافعي: "كتابي -أطالَ الله بقاءَ سيدي القاضي، شافي العِيِّ وخليفةَ الشافعيِّ، ما جازَ خِيارُ مجلس، ووجبَ حَجْرٌ على مُفْلِس ... إلخ". فإنَّ هذا الظَّرْفَ الذي استطرده لدعائه، لا مناسبة بينه وبين الموضوع، إلا أنه ذكرَ شيئًا من عَلائقِ القُضَاة فرماه جُزَافًا؛ إذ ليس ذلك بأولى من أن يقول: (ما رُدَّتْ شهادةُ زنديق، وقُبِلَ الشاهدان في التطليق).

стр. 35

أخذ النتائج من المعاني كما أن المنشئ قد يستطرد الشيء لمناسبةٍ وتعلُّقٍ بالغرض، كذلك يلزمه سَوْقُ معانٍ غير مقصودة بالذات، ولكنَّ المقصود هو ما تعطيه من النتيجة، وتسمَّى حينئذٍ بـ (المقدِّمَات)، وبيان هذا يأتي عند الكلام على الخَطَابة لكثرة وقوعه فيها، وإنما تعرضنا له هاهنا لأنه قد يقع في غيرها، بأن لا يُفضِي المتكلِّمُ إلى غَرَضِه من أول وَهْلَةٍ خشيةَ نفورِ النَّفْس، أو عدم اتضاح المقصود، وعندي أنَّ هذا من جملة ما يُفَرَّقُ به بين مقامات الإطناب والإيجاز، ومنه ما يسمَّى في فن البديع بـ (حُسْنِ التعليل)، وبـ (حُسْنِ الاعتذار)، ومن الاستنتاج ما وقع في كتابٍ كتب به الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك يستعطفُه ويطلب عفوَه عن زَلَّةٍ، قال: "أما بعد، فإن كنتُ اجترأتُ عليك فلم أجترئ إلا لأنَّ دوامَ تغافلك عني شبيهٌ بالإهمال الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يُؤمِنُ مِنَ المكافأة،

стр. 36

فإن كنتَ لا تَهَبُ عقابي لِخِدْمَةٍ فَهَبْهُ لأياديك عندي، وإلا تفعل ذلك فَعُدْ إلى حُسْنِ العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأُحْدُوثَة، وإلا فأتِ ما أنت أهلُه من العَفْو، دون ما أنا أهلُه من استحقاق العقوبة ... إلخ". وقد تُقَدَّم النتيجة على مقدِّماتها، فَيُؤتَى بها حينئذٍ كالأدلة، وذلك إذا كان المخاطَب غير متوقَّعٍ نُفُورُه، إما لإنصافه أو لطاعته للمتكلِّم أو نحو ذلك، كما تراه في كتابٍ كتب به أبوبكر الخُوَارَزْمِيِّ لتلميذِه يُؤَنِّبُه على المكابَرة، وهو قوله: "بلغني أنك نَاظَرْتَ، فلمَّا تَوجَّهَتْ عليك الحُجَّةُ كَابَرْتَ، ولما وَقَعَ نِيرُ الحقِّ على عنقك ضَجِرْتَ، وكنت أحسَب أنك أعرفُ بالحقِّ مِنْ أن تَعُقَّه، وأَهْيَبُ لحجابِ العَدْلِ والإنصاف من أن تَشُقَّه، كأنك لم تعلم أن لسان الضَّجَر ناطقٌ بالعَجْز، وأن وجه الظلم مُبَرْقَعٌ بالقبح، وأنك إذا استدركتَ على نقد الصَّيَارِفَة، وتَتَبَّعْتَ غَلَط الحُكَماء والفلاسفة، فقد طَرَقْتَ إلى عَيْبِكَ لعائبك، ونَصَرْتَ عدوَّك على صاحبك، وقد عَجِبْتُ من حُسْنِ ظنِّك بك وأنت إنسانٌ". فحَسُنَ في هذا المقام إفضاؤُه إلى الغَرَض، ثم إتيانُه بما مِنْ شأنِه أن يكون مقدِّمَةً بمنزلة الدَّليل كما يظهر بالتأمُّل.

стр. 37

مقامات الكلام قد عَرَفْتَ من علم البلاغة أنَّ مقاماتِ الكلامِ متفاوتةٌ، وليس هذا جلَّ غَرَضِنا هنا، لأننا لا نحبُّ أن ننقُلَ عِلْمًا إلى آخَر، وإنما نبحث هنا عن مقامات الكلام التي لها مزيدُ اختصاص باختلاف أساليب الإنشاء، ومِلاكُ ذلك يرجع إلى نَبَاهَة المتكلِّم في ترتيب أداء المعنى بحسب حال المخاطَب وعلاقته بالواقع، فإنَّ مسألة ضروب التراكيب المذكورةِ في البلاغة لا يُنظَر فيها إلا إلى حال المخاطَب، كما أنَّ أحوالَ التقديم والتأخير، والحذف، والقصر، والإيجاز، يُنظَر فيها إلى حال المخاطَب مع علاقته بالخارج، ويشبه أن يكون حالُ المخاطَب وارتباطُه بالخارج مَرْجِعَ اختلافِ مقامات الكلام كلِّها، وذلك ينضبط فيما يظهر لنا في أربع جهات: ترتيب المعاني المدلولة، وطرق الاحتجاج، وطرق الدلالة، وكيفية المعنى من جزالة أو رقة أو سهولة. فأما ترتيبُ المدلولاتِ فالأصلُ فيه أن يكون على حسب حصولِها، وتفرُّع بعضِها عن بعض، فإن كان الكلامُ خبرًا فالنَّظَرُ إلى الحصول في الخارج، فيُحكَى على ترتيبه الطبيعي، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧]. فإنَّ مدلولاتِ هذه الجُمَل تحصل في الخارج على نحو هذا الترتيب؛ إذ أول ما تحصل الإساءة في النفس، ثم فراغ الصبر، ثم

стр. 38

التضجُّر بالقول. وإن كان إنشاءً فالنظر إلى ترتيبِه بحسب حصولِ مدلولِه عند الامتثال، وقد يتعيَّنُ هذا كما في حكاية الأخبار المحزِنة؛ فإنَّ حكايتَها على ترتيبها الطبيعي يهيئ النفس لتلقِّيها، كما يهيِّئُها لذلك حصولُها في الواقع تدريجيًّا، فإنك لو رُمْتَ الإخبار بوفاةِ مَنْ تَرُوعُ المخاطَبَ وفاتُه، لَرَأَيْتَ أنَّ حكايةَ مرضِه وأطوارِه، ثم وقوعِ اليأس من شِفَائِه، ثم الخبر بموته أهونُ في النفس مما لو فُوجِئَتْ بالإخبار بموته. وقد يخالَف مقتضى الظاهر، كتقديم ما شأنُه التأخير لِغَرَضٍ، مثل تعجيل المسرَّة، أو قطع نزاع المنازِع قبل أن يلَجَّ في الخصومة فيكابرُ ولا يرجع إلى الحقِّ، أو للتنبيه على المقصود، مثل الافتتاح بدعاء مناسب، أو نحوه، ويسمَّى: (براعة الاستهلال) كقول بعض الكُتَّاب التونسيين يخاطب رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصَّادقية متشكِّيًا من بعض أهل الشَّوْكَة: "سيدي: نفوسُنا تَفْدِيك، والله تعالى مِنْ سُلْطَةِ أهلِ الوَظَائِفِ بدون استحقاقٍ يَقِيك". وقول الحريري -في جواب الذي جاوب أبا زيد السَّروجي حين وَقَفَ له موقفَ الزائر المُستَرْفِدِ-: وَحُرْمَةِ الشيخِ الذي سَنَّ القِرَى ... وأَسَّسَ المَحْجُوجَ في أُمِّ القُرَى يريد إبراهيمَ ﵇. وقد بُيِّنَ في علم المعاني كثيرٌ من المناسبات الداعية إلى التقديم والتأخير في أجزاء الجملة، فلا نُطيل بها هنا، ولكن يجب أن يُعلَم السَّبب في تقديم ما حقُّه التأخير وعكسه من جُمَل الكلام، وقد تَتبَّعْتُ ذلك حسب الجهد فرأيتُ أنَّ مِلاكَ ذلك إما استبقاءُ الذِّهْن لما هو أولى بالإيعَاء، وتهيئة السمع لما هو أجدر بالإصغاء، وإما الاستراحة من

стр. 39

غَرَضٍ خفيف يُقَدَّمُ، ليُفضِي إلى غَرَضٍ مهمٍّ يؤخَّر، وإما لأنَّ أحد الغَرَضَيْنِ إن كان حقُّه التقديم أو عكسه لكنه كان من المعاني المتولِّدة أو المستطردة، واتصل بغيره مما قُدِّم أو أُخِّرَ اتصالاً يمنع من التفرقة بينها وبينه؛ لأنها إن فُرِّقَت تَشَتَّتَ الذِّهْنُ في استيعابها، وتَحَيَّر في جمعها وترتيبها. فمثال الأول: ما ذُكِر في علم المعاني من التشويق الحاصل من تقديم الخبر في نحو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن". ونحو: ثلاثةٌ تُشْرِقُ الدنيا بِبَهْجَتِهَا ومثال الثاني: قولُ علي ﵁ في خطبةٍ له حين بَلَغَه استيلاءُ أصحاب الشام على سائر البلاد، وتثاقلُ أصحابه عن القتال-: "ما هي إلا الكوفةُ أقبضُها وأبسُطُها، إن لم تكوني إلا أنتِ، تَهُبُّ أعاصيرُكِ فقبَّحَكِ الله. أُنْبِئْتُ بُسْرًا قد اطَّلَع اليمن، وإني والله لأظنُّ أنَّ هؤلاء

стр. 40

القوم سَيُدَالُونَ منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرُّقِكم عن حقِّكم، وبمعصيتِكم إمامَكم في الحقِّ، وطاعتِهم إمامَهم في الباطل، وبأدائهم الأمانةَ إلى صاحبهم وخيانتِكم، وبصلاحِهم في بلادهم وفسادِكم .. إلخ". فتقديم قوله: (إلا الكوفة) وإن كان حقه التأخير؛ لأنه متفرِّعٌ عن حكاية ما بلغه أعداؤُه بخصالهم، وما ملكوه من البلاد، ولكنَّه قدَّمَه للتفرُّغِ منه إلى الإنحاء على جُنْدِه، وذِكْر مثالبهم وأسباب انخذالهم. ومثال الثالث كثيرٌ، من ذلك قوله ﵁ في خطبة حين دخل جندُ معاوية ﵁ الأنبار وقتلوا عاملَها حَسَّان: "أما بعد، فإنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصَّة أوليائه، وهو لباس
следующие страницы →