Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فإن كنتَ لا تَهَبُ عقابي لِخِدْمَةٍ فَهَبْهُ لأياديك عندي، وإلا تفعل ذلك فَعُدْ إلى حُسْنِ العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأُحْدُوثَة، وإلا فأتِ ما أنت أهلُه من العَفْو، دون ما أنا أهلُه من استحقاق العقوبة ... إلخ".
وقد تُقَدَّم النتيجة على مقدِّماتها، فَيُؤتَى بها حينئذٍ كالأدلة، وذلك إذا كان المخاطَب غير متوقَّعٍ نُفُورُه، إما لإنصافه أو لطاعته للمتكلِّم أو نحو ذلك، كما تراه في كتابٍ كتب به أبوبكر الخُوَارَزْمِيِّ لتلميذِه يُؤَنِّبُه على المكابَرة، وهو قوله: "بلغني أنك نَاظَرْتَ، فلمَّا تَوجَّهَتْ عليك الحُجَّةُ كَابَرْتَ، ولما وَقَعَ نِيرُ الحقِّ على عنقك ضَجِرْتَ، وكنت أحسَب أنك أعرفُ بالحقِّ مِنْ أن تَعُقَّه، وأَهْيَبُ لحجابِ العَدْلِ والإنصاف من أن تَشُقَّه، كأنك لم تعلم أن لسان الضَّجَر ناطقٌ بالعَجْز، وأن وجه الظلم مُبَرْقَعٌ بالقبح، وأنك إذا استدركتَ على نقد الصَّيَارِفَة، وتَتَبَّعْتَ غَلَط الحُكَماء والفلاسفة، فقد طَرَقْتَ إلى عَيْبِكَ لعائبك، ونَصَرْتَ عدوَّك على صاحبك، وقد عَجِبْتُ من حُسْنِ ظنِّك بك وأنت إنسانٌ". فحَسُنَ في هذا المقام إفضاؤُه إلى الغَرَض، ثم إتيانُه بما مِنْ شأنِه أن يكون مقدِّمَةً بمنزلة الدَّليل كما يظهر بالتأمُّل.
стр. 37
مقامات الكلام
قد عَرَفْتَ من علم البلاغة أنَّ مقاماتِ الكلامِ متفاوتةٌ، وليس هذا جلَّ غَرَضِنا هنا، لأننا لا نحبُّ أن ننقُلَ عِلْمًا إلى آخَر، وإنما نبحث هنا عن مقامات الكلام التي لها مزيدُ اختصاص باختلاف أساليب الإنشاء، ومِلاكُ ذلك يرجع إلى نَبَاهَة المتكلِّم في ترتيب أداء المعنى بحسب حال المخاطَب وعلاقته بالواقع، فإنَّ مسألة ضروب التراكيب المذكورةِ في البلاغة لا يُنظَر فيها إلا إلى حال المخاطَب، كما أنَّ أحوالَ التقديم والتأخير، والحذف، والقصر، والإيجاز، يُنظَر فيها إلى حال المخاطَب مع علاقته بالخارج، ويشبه أن يكون حالُ المخاطَب وارتباطُه بالخارج مَرْجِعَ اختلافِ مقامات الكلام كلِّها، وذلك ينضبط فيما يظهر لنا في أربع جهات:
ترتيب المعاني المدلولة، وطرق الاحتجاج، وطرق الدلالة، وكيفية المعنى من جزالة أو رقة أو سهولة.
فأما ترتيبُ المدلولاتِ فالأصلُ فيه أن يكون على حسب حصولِها، وتفرُّع بعضِها عن بعض، فإن كان الكلامُ خبرًا فالنَّظَرُ إلى الحصول في الخارج، فيُحكَى على ترتيبه الطبيعي، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧]. فإنَّ مدلولاتِ هذه الجُمَل تحصل في الخارج على نحو هذا الترتيب؛ إذ أول ما تحصل الإساءة في النفس، ثم فراغ الصبر، ثم
стр. 38
التضجُّر بالقول. وإن كان إنشاءً فالنظر إلى ترتيبِه بحسب حصولِ مدلولِه عند الامتثال، وقد يتعيَّنُ هذا كما في حكاية الأخبار المحزِنة؛ فإنَّ حكايتَها على ترتيبها الطبيعي يهيئ النفس لتلقِّيها، كما يهيِّئُها لذلك حصولُها في الواقع تدريجيًّا، فإنك لو رُمْتَ الإخبار بوفاةِ مَنْ تَرُوعُ المخاطَبَ وفاتُه، لَرَأَيْتَ أنَّ حكايةَ مرضِه وأطوارِه، ثم وقوعِ اليأس من شِفَائِه، ثم الخبر بموته أهونُ في النفس مما لو فُوجِئَتْ بالإخبار بموته.
وقد يخالَف مقتضى الظاهر، كتقديم ما شأنُه التأخير لِغَرَضٍ، مثل تعجيل المسرَّة، أو قطع نزاع المنازِع قبل أن يلَجَّ في الخصومة فيكابرُ ولا يرجع إلى الحقِّ، أو للتنبيه على المقصود، مثل الافتتاح بدعاء مناسب، أو نحوه، ويسمَّى: (براعة الاستهلال) كقول بعض الكُتَّاب التونسيين يخاطب رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصَّادقية متشكِّيًا من بعض أهل الشَّوْكَة: "سيدي: نفوسُنا تَفْدِيك، والله تعالى مِنْ سُلْطَةِ أهلِ الوَظَائِفِ بدون استحقاقٍ يَقِيك". وقول الحريري -في جواب الذي جاوب أبا زيد السَّروجي حين وَقَفَ له موقفَ الزائر المُستَرْفِدِ-:
وَحُرْمَةِ الشيخِ الذي سَنَّ القِرَى ... وأَسَّسَ المَحْجُوجَ في أُمِّ القُرَى
يريد إبراهيمَ ﵇.
وقد بُيِّنَ في علم المعاني كثيرٌ من المناسبات الداعية إلى التقديم والتأخير في أجزاء الجملة، فلا نُطيل بها هنا، ولكن يجب أن يُعلَم السَّبب في تقديم ما حقُّه التأخير وعكسه من جُمَل الكلام، وقد تَتبَّعْتُ ذلك حسب الجهد فرأيتُ أنَّ مِلاكَ ذلك إما استبقاءُ الذِّهْن لما هو أولى بالإيعَاء، وتهيئة السمع لما هو أجدر بالإصغاء، وإما الاستراحة من
стр. 39
غَرَضٍ خفيف يُقَدَّمُ، ليُفضِي إلى غَرَضٍ مهمٍّ يؤخَّر، وإما لأنَّ أحد الغَرَضَيْنِ إن كان حقُّه التقديم أو عكسه لكنه كان من المعاني المتولِّدة أو المستطردة، واتصل بغيره مما قُدِّم أو أُخِّرَ اتصالاً يمنع من التفرقة بينها وبينه؛ لأنها إن فُرِّقَت تَشَتَّتَ الذِّهْنُ في استيعابها، وتَحَيَّر في جمعها وترتيبها.
فمثال الأول: ما ذُكِر في علم المعاني من التشويق الحاصل من تقديم الخبر في نحو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن". ونحو:
ثلاثةٌ تُشْرِقُ الدنيا بِبَهْجَتِهَا
ومثال الثاني: قولُ علي ﵁ في خطبةٍ له حين بَلَغَه استيلاءُ أصحاب الشام على سائر البلاد، وتثاقلُ أصحابه عن القتال-: "ما هي إلا الكوفةُ أقبضُها وأبسُطُها، إن لم تكوني إلا أنتِ، تَهُبُّ أعاصيرُكِ فقبَّحَكِ الله. أُنْبِئْتُ بُسْرًا قد اطَّلَع اليمن، وإني والله لأظنُّ أنَّ هؤلاء
стр. 40
القوم سَيُدَالُونَ منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرُّقِكم عن حقِّكم، وبمعصيتِكم إمامَكم في الحقِّ، وطاعتِهم إمامَهم في الباطل، وبأدائهم الأمانةَ إلى صاحبهم وخيانتِكم، وبصلاحِهم في بلادهم وفسادِكم .. إلخ".
فتقديم قوله: (إلا الكوفة) وإن كان حقه التأخير؛ لأنه متفرِّعٌ عن حكاية ما بلغه أعداؤُه بخصالهم، وما ملكوه من البلاد، ولكنَّه قدَّمَه للتفرُّغِ منه إلى الإنحاء على جُنْدِه، وذِكْر مثالبهم وأسباب انخذالهم.
ومثال الثالث كثيرٌ، من ذلك قوله ﵁ في خطبة حين دخل جندُ معاوية ﵁ الأنبار وقتلوا عاملَها حَسَّان: "أما بعد، فإنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصَّة أوليائه، وهو لباس
стр. 41
التقوى، ودِرْعُ الله الحصينة، وجُنَّتُه الوثيقة، فَمَنْ تركه رغبةً عنه ألبسه الله ثوبَ الذُّلِّ وشَمِلَهُ البلاء، وَدُيِّثَ بالصَّغَار، وضُرِبَ على قَلْبِه، وأُدِيلَ الحقُّ منه بتضييع الجهاد، وسِيمَ الخَسْف، ومُنِعَ النَّصَف. ألا وإني قد دعوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهارًا، وسِرًّا وإعلانًا، وقلتُ لكم: اغزُوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قومٌ في عُقْرِ دارهم إلا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُم حتى شُنَّتْ عليكم الغَارَات، ومُلِكَتْ عليكم الأوطان. هذا أخو غامدٍ قد وردت خيلُه الأنبار، وقَتَلَ حسَّان بن حسَّان ... إلخ". فكان الظاهرُ أن يبدأ بذكر دخول خيل أخي غامد للأنبار، ويبني عليه بيان سببه من تواكلهم وتباطئهم، وأنَّ ذلك شأنُ كلِّ مُتَواكِل، لكنه أَخَّرَه حين دعت المناسبة لتقديم ذكر تواكلهم، وأنه مُسَبَّبٌ عن ذُلِّهم المسبَّبِ عن ترك الجهاد المأمور به، فكان لذلك تعلُّقٌ بطالع الخطبة.
وأما الإنشاء: فمقتضى الظاهر ترتيب المعاني على حسب حصولها كما قلنا، وقد يُعدَل عن ذلك لأغراض.
стр. 42
وأما ترتيب الخبر مع الإنشاء: فالأصل فيه تقديمُ المقدِّمات على النتائج، ولا يُعكَس إلا لغرضٍ، مثل قول عيسى بن طلحة -حين دَخَل على عُرْوَة بن الزُّبَير لَمَّا قُطِعَتْ رِجْلُه-: ما كنا نعدُّك للصِّرَاع، والحمد لله الذي أبقى لنا أَكْثَرَكَ؛ أبقى لنا سمعك وبَصَرك، ولسانك وعَقْلَك، وإحدى رِجْلَيْكَ. فقال عروة: والله ما عَزَّاني أحدٌ بمثل ما عَزَّيتني به.
فلو قَدَّم قوله: (الحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك) لكان يُشبِه الشَّمَاتَةَ، أنه يحمد الله له على قَطْعِ رِجْلِه، فلا تهتدي النَّفْسُ إلى مراده إلا حين يقول له: (ما أَعْدَدْنَاكَ للصِّرَاع)؛ لأنَّ للنفوس عند الخِطَاب جَفَلاتٍ إذا هي نَفَرَتْ، فربما ضَلَّتْ عن طريق الحق.
وأما الجَزَالةُ والسُّهُولَة والرِّقَّةُ فهي مراتب للمعاني المستفادة من الكلام:
فالجزالة شِدَّةٌ في المعنى تَقْرُبُ من حَدِّ الإرهاب، أو تبلُغُه، بحيث تُؤْذِنُ بعدم مبالاة المتكلِّم باستعطاف المخاطَب ولا بِمُلايَنَتِه، ولها مواقع: الغَضَبُ، والحَمَاسَة، والوَعْظُ، والعِتَاب، ونحوها.
وأما السُّهُولة فهي دونَها، وهي لينُ المعنى وتجريدُه من شوائب الإرهاب، واشتمالُه على إيضاحِ بَسَاطَةِ حال المتكلِّم، ومُلايَنِة المخاطَب، ولها مواقع: الأمور العادية، والعلوم، والمخاطَبات بين الأكفاء.
وأما الرِّقَّة فهي غَايَةُ إيضاحِ لَطِيفِ الوجدان من المتكلِّم، أو التلطُّفُ مع السَّامع، ولها مواقع: الشَّوْقُ، والرِّثَاء، والاعتذار، والتأديب.
وبهذا يتضح أن ليس لشيءٍ من هذه الأوصافِ مَدْخَلٌ في صفة اللفظ كما قد يُتَوَهَّم.
стр. 43
ومن الواجب مُؤَاخَاةُ المعنى في الغَرَضِ الواحد في الجَزَالة أو الرِّقَّة، ولهذا عِيب على جميلٍ قولُه:
ألا أيُّها النُّوّامُ ويْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلْكُمُ هَلْ يَقتُل الرَّجُلَ الحُبُّ؟
فقد حكي عن بعض أهل الأدب والعربية أنه قال فيه: "هذا بيتٌ أولُه أعرابيٌّ في شَمْلَتِه، وآخرُه مُخَنَّثٌ مِنْ مُخَنَّثِي العقيق يَتفكَّك".
فإذا وقع الانتقالُ من غرضٍ إلى غرضٍ سَاغَ اختلافُ الوَصْف، وانظر بلاغة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... ﴾ إلى قوله: ... ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فهو من السهولة. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٢ - ٢٣]. فهو من الجزالة.
وقد اختَلف ذلك أيضًا في قول أبي فراسٍ -حين أَسَرَه الرُّوم، يَسْتَنْهِضُ سيفَ الدولة لفدائِه منهم، وتَخَلَّلَ من غرضٍ إلى غرضٍ، ثم رجع فأجاد في ذلك-:
(رِقَّة) ... دَعَوتُك للجَفْنِ القريح المسهَّد ... لديَّ وللنَّوْمِ الطَّرِيدِ المشرَّدِ
(جَزَالة) ... ومَا ذاك بُخْلاً بالحياة وإنها ... لأوَّلُ مبذولٍ لأول مجتدِي
(جَزَالة) ... ولكنني أختارُ موتَ بني أبي ... على سَرَوَاتِ الخيل غيرَ مُوسَّد
(رِقَّة) ... وتأبى وآبى أن أموتَ موسَّدًا ... بأيدي النَّصَارى موت أكبد أكمدِ
وَلْنُمَثِّل لِمَا شَمِل السُّهُولة والجَزَالة بكلامِ شيوخِ بني أسدٍ مع امرئ القيس، يسألونه العفوَ عن دمِ أبيه، فتكلَّم قبيصة بن نعيم الأسدي فقال: "إنك في المحلِّ والقَدْر من المعرفة بتصَرُّف الدهر، وما تُحدِثُه أيامُه،
стр. 44
وتَنتَقِلُ به أحوالُه، بحيث لا تحتاجُ إلى تذكيرٍ مِنْ وَاعِظ، ولا تبصيرٍ من مجرِّب، ولك من سُؤْدَدِ مَنْصِبك، وشَرَفِ أعراقك، وكَرَمِ أصلك في العرب مَحْتِدٌ، يَحتمِلُ ما حُمِّل عليه من إقالة العَثْرة، ورجوعٍ عن الهَفْوة. ولا تتَجاوزُ الهِمَمُ إلى غايةٍ إلا رَجَعَتْ إليكَ، فَوجَدَتْ عندك من فضيلةِ الرأي، وبصيرة الفَهْم، وكَرَم الصَّفْح مَا يَطُولُ رَغَبَاتِها، ويَسْتَغْرِقُ طِلْبَاتِها، وقد كان ما كان من الخَطْب الجليل الذي عَمَّتْ رَزِيَّتُهُ نِزَارًا واليمن، ولم تُخْصَصْ بذلك كِنْدَةُ دوننا؛ للشَّرَف البارع [الذي] كان لحُجْر. ولو كان يُفدَى هالكٌ بالأنفس الباقية بعدَه، لَمَا بَخِلتْ كرائمُنا بها على مثله، ولكنَّه مَضَى به سبيلٌ لا يَرجِعُ أُخْرَاهُ على أُولاه، ولا يَلْحَقُ أقصاهُ أدناه. فأحمدُ الحالاتِ في ذلك أن تعرف الواجبَ عليك في إحدى خِلالٍ ثلاث:
إما أن اخترتَ من بني أسدٍ أشرفَها بيتًا، وأعلاها في بِنَاء المَكْرُمَاتِ صَوْتًا، فَقُدْنَاه إليك بِنِسْعَةٍ تذهبُ مع شَفَرَاتِ حُسَامِك بباقي قَصَرَتِه، فنقول: رَجُلٌ امتُحِنَ بهالكٍ عزيزٍ، فلم يَسْتَلَّ سَخِيمَتَه إلا بِمُكْنَتِه من الانتقام.
стр. 45
أو فِدَاءٌ بما يَرُوحُ على بني أسدٍ مِنْ نَعَمها، فهي ألوفٌ تجاوزُ الحِسْبة، فكان ذلك فداءً رَجَعَتْ به القُضُبُ إلى أجفانِها، لم تَرْدُدْهَا بِسَليطِ الإِحَنِ على النُّزَاء.
وإما وَادَعْتَنَا إلى أن تضع الحواملُ، فَتُسْدَلُ الأُزُر، وتُعْقَدُ الخُمُرُ فوق الرَّايات".
فأجابهم امرؤ القيس بقوله: "لقد علمتِ العربُ أنه لا كُفْؤَ لِحُجْرٍ في دمٍ، وإني لن أَعْتَاضَ عنه جَمَلاً ولا ناقةً، فأكتسبَ به سُبَّةَ الأبَد، وَفَتَّ العَضُد.
وأما النَّظِرَةُ فقد أَوْجَبَتْهَا الأجِنَّةُ في بطون أمهاتها، ولن أكونَ لِعَطَبِها سببًا. وستعرفون طلائعَ كِنْدَةَ من بعد ذلك تحملُ في القلوب حَنَقًا، وفوق الأَسِنَّةِ عَلَقًا. أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرفُ بأسوأ الاختيار".
وأما مثال الرِّقَّة فيوجدُ كثيرًا في النَّظْمِ والنَّثْر، وهي في النَّظْم أكثر، ومن جَيِّد ما اشتمل عليها في النثر قولُ الوزير أبي المُطَرِّفِ ابن الدَّبَّاغِ الأندلسي من رسالة: "طَلَعَ علينا هذا اليومُ فكاد يُمطِرُ من الغَضَارَةِ صَحْوُه، ويَقْبِسُ من الإنارة جَوُّه، ويُحْيِي الرَّمِيمَ اعتدالُه، ويُصْبِي
стр. 46
الحليمَ جمالُه، فَلَفَّتْنَا زَهْرَتُه، وضَمَّتْنَا بَهْجَتُهُ ونَضْرَتُه، في روضةٍ أرضعَتْها السماءُ شآبيبها، ونثرت عليها كواكبَها, ووفَد عليها النُّعْمَان بشقيقِه، واحتلَّ فيها الهندُ بخَلوقه، وبَكَّر إليها بَابِلٌ برحيقِه، فالجمالُ يُثنِي بحُسْنِه طَرْفَه، والنَّسِيمُ يَهُزُّ لأنفاسِه عِطْفَه، وتَمَنَّيْنَا أن يَتَبَلَّجَ صبحُك من خلال فُرُوجِه، وتحلَّ شمسُك في منازل بروجِه، فيطلُعَ علينا الأنسُ بطلوعك، وتُهديه بوقوعك، ولن نَعْدَمَ نُورًا يحكي شمائلَك طيبًا وبهجة، وراحًا تَخَالُها خِلالَك صفاءً ورِقَّة، وألحانًا تثيرُ أشجان الصَّبِّ، وتبعثُ أطرابَ القلب، ونَدَامَى ترتاحُ إليهم الشَّمول، وتتعطَّر بأرجهم القَبُول، ويحسد الصُّبحُ عليهم الأصيلَ، ويقصُرُ بمجالستِهم الليلُ الطويلُ".
ثم إنَّ للكلام مقاماتٍ متنوعة: منها مقام تحقيق، ومنها مقام مسامحة، ففي الأول يُؤتَى بالبرهان، والحِكْمة، والجِدِّ. وفي الثاني يُؤتَى بالخَطَابة، والشِّعْر، والتَّمْليح، والمَزْح.
ومن المقامات: مقام تبيينٍ، ومقام تنميق، ففي الأول: الحقيقة، والتَّصْريح، واللفظ المتعارف. وفي الثاني: المجازُ، والكناية، والتعريض، والتَّمليح، والتَّوجيه، والإبهام، والخصوصيُّ من الألفاظ.
وباعتبارٍ آخر إلى مقام اقتصادٍ، ومقام إفراط، ففي الأول: حكاية الواقع. وفي الثاني: المبالغة وفروعُها.
وباعتبارٍ آخر إلى مقام إطنابٍ، ومقام إيجازٍ؛ لضيق المجال، أو المبادرة خشيةَ الفَوَات، فإنَّ التطويلَ قد يُشَتِّتُ الذِّهْنَ، كقول أبي العاص الثقفي لقومه ثقيف -حينما هَمُّوا بالارتداد مع من ارتدَّ من العرب-:
стр. 47
"يا قومُ: كنتم آخرَ العرب إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا". فصدَّهم بذلك عن هَمِّهم الذي لو سلكوه لعَسُر انسلالُهم منه. أو لِقَصْد الوعي، مثل مقام الوصاية، مثل ما كتب بديع الزمان لابن أخته: "أنت ابني ما دُمْتَ والعِلْمُ شأنُك، والمدرسةُ مكانُك، والمحبرةُ حليفُك، والدفترُ أليفُك، فإن قَصَّرْتَ ولا إخَالُك، فغيري خَالُك. والسلام".
ولجميع هَاتِه المقامات خُصُوصيَّاتٌ يطول بنا بيانُها.
- انتهى القسم المعنوي -
стр. 48
القسم الثاني: اللفظي
إن للفظ حظًّا كبيرًا في الإنشاء، فإنَّ بحسنِه يظهرُ رَوْنَقُ الإنشاء ويترقرق ماؤُه، وإنك لترى المعنى الشريفَ إذا لم يُمنَح من الألفاظ ما يناسبُه أصبح لفظُه له قبرًا، ولم يَطْرُقْ لسامعه فكرًا، وبالعكس قد تغطِّي الألفاظُ الحسنة في حال تركيبها بَسَائِطَ المعاني ومبتذَلَها، فإنَّ الشاعر أو الكاتب أو الخطيب قد يُضطَرُّ إلى أن يَذكُر من المعاني ما ليس له كبيرُ أهميةٍ، إما لكونه على قَدْرِ إفهام مخاطَبيه، وإما لكون ذلك المعنى لا يَقبَلُ تنميقًا فيلزمُه حينئذٍ أن يكسوَ المعنى من حِلْيَةِ الألفاظ ما يُنَبِّهُ مقدارَه، ويُعلِي مَنارَه. وترى هذا في كثيرٍ من الشِّعر التوصيفيِّ كما قلنا فيما تقدم. قال الجاحظ: "إنَّ المعاني إذا كُسِيت الألفاظَ الكريمة، وأُلبِسَت الأوصافَ الرفيعةَ، تحوَّلَتْ في العيون عن مقاديرِ صُوَرِها، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنَّ من البيان لَسِحْرًا".
وإلى هذا الحال من المعنى واللفظ يشير قولُ قدامة
стр. 49
وعبد القاهر في مواضع: "إنَّ المعاني مطروحةٌ بالطريق، يستوي في تناولها القَرَويُّ والبدويُّ، ويهديه إليها طَبْعُه وبَصَرُه، وإنما المزيَّةُ للألفاظ". وقول ابن رشيق القيرواني رحمه الله تعالى: "سمعتُ بعضَ الحُذَّاق يقول: قال العلماء: اللفظ أغلى ثمنًا؛ فإنَّ المعاني موجودةٌ في طِبَاع الناس يستوي فيها العالم والجاهل". ولنضرب لك مثلاً ما ذكره أئمةُ الأدب أنَّ أبا تمام كان كثيرًا ما يأخذ معنى العامة والسُّوقة فيجيد نسجَه ويجيء غريبًا مبتدعًا، من ذلك أنه سمع سائلاً فيقول: "اجعلوا بياض عطاياكم في سواد مطالبنا". فنظمه بقوله:
وأَحْسَنُ من نَوْرٍ يُفتِّحُه الصَّبَا ... بيَاضُ العَطَايَا في سَوادِ المَطَالب
والنَّظَرُ في أحوال اللفظِ ينحصرُ في أحوال الألفاظ المفردة، وأحوال الألفاظ في حال تركيبها والتدرُّب على كيفية التعبير.
стр. 50
أحوال الألفاظ المفردة
وهي: الفَصَاحة والصَّرَاحة والعِزَّة والرَّشَاقة.
أما الفصاحة: فهي وصفُ الكلمة، وهي خُلوصُهَا مما يُكَدِّرُها ويثقلها في السَّمْع ويبعدها عن سلامة الذَّوْقِ العربي، وقد تكَفَّل ببيانها أئمة علم المعاني.
وأما الصَّرَاحة: فهي دلالة اللفظ على كمال المعنى المراد، بأن يتعيَّن المرادُ منه. قال الجاحظ في كتاب البيان: "حسن البيان هو الإبانة عما في النَّفْس بكلامٍ بليغٍ بعيدٍ عن اللَّبْس". ويحصل ذلك بأمور كثيرة:
منها: توخِّي الألفاظ الموضوعة للمقيَّدات، نحو: (الخِوَان) للمائدة قبل أن يوضَع عليها الطعام، و (الرَّسْف) لمشي الرَّجُل المُقَيَّد، و (القاني) لشديد الحُمْرَة، و (الصَّبَاحَةُ) للوجه، و (الوضَاءَةُ) للبَشَرة، و (اللَّبَاقَة) للشَّمَائل، و (الرَّشَاقَة) للقَدِّ، و (الظَّرْف) في النطق، ونحو ذلك، ولذا تجب معرفة المترادفات؛ لأنها لا تخلو عن تقييد أو إطلاق.
ومنها: تجنُّب استعمال المشترَك بدون قرينة، مثل كلمة (مُسَرَّج) في قول رؤبة بن العَجَّاج:
وفَاحِمًا ومَرْسِنًا مُسَرَّجَا
стр. 51
فلم يُعرَف هل أراد أنه كالسِّرَاج أم كالسَّيْفِ السُّرَيْجِي في الدِّقْةِ والاستواء.
وقولنا: (بلا قرينة) يُخرِج نحو قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ الأعراف: ١٥٧. فإنَّ عَطْف ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ يُبَيِّن أنَّ التَّعْزِيرَ هنا هو النَّصْر لا ضَرْبُ الحَدِّ، ونحو قول الحريري: "فيدعي تارةً أنه من آل سَاسَان" حيث عُلِمَ أنه يريد ملوك الفُرْسِ لمقابلته بقوله: "يعتزي مرَّةً إلى أَقْيَالِ غَسَّان" فانتفى احتمال أن يكون المراد (الشَّحَّاذين) الذين أَطْلَقَ عليهم هذا اللفظَ في موضع آخر.
وقد يدعو المَقَامُ للعدول عن الصَّرَاحة لأغراضٍ، مثل التَّوْرِيَة، والتَّوجِيه، والمُوَارَبة، ويحسن ذلك في التخلُّص من المضايق، كقول بعضهم -وقد سُئِل في مجلسِ جماعةٍ من الشِّيعَة عن الأفضل بعد رسول الله ﷺ فقال-: "الذي كانت ابنتُه تحتَه" فاحتمل أن يريد أبابكر وعليًّا ﵄، بحسب الترتيب في الضميرين.
تنبيه: مما يدخل تحت هذا الشرط التنبيه إلى كلماتٍ كثيرةٍ يستعملُها الكُتَّاب والمنشئون غَلَطًا، إما في معناها وإما في اشتقاقها، وقد ألَّف في ذلك الحريريُّ: (دُرَّة الغَوَّاص)، وألَّف فيه بعضُهم:
стр. 52
(لَفَّ القِمَاط، فيما يُستعمَل من الأغلاط)، وقد أكثر الكُتَّاب المتأخرون من ذلك، وألف في ذلك الشيخ إبراهيم اليازجي كتابًا سماه: (لُغَةُ الجَرَائد) إلا أنه قليل الفائدة، كثير الغلط في كثيرٍ مما عَدَّه غلطًا.
فعلى المنشئ أن لا يتابعَهم في استعمال لفظٍ إلا بعد تحقيقِ معناه لغةً. فمن أغلاطهم: (رَدَحٌ من الزَّمَن) يريدون حِصَّة قليلة، وإنما هو المدة الطويلة جِدًّا. وقولهم: (باهِظ) بمعنى كثير، وإنما هو الأمر المنتقل. وقولهم: (تَوًّا) بمعنى الآن، أو الوقت الحاضر، وهو غلط؛ إذ التَّوُّ الذهابُ على سَوَاءٍ واستقامة، بحيث لا يُعَرِّجُ على شيء، تقول: سار تَوًّا، أي لم يقف ولم يعرِّج. وقولهم: (نَاهَزَ) يريدون تَجَاوَزَ، وصوابه: قَارَبَ، إلى غير ذلك.
وأما العِزَّة: فهي سلامة الكلمة من الابتذال. والابتذال يقع على وجوه:
أحدها: نَقْلُ العامَّة الكلمةَ من معنى، واستعمالها في معنى غيرِ حَسَن، كـ (البُهْلُول) فأصله السَّيِّدُ الجامع لصفات الكمال، فأخرجه عَامَّتُنَا للمغفَّل، و (الخِرِّيت) أصله البصير بالطُّرُقَات، كما روي في حديث الهجرة، فاستعملوه للجبان. وكثيرٌ من أسماء الأضداد نَشَأ من مثل هذا.
الثاني: أن تكون الكلمة من موضوعات العامة المفقودة أو المَنْسِيَّة في فصيح الكلام، مثل (الخازَ بازَ) لذباب الرِّيَاض، ومثل (اللَّقالِق) جمع لَقْلَق، وهو طائرٌ له مِنْقَارٌ طويل دقيقٌ، ورِجْلاه طويلتان.
стр. 53
الثالث: أن يحصل من بعضِ صِيَغِ الاشتقاق ما يُوهِمُ معنًى مُسْتَبْشَعًا، مثل أن يُشْتَقَّ مِنْ (هَمَّهُ الأمرُ) وَزْنُ فَاعِلَة، فيقال: (عَرَضتْ له نَازِلةٌ هَامَّةٌ) أي مُهِمَّةٌ، فيُتَوَهَّمُ أنها الهَامَّة بمعنى الدَّاهِيَة.
الرابع: أن يكون معنى الكلمةِ سخيفًا، فيجب على الكاتب إن اضطُرَّ إلى التعبير عن مدلولها أن يتَنكَّبَ عنها إلى مسالك الكناية تنزيهًا للِّسان، كما جاء القرآن العظيم: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣، ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ البقرة: ٢٣٥. ويُغتفَرُ استعمال المبتذل في مقام الهَزْل أو الحِكَاية أو المشاتَمة، مثل ما وقع في أوائل رسالة ابنِ زيدون المشهورة برسالة وَلاَّدَة.
وأما الرَّشَاقة: فهي مناسبةُ حالِ اللفظ لمقام الكلام، فإنَّ الألفاظ منها جَزْلٌ ومنها سَهْلٌ، فالجَزْل يُستعمَل في ذكر الحروب والحَمَاسة والتوبيخ ونحوها، والسَّهْلُ في مقام الملاطَفَة والغَزَل والمديح، ومنها ما لا يوجِبُ شيئًا من الأمرين، والتحقيق أنَّ كُلَّ هذا لا يَتبَعُ وَصْفَ الألفاظ في ذاتِها؛ إذ ليس وصفُها مختلفًا، ولكنه يتبع جَلْبَ بعض الألفاظ وتركَ البعض بحسب المقام، كما حَسُنَ استعمال (سَيِّدتي) في قول أبي العتاهية:
ألا ما لِسيِّدتي مَالَهَا ... تُدِلُّ فَأَحْمِلُ إِدْلالَهَا
стр. 54
ولو جيء به في مقامٍ آخر لَقَبُحَ. وقد عيب على جميلٍ قولُه:
ألا أيُّها النُّوّامُ ويْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلْكُمُ هَلْ يَقتُل الرَّجُلَ الحُبُّ؟
كما تقدم في آخر القسم المعنوي.
стр. 55
أحوال الألفاظ المركبة
وللألفاظ في حال تركيبها أحوالٌ غيرُ أحوالها مُفْرَدة، وهي تُجمَع في:
فصاحة الكلام، ونَزَاهَتِه، وانسِجَامِه، والاقتصادِ من الفُضُول فيه، واتِّصَال جُمَلِه، ومُنَاسَبتِه للغَرَض.
فأما فصاحة الكلام: فقد عُرِّفَتْ في علم المعاني.
وأما النَّزَاهَةُ: فهي الخُلُوُّ من الألفاظ المُستهجَنَة والشَّنيعَة، ولو باعتبار ما يَسْبِقُ الكلمة أو يَلْحَقُهَا، وقد عيب على أبي تمامٍ قولُه:
أعطيتَ لي دِيَةَ القتيلِ وليس لي ... عَقْلٌ ولا حَقٌّ هناك قديمُ
فإنه أراد العقل بمعنى العَاقِلَة في القُرْب من القتيل، إلا أنَّ تركيبَه مع (ليس) و (لي) أعطاه صورةَ نفي العقل بمعنى الإدراك عن نفسِه، كما يقال: (ليس لِفُلانٍ عَقْلٌ)، ومنه قول صاحب (حسن التَّوَسُّل) في وصف مَقْدَمِ سَرِيَّة جيش: "أَرْوَعَ للعِدَى مِنْ سَلَّةِ سَيْف، حتى يتعجَّبُوا في الاطلاع على عوراتهم من أين دُهِي وكيف". فلو أبدل كلمة (الاطلاع) بـ (الاتباع) لَسَلِمَ من الهُجْنَة الحاصلة من الجمع بين كلمتي (الاطلاع) و (العورات).
стр. 56
وأما الانسِجَام: فهو سهولة الكلام في حال تركيبه، بحيث لا يَثْقُلُ على اللسان، ومَرجِعُ ذلك للَّفْظ، وهو أخصُّ من فصاحة الكلام، قال الجاحظ عن بعض الأدباء: "إنَّ المعنى إذا اكتسى لفظًا حَسنًا، وأعارَه البليغُ مَخْرَجًا سَهْلاً، صار في القلب أحلى، وللسمع أَمْلا". ويندرج تحت الانسجام سلامةُ الكلام من التكلُّف والتصنُّع، بحيث لا تَعرِف منه كدَّ الذهن، ولا تلفيق المعاني لأجل الألفاظ، ولا البحث عن الألفاظ المستغرَبة، وكذا الإكثار من المحسِّنات البديعية المتكلَّفة، التي يُعبَّر عنها بالصَّنْعة، وإن وقع شيءٌ منها فإنما يقع بدون تكلُّفٍ، أو بخفيف من التكلُّف عندما تجود به فرصة المَقَام، ويُسمَّى الكلام المستكثِر منها: مصنوعًا، وغير المتكلف لها: مطبوعًا، قال صاحب التلخيص: "وأصل الحُسْن في جميع ذلك أن تكون الألفاظُ توابعَ [للمعاني] ".
وممن عيب عليه التكلُّف في ذلك إبراهيم بن هلال الصَّابئ، كاتب بني بُوَيْه، وعبدُ الله بن المعتزِّ. وفَنُّ الشِّعْر أشدُّ تحمُّلاً للصَّنْعَةِ من النثر.
وأما الاقتصاد: فهو بطرح الفُضُول في اللفظ، وحذفِ المكرَّر من القول، والاستغناء عن كثرة المؤكِّدَات، وإن كان لهذا شيءٌ من التعلُّقِ بالمعاني، إلا أننا أدرجناهُ في عِدَاد صفات اللفظ، لَمَّا كان المعنى فيه
стр. 57
غيرَ معتبَر، وإنما الداعي إليه الإكثارُ من الألفاظ أو التهويل بها، مثل قولهم: (من غير شَكٍّ ولا رَيْب)، وقول بعض مَنْ وَصَف العَفْو: (لاسِيَّما إذا عَظُم الجُرْمُ، وكَبُرَ الإثم، والملوك إنما تُؤْثَرُ عندهم الخِلالُ الحميدة، والخصال الشريفة السعيدة). ومثل زيادة حروفٍ لا حاجة إليها، كقول بعضهم: (مِنَ المعلوم وأنَّه كذا)، وقول بعضهم: (قَبِلَ بكذا)، فكلٌّ من (الواو) و (الباء) مَزِيدَةٌ عَبثًا.
تمرين:
كتب أبو إسحاق الصابئ في طالعة بعض مكاتيبه: "الحمد لله الذي لا تدركه الأعينُ بألحاظِها، ولا تحدُّه الألسنُ بألفاظِها، ولا تخلقُه العصور بمرورها، ولا تهرمُه الدهورُ بكُرُورِها"، ثم قال: "لم يرَ للكفر أثرًا إلا طمَسَه ومَحَاه، ولا رَسْمًا إلا أزالَه وعَفَّاه .. إلخ". فكل من الفقرتين الرابعة والسادسة عين معنى الثالثة والخامسة وكتب في بعض كتبه: "يسافرُ رأيُه وهو دَانٍ لم يَنْزَح، ويسيرُ تدبيرُه وهو ثَاوٍ لم يبرح". والفِقْرتان بمعنى واحد.
وكتب الصاحب بن عباد: "وصل كتابُك جامعًا من الفوائد أشدَّها للشكر استحقاقًا، وأتَمَّها للحَمْدِ استغراقًا، وتعرَّفْتُ من إحسان الله فيما وفَّر من سلامتِه، وهَيَّأه من كرامته، أنفسَ موهوبٍ ومطلوبٍ، وأحمدَ مرقوبٍ ومخطوب ... إلخ". وفي هذا ما يقرب من إعادة المعاني.
وقد شمل قولنا: (الاقتصاد) الذي هو في اللغة الأخذ بالعَدْل، ما يقابل ما وصفناه من الفُضُول، وذلك هو الإخلال بما يلزم من اللفظ لأداء المعنى، وهو عيبٌ إلا إذا كان مقصودًا لغرضٍ، كالألغاز،
стр. 58
والمحاورات العلمية المشتملة على اصطلاحاتٍ لا يَفهَمها غيرُ أهل ذلك العلم، وقد حصر الماورديُّ ﵀ في كتاب (أدب الدين والدنيا) الأسبابَ المانعةَ من فهم الكلام لعلَّة فيه في ثلاثة، وهي: تقصير اللفظ على المعنى، وزيادة اللفظ على المعنى، والمواضعة: أي الاصطلاحات.
وأما اتصال جمل الكلام: فهو فُسْطَاط علم الإنشاء، وحَلْبَة استباق همم المُتَضَلِّعين فيه، وقد تتبَّعتُ كلام أئمة الفن فوجدتُ غايةَ ما تبلغ إليه الضوابطُ في اتِّصال جُمَل الكلام -على كثرة الأسماء والألقاب المتناثرة في كتب الأدب- أربعة أشياء:
تناسبُ بعض الجُمَل مع بعض، وعدمُ انفكاك بعضِها عن بعض، والانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوب، وحُسْنُ الابتداء، والتخلُّص، والخِتَام:
فأما تناسب بعض الجمل مع بعض: وهو المعبَّر عنه بـ (الفَصْل والوَصْل) فموضع القول فيه في علم البلاغة.
وأما ارتباط الجُمَل وعدمُ انفكاك بعضِها عن بعض: فهو أن تتصل الجُمَل، ولا يَفْصِلَ بينها إلا بشيءٍ مناسِبٍ لها، ويَعرِفُ كيف يكون الرُّجوع عما فُصِلَتْ به إلى ما فُصِلَتْ عنه؛ إذ المتكلِّم في المقامات الخَطَابية لا يَقتصِر على ما تَكلَّم لأجله، وإلا لجاء الكلامُ قصيرًا، وما طالت الخطبُ والقصائدُ، وصار الكلامُ كلُّه أمرًا أو نهيًا أو خَبَرًا، فلذلك احتِيج إلى تقديم المقدِّمات، وذِكْر العِلَل والغايات، والاستشهاد بالمناسبات، واستطراد النَّظَائر والأمثال، فقديمًا ما صُدِّر المديحُ بالنَّسِيب، والخُطْبة بالثَّنَاء والاعتبار، فإذا عَلِم المتكلِّم أين يضعُ أجزاء الكلام جاء كلامُه مرتبطًا، وإذا لم يُحْسِن ذلك اختلط عليه، وخَرَج
стр. 59
من غَرَض إلى غَرَض، فإذا استطردَ أو قَدَّم أو ذَيَّل فليَقتصِر على قَدْر الحاجة، فإنه إن زاد عن ذلك سَمُج، كما ترى في مُستطرَدَات (حياة الحيوان). ولقد نال شيئًا من ذلك بعضُ مواضع كتاب (كليلة ودِمْنة) لابن المُقَفَّع، على مكانته من علم البلاغة إلا أنه كان كِتَابًا مترجَمًا من لغة الفُرْس، ومن وجيز مُستطرَداته قولُه: "لَمَّا قَرُبَ ذو القرنين من فُور الهندي، وبلغه ما أَعَدَّ له من الخَيْل -التي هي كقِطَع الليل، مِمَّا لم يلقه بمثلِه أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم- تخوَّف ذو القرنين من تقصيرٍ يقعُ به إن عَجَّلَ المبادرة .. إلخ". فلقد أسرع الرجوع إلى الغرض.
وقول الفتح في (قلائد العِقْيان): "أنه حضر مجلس راح، ومَكنِسَ ظِبَاءٍ وأفراح، وفيهم جماعةٌ منهم الوزير أبو بكر شيخ الفُتوَّة، ومَعرِضُ فَتَيَاتِهَا المجلوَّة، ومعهم سعدُ بن المتوكِّل، وهو غلامٌ ما نَضَا عنه الشبابُ بُرْدَهُ، ولا أَذْوَى ياسمينَه ولا وَرْدَهُ، وكان الوزيرُ وأَخَوَاه
стр. 60
مختصِّين بالفَضْلِ اختصاصَ الأنوار بالكَمَائم، واللَّباتِ بالتَّمائم، فتذاكَروا فَقْدَه، وكيف شَفَى منه الزمانُ حِقْدَه، فهاج شَجْوُه، وبَانَ طَرَبُه ولَهْوُه، وأرسل مدامِعَه سِجَالا، وقال ارتجالا .. إلخ".
وكذا من الشِّعْر قول النابغة:
فما الفُرَاتُ إذا جَاشَتْ غَوارِبُه ... ترمي أَوَاذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بالزَّبَد
يُمِدُّه كلُّ وادٍ مُتْرَعٍ لَجِبٍ ... فيه رُكَامٌ من اليَنْبُوتِ والخَضَد
يَظَلُّ من خوفِه المَلاَّحُ معتصمًا ... بالخَيْزُرَانَةِ بعد الأَيْنِ والنَّجَد
يومًا بأجودَ منه سَيْبَ نَافِلَةٍ ... ولا يَحُولُ عطاءُ اليومِ دون غَد
وربما طال الاستطراد لاقتضاء المقام ذلك فيناسب عند الرجوع إلى الغرض المقصود أن ينبه السامع لذلك بإعادة الكلمة التي تربط الغرض مثل كلمة (لولا) في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣]. إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة: ٨٦ - ٨٧]. لأن أصل الكلام: فلولا إذا بلغت الحلقوم، ترجعونها إن كنتم صادقين في أنكم غيرُ مربوبين.
стр. 61
وأشدُّ مَنْ يظهر احتياجُه إلى رَعْي قواعدِ هذا الاتصال الخطباءُ؛ فإنَّ من دَأْبِهم التطرقَ إلى موضوعاتٍ كثيرةٍ، فإن هم لم يُحسِنوا ترتيبَها جاء الكلامُ نُتَفًا ينبو بعضُه عن بعض، وقد رأينا الشعراءَ لا يزيدون في انفكاك الغرض على أكثر من ثلاثة أبيات، ويتوخَّون من الصفات ونحوها ما له علاقةٌ بالغرضِ شديدةٌ وكذلك شأن الكاتب أيضًا.
وأما الانتقال من غرضٍ إلى غرضٍ ومن أسلوب إلى أسلوب: فهو زينةُ الكلام للكاتب والشاعر والخطيب، وهو أحسن تَطْرِيَةً لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه، ويختصُّ من اللطافة بمثل ما قرره علماء المعاني للالتفات، فقد سمَّاه السكاكي: "قِرَى الأرواح". ولا بد فيه من مراعاة المناسبة، كما ترى في انتقالات القرآن العظيم.
وأما حُسْن الابتداء، والتَّخَلُّصُ، والخِتَامُ: فإنما خُصَّت بالبحث وإن كان جميع الكلام مشروطًا بالحسن، فذلك لأنَّ الإجادةَ فيها أعسر؛ إذ الابتداء هو أول ما يَقْرَع السمع، وأول ما يبتدئ به المتكلم، وهو مفتاح الكلام، فإن هو أتقنَه كان إتقانُه مُعِينًا على النَّسْج على منواله، كما يقال: (الحديث شُجُون)، وكذلك التخلُّص من المقدمة إلى الغرض؛ فإنه يحتاج إلى فضلِ براعةٍ في الارتباط بينهما، وكذلك الختام؛ لأنه يجب أن يكون قد استوعب ما تكلَّم لأجله، حتى لا يثني إليه عِنان الكلام مرَّةً أخرى بعد السكوت، ولا جرم أن يكون ما يتخلَّلُ بين هذه الثلاثة رشيقًا بليغًا متى سَهُلت على المتكلم الإجادة في هذه الثلاثة، وهذا هو المراد
стр. 62
من التأنُّق الذي حَرَّض عليه أئمة البلاغة في هاته المواضع الثلاثة.
ولنرجع إلى الحالة السادسة من أحوال الألفاظ المركبة وهي مناسبة الكلام للغرض: بأن يناسبه في الرِّقَّة والجَزَالة، وبأن تناسبَه كيفيَّةُ انتظامِه من سَجْعٍ وتَرَسُّلٍ وإيجاز وإطناب وبَسَاطَةٍ وصَنْعَة، وهذا أهمُّ شيءٍ في الإنشاء بعد ما تقدَّم وأصعبُه، ومن الأدباء من يقسِّم الإنشاء إلى عالٍ ووسط وسافل، فيظنُّ من لا يتأمَّل أنَّ هذا التقسيمَ يدخل في التعليم، وهو غلط؛ إذ التعليم لا يَقْصِدُ إلا الغايةَ العليا من الفنِّ الذي يُعَلَّم، وإنما المرادُ التنبيهُ على مراتب الإنشاء في الخارج والموازَنةِ بينها ليحصل من ذلك تمرينٌ على اختيار أحسنه، نعم! يكتفي معلِّمُ المبتدئين منهم بالإنشاء السَّافل، لكن لا ليبقوا في تلك المرتبة بل ليرتقوا عنها رُوَيْدًا رُوَيْدًا، ويحتذوا في كلِّ صِنْفٍ آثارَ المجيدين فيه، من كُتَّاب دولة وأدباء وموثِّقين وصحافيين وخطباء ومؤرِّخين ومؤلفين وشعراء، فتوجد في كلِّ صِنْفٍ منها مراتبُ في البَسَاطة والتأنُّق بحسب أحوال المخاطَبين من خاصَّةٍ وعامَّةٍ وأذكياء وأغبياء، ولا شك أنَّ لأحوال المتكلِّمين أيضًا علاقةً بحالةِ إنشائِهم، فلذلك غَلَب على العرب الأندلسيين الرِّقَّةُ في الكلام، وعلى العرب في صدر الإسلام الجَزَالة، وعلى أهل الحواضر والسَّبْق في المدنِيَّة مُخْتَرَعُ المعاني، وبعكسهم أهل البوادي، وقد قال بعض الأدباء لما قيل له: ما يمنعك أن تقول مثل قول ابن المعتز في تشبيه الهلال:
فانظرْ إليه كزَوْرَقٍ مِنْ فِضَّةٍ ... قد أَثْقَلَتْهُ حَمُولَةٌ مِنْ عَنْبَر
فقال: "كلٌّ يقولُ بما يرى في بيته".
ولا بأس أن نمثِّل هنا لشيءٍ من أغراض الكلام وما يناسبُها
стр. 63
من أحوال الألفاظ المركبة، وإن كان ذلك لا ينحصِر، ولكن لتحصيل أُنْمُوذَجٍ منه للمتعلِّم، وعلى المدرِّس أن يأتي لكلِّ صِنْفٍ منها بمثالٍ من المُنْشَآت، ليحترز عن الغلط في وضع بعض هاته الفنون في غير ما يليق به من الأغراض، فإنَّ مَنْ عَكَف على بعض هاته الفنون، وارتَسَم حَدُّهُ في ذهنه لم يكد يعدُوه إلى غيره، فربما وَضَعَه في غير ما يحسُن وضعُه فيه، مع أنَّ الواجب الأخذُ من كلِّ فَنٍّ والاطلاعُ على جميعها، وبيان ذلك:
أنَّ الرِّقَّة والصَّنْعَة تُسْتَحْسَنان في الأغراض الهَزَليَّة، والتَّهَاني، والمقامات، والمواعظ الترغيبيَّة، ومخاطَبات الأصدقاء في المودَّة ونحوها. والجَزَالة وما يقرُب منها تُستحسَن في المراثي، والتَّرْهِيبات، والحروب، والمخاطَبات مِن العظماء، والأدعية، والتآليف العِلْمية. والسَّجْع يحسُن وَقْعُه في المقامات، والتَّهَاني، والوِدَادِيَّات، والغَرَاميَّات، لِقُرْبِه من الشِّعْر وديباجات التآليف، ومقدمات التَّحْلية في المخاطَبات والأمثال والحِكَم؛ لأنَّ المراد تعلُّقها بالحِفْظ، والسَّجْعُ يُعين على ذلك مثل النظم. والتَّرَسُّل يحسُن في الأدعية، والخُطَب، والمواعظ، والعِلْميات، والتاريخ، والتَّراجِم، ومخاطَبات العموم، والمراسلات الدَّوْلية، والصُّكوك والشروط ونحوها. ومتى وُضِع فَنٌّ من فنون أحوال الألفاظ المركَّبة في غير موضعِه المناسب جاء سَمِجًا، كما ترى مِنْ سَمَاجة خُطَب الخطباء المنتحَلَة مِنْ خطب الشيخ ابن نُبَاتة ونحوه، مع أنَّ المخاطَب بها العمومُ الذين لا يتَفَطَّنون لِمَا أَكَدَّ الخطيبُ فيه ذِهْنَه، وكما ترى مِنْ ثِقَل (التاريخ اليميني) للكاتب أبي نصر العتبي، فإنه أودعه من السَّجْع ومحاسن الصَّنْعَة ما كان بعيدًا عن أن يُودَع في تاريخ الحوادث، وكذلك كتب التراجم، مثل: الرَّيْحَانة للخَفَاجي، التي
стр. 64
ظَنَّ أصحابُها أنهم يتبعون فيها الفتح ابن خاقان الأندلسي صاحب (قلائد العِقْيَان) مع الغفلة عن الفَرْق بينهم وبينه، فإنَّ المُهِمَّ من غَرَضِه هو ذكرُ مُلَحِ المترجَم لهم في البلاغة والرِّقَّة، ووَصْفُ مجالسِ أنسِهم، فكان له العُذْر فيما التزمه من السَّجْع والصَّنْعَة، على أنهم لو كانوا أجادوا جَوْدَتَه لكان في الأمر بعضُ السُّلُوِّ، ولكنهم أهملوا هذا وأهملوا الترجمة، فلا تأخذ منهم إلا تَحْلياتٍ الله أعلم بمطابقتِها للواقع، وتكاد أن ترى المترجَم لهم متماثلين فيها.
وإنك لتنظر إلى مُنْشآت ابن الخطيب ﵀ فتراها على عُلُوِّ كَعْبِها قد اشتملت على شيءٍ من السَّمَاجة الحاصِلة من الإطناب والإسهاب في كلِّ غرض، وكذلك تجد مثلَ ذلك في التقاليد التي أنشأها الكاتبُ الحسين بن أبي نماء كاتب الخليفة النَّاصر العباسي في أواخر القرن السادس (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) فلا يكاد يَصِل المطالع إلى المقصود من التقليد إلا وقد أَسْأَمَه النَّظَر، وخَسِئَ منه البَصَر.
стр. 65
السَّجْعُ والتَّرَسُّلُ
لما جرى الكلام على السَّجْع والتَّرَسُّل، وكان السَّجْعُ من أشهر طرق الإنشاء، حتى ظنَّه كثيرٌ من الناس الإنشاءَ كلَّه، وجب أن نُشير إلى حقيقته، وشيءٍ من أقسامه ومحامده ومعايبه، والمفاضلة بينه وبين التَّرَسُّل، قال ابن الأثير في (المثل السائر): "السَّجْعُ: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حَرْفٍ واحد، والأصلُ فيه الاعتدال في مقاطع الكلام، ولكن لا يكمُل السَّجْع إلا إذا كانت ألفاظُه غيرَ غَثَّةٍ ولا باردة، والمعنيُّ بـ (الغَثَّة الباردة) أنَّ صاحبَها يصرِف نظرَه إلى السَّجْع من غيرِ نظرٍ إلى المفردات وما يُشترَط لها، وإلا لكان كلُّ أديبٍ سَجَّاعًا، بل هناك مطلوبٌ آخر وهو أن يكون اللفظُ فيه تابعًا للمعنى، فإنك إذا صَوَّرْتَ في نفسك معنى، ثم أردت أن تَصُوغَه بلفظٍ مسجوعٍ ولم يُوَاتِكَ إلا بزيادة في اللفظٍ أو نقصانٍ منه، فإذا فعلتَ ذلك فهو الذي يُذَمُّ من السَّجْع، لِمَا فيه من التكلُّف، وأما إذا كان محمولاً على الطَّبْع غير متكلَّف فإنه يجيءُ في غاية الحُسْن".
وأحسنُه ما تساوت فواصِلُه أو تقاربت في طُولٍ لا يَقْطَعُ النَّفَس، ولا يقصر عن أربع كلمات، أو يقاربها كثلاثٍ طِوال، ويُغتفَر أن تكون الفاصلةُ الثانية أطولَ من الأولى، والقبيحُ ما طالت فاصلتُه الأولى وقَصُرت الثانية، والمتوسِّط ما تقَاصَرَتْ فواصلُه جِدًّا، وإن كان مُحتاجًا
стр. 66
إلى قوةٍ في اللغة، وقد أكثر منه بديع الزمان الهمذاني.
وإذا لم يلتزم الكاتبُ السَّجْعَ، وكان كلامُه تَرَسُّلاً، حَسُنَ أن يأتيَ في أثنائه بهاته الكيفيَّات كلِّها بلا قيد. وأقسامُه وتفاريعها كثيرةٌ تَكفَّلَتْ ببيانها كتب البديع، وهو يدلُّ على مقدرةِ الكاتب إذا جاء في غاية الحُسْن غير متكلَّف؛ لأنه يُؤْذِن بسَعَة صاحبه في استحضار ما يريد من المفردات اللغوية، وبجودة قريحتِه في تطبيق المعاني على الأسجاع، ولكنه لا يحسُن إلا في مواقعه من الرَّسَائل، والدِّيبَاجات، والأشياء المقروءَة، والأمثال، والحِكَم التي يُرَاد تناقلُها وتعلُّقها بالأذهان، ولذلك يحسُن في بعضِ الجُمَل من الخُطَب، وهو ما كان مَوْضِعَ حكمةٍ أو موعظة، وليس قولُ الشيخ عبد القاهر في مقدمة (أسرار البلاغة): "إن الخُطَب من شأنها أن تُعتمَد فيها الأوزان والأسجاع، فإنَّها تُروَى وتُتَنَاقَلُ تناقلَ الأشعار" =إلا ناظرًا لذلك كما يُلَوِّح إليه تعليلُه، وإلا فهو لا يَجْهَلُ أنَّ جُلَّ الخطب النبوية وخطب السلف والعرب كانت غيرَ مشتملةٍ على الأسجاع إلا قليلاً.
ولا يحسُن السَّجْعُ في البَدَائِه والارتجالات؛ لأنَّه يصرِف الذِّهْنَ عن المحافظة على المعنى، بخلاف الكاتب فإنه في سَعَةٍ من أمره، ولهذا لا نَجِدُ السَّجْعَ كثيرًا في كلام العرب ومَنْ يليهم ممن كانوا لا يُزَوِّرُونَ الكلامَ مِنْ قبل، وما يُرَى في (نهج البلاغة) من الخطب المنسوبة لسيِّدنا علي ﵁ من هذا النوع فهو من موضوعات أدباء الشيعة كما هو مشهور.
стр. 67
ولا يَرتَجِلُ أحدٌ خِطَابًا مسجوعًا إلا وقد دَلَّ على أنه محفوظٌ لديه مِنْ قبل.
والسَّجْعُ يكسو الكلامَ الخَلِيَّ عن المعاني الفائقةِ وعن المحاسنِ اللفظيَّةِ جمالاً، ولذلك يأوي إليه ضُعَفَاء الكُتَّاب -كما قال ابن خَلْدون- بخلاف التَّرَسُّل، فلا يَظْهَرُ رَوْنَقُه إلا إذا صَحَّ معناه وجادت ألفاظُه.
стр. 68
التَّمَرُّنُ على الإِجَادَةِ
معالجةُ المتكلِّم أداءَ ما قَرَّرَه وهَذَّبَه من المعاني بما يُنَاسِبُها من اللفظ، وما يناسب غَرَضَ الكلام ومَقَامَه هو غايةُ علم الإنشاء؛ لأنَّ تلك المعالجةَ تصير دُرْبَةً وبيانًا، ويحصل ذلك بمطالعة كلامِ البلغاء، وتتبُّع اختيارهم، وسَبْر أذواقهم في انتقاء الألفاظ وابتكار المعاني، لتنطبع في الذهن صُوَرٌ مناسبةٌ -كما تقدم في أساليب الإنشاء- فيحصل من ذلك ما لا يحصل من دراسة قواعد الفصاحة والبلاغة، وقد قالوا: "إنَّ السَّمْعَ أبو الملكات اللِّسَانية".
ولهذه المعالجة طرائق:
إحداها: المطالعة.
ثانيها: الحفظ.
ثالثها: حَلُّ الشعر وعَقْدُ النثر، بمعنى تصيير الشعر نثرًا والنثر نظمًا، مع المحافظة على أصل المعنى، سواء كان بتغييرٍ قليلٍ في اللفظ وفي المعنى، أم بدونه، ومن أحسن حَلِّ الشعر قول صاحب (قلائد العقيان): "فإنَّه لَمَّا قَبُحت فَعَلاتُه، وحَنْظَلَتْ نَخَلاته، لم يزل سوءُ الظَّنِّ يقتادُه، ويصدِّق تَوهُّمَه الذي يعتاده" حَلَّ به قولَ المتنبي:
стр. 69
إذا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظنونُه ... وصَدَّقَ ما يعتَادُه مِنْ تَوَهُّم
وقول الخُوَارَزْميِّ في بعض مكاتيبه: "إذا أحسَّ من لسانه بَسْطَةً، ووجد في خاطرِه فَضْلةً، وأصاب من القول جَرَيَانًا، قال: ما وَجَد بيانًا" فحَلَّ بذلك قولَ الشاعر:
وقد وجدتَ مكان القولِ ذا سَعَةٍ ... فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلاً فَقُل
مع تغيير في اللفظ والمعنى.
وأما عَقْدُ النثر فكثيرٌ، ومنه قولُ أبي تمام:
أتصبِرُ للبَلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً ... فَتُؤْجَرَ أم تَسْلُو سُلُوَّ البَهَائِم
عقد قول علي ﵁ للأشعث بن قيس: "إمَّا صَبَرْتَ صَبْرَ الأحرار، وإلا سَلَوْتَ سُلُوَّ البهائم".
حكى القاضي الفاضل قال: أرسلني أبي إلى يوسف بن أبي الخلال رئيس ديوان الإنشاء بمصر في الدولة الصلاحية لتعلُّم فَنِّ الكتابة، فرَحَّبَ بي ثم سألني: ما الذي أعددتَ من الآلات؟ فقلت: القرآن، وكتاب الحماسة. فقال: إن في هذا لبلاغًا. فلمَّا تَردَّدْتُ إليه، وتدَرَّبْتُ بين يديه، أمرني أن أَحلَّ شعر الحماسة فحللتُه من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحلَّه مرةً ثانيةً ففعلت، فقال لي: اشتغل بمثل هذا وأنت إذًا تُحسِنُ الإنشاء.
ومما يجب التنبُّه إليه أنَّ المرجع في كلِّ صِنْفٍ إلى اختيارِ جَيِّدِ إنشاءِ فُحُولِه، ففي الكتابة يجب تتبع أساليب مجيديها من كتابة ديوانية
стр. 70
أو أدبية أو علمية أو صحافية، وفي الشِّعْر كذلك، وفي الشروط والتوثيق كذلك، وفي الخطابة كذلك، وفي المحادَثات يجب التمرُّن بمطالعة محادثات العرب، وقِصَارِ الجُمَل، والأجوبة البديعة، فإنَّ معرفة المُرَاسَلة والخطابة لا يُغنِي عن معرفة كيفية المحادَثة؛ ألا ترى أنه لو عَمَد إنسانٌ إلى أن يكتب كما يتكلَّم لجاءت كتابتُه مقطَّعة، وكذا لو تكلَّم كما يكتب لكان كمن يسرُد شيئًا محفوظًا، وهكذا تجدُ لكلِّ فَنٍّ لهجةً تُشبِه أن تكون لغةً خاصةً، فمن الغلط الكبير أن يلتزم المتمرِّنُ أسلوبًا واحدًا أو طريقةً منفردةً لا يعدو ذلك إلى غيره، وقد تَنبَّهْتَ إلى أنموذج ذلك، وفي استقرائه كثرةٌ، وليس الرِّيُّ عن التَّشَافِّ. والله أعلم.
انتهى القسم اللفظي، وفي منتهاه بِلْغُ ما أردناه من أصول فَنِّ الإنشاء، وسنقفِّيه إن شاء الله تعالى بخُلاصةٍ تتعلق بفنِّ الخطابة وآداب الخطباء، لتكون له كالتَّكملة، وعسى إذا حَظِي ذلك بإعمالِ بصيرةٍ نَقَّادَة، وأُورِيَ له زِنَادُ فِكْرةٍ وَقَّادة، أن يكون كافيًا للمتعلِّم القاصدِ، سِيَّمَا إذا نَفَحَها المدرِّس النِّحْرِيرُ بما تجود به هِمَّتُه من الزَّوائد.
- انتهى -
- يتلوه الكلام على فن الخطابة -
стр. 71
فنُّ الخَطابَة
стр. 72
ما هي الخطابة ؟
إن الخطابة وإن كانت فنًّا من فنون الإنشاء، وكانت القواعدُ المتقدمة والشروط المقررةُ مطردةً فيها لا محالة، غيرَ أنَّ صاحبها لما كان أشدَّ اعتمادًا على البَداهة والارتجال منه على الكتابة، تعيَّن أن يُذكَر لها من الضوابط والشروط ما لا يجري مثله في عموم صناعة الإنشاء، كما كان للشعر من الضوابط ما يختصُّ به عن الإنشاء، وإن كان هو في الأصل فنًّا من أفانينه.
ولقد رأينا من المتقدِّمين ممن ألَّف في صناعة الإنشاء لم يُعَرِّجوا على ذكر ما هو من خصائص الخطابة؛ حتى إنك لتجد شيئًا من قواعدها في خلال مطوَّلات كتب المنطق، ولا تجد ذلك في كتب الأدب، غيرَ أنَّ المناطقة خَصَّوها بضَرْبٍ من ضروب الحُجَّة، وهو ما يتركَّب من قياسات مظنونةٍ أو محمولَةٍ على الصِّدق، وأما المعنيُّ بها عند علماء الأدب فهو شامل لجميع أقسام الحجة؛ إذ الخطيب قد يأتي بجميعها وإن كان الغالبُ عليه بيانَ القياسات المظنونة؛ إذ هو لا يتعرض للقطعيَّات إلا عند الاحتجاج بها، ولا يتعرض للشعر والسَّفْسَطَة إلا نادرًا؛ لئلا يعرِّضَ نفسه للتكذيب أو الاستخفاف.
стр. 73
فيمكن أن نعرِّفها بأنها: كلامٌ يحاوَلُ به إقناعُ أصناف السامعين بصحَّة غَرَضٍ يقصِدُه المتكلِّم لفِعْلِه أو الانفعالِ به.
فقولنا: (كلام) خرجت به الرسائلُ العامة، والمكاتيب، والتقاليد الموجَّهة للبلدان، وشمل ذلك الكلام المنظوم والمنثور؛ إذ يجوز أن تشتمل الخطبةُ على نَظْم، أو يكون جلُّها نظمًا _كما سيأتي _.
وقولنا: (يحاول به إقناع أصناف السامعين) يخرجُ التدريس؛ فإنه كلامٌ يحاول به إقناع صِنْفٍ واحد من السامعين، وهم طلبة فنٍّ خاص في موضع خاص، ولا يُسمَّى ذلك في العرف خطابةً ولا صاحبُه خطيبًا، وإن كان له عونٌ كبيرٌ على مَلَكَة الخطابة، وتعلُّقٌ شديدٌ بأصولها. ويخرج ما يخاطَب به شخصٌ واحدٌ، كالمناظرات العلميَّة، ومُرَافعات الخصوم والوكلاء لدى القضاة؛ فإنها لا تُسمَّى خطابةً عرفًا، وإن كانت شديدةَ التعلُّقِ بقواعدها، وفي الحديث: "ولعلَّ بعضَكم يكون ألحنَ بحجَّتِه من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع".
وقولنا: (بصحة غَرَضٍ يقصده المتكلم) نريد منه التعميمَ ليشمل كلَّ غرض تصَدَّى الخطيب لترويجه، سواء كان المراد حَمْلَ الناس على فعله، كالحثِّ على طلب العلم والجهاد، أم اعتقادَهم صوابَه كالخطبة في إرضاء الناس بأمر واقع، ويشمل ذلك الخطبَ التي يَرُدُّ بها الخطيبُ على الغير، أو يعتذرُ بها عن فعله أو فعل غيره، أم الكفَّ عن فِعْلٍ كالمواعظ وتسكين الثورات، أم تحصيلَ عِلْمِهم به كالخطب التي تُقَال على ألسنة الملوك والرؤساء لإعلامٍ بقانون أو فَتْحٍ أو نحو ذلك، ويشملُ ذلك
стр. 74
التعليمَ الذي يتعرَّضُ له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يُتعرَّضُ فيها لتعليم بعضِ الواجبات، فإنَّها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علميَّة، ولكن بوصف تعليماتٍ عامَّةٍ تستوي فيها الناس، أو بوصف التنبيه على تركها وإهمالِها، وبهذا الاعتبار تصيرُ غرضًا للمتكلِّم يحاولُ الإقناعَ بصحته.
ويخرجُ بها ما يُقرأ على المنابر من عقود البيعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد فلا تُسمَّى خُطبًا، وإنما القصد من ذلك إشهارُها وإعلانُها.
وقولنا: (لفِعْلِه أو الانفعالِ به) إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخَطابة، وهي إما فعل المخاطبين شيئًا يريده أو اعتقادهم شيئًا يُعلِمُهم إيَّاه. وقد انطبق التعريف على المعرَّف.
стр. 75
منافع الخطابة
إن الخطابة ركنٌ عظيمٌ من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيب الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جَأْشِهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء، وبها تحصل مُحَاجَّة المموِّهين عليهم والمعنِّتين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفرادٍ لا تبلغ عقولُهم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تِلقاء نفسها إلى الغايات الحقيقية، فناسب أن يُعدَل عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهورات الموصِّلة إلى ما يوصِّل له البرهان ولو خالفته في الطريق، وقد يخاطِب الخطيب قومًا من الخاصة إلا أن المَقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقِصَر الوقت واحتياج البرهان إلى طُولٍ، وإما لأنَّ في البرهان خَفَاءً وتدقيقًا وتفاوتًا في قَبول الناس له، أو مُكَابرةً في الاعتقاد فيُصَار إلى الإقناعيات والتمثيلات والمسلَّمات لتُمْكِنَ
следующие страницы →