← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17325

الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (279 стр.). Показаны 246–279 · переход к 251.

стр. 246

سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق» قال الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن قد جعلوا ولاية أمرهم إلى جمهورية وعدد كثير اتبعوا في ذلك سنن كثير من دول الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى وخالفوا شريعة الإسلام وما تقتضيه من نصب إمام واحد لا غير والسمع والطاعة له في المعروف وإن ظلم الرعية وجار في حكمه. وخالفوا أيضًا ما كان عليه المسلمون منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا. والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة وفيما ذكرته كفاية لمبتغي الحق والله الموفق. فصل النوع الحادي والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى تدريب الجنود على الأنظمة الإفرنجية وتشكيلهم بشكل أعداء الله تعالى في اللباس والمشي وغير ذلك من الإشارات والحركات المبتدعة. وقد فشي هذا التشبه المذموم في كثير من المنتسبين إلى الإسلام والدليل على تحريمه قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وقوله في الحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا». فأما تعلم الرمي وما يتبع ذلك من استعمال الآلات الحربية الحادثة

стр. 247

في هذه الأزمان من برية وبحرية وجوية فذلك مطلوب مرغب فيه للجهاد في سبيل الله ومكافحة أعداء الله قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية. وقال النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاث مرات رواه الإمام أحمد ومسلم والدارمي وأهل السنن إلا النسائي من حديث عقبة بن عامر ﵁. فصل النوع الثاني والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى إسقاط لفظة ابن في النسب كقولهم لمن اسمه أحمد بن محمد أحمد محمد ونحو ذلك وهذا معروف عن الإفرنج من قرون كثيرة وقد وقع في تقليدهم فيه ما لا يحصيه إلا الله تعالى. وهؤلاء المفتونون بالتقاليد الإفرنجية قد خالفوا الكتاب والسنة وما عليه المسلمون منذ عهد الصحابة إلى زمن قريب. فأما مخالفتهم للقرآن فقد ذكر الله تعالى عيسى ابن مريم في مواضع منه يقول في كل منها عيسى ابن مريم ولم يقل عيسى مريم وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. ولم يقل ومريم عمران. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يعني الله ﵎: «لا ينبغي لعبد لي -وفي رواية- لعبدي أن يقول أنا خير من يونس بن متى».

стр. 248

وأما مخالفتهم للسنة فروى الإمام أحمد والترمذي عن المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: قال العباس ﵁ بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس قال فصعد المنبر فقال: «من أنا؟» قالوا: أنت رسول الله قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي المسند وصحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﷺ ». وفي المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن» وفي الصحيحين والمسند وسنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» زاد أحمد والشيخان ونسبه إلى أبيه. وفي المسند وسنن أبي داود عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي أن يقول: إني خير من يونس بن متى». وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى». وفي المسند وصحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس

стр. 249

ابن متى» وفي المسند أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله بن عمرو إنك تصوم الدهر» وذكر تمام الحديث وأصله في الصحيحين. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟» قال قالت: الله ورسوله أعلم الحديث. وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «استقرءوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب». وفي جامع الترمذي أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان بن عفان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرأهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» قال الترمذي: هذا حديث غريب. وفي جامع الترمذي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح نعم الرجل أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن جبل نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح».

стр. 250

قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير بمثله. والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة جدًا. ولم يؤثر عن النبي ﷺ أنه كان يسقط لفظة ابن في النسب وخير الهدي هديه ﷺ وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «هدينا مخالف لهديهم» -يعني المشركين-رواه الحاكم في مستدركه من حديث المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وافقه الذهبي في تلخيصه. وأما مخالفتهم لما عليه المسلمون قديما وحديثا فمما لا يخفى على طالب علم. وما كان المسلمون يعرفون إسقاط لفظة ابن في النسب حتى كثرت مخالطتهم لطوائف الإفرنج فافتتن الجهال بتقليدهم واتباع سننهم حذو النعل بالنعل. فصل النوع الثالث والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى الاعتماد في التاريخ على ميلاد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام متابعة للنصارى ورغبة عما كان عليه المسلمون من اعتماد التاريخ بهجرة النبي ﷺ إلى المدينة. وقد وقع في هذه المشابهة فئام كثيرة من المنتسبين إلى الإسلام وهؤلاء قد جمعوا بين أمرين ذميمين.

стр. 251

أحدهما: التشبه بأعداء الله تعالى: والثاني: الرغبة عما اتفق عليه الصحابة وفيهم الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ﵃ وعمل بذلك المسلمون بعدهم إلى زماننا سوى الذين سفهوا أنفسهم بالشذوذ عن المسلمين واتباع سنن أعداء الله تعالى والأخذ بأخذهم حذو النعل بالنعل فبئس للظالمين بدلا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فصل النوع الرابع والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى الاعتماد في المواقيت على الأشهر الإفرنجية متابعة للإفرنج ورغبة عما كان عليه المسلمون من الاعتماد في ذلك على الأشهر العربية. وما أكثر الواقعين في هذه المشابهة. وقد وقت الله ﵎ للمسلمين بالأشهر العربية فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. فمن رغب عن التوقيت بالأشهر العربية فقد رغب عما شرعه الله للمسلمين واتبع سنن أعداء الله الضالين. فصل النوع الخامس والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى الاعتماد في دخول الشهور العربية على الحساب لا على رؤية الهلال.

стр. 252

وقد ذكر القول بهذا عن بعض أهل العلم في زماننا. ولازم هذا القول الاعتماد في دخول شهر الصوم وخروجه على قول المعتنين بالحساب وتسيير النيرين. والاعتماد أيضا على قولهم في كل المواقيت المتعلقة بالأهلة. وهذا خلاف الكتاب والسنة وما عليه المسلمون من عهد الصحابة إلى زماننا. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. فجعل الله تبارك تعالى العمل في المواقيت بالأهلة لا بالحساب. وأما السنة فروى عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا» ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الصحيحين والمسند وسنني أبي داود والنسائي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إنا أمة أمية لا تكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة: «والشهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني تمام الثلاثين. هذا لفظ أحمد ومسلم وهو عند النسائي كذلك سوى قوله في آخره يعني فليس هذا الحرف في روايته. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وصف هذه الأمة بترك الكتابة والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عباداتهم وأعيادهم وأحالها على الرؤية حيث قال في غير حديث: «صوموا

стр. 253

لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وفي رواية «صوموا من الوضح إلى الوضح» أي: من الهلال إلى الهلال. وهذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين المسبوقين بالإجماع من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها لا بالكتاب والحساب الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس والقبط والهند وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. قال: وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص. وقال الشيخ في موضع آخر: ظن طائفة من الجهال أنهم يضبطون وقت طلوع الهلال بمعرفتهم وقت ظهوره بعد استسراره وبمعرفة بعده عن الشمس بعد مفارقتها وقت الغروب وضبطهم قوس الرؤية. قال: وهذه دعوى باطلة اتفق علماء الشريعة على تحريم العمل بذلك في الهلال فاتفق علماء الحساب العقلاء على أن معرفة الهلال لا تنضبط بالحساب ضبطًا صحيحًا قط ولم يتكلم فيه إلا قوم من المتأخرين تقريبًا وذلك ضلال عن دين الله وتغيير له شبيه بضلال اليهود والنصارى عما أمروا به من الهلال إذا غابت الشمس وقت اجتماع القرصين وكبس الشهور الهلالية وذلك من النسيء الذي كان في العرب زيادة في الكفر. فمن أخذا علم الهلال بالحساب فهو فاسد العقل والدين. وقال ابن حجر في قوله: «لا نحسب» المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النذر اليسير فعلق

стр. 254

الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً. ويوضحه قوله في الحديث: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». ولم يقل: فسلوا أخل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض. ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف حجة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل. فصل النوع السادس والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى قراءة القرآن بلحون الغناء والأوضاع الموسيقية وقد وقع في هذه المشابهة كثير من المنتسبين إلى الإسلام ولا سيما قراء الإذاعات ومن شاكلهم. وقد ورد النهي عن ذلك في حديث رواه أبو عبيد القاسم بن سلام والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن بلحون بالعرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين وسيجيء قومن من بعدي يرجعون بالقرآن

стр. 255

ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم». وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال فقد شهد له الواقع بالصحة وشهادة الواقع له من أوضح البراهين على خروجه من مشكاة النبوة والله أعلم. فصل النوع السابع والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من الناس من الاهتزاز وتحريك الرءوس عند قراءة القرآن إن ثبت أن اليهود كانت تفعل مثل ذلك عند قراءة التوراة. فقد روى سنيد بن داود في تفسيره عن حجاج بن محمد عن أبي بكر بن عبد الله قال: لما نشر موسى الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه. قلت: إن كان هذا صحيحًا عن اليهود فمثله ما ذكرنا عن كثير من المسلمين ولا يجوز ذلك إن ثبت أن اليهود كانت تفعله. فصل النوع الثامن والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى إجراء بعض الأحكام والأمر والنهي على الضعفاء من الناس وترك الأكابر والرؤساء منهم

стр. 256

وقد وقع في هذه المشابهة كثير من الناس وهي من أعظم أسباب الضلال والهلاك. لما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». وفي رواية للبخاري: «إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون على الشريف». فصل النوع التاسع والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد جاء الذم البليغ والوعيد الشديد على ذلك قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وفي المسند والسنن إلا النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

стр. 257

ولفظ أبي داود: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرانه على الحق أطرًا أو لتقصرنه على الحق قصرًا». وفي رواية له عن النبي ﷺ بنحوه وزاد: «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم». فصل النوع الأربعون: من التشبه بأعداء الله تعالى لبس الحق بالباطل كما يفعله اليهود وهذه المشابهة واقعة من كثير من المنتسبين إلى العلم. وقد رأيت ذلك في كلام كثير من العصريين في كتبهم وصحفهم. فصل النوع الحادي والأربعون: مشابهة اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه وهذا واقع من كثير من المتقدمين والمتأخرين ولاسيما في زماننا. ومن رزقه الله البصيرة رأى ذلك في كتبهم ومقالاتهم. فصل النوع الثاني والأربعون: مشابهة اليهود في قولهم سمعنا وعصينا.

стр. 258

وهذا يقع من كثير من المنتسبين إلى العلم وهو في غيرهم كثير جدًا وأكثر ما يكون ذلك بلسان الحال ويكون أيضًا بالمقال. فصل النوع الثالث والأربعون: من مشابهة اليهود ما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم من الوعظ والتذكير وأمر الناس بالبر والتقوى وهم مع ذلك ينسون أنفسهم ويخالفون أقوالهم بأفعالهم السيئة وهؤلاء جديرون بالمقت والعقوبة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وفي هذه الآيات أبلغ تقريع وتوبيخ لمن أمر الناس بالبر والتقوى ونسي نفسه. فليحذر الخطباء والوعاظ والقصاص من سوء عاقبة المخالفة بين الأقوال والأفعال. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم من يفعل ذلك والوعيد الشديد له في الآخرة. منها ما في صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسئلون عنها يوم القيامة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه

стр. 259

وبالبر ويخالفون فعيرهم الله وقد رواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق. وروى ابن جرير أيضًا عن السدي نحو ذلك. وروى أيضًا عن ابن جريج في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ قال: أهل الكتاب والمنافقون كانا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ويدعون العمل بما يأمرون به الناس فعيرهم الله بذلك فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة. وروى أبو نعيم في «الحلية» عن الأوزاعي أنه قال: إن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيرًا وإن المنافق يقول كثيرًا ويعمل قليلاً. وروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أبلغت ذلك قال: أرجو قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل قال: وما هن؟ قال: قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني قال قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ﴾. أحكمت هذه الآية؟ قال: لا قال: فابدأ بنفسك. وذكر الحافظ ابن كثير عن إبراهيم النخعي أنه قال: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ

стр. 260

تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾. وقوله إخبارًا عن شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾. وروى الإمام أحمد في «الزهد» وأبو نعيم في «الحلية» عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى عيسى ﵊ أن يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. ومنها ما رواه الطبراني وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في سخط الله حتى يكف أو يعمل بما قال أو دعا إليه». ومنها ما رواه الطبراني أيضًا والحافظ الضياء المقدسي عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». ومنها ما رواه الطبراني أيضًا والبزار عن أبي برزة الأسلمي ﵁ مرفوعًا «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها». ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وعبد بن حميد وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي والبغوي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون».

стр. 261

وفي رواية لابن مردويه: «تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار» ورواه أبو نعيم في الحلية، بنحوه. وفي رواية له عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به». وروى أبو نعيم أيضًا عن مالك بن دينار قال: ما من خطيب يخطب إلا عرضت خطبته على عمله فإن كان صادقًا صدق وإن كان كاذبًا قرضت شفتاه بمقراض من نار كلما قرضتا نبتتا. ومنها ما في الصحيحين وغيرهما عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلا مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهىعن المنكر فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه». الأقتاب الأمعاء واحدها قتب بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية واندلاقها خروجها من جوفه بسرعة قاله غير واحد من أئمة اللغة. ومنها ما رواه ابن جرير عن الوليد بن عقبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل».

стр. 262

وروى الإمام أحمد في «الزهد» عن الشعبي قال: يشرف أهل الجنة في الجنة على قوم في النار فيقولون: ما لكم في النار وإنما كنا نعمل بما تعلمونا فيقولون إنا كنا نعلمكم ولا نعمل به. وروى أبو نعيم في «الحلية» عن قتادة قال: إن في الجنة كوى إلى النار فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار فيقولون ما بال الأشقياء وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم قالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر وننهاكم ولا ننتهي. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» عن الحسن قال: إذا كنت آمرا بالمعروف فكن من آخذ الناس به وإلا هلكت وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أنكر الناس له وإلا هلكت. ومن حكم الشعر قول أبي الأسود الدؤلي: وغير تفي يأمر الناس بالتقى ... طيب يداوي الناس وهو سقيم يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح وأنت به سقيم وأراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم أبدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم فصل النوع الرابع والأربعون: من التشبه بأعداء الله تعالى استحلال المحرمات بالحيل وكثيرًا ما يقع ذلك في المبايعات الربوية.

стр. 263

ومن ذلك استحلال أهل البنوك للربا الصريح زعما منهم أن الربا الذي يأخذونه من صاحب المال إنما هو في مقابلة راحته من حمل ماله فهو كالأجرة على نقل المال من بلد إلى بلد آخر وهذه الحيلة شبيهة بحيل اليهود على استحلال المحرمات. وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». وقد زعم بعض العصريين في مقال له منشور في بعض الصحف المشئومة أن الزيادة التي يأخذها أهل البنوك من أرباب الأموال هي السفتجة الجائزة وهذا خطأ ظاهر فإن السفتجة التي أجازها من أجازها من الفقهاء هي المعروفة في زماننا بالتحويل ومعناها اشتراط القضاء في بلد آخر وصورتها أن يقترض زيد من عمرو ألف درهم في مكة ويكتب معه كتابا إلى وكيله في المدينة ليسلم الوكيل الألف لعمرو في المدينة فينتفع زيد بالقرض ويربح عمرو خطر الطريق. قال صاحب القاموس: السفتجة أن يعطي مالا لآخر وللآخر مال في بلد المعطى فيوفيه إياه ثم فيستفيد أمن الطريق. قال مرتضى الحسيني في «تاج العروس»: واختلفت عبارات الفقهاء في تفسيرها فمنهم من فسرها بما قاله المصنف وفسرها بعضهم فقال هي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قراضًا يأمن به من خطر الطريق وقال في النهر: هي بضم السين، وقيل: بفتحها وفتح التاء معرب سفته. وفي «شرح المفتاح»: بضم السين وفتح التاء الشيء المحكم سمي به

стр. 264

هذا القرض لإحكام أمره وهو قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق بأن يقرض ماله عند الخوف عليه ليرد عليه في موضع أمن لأنه ﵇ نهى عن قرض جر نفعًا قاله شيخنا انتهى. ومن شرط جواز السفتجة ألا يأخذ أحدهما من الآخر زيادة فإن أخذ أحدهما من الآخر زيادة كما يفعله أهل البنوك فالزيادة ربا. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في «المغني»: وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة. وإن شرط أن يعطيه إياها في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق واختاره. وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة ومالك والأوزاعي والشافعي لأنه قد يكون في ذلك زيادة. وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعًا.

стр. 265

وقال عطاء كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسًا. وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن مثل هذا فلم ير به بأسًا وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين والنخغي رواه كله سعيد. وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد ليوفيه في بلد أخرى ليربح خطر الطريق. والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة -إلى أن قال- ولو أقرضه مكسرة فجاءه مكانها بصحاح بغير شرط جاز. وإن جاءه بصحاح أقل منها فأخذها بجميع حقه لم يجز قولاً واحدًا لأن ذلك معاوضة للنقد بأقل منه فكان ربا. قلت: ونظير هذا ما يفعله أهل البنوك فإنهم إذا أخذوا من الرجل ألف درهم لم يعطوه الألف كله وإنما يعطونه تسعمائة وخمسة وتسعين أو نحوها وهذا عين الربا ولا يجوز ذلك قولاً واحدًا كما صرح به الموفق وغيره من أكابر العلماء. ثم قال الموفق وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه وكان ذلك مما يجري فيه الربا لم يجز لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه وإن كان في غيره لم يجز أيضًا وهو أحد الوجهين لأصحاب

стр. 266

الشافعي. ثم علل ذلك بأن القرض يقتضي المثل فشرط النقصان يخالف مقتضاه فلم يجز كشرط الزيادة. ثم قال الموفق ولو أراد رجل أن يبعث إلى عياله نفقة فأقرضها رجلاً على أن يدفعها إلى عياله فلا بأس إذا لم يأخذ عليها شيئًا انتهى. ومما ذكرنا يتضح أن معاملة أهل البنوك لا تجوز وأن ما ينتقصونه من أموال الناس هو عين الربا. والقول بأن ذلك من باب الإجارة أو الوديعة بأجرة خطأ ظاهر وجهل صرف. فأما الإجارة فقد قال الفقهاء في تعريفها: إنها عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة. أو عمل معلوم بعوض معلوم. وهذا الحد لا تدخل فيه معاملة أهل البنوك فإنهم لا يعقدون على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة ولا يعملون مع صاحب المال عملاً معلوما يستحقون به الأجرة كنقل ماله بعينه إلى البلد الذي يريد نقله إليه وغاية ما يفعلونه مع رب المال أن يعدوا ماله ثم يستنفقونه ويردون إليه بدله أنقص منه وهذا هو القرض بعينه إلا أنه قرض جر نفعًا فهو ربا. وأما الوديعة فقال: في الفائق هي عبارة عن توكل لحفظ مال غيره تبرعًا بغير تصرف. وقال في الرعاية الصغرى: هي عقد تبرع بحفظ مال غيره بلا تصرف فيه. وقال في الرعاية الكبرى: والإيداع توكيل أو استنابة في حفظ مال زيد تبرعًا. قال في الإنصاف ومعانيها متقاربة. قلت وأعمال أهل البنوك تخالف هذا الحد فإنهم لا يحفظون المال بعينه ثم يسلمونه لصاحبه وإنما يستنفقونه ويردون إليه بدله فخرجت

стр. 267

أعمالهم من حد لوديعة إلى حد القرض إلا أنه قرض بأنقص من المال المقبوض وذلك عين الربا. وأيضًا فإن الوديعة لا يتصرف فيها المودع وأهل البنوك يتصرفون فيما يقبضونه من أموال الناس فخرجت أعمالهم عن حد الوديعة. فإن قيل: إن مرعي قد اتجه في الغاية أن الوديعة تجوز بعوض؟ قيل: قد قال مرعي في تعريف الوديعة: هي المال المدفوع إلى من يحفظه والإيداع التوكيل في حفظه كذلك بغير تصرف انتهى. ولئن سلمنا لاتجاه مرعي على ضعفه فأعمال أهل البنوك لا تطابق حد الوديعة على قوله لأن أهل البنوك يتصرفون فيما يقبضونه من المال ولا يحفظونه بعينه فخرجت أعمالهم عن حد الوديعة إلى حد المبادلة بأنقص من المال المقبوض وذلك صريح الربا كمال ذكرنا والله أعلم. وبالجملة فأعمال أهل البنوك هي أعمال الإفرنج بعينها ومن تشبه بقوم فهو منهم. ومما يفعله الإفرنج ومن يحذو حذوهم من المنتسبين إلى الإسلام ما يسمونه بالقرض وهو دفع المال إلى المحتاجين من الدول بشرط زيادة فيه معلومة كل عام وهذا هو ربا أهل الجاهلية بعينه وتسميتهم له بالقرض لا تزيل وصف الربا عنه لأن العبرة بالحقيقة لا باللفظ. وقد ورد الوعيد الشديد لأهل الربا وأخبر الله ﵎ أنهم حرب له ولرسوله ﷺ فليحذر المسلمون من المعاملات الربوية فإن عاقبتها إلى القلة في الدنيا والعذاب في الآخرة. عياذًا بالله من موجبات عضبه وأليم عقابه. ومن الحيل على استحلال المحرمات قلب الدين على المدين كما يفعله بعض الناس.

стр. 268

ومن ذلك أيضًا بيع السلع وهي في محل البائع قبل أن يقبضها المبتاع ويحوزها إلى رحله وقد يتبايعها عدد كثير واحدًا بعد واحد وهي في مكان البائع وكل منهم لا يقبضها قبضًا شرعيًا وإنما ينظر إليها فقط أو ينظر إليها ويعدها إن كانت مما يعد كالأكياس ونحوها ثم يبيعها وهي في موضعها وهذا ليس بقبض شرعي وإنما هو حيلة يراد بها التخلص من تعب النقل ومؤنته وهؤلاء المحتالون على البيع قبل القبض الصحيح قد خالفوا أمر رسول الله ﷺ وارتكبوا نهيه كما سيأتي بيانه. ولا يجوز لمن اشترى أكياسًا ونحوها أن يبعها أو يسوم عليها حتى يحوزها إلى رحله وإن لم يكن له رحل فلابد أن ينقلها إلى مكان لا اختصاص للبائع به لما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه «نهى أن تباع السلع حيث تشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله وإن كان ليبعث رجالاً فيضربونا على ذلك» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو داود والدارقطني في سننيهما وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ قال ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت فقال لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله ﷺ : نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحلهم. وفي رواية للدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال ابتعت زيتًا بالسوق فقام إليَّ رجل فأربحني حتى رضيت قال فلما أخذت بيده لأضرب

стр. 269

عليها أخذ بذراعي رجل من خلفي فأمسك يدي فالتفت فإذا زيد بن ثابت قال: لا تبعه حتى تحوزه إلى بيتك فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك. وروى مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه. وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي. وفي رواية عنه ﵁ قال: رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافًا يضربون في أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي. وفي الصحيحين والموطأ والمسند والسنن إلا الترمذي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» وفي رواية «حتى يقبضه» وفي رواية لمسلم «حتى يستوفيه ويقبضه». وفي الصحيحين والمسند والسنن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه» قال ابن عباس ﵄ وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وفي «صفة القبض عن الشافعي» تفصيل: فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول

стр. 270

وما لا ينق كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به. وقرر الحافظ أيضا أن اختيار البخاري رحمه الله تعالى أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون قبضا شرعيا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به. قلت: ويؤيد هذا ما تقدم ذكره من النهي عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم وأن النبي ﷺ «كان يبعث رجالا يضربون من باع السلع حيث اشتراها». وعلى هذا فمن اشترى أكياسا ونحوها مما ينقل بنقد أو نسيئة ثم باعها قبل أن ينقلها من مكان البائع فقد باع قبل تمام القبض وخالف أمر رسول الله ﷺ وارتكب نهيه. وفاعل هذا يستحق التأديب كما كان رسول الله ﷺ يؤدب على ذلك. والمقصود ههنا أنه لا يجوز التحيل على بيع ما لم يتم قبضه وأن من فعل ذلك فقد تشبه باليهود الذين يستحلون المحرمات بالحيل والله المستعان. فصل النوع الخامس والأربعون: من التشبه بأعداء الله تعالى مشابهة الشيطان في الأكل والشرب بالشمال. وقد وقع في هذه المشابهة الذميمة كثير من جهال المسلمين.

стр. 271

وقد ذكر ابن عبد البر وابن حزم أن الأكل بالشمال محرم لظاهر الأخبار. وفي الصحيحين والمسند والسنن إلا النسائي عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام سم الله وكل بيمنك وكل مما يليك». وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه ولا يمش في خف واحد ولا يأكل بشماله». وفي رواية للإمام مالك ومسلم أن رسول الله ﷺ : «نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة». وروى مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد ومسلم: «لا يأكلن أحد منكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها». قال وكان نافع يزيد فيها: «ولا يأخذ بها ولا يعطي بها» وأخرج البخاري هذه الرواية في الأدب المفرد من طريق ابن وهب بإسناد مسلم. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن رسول لله ﷺ قال: «لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال» وهكذا رواه ابن ماجه في سننه وإسناده إسناد مسلم.

стр. 272

وفي مسند الحسن بن سفيان وسنن ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمنه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله». وقد دلت هذه الأحاديث على المنع من الأكل والشرب بالشمال وظاهرها يدل على التحريم كما ذهب إليه ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمن من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال نبه على ذلك النووي في شرح مسلم. وعلة المنع من الأكل والشرب بالشمال ما فيه من التشبه بالشيطان كما هو مصرح به في حديث ابن عمر ﵄ وما بعده من الأحاديث. وللمنع علة أخرى وهي مشاركة الشيطان للآكل بشماله والشارب بشماله كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان» قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. وللمنع أيضًا علة ثالثة وهي الكبر ولهذا يكون الأكل والشرب بالشمال في المتكبرين والمتجبرين أكثر منه في غيرهم. وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: «كل بيمنك» قال: لا أستطيع قال: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه.

стр. 273

ورواه الدارمي وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني من طريق عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه ﵁ أن ﵁ أن النبي ﷺ أبصر بسر بن راعي العير يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» فقال لا أستطيع فقال: «لا استطعت» قال فما وصلت يمنه إلى فيه بعد. وفي هذا الحديث جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر. وفيه التحذير من العقوبة على مخالفة أمر الرسول ﷺ وارتكاب نهيه. فليحذر الآكل بشماله والشارب بها أن يصيبه من شلل اليد مثل ما أصاب بسر بن راعي العير فما العقوبة من المخالفين ببعيد. والسعيد من وعظ بغيره. فصل ونختم الكتاب ب التحذير من تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال وهو وإن لم يكن من موضوع هذا الكتاب فالتنبيه عليه مهم جدا لكثرة الواقعين فيه ولاسيما في زماننا وهذا من مصداق ما رواه أبو نعيم في «الحلية» عن حذيفة ﵁ مرفوعًا من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة فذكرها ومنها وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال. ف من تشبه الرجال بالنساء لبس الساعات في أيديهم كأنها أساور النساء وقد تقدم أن السوار ما يجعل في الأيدي من الحلي. وتقدم أيضا أن الحلية تكون من الذهب وتكون من الفضة وتكون من الحديد وتكون من اللؤلؤ وأنواع الجواهر.

стр. 274

ومن هذا الباب لبس الرجال الساعات في أيديهم فهي من «الحلية» بلا شك وهذه «الحلية» المستقبحة على الرجال مطابقة كل المطابقة لما يتحلى به كثير من النساء في زماننا فإنهن يتحلين بالساعات من الذهب وغير الذهب ويفضلن ما كان من غير الذهب على أساور الذهب. وكثير منهن إنما يتحلين بساعات الحديد والشبه. وهي في أيديهن أبهى وأحسن من أساور الذهب. والمتشبهون بهن من الرجال متفاوتون في المعصية فأعظمهم إثما من يلبس ساعات الذهب أو ما فيه خلط من الذهب كما يفعله كثير من المترفين. وهؤلاء قد جمعوا بين معصيتين إحداهما التشبه بالنساء والثانية استحلال ما هو محرم على الذكور بالنص الصريح الثابت عن النبي ﷺ وقد تقدمت الأحاديث بذلك في ذكر تحريم الذهب على الرجال فلتراجع. ودون هؤلاء من يلبس ساعات الفضة ودونهم من يلبس ساعات الحديد والشبه وهو ما يشبه الذهب من صفر أو نحاس أو غيرهما. وقد تقدم الكلام في تحلي الرجال بالساعات مستوفي في النوع الثامن عشر فليراجع. ومن تشبه الرجال بالنساء ما افتتن به كثير من الجهال من حلق اللحى لتكون وجوههم كوجوه النساء مردًا ناعمة لا شعر فيها وقد قال ابن عبد البر وغيره يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال.

стр. 275

قلت: والمخنث هو المتشبه بالنساء. وقد تقدم الكلام في حلق اللحى في النوع السادس فليراجع. ومن تشبه الرجال بالنساء لبسهم للحرير لأنه من ملابس النساء. ولابسه من الرجال لابد أن يكون فيه أنوثة تدعوه إلى التشبه بالنساء كما قيل: وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه. ومن تشبه الرجال بالنساء ما يفعله كثير من الجهال من التصفيق في المجالس والمجامع. وقد تقدم الكلام فيه في النوع الخامس والعشرين. والدليل على أنه من التشبه بالنساء قول النبي ﷺ : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁. وروى مالك والشافعي وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما التصفيق للنساء». وهذه الجملة الوجيزة تفيد الحصر والاستغراق والاختصاص فدل على أنه لا يجوز للرجال بحال. وأما تشبه النساء بالرجال فكثير ومنه ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام من تجنيد النساء وإلباسهن الأسلحة ولباس الجند وإعدادهن للقتال وهذا خلاف المشروع في حقهن مع ما فيه من الشبه بالرجال وهو كبيرة من الكبائر.

стр. 276

وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» ورواه النسائي في سننه بنحوه وإسناده صحيح. وروى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة». وروى الطبراني في الصغير عن أنس بن مالك ﵁ قال قالت أم سلمة ﵂: أخرج معك إلى الغزو؟ فقال: «يا أم سلمة إنه لم يكتب على النساء جهاد». وروى الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ قال مر رسول الله ﷺ بامرأة يوم فتح مكة مقتولة فقال؟: «ما كانت هذه تقاتل ثم نهى عن قتل النساء والصبيان». وروى ابن ماجه عن حنظلة الكاتب ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس فأفرجوا له فقال: «ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل». وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن رباح بن ربيع ﵁ نحوه وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا يجوز تجنيد النساء وإعدادهن للقتال وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

стр. 277

كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول و من تشبه النساء بالرجال لبسهن النعال الخاصة بالرجال . وقد روى أبو داود في سننه من حديث ابن أبي مليكة قال قيل لعائشة ﵂ أن امرأة تلبس النعل فقالت: لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء إسناده جيد رواته كلهم ثقات. وفيه دليل على أنه لا يجوز للنساء لبس النعال الخاصة بالرجال لما في ذلك من تشبههن بالرجال. وقد ورد الوعيد الشديد للمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وسواء كان التشبه في لباس أو حلية أو كلام أو مشي أو غير ذلك من الأفعال والهيئات. الحديث الأول: عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود قال: «لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم» قال فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر ﵁ فلانة. ورواه الترمذي مختصرا وقال هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد قال: فقلت: من المترجلات من النساء؟ قال: المتشبهات من النساء بالرجال.

стр. 278

الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ «لعن الرجلة من النساء» رواه أبو داود وقد تقدم قريبًا. الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل» رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه. ورواه ابن ماجه في سننه بإسناد حسن ولفظه أن رسول الله ﷺ «لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء». وفي رواية لأحمد قال: «لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهين بالرجال». الحديث الرابع: عن عطاء عن رجل من هذيل قال: رأيت عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ ومنزله في الحل ومسجده في الحرم قال فبينا أنا عنده رأى أم سعيد ابنة أبي جهل متقلدة قوسا وهي تمشي مشية الرجل فقال عبد الله: من هذه؟ قال الهذلي فقلت: هذه أم سعيد بنت أبي جهل فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» رواه الإمام أحمد قال الهيثمي الهذلي لم أعرفه وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار وأسقط الهذلي المبهم فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات. قلت: وقد رواه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد مختصرًا وأسقط الهذلي المبهم.

стр. 279

الحديث الخامس: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث» رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث السادس: عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر» قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث قال: «الذي لا يبالي من دخل على أهله» قلنا فما الرجلة قال: «التي تتشبه بالرجال» رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان. وهذا آخر ما تيسر جمعه والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليمًا كثيرًا. وقد كان الفراغ من تسويد هذا الكتاب في يوم الخميس تاسع شهر رجب سنة ١٣٨٢ هـ ثم كان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ذي الحجة سنة ١٣٨٢ هـ على يد جامعها الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.