Полный текст (279 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وفي هذين الحديثين دليل على المنع من التصفيق لما فيه من التشبه بأعداء الله تعالى.
ويدل على المنع منه أيضا قوله ﷺ : «خالفوا المشركين» متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.
وكذلك قوله ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» -يعني المشركين- رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا ولفظه: «هدينا مخالف لأهل الأوثان والشرك».
ومن المقرر عند الأصوليين أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وعلى هذا فالأمر بمخالفة المشركين هو في الحقيقة نهي عن موافقتهم والتشبه بهم فيما يفعلونه من التصفيق وغيره من زيهم وأفعالهم السيئة. وكذلك إخباره ﷺ بأن هدي المسلمين مخالف لهدي أهل الشرك يقتضي منع المسلمين من التصفيق وغيره من أفعال المشركين والله أعلم.
وقد روي أن التصفيق من أعمال قوم لوط فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن مرسلاً أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
الوجه الثاني: أن التصفيق من خصائص النساء لتنبيه الإمام إذا نابه شيء في صلاته كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنما
стр. 212
التصفيق للنساء» رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
وقد أتى ﷺ في هذه الجملة الوجيزة بالحصر والاستغراق والاختصاص فدل على أنه لا مدخل فيه للرجال بحال. وعلى هذا فمن صفق من الرجال فقد تشبه بالنساء فيما هو من خصائصهن.
وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : «لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء» ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» في إسناده رجل مبهم وبقية رجاله ثقات وقد رواه الطبراني فأسقط الرجل المبهم قال الهيثمي: فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات.
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد وقد أسقط الرجل المبهم ورجاله كلهم ثقات.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أنكر على الرجال لما صفقوا في
стр. 213
الصلاة لأنهم فعلوا فعلاً لا يجوز للرجال فعله ولا يليق بهم وإنما يليق بالنساء وقد قرن الإنكار ببيان العلة في ذلك فقال إنما التصفيق للنساء.
فهذه الجملة تفيد منع الرجال من التصفيق ألبتة وأنه ينبغي الإنكار على من صفق منهم.
الوجه الرابع: أن التصفيق لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث في المسلمين في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية لما كثرت مخالطة المسلمين للإفرنج وأعجب جهال المسلمين بسنن أعداء الله وأفعالهم الذميمة.
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم وقال: ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق» قال: الحاكم صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد كان رسول الله ﷺ يخطب أبلغ الخطب ويخطب البلغاء بحضرته وينشد فحول الشعراء عنده أفخم الشعر وأجزله ولم ينقل أن أحدًا من أصحابه صفق عند سماع خطبة ولا قصيدة.
стр. 214
وكذلك الخلفاء الراشدون بعده كانوا يخطبون أبلغ الخطب ويخطب عندهم البلغاء وتنشد عندهم الأشعار الجيدة ولم ينقل عنهم ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصفقون عند التعجب والاستحسان وإنما نقل عن كفار قريش أن بعضهم صفقوا تعجبًا لما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه أسري به إلى بيت المقدس. فهؤلاء هم سلف المصفقين عند التعجب والاستحسان وسلفهم الآخر الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه. ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ولهم أيضا سلف ثالث من شر السلف وهم قوم لوط فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن البصري مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
وللمصفقين أيضا سلف رابع من شر السلف وهم جهال المتصوفة ومبتدعوهم.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا ثم ساق بإسناده إلى أبي علي الكاتب قال: أن ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال ويتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. فالمكاء الصفير والتصدية
стр. 215
التصفيق. قال وفيه أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في «قواعد الأحكام»: وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث لا يفعلهما إلا أرعن أو متصنع كذاب كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه؟ وقد قال ﵇: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك -إلى أن قال-: وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال بقوله ﷺ : «إنما التصفيق للنساء». ولعن ﵊ المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. ومن هاب الإله وأدرك شيئا من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق ولا يصدر التصفيق والرقص إلى من غبي جاهل ولا يصدران من عاقل فاضل.
ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء وقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم يلابسوا شيئًا من ذلك انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ في الشبابات والاجتماع على ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى وقربة فهذا ليس من دين الإسلام وليس مما شرعه لهم نبيهم محمد ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد
стр. 216
رسول الله ﷺ ولا عهد أصحابه ولا تابعيهم بإحسان ولا تابعي التابعين انتهى.
والغرض منه قوله: إنه لم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك يعني التصفيق وما ذكر معه لا على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد أصحابه ولا تابعيهم بإحسان ولا تابعي التابعين.
وقال الشيخ أيضا في موضع آخر: وأما الرجال على عهده -يعني عهد النبي ﷺ فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف بل قد ثبت عنه في الصحيح أن قال: «إنما التصفيق للنساء». ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء.
ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك مخنثًا انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «كتاب الإغاثة»: والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح لئلا يتشبهوا بالنساء فكيف إذا فعلوه لا لحاجة وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولاً وفعلاً؟ انتهى.
وقال الحليمي يكره التصفيق للرجال فإنه مما يختص به النساء وقد منعوا من التشبه بهن كما منعوا من لبس المزعفر لذلك انتهى قال الأذرعي: وهو يشعر بتحريمه على الرجال.
قلت: يعني أن مراد الحليمي بالكراهة: كراهة التحريم لأن التشبه بالنساء حرام على الرجال والمتشبه بهن ملعون واللعن لا يكون إلا على
стр. 217
كبيرة من الكبائر وفيما قاله هؤلاء كفاية في بيان قبح التصفيق من الرجال وذم من يتعاطى ذلك منهم.
فصل
النوع السادس والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله بعض السفهاء من الصفير على أوزان الغناء. وهذا الصفير من المكاء الذي ذم الله به كفار قريش فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. والصفير على أوزان الغناء من أفعال الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وعنهم أخذ السفهاء هذا الفعل الذميم.
وقد روي أن الصفير من أعمال قوم لوط فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن البصري مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها الصفير. إذا علم هذا فالصفير منكر من وجهين:
أحدهما: ما فيه من التشبه بقوم لوط وكفار قريش وبالإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى والتشبه بكل من هؤلاء حرام.
والثاني: ما فيه من أوزان الغناء وإيقاعاته وهو من هذا الوجه لهو وغناء وكلاهما باطل محرم.
فصل
النوع السابع والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من الجهال من تكتيف اليدين على الدبر. وهذا الفعل السخيف من
стр. 218
أفعال الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى كما حدثنا بذلك من خالطهم كثيرًا ورأى ذلك منهم. وقد تلقى ذلك عنهم كثير من سفهاء المسلمين.
وقد تقدم حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
وفي هذين الحديثين دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر لما في ذلك من التشبه بأعداء الله تعالى.
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد جيد عن الشريد بن سويد ﵁ قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على إلية يدي فقال: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم» صححه النووي ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفيه دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بأعداء الله تعالى لا في فعل ولا في هيئة ففيه دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر.
ولو فرضنا عدم الدليل على المنع من هذا التكتف الذميم لكان العقل يقتضي المنع منه لأمرين:
أحدهما ما فيه من التشبه بالأسارى المستذلين المقهورين والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون مثلهم وقد ورد النهي عن التشبه بالذين يعذبون فقال أبو داود في سننه:
стр. 219
حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي -ح- وحدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب وهذا لفظه جميعا عن هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة وقال هارون بن زيد ساقط على شقه الأيسر ثم اتفقا فقال: لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. إسناد الأول حسن والثاني صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده مرفوعًا إلى النبي ﷺ فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا هشام يعني ابن سعد عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى رجلا ساقطًا يده في الصلاة فقال: «لا تجلس هكذا إنما هذه جلسة الذين يعذبون» إسناده صحيح على شرط مسلم وفيه دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر لما فيه من التشبه بالأسارى المكتوفين. والتكتيف نوع من التعذيب.
الأمر الثاني: أنه فعل مستقبح عند ذوي المرواءات والشيم. وكيف لا يكون قبيحًا بالرجل أن يضع يديه على دبره ثم يمشي بين الناس وهو على ذلك الوضع المستهجن المزري بالصبيان الصغار فضلا عن الرجال الكبار؟
فينبغي للعاقل أن يسمو إلى معالي الأمور التي تجمله وتزينه ويبعد عن سفاسف الأمور التي تدنسه وتشينه والله الموفق.
وقد زعم بعض المفتونين بتكتيف اليدين على الدبر أن في ذلك فائدة طبية والظاهر أن
هذا غير صحيح وإنما هو من المغالطات والحجج الجدلية ولو قدر صحة ما زعمه لم يكن ذلك مبيحًا للتشبه بأعداء الله
стр. 220
تعالى. وليس كل ما فيه فائدة طبية يكون جائزُا من أجل تلك الفائدة. بل ينظر في الشيء فإن كان مباحًا جاز التداوي به وإن كان محرما حرم التداوي به وإن كان مكروهًا كره التداوي به والأمثلة على ذلك كثيرة وليس هذا موضع ذكرها.
ونقتصر ههنا على مثال واحد وهو أن العاشق لغير زوجته أو أمته التي يجوز له وطؤها قد يحصل له من الضرر ما يئول به إلى الهلاك.
ومن المعلوم أن دواءه وفائدته الطبية في الإلمام بمعشوقه لا غير فهل يقال إنه يجوز له الإلمام بالمرأة المحرمة عليه أو بالصبي من أجل ما له في ذلك من الفائدة الطبية. كلا لا يقول هذا أحد من المسلمين.
وكذلك لا يظن بأحد من أئمة المسلمين أن يقول بجواز التشبه بأعداء الله تعالى من أجل فائدة طبية تحصل من ذلك التشبه.
وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تداووا ولا تداووا بحرام».
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: وقال ابن مسعود ﵁: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وروى الحافظ أبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم».
ففي هذه الأحاديث دليل على أنه لا يجوز التداوي بشيء محرم
стр. 221
وظاهرها يشمل الأعيان المحرمة والأفعال المحرمة. ومن الأفعال المحرمة الغناء والضرب على آلات الملاهي والاستماع إليها.
وقد نص العلماء على تحريم التداوي بصوت ملهاة واستدلوا على ذلك بعموم حديث «لا تداووا بحرام».وإذا كان التداوي بصوت الملهاة محرما فالتداوي بما فيه تشبه بأعداء الله تعالى كذلك بل هو أولى بالتحريم لما يقتضيه ظاهر قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم».
فصل
النوع الثامن والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى اللعب بالكرة على الوجه المعمول به عند السفهاء في هذه الأزمان وذلك لأن اللعب بها على الوجه مأخوذ عن الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى.
وقد رأيت عمل الأمريكان في أخشاب الكرة ومواضع اللعب بها ورأيت عمل سفهاء المسلمين في ذلك فرأيته مطابقا لعمل الأمريكان أتم المطابقة.
وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
وتقدم أيضًا حديث عبد الله بن عمرو رضي عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
إذا علم هذا فاللعب بالكرة على الوجه الذي أشرنا إليه من جملة المنكر الذي ينبغي تغييره. وبيان ذلك من وجوه:
стр. 222
أحدها: ما فيه من التشبه بالإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى.
وأقل الأحوال في حديث عبد الله بن عمر وحديث عبد الله بن عمرو ﵃ أنهما يقتضيان تحريم التشبه بأعداء الله تعالى في كل شيء من زيهم وأفعالهم ففيها دليل على المنع من اللعب بالكرة.
ويدل على المنع من اللعب بها أيضا قول النبي ﷺ : «خالفوا المشركين» متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄. ويدل على المنع منه أيضا قول النبي ﷺ : «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك» رواه الشافعي مرسلاً والحاكم موصولاً من حديث المسور بن مخرمة ﵄.
الوجه الثاني: ما في اللعب بها من الصد عند ذكر الله وعن الصلاة وهذا أمر معروف عند الناس عامتهم وخاصتهم. وربما أوقعت الحقد بين اللاعبين حتى يئول بهم ذلك إلى العداوة والبغضاء. وتعاطي ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وما يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين حرام وقد قال الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
و اللعب بالكرة نوع من الميسر لأنه يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة وقد روى ابن جرير في تفسيره من طريق عبيد الله بن عمر أنه سمع عمر ابن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: «النرد: ميسر». أرأيت الشطرنج ميسر
стр. 223
هو؟ فقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وإذا كان اللعب بالكرة على عوض فهو من الميسر بلا شك.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في «المغني»: كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته انتهى.
وقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عمر وابن عباس ﵄ أنهما قالا: الميسر القمار. وروي أيضًا عن مجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وعطاء والحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي ومكحول وعطاء بن ميسرة نحو ذلك.
وفي رواية له عن مجاهد وسعيد بن جبير أنهما قالا: الميسر القمار كله حتى الجوز الذي يعلب به الصبيان. وفي رواية له عن طاوس وعطاء قالا: كل قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.
وذكر ابن كثير في تفسيره عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب أنهما قالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي يلعب بها الصبيان.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: الميسر محرم بالنص والإجماع.
إذا علم هذا فمن استحل العوض على اللعب بالكرة فقد استحل ما هو محرم بالنص والإجماع من الميسر وأكل المال بالباطل وقد قال الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله أبى على أن يدخل الجنة
стр. 224
لحمًا نبت من سحت فالنار أولى به» رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المستدرك أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يا كعب بن عجرة أنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت النار أولى به».
وفي المستدرك أيضًا عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به» وفي المستدرك أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به»، وروى أبو نعيم في «الحلية» من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به».
الوجه الثالث: أن في اللعب بالكرة ضررا على اللاعبين فربما سقط أحدهم فتخلعت أعضاؤه وربما انكسرت رجل أحدهم أو يده أو بعض أضلاعه وربما حصل فيه شجاج في وجهه أو رأسه وربما سقط أحدهم فغشي عليه ساعة أو أكثر أو أقل بل ربما آل الأمر ببعضهم إلى الهلاك كما قد ذكر لنا عن غير واحد من اللاعبين بها وما كان هذا شأنه فاللعب به لا يجوز.
الوجه الرابع: أن اللعب بالكرة من الأشر والمرح ومقابلة نعم الله تعالى بضد الشكر وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. واللعب بالكرة نوع من المرح.
стр. 225
وروى البخاري في الأدب المفرد عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأشرة شر» قال أبو معاوية أحد رواته: الأشر العبث واللعب بالكرة نوع من العبث فلا يجوز.
الوجه الخامس: ما في اللعب بها من اعتياد وقاحة الوجوه وبذاءة الألسن وهذا معروف عن اللاعبين بها وقد ألجأني الطريق مرة إلى المرور من عند اللاعبين بها فسمعت منهم ما تستك منه الأسماع من كثرة الصخب والتخاطب بالفحش ورديء الكلام وسمعت بعضهم يقذف بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا وما أدى إلى هذا أو بعضه فهو حرام بلا ريب.
الوجه السادس: ما في اللعب بها أيضًا من كشف الأفخاذ ونظر بعضهم إلى فخذ بعض ونظر الحاضرين إلى أفخاذ اللاعبين وهذا لا يجوز لأن الفخذ من العورة وستر العورة واجب إلا من الزوجات والسراري لقول النبي ﷺ : «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» رواه الإمام أحمد وأهل السنن والحاكم في مستدركه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
والدليل على أن الفخذ من العورة ما رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن جرهد الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه فقال النبي ﷺ : «غط فخذك فإنها من العورة» قال الترمذي: هذا حديث حسن وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 226
وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم أيضا عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة» هذا لفظ الترمذي. ولفظ الحاكم مر رسول الله ﷺ على رجل فرأى فخذه مكشوفة فقال: «غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وروى أبو داود وابن ماجه وعبد الله ابن الإمام أحمد والحاكم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» وفي رواية للدارقطني: «لا تكشف عن فخذك فإن الفخذ من العورة».
وروى الإمام أحمد والبخاري في «التاريخ الكبير» والحاكم في مستدركه عن محمد بن عبد الله بن جحش ﵁ قال: مر النبي ﷺ وأنا معه على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: «يا معمر غط عليك فخذك فإن الفخذين عورة».
وروى الدارقطني في سننه عن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة».
وروي أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما تحت السرة إلى الركبة من العورة».
إذا علم هذا فالنظر إلى عورة الغير حرام لقول النبي ﷺ في حديث علي ﵁: «ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» ولقوله ﷺ :
стр. 227
«لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
الوجه السابع: أن اللعب بالكرة من اللهو الباطل قطعًا لقول النبي ﷺ : «كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق».
وفي رواية «وتعليم السباحة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عقبة بن عامر ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
فدل هذا الحديث الصحيح على أن اللعب بالكرة من الضلال لقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾.
قال الخطابي: في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة وإنما استثنى رسول الله ﷺ هذه الخلال من جملة ما حرم منها لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح والشد على الأقدام ونحوهما مما يرتاض به الإنسان فيتوقح بذلك بدنه ويتقوى به على مجالدة العدو فأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو كالنرد والشطرنج والمزاجلة بالحمام وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق ولا يستجم به لدرك واجب فمحظور كله انتهى.
وقوله: فيتوقح بذلك بدنه، معناه يصلب بدنه قال الجوهري: حافر وقاح أي صلب وتوقيح الحافر تصليبه بالشحم المذاب.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى سائر ما
стр. 228
يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق شرعي كله حرام.
قلت: ومن هذا الباب اللعب بالكرة لأنه مجرد لهو ولعب ومرح وعبث وأعظم من ذلك أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء بين اللاعبين وليس هو مما يستعان به في حق شرعي ولا يستجم به لدرك واجب فهو من اللعب المحظور بلا شك والله أعلم.
ثم ذكر الخطابي أن من لعب بالشطرنج وقامر به فهو فاسق ومن لعب به على غير قمار وحمله الولوع بذلك على تأخير الصلاة عن وقتها أو جرى على لسانه الخنا والفحش إذا عالج شيئًا منه فهو ساقط المروءة مردود الشهادة انتهى.
وما قاله في اللاعبين بالشطرنج يقال مثله في اللاعبين بالكرة ويزيد أهل الكرة على أهل الشطرنج بالمرح والأشر والتعرض لأنواع الضرر فاللعب بها شر من اللعب بالشطرنج وأعظم منه ضررًا.
ومن التعجب أن هذا اللعب الباطل قد جعل في زماننا من الفنون التي تدرس في المدارس ويعتنى بتعلمه وتعليمه أعظم مما يعتنى بتعلم القرآن والعلم النافع وتعليمهما.
وهذا دليل على اشتداد غربة الإسلام في هذا الزمان ونقص العلم فيه وظهور الجهل بما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ حتى عاد المعروف عند الأكثرين منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة وهذا من مصداق الحديث المتفق على صحته عن أنس ﵁ قال: قال
стр. 229
رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل» الحديث.
واللعب بالكرة والاعتناء بتعلمه وتعليمه في المدارس وغيرها من ظهور الجهل بلا شك عند من عقل عن الله ورسوله ﷺ .وما أشبه المفتونين باللعب بالكرة بالذين قال الله فيهم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة وأضعفتها فإنها تحرم انتهى.
وإذا كان الأمر هكذا في العلوم المفضولة مع العلوم الفاضلة فكيف باللعب بالكرة إذا زاحم العلوم الفاضلة وأضعفها كما هو الواقع في زماننا؟ مع أن اللعب بالكرة ليس بعلم وإنما هو لهو ومرح وأشر وبطر فيجب المنع منه لما ذكرنا فيه من التشبه بأعداء الله تعالى كما تقدم بيانه والله أعلم.
إذا علم هذا فمن أهدى لبعض اللاعبين بالكرة شيئًا من أجل حذقه في اللعب بها فقد أعان على الباطل. وكذلك من صنع لهم مأكولا أو مشروبا أو أحضره لهم فهو معين لهم على الباطل وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
فصل
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولعب الكرة إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال بحيث يستعان بها على
стр. 230
الكر والفر والدخول والخروج ونحوه في الجهاد وغرضه الاستعانة على الجهاد الذي أمر الله به ورسوله ﷺ فهو حسن وإن كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه انتهى.
وهذا اللعب الذي تكلم فيه شيخ الإسلام وفصل القول فيه هو ما كان معروفًا في زمانه وقبله بأزمان وبعده كذلك إلى قريب من زماننا وهو اللعب بالكرة على الخيل يضربها الراكب ثم يسوق فرسه خلفها لتعتاد على الكر والفر والدخول والخروج وهذا اللعب بحسب نية صاحبه فإن كان قصده حسنًا وهو أن يتعلم الفروسية ويرتاض على أمور الجهاد في سبيل الله فاللعب بها من هذا الوجه حسن لما يترتب عليه من الفوائد الشرعية.
وإن كان قصد اللاعب بها اللهو واللعب لا غير فهذا ينهى عنه. وكذلك إذا كان فيه مضرة على الخيل والرجال فإنه ينهى عنه من أجل المضرة. وهذا اللعب نوع واللعب المأخوذ عن الإفرنج وأشباههم نوع آخر.
وهذا النوع الأخير وهو المأخوذ عن الإفرنج وأضرابهم ليس فيه منفعة للجهاد ولا إعانة على حق شرعي بوجه من الوجوه بل كله شر وضرر محض فالواجب على ولاة أمور المسلمين المنع منه بالكلية.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن اللعب بالسيف والرمح فأجاز ذلك بشرطين:
أحدهما: أن يكون السيف والرمح من خشب لا من حديد، والثاني
стр. 231
أن يريد به غيظ العدو ولا يريد به التظرف. ذكر ذلك عنه أبو داود رحمه الله تعالى.
ويتخرج على هذه الرواية المنع من اللعب بالكرة على الوجه المعمول به في زماننا لأنه إنما يراد به التظرف لا غير. وهذا مع قطع النظر عما في اللعب بها من الأمور المحرمة التي تقدم ذكرها.
فلو انتفت تلك الأمور عن اللعب بها لتوجه المنع منه على هذه الرواية ودليلها حديث عقبة بن عامر ﵁ الذي تقدم ذكره قريبا والله أعلم.
فصل
فإن ادعى المتشبهون بأعداء الله تعالى أنهم إنما يريدون باللعب بالكرة رياضة الأبدان لتعتاد على النشاط والصلابة.
فالجواب أن يقال: إن الله تعالى قد جعل للمسلمين في الرياضات الشرعية غنية ومندوحة عن الرياضات الإفرنجية.
فمن ذلك المسابقة على الخيل وقد سابق النبي ﷺ بينها وفعل ذلك أصحابه والمسلمون بعدهم.
وفي الصحيحين والموطأ ومسند الإمام أحمد والسنن الأربع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله بن عمر ﵄ كان فيمن سابق بها.
стр. 232
وفي رواية لأحمد والدارقطني قال عبد الله: فكنت فارسًا يومئذ فسبقت الناس طفف بي الفرس مسجد بني زريق. ورواه مسلم بنحوه.
قال ابن الأثير: طفف بي الفرس مسجد بني زريق أي: وثب بي حتى كاد يساوي المسجد يقال: طففت بفلان موضع كذا أي رفعته إليه وحاذيته به. وقال النووي: طفف بي الفرس المسجد، أي: علا ووثب إلى المسجد وكان جداره قصيرًا.
قلت: وقد جاء ذلك في رواية للدارقطني ولفظه قال عبد الله: فجئت سابقًا فطفف بي الفرس حائط المسجد وكان قصيرًا. وفي رواية له قال فوثب بي الجدار.
قال ابن حجر في «الفتح»: في الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضًا والدارمي والدارقطني والبيهقي عن أنس ﵁ أنه قيل له: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ أو كان رسول الله ﷺ يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له يقال له: سبحة فجاءت سابقة فبهش لذلك وأعجبه.
وروى البيهقي أيضُا عن ابن عمر ﵄ أنه سئل: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم لقد راهن على فرس يقال لها سبحة فجاءت سابقة.
قال ابن منظور في لسان العرب: المراهنة والرهان المسابقة على
стр. 233
الخيل وغير ذلك. وكذا قال صاحب القاموس: المراهنة والرهان المخاطرة والمسابقة على الخيل. وقوله: فبهش لذلك معناه فرح به وارتاح له.
وفي سنن الدارقطني عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا علي قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس» فخرج علي ﵁ فدعا سراقة بن مالك فقال: يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي ﷺ في عنقي من هذه السبقة فإذا أتيت الميطان-قال أبو عبد الرحمن والميطان: مرسلها من الغاية-فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل، فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثًا ثم خلها عند الثالثة يسعد الله بسبقه من شاء من خلقه فكان علي ﵁ يقعد عند منتهى الغاية ويخط خطًا يقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار فاجعلوا السبقة له فإن شككتما فاجعلا سبقهما نصفين فإذا قرنتم ثنتين فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنتين ولا جلب ولا شغار في الإسلام.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عياض الأشعري قال: قال أبو عبيدة ﵁: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب قال فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عربي.
ومن الرياضات الشرعية أيضًا المسابقة على الإبل وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم.
وفي صحيح البخاري والمسند وسنن أبي داود والنسائي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان للنبي ﷺ ناقة تسمى
стр. 234
العضباء لا تسبق أو لا تكاد تسبق فجاء أعرابي على قعود فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه فقال: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه».
وفي رواية للنسائي عن حميد عن أنس ﵁ قال: سابق رسول الله ﷺ أعرابي فسبقه فكأن أصحاب رسول الله ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك فقيل له في ذلك فقال: «حق على الله أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه الله» وكذا رواه الدارقطني في سننه من طريق النسائي.
وفي رواية لأبي داود عن ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: كانت العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي فكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله ﷺ فقال: «حق على الله أن لا يرفع شيء إلا وضعه» ورواه البخاري تعليقًا.
وفي سنن الدارقطني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت ناقة رسول الله ﷺ القصوى لا تدفع في سباق إلا سبقت قال سعيد بن المسيب فجاء رجل فسابقها فسبقها فوجد الناس من ذلك أن سبقت ناقة رسول الله ﷺ وبلغ ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «إن الناس لم يرفعوا شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه الله ».
وفي رواية له عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت القصوى لا تسبق، جاء أعرابي على بكر فسابقه فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله سبقت العضباء وقال النبي ﷺ : «إنه حق على الله أن لا يرفع شيء من الأرض إلا وضعه».
стр. 235
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل قوله: «ألا يرفع شيء» وفي اللفظ الثاني: «ألا يرتفع شيء من الدنيا إلى وضعه» فجعل الوضع لما رفع أو ارتفع لا لما رفعه سبحانه إذا رفع عبده بطاعته وأعزه بها لا يضعه بها انتهى.
ومن الرياضات الشرعية أيضًا المسابقة على الأقدام وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ وفعله أصحابه والمسلمون بعدهم.
وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن عائشة ﵂ أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر قالت فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: «هذه بتلك السبقة».
وفي رواية أنهم كانوا في سفر فقال النبي ﷺ لأصحابه: «تقدموا» فتقدموا ثم قال لعائشة: «سابقيني» فسابقها فسبقته ثم سابقني وسبقني فقال: «هذه بتلك».
وفي المسند وصحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل في غزوة ذي قرد قال: ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة قال: فبينما نحن نسير قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا قال فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل قال: «إن شئت»، قال قلت: أذهب إليه
стр. 236
وثنيت رجلي فطفرت فعدوت قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي ثم عدوت في أثره فربطت عليه شرفا أو شرفين ثم إني رفعت حتى ألحقه قال فأصكه بين كتفيه قال قلت: قد سبقت والله قال: أنا أظن قال: فسبقته إلى المدينة.
قال النووي قوله: شدًا يعني عدوًا على الرجلين وقوله: فطفرت أي وثبت وقفزت، وقوله فربطت عليه شرفا أو شرفين استبقي نفسي معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد. والشرف ما ارتفع من الأرض. وقوله: استبقي نفسي بفتح الفاء أي لئلا يقطعني البهر.
وفي هذا دليل لجواز المسابقة على الأقدام وهو جائز بلا خلاف إذا تسابقا بلا عوض فإن تسابقا على عوض ففي صحتها خلاف الأصح عند أصحابنا لا تصح.
قلت وهو مذهب مالك وأحمد.
ومن الرياضات الشرعية أيضا المصارعة. وقد روى أبو داود والترمذي والبخاري في التاريخ من حديث أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ قال الترمذي: هذا حديث غريب وإسناده ليس بقائم.
قال ابن حجر العسقلاني في «الإصابة»: وقصة الصراع مشهورة لركانة لكن جاء من وجه آخر أنه يزيد بن ركانة فأخرج الخطيب في المؤتلف من طريق أحمد بن عتاب العسكري حدثنا حفص بن عمر حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة
стр. 237
من الغنم فقال: يا محمد هل لك أن تصارعني؟ قال: «وما تجعل إن صرعتك» قال: مائة من الغنم فصارعه فصرعه، ثم قال هل لك في العود فقال: «ما تجعل لي قال؟»: مائة أخرى فصارعه فصرعه وذكر الثالثة فقال: يا محمد ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك وما كان أحد أبغض إلي منك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه ورد عليه غنمه.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات كل مرة على مائة من الغنم وذكر بقية القصة بمثل ما في رواية الخطيب.
وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ كان يعرض غلمان الأنصار فمر به غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة بن جندب ﵁ فرده فقال لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته قال: فدونكه فصارعه فصرعه سمرة فأجازه. ورواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» بنحوه.
ومن الرياضات الشرعية أيضًا الرمي ونحوه مما فيه إعانة على الجهاد في سبيل الله .
وقد روى الإمام أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مر النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي ﷺ : «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع بني فلان» قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله ﷺ : «ما لكم لا ترمون» قالوا: كيف نرمي وأنت معهم فقال النبي ﷺ : «ارموا وأنا معكم كلكم».
قال الجوهري: ناضله أي: راماه يقال: ناضلت فلانا فنضلته إذا غلبته
стр. 238
وانتضل القوم وتناضلوا أي: رموا للسبق وفلان يناضل عن فلان إذا تكلم عنه بعذره ودافع.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بنفر يرمون فقال: «رميًا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا».
ورواه ابن ماجه في سننه عن محمد بن يحيى والحاكم في مستدركه من طريق إسحاق بن إبراهيم الصنعاني وأحمد بن حنبل كلهم عن عبد الرزاق به وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج النبي ﷺ وقوم من أسلم يرمون فقال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ارموا وأنا مع ابن الأدرع» فأمسك القوم قسيهم فقالوا: يا رسول الله من كنت معه غلب قال: «ارموا وأنا معكم كلكم» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضًا عن محمد بن إياس بن سلمة عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على ناس ينتضلون فقال: «حسن هذا اللهم -مرتين أو ثلاثا- ارموا وأنا مع ابن الأدرع» فأمسك القوم بأيديهم فقالوا: لا والله لا نرمي معه وأنت معه يا رسول الله إذا ينضلنا فقال: «ارموا وأنا معكم جميعًا» قال فلقد رموا عامة يومهم ذلك ثم
стр. 239
تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضًا. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير والذي يجهز به في سبيل الله والذي يرمي به في سبيل الله - وقال- ارموا واركبوا وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا - وقال- كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثًا رميه عن قوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق»، قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعند الحاكم في أوله قصة ولفظه عن خالد بن زيد الجهني قال: كنت راميًا أرامي عقبة بن عامر ﵁ فمر بي ذات يوم فقال: يا خالد اخرج بنا نرمي فأبطأت عليه فقال: يا خالد تعال أحدثك ما حدثني رسول الله ﷺ ، وأقول لك كما قال رسول الله ﷺ «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذي احتسب في صنعته الخير ومتنبله والرامي. ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته زوجته ورميه بنبله عن قوسه ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها»، وقد رواه سعيد بن منصور والنسائي بنحو هذا اللفظ.
وفي رواية أبي داود «ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها - أو قال - كفرها».
стр. 240
ورواه أبو داود الطيالسي والدارمي في مسنديهما بنحو ما تقدم وعندهما في آخره وقال: «من ترك الرمي بعدما علمه فقد كفر الذي علمه».
وفي صحيح مسلم عن الحارث بن يعقوب عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيمًا اللخمي قال لعقبة بن عامر ﵁: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك قال عقبة لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانه قال الحارث: فقلت: لابن شماسة وما ذاك قال: إنه قال: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى».
وفي المسند وصحيح مسلم وجامع الترمذي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه».
وفي المسند أيضًا عن أبي أمامة بن سهل قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: «أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي» فكانوا يختلفون إلى الأغراض. الحديث. قال أهل اللغة العوم السباحة.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في «زوائد الزهد» وأبو نعيم في «الحلية» عن بلال بن سعد ﵀ قال: أدركتهم يشتدون بين الأغراض ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهبانًا.
وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في «المغني» عن مجاهد قال: رأيت ابن عمر ﵄ يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها أنا بها. وعن حذيفة ﵁ مثله.
стр. 241
وذكر الطبراني عن مصعب بن سعد قال: كان سعد ﵁ يقول: أي بني تعلموا الرماية فإنها خير لعبكم.
وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي أيضًا عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الملائكة لا تحضر من لهوكم إلا الرهان والنضال» قال الأزهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما.
وذكر الشيخ أيضًا أن النبي ﷺ مر بقوم يربعون حجرًا يعني يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم فلم ينكر عليهم.
قال القرطبي لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب انتهى ..
فهذا ما تيسر ذكره من رياضات المسلمين ولهوهم المباح وفيها كفاية لكل مسلم، ومن لم يكتف بالرياضات الشرعية ولم يسعه ما وسع السلف الصالح فلا كفاه الله ولا وسع عليه في الدنيا والآخرة. ومن آثر الرياضات الإفرنجية على الرياضات الشرعية فذلك عنوان على زيغ قلبه.
عياذًا بالله من موجبات غضبه.
فصل
النوع التاسع والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله أهل المدارس وغيرهم من إقامة التمثيليات للماضين وأفعالهم مضاهاة لما يفعله النصارى في عيد الشعانين فإنهم يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه يزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح حين دخل إلى بيت المقدس
стр. 242
راكبًا أتانًا مع جحشها فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فثار عليه غوغاء الناس وكان اليهود قد وكلوا قومًا معهم عصي يضربونه بها فأورقت تلك العصي وسجد أولئك الغوغاء للمسيح فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر ذكر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وإقامة التمثيليات للأمور الماضية هي من باب ما يفعله النصارى في عبد الشعانين ولم يكن ذلك من هدي رسول الله ﷺ ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث ذلك في زماننا وهو متلقى عن الإفرنج وأشباههم وقد قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂.
وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزوما به: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وفي هذا الحديث دليل على المنع من إقامة التمثيليات لأنها من المحدثات ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وحديث «ليس منا من تشبه بغيرنا».
فصل
النوع الثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى جعل الولاية العامة جمهورية وهذا من عمل أمم الكفر والضلال ومن يقتدي بهم من المنتسبين إلى الإسلام وهو خلاف ما تقتضيه الشريعة الإسلامية من نصب إمام واحد لا غير كما في الصحيحين والمسند وسنن ابن ماجه
стр. 243
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا بيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم».
وفي المسند وصحيح مسلم وسنني النسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما».
وفي هذه الأحاديث دليل على أن البيعة لا تجوز لأكثر من واحد وأن الجمهورية لا تجوز في الإسلام وأنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور وإن ظلموا وجاروا وإن الخارج عليهم لينازعهم الملك يجب قتله.
وفي مستدرك الحاكم من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين وغيرهما عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا
стр. 244
الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: «نعم» فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر» فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول الله صفهم لنا قال «نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلتزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده بنحوه وزادت قلت: يا رسول الله فما يكون بعد ذلك قال: «الدجال».
وفي رواية لمسلم قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاءنا الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: «نعم» قلت: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال: «نعم» قلت فهل وراء ذلك الخير شر قال: «نعم» قلت كيف؟ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»
وفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن الجمهورية ليست من أمر الإسلام وأن المشروع للمسلمين نصب إمام واحد وطاعته ولو كان فيه غشم وظلم للرعية.
стр. 245
وروى أبو داود الطيالسي ومسلم والترمذي عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» هذا لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وروى أبو داود الطيالسي ومسلم أيضًا والبخاري في «التاريخ الكبير» عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع» قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا».
وفي صحيح مسلم أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدًا من طاعة».
وفي رواية «ألا من ولي عليه فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة».
وفي مستدرك الحاكم عن العرباض بن سارية ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا فقام فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول ثم قال: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأطيعوا من ولاه الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبداً أسود وعليكم بما تعرفون من
стр. 246
سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق» قال الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن قد جعلوا ولاية أمرهم إلى جمهورية وعدد كثير اتبعوا في ذلك سنن كثير من دول الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى وخالفوا شريعة الإسلام وما تقتضيه من نصب إمام واحد لا غير والسمع والطاعة له في المعروف وإن ظلم الرعية وجار في حكمه.
وخالفوا أيضًا ما كان عليه المسلمون منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا. والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة وفيما ذكرته كفاية لمبتغي الحق والله الموفق.
فصل
النوع الحادي والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى تدريب الجنود على الأنظمة الإفرنجية وتشكيلهم بشكل أعداء الله تعالى في اللباس والمشي وغير ذلك من الإشارات والحركات المبتدعة.
وقد فشي هذا التشبه المذموم في كثير من المنتسبين إلى الإسلام والدليل على تحريمه قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» وقوله في الحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
فأما تعلم الرمي وما يتبع ذلك من استعمال الآلات الحربية الحادثة
стр. 247
في هذه الأزمان من برية وبحرية وجوية فذلك مطلوب مرغب فيه للجهاد في سبيل الله ومكافحة أعداء الله قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية.
وقال النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاث مرات رواه الإمام أحمد ومسلم والدارمي وأهل السنن إلا النسائي من حديث عقبة بن عامر ﵁.
فصل
النوع الثاني والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى إسقاط لفظة ابن في النسب كقولهم لمن اسمه أحمد بن محمد أحمد محمد ونحو ذلك وهذا معروف عن الإفرنج من قرون كثيرة وقد وقع في تقليدهم فيه ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وهؤلاء المفتونون بالتقاليد الإفرنجية قد خالفوا الكتاب والسنة وما عليه المسلمون منذ عهد الصحابة إلى زمن قريب.
فأما مخالفتهم للقرآن فقد ذكر الله تعالى عيسى ابن مريم في مواضع منه يقول في كل منها عيسى ابن مريم ولم يقل عيسى مريم وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. ولم يقل ومريم عمران.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يعني الله ﵎: «لا ينبغي لعبد لي -وفي رواية- لعبدي أن يقول أنا خير من يونس بن متى».
стр. 248
وأما مخالفتهم للسنة فروى الإمام أحمد والترمذي عن المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: قال العباس ﵁ بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس قال فصعد المنبر فقال: «من أنا؟» قالوا: أنت رسول الله قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وفي المسند وصحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﷺ ».
وفي المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن» وفي الصحيحين والمسند وسنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» زاد أحمد والشيخان ونسبه إلى أبيه.
وفي المسند وسنن أبي داود عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي أن يقول: إني خير من يونس بن متى».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى».
وفي المسند وصحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس
стр. 249
ابن متى» وفي المسند أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله بن عمرو إنك تصوم الدهر» وذكر تمام الحديث وأصله في الصحيحين.
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟» قال قالت: الله ورسوله أعلم الحديث.
وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «استقرءوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب».
وفي جامع الترمذي أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان بن عفان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرأهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وفي جامع الترمذي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح نعم الرجل أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن جبل نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح».
стр. 250
قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير بمثله.
والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة جدًا. ولم يؤثر عن النبي ﷺ أنه كان يسقط لفظة ابن في النسب وخير الهدي هديه ﷺ وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «هدينا مخالف لهديهم» -يعني المشركين-رواه الحاكم في مستدركه من حديث المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وافقه الذهبي في تلخيصه.
وأما مخالفتهم لما عليه المسلمون قديما وحديثا فمما لا يخفى على طالب علم. وما كان المسلمون يعرفون إسقاط لفظة ابن في النسب حتى كثرت مخالطتهم لطوائف الإفرنج فافتتن الجهال بتقليدهم واتباع سننهم حذو النعل بالنعل.
فصل
النوع الثالث والثلاثون: من التشبه بأعداء الله تعالى الاعتماد في التاريخ على ميلاد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام متابعة للنصارى ورغبة عما كان عليه المسلمون من اعتماد التاريخ بهجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
وقد وقع في هذه المشابهة فئام كثيرة من المنتسبين إلى الإسلام وهؤلاء قد جمعوا بين أمرين ذميمين.
следующие страницы →