Полный текст (279 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد اطلعت على هذا المؤلف الجليل الموسوم بـ (الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين) تأليف أخينا وصاحبنا الشيخ العلامة (حمود بن عبد الله التويجري) وسمعته بقراءة مؤلفه من أوله إلى آخره فألفيته عظيم الفوائد، كثير الفرائد، قد اشتمل على بيان جملة كبيرة من الأشياء التي شابه فيها الكثير من المسلمين أعداء الله من اليهود والنصارى والمجوس وسائر المشركين معززًا بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، موشحًا بالكثير من كلام السلف الصالح وأئمة الإسلام في بيان الحق بدليله وتزييف الباطل وإقامة الحجة عليه، وفي التحقيق أني لا أعلم أنه ألف في منواله مثله مع وضوح العبارة والعناية بالأدلة والعلل المهمة والحكم الشرعية والأضرار الكثيرة الناجمة عن مشابهة المشركين، والاقتداء بهم المفضية إلى نسيان الكثير من السنة وطمس الكثير من أعلام الحق، ولا سيما في هذا العصر الذي قد استحكمت فيه غربة الإسلام وفشت فيه البدع والمنكرات، وقلَّ فيه العلم وغلب فيه الجهل وكثر فيه أنصار الهوى
стр. 3
وقل فيه اتباع الهدى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأسأل الله أن ينفع المسلمين بهذا الكتاب العظيم، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم وأن يهدي قادتهم وينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل، وأن يضاعف الأجر للمؤلف ويزيده من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يكلل جهوده بالصلاح والنجاح، وأن يكثر في المسلمين دعاة الهدى وأنصار الحق، وأن يجعلنا وإياه وسائر إخواننا من هذا الرعيل، إنه على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد سيد ولد آدم وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
أملاه الفقير إلى عفو ربه (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة [سابقًا] غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولسائر المسلمين آمين.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدى أولياءه إلى صراط مستقيم، ووفقهم لمخالفة أصحاب الجحيم. فضلا منه ونعمة والله ذو الفضل العظيم. أحمده سبحانه على فضله العميم. وأشكره وهو المستحق للحمد والشكر والتعظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو العزيز الحكيم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله المصطفى الكريم. الذي حذَّر أمته من مشابهة الكفار وأخبر أن هديه مخالف لهديهم الذميم. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الدين القويم. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن اليهود والنصارى والمجوس، وأكد ذلك بالقسم عليه تحقيقًا لوقوعه والأحاديث في ذلك كثيرة.
الأول: منها ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن؟».
قال النووي: السنن بفتح السين والنون وهو الطريق. وقال ابن حجر العسقلاني بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناه بضمها، وقال
стр. 5
المهلب: بالفتح أولى؛ لأنه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر وهو الطريق، قال ابن حجر وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك انتهى. قال عياض الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه. وكذا قال النووي. قال وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به. وقال ابن حجر قد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك انتهى.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم، فقال: ومن الناس إلا أولئك؟» رواه البخاري بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجه ولفظه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم باعًا بباع وذراعًا بذراع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن إذًا؟!». ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال ابن حجر في فتح الباري الأخذ بفتح الألف وسكون الخاء على الأشهر هو السيرة يقال أخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته وما أخذ أخذه أي ما فعل فعله وما قصد قصده انتهى.
الحديث الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا من يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن إلا هم؟» رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وإسناده جيد.
стр. 6
الحديث الرابع: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذارعًا بذارع وباعًا بباع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» رواه محمد بن نصر المروزي والبزار بأسانيد جيدة والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك» رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بنحوه مختصرًا، وإسناده حسن.
الحديث السادس: عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ولتأخذن مثل مأخذهم إن شبرا فشبر وإن ذراعًا فذراع وإن باعًا فباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه» رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة.
الحديث السابع: عن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة» رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ومحمد بن نصر في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة.
الحديث الثامن: عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم». رواه
стр. 7
الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ولفظه: «إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم»، ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بنحوه وأسانيده كلها جيدة.
الحديث التاسع: عن المستورد بن شداد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه» رواه الطبراني.
الحديث العاشر: عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم» رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بهذا اللفظ، ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: «لتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذا الأثر له حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال إلا عن توقيف، وقد قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وروى ابن جريج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لتأخذنَّ كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعًا بذراع وشبرًا بشبر وباعًا بباع حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه» قال أبو هريرة ﵁ اقرءوا إن شئتم: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية. قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: «فهل الناس إلا
стр. 8
هم؟» وروى ابن جريج أيضا عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية قال ابن عباس ﵄: «ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم» لا أعلم إلا أنه قال: «والذين نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه».
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بإسناد جيد عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا كائن فيكم».
وذكر البغوي في تفسيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟». وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «إن أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل أنتم تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله». وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل والله لا تدعون شيئًا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله» فقال رجل أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: «نعم. ممن أسلم وعرف نسبه»، وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: «والله ما من شيء كان ممن قبلكم إلا سيكون فيكم».
وروى محمد بن نصر أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرّها» وروى محمد بن نصر أيضًا عن همام بن الحارث قال: كنا عند حذيفة ﵁ فذكروا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فقال رجل من القوم إنما
стр. 9
هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة ﵁: «نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المر كلا والذي نفسي بيده حتى تحذى السنة بالسنة حذو القذة بالقذة».
فصل
وقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه من اتباع أمته لسنن أعداء الله تعالى حذو القذة بالقذة، ولا سيما في زماننا هذا فإنه لم يبق شيء مما يفعله اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى إلا ويفعل مثله في كثير من الأقطار الإسلامية، وقد تضمن إخباره ﷺ بذلك تحذير المؤمنين عن سلوك مسالك العصاة المتشبهين بأعداء الله تعالى فإن من تشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم.
لما روى البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا يقتضي أنه جعله كافرًا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية لأنه لو لم يكن مؤثرًا في استحقاق العقوبة لم يجز جعله جزءًا من المقتضي إذ المباح لا يعاقب عليه وليس الذم على بعض ذلك مشروطًا ببعض؛ لأن أبعاض ما ذكره تقتضي الذم مفردًا انتهى.
стр. 10
ويشهد لما قاله عبد الله بن عمرو ﵄ قول الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. قال عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: وأزواجهم قال أشباههم، وكذا قال ابن عباس والنعمان بن بشير ﵃ يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم.
وقال قتادة والكلبي كل من عمل مثل عملهم.
وقال الراغب الأصفهاني أي أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ابن كثير أي جمع كل شكل إلى نظيره.
وروى ابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: «الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله».
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن النعمان بن بشير ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فقال: «تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم».
وفي رواية قال: «هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار»، وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، قال ابن كثير وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة. واختاره ابن جرير وهو الصحيح.
فصل
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ من بلوغ الزمان الذي يشتبه فيه المسلمون بالأعاجم ويعوذ أصحابه من بلوغه.
стр. 11
ففي المسند من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب».
وفي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا أدرك زمان قوم لا يتبعون العليم ولا يستحيون من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير قلوبهم قلوب الأعاجم أي بعيدة من الخلاق مملوءة من الرياء والنفاق، وألسنتهم ألسنة العرب متشدقون متفصحون متفيهقون يتلونون في المذاهب ويروغون كالثعالب.
قال الأحنف لأن أبتلى بألف جموح لجوج أحب إلي من أن ابتلى بمتلون. قال والمعنى اللهم لا تحيني ولا أصحابي إلى زمن يكون فيه ذلك انتهى. وهذان الحديثان مطابقان لحال الأكثرين من زماننا فإنهم لا يتبعون العليم ولا يستحيون من الحليم. «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس». ويطيعون المغوين ويعصون المرشدين، وليس معهم من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ما يحملهم على الحياء. ويمنعهم من تعاطي ما يدنس ويشين عند ذوي الأحلام والنهى.
وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن المرواءات العربية وتخلقهم بأخلاق الأعاجم من طوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى وشدة ميلهم إلى مشابهتهم في الزي الظاهر واتباع سننهم حذو القذة بالقذة.
стр. 12
والمشابهة في الظاهر إنما تنشأ من تقارب القلوب وتشابهها. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
وقد عظمت البلوى بداء المشابهة في زماننا وعمت جميع الأقطار الإسلامية ولم ينج منها إلا القليل من الناس. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فصل
وقد كان هدي رسول الله ﷺ مخالفًا لهدي المشركين كما في مستدرك الحاكم من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس ابن مخرمة مرسلاً. ولفظه: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك».
وقد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه كان يأمر بمخالفة أعداء الله تعالى وينهى عن التشبه بهم.
فمن ذلك ما في الصحيحين ومسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن النسائي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب».
стр. 13
ومنها ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس».
ومنها ما في الصحيحين والمسند والسنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» هذا لفظهم سوى الترمذي ولفظ الترمذي: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ثم قال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ للإمام أحمد «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ، وفي رواية للنسائي: «أن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوا عليهم فأصبغوا».
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: «يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يتزرون فقال: تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب».
ومنها ما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه الطبراني في الكبير ولفظه: «صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود».
ومنها ما رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها»، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: «إياكم والتنعم
стр. 14
وزي أهل الشرك» ورواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح ولفظه: «ذروا التنعم وزي العجم» ورواه أيضًا في كتاب الزهد بإسناد صحيح، ولفظه: «إياكم وزي الأعاجم ونعيمها».
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى النهي عن التشبه بالعجم للتحريم .
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع. وقال أيضًا إذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديمًا وحديثًا ودخل في ذلك ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام وما عاد إليه كثير من العرب في الجاهلية التي كانوا عليها ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم.
فصل
وقد ورد التغليظ في التشبه بأعداء الله تعالى كما في المسند وسنن أبي داود وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إسناده جيد. وقال ابن حجر العسقلاني إسناده حسن. قال شيخ الإسلام وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث. قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وقال الشيخ أيضًا في موضع آخر
стр. 15
قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا انتهى.
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
قال ابن مفلح في قوله: ليس منا، هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عقيل بن مدرك السلمي قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء إسرائيل قل لقومك: لا يأكلوا طعام أعدائي ولا يشربوا شراب أعدائي ولا يتشكلوا شكل أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وروى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لقومك لا تدخلوا مداخل أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وروى الخلال عن حذيفة ﵁ أنه أتى بيتًا فرأى شيئا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم. وتقدم ما رواه البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما
стр. 16
في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر. وأما فساد الدين فنوعان نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل العمل. فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية، وأما المتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم؛ لأن أعظم محال العمل هو الحرم، وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني - إلى أن قال- والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث، والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي: العادة وهي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض﴾، وقال النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم انتهى.
وقال أيضا في الكلام على قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم»، قد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك. وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك، وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونه تشبها. والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه
стр. 17
أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبها نظر. لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية وقد روي في هذا الحديث عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ذكره القاضي أبو يعلى، وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين. قال محمد بن حرب سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه فكرهه للرجل والمرأة وقال: إن كان للكنيف والوضوء فلا بأس، وأكره الصرار قال: وهو من زي الأعاجم. وروى الخلال عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سألت سعيد بن عامر عن لباس النعال السبتية فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى أيضًا: قد بعث الله عبده ورسوله محمدًا ﷺ بالحكمة التي هي سنته وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور:
منها أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم واللابس
стр. 18
لثياب الجند المقاتلة مثلا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضيا لذلك إلا أن يمنعه من ذلك مانع.
ومنها أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة تتوجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين. إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم. فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له.
وقال الشيخ أيضا مشاركتهم في الهدي الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سببًا قريبًا أو بعيدًا إلى نوع ما من الموالاة والمودة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة.
وقال الشيخ أيضًا المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكل في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي،
стр. 19
وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام. والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا وإن بعد المكان والزمان فهذا أيضا أمر محسوس. قال والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة انتهى.
وما ذكره رحمه الله تعالى من نتائج التشبه بأعداء الله تعالى وثمراته السيئة كله واقع في زماننا، ولا سيما مواصلة أعداء الله تعالى ومؤاخاتهم وموالاتهم وموادتهم ومحبتهم والاختلاط التام بهم في بعض الأقطار بحيث قد ارتفع فيها التمييز ظاهرًا بين المسلم والكافر فلا يعرف هذا من هذا إلا من كان يعرفهم بأعيانهم، وقد قادت هذه الموافقة والمشابهة كثيرًا من الناس إلى النفاق وكثيرًا منهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام عياذًا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.
فصل
ولما كان التشبه بأعداء الله تعالى واتباع سننهم والأخذ بأخذهم من أعظم العوامل في هدم الإسلام ومحو السنن النبوية واطراح المناهج السلفية والمروآت والشيم العربية والاعتياض عن ذلك كله بأدناس المدنية الإفرنجية، أحببت أن أنبه ههنا على أنواع من المشابهة فشت في زماننا وكثر الواقعون فيها وقل المنكرون لها، وكثير مما أذكره قد وقع من أزمان
стр. 20
طويلة وما زال شره يزداد على مر الأوقات حتى عاد الماضي منه شبه لا شيء بالنسبة إلى ما تم في هذه الأزمان.
وبعض ما أذكره لم يقع إلا في هذه الأزمان.
والقصد من ذلك النصيحة للمسلمين وبيان ما خفي على أكثرهم من أنواع المشابهة وتحذيرهم من شؤم التشبه بأعداء الله تعالى وسوء عاقبته.
والله المسئول أن يوفقنا جميعا لاتباع هدي رسول الله ﷺ وأن يجنبنا هدي المشركين وأشباههم إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
النوع الأول من المشابهة وهو من أقبحها وأسوأها عاقبة ما ابتلى به الأكثرون من الغلو في القبور وبناء القباب عليها واتخاذ المساجد والسرج عليها وتعظيمها وتعظيم غيرها من الأشجار والأحجار وغيرها بما نهى عنه الشرع المطهر حتى آل الأمر بكثير منها إلى أن اتخذت أوثانا تعبد من دون الله ويفعل عندها من أنواع الشرك مثل ما كان المشركون الأولون يفعلونه عند اللات والعزى ومناة وغيرهن من الطواغي بل أعظم بكثير.
وقد وردت أحاديث كثيرة أخبر فيها رسول الله ﷺ أن اتخاذ القبور مساجد من فعل اليهود والنصارى ولعنهم على ذلك وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة وحذر أمته ونهاهم أن يفعلوا كفعلهم، فيلحقهم من غضب الله ولعنته ولعنة رسوله ﷺ مثل ما لحق أولئك وهذا من كمال نصحه لأمته وشدة شفقته عليهم صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
стр. 21
فمنها ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا.
ومنها ما في الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وفي رواية لمسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
ومنها ما في الصحيحين أيضًا عن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا.
ومنها ما في الصحيحين أيضا عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة».
ومنها ما في المسند وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد»، وقد أخرج البخاري بعض هذا الحديث في صحيحه.
стр. 22
ومنها ما في المسند أيضا عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
ومنها ما في صحيح مسلم عن جندب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك».
ومنها ما في المسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
ومنها ما في موطأ مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
ومنها ما في المسند والسنن عن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، قال الترمذي: حديث حسن وصححه ابن حبان، وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: هو حديث متداول فيما بين الأئمة.
وقد قابل القبوريون هذه الأحاديث الصحيحة بالتصامم والتعامي
стр. 23
عنها والعمل بخلافها محادة منهم لله ولرسوله ﷺ واتباعًا لسنن اليهود والنصارى.
وما زال الشيطان يعظم عندهم أمر القبور ويزين لهم الغلو في أصحابها ويأمرهم بالتوسل بهم إلى الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان ويوحي إليهم أنهم ينفعون ويضرون ويقربون عابديهم إلى الله زلفى ويشفعون لهم عنده حتى تمكنت وساوس الشيطان ووحيه وتزيينه من قلوبهم ورسخت فيها فصار افتتانهم بالقبور أعظم من افتتان اليهود والنصارى بقبور الأنبياء والصالحين، وما تركوا شيئا مما نهى عنه الرسول ﷺ وحذر من فعله ولعن فاعله إلا وقد ارتكبوه وشاقوا الله ورسوله، فإنه ﷺ نهاهم أن يتخذوا القبور مساجد كما اتخذها اليهود والنصارى فعاندوه وبنوا عليها المساجد وسموها مشاهد ثم آل الأمر بكثير منهم إلى أن شرعوا للقبور حجا ووضعوا لذلك مناسك وكسوا القبور كما تكسى الكعبة وجعلوا حول بعض الضرائح المعظمة عندهم مطافًا يطوفون فيه على القبر كما يطوف المسلمون بالكعبة وسموا ذلك المطاف حرما يريدون أن يضاهئوا بأوثانهم البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وحرما آمنًا.
وقد حدثني غير واحد من رآهم يطوفون بالقبور ويتضرعون إلى أصحابها ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان، فما أشبه هؤلاء الضلال بالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
стр. 24
وكذلك قد نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والبناء عليها والكتابة عليها، كما في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والسنن عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه»، زاد الترمذي: «وأن يكتب عليها»، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأبي داود والنسائي أو يزاد عليه أو يكتب عليه.
ورواه ابن ماجه مختصرًا ولفظه: قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء».
ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر أو يجصص أو يقعد عليه ونهى أن يكتب عليه» قال الحاكم على شرط مسلم وقد خرج بإسناده غير الكتابة فإنها لفظة صحيحة غريبة، وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم، وخرج منه.
وفي رواية للحاكم: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها والجلوس عليها»، صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى أن يبنى على القبر».
وقد خالف القبوريون هذه الأحاديث جملة وارتكبوا ما نهاهم النبي ﷺ عنه من البناء على القبور والزيادة عليها وتجصيصها والكتابة عليها حتى لقد ذكر لنا عن بعض الأوثان أنه قد كتبت عليه الكتابات بماء الذهب، وذكر عن بعضها أنه كتب عليه بماء الذهب قول الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، فجعلوه ندا لله تعالى بالعبادة والتعظيم. وجعلوه
стр. 25
ندا للرسول ﷺ بوصفه بما وصف الله به رسوله ﷺ في كتابه وهذا غاية المحادة لله ولرسوله ﷺ .
وكذلك قد نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ السرج على القبور ولعن من أسرجها فأبى القبوريون إلا أن يغالوا في إسراجها.
وكذلك قد لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور من النساء فأبين إلا أن يزاحمن الرجال في زيارتها وأن يسافرن إلى زيارة الأوثان وحجها من الأماكن البعيدة والقريبة ويطفن حولها تضطرب إلياتهن كاسيات عاريات متبرجات يفتن الحي ويؤذين الميت.
وكثير من المنتسبين إلى الإسلام يضعون الخوص على القبور. وبعضهم يضع عليها الأزهار الحسنة تحية للموتى كما يزعمون، وبعضهم يضع عليها الأزهار الصناعية. وبعضهم يضع عليها الرياحين. وبعضهم يصب عليها ماء الورد وأنواع الطيب، وكل هذه الأفعال الذميمة من التقاليد الإفرنجية، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
فصل
النوع الثاني: من المشابهة وهو من أعظمها شرًا وأسوأها عاقبة ما ابتلي به كثيرون من اطّراح الأحكام الشرعية والاعتياض عنها بحكم الطاغوت من القوانين والنظامات الإفرنجية أو الشبيهة بالإفرنجية المخالف كل منها للشريعة المحمدية، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 26
وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من الناس فمستقل من الانحراف ومستكثر. وآل الأمر بكثير منهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام بالكلية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد والنفاق الأكبر قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
ثم نفى ﵎ الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ عند التنازع ولم يرض بحكمه ويطمئن إليه قلبه ولا يبقى لديه شك إن ما حكم به هو الحق الذي يجب المصير إليه فيذعن لذلك وينقاد له ظاهرًا وباطنا، وأقسم على هذا النفي بنفسه الكريمة المقدسة فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا ولا سيما أهل الأمصار الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهان لديهم ما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ من الكتاب والحكمة فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله أو ممن يتشبه بهم ويحذو حذوهم من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم عنه بمعزل.
стр. 27
وأقبح من فعل المنافقين ما يذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا: إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى. وهذه ردة صريحة والله المسئول أن يقيض لأهلها ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق ﵁ لإخوانهم من قبل.
فصل
ومن اطراح الأحكام الشرعية ما يفعله كثير من المنتسبين إلى الإسلام من إبدال الحدود والتعزيرات بالحبس موافقة للإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وهذا مصداق ما في حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه.
فصل
النوع الثالث: من المشابهة وهو من أشنعها وأسوأها عاقبة ما ابتلي به بعض المنتسبين إلى الإسلام من تقليد الشيوعيين في ظلم الأغنياء وأخذ أموالهم قهرًا بغير حق بدعوى الاشتراك بين الأغنياء والفقراء في المال. وهذا المذهب الخبيث مأخوذ عن المزدكية من المجوس وأول من أحدثه زرادشت ثم أظهر ذلك مزدك في أيام قباذ ودعا الناس إليه.
وقد ذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي عن يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي أنه قال: كان أول ملوك المجوس كومرث فجاءهم بدينهم
стр. 28
ثم تتابع مدعو النبوة فيهم حتى اشتهر بها زرادشت وكان مما سنه زرادشت عبادة النار والصلاة إلى الشمس، وكانوا يستحلون فروج الأمهات وقالوا الابن أحرى بتسكين شهوة أمه، وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة فإن لم يكن له ابن اكترى رجل من مال الميت ويجيزون للرجل أن يتزوج بمائة وألف وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ وأباح النساء لكل من شاء ونكح نساء قباذ لتقتدي به العامة فيفعلون في النساء مثله فلما بلغ إلى أم أنوشروان قال لقباذ أخرجها إليّ فإنك إن منعتني شهوتي لم يتم إيمانك فهم بإخراجها فجعل أنوشروان يبكي بين يدي مزدك ويقبل رجله بين يدي أبيه قباذ ويسأله أن يهب له أمه فقال قباذ لمزدك ألست تزعم أن المؤمن لا ينبغي أن يرد عن شهوته؟ قال: بلى قال: فلم ترد أنوشروان عن شهوته؟ قال: قد وهبتها له، ثم أطلق للناس في أكل الميتة فلما ولي أنوشروان أمتى المزدكية.
وقال القرماني في تاريخه (أخبار الدول وآثار الأول) في الكلام على ملوك الفرس من الساسانية الذي من جملتهم قباذ. قال: وكان قباذ ضعيفًا مهينا في ملكه في أيام ظهر مزدك الزنديق وإليه تضاف المزدكية فادعى النبوة وأمر الناس بالتساوي في الأموال وأن يشتركوا في النساء؛ لأنهم إخوة لأب وأم آدم وحواء ودخل قباذ في دينه فشق ذلك على الناس وعظم عليهم وأجمعوا على خلع قباذ. وانضم إلى مزدك جماعة وقالوا: نحن نقاسم الناس ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء فكانوا يدخلون على الرجل في بيته فيغلبونه على أمواله ونسائه، فوثب رجل من الأشراف يعرف بابن ساجور في جماعة من أصحابه على مزدك فقتله فلم تبق ناحية إلا خرج منها خارج فخلعوا قباذ وولوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز ولحق قباذ بالهياطلة فأنجدوه وانتصر على أخيه جاماسب وحبسه واستمر قباذ في
стр. 29
الملك حتى قتل في يد العرب بمدينة الري وكان ملكه إلى أن هلك ثلاثًا وأربعين سنة، ثم ملك بعده ابنه أنوشروان ولما تولى الملك كان صغيرًا فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه إني عاهدت الله إن صار الملك إلي أن أعيد آل المنذر إلى الحيرة ثانيا وأن أقتل طائفة المزدكية الذين أفسدوا في أموال الناس ونسائهم، وكان مزدك قائمًا إلى جانب السرير فقال: هل تقتل الناس جميعا هذا فساد في الأرض والله قد ولاك لتصلح لا لتفسد. فقال له أنوشروان يا ابن الخبيثة أتذكر وقد سألت أبي قباذ أن يأذن لك في المبيت عند أمي، فأمر لك فمضيت نحو حجرتها فلحقت بك وقبلت رجلك وما زال نتن جواربك في أنفي منذ ذلك اليوم إلى الآن وسألتك حتى وهبتها لي ورجعت؟ فقال: نعم فأمر بقتله فقتل بين يديه وأخرج وأحرقت جثته وأمر بقتل أتباعه فقتل منهم خلقًا كثيرًا وأثبت ملة المجوسية القديمة وكتب بذلك إلى أصحاب الولايات وقوى جنده بالأسلحة والكراع وعمر البلاد وقسم أموال الزنادقة على الفقراء ورد الأموال التي لها أصحاب إلى أصحابها وأجرى الأرزاق للضعيفات اللاتي مات عنهن أزواجهن وأمر أن يزوجهن من مال كسرى وكذلك فعل بالبنات اللاتي لم يوجد لهن أب وأما البنون الذين لم يوجد لهم أب فأضافهم إلى مماليكه ورد المنذر إلى الحيرة وطرد الحارث عنها وكان الحارث مزدكيًا انتهى.
وقد ذكر ابن جرير في تاريخه عن المزدكية نحو ما ذكره القرماني. فذكر أنهم قالوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء. ويردون من المكثرين على المقلين وأن من كان عنده فضل من الأموال
стр. 30
والنساء والأمتعة فليس هو أولى به من غيره فافترص السفلة ذلك واغتنموا وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه وقالوا لقباذ: إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك وأرادوه أن يدفع إليهم نفسه ويجعلوه قربانا للنار فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه فقتل من المزدكية ناسًا كثيرًا وأعاد قباذ إلى ملكه وطرح أخاه جاماسب ثم لم تزل المزدكية بعد ذلك يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه فانتثرت الأطراف وفسدت الثغور.
وذكر ابن جرير أن كسرى أنوشروان كتب إلى رعيته كتابا يحذرهم فيه مما دعا إليه مزدك ويذكر أنها ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له زرادشت بن خركان ابتدعها في المجوسية فتابعه الناس على بدعته تلك وفاق أمره فيها. قال كسرى وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له مزدق بن بامدا وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه التآسي في أموالهم وأهليهم وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء وسهل
стр. 31
السبيل للغصبة إلى الغصب وللظلمة إلى الظلم وللعهار إلى قضاء نهمتهم والوصول إلى الكرائم اللاتي لم يكونوا يطمعون فيهن وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زرادشت بن خركان ومزدك بن بامدا وأبطل بدعتهما وقتل بشرًا كثيرًا ثبتوا عليها ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها.
وذكر ابن جرير أيضًا أنه لما عقد التاج على رأس كسرى دخل عليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له فلما قضوا مقالتهم قام خطيبا فبدأ بذكر نعم الله على خلقه وتوكله بتدبير أمورهم وتقدير الأقوات والمعايش لهم ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم وانمحاء دينهم وفساد حالهم في أولادهم ومعايشهم وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه وحث الناس على معاونته ثم أمر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلف فيه أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيبًا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها ويرضي أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين التزويج من غيره إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدًا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء وجعل جهازهن من بيت المال وأنكح شبابهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين
стр. 32
أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة انتهى.
وقال الشهرستاني في الملل والنحل كان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب الناس والأموال أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شريكة فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ والنار انتهى.
ومما ذكرنا يعلم أصل الاشتراكية الخبيثة وأنها موروثة عن زرادشت ومزدك واتباعهما من زنادقة المجوس وفجرتهم، ويعلم أيضا رجحان عقل كسرى أنوشروان وعقول أتباعه من الأعاجم الكفار على عقول طغاة الاشتراكيين في زماننا مع كونهم ينتسبون إلى الإسلام وإلى العربية وهم بعيدون كل البعد عنهما. فكسرى مع كفره أعقل وأعدل وأحسن سياسة ونظرًا للرعية من طغاة الاشتراكيين.
ويعلم أيضًا ما تشتمل عليه الاشتراكية من الفوضى والظلم العظيم والفساد العريض.
ويعلم أيضًا مخالفة هذا المذهب الخبيث للشريعة المحمدية ولجميع شرائع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد زعم بعض طغاة الاشتراكيين وزنادقتهم أن الاشتراكية من دين الإسلام فجنوا بهذه الدعوى جنايتين عظيمتين.
إحداهما على الإسلام حيث افتروا عليه إثمًا عظيمًا وألصقوا به الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله محرمًا بين عباده كما في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن
стр. 33
الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» رواه مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود الطيالسي في مسنده، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقد اتفقت الشرائع السماوية على تحريم الظلم وأجمع المسلمون على ذلك، والنصوص من الكتاب والسنة على تحريم الظلم وأخذ الأموال بغير حق كثيرة جدا وسأذكر طرفًا منها قريبا إن شاء الله تعالى.
والقول بأن الاشتراكية من دين الإسلام قول معلوم البطلان بالضرورة من الدين وهو كفر لا شك فيه؛ لأن القائل بذلك قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله واستحل ما هو محرم بالنص والإجماع. ومن شرع دينًا لم يأذن به الله فهو طاغوت، ومن استحل محرما مجمعًا على تحريمه فقد كفر.
الجناية الثانية: على الأغنياء بأخذ أموالهم بغير حق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 34
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية».
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الإمام أحمد ومسلم والبخاري في الأدب المفرد من حديث جابر ﵁، ورواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه.
ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ورواه الطبراني من حديث الهرماس بن زياد.
وفي مستدرك الحاكم عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجور وأعوانهم في النار»، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجلاوزة والشرط وأعوان الظلمة كلاب النار».
وروى الطبراني في الأوسط والصغير عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرًا غيري».
وروى أبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎ وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم
стр. 35
في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رآى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل».
وروى البخاري في الأدب المفرد من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف ويبدأ بأهل المظالم».
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا ظالم استحسن الظلم مركبًا ... ولج عتوا في قبيح اكتسابه
فَكِلْهُ إلى ريب الزمان فإنه ... سيبدي له ما لم يكن في حسابه
فكم قد رأينا ظالمًا متجبرًا ... يرى النجم تيهًا تحت ظل ركابه
فلما تمادى واستطال بظلمه ... أناخت صروف الحادثات ببابه
وعوقب بالظلم الذي كان يقتفى ... وصب عليه الله سوط عذابه
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه» قال ذلك لشدة ما حرم الله من مال المسلم على المسلم.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد من حديث السائب بن يزيد عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا -وفي رواية- لعبًا ولا جدًا ومن أخذ عصا أخيه فليردها» قال الترمذي: حسن غريب. وإذا كان الأمر هكذا في العصا فكيف بالدور والأرضين والأموال العظيمة من النقود وغيرها. فليبشر الاشتراكيون وأشباههم من الظلمة بغضب الله وأليم عقابه إن لم يتوبوا مما فعلوه ويردوا إلى الناس ما أخذوه منهم بغير حق فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق
стр. 36
لقي الله وهو عليه غضبان»، رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وإسناده صحيح على شرط البخاري.
وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم من حديث وائل بن حجر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع أرضًا ظالمًا لقي الله وهو عليه غضبان».
وروى مالك وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي أمامة الحارثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، فقال رجل وإن كان شيئا يسيرًا قال: «وإن كان قضيبا من أراك»، وفي رواية مالك قال: «وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبًا من أراك». قالها ثلاث مرات، وفي رواية ابن ماجه قال: «وإن كان سواكا من أراك».
وروى الإمام أحمد أيضًا والشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين».
وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأخذ أحد شبرًا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة».
وروى الإمام أحمد أيضًا والبخاري من حديث عبد الله بن عمر
стр. 37
رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين».
وروى الإمام أحمد أيضا والطبراني في الكبير عن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم؟ وفي رواية أظلم قال: «ذراع من الأرض ينتقصه من حق أخيه فليست حصاة من الأرض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها»، قال المنذري والهيثمي إسناد أحمد حسن.
وروى الإمام أحمد والطبراني أيضًا وابن حبان في صحيحه عن يعلى بن مرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس».
وفي رواية لأحمد والطبراني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر».
وفي رواية للطبراني في الكبير: «من ظلم من الأرض شبرًا كلف أن يحفره حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى المحشر».
وروى أبو يعلى والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا المظالم ما استطعتم فإن العبد يجيء يوم القيامة وله من الحسنات ما يرى أنه ينجيه فلا يزال عبد يقوم فيقول يا رب إن فلانا ظلمني مظلمةً فيقول امحوا من حسناته حتى لا يبقى له حسنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 38
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو ماله فليؤدها إليه قبل أن يأتي إليه يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه وأعطي صاحبه وإن لم يكن له عمل صالح أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه»، وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب فذكره بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن سعيد المقبري فذكره بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح قال: وقد روى مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هل تدرون من المفلس؟» قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع قال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا
стр. 39
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: «يا أيها الناس أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام. قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» فأعادها مرارًا ثم رفع رأسه فقال: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» قال ابن عباس ﵄ فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته «فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» هذا لفظ البخاري.
وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد أيضًا وسنن الدارمي عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي صحيح البخاري أيضًا وسنن ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال النبي ﷺ : «أي يوم هذا؟» قالوا: يوم النحر، قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد الله الحرام. قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر الله الحرام قال: «هذا يوم الحج الأكبر ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم» ثم قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم فطفق النبي ﷺ يقول: اللهم اشهد»، هذا لفظ ابن ماجه وإسناده جيد.
стр. 40
وفي سنن ابن ماجه أيضًا بإسناد صحيح عن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «يا أيها الناس ألا أي يوم أحرم؟ ثلاث مرات» قالوا: يوم الحج الأكبر. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» الحديث. وفي آخره: «ألا يا أمتاه هل بلغت؟» ثلاث مرات قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد». ثلاث مرات، وقد رواه الترمذي في جامعه بنحوه مطولاً ومختصرًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال: وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي.
قلت: أما حديث أبي بكرة وحديث ابن عباس ﵃ فقد تقدم ذكرهما، وأما حديث جابر ﵁ فرواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه والدارمي في سننهم أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».
وأما حديث حذيم بن عمرو السعدي ﵁ فرواه النسائي وابن حبان في صحيحه من طريق موسى بن زياد بن حذيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» الحديث. وقد روى البخاري طرفًا منه في تاريخه الكبير.
وروى الدارمي في سننه عن جبير بن مطعم ﵁ أنه شهد خطبة رسول الله ﷺ في يوم عرفة في حجة الوداع: «أيها الناس إني والله
следующие страницы →