← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17325

الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (279 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لقي الله وهو عليه غضبان»، رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وإسناده صحيح على شرط البخاري. وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم من حديث وائل بن حجر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع أرضًا ظالمًا لقي الله وهو عليه غضبان». وروى مالك وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي أمامة الحارثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، فقال رجل وإن كان شيئا يسيرًا قال: «وإن كان قضيبا من أراك»، وفي رواية مالك قال: «وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبًا من أراك». قالها ثلاث مرات، وفي رواية ابن ماجه قال: «وإن كان سواكا من أراك». وروى الإمام أحمد أيضًا والشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين». وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وروى الإمام أحمد أيضا ومسلم وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأخذ أحد شبرًا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». وروى الإمام أحمد أيضًا والبخاري من حديث عبد الله بن عمر

стр. 37

رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين». وروى الإمام أحمد أيضا والطبراني في الكبير عن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم؟ وفي رواية أظلم قال: «ذراع من الأرض ينتقصه من حق أخيه فليست حصاة من الأرض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها»، قال المنذري والهيثمي إسناد أحمد حسن. وروى الإمام أحمد والطبراني أيضًا وابن حبان في صحيحه عن يعلى بن مرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس». وفي رواية لأحمد والطبراني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر». وفي رواية للطبراني في الكبير: «من ظلم من الأرض شبرًا كلف أن يحفره حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى المحشر». وروى أبو يعلى والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا المظالم ما استطعتم فإن العبد يجيء يوم القيامة وله من الحسنات ما يرى أنه ينجيه فلا يزال عبد يقوم فيقول يا رب إن فلانا ظلمني مظلمةً فيقول امحوا من حسناته حتى لا يبقى له حسنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 38

وقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو ماله فليؤدها إليه قبل أن يأتي إليه يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه وأعطي صاحبه وإن لم يكن له عمل صالح أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه»، وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب فذكره بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن سعيد المقبري فذكره بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح قال: وقد روى مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هل تدرون من المفلس؟» قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع قال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا

стр. 39

أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: «يا أيها الناس أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام. قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» فأعادها مرارًا ثم رفع رأسه فقال: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» قال ابن عباس ﵄ فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته «فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» هذا لفظ البخاري. وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد أيضًا وسنن الدارمي عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي صحيح البخاري أيضًا وسنن ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال النبي ﷺ : «أي يوم هذا؟» قالوا: يوم النحر، قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد الله الحرام. قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر الله الحرام قال: «هذا يوم الحج الأكبر ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم» ثم قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم فطفق النبي ﷺ يقول: اللهم اشهد»، هذا لفظ ابن ماجه وإسناده جيد.

стр. 40

وفي سنن ابن ماجه أيضًا بإسناد صحيح عن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «يا أيها الناس ألا أي يوم أحرم؟ ثلاث مرات» قالوا: يوم الحج الأكبر. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» الحديث. وفي آخره: «ألا يا أمتاه هل بلغت؟» ثلاث مرات قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد». ثلاث مرات، وقد رواه الترمذي في جامعه بنحوه مطولاً ومختصرًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي. قلت: أما حديث أبي بكرة وحديث ابن عباس ﵃ فقد تقدم ذكرهما، وأما حديث جابر ﵁ فرواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه والدارمي في سننهم أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وأما حديث حذيم بن عمرو السعدي ﵁ فرواه النسائي وابن حبان في صحيحه من طريق موسى بن زياد بن حذيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» الحديث. وقد روى البخاري طرفًا منه في تاريخه الكبير. وروى الدارمي في سننه عن جبير بن مطعم ﵁ أنه شهد خطبة رسول الله ﷺ في يوم عرفة في حجة الوداع: «أيها الناس إني والله

стр. 41

لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا بمكاني هذا فرحم الله من سمع مقالتي اليوم فوعاها، فرب حامل فقه ولا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، واعلموا أن أموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة هذا اليوم في هذا الشهر في هذا البلد» الحديث. وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وهو على ناقته المخضرمة بعرفات فقال: «أتدرون أي يوم هذا وأي شهر هذا وأي بلد هذا؟» قالوا: هذا بلد حرام وشهر حرام ويوم حرام. قال: «ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا في يومكم هذا». قال في الزوائد: إسناده صحيح. وفي المسند وصحيح مسلم وجامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وروى الإمام أحمد أيضًا والبزار والدارقطني واللفظ له عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حرمة مال المؤمن كحرمة دمه»، ورواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح. وروى الإمام أحمد والطبراني في الأوسط والدارقطني في سننه عن عمرو بن يثربي ﵁ قال: شهدت خطبة النبي ﷺ بمنى وكان فيما خطب به أن قال: «لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه» فقلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فاجتزرت منها شاة هل علي في ذلك شيء؟ قال: «إن لقيتها تحمل شفرة وأزنادًا فلا تمسها».

стр. 42

وفي رواية للدارقطني قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «ألا ولا يحل لامرئ مسلم من مال أخيه شيء إلا بطيبة نفس منه» الحديث. وروى الإمام أحمد والدارقطني أيضًا عن أبي حرة الرقاشي عن عمه أن النبي ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وروى الدارقطني أيضا عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» وروى الدارقطني أيضا عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه ألا هل بلغت؟!» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد». وقد روى الحاكم في المستدرك نحوه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع -فذكر الحديث وفيه: «أن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ولا تظلموا ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، إسناده صحيح. وروى الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والأحاديث في تحريم أخذ الأموال بغير حق كثيرة جدًا وفيما ذكرته ههنا كفاية لمن أراد الله هدايته، ومن يضلل الله فلا هادي له.

стр. 43

وكما أن الاشتراكيين قد جنوا على الإسلام وعلى الأغنياء فقد جنوا أيضًا على الفقراء وعلى غيرهم ممن يعطونه من السحت الذي يأخذونه من الأغنياء قهرًا بغير حق ومن نبت لحمه من السحت فالنار أولى به. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أن الله أبى عليّ أن يدخل الجنة لحمًا نبت من سحت فالنار أولى به»، رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي المستدرك أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت فالنار أولى به». وفي المستدرك أيضا عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به». وفي المستدرك أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به». وروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به». فصل وقد ضم الاشتراكيون إلى الجنايات اللاتي ذكرنا أمرين آخرين عظيمين:

стр. 44

أحدهما: التشبه بالمزدكية من المجوس، ثم بالشيوعيين من بعدهم، ومذهب هؤلاء هو أخبث مذهب طرق العالم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه في أول الكتاب فليراجع. وعلى هذا فالحكم في الاشتراكيين كالحكم في المزدكيين والشيوعيين سواء بسواء. الأمر الثاني: الاعتراض على أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وعدم الرضاء بقضائه وقسمته بين عباده. فإن الله ﵎ فاوت بين الناس في الأرزاق فجعل بعضهم أغنياءً وبعضهم فقراءً كما فاوت بينهم في العقول والأخلاق والعلوم والقوى والألوان والأشكال والأعمار والصحة والأسقام وغير ذلك ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ومن يشكره ممن يكفره. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 45

وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث»، وقد رواه الحاكم في مستدركه مختصرًا وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. وللمفتونين بالاشتراكية شبه يتشبثون بها وقد استوفى الرد عليها ثلاثة من أفاضل العلماء في ثلاث رسائل صدرت من دار الإفتاء بالرياض وقد اكتفيت بما كتبوه إذ لا مزيد على ذلك فجزاهم الله تعالى خير الجزاء ووفقنا وإياهم لنصر الحق وقمع الباطل. فصل النوع الرابع: من التشبه بأهل الجاهلية ما افتتن به بعض المنتسبين إلى الإسلام في زماننا من الدعوة إلى القومية العربية والاعتياض بها عن الأخوة الإسلامية وعن الدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذه دسيسة الإفرنج ومكيدة من مكائدهم أرادوا بها

стр. 46

تفريق شمل المسلمين وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم. وأول ما فعلوا ذلك في بلاد الشام منذ أكثر من ستين سنة على أيدي دعاتهم المبشرين ليفصلوا الترك عن العرب، ذكر ذلك بعض المؤرخين، وذكر أنهم عقدوا لذلك مؤتمرًا في باريس منذ أكثر من خمسين سنة، وكثرت بسبب ذلك الجمعيات العربية وتعددت الاتجاهات. قلت: ولم تزل الدعوة إليها تزداد والافتتان بها ينمو من ذلك الحين إلى زماننا هذا. وقد نبه على هذه الدسيسة الإفرنجية صاحب المنار محمد رشيد رضا في كتابه (الخلافة والإمامة العظمى) فقال: ومن وسائل المتفرنجين لإماتة الدين تعارض المانع والمقتضى فاتخذوا لإزالة الموانع وسائل: منها: بث الإلحاد والتعطيل في المدارس الرسمية ولا سيما العسكرية وفي الشعب جميعًا وألفوا لذلك كتبًا ورسائل بأساليب مختلفة. ومنها تربية النابتة الحديثة في المدارس وفي الجيش على العصبية الجنسية وإحلال خيالها محل الوجدان الديني بجعلها في المثل الأعلى للأمة والفخر برجالها المعروفين في التاريخ، وإن كانوا من المفسدين المخربين بدلا من الفخر برجال الإسلام من الخلفاء الراشدين وغيرهم من السلف الصالحين ولهم في ذلك أشعار وأناشيد يتغنى بها التلاميذ والجنود وغيرهم انتهى. وقد زاد الحمق والغرور ببعض أهل الجهل المركب في زماننا فزعموا أن القومية العربية هي روح الإسلام، وأن الدعوة إليها دعوة إلى روح الإسلام.

стр. 47

وهذا خطأ كبير وضلال بعيد وجناية عظيمة على الإسلام حيث ألصقوا به ما يذمه الإسلام وينهى عنه من دعوى الجاهلية والتعزي بعزائها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وروى عبد بن حميد والترمذي وابن أبي حاتم والبغوي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان رجل برّ تقيٌّ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌّ هينٌ على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾». وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم، وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن». هذا لفظ أبي داود ولفظ الترمذي قال: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من التراب»، قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية.

стр. 48

العبية بضم العين وكسر الباء الموحدة وتشديدها وتشديد الياء قال أهل اللغة: هي الكبر والفخر والنخوة. قلت: ومن الفخر والنخوة الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من القوميات والعصبيات. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: أضاف العبية والفخر إلى الجاهلية يذمهما بذلك وذلك يقتضي ذمهما بكونهما مضافين إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم كل الأمور المضافة إلى الجاهلية انتهى. وروى البزار عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان». وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى». وروى الطبراني عن محمد بن حبيب بن خراش العصري عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى». وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن

стр. 49

أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «فليبلغ الشاهد الغائب». وروى الإمام أحمد وابن جرير والبيهقي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى وكفى بالرجل أن يكون بذيًا بخيلاً فاحشًا». قوله: طف الصاع قال ابن الأثير: أي قريب بعضكم من بعض يقال هذا طف المكيال وطفافه، وطفافه أي ما يقرب من ملئه وقيل هو ما علا فوق رأسه ويقال له أيضا طفاف بالضم والمعنى كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى. وروى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه والبخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد». وروى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه في سننه بإسناد حسن من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة».

стр. 50

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ذم في هذا الحديث من دعا بدعوى الجاهلية وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذمًا لمن لم يتركه وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها. ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم وهذا كقوله تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرك الجاهلية الأولى﴾ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة ومنه قوله لأبي ذر ﵁ لما عير رجلاً بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية، فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية يقتضي ذمها فما كان من أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك. انتهى. وفي المسند وصحيح ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: النياحة والاستسقاء بالأنواء وكذا»، قلت لسعيد: وما هو؟ قال: دعوى الجاهلية يا آل فلان يا آل فلان. وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجر: يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ : «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا:

стр. 51

يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال: «دعوها فإنها منتنة». وفي رواية للبخاري: «فإنها خبيثة» وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مختصرًا. قال النووي كسع بسين مخففة أي ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف وغيره، وقال ابن حجر العسقلاني المشهور فيه أنه ضرب الدبر باليد أو بالرجل. قال ووقع عند الطبراني من وجه آخر عن عمرو بن دينار عن جابر ﵁ أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار برجله وذلك عند أهل اليمن شديد. وقوله: يا للأنصار بفتح اللام وهي للاستغاثة أي أغيثوني وكذا قول الآخر يا للمهاجرين. وقوله دعوها فإنها منتنة أي دعوة الجاهلية وأبعد من قال المراد الكسعة. ومنتنة بضم الميم وسكون النون وكسر المثناة من النتن أي أنها كلمة قبيحة خبيثة. قلت: ونظير هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به»، رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن جيد غريب. ونظيره أيضا ما رواه الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح منتنة فقال: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين». وفي حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره دليل على أن

стр. 52

الدعوة إلى القومية العربية دعوة منتنة خبيثة؛ لأنها من دعوى الجاهلية. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذان الاسمان المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين من قبل وفي هذا، وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى ثم مع هذا لما دعا كل منهما طائفته منتصرًا، بها أنكر النبي ﷺ ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له إن الداعي بهما إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم ليبين النبي ﷺ أن المحذور من ذلك إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقًا فعل أهل الجاهلية. فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب - إلى أن قال- فإذا كان هذا التداعي في هذه الأسماء وفي هذا الانتساب الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقًا والتداعي للنسب والإضافة التي هي إما مباحة أو مكروهة؟ إلى أن قال: فقد دلت الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي عنه وذلك يقتضي المنع من كل أمور الجاهلية مطلقًا، انتهى. وفي الصحيحين والمسند والسنن إلا أبا داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية».

стр. 53

وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث الحارث الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم» قيل: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: «وإن صام وصلى تداعوا بدعوى الله الذي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله»، هذا لفظ أبي داود الطيالسي وفي رواية أحمد: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث. قلت: وقال الحاكم في مستدركه الحارث الأشعري صحابي معروف سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الدوري يقول: سمعت يحيى ابن معين يقول: الحارث الأشعري له صحبة قال الحاكم: وهذا حديث صحيح، وقال في موضع آخر قد أخرج الشيخان برواة هذا الحديث عن آخرهم والحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ. وأقره الذهبي في تلخيصه. وقال الحاكم في موضع آخر على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو يعلى والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا دعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم» قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: «وإن صام وصلى» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بأن في إسناده عبيس بن ميمون وقد ضعفوه قال: والخبر منكر. قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.

стр. 54

قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب الجثا جمع جثوة بالضم وهو الشيء المجموع انتهى. وفي هذا الحديث والذي قبله أبلغ تحذير من الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من دعوى الجاهلية. وروى الإمام أحمد والبغوي في شرح السنة عن أبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». وقد رواه البخاري في الأدب المفرد فقال: حدثنا عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف عن الحسن عن عتي بن ضمرة قال: رأيت عند أبي ﵁ رجلاً تعزى بعزاء الجاهلية فأعضه أبي ولم يكنه فنظر إليه أصحابه قال: كأنكم أنكرتموه فقال: إني لا أهاب في هذا أحدًا أبدًا إني سمعت النبي ﷺ يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوه» إسناده صحيح. ثم رواه أيضا عن عثمان قال: حدثنا المبارك - يعني ابن حسان السلمي- عن حسن عن عتي مثله، وهذا إسناد جيد. قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب: العزاء والعزوة اسم لدعوى المستغيث وهو أن يقول: يا فلان أو يا للأنصار ويا للمهاجرين. ومنه الحديث الآخر من لم يتعز بعزاء الله فليس منا أي من لم يدع بدعوى الإسلام فيقول: يا للإسلام أو يا للمسلمين أو يا ألله، ومنه حديث عمر: «ستكون للعرب دعوى قبائل فإذا كان كذلك فالسيف السيف حتى يقولوا: يا للمسلمين» انتهى. والهن كناية عن الفرج قال ابن الأثير وابن منظور، وفي الحديث: «من

стр. 55

تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». أي قولوا له عض أير أبيك انتهى، وفي هذا الحديث أبلغ ذم وتنفير من التداعي بدعوى الجاهلية والتعزي بعزائها. ومن ذلك الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من القوميات والعصبيات، فمن دعا إلى شيء من ذلك فينبغي أن يقال له اعضض أير أبيك، ولا كرامة له ولا نعمة عين. وقد روى أبو داود في سننه عن جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل عصبية وليس منا من مات على عصبية». وروى أبو داود الطيالسي ومسلم والنسائي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية». وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية» هذا لفظ مسلم، ولفظ النسائي «ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتل فقتلة جاهلية»، وفي رواية لمسلم: «ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي». قوله تحت راية عمية. قال ابن الأثير قيل هو فعيلة من العماء الضلالة كالقتال في العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين. وقال النووي هي بضم العين، وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة

стр. 56

مشددة والياء مشددة أيضًا قالوا: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية. قلت: وكذا قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه الذي يقاتل تعصبًا لقومه أو أهل بلده ونحو ذلك. قال: وسمّى الراية عمياء لأنه أمر الأعمى الذي لا يدري وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه أو دعا بلسانه أو ضرب بيده. وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل» فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: «الهرج القاتل والمقتول في النار». قلت: وهذا الحديث يطابق حال أهل الثورات في زماننا. قال الشيخ: ثم إنه ﷺ سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها، وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك فعلم أنه كان قد تقرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة وقتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية وهو المطلوب انتهى. قال السندي في حاشيته على سنن النسائي وفيه أن من قاتل تعصبًا لا لإظهار دين ولا لإعلاء كلمة الله كان على الباطل انتهى. والعصبية والتعصب المحاماة والمدافعة قاله ابن الأثير وابن منظور.

стр. 57

قال ابن منظور: والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين. قلت: وهذا هو غاية المقصود من القومية العربية، فإنها دعوة إلى نصرة العرب بعضهم بعضًا وتألبهم على غيرهم من أجناس بني آدم مسلمين كانوا أو غير مسلمين. وقد روى أبو داود في سننه عن بنت واثلة بن الأسقع أنها سمعت أباها ﵁ يقول: قلت: يا رسول الله ما العصبية؟ قال: «أن تعين قومك على الظلم». ورواه البخاري في الأدب المفرد بنحوه ورواه ابن ماجه ولفظه قالت: سمعت أبي يقول سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: «لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم». ولا يخفى على ذي علم ما تشتمل عليه القومية العربية من الظلم العظيم وهو التفريق بين أجناس المسلمين من العرب وغير العرب وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم وقطع الأخوة الإسلامية التي عقدها الله ورسوله بينهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه في الصحيحين وغيرهما أنه قال: «المسلم أخو المسلم».

стр. 58

وفي حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم في ذم الاشتراكية أن رسول الله ﷺ قال: «إن كل مسلم أخو المسلم المسلمون إخوة». وتقدم أيضًا حديث حبيب بن خراش العصري وفيه: «المسلمون إخوة». وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ثم شبك بين أصابعه». وفي الصحيحين أيضًا عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى». وفي رواية لأحمد ومسلم: «المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله»، والأحاديث في عقد الأخوة بين المسلمين كثيرة وليس هذا موضع ذكرها. وإذا علم هذا فالدعاء إلى القومية العربية غايته إفساد ذات البين بين المسلمين من العرب وغير العرب، وفساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين كما في الحديث الصحيح عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة» قالوا: بلى قال: «صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد

стр. 59

وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح قال: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين»، حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد أن مولى للزبير حدثه أن الزبير بن العوام ﵁ حدثه أن النبي ﷺ قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم». وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن حرب بن شداد به. ورواه الإمام أحمد من طرق عن يحيى بن أبي كثير به. ورواه البزار قال المنذري والهيثمي: وإسناده جيد. وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا ولا تسلموا حتى تحابوا أفشوا السلام تحابوا وإياكم والبغضة فإنها هي الحالقة لا أقول لكم تحلق الشعر ولكن تحلق الدين». قال ابن الأثير في النهاية، وابن منظور في لسان العرب الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر. وكما أن في القومية العربية إفسادَ ذات البين وحلق الدين ففيها أيضًا موالاة الكفار والمنافقين من العرب وموادتهم واتخاذهم بطانة ووليجة وذلك ينافي الإيمان ويوجب سخط الله تعالى وأليم عقابه. وقد قال الله تعالى:

стр. 60

﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. قال البغوي رحمه الله تعالى: أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار، وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر وإن كان من عشيرته. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أخبر أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا فمن واد الكفار فليس بمؤمن انتهى. وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وهذا إخبار من الله ﵎ بأن موالاة الكفار تنافي الإيمان بالله ورسوله وكتابه وتوجب سخط الله تعالى وأليم عقابه وفي هذا أبلغ زجر وتحذير عن موالاتهم وموادتهم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: بين أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم. انتهى. والآيات في الزجر عن موالاة أعداء الله تعالى كثيرة وليس هذا موضع ذكرها. وإنما المقصود ههنا التنبيه على أن القومية العربية تشتمل على مفاسد كثيرة ومن أعظمها شرًا فساد ذات البين وموالاة الكفار والمنافقين. وإذا كانت القومية العربية تشتمل على هذين الأمرين الذميمين مع

стр. 61

كونها من دعوى الجاهلية فأي خير يرجى منها وإنما هي شر محض فيجب البعد عنها والتحذير منها. وقد استوفى الرد على شبه القوميين أخونا وصاحبنا العلامة المحقق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في رسالته التي سماها: «نقد القومية العربية»، فجزاه الله تعالى خير الجزاء ووفقنا وإياه لنصر الحق وقمع الباطل. فصل النوع الخامس: من مشابهة أعداء الله تعالى ما ابتلي به الأكثرون من اتخاذ أعياد زمانية ومكانية كلها مبتدعة. فأما الزمانية فكثيرة. منها يوم المولد النبوي وليلة المعراج وليلة النصف من شعبان. ومنها ما يجعل لميلاد صالح أو من يظن صلاحه. ومنها ما يجعل لولاية بعض الملوك ويسمى عيد الجلوس وهو مأخوذ من عيد النيروز عند العجم. قال الشيخ محمد السفاريني: قال أصحاب الأوائل أول من اتخذ النوروز حمشيد الملك، وفي زمانه بعث هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكان الدين قد تغير ولما ملك حمشيد جدَّد الدين وأظهر العدل فسمي اليوم الذي جلس فيه على سرير الملك نيروزا. قال مرتضى الحسيني في تاج العروس: النيروز اسم أول يوم من السنة عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل وعند القبط أول توت كما في المصباح، معرب نوروز أي اليوم الجديد. انتهى.

стр. 62

ومنها ما يجعل لثورة المنازعين للملوك وانتصار بعضهم على بعض وهو مأخوذ من عيد المهرجان عند العجم. قال الشيخ محمد السفاريني أول من اتخذه أفريدون لما ظهر على الضحاك العلواني وكان الضحاك ظالمًا كثير الحيل صاحب مكر وخداع فسمي اليوم الذي ظهر فيه أفريدون وغلب على الضحاك المهرجان. والمهر الوفاء وجان السلطان معناه سلطان الوفاء. انتهى. ومن الأعياد المبتدعة أيضا عيد الجلاء عند الجمهورية المصرية وهو شبيه بعيد المهرجان عند العجم. إلى غير ذلك من الأعياد المبتدعة لأيام السرور والأفراح مما لم يأذن به الله. وأما المكانية فهي ما أحدثه الهمج الرعاع من الاجتماعات عند القبور واعتياد المجيء إليها، إما مطلقًا وإما في أوقات مخصوصة ولا سيما ما يفعله عند القبر المنسوب إلى البدوي بمصر. وعند القبر المنسوب إلى الحسين بكربلاء. وعند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد، فكل واحد من هذه القبور الثلاثة قد جعله أشباه الأنعام عيدًا لهم يضاهئون به ما شرعه الله للحنفاء من الاجتماع عند الكعبة وفي عرفات ومزدلفة ومنى في أيام الحج، ويقصد كل واحد من هذه الأوثان الثلاثة ويجتمع عنده من الزوار نحو ما يجتمع في مشاعر الحج. والقبور التي قد افتتن بها الضُّلاَّل واتخذوها أعيادًا أكثر من أن تحصر ولا حاجة إلى ذكرها وتعدادها إذ لا فائدة في ذلك.

стр. 63

وإنما المقصود ههنا التحذير من مشابهة المشركين في أعيادهم الزمانية والمكانية. ومنها الاجتماع عند القبور واتخاذها أعيادًا وقصدها بالسفر وشد الرحال. ومن هذا الباب ما يفعله الفئام من الناس من شد الرحال إلى زيارة قبر النبي ﷺ واتخاذه عيدًا يعتادون المجيء إليه والاجتماع عنده في كثير من الأوقات ولا سيما في أيام الحج حتى إن كثيرًا من الجهال يرون أنه لا يتم لأحدهم الحج إلا بزيارة قبر الشريف قبل الحج أو بعده ويتعلقون في ذلك بأحاديث واهية لا تقوم بشيء منها حجة ويعدلون عن النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن اتخاذ قبره عيدًا كما في سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» صححه النووي. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به قال يحيى بن معين هو ثقة وحسبك بابن معين موثقًا، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي ليس بالحافظ هو لين تعرف وتنكر. قال الشيخ ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ وهذا له شواهد متعددة. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إسناده حسن ورواته كلهم ثقات مشاهير. وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة.

стр. 64

قلت: ومن شواهده التي ذكرها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». وقال سعيد أيضًا: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت: لا أريده فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ورواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. قلت: ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا فيه أنه

стр. 65

أمره أن يسلم عند دخوله المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي ﷺ ، وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد وهذا مشروع في كل مسجد. وقال الشيخ في موضع آخر: هذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندًا؟ انتهى. وروى ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ الكبير وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ . قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». ورواه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه المختارة، وهو ما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم. قال الشيخ: فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علمًا ودينًا حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا مثله وهو يذكر هذا الحديث بإسناده، ولفظه: «لا تتخذوا بيتي عيدًا فإن تسليمكم يبلغني أينما

стр. 66

كنتم»، وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا. وقال الشيخ في موضع آخر: انظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط؟ انتهى. وفي الصحيحين والمسند والسنن إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجد ومسجد إيلياء». قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قوله: «لا تشد الرحال» بضم أوله بلفظ: النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور. ويدل عليه قوله في بعض طرقه إنما يسافر. انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي» هذا لفظ البخاري.

стр. 67

ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى». ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام وإلى المسجد الأقصى وإلى مسجدي هذا». وروى الطبراني في الصغير عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى». وفي الموطأ وسنن النسائي عن بصرة بن أبي بصرة ﵁ أنه قال لأبي هريرة ﵁، وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى»، وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده والبخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي بصرة ﵁، بنحوه. وروى الإمام أحمد وغيره عن قزعة قال: أتيت ابن عمر ﵄ فقلت: إني أريد الطور فقال: «لا، إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته». فتحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ النفي والنهي والحصر وكل واحد من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء

стр. 68

من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة سوى المساجد الثلاثة وباجتماع هذه الصيغ الثلاثة يزداد المنع شدة والله أعلم. وقد أبى الجاهلون والغالون في القبور إلا أن يرتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ وذلك بشدهم الرحال إلى قبره واتخاذهم بيته عيدًا يعتادون المجيء إليه والاجتماع عنده ويختلط الرجال بالنساء ويضجون بالأصوات المرتفعة ويسيئون الأدب مع النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾. فنهى ﵎ عباده المؤمنين عن الجهر لرسوله ﷺ كما يجهر بعضهم لبعض وأخبرهم أن ذلك من أسباب حبوط الأعمال الصالحة؛ لأنه خلاف ما أمر الله به من توقيره واحترامه وحسن الأدب معه ثم أثنى ﵎ على الذين يوقرون رسوله ﷺ ويستعملون أحسن الآداب معه ووعدهم على ذلك المغفرة والأجر العظيم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وكما أنه لا يجوز الضجيج ورفع الأصوات عند النبي ﷺ في حال حياته فكذلك لا يجوز شيء من ذلك حول قبره لأن حرمته ميتا كحرمته حيا صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. وقد روى البخاري في صحيحه عن السائب بن يزيد قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما قال: من أنتما -أو من أين أنتما-؟

стр. 69

قالا: من أهل الطائف قال: «لو كنتم من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ». وروى النسائي بإسناد صحيح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال سمع عمر ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: «أتدري أين أنت؟». فدل هذا الحديث والذي قبله على أن رفع الأصوات في مسجد رسول الله ﷺ من المنكرات التي يجب تغييرها. وجاء في حديث ضعيف أن ذلك عام في جميع المساجد فرواه ابن ماجه في سننه عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع»، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فلبعضه شواهد في الصحيحين وغيرهما تقويه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على حديث عمر ﵁: قوله لو كنتما يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك. وفيه المعذرة لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفى مثله، قوله: لأوجعتكما. زاد الإسماعيلي جلدًا ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع لأن عمر ﵁ لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي انتهى. وإذا كان هذا قول أمير المؤمنين عمر ﵁ لرجلين رفعا أصواتهما في مسجد النبي ﷺ فكيف يقال في جهال أهل هذه الأزمان

стр. 70

وغوغائهم الذين يفعلون هذا المنكر كثيرًا في غالب الأوقات ويضمون معه منكرات أخر. منها إساءة الأدب مع النبي ﷺ بكثرة الضجيج حول قبره ورفع الأصوات عنده. ومنها مخالفة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإنهم لم يكونوا يشدون الرحال إلى زيارة قبر النبي ﷺ ولم يكونوا يجتمعون حول قبره للسلام عليه فضلا عن الضجيج عنده ورفع الأصوات ولو كان ذلك خيرًا لسبقوا إليه ولكانوا أحرص عليه من غيرهم. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: الأفضل للناس اتباع السلف الصالح في كل شيء انتهى. وما أحسن قول الراجز: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خَلَف وقد جاء في وصف الفرقة الناجية من هذه الأمة أنهم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وحسنه. وروى الإمام أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول». وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول».

стр. 71

وروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر المروزي عنه ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة». وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا واقلها تكلفًا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»، وقد روى رزين نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁. ومنها اختلاط الرجال بالنساء وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة» رواه الخلال، واختلاط الرجال بالنساء مما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة والفساد. ولقد ذكر لنا أن بعض السفهاء هناك يغامزون النساء وربما وقع من بعضهم ما هو أعظم من ذلك وأطم وهو الشرك الأكبر ووسائله. وقد حدثني بعض الثقات أن خدام المسجد النبوي إذا كانت ليلة الجمعة أخرجوا ما يلقيه الغوغاء داخل الشباك الذي حول الحجرة من أواني الطيب والكتب الكثيرة، قال: وقد عرض علي بعض الكتب التي تلقى هناك فإذا هي مشتملة على الشرك الأكبر. فبعضهم يسأل المغفرة والرحمة من النبي ﷺ . وبعضهم يسأل منه أن يهب له الأولاد. وبعضهم يطلب منه تيسير النكاح إذا تعسر عليه. إلى غير ذلك من الأمور التي كانوا يفزعون فيها إلى النبي ﷺ -

стр. 72

وينسون الرب الواحد الأحد الصمد المالك المتصرف في خلقه بما يشاء وله الحكمة التامة والحجة البالغة لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون، وقد قال ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى. وقد عكس المشركون هذا الأمر فزعموا أن الرسول ﷺ يملك لهم الضر والرشد والإعطاء والمنع، وهذا عين المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ . وهذه الأمور الشركية التي تفعل عند قبر النبي ﷺ وعند غيره من قبور الصالحين أو من يظن صلاحه هي من ثمرات الغلو الذي حذر منه رسول الله ﷺ أمته كما في المسند وسنني النسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» هذا لفظ ابن ماجه وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها التشويش على من حولهم في المسجد من المصلين والتالين للقرآن. وقد روى مالك في الموطأ عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد

стр. 73

الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة -أو قال في الصلاة-» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال ابن عبد البر حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة». وإذا كان المصلي منفردًا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين للقرآن فنهي أهل الاجتماعات المحدثة والضجيج المنكر في مسجد رسول الله ﷺ وحول قبره يكون بطريق الأولى والله أعلم. ومنها اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا ومخالفة نهيه عن ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. ومنها زيارة النساء للقبر الشريف وقبري أبي بكر وعمر ﵄ وذلك لا يجوز لهن لما رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 74

قال وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت ﵃. قلت: أما حديث ابن عباس ﵄ فرواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأهل السنن أنه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». قال الترمذي: حديث حسن وصححه ابن حبان والحاكم. وأما حديث حسان بن ثابت ﵁ فرواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ الكبير وابن ماجه والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حسان عن أبيه ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» قال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح ورجاله ثقات. وهذه الأحاديث دالة على أن زيارة القبور حرام على النساء بل كبيرة من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا عن كبيرة. سواء في ذلك قبر النبي ﷺ وقبر غيره ولم يثبت عن النبي ﷺ ما ينافي هذه الأحاديث أو يخصصها فوجب منع النساء من زيارة قبر النبي ﷺ ومن زيارة غيره من سائر القبور والله أعلم. والمنكرات التي تكون في كثير من الاجتماعات المحدثة عند قبر النبي ﷺ أكثر مما ذكرته. والله المسئول أن ينصر دنيه ويعلي كلمته وأن يوفق ولاة أمور المسلمين لإنكار المنكرات والأخذ على أيدي السفهاء والسير فيهم بسيرة الخليفة الراشد العادل الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.

стр. 75

وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وللترمذي والحاكم أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم وقال: ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق». قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. قال الخطابي في قوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» فيه دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى انتهى. وهذه الاجتماعات عند قبر النبي ﷺ من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام فلا ريب أنها داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ أمته. وكذلك شد الرحال لأجل القبر هو من محدثات الأمور التي لم تكن في صدر الإسلام.
следующие страницы →