أعمى الله بصيرته. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على البكري أربعة أبيات من البردة وأنكر على قائلها وقال فيه: ومنهم - أي من المبالغين في الغلو في الرسول ﷺ - من يقول أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت منم
لو ناسبت قدره آياته عِظَماً ... أحيا اسمه عين يدعى دارس الرمم
انتهى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, ولا يخفى على من نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان أن قصيدة البردة مشتملة على الشرك بالله تعالى ودعاء الرسول ﷺ والالتحاء إليه واللياذ به عند الشدائد وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله. وقد زعم الناظم أن من جوده الدنيا وضرتها - أي الآخرة - وأن من علومه علم اللوح والقلم. وهذا الغلو والإطراء مردود بقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ وقوله تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ وقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً.
وروى الإمام أحمد والبخاري والدارمي عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر ﵁ يقول على المنبر سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» وروى الإمام أحمد أيضاً
стр. 212
بأسانيد حسنة عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال له النبي ﷺ : «أجعلتني لله عَدْلاً, بل ما شاء الله وحده» وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال النبي ﷺ : «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» وروى أبو داود بإسناد صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السيد الله ﵎» قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طوْلاً فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » وفي رواية: «قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان» وفي رواية: «ولا يستجرينكم الشيطان» وفي رواية قال: «والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ».
فهذا كله من حماية النبي ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك بالله تعالى.
وإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن إطرائه والغلو فيه وقال: «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» وأنكر على الذي قال له ما شاء الله وشئت وقال: «أجعلتني لله نداً» وأنكر على الذين طلبوا منه
стр. 213
الإغاثة من المنافق. وأنكر على الذين قالوا له أنت سيدنا. فكيف بالذين قد تجاوزوا الحد في إطرائه والغلو فيه. حيث كانوا يتغنون في احتفالهم بالمولد النبوي بقصيدة البردة التي قد اشتملت على الإطراء للنبي ﷺ والغلو الشديد فيه وصرف ما هو من خصائص الربوبية والألوهية له. حيث زعم قائلها والمتغنون بها أنه ليس لهم من يلوذون به عند حلول الحادث العام سوى النبي ﷺ . وزعموا أن من جوده الدنيا والآخرة. وزعموا أنه يعلم ما في اللوح - أي المحفوظ الذي قد استأثر الله بعلم ما فيه - وزعموا أنه يعلم ما جرى به القلم - أي قلم القضاء والتقدير - وزعموا أنه إن لم يأخذ بأيديهم يوم القيامة فستزل أقدامهم. إلى غير ذلك مما اشتملت عليه قصيدة البردة من الإطراء والغلو الشديد. ومع هذا فكثير من الجهال وعلماء السوء والضلال قد افتتنوا بها وأكثروا من التغني بها وبما يشبهها من القصائد المشتملة على الغلو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها حيث قال ﷺ : «أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » ومن رضي بما اشتملت عليه قصيدة البردة وما شابهها من القصائد المشتملة على اللغو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها فهو شريك لقائليها لأن الراضي بالذنب كفاعله.
فليتق الله صاحب المقال الباطل. ولا يجعل الخطيب في المسجد الحرام هدفاً لشغبه وجداله بالباطل. ولا ينس أنه سيقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة ويسئل عن تجانفه بالإثم على الخطيب الذي قد بذل جهده في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة للمسلمين وتحذيرهم من الشرك والغلو والإطراء للنبي
стр. 214
- ﷺ وتحذيرهم من البدع التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها. وليحذر الكاتب أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل. وهل من لغو القول ترديد الصلاة على رسول الله وإنشاد بعض الشعر في مدحه بدون غلو ولا دعاء له. وقد سمع مثل ذلك رسول الله وفي مسجده من شعراء العرب يوم ذاك كحسان بن ثابت وكعب بن زهير ولم ينكره بل خلع بردته وكساها للشاعر الذي مدحه.
والجواب: عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله ﷺ إنما أمر أمته بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة. ولم يأمرهم بالاجتماع لترديد الصلاة عليه في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيام, وكذلك لم يأمرهم بالاجتماع وترديد الصلاة عليه في ليلة مولده ولم يفعل ذلك ولم يفعله أحد في زمانه ولم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين المهديين ولا غيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ولو كان للاجتماع في ليلة المولد النبوي وترديد الصلاة على النبي ﷺ في تلك الليلة مزية وزيادة فضل على سائر الليالي لبين ذلك رسول الله - صلى الله
стр. 215
عليه وسلم - لأمته وندبهم إلى فعله ورغبهم فيه ولكان يفعله هو وأصحابه ﵃ لأنهم كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن كان بعدهم. وقد قال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وقد تقدم قول النووي (١) إن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات.
قلت: وهذا الحديث العظيم يهدم كل ما لفقه الكاتب وغيره من المفتونين بالمولد النبوي. وبه يرد كل ما يفعل في ليلة المولد من الاجتماع وقراءة قصة مولد النبي ﷺ وترديد الصلاة عليه في تلك الليلة خاصة وإنشاد الأشعار في مدحه وإطرائه والقيام عند ذكر وضع أمه له وغير ذلك من أنواع البدع التي تفعل في تلك الليلة. فكل هذا مردود بالحديث الذي تقدم ذكره.
الوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على التوقيف فليس لأحد أن يزيد في الدين شيئاً لم يأذن به الله لأن الله تعالى قد أكمل الدين لهذه الأمة فقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فمن زاد في الدين شيئاً لم يأذن به الله فزيادته مردودة لأن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع ما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ونهاهم عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ وهذه الآية الكريمة تدل على المنع من
стр. 216
الاحتفال بالمولد النبوي وعلى المنع مما يخصه المفتونون به من الأعمال التي لم يأمر الله بها في تلك الليلة ولم يأمر بها رسول الله ﷺ .
الوجه الثالث: أن يقال إن رسول الله ﷺ لم يخصص ليلة مولده لاستماع الأشعار التي قيلت في مدحه وإنما كان الشعراء ينشدون أشعارهم بحضرته عند وقوع الفتوح والظفر بالأعداء والظهور عليهم. وكذلك كانوا ينشدون عند المناسبات التي تدعو إلى الإنشاد بحضرته ﷺ كما فعل حسان بن ثابت ﵁ حين قدم وفد بني تميم على رسول الله ﷺ وأنشد شاعرهم مفتخراً بمآثر قومه فأمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت ﵁ أن يجيبه فأجابه حسان ﵁ وأسكته. وكان إنشاد كعب بن زهير ﵁ لقصيدته المشهورة حين قدم على رسول الله ﷺ وبايعه على الإسلام. وعلى هذا فليس في إنشاد حسان ﵁ وغيره من الشعراء عند المناسبات وسماع النبي ﷺ لإنشادهم ما يتعلق به صاحب المقال الباطل في تأييد بدعة المولد. وكذلك إنشاد كعب بن زهير ﵁ لقصيدته بين يدي رسول الله ﷺ حين قدومه عليه ومبايعته له على الإسلام ليس فيه ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.
الوجه الرابع: أن يقال إذا كان رسول الله ﷺ قد أنكر على من قال له ما شاء الله وشئت وقال: «أجعلتني لله عدلاً بل ما شاء الله وحده» فكيف لو سمع الذين يتغنون بقول صاحب البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
стр. 217
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
لا شك أنه سيجاهد هؤلاء الذين بالغوا في إطرائه وصرفوا له ما هو من خصائص الربوبية والألوهية كما كان يجاهد سلفهم الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يتعلقون بهم في قضاء الحاجات وتفريج الشدائد والكربات.
الوجه الخامس: أن يقال إن حسان بن ثابت وكعب بن زهير وغيرهما من الصحابة ﵃ كانت أشعارهم التي أنشدوها عند رسول الله ﷺ خالية من الغلو والإطراء فضلاً عما هو أعظم من ذلك من الشرك الذي تقدم ذكره في أبيات البردة. وعلى هذا فأي شيء يوجب الإنكار من النبي ﷺ على المنشدين من أصحابه بحضرته. ولو كان للكاتب أدنى شيء من الفهم لما خفي عليه ذلك.
الوجه السادس: أن يقال يظهر من كلام الكاتب أنه لا يرى فرقاً بين أشعار الصحابة التي قد أنشدت بحضرة النبي ﷺ وبين الأشعار التي يتغنى بها كثير من المفتونين ببدعة المولد كالبردة وما أشبهها من القصائد التي لا تخلو من الغلو والإطراء, وبعضها لا يخلو من الشرك بالله. ولهذا ذكر سماع النبي ﷺ من شعراء العرب كحسان وكعب بن زهير مستشهداً بذلك على جواز ما يتغنى به الجاهلون في بدعة المولد, وهذا من القياس الفاسد. وما أعظم الفرق بين قول حسان بن ثابت ﵁:
تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلهاً أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد
стр. 218
وبين قول صاحب البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إلى آخر الأبيات التي تقدم ذكرها في الوجه الرابع وفيها الشرك الصريح وأما قول حسان فهو توحيد خالص.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل. وهل رأى حضرة الخطيب ذلك بعينيه وشاهده أم نقله إليه ناقل مفتر. ألم يتذكر قول الله ﵎ وهو يرسل هذه التهم من أقدس مكان - ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ فهل تبين حضرة الخطيب قبل أن يتهم ويؤذي المؤمنين في عقائدهم وأسماعهم. وهو معترف في خطبته أن الاحتفال بالمولد النبوي قد انتشر وضرب أطنابه في أقطار كثيرة في العالم. ألم يتذكر - وهو من حفظة القرآن - قول الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ ألم يتعلم من شيخه وشيخنا وشيخ الإسلام ابن تيمية أسلوب الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف إذ يقول ﵀: «أما اتخاذ المواسم غير الشرعية كبعض ليالي من شهر ربيع الأول التي يقال إن فيها ليلة المولد فهي من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها - إلى أن قال - وأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات».
هذا هو أسلوب العلماء وأدب الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا شرك ولا ضلال ولا كفر وإنما عدم استحسان ثم تمييز بين من يحتفل بالمولد كعبادة أو يمارس فيه أعمالاً منكرة وبين من يحتفل دون
стр. 219
شيء من ذلك. ونحن مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وهو الحق الذين ندين له لأنه فصّل وأوضح ولم يتهم المحتفلين بالمولد بالشرك والضلال والارتزاق والجهل إلخ السباب الذي كاله خطيبنا الكريم من فوق المنبر. وسباب المؤمن فسوق كما في الحديث.
والجواب: عن هذا من وجوه أحدها: بيان ما في كلام الكاتب من الأخطاء اللفظية التي تغير المعنى. فمن ذلك قوله في موضعين. ألم يتذكر قول الله تعالى, والصواب أن يقال ألا يَذَكَّر قول الله تعالى لأن المقام مقام تنبيه وحث للمخاطب على التذكر لما جاء في الآيتين. وليس المقام مقام تقرير على أنه قد تذكر ما جاء فيهما. ومن ذلك قوله: ألم يتعلم من شيخه. والصواب أن يقال ألا تعلم من شيخه. ومن ذلك قوله في الآية من سورة الأحزاب: ﴿إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾. والصواب في الآية ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾. ومن ذلك قوله وهو الحق الذي ندين له, والصواب أن يقال ندين به.
الوجه الثاني: أن يقال قد تقدم ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري عن المفتونين ببدعة المولده فليتأمله الكاتب حق التأمل ولاسيما ما ذكره الشقيري عنهم فإنه أعظم بكثير مما ذكره خطيب المسجد الحرام عنهم, وفيما ذكره هؤلاء العلماء أبلغ رد على قول الكاتب إن خطيب المسجد الحرام يرسل التهم من أقدس مكان ويؤذي المؤمنين في عقائدهم وأسماعهم وأنه يكيل السباب من فوق المنبر.
الوجه الثالث: أن يقال إنه لا يتأذى بالكلام في ذم الاحتفال بالمولد وذم ما يكون فيه من منكرات الأقوال والأفعال إلا أصحاب القلوب المريضة الذين قد ألفوا البدع وأشربوا في قلوبهم حبها وحب من يدعو إليها ويرغب فيها وبغض من يذمها ويحذر منها. فأما أهل السنة
стр. 220
والجماعة فإنه يسرهم ما يلقيه الخطباء في المسجد الحرام وغيره من الدعوة إلى الخير والنصيحة للمسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع على وجه العموم ومن بدعة المولد النبوي على وجه الخصوص لأن هذه البدعة قد استطار شرها وعظم الافتتان بها عند كثير من المنتسبين إلى العمل. فضلاً عن العوام, وللخطباء أسوة حسنة في رسول الله ﷺ فإنه كان يحذر في خطبه من البدع ويصفها بالشر والضلالة ويقول إن كل ضلالة في النار. وكان يأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته «من رغب عن سنتي فليس مني» فليتأمل الكاتب هذا الحديث حق التأمل. وليختر لنفسه ما يناسبه من أحد الأمرين اللذين لا بدّ له من أحدهما. إما مقابلة هذا الحديث وما في معناه بالقبول والتسليم وترك البدع والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ . وإما مقابلته ومقابلة ما في معناه من الأحاديث بالاستثقال وقلة المبالاة بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها.
ولا ينس الكاتب قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
الوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب قد نقل عن شيخ الإسلام ابن
стр. 221
تيمية رحمه الله تعالى أنه قال. أما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات. ثم قال الكاتب ونحن مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وهو الحق الذي ندين له انتهى. وبناء على هذا القول من الكاتب فإني أذكره بما تقدم في كلام ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري, ففيما ذكروه كفاية في بيان المنكرات التي يحتوي عليها الاحتفال بالمولد النبوي, وقد ذكر رشيد رضا أنهم قد جعلوا الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع, وقال أيضاً إنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. وقال أيضاً إن الحفلات المولدية مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات. وذكر الشقيري عنهم من الهمجية ومنكرات الأقوال والأفعال ما تشمئز منه قلوب أهل الإيمان. فليراجع الكاتب كل ما ذكروه (١) وليحقق قوله إنه مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به, ولا ينسى قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.
الوجه الخامس: أن يقال إن الكاتب قد زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به. وهذا في الحقيقة حِبْر على ورق وقول قد خالفه العمل من الكاتب لأنه قد جدّ واجتهد في تأييد بدعة المولد وبذل ما في وسعه في معارضة الذين يذمون هذه البدعة وينهون عنها.
стр. 222
فإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي خالٍ من المنكرات وأنه مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر كما قد صرح بذلك فيما تقدم من كلامه (١).
فالجواب: أن يقال أولاً إن نفس الاحتفال بالمولد النبوي يعد من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها. والدليل على أنه من المنكرات قول الله تعالى في صفة رسوله محمد ﷺ : ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ وحيث أن النبي ﷺ لم يأمر أمته بالاحتفال بليلة مولده فإن الاحتفال بها يخرج من مسمى المعروف ويدخل في مسمى المنكر. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وحيث أن النبي ﷺ لم يحتفل بليلة مولده ولم يحتفل بها أحد من الخلفاء الراشدين فإن الاحتفال بها يكون من البدع التي حذر منها رسول الله ﷺ ووصفها بالضلالة وأخبر في حديث آخر أنها من شر الأمور وأنها في النار وأمر بردها على وجه العموم. وفي هذا أوضح دليل على أن الاحتفال بالمولد النبوي داخل في مسمى المنكرات التي أخبر الله تعالى أن رسوله ﷺ كان ينهى أمته عنها. وما وصفه الرسول ﷺ بالشر والضلالة وأخبر أنه في النار وأمر برده فهو من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها.
ويقال ثانياً: إن خلو الاحتفال بالمولد النبوي من المنكرات نادر والنادر لا حكم له وإنما الحكم للغالب, والغالب على الاحتفالات
стр. 223
المولدية أنها لا تخلو من المنكرات. وقد تقدم ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري عن الاحتفالات المولدية وما يكون فيها من منكرات الأقوال والأفعال. فليراجع الكاتب ما ذكروه إن كان كما زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به, وإن اتهم الكاتب هؤلاء العلماء المعروفين بسعة الإطلاع فيما ذكروه عن الاحتفال المولدية كما اتهم خطيب المسجد الحرام فيما ذكره عنها مما هو معلوم بالاستفاضة عند كثير من علماء أهل السنة فليسافر إلى البلاد المجاورة للبلاد العربية وخصوصاً البلاد المجاورة لها من ناحية المغرب وما يتصل بها من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام وليحضر احتفالهم بالمولد النبوي حتى يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ما يذعره إن كان في قلبه إيمان. أو ما يعجبه إن كان من ذوي القلوب المريضة.
وإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي لا يقصد به العبادة ولا أنه عمل ديني كما قد زعم ذلك فيما تقدم من كلامه (١). فليراجع ما ذكره رشيد رضا عنهم (٢) أنهم قد جعلوه من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع, وقوله أيضاً أنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. ومن له معرفة برشيد رضا وما له من سعة الاطلاع والمعرفة بما يكون من الاحتفالات المولدية من البدع وأنواع المنكرات لا يشك في صحة ما ذكره عن المحتفلين بالمولد النبوي وأنهم قد اتخذوا الاحتفال به عبادة وعملاً دينياً.
ثم إني أحيل الكاتب إلى ما ذكره زميله في الافتتان ببدعة المولد النبوي فإنه قد زعم في مواضع عديدة من كتابه المسمى بـ «الذخائر
стр. 224
المحمدية» أن عمل المولد مطلوب شرعاً. وذلك في صفحة ٢٦٩ وصفحة ٢٧٠ - ٢٧١ وصفحة ٢٧٢ وصفحة ٢٧٤. وزعم في صفحة ٢٧٣ أنه مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج وزعم في صفحة ٢٧١ أن الاجتماع للمولد سنة. وقال آخر من المفتونين ببدعة المولد والمقلدين لصاحب «الذخائر» في مقال له منشور في جريدة السياسة الكويتية في سنة ١٤٠٢ هـ إن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً. وزعم أيضاً أنه سنة مباركة. وزعم أيضاً أن الاجتماع لعمل المولد أمر مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج.
وإذا كان الأمر قد وصل بالمفتونين بالاحتفال بالمولد إلى اتخاذه عبادة وجعله من شعائر الإسلام ومن السنن والأعمال المطلوبة شرعاً, فما بال الكاتب يتعامى عن ذلك ويستعمل التمويه في كلامه ويقول: إن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقيمون الاحتفال بالمولد لا كعبادة ولا على أنه عمل ديني. أما علم أن العبادة تطلق على كل من الواجبات والمسنونات والمستحبات, فإن كل مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به فلينكر على صاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وأنه مطلوب شرعاً, ولينكر على الكويتي المقلد لصاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وقوله إنه سنة مباركة وأنه أمر مشروع في الإسلام, ولينكر على كل من سار على هذه الطريقة السيئة. وإن لم يفعل فليكف أذاه عن خطيب المسجد الحرام وغيره من علماء أهل السنة. ولا ينس قول الله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.
الوجه السادس أن يقال: إن النهي عن الاحتفال ببدعة المولد والتحذير مما يكون فيه من منكرات الأقوال والأفعال ليس من السب
стр. 225
المحرم كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون, وذلك لأن الخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة لم يذكروا أناساً بأعيانهم وإنما كان كلامهم مجملاً وموجهاً إلى كل من خالف السنة وارتكب ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه من البدع والمنكرات الأقوال والأعمال, وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبه: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. أو يفعلون كذا وكذا». ولو كان هذا من السب المحرم والأذية للمؤمنين في عقائدهم وأسماعهم لكان رسول الله ﷺ أبعد الناس عنه, وللخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة أسوة حسنة في رسول الله ﷺ .
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: إن الإسلام دين اليسر والرفق, وتعاليمه في ذلك واضحة وصريحة ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» «يسروا ولا تعسروا» ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وإساءة بعض المسلمين في استعمال اليسر والرفق والسماحة لا ينبغي أن يقابل بالتشديد والتعسير والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. ولا يسع أن يكون ذلك حجة يمحى بها كلمات اليسر والرفق من قاموس الإسلام بحجة سد الذرائع.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن إيراد الكاتب للآيتين والحديثين ظاهر في أنه أراد بذلك في الاستدلال على أنه ينبغي التسامح في الاحتفال بالمولد النبوي وأن ذلك من التيسير ورفع الحرج المذكورين في الآيتين والحديث وأنه أيضاً من الرفق والسماحة, وأن
стр. 226
النهي عنه من التعسير والحرج والتشديد والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. وهذا الاستدلال خطأ ظاهر وهو من القول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم وذلك من أعظم المحرمات.
يوضح ذلك الوجه الثاني وهو أن المراد باليسر ورفع الحرج استعمال الرخص التي رخص فيها الشارع عند الحاجة, قال ابن كثير في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث. وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها, والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً فإن لم يستطع فعلى جنبه. إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات انتهى. وقال البغوي معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه. وقيل من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا. وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعداً عند العجز عن القيام, وهو قول الكلبي, وروي عن ابن عباس أنه قال الحرج ما كان
стр. 227
على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في الحرج الذي رفعه الله تعالى فقال عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك. وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه والغريم ومن له والدان, وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وروي عن ابن عباس والحسن البصري أنه هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم, وكذلك الفطر والأضحى. وقد روى الأئمة أنه ﵇ سُئل يوم النحر عن أشياء فما يُسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج» انتهى.
وأما قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ فالمراد به إباحة الفطر في المرض والسفر كما يدل على ذلك سياق الآية الكريمة. وقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس ﵄ ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ قال: «اليسر الإفطار في السفر والعسر الصيام في السفر» وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم مثله. وروى أيضاً عن مجاهد قال هو الإفطار في السفر وجعل عدة من أيام أخر. وقال البغوي قوله تعالى: ﴿يريدُ الله بكم اليسر﴾ بإباحة الفطر في المرض والسفر.
وأما قول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي بوجه
стр. 228
من الوجوه لأن رسول الله ﷺ لم يأمر به قط, وقد نهى عن محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها على وجه العموم. والاحتفال بالمولد من المحدثات فيجب اجتنابه عملاً بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق على صحته: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
قال النووي في شرح مسلم: قوله ﷺ : «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن وإذا وجب إزالة المنكرات أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه, وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وأما قوله ﷺ : «وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهياً عنه في هذا الحال انتهى.
وقال النووي أيضاً في «شرح الأربعين» قوله ﷺ : «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» أي اجتنبوه جملة واحدة لا تفعلوه ولا شيئاً منه انتهى. وقال ابن رجب في كتابه المسمى «جامع العلوم والحكم» قوله ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا
стр. 229
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة. وروي هذا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى انتهى.
وأما قوله ﷺ : «يسروا ولا تعسروا» فالمراد به التيسير وعدم التعسير في الأمور الواجبة وهو مثل قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في «كتاب الأدب» من «فتح الباري» المراد بالأمر بالتيسير فيما كان من النوافل مما كان شاقاً لئلا يفضي بصاحبه إلى الملل فيتركه أصلاً أو يعجب بعمله فيحبط وفيما رخص فيه من الفرائض كصلاة الفرض قاعداً للعاجز والفطر في الفرض لمن سافر فيشق عليه انتهى.
وفيما ذكرته عن العلماء في بيان المراد من الآيتين والحديثين أبلغ رد على الكاتب الذي قد حمل كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ على غير المراد منهما وخالف أقوال المفسرين وغيرهم من أكابر العلماء في ذلك. فليتأمل الكاتب أقوالهم حق التأمل لعل الله ينور بصيرته ويوفقه لاتباع الحق واطراح الباطل, وليتأمل أيضاً قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ : «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وليقابل الحديثين بالقبول والتسليم وليعلم أنه لا غضاضة عليه في الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ فقد اعترف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بخطئه على رءوس الأشهاد وقال وهو على المنبر «أصابت امرأة وأخطأ عمر» وذلك حين نهى الناس عن المغالاة في
стр. 230
مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهم قنطاراً من ذهب﴾ وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» رواه أبو يعلى وابن المنذر وغيرهما من طرق عن عمر ﵁. وقد عد العلماء رجوع عمر إلى الحق واعترافه بخطئه على رءوس الأشهاد من مناقبه. وللكاتب أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر ﵁.
الوجه الثالث: قال القرطبي في تفسيره قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع, وأما السلّابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين انتهى.
قلت: ومن هذا الباب العمل ببدعة المولد وغيرها من محدثات الأمور لأن رسول الله ﷺ حذر منها ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها. وما كان بهذه المثابة ففي العمل به حرج شديد لما يترتب على ذلك من مخالفة أمر رسول الله ﷺ وارتكاب نهيه.
الوجه الرابع أن يقال: إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين, فأما الشرك والبدع والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها, بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون
стр. 231
بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من حاول التيسير ورفع الحرج عن الذين يعملون بدعة المولد ولم يبال بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها ولا بقوله ﷺ : «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: وإذا كان في برامج الاحتفال بالمولد النبوي مخالفات أو منكرات فلماذا لا نحاول تنقية الاحتفالات من هذه المخالفات ونضع برامج جديدة سليمة لأمثال هذه الاحتفالات ونقيم نموذجاً ندعو الناس إليه ويحقق لهم ما يصبون إليه من لحظات روحية لا يمارس فيها إلا كلّ مشروع مباح من الذكر والدعاء واستذكار لأخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته. لماذا لا يشارك التلفزيون بتقديم هذه الحفلات النموذجية ليتخذها الناس قدوة ويتعلمون منها ويقيمون مثلها أو يكتفون بالجلوس إلى التلفزيون فليس كل الناس يريدون المسلسلات والمسرحيات, وليكن التلفزيون مشتركاً بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة. والبدع كلها من المنكرات ولو لم يقترن بها شيء آخر من منكرات الأقوال أو الأفعال, وقد صرح كثير من أكابر العلماء بأن عمل المولد بدعة, وقد ذكرت أقوالهم في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» فلتراجع هناك, وقال رشيد
стр. 232
رضا: هذه الموالد بدعة بلا نزاع. وقال ابن الحاج إنه بدعة وإن خلا من المفاسد.
قلت وكثير من المفتونين ببدعة المولد يعترفون بأنها بدعة ولكنهم يقولون إنها بدعة حسنة, وليس على استحسانهم لها دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة ﵃, وإنما استحسنوها متابعة لأهوائهم وما وجدو عليه آباءهم وشيوخهم ومن يعظمونهم من أهل بلادهم وغير بلادهم.
ومن زعم أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان خالياً من المفاسد ومنكرات الأقوال والأفعال فليس ببدعة فلا يخلو من أحد أمرين, إما كثافة الجهل بما تدل عليه عمومات الأحاديث التي سيأتي ذكرها, وإما المكابرة والاستهانة بقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وليست المخالفة لأقوال الرسول ﷺ وقلة المبالاة بها من الأمور اليسيرة وإنما هي من الأمور الخطيرة لأن الله تعالى قد حذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد ونفى الإيمان عن فاعله فقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك
стр. 233
فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
الوجه الثاني أن يقال: إن الكاتب المفتون بالبدع لم يقتصر على تحسين بدعة المولد النبوي. بل ذهبت به الجراءة السيئة إلى التخطيط لإعلان هذه البدعة ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة وإقامة نموذج منها يدعو الناس إليه ويزين لهم ما توهّم أنه من اللحظات الروحية وهو في الحقيقة مخالف لهدي رسول الله ﷺ وسنته وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان, ويدعو أيضاً إلى مشاركة التلفزيون بتقديم الحفلات المبتدعة, وهذا في الحقيقة من الدعاء إلى الضلالة وإلى إحياء البدع التي قد أزيلت على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى منذ أن استولى على البلاد التي تقام فيها بدعة المولد وغيرها من البدع, وسوف لا يتم للكاتب تخطيطه السيء ومحاولته لإظهار البدع في البلاد العربية إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهلها, وإنما هم من أهل السنة, وأهل السنة لا يستجيزون العمل بالبدع والأعمال التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃.
الوجه الثالث أن يقال: إن الدعاء إلى إحياء البدع وإظهارها بين المسلمين صريح في المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين لأن رسول الله ﷺ قد حذر من البدع غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها على وجه العموم ولم يستثن شيئاً منها وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.
стр. 234
الوجه الرابع أن يقال: إن كلام الكاتب في تحسين بدعة المولد والتخطيط لإعلانها ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ودعوة الناس إلى ذلك ظاهر في عدم اكتراثه بما يترتب على ذلك من حمل أوزاره كاملة ومن أوزار الذين يضلون بسببه قال الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال النووي سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه.
الوجه الخامس: أن يقال من كان يصبو إلى استذكار أخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته فليضع له حلقة في المسجد لدرس ذلك على الدوام أو في كثير من الأيام ولا يجعل ذلك خاصاً بليلة المولد لأن ذلك لم يشرع فيها. فتخصيصها بذلك من البدع.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: لقد جربنا المنع والحرب لهذه الحفلات أكثر من نصف قرن فلم نفلح, فلنجرب التصحيح والتنظيم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فذلك في نظرنا أجدى وأنجح.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله
стр. 235
- ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مسعود البدري ﵁. والمعنى على أحد الأقوال أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي. وهكذا كانت حال الكاتب المفتون بالبدع حيث ألقى عنه جلباب الحياء وطالب بإعادة الحفلات المبتدعة التي قد منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى من حين استولى على البلاد التي كانت تفعل فيها. وإنما منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى عملاً بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها. فجزى الله الملك عبد العزيز خير الجزاء على هذا العمل الطيب وعلى غيره من أفعاله الحسنة التي من أهمها نصر السنة وأهلها وقمع البدع وأهلها, والله المسئول أن يوفق ولاة الأمر من أبنائه للأخذ على أيدي المسيئين الذين يريدون إظهار البدع في البلاد المقدسة بعد المنع منها وتطهير البلاد من أدناسها.
الوجه الثاني: أن يقال: إن السعي لإحياء البدع وإظهارها بعد المنع منها يُعَدّ من السعي في الأرض بالفساد وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ قال القرطبي في تفسير هذه الآية إنه سبحانه نهى عن كل فساد قَلَّ أو كثر بعد إصلاح قَلَّ أو كثر فهو على العموم على الصحيح انتهى. وقال البغوي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله. وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. وذكر ابن الجوزي في تفسير الآية أقوالاً أحدها لا تفسدوا بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة.
стр. 236
الوجه الثالث: أن يقال: إن التخطيط لإعلان بدعة المولد ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ليس فيه تصحيح ولا تنظيم يعود بالخير والفلاح والنجاح كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون بالبدع. وإنما هو من التخطيط والتلبيس على العوام وأشباههم من ضعفاء البصيرة, وهو أيضاً من الأعمال التي تعود بالمضرة على الدين وأهله كما جاء بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» وهذا يدل على شؤم البدع وعظم مضرتها على الدين وأهله وذلك لما يقع بسببها من رفع السنن عن المسلمين. وروى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» وما كان بهذه المثابة فلا شك أنه من الشر ومن أسباب الخسران المبين. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وما كان متصفاً بهذه الصفات الذميمة التي نص عليها رسول الله ﷺ فلا يقول عاقل إنه أجدى للفلاح والنجاح وأنه طريق إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإنما يقوله من زُين له سوء عمله فرآه حسناً.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفلاح والنجاح إنما يحصل لمن كان متبعاً للرسول ﷺ ومتمسكاً بسنته وتاركاً لما حذر منه من البدع والضلالات وما نهى عنه من المعاصي والمخالفات. وقد وعد الله تعالى على متابعة الرسول ﷺ كل خير وتوعد من شاقه وخالف أمره بالوعيد الشديد فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وقال تعالى: ﴿وأطيعوا
стр. 237
الرسول لعلكم ترحمون﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ وقال تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ وقال تعالى متوعداً لمن شاق الرسول ﷺ وخالف أمره: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هاتين الآيتين لأنه قد تعرض لذلك بأفعاله السيئة حيث أنه قد جدّ واجتهد في تحسين بدعة المولد والدعاء إليها والجدال عنها بالباطل. ولم يقتصر على هذه الأفعال السيئة بل جاوزها إلى التخطيط لإظهارها وإظهار غيرها من الاحتفالات المبتدعة ورأى في نظره أن ذلك أجدى له وأنجح من محاربتها والمنع منها, ولا يخفى ما في أقواله وتخطيطاته السيئة من صريح المعارضة لأقوال رسول الله ﷺ التي حذر فيها من البدع ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها بدون استثناء شيء منها, فليتق الله صاحب المقال الباطل ولا يكن عوناً للشيطان على الدعاء إلى البدع وتحسينها للجهال ومن لا بصيرة لهم في الدين ولا ينس قول الله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: وأخيراً فإن الإسلام أو أدب الإسلام وخلق الإسلام وكل تعاليم الإسلام تفرض علينا فرضاً ألا نرسل الخطباء والوعاظ والدعاة بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه,
стр. 238
ومن يفعل ذلك سيسأله الله عن أمة محمد كيف يوسد أمراً من أمورها إلى غيره أهله.
والجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعة المولد والدعاء إليها وإلى غيرها من الاحتفالات المبتدعة والمطالبة بإعادتها بعد المنع منها وتطهير البلاد المقدسة من أدناسها. بل إنه ذهب يعرّض بالخطباء في المسجد الحرام والوعاظ والدعاة فيه بأنهم قد أُرسلوا بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه. ويعرّض أيضاً بولاة الأمر بأنهم قد وَسَّدوا الأمر في الخطابة والوعظ والدعوة إلى غير أهله, ويفهم من فحوى كلامه في هذه الجملة الأخيرة أنه قد أراد بها الاعتراض على الملك حفظه الله تعالى بأنه قد ولّى الخطابة في المسجد الحرام لمن لا يرضى بهم الكاتب ولا يصلحون في نظره للخطابة لأنهم ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي وينكرون إقامة الولائم في المآتم وينكرون جميع الاحتفالات المبتدعة التي قد فُتن بها الكاتب وأشباهه من ذوي القلوب المريضة بحب البدع, وهذا هو السبب الذي من أجله شن الكاتب الحملة على الخطباء في المسجد الحرام وبذل جهده في معارضتهم وتأنيبهم على الصدع بالحق وترك المداهنة له ولأشباهه من أهل البدع.
وقد وصف خطبهم ومواعظهم بالبرودة والأوصاف التي هي أليق به وبكلامه, فهل يظن الكاتب أنه أعلى نظراً من الملك الذي اختارهم للخطابة في المسجد الحرام بعدما تحقق صلاحيتهم لهذا المنصب الهام الذي لا يتولاه إلا ذوو التحصيل من العلم وتوجيهات الإسلام وآدابه, وقد شهد لهم أهل العدل والإنصاف من أهل العلم بالتفوق في الخطابة والوعظ والدعوة إلى الله تعالى وبذل النصيحة للمسلمين وأمرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر وتحذيرهم من المحدثات التي قد حذر منها رسول الله - صلى الله
стр. 239
عليه وسلم - ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها, فجزى الله الملك على اختياره لهؤلاء الخطباء الناصحين خير الجزاء ووفقه للأخذ على أيدي المسيئين إليهم.
وقبل الختام ندعو للكاتب ولمن كان على شاكلته أن يلهمهم الله رشدهم ويردهم إلى الحق والصواب. ونسأله تعالى أن يعيذنا جميعاً من اتباع خطوات الشيطان وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
٥/ ٦/ ١٤٠٦ هـ.