← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17326

الرد على الكاتب المفتون

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين. فأما حفلات المولد والمآتم وغيرها من الحفلات المحدثة وما يكون فيها من التذكير إن كان له وجود فيها فليس ذلك من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة ﵃, وإنما هي من المحدثات وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها. وقال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي هذا أبلغ رد على الكاتب وعلى أشباهه من المفتونين بالبدع. الوجه السابع أن يقال إن الحديث الذي أورده الكاتب جازماً بأن رسول الله ﷺ قد قاله حديث ضعيف جداً ولفظه: «روحوا القلوب ساعة فساعة» رواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب مرسلاً. ومراسيل ابن شهاب من أضعف المراسيل, والمراسيل لا تصلح للاحتجاج ولا تجوز روايتها على الجزم برفعها إلى النبي ﷺ , وأما قوله: «فإن القلوب إذا كلّت عميت» فهذه الجملة ليست في حديث ابن شهاب ولا أدري من أين جاء بها الكاتب ولعله أتى بها من كيسه. ولو فرضنا صحة الحديث فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد والمآتم ولا على جواز توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في الإسلام, فليس في إيراده ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.

стр. 177

فصل وقال صاحب المقال الباطل: أجل إن مجالس الذكر أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ والمنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يكن يحتفل بمولده ولا بالمآتم ولا بشيء من الأيام التي وقعت في زمانه وكان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام ولم يكن يجعلها مجالس للذكر والوعظ والإرشاد. وكذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ﵃ فإنهم لم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك, ولو كان فيما ذكره الكاتب أدنى شيء من الخير والإصلاح لكان رسول الله ﷺ وأصحابه أسبق إليه من غيرهم وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فإن كان الكاتب يرجو الله واليوم الآخر فليتأس برسول الله ﷺ ولا يخالف الأمر الذي كان عليه هو وأصحابه ﵃ فيصيبه الوعيد الذي توعد الله به المخالفين لأمر الرسول ﷺ فقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون من المعنيين بهذه الآية وهو لا يشعر. وأيضاً فإن رسول الله ﷺ قد قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» فلا يأمن الكاتب المفتون بالمحدثات التي ليست من سنة رسول الله ﷺ أن يكون ممن انتفى منه رسول الله ﷺ وهو لا يشعر.

стр. 178

الوجه الثاني أن يقال إن مجالس الاحتفال بالمولد والمآتم وغيرها من الاحتفالات المحدثة والتي يطالب الكاتب بإحداثها ليست من مجالس الذكر كما قد زعم ذلك الكاتب, وإنما هي من مجالس البدع والضلالة لدخولها في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ ووصفه بالشر والضلالة وأمر برده. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المفتون بالتمويه وقلب الحقائق. الوجه الثالث أن يقال إن الكاتب المفتون قد كرر الاعتراض على الخطباء والوعاظ الناصحين من أجل أنهم كانوا يأتون في خطبهم ومواعظهم بما يشق على قلبه الذي قد أصيب بمرض البدع وعدم المبالاة بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وقد كرر أيضاً الذم لخطبهم البليغة, فتارة يقول ارحمونا عن هذا الكلام الممل - ويعني بالكلام الممل نهيهم عن الاحتفال بالمولد النبوي وقولهم إنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ . وتارة يقول اتركوا الكلام عن الموائد والمآتم. وما علم الكاتب أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد نص على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃ ذكره عنهم جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وتارة يقول ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يتحجروا واسعاً ويتدخلوا في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, وقد تعامى الكاتب عن تحذير النبي ﷺ عن المحدثات على وجه العموم ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها. وتعامى أيضاً عن إجماع الصحابة ﵃ على أن ولائم

стр. 179

العزاء من النياحة, وتارة يقول إن خطيب المسجد الحرام قد شغل جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه, وما علم الكاتب أن النهي عن هذه البدعة مستند إلى تحذير النبي ﷺ عن المحدثات وأمره بردها. وما علم أيضاً أن هذه البدعة قد افتتن بها الجم الغفير من المنتسبين إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وأن النهي عنها يعد عند أهل العلم من أعظم النصيحة للمسلمين, وتارة يقول إنه من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن سماع مثل هذا الكلام. وما علم الكاتب أنه لا يخرج من المسجد بعد الأذان وهو لا يريد الرجوع إليه إلا منافق, وما علم أيضاً أن الله تعالى قد شبه المعرضين عن سماع التذكرة بالحمر المستنفرة. وتارة يصف الخطب البليغة والمواعظ الحسنة التي يلقيها بعض الخطباء والوعاظ الناصحين بأنها خطب ومواعظ باردة, وتارة يقول في مجالس الاحتفال ببدعتي المولد والمأتم وغيرهما من البدع أنها مجالس ذكر وأنها أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ المنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة, كذا قال الكاتب في وصف الخطباء والوعاظ الناصحين أنهم منفرون وأنهم لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله تعالى, وكل ما قاله فيهم وفي خطبهم فهو مردود عليه لأنه من المجازفات التي لا تستند إلى شيء من الحقائق, بل إنها في الواقع من قلب الحقائق وعكس القضايا, وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر: ومن يك ذا فم مُرٍّ مريض ... يجد مُرّاً به الماء الزلالا وقول الآخر: لا يضر البحر أمسى زاخراً ... أنْ رمى فيه غلام بحجر

стр. 180

وهكذا يقال في الكاتب المفتون إن المرض الذي في قلبه من حب بدعتي المولد والمأتم وغيرهما من المحدثات وحب الاحتفال بها قد حال بينه وبين قبول النصائح والمواعظ البليغة التي يلقيها الخطباء الناصحون في الحرمين الشريفين وجعله يتهجم على الخطباء وينفر من خطبهم ويذمها. ولا يخلو في هذا من أحد أمرين إما أنه لا فرق عنده بين الخطباء الناصحين وغير الناصحين. ولا فرق عنده بين الخطب البليغة وغير البليغة. وإما المكابرة لقصد إدحاض الحق ونصر البدع التي قد افتتن بها. وهذا هو الأقرب الأحرى بالكاتب وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآية الكريمة. الوجه الرابع أن يقال: إن اعتراض الكاتب على الخطباء في قولهم في بعض الأشياء هذا شرك وهذا بدعة اعتراض في غير محله لأن الخطباء إذا حكموا على بعض الأشياء بأنها شرك أو بدعة ذكروا الدليل على ذلك من الكتاب أو السنة ومن احتج لقوله بالكتاب أو السنة فليس للاعتراض عليه سبيل. أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا وأيضاً فإن النهي عن الشرك والبدع أهم من النهي عما سوى ذلك من المحرمات, وقد كان رسول الله ﷺ ينهى عن الشرك والبدع ويحذر منها غاية التحذير في خطبه وغير خطبه, وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فمن اعترض على الخطباء الذين يتأسون بالنبي ﷺ في النهي عن الشرك والبدع فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.

стр. 181

فصل وقال صاحب المقال الباطل: ومن ناحية وطنية - لا دخل للدين فيها - ما الذي يمنع أن نحتفل نحن أبناء هذه المملكة بذكرى اليوم الذي توحدت فيه هذه المملكة بعد شتاتٍ عبر القرون, وهو ما يطلق عليه اليوم الوطني, لماذا لا يكون يوم عطلة رسمية للمدارس والدوائر والمتاجر والشركات والمؤسسات. نبعد فيه عن مشاغل الحياة ومتاعب العمل ونخرج إلى الحدائق والمنتزهات والمساجد - فكل ميسر لما خلق له - نصلي ونلهو ونلعب ونستشعر الراحة والهدوء, هل نسمع من يقول لنا بأننا بهذا نشرع في الدين ما لم يأذن به الله, هل سترددون علينا المقولة المملة: أننا بهذا أوجدنا عيداً غير مشروع, فالأعياد في الإسلام عيدين (١) فقط لا ثالث لهما: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. ما الذي يمنع أن نحتفل بهذا اليوم الذي وحّد فيه الملك عبد العزيز ﵀ هذه البلاد, إنه في نظري - دون تملق أو نفاق - عمل بطولي ويوم مجيد, وكل من قرأ تاريخ نجد والحجاز وعسير وتهامة والقصيم والأحساء وحائل قبل هذا التوحيد وماذا كانت تعاني شعوب هذه المناطق من حكامها وأمرائها ونزاعاتهم وقتل بعضهم البعض في سبيل الاستيلاء على السلطة وانتشار المجاعات بسبب الحروب بينهم والنهب والسب والأحقاد والثارات .. كل من قرأ ذلك وعرفه لا يسعه إلا أن يشاركني الرأي ويرى معي أنه يوم من الأيام المجيدة التي يجب أن نحتفل بها سنوياً ونتجه فيها بالحمد والثناء على الله أولاً, والدعاء لبطلها

стр. 182

بالخير وحسن الجزاء ثانياً, ولا بأس من أن نقيم الولائم ونعقد اللقاءات نستعيد التاريخ وندرس الأسباب التي هيأت للملك عبد العزيز ﵀ وأحسن إليه - تحقيق هذه الوحدة والتي تثبت أن في مقدمتها تقوى الله وحسن النية ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن هذه الجملة التي ذكر فيها الكاتب بعض ما للملك عبد العزيز رحمه الله تعالى من المآثر الحميدة إنما أوردها تمهيداً لما يحاول الحصول عليه من الاحتفال باليوم الوطني واتخاذه عيداً سنوياً يصلي فيه ويلهو ويلعب ويقيم الولائم ويعقد اللقاءات ويضاهي ما شرعه الله للمسلمين من الأعياد السنوية ويتخذ من ذلك طريقاً إلى المطالبة بالاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم جهاراً, خلاف ما هم عليه الآن من كتمان هذه الاحتفالات المبتدعة وعملها في السر دون العلانية, وسوف لا تتم للكاتب مقاصده السيئة إن شاء الله تعالى لما ذكرته قريباً أن ولاة الأمور في الحرمين الشريفين وفي جميع الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهل البدع, وإنما هم من أهل السنة والجماعة, وأهل السنة والجماعة لا يستجيزون إحداث الاحتفالات والأعياد التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃, ولا تستفزهم المحاولات السيئة من أهل البدع وأعوان الشيطان الذين يحاولون توسيع نطاق البدع وإظهارها في البلاد الإسلامية. الوجه الثاني أن يقال: لو كان الاحتفال باليوم الوطني جائزا لكان الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى أول من يحتفل به, ولكنه رحمه الله تعالى

стр. 183

كان حريصاً على متابعة الرسول ﷺ والعمل بما كان عليه هو وأصحابه ﵃, والبعد عن المحدثات التي تخالف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وكان رحمه الله تعالى شديداً على أهل البدع قامعاً لهم, فما سمعتُ عن أحد من المفتونين بالمولد النبوي وإقامة الولائم في المآتم أنه تجرأ في زمانه على معارضة الخطباء في الحرمين الشريفين ونشر المقالات في الصحف وغير الصحف في ذمهم وذم خطبهم والازدراء بها, ولا أن أحداً في زمانه حاول توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأمور التي لم يحتفل بها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ كيوم الهجرة ويوم الإسراء والمعراج ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة, ولو كان الاحتفال بهذه الأيام جائزاً لما أهمله رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, والله المسئول المرجو الإجابة أن يوفق ولاة أمور المسلمين للأخذ على أيدي الظالمين عامة وعلى يد الظالم للخطباء في الحرمين الشريفين خاصة وأن يأطروهم على الحق أطراً, ولا يتركوا لهم مجالاً في ذم الخطباء الناصحين وذم خطبهم من أجل ما يكون فيها من ذم الاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم وغيرها من أنواع البدع والمنكرات, وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد المسيء - وفي رواية على يد الظالم - ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم» أي كما لعن بني إسرائيل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم. الوجه الثالث أن يقال: أما قول الكاتب عن الناحية الوطنية التي ذكرها أنه لا دخل للدين فيها وأنه لا مانع من الاحتفال بذكرى اليوم

стр. 184

الوطني واتخاذه عيداً سنوياً فهو قول باطل مردود بما هو ثابت عن النبي ﷺ من الحث على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وتحذيره من محدثات الأمور وأمره بردها والنص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على من زعم أن الناحية الوطنية لا دخل للدين فيها وأنه لا مانع من الاحتفال بذكرى اليوم الوطني واتخاذه عيداً سنوياً, وقد ذكرت في أول الكتاب (٢) قول النووي في الكلام على قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات, وقال أيضاً: هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به, وذكرت أيضاً ما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الطرقي أنه قال هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى. وفي هذه القاعدة العظيمة أبلغ رد على الكاتب الذي يحاول أن يحدث في المسلمين عيداً سنوياً لم يأذن به الله ولم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وقد وصف النبي ﷺ

стр. 185

الفرقة الناجية من هذه الأمة بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه ﵃, ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يحتفلون بالمولد النبوي ولا بشيء من الأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام ولم يجعلوا لها أعياداً وطنية سنوية, وإنما كانوا يحتفلون بصلاة الجمعة وبيوم الفطر ويوم النحر, وكانوا يحتفلون بيوم عرفة وأيام التشريق إذا كانوا مع الحجاج, وقد قال رسول الله ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه من حديث أنس بن مالك ﵁. الوجه الرابع أن يقال: أن اللهو واللعب إنما يكون في حين الطفولة لأن الأطفال ضعيفة عقولهم فلا يرون باللهو واللعب بأساً ولا يستقبح ذلك منهم, فأما ذووا اللحى الذين قد دخلوا في سن الكهولة وكثر الشيب في رءوسهم ولحاهم فإن ميلهم إلى اللهو واللعب قبيح جداً لما في ذلك من التشبه بالأطفال الذين لم يبلغوا سن التكليف, ومن استحسن اللهو واللعب من ذوي اللحى فذلك دليل على ضعف عقله وأن عقله لم يزل على حالته في حين الطفولة وقد قال الله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب من هذا الذم, ويستثنى من اللهو ما أذن فيه رسول الله ﷺ من المسابقة على الخيل والإبل والأقدام والمصارعة وتعليم السباحة وما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثاً رميه عن قوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق» رواه الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي. وهذا المستثنى يجوز للرجال الكبار

стр. 186

ولا يستقبح فعله منهم, وما سواه مما لم يرخص فيه الشارع فهو خفة ورعونة ولا يجوز فعله, قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق شرعي كله حرام, وللخطابي في هذا المعنى كلام نحو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. الوجه الخامس أن يقال: إن الله تعالى لم يخلق بني آدم ليلهو ويلعبوا في الحدائق والمنتزهات وإنما خلقهم لعبادتهم قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فمن آثر اللهو واللعب على العبادة فقد خالف أمر الله تعالى وتعرض لعقوبته. الوجه السادس أن يقال: من اتخذ يوما من الأيام يحتفل به سنويا فقد اتخذه عيداً وإن سماه باسم اليوم الوطني أو غير ذلك من الأسماء المستحدثة فاسم العيد لازم له لأن العيد إنما سمي بهذا الاسم لعوده في وقته من الأسبوع أو الشهر أو السنة. قال ابن دريد في «جمهرة اللغة»: العيد كل يوم مجمع واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه, وقال آخرون: بل سمي عيداً لأنهم قد اعتادوه وإذا جمعوا قالوا أعياد. وقال ابن منظور في «لسان العرب»: العيد كل يوم فيه جمع, ثم ذكر نحو ما ذكره ابن دريد من الاشتقاق. ونقل عن ابن الأعرابي أنه قال: سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد, وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعَوْد السنة أو بعَوْد الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك انتهى. وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن رسول الله ﷺ قد

стр. 187

حصر الأعياد الزمانية في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب الذي لم يقتنع بالأعياد المشروعة للمسلمين, بل ذهب يطالب بالاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام, وهو وإن كان قد سماها احتفالات فهي في الحقيقة أعياد يُضَاهى بها أعياد المسلمين, ولا شك أن إحداث الأعياد الزائدة على الأعياد المشروعة للمسلمين يدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ والأدلة على ذلك كثيرة, منها قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ ونص على أنه بدعة وضلالة. ومنها قول النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية «وكل ضلالة في النار» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن هدي رسول الله ﷺ فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في عموم المحدثات التي ذمها رسول الله ﷺ ونص على أنها بدعة وضلالة وأنها في النار.

стр. 188

ومنها قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن أمر النبي ﷺ فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في المحدثات والأعمال التي أمر النبي ﷺ بردها. ومنها قول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عما جاء به رسول الله ﷺ فلا بد أن يكون مستنداً إلى اتباع الهوى وذلك ينافي الإيمان كما يدل عليه صريح النص من هذا الحديث. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وفي هذه الآية دليل على أن اتباع الهوى ضلال وظلم وسبب للحرمان من الهداية, فليحذر الكاتب أن يكون له نصيب مما جاء في هذه الآية الكريمة وهو لا يشعر. والأحاديث المذكورة في هذا الوجه ثابتة عن النبي ﷺ (١) وهي بعض من الأحاديث التي يحتج بها الخطباء وغيرهم من العلماء على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي وأيام المآتم وغيرها من البدع, وهي من أوضح البراهين على المنع من الاحتفال باليوم الوطني والأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام فليتأملها الكاتب حق التأمل فعسى الله أن يزيل الختم عن قلبه وسمعه فيراجع الحق وينصره عوضاً عن نصره لبدعتي المولد والمأتم وجداله بالباطل عنهما ومطالبته بإحداث

стр. 189

أعياد لليوم الوطني والأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام, وينبغي له أن يربأ بنفسه عن الاتصاف بصفات المنافقين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويبغضون ما جاء به رسول الله ﷺ إذا كان مخالفاً لأهوائهم ويصدون عنه صدوداً ويحصل لهم النفور والتضايق من إيراد الأحاديث الدالة على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم, ويظهرون الملل من سماع النهي عن هذه البدع وعن غيرها من البدع التي يطالب الكاتب بإحداثها. الوجه السابع أن يقال: إن الأعياد الزمانية للمسلمين ليست عيدين فقط لا ثالث لهما كما قد زعم ذلك الكاتب, وإنما هي سبعة أعياد وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد جاءت النصوص بذلك في عدة أحاديث صحيحة تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على من زعم أن أعياد المسلمين عيدان فقط لا ثالث لهما. الوجه الثامن أن يقال: إن الخطباء وغيرهم من العلماء الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم لم يحرموا زينة الله التي أخرج لعباده ولم يحرموا الطيبات من الرزق, وإنما حرموا الاحتفال بالبدع والأعياد التي لم يأذن بها الله ولم تكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة رضي اله عنهم. وعلى هذا فإيراد الكاتب للآية الكريمة من سورة الأعراف في معرض الاعتراض على الخطباء وغيرهم من العلماء الذين ينهون عن البدع والمخالفات وينكرون الاحتفال بالمولد النبوي وإقامة الولائم في المآتم إيراد لا محل له وإنما هو في الحقيقة

стр. 190

من تأويل الآية على غير تأويلها. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية له, «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي هذا حديث حسن, قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى. وإذا علم هذا فقد ذكر المفسرون أن الآية من سورة الأعراف نزلت رداً على المشركين الذين يحرمون لبس الثياب في الطواف ويحرمون اللحم والدس في أيام الحج ويحرمون البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. قال ابن عباس ﵄: «كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون فأنزل الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ فأمروا بالثياب» رواه الطبراني. فليتأمل الكاتب ما جاء من الوعيد الشديد على القول في القرآن بغير علم, وليتأمل أيضاً ما قاله المفسرون في المراد بالآية الكريمة, ولا يأمن أن يكون له نصيب مما ذم الله به الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. الوجه التاسع أن يقال: إن الكاتب قد أطلق القول بأن الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى هو الذي وَحَّد البلاد العربية. وهذا الإطلاق خطأ كبير لأن الذي وَحَّد البلاد العربية على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له, وقد يسر ﵎ أسباب توحيدها على يدي الملك

стр. 191

عبد العزيز رحمه الله تعالى, وهذا لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة, وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ فأضاف ﵎ الفتح إلى نفسه ولم يضفه إلى الرسول ﷺ مع أنه قد باشر أسباب الفتح ويسر الله ذلك على يديه وجعله بداية لدخول الناس في دين الله أفواجاً حتى استوسقت الجزيرة العربية إيماناً وتوحدت تحت راية الإسلام قبل موت رسول الله ﷺ , ولم ينقل عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من أهل العلم أنهم أضافوا توحيد الجزيرة العربية إلى رسول الله ﷺ لعلمهم أن الذي وحدها هو الله تعالى فيضاف توحيدها إليه لا إلى الذي قد باشر الأسباب في توحيدها وهو الرسول ﷺ , وهكذا يقال فيما يسره الله تعالى من توحيد الجزيرة العربية في زماننا على يدي الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى فيضاف توحيدها إلى الله تعالى وتضاف مباشرة الأسباب في توحيدها إلى الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وكفى بهذا شرفاً له وفخراً. وما حصل لأهل الجزيرة العربية بعد توحيدها من الائتلاف والأمن الشامل والطمأنينة ورغد العيش فكله من فضل الله ونعمته وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين, وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ وقال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ وفي هذه الآيات دليل على أنه تجب إضافة النعم إلى المنعم المتفضل بها على عباده وهو الله وحده لا شريك له, فينبغي للمؤمنين أن يكثروا من حمدا الله وشكره والثناء عليه على ما يسره من توحيد الجزيرة العربية بعد

стр. 192

التفرق والاختلاف بين أهلها, وما منّ به عليهم من الائتلاف والأمن الشامل والطمأنينة ورغد العيش, وينبغي أيضاً أن يكثروا من الدعاء بالرحمة والمغفرة للملك الذي جعله الله سبباً في حصول هذه النعم العظيمة. الوجه العاشر أن يقال: إن الكاتب قد اقتصر على ذكر اليسير من مآثر الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وهو السعي في توحيد الجزيرة العربية وإزالة ما كان بين أهلها من النزاع والقتال والنهب والسلب والأحقاد والثارات حتى يسر الله ذلك له وأتمه على يديه, ولا شك أن هذه أعمال جليلة ينبغي أن يشكر الساعي فيها, وقد أعرض الكاتب عن ذكر المآثر التي لها علاقة بالدين فلم يذكر منها شيئاً. وهي مآثر هامة جداً, فمنها هدم القباب والأبنية التي كانت على بعض القبور في الحرمين الشريفين وفي غير ذلك من بلاد الحجاز وما يليه من اليمن. وقطع الأشجار التي قد افتتن بها بعض الجهال وإزالة ما كان يفعل عندها وعند بعض القبور والأحجار من الشرك ووسائل الشرك, ومنها إزالة البدع التي كانت تفعل في الحرمين الشريفين وفي غيرهما من البلاد المجاورة لهما. ومن أعظمها شراً بدع الصوفية وما يكون منهم من التلاعب بذكر الله تعالى واتخاذه هزواً وسخرية, ومنها بدعة الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً ومنها بدعة الاحتفال بالمآتم وإقامة الولائم فيها, ومنها تفرق المصلين في صلاة الجماعة على أربعة أئمة, كل أهل مذهب لهم إمام منهم, إلى غير ذلك من البدع التي قد يسر الله إزالتها على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى. ومما يسر الله تعالى على يديه أيضاً إزالة المنكرات الظاهرة والحث على المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة وإبطال الضرائب التي كانت تؤخذ من الحجاج وإقامة الحدود على الوجه

стр. 193

المشروع, إلى غير ذلك مما يسره الله تعالى وأتمه على يديه, وله ولأبنائه من الأعمال الجليلة في الحرمين الشريفين خاصة وفي غيرهما من بلاد المملكة العربية عامة ما يشق إحصاؤه ولا يتسع المقام لذكره. فرحم الله الأموات منهم وسدد الأحياء ووفقهم للعمل بما يحبه ويرضاه وجنبهم كل ما يسخط ويدعو إلى غضبه وأليم عقابه, وحماهم من الفتن وحفظهم من كيد الأعداء من المشركين وأهل النفاق والشقاق ونصر بهم دينه وأعلى كلمته, إنه ولي ذلك والقادر عليه. فصل وقال صاحب المقال الباطل: يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بأن اعتراضي على ما قاله خطيب المسجد الحرام باطل لأن ما قاله يعتبر من الأمر بالمعروف. وأنا أتساءل, هل من الأمر بالمعروف أن يعلن من فوق منبر المسجد الحرام ويسمعه المسلمون في كل مكان بأن الاحتفال بالمولد النبوي تشبه باليهود والنصارى, وأن الذين يقيمون هذه الحفلات إما جهلة مقلدون أو مرتزقة فساق وإما دعاة ضلال. وهو وغيره يعلم أن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفيهم علماء وفقهاء وأئمة يقيمون هذا الاحتفال لا كعبادة ولا على أنها عمل ديني بل مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر. وأين الباطل؟. اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه, ألا يعتبر هذا سباً بل قذفاً لأكثرية المسلمين. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى ما في هذه الجملة السوداء من إساءة الأدب على الشيخ ابن باز وعلى خطيب

стр. 194

المسجد الحرام وعلى ولي الأمر الذي رضي بهذا الخطيب وجعله في هذا المنصب الهام, وقد قيل في المثل المشهور: «من أمن العقوبة أساء الأدب». فأما إساءته إلى الشيخ ابن باز فهو قوله في آخر هذه الجملة «وأين الباطل؟. اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه» فجعل الكاتب قول الخطيب في المسجد الحرام في ذم الاحتفال بالمولد النبوي وتأييد الشيخ له هو الباطل, وهذا من قلب الحقيقة لأن كلام الخطيب والشيخ صحيح ولا ينكره إلا مكابر لا يبالي بإنكار الحقائق, وأما كلام الكاتب فهو الباطل في الحقيقة لأنه مبني على التلبيس على ضعفاء البصيرة والجدال بالباطل لإدحاض الحق, ولما فيه أيضاً من المعارضة للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ويحذرهم من محدثات الأمور ويأمرهم بردها ويصفها بالشر والضلالة ويخبرهم أنها في النار, وما عارض أقوال النبي ﷺ فهو باطل مردود على قائله كائناً من كان لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ . وأما إساءته إلى خطيب المسجد الحرام فهو ظاهر من جراءته على ذم خطبه البليغة والاعتراض على ما يكون فيها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذم البدع والتحذير منها ومن جميع المحدثات في الإسلام. وأما إساءته الأدب مع ولي الأمر حفظه الله. فهو ظاهر من جراءته على نشر أباطيله في جريدة الندوة وغيرها وعدم مبالاته بما يسوء ولي الأمر وجميع أهل السنة والجماعة من إظهار البدع والمجاهرة بنصرها والدفاع عنها بالشبه والأباطيل, أما علم الكاتب أن ولي الأمر وفقه الله تعالى كان يحذو حذو والده الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى في المنع من إظهار البدع

стр. 195

وقمع أهلها ومن يريد إظهارها في مملكته. أما علم الكاتب أن الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى قد منع من الاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم وغيرها من المحدثات في الإسلام من حين استولى على بلاد الحجاز, وإنما فعل ذلك امتثالاً لما ثبت عن النبي ﷺ من التحذير من البدع على وجه العموم والأمر بردها. ولم يبلغني عن أحد من علماء مكة ولا من كتابها أنه اعترض على أمر الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى بمنع الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم. بل كانوا يحترمون أمره غاية الاحترام ويحترمون العلماء والخطباء في زمانه غاية الاحترام ويعاملونهم بما يليق بهم من التوقير والإكرام. وهذا بخلاف ما كان عليه الكاتب وأشباه له من أهل بلده من عدم احترامهم لولي الأمر وعدم احترامهم لأكبر العلماء في المملكة العربية ولخطباء المسجد الحرام, وفي عدم احترامهم لهؤلاء دليل على عدم احترامهم لولي الأمر الذي قد وثق بعلمهم وجعلهم في المناصب الدينية الهامة. الوجه الثاني أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً. مبني على التشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد المسيح واتخاذه عيداً, وقد قال بعض المفتونين بالاحتفال بالمولد النبوي: إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر, وهذا تصريح من هذا القائل بأن المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي هو المضاهاة للنصارى والتشبه بهم في الاحتفال بمولد المسيح واتخاذه عيداً, وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فمن» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وقد

стр. 196

روي نحوه عن عدد كثير من الصحابة ﵃ وقد ذكرت جملة من أحاديثهم في أول كتابي المسمى بـ «الإيضاح والتبيين, لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين» فلتراجع هناك. وأما ما فيه من التشبه باليهود فهو أن علماء السوء كانوا يحسّنون للجهال بدعة المولد ويرغبونهم في الاحتفال بها فيطيعهم الجهال ويعملون بهذه البدعة التي لم يأذن الله بها ولم يأمر بها رسول الله ﷺ ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان, وهذا شبيه بما أخبر الله به عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, وقد روى الترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وسمعته يقرأ: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» قال ابن الجوزي في تفسيره فعلى هذا المعنى أنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب. وقال القرطبي في تفسيره قال أهل المعاني جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء انتهى. وفي رواية لابن جرير أن عدي بن حاتم ﵁ قال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه» قال: قلت بلى قال: «فتلك عبادتهم». وروى ابن جرير أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لم يأمروهم أن يسجدوا لهم ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم فسمّاهم الله بذلك أرباباً» وروى ابن جرير أيضاً عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لم يعبدوهم ولكنهم أطاعوهم في المعاصي» وروى ابن جرير أيضاً عن الحسن: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً﴾ قال في الطاعة, وروى ابن جرير أيضاً عن الربيع بن أنس قال: قلت لأبي العالية كيف كانت

стр. 197

الربوبية التي كانت في بني إسرائيل قال: قالوا ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ومن هذا الباب طاعة الجهال لعلماء السوء في إقامة بدعة المولد النبوي والاحتفال بها واتخاذها عيداً وعدم المبالاة بتحذير النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم والتشديد فيها والأمر بردها فصاروا بهذا متشبهين باليهود والنصارى في طاعة العلماء في معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ . وإذا علم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى حيث كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, فليعلم أيضاً أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن, قال شيخ الإسلام وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث, قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾. وقال شيخ الإسلام أيضاً قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقاً انتهى. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى وقال ابن عقيل: النهي عن التشبه

стр. 198

بالعجم للتحريم. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع انتهى. وإذا كان التشبه بالنصارى وغيرهم من أعداء الله تعالى حراماً شديد التحريم فإعلان النهي عن ذلك في الكتب والمقالات والخطب وغيرها واجب على حسب القدرة لأن الله تعالى قد حث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات كثيرة من القرآن ورغّب في ذلك ووعد عليه الأجر العظيم, وحث على ذلك رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة جداً ورغب فيه وشدد في تركه مع القدرة, وقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج من المؤمنين, وقال القرطبي: جعله الله فرقاً بين المؤمنين والمنافقين, وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وما أخبر به رسول الله ﷺ عن الخلوف أنهم يفعلون ما لا يؤمرون فهو مطابق لحال أهل البدع الذين يفعلون ما لم يؤمروا به من الأعمال التي لم تكن من سنة رسول الله

стр. 199

- ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل غيرهم من الصحابة ولا من عمل التابعين لهم بإحسان. ومن هذه الأعمال المنكرة ما أحدثه الجهال من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً يعتادونه في كل عام ويضاهون به الأعياد التي شرعها الله للمسلمين, ولا شك أن جهاد هؤلاء واجب بحسب القدرة وأن النهي عن هذه البدعة وإعلان الإنكار لها من فوق المنابر حسن جداً, ولا ينكر النهي عن هذه البدعة وإعلان الإنكار لها من فوق المنابر إلا من كان في قلبه كراهية لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بإنكار المنكرات الظاهرة وتغييرها, ومن كان بهذه الصفة فإنه يخشى عليه أن يكون داخلاً في عموم قول الله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون﴾. الوجه الثالث أن يقال: من أقام بدعة المولد واحتفل بها فإنه لا يخلو من أحد أمرين. إما أن يكون جاهلاً لا يدري أن رسول الله ﷺ قد حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وأمرهم برد الأعمال التي ليس عليها أمره, وهذا هو الغالب على المفتونين ببدعة المولد في كثير من الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام وقد قال الله تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾ وقد تقدم ما ذكره الشقيري وغيره عنهم من الأفعال الهمجية فليراجع ذلك (١). وإما أن يكون مكابراً لا يبالي بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ولا يرى بأساً بالعمل بالبدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله

стр. 200

- ﷺ وأمر بردها. وهذا هو الغالب على علماء السوء وأئمة الضلال الذين يقيمون بدعة المولد ويبالغون في الاحتفال بها وينشرون الكتب والمقالات الباطلة في تحسينها والترغيب في إقامتها والاحتفال بها, ويبذلون جهدهم في الرد والإنكار على من ينكر هذه البدعة وينهى عنها. وهذا من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد كان رسول الله ﷺ يتخوف على أمته من هذا الضرب الرديء كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر ﵁ وهو يخطب الناس فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان» وروى الإمام أحمد أيضاً في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت عنده جالساً فقال: «إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم» وروى الطبراني في الكبير والبزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم باللسان» قال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاثاً» وذكر منها جدال منافق بالقرآن. وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث» وذكر منها جدال منافق بالقرآن, وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنات» وذكر منها جدال منافق بالقرآن. وروى الدارمي في سننه وأبو نعيم في الحلية

стр. 201

عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁ هل تعرف ما يهدم الإسلام قال: قلت لا. قال: «يهدمه زلة عالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين» وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: «إنما أخشى عليكم زلة عالم وجدال المنافق بالقرآن» وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله؟. قال: «زلة عالم وحكم جائر وهوى متبع». قلت: واتباع الهوى هو الغالب على علماء السوء وأئمة الضلالة وأعداء السنة وأهلها من الكتّاب في الصحف والمجلات والمؤلفين في تحسين البدع والترغيب فيها. وهو من المهلكات كما في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث مهلكات» فذكر الحديث وفيه: «فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» وروى البزار والبيهقي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ فليحذر الكاتب المفتون وأشباهه مما جاء في هذه الآية والحديثين قبلها ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الهلاك والضلال والظلم وحرمان الهداية. وأما قول الكاتب إن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقيمون هذا الاحتفال, لا كعبادة, ولا على أنها عمل ديني. فجوابه أن يقال: قد زعم بعض المفتونين ببدعة المولد أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً, وزعم أيضاً أنها بدعة حسنة محمودة,

стр. 202

وزعم أيضاً أنها سنة مباركة. ونقل عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها. وزعم أيضاً هو ومتبوعه في الضلال أن الاجتماع لعمل المولد أمر مشروع في الإسلام وقاساه على أعمال الحج, وقد ذكرت هذه الأقوال الباطلة ورددت عليها في كتابي المسمى بـ «الرد القوي, على الرفاعي والمجهول وابن علوي. وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فلتراجع هناك, وفي هذه الأقوال الباطلة رد على ما تجاهله الكاتب من حال دعاة الضلال الذين يقيمون بدعة المولد ويحسنونها للجهال ويرغبونهم في إقامتها بما يزعمونه من مشروعيتها وأنها بدعة حسنة محمودة وسنة مباركة يثاب عليها صاحبها وقد ذكر أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» عن المفتونين ببدعة المولد أنهم يعتقدون أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر, وفي هذا رد على تمويه الكاتب وقلبه للحقيقة. وقد ذكر رشيد رضا في فتاويه نحو ما ذكره ابن الحاج عنهم وأنهم يجعلونه من قبيل شعائر الإسلام بحيث يظن العوام أنه من القرب المطلوبة شرعاً. وأما قوله: إن الاحتفال بالمولد مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر. فجوابه أن يقال لو كان في الاحتفال بالمولد النبوي أدنى شيء من الخير لكان الصحابة أسبق إليه من غيرهم ولكان النبي ﷺ يبين ذلك لأمته ويدلهم عليه. وقد قال ﷺ في صفة الفرقة الناجية من فرق هذه الأمة أنهم الذين كانوا على ما كان عليه هو وأصحابه, فالخير كل الخير في اتباع سنة رسول الله ﷺ والسير على طريقة أصحابه ﵃. والشر كل الشر في مخالفة السنة وما كان عليه الصحابة ﵃ وإحداث الاحتفالات والأعمال التي لم يكونوا يعملونها ولم تذكر عن أحد في زمانهم.

стр. 203

وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن إحياء الذكرى للنبي ﷺ لا يكون في ليلة المولد وحدها كما يفعله المتفونون بالاحتفال بالمولد النبوي, وإنما يكون في سائر الأوقات. وذلك بالإكثار من قراءة القرآن والتدبر لما جاء فيه من تعظيم الرب ﵎ لنبيه محمد ﷺ وإظهار شرفه على سائر الخلق. وقد ذكرت جملة من الآيات الواردة في تعظيمه ﷺ في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» فلتراجع هناك. وكذلك الإكثار من دراسة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ففي ذلك أعظم إحياء لذكره ﷺ . وأما التعبير عن الحب للنبي ﷺ فإنما يكون ذلك بالإيمان به واتباع أوامره واجتناب نواهيه والتمسك بسنته ونشر ما دعا إليه, والبعد عما ابتدعه المبتدعون من بعده, وقد قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وقد تقدم هذا الحديث في البرهان العشرين فليراجع. ومن ادّعى محبة النبي ﷺ وهو مرتكب لما نهى عنه من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره فهو كاذب في دعواه. وأما الاجتماع على الذكر في ليلة المولد خاصة فهو من المحدثات لأن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك ولم يفعله أصحابه ﵃. ولو كان خيراً لسبقوا إليه. والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع, وقد قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وفي هذا الحديث أبلغ رد للمحدثات التي أحدثها المفتون بالمولد النبوي.

стр. 204

وأما قوله وأين الباطل؟ اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه. فجوابه أن يقال إن الإنسان إذا عميت بصيرته فإن الشيطان يتلاعب به ويصده عن الصراط المستقيم ويزين له قلب الحقائق ويريه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. وهكذا كانت حال الكاتب المفتون حيث كان يرى أن من الباطل إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فوق المنبر في المسجد الحرام وأن التحذير من البدع والتشبه بأعداء الله من الباطل. وما يدري الكاتب المفتون أن الباطل في الحقيقة هو اعتراضه على الخطباء الناصحين الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحذرون الناس من البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, ويحذرونهم أيضاً من التشبه بالنصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وأما قوله ألا يعتبر هذا سباً بل قذفاً لأكثرية المسلمين. فجوابه أن يقال: إن إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ليس من السب والقذف للمسلمين كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون, وإنما هو من النصيحة التي حث عليها رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة حيث قال: «الدين النصيحة» قلنا لمن قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث تميم الداري ﵁, وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه

стр. 205

قال: قال رسول الله ﷺ : «الدين النصيحة» ثلاث مرار. قالوا: يا رسول الله لمن قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, قال: وفي الباب عن ابن عمر وتميم الداري وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان ﵃. قلت وفي الباب أيضاً عن ابن عباس ﵄. وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول كتابي المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك. وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقال أيضاً: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقال أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال أيضاً: «من تشبه بقوم فهو منهم» وقال أيضاً: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع. وقد اشتملت هذه الأحاديث على ذم البدع والمحدثات والتحذير منها والأمر بردها وعلى ذم التشبه باليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الله تعالى والتشديد في ذلك, ودلت بمضمونها على ذم المخالفين للسنة والعاملين بالبدع والمحدثات والمتشبهين بأعداء الله تعالى, وقد قابل الصحابة والتابعون لهم بإحسان أقوال نبيهم ﷺ -

стр. 206

بالقبول والتسليم, ولم يذكر عن أحد من المسلمين أنه قال في شيء من أقوال رسول الله ﷺ إن فيها سباً وقذفاً لأكثرية المسلمين, بل اعتبروا ذلك من النصيحة والتحذير من الشر وأهله. وللخطباء في المسجد الحرام وغيره أسوة حسنة في نبيهم ﷺ , ومن لامهم أو عابهم على الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والحفلات المحدثة والتشبه بالنصارى في الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فهو الملوم والمعيب في الحقيقة. فصل وقال صاحب المقال الباطل: وليت خطيبنا المحترم وقف عند هذا الحد من القول, بل يستطرد «أضف إلى ذلك ما يجري فيه - أي الاحتفال بالمولد - من المنكرات والشرك بالله من دعاء الرسول وطلب الحاجات وما يحصل فيه من الاختلاط والإسراف ورفع الصوت بلغو القول» فهل من الأمر بالمعروف إلقاء التهم جزافاً وإرسال الكلام على عواهنه وإطلاق ذلك كله على جميع الاحتفالات بالمولد النبوي. هل ممن الأمر بالمعروف اتهام جميع من يحضرون الاحتفال بالمولد النبوي وهم ملايين المسلمين في جميع أقطار الدنيا وليس العالم الإسلامي وحده فالجاليات المسلمة في أوربا وأمريكا تقيم الاحتفالات في ذكرى المولد النبوي - اتهام كل هؤلاء بالشرك - وما أعظمها تهمة - والابتداع والجهل والارتزاق والاختلاط وإتيان المنكرات. والجواب أن يقال أولاً: إن الخطيب في المسجد الحرام لم يكن أول من تصدى لإنكار ما يجري في الاحتفال بالمولد النبوي من أنواع

стр. 207

المنكرات. بل قد سبقه إلى ذلك غير واحد من العلماء الغيورين حيث أنكروا ما يجري في بدعة المولد من المنكرات والأفعال الهمجية, فمن ذلك قول أبي عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» إن المولد قد احتوى على بدع ومحرمات جمة, فمن ذلك استعمالهم الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون ببدع ومحرمات, وذكر أيضاً ما يفعل في بدعة المولد من أنواع المنكرات من الغناء والرقص واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات التي ذكرها عنهم وبالغ في ذمها والتحذير منها. ومن ذلك قول تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني في كتابه المسمى بـ «المورد, في الكلام على عمل المولد» قال لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين, بل هو بدعة أحدثها البطالون, وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. ثم قال: إنه إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهم أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو, وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتطريب في الإنشاد فهذا لا يختلف في تحريمه اثنان انتهى. ومن ذلك قول رشيد رضا في بعض فتاويه إن هذه الموالد بدعة بلا نزاع. وقال في جواب له آخر إن البدعة في عمل المولد جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام

стр. 208

والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعاً, وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم. فكيف إذا وصل الجهل بالناس إلى تكفير تاركه كأنه من قواعد العقائد المعلومة من الدين بالضرورة, أليس يعد في هذه الحال وبين هؤلاء الجهال من أكبر كبائر البدع التي قد تقوم الأدلة على كونها من الكفر بشرطه. فإن الزيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره كالنقص منه يخرجه عن كونه هو الدين الذي جاء به خاتم النبيين عن الله تعالى القائل فيه: ﴿اليوم أكلمت لكم دينكم﴾ فهو تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. ويقتضي أن مسلمي الصدر الأول كان دينهم ناقصاً أو كفاراً, وقد ورد أن أبا بكر وعمر وابن عباس ﵃ قد تركوا التضحية في عيد النحر لئلا يظن الناس أنها واجبة. أفلا يجب بالأولى ترك حضور هذه الحفلات المولدية وإن خلت من القبائح واشتملت على المحاسن لئلا يظن العوام أنها من الفرائض التي يأثم تاركها أو يكفر كما يقول بعض مبتدعة العلويين الجاهلين. فكيف إذا كانت مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات, وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ فهو من جملة هذه البدع, وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي الذي يعتمد هؤلاء العلويون على كتبه في دينهم انتهى. ومن ذلك قول محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى بـ «السنن والمبتدعات» «فصل في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه» لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا

стр. 209

الشارع صلوات الله وتسليماته عليه وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين, ففي هذا الشهر ولد ﷺ وفيه توفي فلما يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته. فاتخاذ مولده موسماً والاحتفال به بدعة منكرة ضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل. ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة وأتباعهم. ولا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون البطالون أصحاب البدع. وتبع الناس بعضهم بعضاً فيه إلا من عصمه الله ووفقه لفهم حقائق دين الإسلام. ثم أي فائدة تعود وأي ثواب في هذه الأموال الباهظة التي تعلق بها هذه التعاليق وتنصب بها هذه السرادقات وتضرب بها الصواريخ. وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي. وأي خبر في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المره أم أم ان ان سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم اللع اللع كالقرود. ما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوربا فيفهمون أن محمداً ﷺ - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ثم هو خراب ودمار فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض. فلماذا لا تنفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس مصانع يعمل فيها الألوف من العاطلين, أو لماذا لا تنفق هذه النفقات الباهظة في إيجاد آلات حربية يقاوم بها أعداء الإسلام والأوطان, وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر, وبل وأقروه. ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه

стр. 210

المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين, فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى. فليتأمل الكاتب المفتون ما ذكره العلماء من المنكرات التي تفعل في بدعة المولد النبوي وليقارن بينه وبين ما ذكره عن الخطيب في المسجد الحرام, فإن كان الخطيب قد ألقى التهم جزافاً وأرسل الكلام على عواهنه كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل فإن العلماء الذين ذكرت أقوالهم قد قالوا أعظم مما قاله الخطيب فليبدأ الكاتب بعيبهم والإنحاء باللائمة عليهم قبل الخطيب, ولينظر إلى ما ذكره رشيد رضا عنهم من الكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله, وما ذكره الشقيري عنهم من الإلحاد في أسماء الله ودعاء رسول الله وقولهم فيه يا صاحب الفرح والمداآد, إلى غير ذلك مما ذكره عنهم, وكذلك ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني عنهم فهو أعظم بكثير مما ذكره الخطيب عنهم, وكلهم قد أحسنوا في إنكار المنكرات التي تفعل في بدعة المولد النبوي وجاهدوا الخلوف الذين أخبر النبي ﷺ أنهم يفعلون ما لا يؤمرون. ثم قال ﷺ : «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁. ويقال ثانياً إن كثيراً من المفتونين ببدعة المولد قد اعتادوا التغني في احتفالهم بالمولد بقصيدة البردة التي نظمها البوصيري في مدح النبي ﷺ ودعائه وطلب الشفاعة منه والالتجاء إليه واللياذ به عند الشدائد والحوادث. ولا ينفي اشتمالها على الشرك ودعاء الرسول ﷺ وصرف ما هو من خصائص الربوبية والألوهية له إلا جاهل لا يعرف الحق من الباطل. أو متجاهل متبع للهوى قد

стр. 211

أعمى الله بصيرته. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على البكري أربعة أبيات من البردة وأنكر على قائلها وقال فيه: ومنهم - أي من المبالغين في الغلو في الرسول ﷺ - من يقول أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت. دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت منم لو ناسبت قدره آياته عِظَماً ... أحيا اسمه عين يدعى دارس الرمم انتهى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, ولا يخفى على من نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان أن قصيدة البردة مشتملة على الشرك بالله تعالى ودعاء الرسول ﷺ والالتحاء إليه واللياذ به عند الشدائد وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله. وقد زعم الناظم أن من جوده الدنيا وضرتها - أي الآخرة - وأن من علومه علم اللوح والقلم. وهذا الغلو والإطراء مردود بقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ وقوله تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ وقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وروى الإمام أحمد والبخاري والدارمي عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر ﵁ يقول على المنبر سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» وروى الإمام أحمد أيضاً

стр. 212

بأسانيد حسنة عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال له النبي ﷺ : «أجعلتني لله عَدْلاً, بل ما شاء الله وحده» وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال النبي ﷺ : «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» وروى أبو داود بإسناد صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السيد الله ﵎» قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طوْلاً فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » وفي رواية: «قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان» وفي رواية: «ولا يستجرينكم الشيطان» وفي رواية قال: «والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ». فهذا كله من حماية النبي ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك بالله تعالى. وإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن إطرائه والغلو فيه وقال: «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» وأنكر على الذي قال له ما شاء الله وشئت وقال: «أجعلتني لله نداً» وأنكر على الذين طلبوا منه

стр. 213

الإغاثة من المنافق. وأنكر على الذين قالوا له أنت سيدنا. فكيف بالذين قد تجاوزوا الحد في إطرائه والغلو فيه. حيث كانوا يتغنون في احتفالهم بالمولد النبوي بقصيدة البردة التي قد اشتملت على الإطراء للنبي ﷺ والغلو الشديد فيه وصرف ما هو من خصائص الربوبية والألوهية له. حيث زعم قائلها والمتغنون بها أنه ليس لهم من يلوذون به عند حلول الحادث العام سوى النبي ﷺ . وزعموا أن من جوده الدنيا والآخرة. وزعموا أنه يعلم ما في اللوح - أي المحفوظ الذي قد استأثر الله بعلم ما فيه - وزعموا أنه يعلم ما جرى به القلم - أي قلم القضاء والتقدير - وزعموا أنه إن لم يأخذ بأيديهم يوم القيامة فستزل أقدامهم. إلى غير ذلك مما اشتملت عليه قصيدة البردة من الإطراء والغلو الشديد. ومع هذا فكثير من الجهال وعلماء السوء والضلال قد افتتنوا بها وأكثروا من التغني بها وبما يشبهها من القصائد المشتملة على الغلو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها حيث قال ﷺ : «أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » ومن رضي بما اشتملت عليه قصيدة البردة وما شابهها من القصائد المشتملة على اللغو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها فهو شريك لقائليها لأن الراضي بالذنب كفاعله. فليتق الله صاحب المقال الباطل. ولا يجعل الخطيب في المسجد الحرام هدفاً لشغبه وجداله بالباطل. ولا ينس أنه سيقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة ويسئل عن تجانفه بالإثم على الخطيب الذي قد بذل جهده في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة للمسلمين وتحذيرهم من الشرك والغلو والإطراء للنبي

стр. 214

- ﷺ وتحذيرهم من البدع التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها. وليحذر الكاتب أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾. فصل وقال صاحب المقال الباطل. وهل من لغو القول ترديد الصلاة على رسول الله وإنشاد بعض الشعر في مدحه بدون غلو ولا دعاء له. وقد سمع مثل ذلك رسول الله وفي مسجده من شعراء العرب يوم ذاك كحسان بن ثابت وكعب بن زهير ولم ينكره بل خلع بردته وكساها للشاعر الذي مدحه. والجواب: عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله ﷺ إنما أمر أمته بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة. ولم يأمرهم بالاجتماع لترديد الصلاة عليه في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيام, وكذلك لم يأمرهم بالاجتماع وترديد الصلاة عليه في ليلة مولده ولم يفعل ذلك ولم يفعله أحد في زمانه ولم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين المهديين ولا غيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ولو كان للاجتماع في ليلة المولد النبوي وترديد الصلاة على النبي ﷺ في تلك الليلة مزية وزيادة فضل على سائر الليالي لبين ذلك رسول الله - صلى الله

стр. 215

عليه وسلم - لأمته وندبهم إلى فعله ورغبهم فيه ولكان يفعله هو وأصحابه ﵃ لأنهم كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن كان بعدهم. وقد قال ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني» وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وقد تقدم قول النووي (١) إن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. قلت: وهذا الحديث العظيم يهدم كل ما لفقه الكاتب وغيره من المفتونين بالمولد النبوي. وبه يرد كل ما يفعل في ليلة المولد من الاجتماع وقراءة قصة مولد النبي ﷺ وترديد الصلاة عليه في تلك الليلة خاصة وإنشاد الأشعار في مدحه وإطرائه والقيام عند ذكر وضع أمه له وغير ذلك من أنواع البدع التي تفعل في تلك الليلة. فكل هذا مردود بالحديث الذي تقدم ذكره. الوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على التوقيف فليس لأحد أن يزيد في الدين شيئاً لم يأذن به الله لأن الله تعالى قد أكمل الدين لهذه الأمة فقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فمن زاد في الدين شيئاً لم يأذن به الله فزيادته مردودة لأن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع ما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ونهاهم عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ وهذه الآية الكريمة تدل على المنع من
следующие страницы →