Полный текст (239 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الرد على الكاتب المفتون
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين
دار اللواء
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م
المملكة العربية السعودية - الرياض ١١٤٦١
دار اللواء: ص. ب: ٢٨٥٦ شارع الملك فيصل
هاتف: ٤٠٢٨٠٨٤ - ٤٠٥١٧٥٤ - برقياً: نشر دار
стр. 4
«القسم الأول»
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله الله رحمة للعالمين, وحجة على المعاندين, وأمره بجهاد الكفار والمنافقين, وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فقد رأيت مقالاً سيئاً لبعض المفتونين ببعض البدع المحدثة في الإسلام, وقد نشرته جريدة الندوة في عددها ٧٨٤٥ الصادر في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة ١٤٠٥ هـ وقد تهجم الكاتب على خطباء المساجد وأنكر عليهم ما صرحوا به في خطبهم من إنكار الولائم التي يصنعها أهل الميت للعزاء, وتهجم أيضاً على الخطيب في المسجد الحرام وأنكر عليه ما صرح به من إنكار الاحتفال بالمولد النبوي, وقد قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب» , وبعد إيراد المقال السيء بنصه أذكر ما فيه من الأخطاء الكثيرة إن شاء الله تعالى.
قال صاحب المقال: «خطب الجمعة وحوادث الساعة»:
стр. 6
ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يحجروا واسعاً ويتدخلوا حتى في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, لماذا؟ وهل هذه الولائم أصبحت من الدين حتى تكون بدعة؟ وهل نجحنا في محاربة الرذائل والمفاسد في المجتمع الإسلامي وواجب علينا الكلام في هذه الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد.
أيها الناس إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وليتنا نستطيع أن نطهر مجتمعنا من الحرام ونقنع الناس باجتنابه بدلاً من إكثار الممنوعات والمحرمات حتى نطفشهم وندفعهم للتمرد وعدم تصديقنا في أن كل شيء حرام حتى المأدبة التي يقيمها أهل الميت في اليوم الثالث من الوفاة حيث يجلسون لاستقبال المعزين والمعزيات ويطعمون الفقير والفقيرات.
ماذا في ذلك؟ وهل كل ما لم يفعله الرسول وأصحابه حرام أو العكس هو الصحيح؟ أي إن الأصل في كل الأعمال هو الحل إلا ما ورد نص بالتحريم له, وأين النص الصريح في تحريم المآدب في المآتم؟.
كذلك شغل خطيب المسجد الحرام جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه, وكان المفروض أن يتحدث عن أحداث الساعة, عن المجاعة التي تفتك بالمسلمين في عدد من بلادهم, عن حث إخوانهم المصلين على إغاثتهم قبل أن يسعفهم التبشير الصليبي والإغراء الصهيوني كما فعل بعض خطباء المساجد.
أيها الناس ارحمونا من هذا الكلام الممل من كثرة التكرار وعظونا وبصرونا بالمفاسد والمحرمات الحقيقية وأنفذوا بكلامكم إلى أعماق نفوسنا بالحكمة والموعظة الحسنة واتركوا الكلام عن الموائد والمآتم إلا عما هو محرم فيها قطعاً لا مجال فيه للتأويل أو الحل, فقد كان من الملاحظ أنه
стр. 7
لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام. انتهى كلامه.
والجواب: أن يقال هذا الكلام كله خطأ من أوله إلى آخره لأنه يتضمن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف, ويتضمن أيضاً رؤية المعروف منكراً ورؤية المنكر معروفاً, وهذا من مصداق ما جاء في الحديث الذي رواه رزين عن علي ﵁ مرفوعاً, وفيه: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد, كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن قال: «نعم». وروى أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً». وروى ابن وضاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً».
وروى ابن وضاح أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة والبدعة سنة والمعروف منكراً والمنكر معروفاً» , وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً, وهي تنطبق على صاحب المقال وعلى أمثاله من المفتونين بالبدع. وما أكثرهم في زماننا لا كثرهم الله.
فأما قول الكاتب ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يحجروا واسعاً ويتدخلوا حتى في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, لماذا؟
فجوابه من وجوه, أحدها أن يقال: إن الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب لم يحجروا شيئاً من الأمور الجائزة وهي التي لم يرد الشرع المطهر
стр. 8
بالمنع منها. وإنما حجروا البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ , منها ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم الذهبي وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح انتهى كلامه.
ولم يذكر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته بإقامة الولائم للعزاء, ولا أنه فعل ذلك, ولا أن أحداً من أصحابه فعل ذلك فأقره عليه, وكذلك لم يذكر عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه أقام وليمة للعزاء أو أنه أمر بذلك أو أن أحداً فعل ذلك في زمانهم فأقروه عليه, وعلى هذا فإن إقامة الولائم للعزاء يكون من المحدثات التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأخبر أنها بدعة وضلالة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضاً ومسلم وابن ماجه والدارمي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة
стр. 9
بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
ومنها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدي فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد رواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي وإنما يقال عن توقيف كما قد جاء ذلك في حديث جابر ﵁.
وفي حديثي جابر وابن مسعود ﵄ دليل على المنع من إقامة الولائم للعزاء لأن ذلك لم يكن من هدي رسول الله ﷺ وما لم يكن من هديه فهو من المحدثات التي هي من شر الأمور ومن البدع والضلالات وقد حذّر النبي ﷺ من المحدثات غاية التحذير كما تقدم النص على ذلك في الأحاديث المذكورة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
قال النووي في شرح مسلم قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به, قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه
стр. 10
واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه. ثم ذكر قول النووي: إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها.
قلت: ومن الأعمال المردودة إقامة الولائم للعزاء لأن ذلك لم يكن من أمر النبي ﷺ ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان إنما هو من المحدثات التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأخبر أنها بدعة وضلالة. وما كان كذلك فهو مردود بقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وبقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
وقد كان هدي رسول الله ﷺ مع أهل الميت مخالفاً لهدي أهل البدع فإنه كان يأمر أن يصنع الطعام لأهل الميت لشغلهم بالمصيبة عن صنع الطعام. قال عبد الله بن جعفر ﵄ لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي. وقد ترجم أبو داود على هذا الحديث بقوله: «باب صنعة الطعام لأهل الميت» وترجم عليه
стр. 11
الترمذي بقوله: «باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت» وترجم عليه ابن ماجه بقوله: «باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت» وترجم عليه البيهقي بقوله: «باب ما يهيأ لأهل الميت من الطعام» وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس ﵂ نحو حديث ابنها عبد الله بن جعفر ﵄ ولفظه أن رسول الله ﷺ قال لأهله: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لها طعاماً فإنه قد شغلوا بأمر صاحبهم».
فهذا هو المشروع مع أهل الميت. فأما الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للذين يأتون إليهم للعزاء فهو من النياحة. قال ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة - يعني ابن مصرف - قال قدم جرير على عمر فقال: هل يناح قِبَلكم على الميت؟ قال: لا, قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام؟ قال: نعم, فقال: تلك النياحة. وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد رواه ابن ماجه بإسنادين صحيحين أحدهما على شرط البخاري والآخر على شرط مسلم. وبوّب عليه بقوله: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام». وروى ابن أبي شيبة عن وكيع بن الجراح عن سفيان عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية والنوح من أمر الجاهلية. وقد ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن فضالة بن حصين عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: ثلاث عن أمر الجاهلية بيتوتة المرأة عند أهل المصيبة ليست منهم والنياحة ونحر الجزور عند المصيبة. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن
стр. 12
سعيد بن جبير قال: ثلاث من عمل الجاهلية النياحة والطعام على الميت وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن معن بن عيسى عن ثابت بن قيس قال: أدركت عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول: ترزون وتغرمون.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة انتهى.
ونقل العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» قول ابن الهمام: في «فتح القدير» شرح الهداية. يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم, ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل البيت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى. قال أبو الطيب ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» أخرجه ابن ماجه: وبوّب «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم قاله السندي. وقال أيضاً: قوله كنا نرى. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة, وبالجملة فهذا عكس الوارد, إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت.
فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك. وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول لأن الضيافة حقاً أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله: أن الضيافة لأهل الميت. معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء.
وقد نقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره
стр. 13
اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة. قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة, بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى.
ونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء. قال: وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي في الروضة وهو كما قال انتهى واستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد صحيح.
ونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج. إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره.
وقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه «نهاية المحتاج. إلى شرح المنهاج» ويكره كما في الأنوار وغيره أخذاً من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعد ذلك من النياحة» انتهى.
وقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب. قال: وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم. قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في
стр. 14
الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه. قال وقال أزهر بن عبد الله: من صنع طعاماً لرياء وسمعة ولم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق. قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليال ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃. فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى.
وكلام العلماء في المنع من إقامة الولائم في المآتم وتصريحهم بأن ذلك من البدع كثير جداً, وفيما ذكرته ههنا كفاية لمن أراد الله به خيراً, ومن يضلل الله فلا هادي له.
وفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها. وما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: في اجتماع النساء على الميت وإطعام الطعام تلك النياحة. وما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه ذكر عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وما رواه ابن أبي شيبة عن أبي البختري وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أنهم أنكروا الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام, كل هذا فيه رد على الكاتب الذي تهجم على خطباء المساجد وأنكر عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والمحدثات, ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي, وفيما ذكرته أيضاً عن العلماء من الذم لإقامة الولائم في المآتم وتصريحهم أن ذلك بدعة مستقبحة وأنه من قلب المعقول. فيه أبلغ رد على الكاتب الذي بذل جهده في تقرير
стр. 15
بدعة المآتم والذب عنها.
وبالجملة فالخطباء قد أحسنوا غاية الإحسان في نصيحتهم المسلمين وتوجيههم إلى الخير وتحذيرهم من البدع وأنواع المنكرات.
وأما صاحب المقال فإنه قد أساء إلى نفسه وإلى غيره من الناس, فأما إساءته إلى نفسه فهو أنه قد وضعها في صف الذين أخبر الله عنهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف, وأما إساءته إلى الغير فهو أنه قد حسّن لهم بدعة المآتم والمولد ودعاهم بكتابته التي نشرها في جريدة الندوة إلى ارتكاب ما حذر منه رسول الله ﷺ من المحدثات التي قد أمر بردها ووصفها بالضلالة وأخبر أنها من شر الأمور وأنها في النار, فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب من قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يرزون﴾ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد قرر النووي في شرح مسلم أن الإثم يكون لمن دعا إلى الضلالة سواء كان هو والذي ابتدأها أم كان مسبوقاً إليها.
الوجه الثاني: أن يقال: أنه يجب التدخل في خصوصيات الناس وفي عمومياتهم إذا تركوا شيئاً مما أمر الله به أو أمر به رسول الله ﷺ أو ارتكبوا شيئاً مما نهى الله عنه أو نهى عنه رسول الله ﷺ . ومن ذلك فعل البدع والمحدثات لأن رسول الله ﷺ قد حذّر منها أشد التحذير. والدليل على وجوب التدخل في مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي قول الله تعالى: ﴿ولتكن
стр. 16
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» والآيات والأحاديث في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعيد الشديد على ترك ذلك كثيرة جداً. وقد ذكرت طرفاً منها في كتابي المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك.
والتدخل في خصوصيات الناس وعمومياتهم إذا تركوا شيئاً من الواجبات أو ارتكبوا شيئاً من المنهيات من أهم أمور الدين ومن النصيحة الواجبة على كل مسلم لإخوانه المسلمين لما جاء في الحديث الصحيح عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال «الدين النصيحة» قلنا لمن قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ نحو حديث تميم الداري ﵁. وقد ذكرت هذه الأحاديث بألفاظها في كتابي
стр. 17
المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه يجب النهي عن إقامة الولائم للمآتم لأن إقامتها من البدع المستقبحة ومن النياحة المحرمة. وليس النهي عن البدع والنياحة من التدخل فيما لا يجوز التدخل فيه من خصوصيات الناس كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما هو من النهي عن المنكر. والنهي عن المنكر واجب بحسب القدرة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن خطباء المساجد الذين أفتوا بتحريم الولائم التي تقام للعزاء وقالوا إنها مخالفة لسنة رسول الله ﷺ قد أصابوا فيما أفتوا به وفي قولهم إنها مخالفة للسنة. وحجتهم ما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يحذر أمته عن محدثات الأمور ويقول: «إن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وما جاء عنه أيضاً أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث في الوجه الأول فلتراجع.
ومن حججهم أيضاً ما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد تقدم قول السندي إن هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ . قال وعلى التقديرين فهو حجة. وتقدم أيضاً قول القاري إن قول جرير ﵁ ظاهر في التحريم. وتقدم أيضاً قول عمر ﵁ إن اجتماع النساء على الميت وإطعام الطعام من النياحة, وقد قال النبي ﷺ : «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى. ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به». وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به». قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم, وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال, قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». وروى الإمام أحمد
стр. 18
أيضاً والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي.
وفي هذه الأحاديث دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام لأن عمر ﵁ قد عد ذلك من النياحة وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه وأخبر أيضاً أنه يقول بالحق وأمر أمته بالاقتداء به وبأبي بكر ﵄. وفي هذا مع ما تقدم ذكره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ أبلغ رد على استنكار صاحب المقال الباطل للفتوى بتحريم ولائم العزاء واستنكاره للقول بأنها مخالفة للسنة, وقوله: لماذا؟.
стр. 19
وأما قوله: وهل هذه الولائم أصبحت من الدين حتى تكون بدعة؟.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال: لو كانت ولائم المآتم من الدين لما كانت من البدع ولكنها ليست من الدين فكانت من البدع التي ورد التحذير منها والأمر بردها في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , وقد تقدم ذكرها قريباً فلتراجع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الصحابة ﵃ كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وقد تقدم ذلك في قول عمر وجرير بن عبد الله ﵄, والنياحة من أمر الجاهلية كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلة لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» وإذا كانت الولائم في المآتم من أمر الجاهلية فلا يقول بجوازها ونفي البدعة عنها إلا أحد رجلين, إما جاهل لا يعرف الفرق بين أمور الإسلام وأمور الجاهلية, وإما معاند لا يبالي بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, ولا يبالي برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها.
وأما قوله: وهل نجحنا في محاربة الرذائل والمفاسد في المجتمع الإسلامي وواجب علينا الكلام في هذه الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال: إن محاربة البدع أهم من محاربة الرذائل والمفاسد الخُلُقية لأن البدع أحب إلى إبليس من المعاصي.
стр. 20
وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية , المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» , وأيضاً فإن البدع بريد الشرك وهي تؤول إليه. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: المبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم انتهى. وقال السدي في تفسير هذه الآية استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
قلت: وهذا هو المطابق لحال أهل البدع فإنه استنصحوا الذين يدعونهم إلى البدع ويرغبونهم فيها ونبذوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم.
ومن هذا الباب ما يفعله المفتونون بإقامة الولائم في المآتم فإنهم قد استنصحوا أدعياء العلم الذين يفتون بجواز إقامتها وحضورها ويحسّنون ذلك للعوام ولا يبالون بمخالفة أمر النبي ﷺ برد المحدثات ولا يبالون بما ثبت عنه من التحذير منها والمبالغة في ذمها ووصفها بالصفات الذميمة.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه يجب على العلماء محاربة البدع والتحذير منها ومحاربة الرذائل والمفاسد وجميع المنكرات والتحذير منها, ولا يكتفى بمحاربة أحدها عن محاربة غيره ولكن يبدأ بالأهم فالأهم منها, فيبدأ بالنهي والتحذير من أشدها خطراً على الدين وهي البدع التي تمحو السنن وتهدم الإسلام كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن
стр. 21
غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها» وهذا يدل على شؤم البدع وعظم مضرتها على الإسلام فيجب التحذير منها والإنكار على من يذب عنها ويحسّنها للناس.
الوجه الثالث: أن يقال: إن صاحب المقال قد اعترف أن إقامة الولائم في المآتم من الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد, ويجاب بأن ما كان كذلك فهو من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة كما تقدم النص على ذلك فيما رواه العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وابن مسعود ﵃ عن النبي ﷺ , ولا يجوز إقرار المحدثات ولا العمل بشيء منها, بل يجب ردها لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». ويجب أيضاً التحذير منها لأن النبي ﷺ قد حذّر منها وأخبر أنها شر وضلالة. وأيضاً فإن إقامة الولائم في المآتم من النياحة بإجماع الصحابة ﵃ كما تقدم التصريح بذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وقد صرح بذلك أيضاً عمر بن الخطاب ﵁ فيما رواه ابن أبي شيبة عنه وتقدم ذكره, والنياحة من الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد وإنما هي من أمور الجاهلية وقد جاء الإسلام بتحريمها ولعن فاعلها, وما كان بهذه المثابة فإنه لا يجوز إقراره, بل يجب رده ومحاربته, ومن قال بجوازه فقد أخطأ خطأ كبيراً وشاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين. وقال الله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً».
стр. 22
وأما قوله إن الحلال بيّن والحرام بيّن.
فجوابه أن يقال: إن من الحرام البيّن إقامة الولائم في المآتم لأنه من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ولم يكن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. بل كانوا يعدونه من النياحة كما تقدم فيما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ وفيما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁. وقال أبو البختري إنه من أمر الجاهلية وقال سعيد بن جبير إنه من عمل الجاهلية. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع منه وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. وفي هذا أوضح البيان أن إقامة الولائم في المآتم من الحرام البيّن. ولا يخفى هذا إلا على إنسان لا يميّز بين الحلال والحرام.
وأما قوله وليتنا نستطيع أن نطهر مجتمعنا من الحرام ونقنع الناس باجتنابه بدلاً من إكثار الممنوعات والمحرمات حتى نطفشهم وندفعهم للتمرد وعدم تصديقنا في أن كل شيء حرام حتى المأدبة التي يقيمها أهل الميت في اليوم الثالث من الوفاة حيث يجلسون لاستقبال المعزين والمعزيات ويطعمون الفقير والفقيرات. ماذا في ذلك.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن إقامة الولائم في المآتم من الأمور التي يجب منعها والتحذير منها لأن هذا العمل محدث في الإسلام وهو من النياحة كما تقدم بيانه. وما كان من المحدثات والنياحة فهو حرام يجب تطهير المجتمع منه.
الوجه الثاني: أن يقال إن تطهير المجتمع من البدع أهم من تطهيره من جمع الأموال من الحرام لأن البدع بريد الشرك وهي تؤول إليه. وما كان بهذه المثابة فتطهير المجتمع منه أهم من تطهيره من
стр. 23
المعاصي التي هي دون ذلك. وقد ذكرت قريباً قول سفيان الثوري إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. ومع هذا فإنه يجب السعي في تطهير المجتمع من البدع ومن ملابسة الأمور المحرمة واكتساب الأموال المحرمة وغير ذلك من المنكرات الظاهرة لأن النبي ﷺ أمر أمته بتغيير المنكرات الظاهرة بحسب القدرة ولم يفرق بينها.
الوجه الثالث: أن يقال مما يدل على أهمية تطهير المجتمع من البدع والمحدثات أن رسول الله ﷺ كان يحذر منها في خطبته. والظاهر من حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك في كل جمعة.
الوجه الرابع: أن يقال إنه يجب على العلماء تحذير الناس من المحدثات وإعلامهم بما فيها من الشر والضلالة. وذلك من التأسي برسول الله ﷺ فإنه كان يحذر أمته من المحدثات في خطبته يوم الجمعة ويبين لهم أنها شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فعلى الخطباء أن يقتدوا برسول الله ﷺ في التحذير من المحدثات وبيان ما فيها من الشر والضلالة وإن لم تحصل القناعة بذلك من بعض الناس لأن الله تعالى قال بنبيه محمد ﷺ : ﴿فذكّر إنما أنت مذكّر. لست عليهم بمصيطر﴾ وقال تعالى: ﴿فذكّر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى﴾ وقال تعالى: ﴿وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ وقال تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ وقال تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾.
стр. 24
إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وعلى هذا فالخطباء الذين أشار إليهم الكاتب لهم أسوة بنبيهم ﷺ في تذكير الناس وحثهم على التقوى ونهيهم عن البدع والمحدثات وتحذيرهم منها ومن سائر المنكرات وليس عليهم أن يقنعوا الناس بما يأمرون به وما ينهون عنه فإن ذلك ليس في قدرتهم. وإنما الهداية والإضلال بيد الله تعالى فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحجة البالغة والحكمة التامة.
ولا ينبغي الالتفات إلى ما يحصل لبعض الناس من النفور والتضايق من سماع النهي والتحذير عما وجدوا عليه آباءهم وأشياخهم من البدع والمحدثات كما قد حصل ذلك لصاحب المقال الباطل. هدانا الله وإياه إلى الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. وأعاذنا جميعاً من نزغات الشيطان وتضليله. بل ينبغي بذل النصيحة للمسلمين ودعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتعليمهم ما يجهلونه من أمور الدين, فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.
الوجه الخامس: أن يقال إن الخطباء الذين أشار صاحب المقال الباطل إلى أنهم قد أكثروا من الممنوعات والمحرمات لم يبتدعوا شيئاً من الممنوعات والمحرمات ويأتوا بذلك من عند أنفسهم. وإنما كانوا يمنعون ويحرمون الأمور التي قد دل الكتاب والسنة على تحريمها والمنع منها, فتجدهم إذا نهوا عن شيء من العقائد أو الأقوال أو الأفعال يأتون بالأدلة الدالة على المنع مما نهوا عنه, وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين ينهون عن البدع ويحذرون منها وإنما اللوم على من لامهم واعترض عليهم.
الوجه السادس: أن يقال إنه لا يتضايق من سماع النهي عن المحدثات والتحذير منها ويتمرد عن قبول ما جاء عن النبي - صلى الله
стр. 25
عليه وسلم - من النهي عنها والأمر بردها إلا من كان في قلبه مرض من أمراض الشبهات والفتن. فهؤلاء هم الذي يغتاظون من سماع النهي عن المحدثات التي قد نشأوا على اعتيادها ووجدوا آباءهم وأشياخهم عليها. وهم الذين يصدون ويعرضون عن قبول الحق ولا يصدقون بتحريم البدع ولا يعبأون بالأحاديث الواردة في التحذير منها والأمر بردها. وينبغي لهؤلاء أن يتدبروا قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
الوجه السابع: أن يقال إنه ليس أحد من الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب في كلامه الباطل يقول إن كل شيء حرام وإنما هذا من تمويه الكاتب وتلبيسه على الجهال ودندنته حول التشويه لسمعة الخطباء الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون أهل الباطل ويحذرون الناس مما كان رسول الله ﷺ يحذر أمته منه. فجزى الله الخطباء الناصحين خير الجزاء وأعظم لهم الأجر والثواب.
الوجه الثامن: أن يقال أن الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب إنما كانوا يحرمون ما قامت الأدلة الشرعية على تحريمه, ومنه إقامة الولائم في المآتم لأن هذا العمل مخالف لأمر النبي ﷺ بصنعة الطعام لأهل البيت, ولأنه من النياحة في قول عمر بن الخطاب ﵁ وقد أجمع الصحابة ﵁ على عده من النياحة كما تقدم في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, والنياحة حرام وهي من أمور الجاهلية. وقد قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وقد ذكرت هذا الحديث
стр. 26
وغيره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات في أول الكتاب فلتراجع.
الوجه التاسع: أن يقال إن الله تعالى لم يشرع لأهل الميت أن يطعموا الفقراء في أيام العزاء ولم يأمر بذلك رسول الله ﷺ ولم يفعله ولم يأذن فيه. ولم يكن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين. ولم يذكر عن غيرهم من الصحابة أنهم فعلوا ذلك, ولو كان خيراً لكانوا أسبق إليه من غيرهم. وقد قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وعلى هذا فمن خص إطعام الفقراء بأيام العزاء فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله, ومن أحب أن يطعم الفقراء ويتصدق عليهم فله مندوحة عن أيام المصائب والأحزان, ولا يجوز أن يجعل إطعام الفقراء وسيلة إلى إحياء بدعة المآتم لأن هذه الوسيلة من الحيل, والحيل لا تبيح المحرم.
وقد سئل شيخ الإسلام أبو العباس أبو تيمية رحمه الله تعالى عن إطعام أهل الميت لمن هو مستحق؟ فأجاب بقوله: وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي تقدم ذكره. قال وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ الذي تقدم ذكره.
وأما قول الكاتب: ماذا في ذلك؟.
فجوابه أن يقال فيه: أنه مخالف لهدي رسول الله ﷺ وسنته في صنعة الطعام لأهل الميت, ومخالف لإجماع الصحابة ﵃ على عد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من
стр. 27
النياحة, وما كان بهذه المثابة فإنه غير جائز. وفيه أيضاً أنه من المحدثات والأعمال التي ليس عليه أمر النبي ﷺ , والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله ﷺ , وقد أمر النبي ﷺ برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وقد قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.
وأما قوله وهل كل ما لم يفعله الرسول وأصحابه حرام أم العكس هو الصحيح, أي إن الأصل في كل الأعمال هو الحل إلا ما ورد نص بالتحريم له. وأين النص الصريح في تحريم المآدب في المآتم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى مربوطة بالأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ . فمن عمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ فعمله مردود لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الحديث نص صريح على رد الأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ . ومنها إقامة الولائم في المآتم
стр. 28
لأن النبي ﷺ لم يشرع ذلك لأمته, ولأنه مخالف للسنة في بعث الطعام إلى أهل الميت. وما خالف السنة فهو مردود بنص حديث عائشة ﵂. وفي هذا النص أبلغ رد على ما لفقه صاحب المقال الباطل من التمويه والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
الوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ أمر أمته أن يأخذوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ونهاهم عن محدثات الأمور وحذرهم منها بأبلغ التحذير وأخبرهم أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وأن شر الأمور محدثاتها. وفي هذه النصوص أبلغ رد على من أباح بدعة الولائم في المآتم وعلى من أباح غيرها من المحدثات.
الوجه الثالث: أن يقال إن الصحابة ﵃ قد عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وهذا إجماع منهم على تحريم إقامة المآدب في المآتم لأن النياحة من أمر الجاهلية وهي حرام وملعون فاعلها, وإجماع الصحابة ﵃ حجة على كل مبطل. ومن خالف إجماعهم فقد تعرض للوعيد الشديد الذي ذكره الله في قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾. وقد وصف رسول الله ﷺ الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه. وقد كان هدي رسول الله ﷺ وإجماع أصحابه على خلاف ما يفعله أهل البدع من إقامة الولائم في المآتم:
وكل خير في اتباع من سَلَف ... وكل شيء في ابتداع من خَلَف
الوجه الرابع: أن يقال إنه لا يتم الإيمان لأحد حتى يحقق الشهادة
стр. 29
بالرسالة وذلك بتحكيم رسول الله ﷺ في مواضع الاختلاف والتمسك بسنته ولزوم متابعته وتقديم هديه على هدي غيره.
وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال النووي في الأربعين له, حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. ثم قال في الكلام على هذا الحديث. يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في بعض فتاويه: العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.
والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع, فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحب ولا يعبده بالأمور المبتدعة انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضاً ولا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة. وقال أيضاً من طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله, ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله انتهى المقصود من كلامه ﵀.
стр. 30
وإذا عرض المسلم الخالي من اتباع الهوى إقامة الولائم في المآتم على ما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وجده مخالفاً لذلك كله, فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ في بعث الطعام إلى أهل الميت, ومخالف لأقواله ﷺ في التحذير من المحدثات ومبالغته في ذمها والتنفير منها والأمر بردها, ومخالف لإجماع الصحابة على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. والنياحة من أمر الجاهلية وقد قال رسول الله ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, رواه الحاكم في مستدركه عن حديث المسور بن مخرمة ﵄ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وما كان بهذه المثابة فإنه لا يتوقف عن القول بتحريمه إلا من هو جاهل بحدود الشريعة المحمدية.
وأما قوله كذلك شغل خطيب المسجد الحرام جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال إن خطيب المسجد الحرام قد أحسن فيما فعله من النهي عن بدعة المولد والتحذير منها لأنها ليست من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم بإحسان, وإنما هي من المحدثات التي أحدثها الجهال بعد القرون الثلاثة المفضلة. وقد قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت كلام العلماء على هذا الحديث في أول الكتاب فليراجع فإنه مهم جداً , وليراجع أيضاً ما تقدم من حديث العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله
стр. 31
وعبد الله بن مسعود ﵃ عن النبي ﷺ ففي هذه الأحاديث الثلاثة أبلغ تحذير من المحدثات والنص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وفيها مع حديث عائشة ﵂ الذي فيه الأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ أبلغ رد على الكاتب الذي اعترض على خطيب المسجد الحرام وتضايق من نهيه عن بدعة المولد وتحذيره من مخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
الوجه الثاني: أنه يقال إن خطيب المسجد الحرام لم يبتدع شيئاً من عند نفسه وإنما كان مقتدياً بالنبي ﷺ ومتبعاً للأحاديث الثابتة عنه في التحذير من المحدثات والمبالغة في ذمها, وعلى هذا فلا لوم على خطيب المسجد الحرام وإنما اللوم على من لامه واعتراض عليه وتضايق من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وعمله بسنة رسول الله ﷺ في خطبته.
وأما قوله: وكان المفروض أن يتحدث عن أحداث الساعة. عن المجاعة التي تفتك بالمسلمين في عدد من بلادهم. عن حث إخوانهم المصلين على إغاثتهم قبل أن يسعفهم التبشير الصليبي والإغراء الصهيوني كما فعل بعض خطباء المساجد.
فجوابه أن يقال: إن التحذير من البدع أهم من التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة لأن البدع تفتك بالدين. وأما المجاعة فإنها تفتك بالأبدان. وما كان يفتك بالدين فالتحذير منه أهم مما يفتك بالأبدان لأن المصيبة في الدين أعظم من المصيبة في الأبدان, وقد تكون المصيبة في الدين سبباً لدخول النار وحرمان الجنة. وأما المصيبة في
стр. 32
الأبدان فإنها مع الإيمان والصبر والرضا بقضاء الله وقدره قد تكون سبباً لتكفير السيئات والفوز بالجنة والنجاة من النار. وقد قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.
ومما يدل على أهمية التحذير من البدع أن رسول الله ﷺ أخبر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. والمراد بالجماعة أهل السنة المتمسكون بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. وقد جاء وصف الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵁. رواه الترمذي ومحمد بن نصر المروزي وابن وضاح والحاكم والآجري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الطبراني في الصغير نحوه عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً. وروى الطبراني أيضاً والآجري نحو ذلك عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃. وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه﴾ قال: «تبيضّ وجوه أهل السنة والجماعة وتسودّ وجوه أهل البدعة والضلالة» وقد ذكر هذا الأثر البغوي وابن الجوزي والقرطبي وابن كثير في تفاسيرهم. وذكره غيرهم من المفسرين, وله حكم المرفوع لأنه فيه إخباراً عن أمر من أمور الآخرة وذلك لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف. وفيه دليل على شؤم
стр. 33
البدع وسوء عاقبتها. وحيث كانت البدع بهذه المثابة فالتحذير منها أهم من التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة, وإذا حصل الجمع بين التحذير من البدع وبين التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة وحث الأغنياء على الصدقة وبذل المعونة للمحتاجين من المسلمين فهو حسن جداً. وقد فعل ذلك خطباء المسجد الحرام وفعله غيرهم من الخطباء.
وأما قوله أيها الناس ارحمونا من هذا الكلام الممل من كثرة التكرار وعظونا وبصرونا بالمفاسد والمحرمات الحقيقية وانفذوا بكلامكم إلى أعماق نفوسنا بالحكمة والموعظة الحسنة واتركوا الكلام عن الموائد والمآتم إلا عما هو محرم فيها قطعاً لا مجال فيه للتأويل.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال من أعظم الرحمة بالناس نهيهم عن البدع التي تفتك بالدين وتكون ضرراً على أصحابها في الدار الآخرة, وهي مع ذلك تزاحم السنن التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وتكون سبباً في رفعها والحلول في محلها.
ومن هذه البدع إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي. فأما إقامة الولائم في المآتم فهو من النياحة بإجماع الصحابة ﵃. وما كان عن النياحة فهو محرم قطعاً ولا مجال فيه للتأويل, وأما الاحتفال بالمولد النبوي فهو من الزيادة على الأعياد المشروعة للمسلمين. والزيادة على ما شرعه الله ورسوله ﷺ محرمة قطعاً ولا مجال في ذلك للتأويل لأن الله تعالى يقول: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ فهذه الآية الكريمة شاملة لجميع المحدثات التي شرعها الشيطان وأولياؤه للجهال. ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي لأن كلاً منهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم تكن من سنة
стр. 34
رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن يقال إن أرحم الناس بالناس عامة وبالمؤمنين خاصة رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وكان ﷺ مع اتصافه بالرحمة للمؤمنين يكثر تكرار التحذير من المحدثات في خطبه ويصفها بالشر والضلالة ويقول إنها في النار كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي تقدم ذكره. ويظهر من سياقه أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك في كل جمعة. وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي تقدم ذكره. ونحوه في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره. وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويعملون بسنته في تكرار التحذير من المحدثات وإنما اللوم على من لامهم في ذلك وضجر من نصيحتهم للمسلمين وتحذيرهم مما يضرهم في دينهم ويكون وبالاً عليهم في الدار الآخرة.
الوجه الثالث: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أعظم الناس تمسكاً بالسنة واتباعاً لهدي رسول الله ﷺ . ولم يذكر عن أحد منهم أنه كان يملّ من كثرة تكرار النبي ﷺ للتحذير من المحدثات في خطبه. وخير الأمور ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ومن رغب
стр. 35
عما كان عليه الصحابة ﵃ من الإصغاء إلى النصيحة والتحذير من المحدثات وعدم الملل من كثرة التكرار لذلك فلا خير فيه.
الوجه الرابع: أن يقال من أعظم المفاسد والمحرمات الحقيقية إظهار البدع بين المسلمين لأن إظهارها يدعو العوام إلى قبولها والافتتان بها وذلك من أعظم ما يفتك بالدين. وأعظم من ذلك مفسدة وفتكاً في الدين تحسين البدع للعوام والذب عنها بالكتابة في الصحف والكتب التي لا خير فيها. ولا يخفى ما في هذا الفعل الذميم من معارضة أقوال رسول الله ﷺ في التحذير من البدع والمبالغة في ذمها والأمر بردها. من هذا الباب بدعة الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إقامة الولائم في المآتم. فقد افتتن بهما كثير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام. وافتتن بهما أيضاً كثير من الكتّاب والأدعياء في العلم ومن لا بصيرة لهم في الدين وبذلوا جهدهم في تحسين هاتين البدعتين والذب عنهما ومعارضة من ينهى عنهما ويحذّر منهما. وهذا من الدعاء إلى الضلالة. ومن كان سبباً في إضلال الناس فله نصيب من أوزار الذين يضلون بسببه لقول الله تعالى: ﴿ليحلموا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الخامس: أن يقال إن رسول الله ﷺ كان أعظم الداعين إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان يكثر أن يقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي
стр. 36
محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وكان يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وفي هذين الحديثين دليل على أن التحذير من البدع والمبالغة في ذمها من أعظم الحكمة وأبلغ الموعظة الحسنة, وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويتمسكون بسنته وهديه, وإنما اللوم على من لامهم واعترض عليهم وطلب منهم أن يأتوا بحكمة وموعظة ليست من الحكم والمواعظ المأثورة عن النبي ﷺ .
الوجه السادس: أن يقال إن النهي عن موائد المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واجب من واجبات الشرع لأنهما من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن رسول الله ﷺ وكلها في النار كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي تقدم ذكره في أول الكتاب, وما كان بهذه المثابة فهو من المنكرات التي يجب النهي عنها عملاً بما أمر الله به في كتابه وأمر به رسوله ﷺ , فأما ترك الكلام عن الموائد في المآتم الذي قد دعا إليه صاحب المقال الباطل فهو في الحقيقة من المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر ولا يجوز فعل ذلك ولا الدعاء إليه لأن الله تعالى قد لعن بني إسرائيل وذمهم على المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا كانوا يعتدون, كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وإنما قص الله علينا ما فعله بنو إسرائيل من ترك التناهي عن المنكر وأنه لعنهم على ذلك وذمهم على المداهنة لنعتبر بذلك ولا نفعل كما فعلوا فيصيبنا
стр. 37
مثل ما أصابهم, والسعيد من وعظ بغيره, والشقي من كان عبرة وعظة للناس.
وأما قوله: فقد كان من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون تركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام.
فجوابه: أن يقال لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة التي يكذبها الواقع, فإن كان الكاتب قد أراد المسجد الحرام وأن المصلين فيه قد نهضوا وتركوا المسجد الحرام رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم فهذا لا يقوله إلا إنسان قد فقد شعوره, وإن كان قد أراد غيره من المساجد فوقوع ذلك بعيد جداً, بل يبعد أن يقع ذلك من جزء قليل من المصلين فضلاً عن الجميع, ولو وقع نهوض المصلين من بعض المساجد أو نهوض بعضهم منها وتركهم الصلاة فيها رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم لكان لذلك نبأ عند الناس ولسارع أهل الصحف إلى ذكره, وفي انفراد الكاتب بذكر ذلك دليل على أنه لا صحة لهذه الخبر. فأما وقوع ذلك من أفراد قليلين من المفتونين بإقامة المآدب في المآتم فهو غير مستبعد ولكن لا عبرة بأفعال الجهال والمفتونين بالبدع.
وقد ورد التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان وذلك فيما رواه مسلم عن أبي الشعثاء - واسمه سليم بن أسود - قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فاتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » وفي رواية له عن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال:
стр. 38
«أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن بنحوه وقال الترمذي حديث حسن صحيح, وزاد أحمد في رواية له من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي: في رواية شريك التي روى أحمد فائدة جليلة وهي التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي, من فعل كذا فقد عصى الرسول ونحو ذلك مما اختلف في أنه مرفوع أو موقوف والصحيح الراجح أنه مرفوع انتهى. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث بقوله: «التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان» قال الترمذي وفي الباب عن عثمان, قلت حديث عثمان ﵁ قد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد ضعيف ولفظه, قال رسول الله ﷺ : «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق» وروى مالك في الموطأ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: «يقال لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق».
قال ابن عبد البر هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفاً وقد صح مرفوعاً عن أبي هريرة برجال الصحيح, وروى الدارمي في سننه عن أبي المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن رسول الله ﷺ قال: «لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد» فقال: إن أصحابي بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وهذا مرسل صحيح
стр. 39
الإسناد إلى سعيد بن المسيب وهو يؤيد حديث عثمان ﵁ ويشهد له.
قال الترمذي: في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه عنه أبو الشعثاء, وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه انتهى وقال النووي في شرح مسلم: فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر انتهى وقال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي: في: «عون المعبود» قال الحافظ: وفيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان, وهذا محمول على من خرج بغير ضرورة وأما إذا كان الخروج من المسجد للضرورة فهو جائز وذلك مثل أن يكون محدثاً أو جنباً أو كان حاقناً أو حصل به رعاف أو نحو ذلك أو كان إماماً بمسجد آخر انتهى.
وإذا علم ما تقدم ذكره من التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان إلا من حاجة وضرورة فليعلم أيضاً أن الله تعالى قد ذم الذين يعرضون عن سماع المواعظ والتذكير وشبههم بالحمر التي قد فرت من الصيادين أو من الأسد فقال تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين, كأنهم حمرٌ, مستنفرة, فرت من قسورة﴾ فليحذر العاقل الناصح لنفسه أن يكون من هؤلاء المذمومين أو أن يتشبه بهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره, وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
стр. 40
فصل
وإذا عُلِم أن الصحابة ﵃ كانوا يَعُدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعُلِم أيضاً أن النياحة من أمر الجاهلية كما هو منصوص عليه في حديث أبي مالك الأشعري الذي تقدم ذكره, وعُلِم أيضاً ما تقدم عن أبي البختري أنه قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية, وما تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال إنه من أمر الجاهلية وعملهم, فليُعْلم أنه لا يجوز التشبه بأهل الجاهلية ولا العمل بشيء من أمورهم وسننهم لقول النبي ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, رواه الحاكم في مستدركه من حديث محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً, ولفظه «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك».
وقد ورد التشديد في التشبه بأهل الجاهلية وغيرهم من أعداء الله تعالى والتشديد في ابتغاء سنة الجاهلية في الإسلام, فأما التشديد في التشبه بهم فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. قال شيخ الإسلام وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث, قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ انتهى.
следующие страницы →