← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17326

الرد على الكاتب المفتون

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وكان يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وفي هذين الحديثين دليل على أن التحذير من البدع والمبالغة في ذمها من أعظم الحكمة وأبلغ الموعظة الحسنة, وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويتمسكون بسنته وهديه, وإنما اللوم على من لامهم واعترض عليهم وطلب منهم أن يأتوا بحكمة وموعظة ليست من الحكم والمواعظ المأثورة عن النبي ﷺ . الوجه السادس: أن يقال إن النهي عن موائد المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واجب من واجبات الشرع لأنهما من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن رسول الله ﷺ وكلها في النار كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي تقدم ذكره في أول الكتاب, وما كان بهذه المثابة فهو من المنكرات التي يجب النهي عنها عملاً بما أمر الله به في كتابه وأمر به رسوله ﷺ , فأما ترك الكلام عن الموائد في المآتم الذي قد دعا إليه صاحب المقال الباطل فهو في الحقيقة من المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر ولا يجوز فعل ذلك ولا الدعاء إليه لأن الله تعالى قد لعن بني إسرائيل وذمهم على المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا كانوا يعتدون, كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وإنما قص الله علينا ما فعله بنو إسرائيل من ترك التناهي عن المنكر وأنه لعنهم على ذلك وذمهم على المداهنة لنعتبر بذلك ولا نفعل كما فعلوا فيصيبنا

стр. 37

مثل ما أصابهم, والسعيد من وعظ بغيره, والشقي من كان عبرة وعظة للناس. وأما قوله: فقد كان من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون تركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام. فجوابه: أن يقال لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة التي يكذبها الواقع, فإن كان الكاتب قد أراد المسجد الحرام وأن المصلين فيه قد نهضوا وتركوا المسجد الحرام رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم فهذا لا يقوله إلا إنسان قد فقد شعوره, وإن كان قد أراد غيره من المساجد فوقوع ذلك بعيد جداً, بل يبعد أن يقع ذلك من جزء قليل من المصلين فضلاً عن الجميع, ولو وقع نهوض المصلين من بعض المساجد أو نهوض بعضهم منها وتركهم الصلاة فيها رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم لكان لذلك نبأ عند الناس ولسارع أهل الصحف إلى ذكره, وفي انفراد الكاتب بذكر ذلك دليل على أنه لا صحة لهذه الخبر. فأما وقوع ذلك من أفراد قليلين من المفتونين بإقامة المآدب في المآتم فهو غير مستبعد ولكن لا عبرة بأفعال الجهال والمفتونين بالبدع. وقد ورد التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان وذلك فيما رواه مسلم عن أبي الشعثاء - واسمه سليم بن أسود - قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فاتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » وفي رواية له عن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال:

стр. 38

«أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن بنحوه وقال الترمذي حديث حسن صحيح, وزاد أحمد في رواية له من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي: في رواية شريك التي روى أحمد فائدة جليلة وهي التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي, من فعل كذا فقد عصى الرسول ونحو ذلك مما اختلف في أنه مرفوع أو موقوف والصحيح الراجح أنه مرفوع انتهى. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث بقوله: «التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان» قال الترمذي وفي الباب عن عثمان, قلت حديث عثمان ﵁ قد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد ضعيف ولفظه, قال رسول الله ﷺ : «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق» وروى مالك في الموطأ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: «يقال لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق». قال ابن عبد البر هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفاً وقد صح مرفوعاً عن أبي هريرة برجال الصحيح, وروى الدارمي في سننه عن أبي المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن رسول الله ﷺ قال: «لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد» فقال: إن أصحابي بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وهذا مرسل صحيح

стр. 39

الإسناد إلى سعيد بن المسيب وهو يؤيد حديث عثمان ﵁ ويشهد له. قال الترمذي: في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه عنه أبو الشعثاء, وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه انتهى وقال النووي في شرح مسلم: فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر انتهى وقال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي: في: «عون المعبود» قال الحافظ: وفيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان, وهذا محمول على من خرج بغير ضرورة وأما إذا كان الخروج من المسجد للضرورة فهو جائز وذلك مثل أن يكون محدثاً أو جنباً أو كان حاقناً أو حصل به رعاف أو نحو ذلك أو كان إماماً بمسجد آخر انتهى. وإذا علم ما تقدم ذكره من التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان إلا من حاجة وضرورة فليعلم أيضاً أن الله تعالى قد ذم الذين يعرضون عن سماع المواعظ والتذكير وشبههم بالحمر التي قد فرت من الصيادين أو من الأسد فقال تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين, كأنهم حمرٌ, مستنفرة, فرت من قسورة﴾ فليحذر العاقل الناصح لنفسه أن يكون من هؤلاء المذمومين أو أن يتشبه بهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره, وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا».

стр. 40

فصل وإذا عُلِم أن الصحابة ﵃ كانوا يَعُدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعُلِم أيضاً أن النياحة من أمر الجاهلية كما هو منصوص عليه في حديث أبي مالك الأشعري الذي تقدم ذكره, وعُلِم أيضاً ما تقدم عن أبي البختري أنه قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية, وما تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال إنه من أمر الجاهلية وعملهم, فليُعْلم أنه لا يجوز التشبه بأهل الجاهلية ولا العمل بشيء من أمورهم وسننهم لقول النبي ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, رواه الحاكم في مستدركه من حديث محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً, ولفظه «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك». وقد ورد التشديد في التشبه بأهل الجاهلية وغيرهم من أعداء الله تعالى والتشديد في ابتغاء سنة الجاهلية في الإسلام, فأما التشديد في التشبه بهم فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. قال شيخ الإسلام وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث, قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ انتهى.

стр. 41

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى. وأما التشديد في ابتغاء سنة الجاهلية في الإسلام فقد رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه». قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة. وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا, فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق, ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر, وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل, ونوع يتعلق بمحل العمل فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية, وأما المتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم لأن أعظم محال العمل هو الحرم, وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني - إلى أن قال -: والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية, فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث, والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها, فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة, قال تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض﴾ وقال النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» والاتباع هو الاقتفاء والاستنان, فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية,

стр. 42

وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم انتهى. وفي حديث ابن عباس ﵄ أبلغ رد على الكاتب الذي أجاز إقامة الولائم في المآتم وجد واجتهد في الدفاع عن هذه البدعة والاعتراض على الخطباء الذين ينهون عنها ويبينون للناس أنها مخالفة لهدي رسول الله ﷺ وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان, ويبينون للناس أيضاً أن هذه البدعة من النياحة وأمور الجاهلية, وفي الحديث أيضاً دليل على أن إقامة الولائم في المآتم بغيض إلى الله تعالى لأنه من سنن الجاهلية, ومن عمل بهذه السنة الجاهلية فهو من أبغض الناس إلى الله تعالى, فينبغي لصاحب المقال أن ينتبه من غفلته ويراجع الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل, والرجوع إلى الحق نُبْلٌ وفضيلة, وأما التمادي في الباطل فإنه نقص ورذيلة ﴿ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ١٦/ ٥/ ١٤٠٥ هـ.

стр. 43

«القسم الثاني»

стр. 44

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد المصطفى, وعلى آله وأصحابه أهل الصدق والوفاء, وعلى من تبعهم بإحسان ولطريقهم اقتفى. أما بعد فإني بعد كتابة الرد على المقال الباطل المنشور في عدد ٧٨٤٥ من جريدة الندوة وقفت على كلام للمردود عليه يؤيد به كلامه الأول في الذب عن بدعة الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إقامة الولائم في المآتم. ويرد على أحد العلماء الناصحين الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحذرون الناس من البدع والمخالفات ويبينون لهم الحق الذي يجب الأخذ به, وقد صدّر الكاتب مقاله الأخير بقول الله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾. ولم يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بالحمد لله, فكان لذلك مقاله أبتر أجذم أقطع, وهذه الأوصاف الذميمة هي اللائقة بالمقال الذي ينصر صاحبه البدع والمحدثات ويجادل بالباطل في تقريرها والذب عنها. وقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمر ذي بالٍ لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع» ورواه أبو داود ولفظه «كل كلام لا يبدأ فيه

стр. 45

بالحمد لله فهو أجذم» ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع» ورواه ابن ماجه بنحوه. قال السندي: الحديث قد حسنه ابن الصلاح والنووي, وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله أجذم أو أقطع» قال الخطابي قوله: «أجذم» معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام فيه انتهى. وأما الآية التي صدّر بها الكاتب مقاله الباطل فإنما هي واردة في الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى لا تخلق ولا ترزق ولا تملك لعابديها نفعاً ولا ضراً, وما جاء من الآيات في تقريع المشركين والرد عليهم فإنه لا ينبغي إيراده في الرد على آحاد المسلمين فضلاً عن العلماء الناصحين الذين لا يألون جهداً في الدعوة إلى الله تعالى والتحذير مما يدعو إلى سخطه وأليم عقابه, فالرد على هؤلاء بالآية النازلة في تقريع المشركين والرد عليهم وتحديهم خطأ وسوء أدب. وبعد فإن البراهين على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً كثيرة في الكتاب والسنة, وأنا أذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى. البرهان الأول: قول الله تعالى في أول سورة الأعراف: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب من رب كل شيء ومليكه ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره انتهى. وإذا علم أن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم

стр. 46

عن اتباع الأولياء من دونه فليعلم أيضاً أن إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا هاتين البدعتين فيجب المنع منهما عملاً بالآية الكريمة. وفي الآية أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من ادعى جواز العمل بهاتين البدعتين وغيرهما من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ . البرهان الثاني: قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي مهما أمركم به فافعلوا ومهما نهاكم عنه فاجتنبوا فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر انتهى. وقال البغوي: هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه انتهى. ولم يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته بإقامة الولائم في المآتم ولا باتخاذ ليلة المولد عيداً, فكان العمل بهاتين البدعتين من قبيل المحدثات التي كان النبي ﷺ ينهى عنها ويبالغ في التحذير منها, وعلى هذا ففي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أضرابه من أنصار البدع. البرهان الثالث: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته, فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قُبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان انتهى.

стр. 47

وفي الآية الكريمة تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ , وسواء كان ذلك بزيادة على الأمر المشروع أو بنقص منه, ومن هذا الباب ما أحدثه الجهال من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً, فكل من هاتين البدعتين داخل فيما حذّر الله منه في الآية الكريمة لأن النبي ﷺ لم يفعلها ولم يأمر بهما ولم يأذن فيهما ولم يقر أحداً على فعلهما فكانتا من قبيل ما أمر النبي ﷺ برده حيث يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من المخالفين للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ . البرهان الرابع: أن الله تعالى أمر عباده بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة من القرآن وحثهم على اتباعه فقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وقال تعالى في سورة الأعراف ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون, قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾. فأما الآية من سورة آل عمران فقد علق الله ﵎ فيها محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم على اتباع رسوله محمد ﷺ وذلك لا يحصل إلا بالتمسك بسنته واجتناب ما نهى عنه وترك ما أحدثه المبتدعون من بعده, وأما الآية الأولى من سورة الأعراف فقد علق ﵎ فيها الفلاح - وهو الفوز بالجنة -

стр. 48

على الإيمان بالرسول ﷺ وتعزيزه ونصره واتباع النور الذي أنزل معه وهو القرآن العظيم, وتعزيزه ﷺ هو توقيره وتعظيمه, وإنما كون ذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين واجتناب ما أحدثه أهل البدع والضلالة من أنواع المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ . وأما الآية الثانية من سورة الأعراف فقد أمر الله ﵎ فيها بالإيمان به وبرسوله ﷺ وعلق الهداية على اتباع الرسول ﷺ ففيها وفي الآيتين قبلها أوضح دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأنهما من المحدثات وليسا من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ فلهذا كان العمل بهما خارجاً عن اتباع الرسول ﷺ . وكل ما خرج عن اتباع الرسول ﷺ فهو ضلالة كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وفي الآيات الثلاث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بإقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن كلاً من هاتين البدعتين خارج عن اتباع رسول الله ﷺ وداخل فيما حذر منه من محدثات الأمور. البرهان الخامس: قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على كل من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه. وعلى الذين يعملون بالبدع ويجعلون منها سنناً وأعياداً يضاهئون بها السنن والأعياد المشروعة للمسلمين وعلى المفتونين الذين يؤيدون العمل

стр. 49

بالبدع ويعارضون العلماء الناصحين الذين ينهون عنها ويحذرون منها. ومن هذه البدع إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً في كل عام. فقد افتتن كثير من الجهال بهاتين البدعتين واتخذوا كلاً منهما سنة يحافظون عليها أعظم مما يحافظون على الفرائض والسنن المأثورة عن النبي ﷺ . وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة» وذكر بقيته بمثل ما تقدم انتهى. وفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بإقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً واستحسان هاتين البدعتين. ولا شك أن هذا من الاستدراك على الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم وأتم عليهم النعمة به, وما أعظم ذلك وأشد خطره. وبالجملة فإن الآية من سورة المائدة تقضي على البدع كلها وترد على من تعلق بها أو بشيء منها, وعلى من أفتى بجوازها أو جواز شيء منها, وعلى من استحسن شيئاً من البدع وزعم أنها نافعة ومفيدة, وقد قال الشاطبي في كتاب: «الاعتصام» إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بَعْدُ فلا يكون لقوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ معنى يعتبر به عندهم انتهى.

стр. 50

ويلزم على استحسان إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لوازم سيئة جداً, أحدها مضاهاة السنن المشروعة للمسلمين بالبدع والمحدثات التي كان رسول الله ﷺ يحذر منها ويصفها بالشر والضلالة. الثاني: الاستدراك على الشريعة الكاملة وذلك بالتقرب إلى الله تعالى بعملين ليسا من الشريعة المحمدية وجعلهما بمنزلة الأعمال التي ورد الترغيب فيها والحث عليهما في الشرع المطهر. الثالث: تكذيب ما أخبر الله به من إكمال الدين وإتمام النعمة, وهذا التكذيب وإن لم يكن واقعاً بلسان المقال من المفتونين ببدعتي المآتم والمولد فهو واقع منهم بلسان الحال كما تشهد بذلك أعمالهم في كل من البدعتين ومحافظتهم عليهما كما يحافظ أهل السنة والجماعة على السنن وفضائل الأعمال. الرابع: أن يكون النبي ﷺ وأصحابه قد تركوا العمل ببعض الأمور المستحبة النافعة المفيدة, وهذا مما يجب تنزيه النبي ﷺ وأصحابه عنه, إذ لو كان في إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً أدنى شيء من الخير لكانوا أسبق إليه من غيرهم. الخامس: أن يكون العاملون ببدعتي المأتم والمولد قد حصل لهم من الخير والأعمال النافعة ما لم يحصل مثله للنبي ﷺ وأصحابه ﵃, وهذا لا يقوله مسلم. البرهان السادس: أن الله تعالى ذم الذين يعملون بالمحدثات التي لم يأذن الله بها ووصفهم بالظلم وتوعدهم بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿أم

стр. 51

لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ وهذه الآية وإن كانت نازلة في توبيخ المشركين على العمل بالدين الذي لم يأذن الله به فهي تتناول بعمومها من تشبه بهم من المسلمين الذين يعملون بالمحدثات التي لم يأذن الله بها, ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن الله تعالى لم يأذن بهاتين البدعتين لا في كتابه ولا على لسان رسوله محمد ﷺ , وما لم يأذن الله به فهو مردود والعاملون به متعرضون للوعيد الشديد. وفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بما لم يأذن الله به من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً. البرهان السابع: أن الله تعالى ذم الذين يقلدون آباءهم ويتبعون ما وجدوهم عليه من الدين الذي لم يأذن الله به فقال تعالى: ﴿بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون, وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ والمراد بالأمة ههنا الدين, وما جاء في الآيتين من ذم المشركين على تقليدهم لآبائهم واتباع ما وجدوهم عليه من الدين الذي لم يأذن الله به فهو متناول بعمومه لكل من تشبه بهم من المسلمين الذين يعملون بالمحدثات التي وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها, ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً. وفي الآيتين أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من الذين يعملون بالمحدثات التي وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها, وإذا نهوا عن تقليد الآباء والشيوخ فيما لم يأذن به الله غضبوا وجدوا

стр. 52

واجتهدوا في معارضة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وهؤلاء يخشى عليهم أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾. البرهان الثامن: قول الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ما ملخصه, اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف, في تفسير الصراط وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول, فروي أنه كتاب الله, وقيل هو الإسلام, وقيل الحق, وقيل هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده, قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم, فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً. ثم ذكر ما رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ انتهى. وأما السبل فهي الطرق الخارجة عن الصراط المستقيم مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأهواء والنحل المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وقد روى ابن جرير عن أبان بن عثمان أن رجلاً قال لابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: «تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثَمَّ رجال يدعون من مَرَّ بهم فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط

стр. 53

انتهى به إلى الجنة, ثم قرأ ابن مسعود ﵁ ﴿وإن هذا صراطي مستقيماً﴾» الآية. وروى الإمام أحمد وابن جرير وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطً ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾» وفي رواية لأحمد أنه قال: «هذه سبل متفرقة». وروى الإمام أحمد أيضاً وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ نحو حديث ابن مسعود ﵁. قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ يقول لا تتبعوا الضلالات, رواه ابن جرير, وروى أيضاً عن مجاهد أنه قال في قوله ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ قال: البدع والشبهات. وإذا علم أن الصراط المستقيم هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأن البدع كلها من السبل التي نهى الله عن اتباعها فليعلم أيضاً أن كلاً من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً داخل في عموم ما نهى الله عنه في الآية الكريمة لأن هاتين البدعتين ليستا من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه, فهما إذاً من السبل التي نهى الله عن اتباعها ومن المحدثات التي حذر النبي ﷺ منها وأمر بردها, وسيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ إن شاء الله تعالى.

стр. 54

وفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الذي قد بذل جهده في تأييد بدعتي المأتم والمولد والدفاع عنهما. البرهان التاسع: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق, وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولهذا قال تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إن كنت تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خيرا ﴿وأحسن تأويلاً﴾ أي أحسن عاقبة ومآلاً كما قاله السدي وغير واحد انتهى. وقال البغوي في تفسيره قوله : ﴿فإن تنازعتم﴾ أي اختلفتم ﴿في شيء﴾ من أمر دينكم, والتنازع اختلاف الآراء ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حياً وبعد وفاته إلى سنته, والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.

стр. 55

وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ قال: إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول إلى سنة نبيه, وروى أيضاً عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك. وإذا عرض المسلم الخالي من اتباع الهوى إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وجد كلاً من هاتين البدعتين مخالفاً للكتاب والسنة, فأما مخالفتهما للكتاب فإن الله تعالى قد أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم عن اتباعهم الأولياء من دونه فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ الآية, وليست بدعة المأتم وبدعة المولد مما أنزله الله في كتابه وإنما هما من المحدثات بعد القرون الثلاثة المفضلة فيكون النهي في الآية الكريمة شاملاً لهما, وقد تقدم بيان ذلك في البرهان الأول, وجميع البراهين التي تقدم ذكرها تدل على أنهما داخلتان في عموم ما نهى الله عن اتباعه. وأما مخالفتهما للسنة فإن رسول الله ﷺ قد أمر أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير منها وأخبرهم أنها شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وأمرهم برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وكلٌّ من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً داخل فيما حذر النبي ﷺ منه وأمر برده ومن توقف في هذا فلا يخلو من أحد أمرين, إما الجهل بدخول بدعتي المأتم والمولد في عمومات الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها, وإما المكابرة في رد الأحاديث الواردة في ذم البدع والتحذير منها من أجل

стр. 56

مخالفتها لهوى المكابرين وما وجدوا عليه آباءهم وشيوخهم, وما أشد الخطر في كلّ من الأمرين, وما أكثر أهل الجهل والمكابرة والعناد والجدال بالباطل في زماننا, هدانا الله وإياهم سواء السبيل. وفي الآية من سورة النساء أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من تعلق بشيء من المحدثات. البرهان العاشر: قول الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ الآية, وهذه الآية الكريمة شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب رد الأشياء المختلف فيها إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ , قال ابن كثير في الكلام على قوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ أي مهما اختلفتم فيه من الأمور, وهذا عام في جميع الأشياء ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ كقوله جل وعلا ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ انتهى. وفي الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات, والحكم في جميع المحدثات المنع لقول الله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ ولقول النبي ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾. وفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من تعلق بشيء من البدع. البرهان الحادي عشر: قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم

стр. 57

حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ فأقسم ﵎ بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ﷺ في جميع الأمور ويقابل حكمه بالرضى والتسليم والانقياد ظاهراً وباطناً بحيث لا يجد في نفسه حرجاً من حكمه, وقد حكم رسول الله ﷺ برد المحدثات ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار. ومن المحدثات إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً فهما بلا شك داخلتان فيما أمر النبي ﷺ برده ووصفه بالشر والضلالة وأخبر أنه في النار. وفي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بالبدع. البرهان الثاني عشر: قول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ وهذه الآية الكريمة شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب تحكيم الكتاب والسنة في جميع الأمور والأخذ بما جاء فيهما وأنه لا يجوز الخروج عما قضاه الله ورسوله ﷺ وأن من اختار في شيء من أموره ما فيه مخالفة لما قضاه الله ورسوله فقد عصى الله ورسوله وضل ضلالاً مبيناً. قال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية عامة في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ انتهى.

стр. 58

وفي الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات المخالفة لما قضاه الله في كتابه وما قضاه رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه, فأما قضاء الله تعالى فهو مذكور في البراهين التي تقدم ذكرها وفيما سيأتي من البراهين, وأما قضاء رسول الله ﷺ فسيأتي ذكره في البرهان السادس عشر وما بعده من البراهين إن شاء الله تعالى. وفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد المجتهدين في الذب عنهما والجدال في تقريرهما بالباطل. البرهان الثالث عشر: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ وهذه الآية شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب تحكيم الكتاب والسنة في جميع الأمور ومقابلة ما جاء فيهما من الأوامر والنواهي بالسمع والطاعة وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. وفي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم يأمر بها رسول الله ﷺ ولم تكن من فعله ولا من فعل أصحابه ﵃, وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما نهى الله عنه في قوله: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ وداخل في عموم قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وداخل في قول النبي ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وفي قوله أيضاً:

стр. 59

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فهذا من حكم الله وحكم رسوله الذي أمر ﵎ أن يقابل بالسمع والطاعة. وفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من أعرض عما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ولم يذعن لحكم الكتاب والسنة. البرهان الرابع عشر: أن الله تعالى أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ في نحو من ثلاثين آية من القرآن, ونهى عن معصيته ومعصية رسوله ﷺ في آيات كثيرة أيضاً, ومن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ الأخذ بما أمر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ . وفي كل آية من الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم تكن من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وكذلك الآيات التي جاء فيها النهي عن معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ فكل آية منها تدل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات في الإسلام لأن الله تعالى قد أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه فدخل في عموم الآية الكريمة كل بدعة أحدثت في الإسلام ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً. ولأن النبي ﷺ قد حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وبالغ في التحذير منها وأمر بردها بدون استثناء شيء منها فدخل في عموم الأحاديث الواردة في ذلك كل بدعة

стр. 60

أحدثت في الإسلام ومنه إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً وهذا واضح لا يخفى إلا على بليد ولا يرده إلا مكابر قد أعماه اتباع الهوى والتعصب للمحدثات التي وجد آباءه وشيوخه يعملون بها. وفي كل آية من الآيات التي تقدمت الإشارة إليها أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المتعصبين لبدعتي المأتم والمولد. البرهان الخامس عشر: قول الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ وفي هذه الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي ليس عليها أمر رسول الله ﷺ ولم يكن العمل بهما من سبيل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان, وإنما أحدث الجاهلون العمل بهما بعد القرون الثلاثة المفضلة بعدة قرون, وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات وبالغ في التحذير منها وأمر بردها كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , وما كان بهذه المثابة فالعمل به من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وفي الآية أيضاً أبلغ رد على الذين يعملون بالبدع ويتعصبون لها ويجادلون بالباطل في تقريرها والدفاع عنها. ولا شك أن هذه الأعمال السيئة من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين, ومن شاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين فهو على خطر عظيم لأن الله تعالى قد توعد فاعل ذلك بأن يوليه ما تولى وأن يصليه جهنم, فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من التعرض لهذا الوعيد الشديد, وليحرص كل الحرص على متابعة الرسول ﷺ والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين والعض

стр. 61

عليها بالنواجذ ولزوم الأمر الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنهم كانوا أسبق الأمة إلى كل خير, وأبعدهم عن المخالفة لهدي رسول الله ﷺ . ولو كان في إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً أدنى شيء من الخير لكان الصحابة أسبق إليه من جهلة المتأخرين, ولكنه كان شراً محضاً فعصمهم الله منه. وقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزهد» عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول» وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب «السنة» عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول» وروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر عنه ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة» وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة» وقد روى ابن عبد البر ورزين العبدي نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁. وقد جاء التحذير من مشاقة الله ورسوله ﷺ ومحادتهما في آيات كثيرة من القرآن, وفي كل آية من تلك الآيات دليل على المنع من بدعتي المآتم والمولد وغيرهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها, وفي كل آية منها مع الآية التي تقدم ذكرها أبلغ رد على صاحب

стр. 62

المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد المتعصبين للجدال عنهما بالباطل. البرهان السادس عشر: قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي, وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح. وفي هذا الحديث التحذير من المحدثات والنص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة, وفيه أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس, وعلى المنع من اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هما من المحدثات التي أحدثها أهل الجهل والضلالة. وفي الحديث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان السابع عشر قول النبي ﷺ في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله ﵄, وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي

стр. 63

محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار». وفي هذا الحديث النص على أن المحدثات شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار, وفي هذا أبلغ تحذير من قبول البدع والعمل بها, وفي الحديث أيضاً أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس. وعلى المنع من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا مما أمر الله به في كتابه ولا من هدي رسول الله ﷺ وإنما هما من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة وكلها في النار. ومعناه أن العمل بالمحدثات يؤدي بأصحابه إلى النار, ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وسيأتي ذكر هذا الحديث قريباً إن شاء الله تعالى. وفي حديث جابر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان الثامن عشر: ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدي فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد, ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد رواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي وإنما يقال عن توقيف كما قد جاء ذلك في

стр. 64

حديث جابر الذي تقدم ذكره, وتقدم بعضه في حديث العرباض بن سارية ﵁. وفي هذا الحديث أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس, وعلى المنع من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا مما جاء في كلام الله وليستا من هدي رسول الله ﷺ وإنما هما من المحدثات التي هي شر وضلالة, وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان التاسع عشر: قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» قال النووي في شرح مسلم قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به, قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه, ثم ذكر قول النووي إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال: وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي

стр. 65

يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى. وفي الحديث أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ . وما كان بهذه المثابة فإنه يجب رده عملاً بأمر النبي ﷺ بذلك. وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان العشرون: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال النووي في كتاب: «الأربعين» له حديث صحيح رويناه في كتاب «الحجة» بإسناد صحيح. قال الحافظ ابن رجب في كتابه: «جامع العلوم والحكم» يريد بصاحب كتاب «الحجة» الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي. قال: وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب «الأربعين» وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم, ثم خرجه عن الطبراني, قال ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الأصبهاني انتهى. قال النووي في الكلام على هذا الحديث يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى انتهى.

стр. 66

وفي هذا الحديث أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي لا مستند لها من كتاب ولا سنة, وإنما يستند المتفونون بهما على مجرد الأهواء وما تستحسنه عقولهم من الأعمال التي قد وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها. وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان الحادي والعشرون: قول النبي ﷺ : «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁. ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبي الدرداء ﵁ ولفظه «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. وفي هذين الحديثين أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وليستا من المحجة البيضاء التي ترك عليها رسول الله ﷺ أمته. وفي الحديثين أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان الثاني والعشرون: قول النبي ﷺ : «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر ﵁, قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة.

стр. 67

وفي هذا الحديث دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأنه لو كان في هاتين البدعتين شيء من الفضائل التي تقرّب من الجنة وتباعد من النار لبيّن ذلك النبي ﷺ لأمته لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه, ومن استحسن هاتين البدعتين وزعم أن فيهما شيئاً من الفضائل التي تقرب من الجنة وتباعد من النار فإنه يلزم على قوله أن يكون النبي ﷺ قد قصّر في البيان لأمته وكتم عنهم ما فيه خير لهم في معادهم, وهذا قول سوء لا يصدر إلا من إنسان مشكوك فيه إسلامه. وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من استحسن بدعتي المأتم والمولد وزعم أن فيهما فضائل ترجى بركتها ونفعها في الدار الآخرة لأن هذا القول الباطل يتضمن الاستدراك على النبي ﷺ . وليس الاستدراك عليه أمراً هيناً وإنما هو من الأمور المنافية للإيمان لأن الله تعالى يقول: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقد أمر النبي ﷺ أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وأمرهم أن يعضوا عليها بالنواجذ وأخبرهم أن خير الهدي هديه وأن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, وحذرهم من المحدثات وبالغ في التحذير منها وأمر بردها وأخبر أنه لا يؤمن أحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به ﷺ . فهذا من أقضيته التي أمر الله تعالى بتحكيمه فيها وأن لا يكون في النفوس حرج منها وأن تقابل بالقبول والتسليم, وفي كل جملة من هذه الأقضية العظيمة أبلغ رد على الذين

стр. 68

يستدركون على النبي ﷺ باستحسانهم لبدعتي المأتم والمولد وزعمهم أن فيهما فضائل ترجى بركتها ونفعها في الدار الآخرة. البرهان الثالث والعشرون: قول النبي ﷺ : «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي ومحمد بن وضاح ومحمد بن نصر والحاكم والآجري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي حديث حسن غريب, وروى الطبراني في الصغير نحوه من حديث أنس ﵁. وروى الطبراني أيضاً والآجري عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم» قالوا: يا رسول الله ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ : «من كان على ما أنا

стр. 69

عليه وأصحابي» وهذا الحديث ضعيف الإسناد ولكنه يتقوى بما تقدم قبله من حديثي عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ﵄. وتفسير السواد الأعظم في هذا الحديث بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ يدفع ما قد يتوهمه بعض الناس من أن السواد الأعظم يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم نظراً منهم إلى ظاهر اللفظ. وقد جاء وصف الفرقة الناجية في بعض الأحاديث بأنهم الجماعة وجاء وصفهم في بعضها بأنهم السواد الأعظم, ولفظ الجماعة والسواد الأعظم مجمل وقد بينه ﷺ بقوله: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» فهذا اللفظ المفصل يفسر اللفظ المجمل في غيره ويبين معناه, وقد روى العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء علياً ﵁ عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة فقال: «يا ابن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ , والبدعة ما فارقها, والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلّوا, والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا» وقال عمرو بن ميمون سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة» ثم قال: تدري ما الجماعة قلت: لا قال: «إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة, الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» وفي رواية عنه أنه قال لعمرو بن ميمون: «إن جمهور الناس فارقوا الجماعة وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. رواه البيهقي في كتاب «المدخل» ونقله أبو شامة في كتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وابن القيم في كتاب «الإغاثة». وإذا علم تعيين الفرقة الناجية من هذه الأمة وأنهم الذي كانوا على منهج رسول الله ﷺ وما كان عليه هو وأصحابه ﵃ وأن هذه الفرقة الناجية هم الجماعة والسواد الأعظم وإن كانوا أقل المنتسبين إلى الإسلام, فليعلم أيضاً أن العمل ببدعتي المأتم والمولد خارج عما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأنه من المحدثات التي أحدثت في الإسلام بعد زمان رسول الله ﷺ وزمان أصحابه ﵃ بقرون كثيرة, وما كان كذلك فلا يجوز العمل به بل يجب رده لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي

стр. 70

رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم هذا الحديث فليراجع. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي جاء فيه تعيين الفرقة الناجية من هذه الأمة أبلغ رد على صاحب المقال وعلى أمثاله من المتعصبين للعمل بما لم يعمل به رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. البرهان الرابع والعشرون: قول النبي ﷺ : «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄. وفي هذا الحديث الصحيح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من سنن الجاهلية, والعمل بسنن الجاهلية بغيض إلى الله تعالى, والعامل بسننهم من أبغض الناس إلى الله تعالى. فأما الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس فهو من النياحة كما سيأتي بيان ذلك في حديثي عمر بن الخطاب وجرير بن عبد الله البجلي ﵄, والنياحة من أمور الجاهلية كما سيأتي النص على ذلك في حديث أبي مالك الأشعري ﵁, ويأتي أيضاً قول أبي البختري وسعيد بن جبير في ذلك إن شاء الله تعالى, وأما الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فهو مبني على التشبه بالنصارى فإنهم كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, وقد نهى رسول الله ﷺ عن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين وشدد في ذلك كما سيأتي في حديثي عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃. وفي الحديث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من

стр. 71

المتعصبين لبدعتي المأتم والمولد. وفي تعصبهم لهاتين البدعتين بالباطل دليل على قلة مبالاتهم ببغض الله تعالى لمن يبتغي سنن الجاهلية ويعمل بأعمالهم السيئة. البرهان الخامس والعشرون: قول النبي ﷺ : «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وابن أبن شيبة من حديث ابن عمر ﵄ وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد, وقد ذكر البخاري بعضه في صحيحه معلقاً فقال في: «باب ما قيل في الرماح» من «كتاب الجهاد» ويذكر عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» وروى أبو داود منه قوله: «من تشبه بقوم فهو منهم» وإسناده إسناد أحمد وابن أبي شيبة. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد. قال: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث. قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ وقال أيضاً: قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقاً انتهى. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس مرسلاً أن النبي ﷺ قال: «إن الله بعثني بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل الصحيح يشهد للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄ ويؤيده, وقال سعيد بن منصور في سننه قال إسماعيل بن عياش عن أبي عمير الصوري عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله

стр. 72

بعثني بسيفي بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل يشهد أيضاً للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄. وفي حديث ابن عمر ﵄ دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد من وجهين أحدهما أن الله تعالى جعل الذلة والصغار على من خالف أمر النبي ﷺ . ويدخل في ذلك من خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ومن ذلك العمل بالمحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ , ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً لأن النبي ﷺ قد نهى عن المحدثات على وجه العموم وحذر منها غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها وهذا يشمل بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات في الإسلام, فمن عمل بشيء منها ولم يُبَالِ بنهي النبي ﷺ عنها وتحذيره منها وأمره بردها فله نصيب من الذلة والصغار بقدر مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه. وقد يعجل ذلك للمخالف وقد يؤجل, فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من جميع الأقوال والأعمال التي قد تضره في العاجل أو في الآجل وتكون سبباً لعقوبته في الدنيا والآخرة. الوجه الثاني: أن العمل ببدعتي المأتم والمولد فيه تشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى. وقد تقدم بيان ما فيهما من التشبه بهم في البرهان الرابع والعشرين, وفي حديث ابن عمر ﵄ أبلغ تحذير من التشبه بأعداء الله تعالى, وفيه أيضاً أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أمور أهل الجاهلية وسننهم, وفيه أيضاً

стр. 73

أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان السادس والعشرون: ما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف, قلت وما تقدم من حديث ابن عمر ﵄ وما أرسله طاوس والحسن يشهد له ويقويه ففي كل من هذه الأحاديث التشديد في التشبه بأعداء الله تعالى, ويشهد له أيضاً ما سيأتي في حديث المسور بن مخرمة ﵄. قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع انتهى. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وما حكاه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية من الإجماع على النهي عن التشبه بالكفار أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لما فيهما من التشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى واتباع سننهم وذلك حرام, وقد تقدم تقرير ذلك في البرهان الرابع والعشرين والبرهان الخامس والعشرين. وفي الحديث أيضاً وما ذكر معه من الإجماع أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان السابع والعشرون: قول النبي ﷺ : «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين. رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في

стр. 74

تلخيصه, وقد رواه البيهقي في سننه من طريق الحاكم, ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً. قال: خطب رسول الله ﷺ - فذكر الحديث وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك». وفي هذا الحديث دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وقد قال رسول الله ﷺ : «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد تقدم هذا الحديث في البرهان السادس عشر والبرهانين بعده, والبدع والضلالات كلها مخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي, وما خالف هديه فهو مردود لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقد ذكرت في البرهان الرابع والعشرين أن بدعة المأتم من النياحة, والنياحة من أمر الجاهلية, وأما بدعة المولد فهي مأخوذة من عمل النصارى في مولد المسيح, وما كان من سنن المشركين والنصارى فالعمل به حرام لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد. البرهان الثامن والعشرون: ما ثبت عن النبي ﷺ في عدة أحاديث أنه حصر الأعياد الزمانية في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, فمن هذه الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله - صلى الله

стр. 75

عليه وسلم - قال: في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك» وقد رواه ابن ماجه والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره بنحوه, قال في الزوائد. في إسناده صالح بن الأخضر لينه الجمهور وباقي رجاله ثقات, قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك» رواه الطبراني في الأوسط والصغير, قال الهيثمي: ورجاله ثقات. ولبعضه شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» رواه الإمام أحمد والبخاري في الكنى وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه. وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد إسناده صحيح, والأحاديث التي جاء فيها النص على أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين كثيرة وقد تركت ذكرها خشية الإطالة, وفيما ذكرته ههنا كفاية إن شاء الله تعالى. ومما جاء في عيدي الفطر والأضحى ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منها يوم الأضحى ويوم الفطر» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
следующие страницы →