← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17329

عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (138 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قريباً ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الذي سماه «تأويل مختلف الحديث» أنه قرأ في التوراة «أن الله جل وعز لما خلق السماء والأرض قال نخلق بشراً بصورتنا فخلق آدم من أدمة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة» وذكر أيضاً هذا النص من التوراة في أول كتابه الذي سماه «المعارف» وهذا النص من التوراة مطابق للنص الذي جاء في حديث ابن عمر ﵄ وفيما رواه أبو يونس الدوسي وأبو رافع الصائغ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن» وفي حديث أبي رافع «على صورة وجهه» والذي أنزل التوراة على موسى ﵊ هو الذي أنزل الكتاب والحكمة على محمد ﷺ وأمره أن يبين للناس ما نزل إليهم. قال الله تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [لنجم: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال ابن قتيبة وكذلك حديث ابن عباس ﵄ أن موسى ﷺ ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر وقال: «اشربوا يا حمير» فأوحى الله ﵎ إليه «عمدت إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير» فهذا موافق لما تقدم في حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄ وفيما ذكرته من نص التوراة أبلغ رد على من تأول حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄ بالتأويلات المستكرهة وعلى من عللهما بالتعليلات الواهية. وقد استشهد شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ بقول ابن عباس ﵄ الذي ذكره ابن قتيبة في رده على من علل حديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره. وقرر أن ابن عباس

стр. 37

رضي الله عنهما إنما قاله توقيفاً من النبي ﷺ . وسيأتي كلامه على هذا الأثر في ضمن كلامه المنقول من كتابه المسمى «نقض أساس التقديس» إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: أن أقول قد ذكرت في الوجه الثاني أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر ﵄ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وذكرت أيضاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي أنهما صححاه. وقال ابن حجر في «فتح الباري» أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني بإسناد رجاله ثقات. وعلى هذا فإنه يجب أن يقابل بالقبول والتسليم وأن يمر كما جاء بلا تفسير، وقد تقدم قول الإمام أحمد لا نفسره، ما لنا أن نفسره، كما جاء الحديث. وروى الخلال في «كتاب السنة» عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا أمروها كما جاءت. وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف. وقد رواه الآجري في كتاب «الشريعة» بإسناده عن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي والثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا أمروها كما جاءت بلا تفسير. وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه. ثم روى بإسناده عن الأوزاعي قال كان مكحول والزهري يقولان أمروا هذه الأحاديث كما جاءت، قال وقد روينا عن مالك بن أنس والأوزاعي

стр. 38

وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد في الأحاديث في الصفات أنهم كلهم قالوا أمروها كما جاءت نحو حديث النزول وحديث «أن الله خلق آدم على صورته» وأنه يدخل قدمه في جهنم وما كان مثل هذه الأحاديث. قال أبو عمر بن عبد البر: رواها السلف وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علماً وأوسعهم فهماً وأقلهم تكلفاً، ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر انتهى. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «الفتوى الحموية الكبرى» ما رواه الخلال عن الأوزاعي والوليد بن مسلم مما ذكراه عن الأئمة الذين تقدم ذكرهم وأنهم قالوا في أحاديث الصفات. أمروها كما جاءت بلا كيف، ثم قال فقولهم ﵃ «أمروها كما جاءت» رد على المعطلة، وقولهم «بلا كيف» رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما - إلى أن قال في قولهم، أمروها كما جاءت بلا كيف - إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى. وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج أن يقول بلا كيف. فمن قال إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف. فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف. وأيضاً فقولهم أمروها بلا كيف كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني. فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد. أو

стр. 39

أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة. وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول انتهى. وذكر شيخ الإسلام أيضاً ما رواه أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في «أصول السنة» بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. لأنه قد وصفه بصفة لاشيء. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً، وقوله من غير تفسير. أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات. وذكر الشيخ أيضاً ما رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال في أحاديث الصفات هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحداً يفسرها. قال شيخ الإسلام: وأبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة

стр. 40

والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف. وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحداً من العلماء يفسرها أي تفسير الجهمية انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وما ذكره محمد بن الحسن عن الفقهاء من الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، وقوله أيضاً أنهم لم يصفوا، فالمراد به أنهم لم يكيفوا الصفة. بل أمروا ما جاء في الآيات والأحاديث كما جاء، وهذا هو معنى ما رواه الخلال بإسناده عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق. وروى البيهقي وغيره عن يحيى بن يحيى قال كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به أن يخرج. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا. الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم انتهى. وقال أبو بكر الآجري في كتاب «الشريعة» باب «الإيمان بأن الله

стр. 41

عز وجل خلق آدم على صورته بلا كيف» ثم روى في الباب عدة أحاديث، منها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته». ومنها حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته». ومنها حديث ابن عجلان عن سعيد - يعني المقبري- عن أبي هريرة ﵁ قال: «لا تقل قبح الله وجهك ولا وجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» ورواه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته». ومنها حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن » قال الآجري: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال حدثنا أبو بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها وقال: «تلقتها العلماء بالقبول» تسلم الأخبار كما جاءت. وقال أبو بكر المروذي وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثنا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية فقال

стр. 42

أبو عبد الله: حدثوا بها فقد تلقتها العلماء بالقبول. وقال أبو عبد الله تسلم الأخبار كما جاءت. قال الآجري: سمعت أبا عبد الله الزبيري وقد سئل عن معنى هذا الحديث، فذكر مثل ما قيل فيه ثم قال أبو عبد الله نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت كما جاءت ونؤمن بها إيماناً ولا نقول، كيف؟ ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهي بنا فنقول في ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت انتهى كلام الآجري رحمه الله تعالى. وقد ذكرت في هذا الوجه من أقوال أكابر العلماء المتقدمين ما ينبغي العمل به في آيات الصفات وأحاديث الصفات وهو الإيمان بها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وفيما ذكرته عنهم كفاية لمن كان حريصاً على اتباع السلف الصالح. والأخذ بما كانوا عليه في باب الأسماء والصفات. فصل ومن زلات ابن خزيمة أيضاً نفرته من إثبات خلق آدم على صورة الرحمن وتأويله لحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن». قال ابن خزيمة وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطاً بيناً وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم. قال: والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل

стр. 43

موصولاً فإن في الخبر عللاً ثلاثاً - ثم ذكر العلل وقد تقدم ذكرها والجواب عنها فليراجع (١) - قال فإن صح هذا الخبر مسنداً. بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح. وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه. وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قول الله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه، وكذلك قوله : ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال: ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقال: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فأضاف الله الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فأضاف الفطرة إلى نفسه إذ الله فطر الناس عليها، فما أضاف الله إلى نفسه على مضافين إحداهما (٢) إضافة الذات والأخرى (٣) إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا. قال فمعنى - الخبر إن صح من طريق النقل مسنداً - فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا المغيرة -وهو ابن عبد الرحمن- عن أبي

стр. 44

الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً» حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث، وقال قال رسول الله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً فلما خلقه، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاسمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن». قال ابن خزيمة فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم فظن أن قوله على صورته صورة الرحمن صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار قد نزه نفسه وقدس عن صفات المخلوقين فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان ولا كما شبه الغالية من الروافض معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ فهو صحيح ثابت، وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكفى بهذين الإمامين قدوة في تصحيح

стр. 45

الحديث والحكم بثبوته عن النبي ﷺ ، وقد صححه أيضاً شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية والحافظ الذهبي. وقال ابن حجر رجاله ثقات. وكفى بهؤلاء الحفاظ قدوة في تصحيح الحديث، وفي تصحيح هؤلاء الأئمة النقاد له أبلغ رد على من علله بالعلل الواهية. الوجه الثاني: أن يقال إن خلق آدم على صورة الرحمن ثابت عن النبي ﷺ في أربعة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب (١)، أولها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته» وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة ﵁، والضمير في قوله «على صورته» عائد إلى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة. وثانيها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق آدم على صورته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، ومن تأوله فقد أبعد النجعة وتكلف غاية التكلف. وثالثها: حديث أبي يونس الدوسي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على صورة وجه الرحمن» وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته. وهذا النص لا يحتمل التأويل وفيه أبلغ رد على ابن خزيمة وعلى كل من تأول الحديث بتأويلات الجهمية المعطلة. ورابعها: حديث أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه

стр. 46

فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه» وهذا نص صريح في خلق آدم على صورة وجه الله تعالى، وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفي هذه الأحاديث الأربعة أبلغ رد على من تأول حديث ابن عمر ﵄ على غير تأويله ونفى إضافة الصورة إلى الرحمن وزعم أنها من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى. الوجه الثالث: أن أقول قد ذكرت قريباً قول أهل السنة والجماعة في أحاديث الصفات أنه يجب أن تقابل بالقبول والتسليم وأن تمر كما جاءت من غير تفسير مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء، ولا يجوز رد شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الصفات وفي غير الصفات ولا النفرة مما هو ثابت عن النبي ﷺ من نصوص الصفات التي يستوحش منها بعض الناس ولا تقبلها نفوس الجهمية المعطلة. الوجه الرابع: أن يقال إن الذين قالوا إن إضافة الصورة إلى الرحمن في حديث ابن عمر ﵄ إنما هو من إضافة صفات الذات لم يغلطوا ولم يضاهوا المشبهة وإنما أثبتوا ما ثبت عن النبي ﷺ وأمروه كما جاء من غير تفسير عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وتصديقاً لقول الله تعالى في صفة رسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥]، ولا شك أن الغالط في الحقيقة من يغلط الذين يتمسكون بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ وينزهونا عن أقوال الجهمية المعطلة وعن تأويلات الذين يزعمون أن ظاهرها غير مراد. الوجه الخامس: أن يقال من زعم أن إضافة الصورة إلى الرحمن

стр. 47

في حديث ابن عمر ﵄ إنما هو من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى فقد صرف الحديث عن ظاهره وأفسد معناه، وعلى هذا التأويل المستكره لا يكون لآدم مزية على غيره من المخلوقات ولا يكون بينه وبينها فرق مؤثر لأن الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها وصورها ولكنه قد خص آدم من بينها بخصائص عظيمة امتاز بها على سائر المخلوقات. منها أنه خلقه بيديه، ومنها أنه خلقه على صورته، ومنها أنه نفخ فيه من روحه، ومنها أنه علمه الأسماء كلها، ومنها أنه أمر الملائكة بالسجود له، فمن أنكر شيئاً من هذه الخصائص فقد بخس آدم حقه وجحد الفضيلة العظيمة التي خصه الله بها وفضله بها على سائر المخلوقات، وهذا من أعظم العقوق لآدم. الوجه السادس: أن يقال لا يشك أحد من العقلاء أن بني آدم قد خلقوا على صورة أبيهم آدم ولم يخلقوا على صورة غيره من المخلوقات، ولو كان المراد من حديث ابن عمر ﵄ الإخبار بأن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح لما كان في الحديث فائدة ولا كان فيه فضيلة خاصة لآدم وذريته وإنما يكون ذلك من تحصيل الحاصل. الوجه السابع: أن يقال إن ابن خزيمة قد قرر في آخر كلامه قول من أعاد الضمير في حديث الصورة على آدم وذلك واضح في قوله فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خلق عليها، وقد تقدم قول الإمام أحمد أن هذا قول الجهمية.

стр. 48

فصل وقد دلت نصوص الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب (١) على إثبات الصورة لله تعالى والرد على أهل الكلام الباطل الذين ينفون هذه الصفة عن الله تعالى ويتأولونها بالتأويلات المستكرهة، ولا شك أن نفي هذه الصفة عن الرب ﵎ ينافي الإيمان بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد تقدم عن أبي محمد بن قتيبة أنه قال: والذي عندي أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد انتهى. وقد جاء في إثبات الصورة لله تعالى أحاديث صحيحة سوى ما تقدم. منها ما في الصحيحين وغيرهما من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» قالوا لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا

стр. 49

مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه» الحديث وفي آخره ذكر آخر أهل الجنة دخولاً وأنه إذا دخلها «قال الله له تمنه فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى ذلك لك ومثله معه» قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئاً حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله: «ذلك لك ومثله معه» قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: «ذلك لك وعشرة أمثاله». ومنها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره وفيه «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه» الحديث. وفي رواية للبخاري في «كتاب التوحيد» قال: «فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا». ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح - فذكر حديث المنام بطوله وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن

стр. 50

صورة» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي أيضاً عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة» قال: أحسبه في المنام. الحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ومنها ما رواه ابن أبي عاصم في «كتاب السنة» عن جابر بن سمرة ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى تجلى لي في أحسن صورة» الحديث. وهو طرف من حديث المنام الطويل، ورجال هذا الحديث رجال الصحيح. ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في «كتاب السنة» عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تراءى لي ربي في أحسن الصورة» الحديث وإسناده حسن. ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في «كتاب السنة» عن ثوبان ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة». ومنها ما رواه ابن أبي عاصم أيضاً في كتاب «السنة» عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رأيت ربي في المنام في أحسن صورة» وهذا الحديث والذي قبله يشهد لهما ما تقدم من حديث معاذ وابن عباس وجابر بن سمرة وأبي أمامة ﵃ وقد قال أبو عبد الله ابن منده في «الرد

стр. 51

على الجهمية» روي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب انتهى. وإذا علم هذا فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» وروى ابن جرير في تفسيره وابن أبي عاصم في «كتاب السنة» عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت رؤيا الأنبياء وحياً» وروى البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وروى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في كتاب السنة بأسانيد صحيحة عن معاذ بن جبل ﵁ موقوفاً «أن رسول الله ﷺ كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق» وفي رواية لأحمد قال: «رؤيا النبي ﷺ حق». وإذا علم أن رؤيا النبي ﷺ في المنام وحي وحق وعلم أيضاً ما تقدم ذكره في الأحاديث الصحيحة من إثبات الصورة لله تعالى فليعلم أنه يجب الإيمان بهذه الصفة وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وقد تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها التابعون عن الصحابة وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها أتباع التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، وخرجها أكابر المحدثين في الصحاح وكتب السنة وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم خلف من بعدهم خلف سلكوا مسلك أهل الكلام الباطل الذي ذمه السلف، وحذروا منه فخاضوا في تأويلها وصرفها عن ظاهرها بما سنح

стр. 52

لهم من الاحتمالات والتأويلات المستكرهة، وقد تقدم قول ابن عبد البر أن السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علماً وأوسعهم فهماً وأقلهم تكلفا. ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر انتهى. ولقد أحسن الراجز حيث يقول: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف فصل وقد دلت الأحاديث التي تقدم ذكرها (١) على أن الله تعالى خلق آدم على أحسن صورة وفي هذا أبلغ رد على المقالة الخبيثة التي تنسب إلى داروين وتسمى نظرية النشوء والتطور والارتقاء. فقد جاء في هذه المقالة الخبيثة أن الإنسان أصله قرد وأنه بعد النشوء والتطور والارتقاء صار إلى هذه الصورة الموجودة عليها بنو آدم اليوم. وهذا كفر صريح لما فيه من التكذيب بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه، فقد جاء في آيات كثيرة من القرآن أن الله تعالى خلق آدم من طين وأنه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود له. وهذه فضائل عظيمة خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات. وقد أخبر النبي ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها: «أن الله خلق آدم على صورته» وفي بعض الروايات «على صورة وجهه» وفي بعضها «على صورة الرحمن» وهذه فضيلة عظيمة جداً خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات، وقد تضمنت المقالة الدارونية نفي هذه الفضيلة العظيمة عن آدم ﵊

стр. 53

ونفي الفضائل المذكورة قبلها عنه، وهذا من أعظم المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ ومن أعظم العقوق لآدم حيث قد جعله الدارونيون من فصل اً من القردة التي هي من أخبث الحيوانات طبعاً وأشدها قبحاً وتشويهاً في الخلقة، فقاتل الله من قال بهذه المقالة الخبيثة ومن تلقاها بالقبول وقدمها على ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عن ابتداء خلق آدم ﵊. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً الحاكم والذهبي، وفي هذا الحديث أبلغ رد على من قال بالنشوء والتطور والارتقاء في بني آدم. فصل وقد عقد الرازي في كتابه الذي سماه «أساس التقديس» فصلاً في إثبات الصورة لله تعالى وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورته» وحديث ابن عمر ﵄ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وتأول الحديثين على طريقة أهل الكلام الباطل المذموم عند السلف واستشهد في كلامه بتأويل ابن خزيمة للحديثين، وقد رد عليه وعلى ابن خزيمة بحر العلوم وسيف الله المسلول على أهل البدع. شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية

стр. 54

قدس الله روحه ونور ضريحه في كتاب الذي سماه «نقض أساس التقديس» بكلام مفصل مبسوط واضح بيّن لا يوجد مثله في كلام غيره من العلماء (١). ولعظم فائدته رأيت أن أذكر ملخصه في هذه النبذة لعل الله تعالى أن ينفع به من قرأه ومن سمعه ويكون سبباً لإطراح أقوال أهل الكلام الباطل وتأويلاتهم المستكرهة في حديث الصورة. قال الرازي: الفصل الأول في إثبات الصورة. اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن، لكنها واردة في الأخبار، فالخبر الأول: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خلق آدم على صورته» وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته». والجواب (٢) اعلم أن الهاء في قوله ﷺ : «على صورته» يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم وغير الله

стр. 55

ويحتمل أن يكون عائداً إلى آدم ﵇ ويحتمل أن يكون عائداً إلى الله، فهذه طرق ثلاثة. الطريق الأول: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى. وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان: الأول: هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتماً لآدم فإنه لما كان صورة هذا الإنسان مساوية لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتماً لآدم ﵇ ولجميع الأنبياء وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي ﷺ عن ذلك. وإنما خص آدم بالذكر لأنه هو الذي ابتدئت خلقته على هذه الصورة. الثاني: أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال أنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريبا من السماء فالنبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال إن الله تعالى خلق آدم على صورته، أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة، فأبطل بهذا البيان وهم من توهم أن آدم كان على صورة أخرى غير هذه الصورة. الطريق الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى آدم ﵇، وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب مذكور واجب. وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم ﵇ فكان عود الضمير إليه أولى، ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه. الأول: أنه تعالى لما عظم أمر آدم فجعله مسجود الملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغيّر خلقهما مع أنه لم يغيّر خلقة آدم بل تركه على الخلقة الأولى إكراماً له وصوناً له من عذاب المسخ. فقوله

стр. 56

صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع المبدل فيها. والفرق بين هذا الجواب وبين الذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه ﷺ كان مصوناً عن المسخ، والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليس هي إلا التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه جعل مصوناً عن المسخ بسبب زلته، مع أن غيره صار ممسوخاً. الثاني: المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة. الثالث: أن الإنسان لا يكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر فقال ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» أي من غير هذه الوسائط، والمقصود منه الرد على الفلاسفة. الرابع: المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتخليق القوة المصورة والمولدة على ما يذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فهو الخالق: أي هو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات. والبارئ: أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها. والمصور: أي هو الذي ركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة. الخامس: قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة. والمراد من الصورة في

стр. 57

كل هذه المواضع الصفة. فقوله: «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جملة صفاته وأحواله. وذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال يزداد علمه وقدرته إلى أن يصل إلى حد الكمال. فبين النبي ﷺ أن آدم خلق من أول الأمر كاملاً تاماً في علمه وقدرته. وقوله: «خلق الله آدم على صورته» معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر. وأيضاً فلا يبعد أن يدخل في لفظ الصورة كونه سعيداً أو شقياً كما قال ﷺ : «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» فقوله ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جميع صفاته من كونه سعيداً أو عارفاً أو تائباً أو مقبولاً من عند الله. الطريق الثالث: أن يكون ذلك الضمير عائداً إلى الله تعالى وفيه وجوه. الأول المراد منه الصفة لما بيناه فيكون المعنى أن آدم ﵇ امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات قادراً على استنباط الحرف والصناعات، وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه فصح قوله ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» بناء على هذا التأويل. فإن قيل المشاركة في صفات كمال تقتضي المشاركة في الإلهية، قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وقال ﷺ «تخلقوا بأخلاق الله» (١). الثاني: أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح

стр. 58

إضافتها إلى الخالق والموجود فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد الكرامة والجلالة. الثالث: قال الشيخ الغزالي: ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية بل هو موجود ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق به بهذا البدن إلا على سبيل التدبير أو التصرف، فقوله ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» أي نسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم من حيث أن كل واحد منهما غير حال في هذا الجسم وإن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير. قال: الخبر الثاني ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه «التوحيد» بإسناده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» قال: واعلم أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية، ويقول: إن صحت هذه الرواية فلها تأويلان، الأول: أن يكون المراد من الصورة الصفة على ما بيناه. الثاني: أن يكون المراد من هذه الإضافة بيان شرف هذه الصورة كما في قوله بيت الله وناقة الله. قلت (١): هذا الحديث أخرجوه في الصحيحين من وجوه. ففي الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمع ما يجيبونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم» قال في رواية جعفر (٢) ومحمد بن

стр. 59

رافع: «على صورته» وروى البخاري من حديث أبي سعيد المقبري ويحيى (١) بن همام أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ورواه مسلم من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ومن حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بهذا الإسناد وقال: «إذا ضرب أحدكم» ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» ومن حديث أبي أيوب يحيى بن مالك الخزاعي (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه» وفي رواية محمد بن حاتم فيه قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» وليسِ ليحيى بن مالك عن أبي هريرة في الصحيحين غيره. والكلام على ذلك أن يقال هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، وهو أيضاً مذكور فيما عند أهل الكتابين من الكتب كالتوراة وغيرها، ولكن كان من العلماء في القرن الثالث من يكره روايته ويروي بعضه كما يكره رواية بعض الأحاديث لمن يخاف أن يلم بنفسه ويفسد عقله أو دينه كما قال عبد الله بن مسعود: «ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم» (٣) وفي البخاري عن علي بن أبي طالب أنه

стр. 60

قال: «حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» وإن كان (١) مع ذلك لا يرون كتمان ما جاء به الرسول مطلقاً بل لا بد أن يبلغوه حيث يصلح ذلك. ولهذا اتفقت الأمة على تبليغه وتصديقه، وإنما دخلت الشبهة في الحديث لتفريق ألفاظه، فإن من ألفاظه المشهورة: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» «ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» وهذا فيه حكم عملي يحتاج إليه الفقهاء وفيه الجملة الثانية الخبرية المتعلقة بلا. فكثير من الفقهاء روى الجملة الأولى فقط وهي قوله: «فإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ولم يذكر الثانية، وعامة أهل الأصول والكلام إنما يروون الجملة الثانية وهي قوله: «خلق الله آدم على صورته» ولا يذكرون الجملة الطلبية، فصار الحديث متواتراً بين الطائفتين وصاروا متفقين على تصديقه. لكن مع تفريق بعضه عن بعض، وإن كان هو محفوظاً عند آخرين من علماء الحديث وغيرهم، وقد ذكره النبي ﷺ ابتداءً في إخباره بخلق آدم في ضمن حديث طويل (٢) إذا ذكر على وجهه زال كثير من الأمور المحتملة ولكن ظهر (٣) لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائداً إلى غير الله تعالى حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة. وذلك مثل ما ذكر أبو بكر ابن خزيمة في «كتاب التوحيد» فإنه ذكر الاحتمالات الثلاثة، ذكر عود الضمير إلى المضروب،

стр. 61

وذكر عوده إلى آدم، وتأول عوده إلى الله على إضافة الخلق فقال: باب ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها ففتن عالماً من أهل الجهل والعناد حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه جل عز عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه والذي وصفه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه، حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال حدثنا شعيب يعني بن الليث حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم لأحد قبح الله وجهك ووجهاً أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته»، حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» وحدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد حدثني ابن عجلان قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه». قال أبو بكر ابن خزيمة ليس في خبر ابن عجلان أكثر من هذا. ومعنى هذا أن يحيى بن سعيد القطان الإمام رواه عن ابن عجلان عن المقبري كما رواه الليث وغيره. ورواه أيضاً عنه عن أبيه عن أبي هريرة لكن يذكر إحدى الجملتين فقط وكان عند ابن عجلان الحديث عن المقبري وعن أبيه. وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق مالك عنه مختصراً، فقال البخاري: «باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه حدثنا محمد بن عبد

стр. 62

الله قال: حدثنا ابن هب حدثني مالك بن أنس قال: وأخبرني ابن فلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال البخاري: وحدثني محمد (١) قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» وقد روى البخاري ومسلم الحديث في خلق آدم بطوله (٢). ثم قال ابن خزيمة: توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله على صورته يريد صورة الرحمن عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: «خلق آدم على صورته» الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أشبه وجهك لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك كان مقبحاً وجه آدم صلوات الله عليه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا رحمكم الله تعالى معنى الخبر لا تغلطوا ولا تغلطوا فتصدوا عن سواء السبيل وتحملوا القول بالتشبيه الذي هو ضلال. قال وقد رويت في نحو هذا لفظة أغمض من اللفظة التي ذكرناها في خبر أبي هريرة وهو ما حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبحوا الوجه فإن ابن

стр. 63

آدم خلق على صورة الرحمن» قال: وروى الثوري هذا الخبر مرسلاً غير مسند حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن». قال أبو بكر: وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في ذلك غلطاً بيناً وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم. قال والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل موصولاً فإن للخبر عللاً ثلاثاً، إحداهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال: قال حبيب بن أبي ثابت: لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك: يريد لم أبال أن أدلسه. قال أبو بكر: ومثل هذا الخبر لا يكاد يثبت عند أهل الأثر لاسيما إن كان الخبر في مثل هذا الجنس فيما يوجب العلم لو ثبت لا فيما يوجب العمل بما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر وتشبيه وتمثيل بغيره من سنن النبي ﷺ من طريق الأحكام والفقه.

стр. 64

قال فإن صح هذا الخبر مسنداً بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت وحبيب بن أبي ثابت قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق مضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قوله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه، وكذلك قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال: ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقال: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فأضاف الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فما أضاف الله إلى نفسه على معنيين. أحدهما: إضافة الذات. والآخر: إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا. قال فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسنداً فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ (١) صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً» حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما أنبأنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث،

стр. 65

وقال قال رسول الله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن». قال أبوبكر فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم فظن أن قوله على صورته على صورة الرحمن صفة من صفات ذاته عن أن يوصف بالذرعان والأشبار قد نزه الله نفسه عن صفات المخلوقين فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان ولا كما شبه الغالية من الرافضة معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما، حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خداش قالا أخبرنا أبو سعد الصاغاني قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا: لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١]، قال: ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، وقال ابن خداش في حديثه: (فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا يموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث) والباقي مثل لفظ ابن منيع. هذا مجموع ما ذكره ابن خزيمة.

стр. 66

قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه: «الفصول في الأصول، عن الأئمة الفحول، إلزاماً لذوي البدع والفضول». فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة تأويل الحديث «خلق آدم على صورته» فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل ولم يتابعه عليه من قبله من أئمة الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى. ولما يتابعه أيضاً من بعده، حتى رأيت في «كتاب الفقهاء» للعبادي الفقيه أنه ذكر الفقهاء وذكر عن كل واحد منهم مسألة تفرد بها، فذكر الإمام ابن خزيمة وأنه تفرد بتأويل هذا الحديث «خلق آدم على صورته» على أني سمعت عدة من المشايخ رووا أن ذلك التأويل مزور مربوط على ابن خزيمة وإفك مفترى عليه. فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقبله ولا نلتفت إليه بل نوافق ونتابع ما اتفق الجمهور عليه. قال شيخ الإسلام أبو العباس وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب «كتاب الترغيب والترهيب» قال سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة. ولا يطعن عليه بذلك بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى أشار بذلك إلى أنه قل من إمام إلا وله زلة فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل. قال شيخ الإسلام أبو العباس وقد ذكر أبو بكر الخلال في «كتاب السنة» ما ذكره إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله المشهورة عن أحمد وإسحاق أنه قال لأحمد: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» أليس تقول بهذه الأحاديث، قال أحمد: صحيح وقال إسحاق: صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي، وذكر أيضاً عن يعقوب بن بختان أن أبا

стр. 67

عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي ﷺ «خلق الله آدم على صورته» فقال: لا نفسره. ما لنا أن نفسره. كما جاء الحديث. قال الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله كيف تقول في حديث النبي ﷺ «خلق الله آدم على صورته» قال الأعمش: يقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر، قال: وقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ على صورته فنقول كما جاء الحديث. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول لقد سمعت الحميدي بحضرة سفيان بن عيينة فذكر هذا الحديث «خلق الله آدم على صورته» فقال: من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا. يعني من الشتم، وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئاً. قال المروذي أظن أني ذكرت لأبي عبد الله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال: قول النبي ﷺ : «خلق الله آدم على صورته» قال: صورة الطين، قال: هذا جهمي، وقال نسلم الخبر كما جاء. وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه. قال: الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: أي شيء أنكر على بشر بن السري وأي شيء كانت قصته بمكة، قال: تكلم بشيء من كلام الجهمية فقال: إن قوماً يحدون، قيل له: التشبيه، فأومأ برأسه نعم. قال: فقام به مؤمل حتى جلس، فتكلم ابن عيينة في أمره حتى أخرج وأراه كان صاحب كلام.

стр. 68

وقال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني قال: سمعت إسحاق يعني بن راهويه يقول: قد صح عن النبي ﷺ أنه نطق به. قال إسحاق: حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فقد صحح إسحاق حديث ابن عمر مسنداً خلاف ما ذكره ابن خزيمة. وقال الخلال: أخبرنا يعقوب بن سفيان الفارسي قال: حدثنا محمد بن حميد حدثنا الفرات بن خالد عن سفيان الثوري عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم على صورته». وقال الخلال: أخبرنا علي بن حرب الطائي حدثنا زيد بن أبي الزرقاء عن ابن لهيعة عن أبي يونس والأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن ». وما كان من العلم الموروث عن نبينا محمد ﷺ فلنا: أن نستشهد عليه بما عند أهل الكتاب (١) كما قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ

стр. 69

كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٦ - ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]، بل قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره تميم بخبر الدجال والجساسة فرح بذلك وقال: حدثني حديثا يوافق ما كنت حدثتكموه. إذا عرف ذلك فيقال: أما عود الضمير إلى غير الله فهذا باطل من وجوه، أحدها أن في الصحيحين ابتداء: «أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً» وفي أحاديث أخر: «إن الله خلق آدم على صورته» ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه، وما ذكر بعضهم من أن النبي ﷺ رأى رجلاً يضرب رجلاً ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال: «خلق الله آدم على صورته» أي على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث. الثاني: أن الحديث الآخر لفظه «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه. الثالث: أن اللفظ الذي ذكره ابن خزيمة وتأوله وهو قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهاً أشبه وجهك فإن الله خلق آدم

стр. 70

على صورته» ليس فيه ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، وقوله في التأويل أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أشبه وجهك. فيقال له لم يتقدم ذكر مضروب فيما رويته عن النبي ﷺ ولا في لفظه ذكر ذلك، بل قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» ولم يقل إذا قاتل أحدكم أحداً وإذا ضرب أحداً، والحديث الآخر ذكرته من رواية الليث بن سعد ولفظه «ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجهاً أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» وليس في هذا ذكرٌ مرَّ حتى يصلح عود الضمير إليه. فإن قيل قد يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام وإن لم يكن مذكوراً، قيل إنما يكون فيما لا لبس فيه حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إليه إلا ما دل عليه الخطاب فيكون العلم بأنه لا بد للظاهر من مضمر يدل على ذلك، أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير فلا يصلح أن يترك عوده إليه ويعود إلى شيء متقدم لا ذكر له في الخطاب وهذا مما يعلم بالضرورة فساده في اللغات. الرابع: أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله: وإذا قاتل أحدكم وإذا ضرب أحدكم عام في كل مضروب. والله خلق آدم على صورهم جميعهم فلا معنى لإفراد الضمير، وكذلك قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك» عام في كل مخاطب، والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم.

стр. 71

الخامس: أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم لم يخلق آدم على صورهم فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده، لا يقال إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما يقال خلق الخلق على غير مثال أو نسج هذا على منوال هذا ونحو ذلك فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخراً في الذكر عن المقيس عليه. وإذا قيل خلق الولد على صورة أبيه أو على خلق أبيه كان كلاماً سديداً، وإذا قيل خلق الوالد على صورة ولده أو على خلقه كان كلاماً فاسداً بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال الوالد يشبه ولده فإن هذا سائغ لأن قوله خلق إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال ما لم يكن بعد وإنما يكون على مثال ما قد كان. السادس: أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة المعلومة للخاص والعام، فلو أريد التعليل بذلك لقيل فإن هذا يدخل فيه الأنبياء إذ كان هذا يدخل فيه آدم ونحو ذلك من العبارات التي تبين قبح كلامه وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده. أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب. السابع: أنه إذا أريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فطر على مثال غيره بل يقال أن وجهه يشبه وجه آدم أو فإن صورته تشبه صورة آدم. الثامن: أن يقال مثل هذه العلة تصلح لقوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك» فكيف يصلح لقوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا

стр. 72

توجب سقوط العقوبة عنه فإن الإنسان لو كان يشبه نبياً من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم. التاسع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم وتناول اللفظ لجميعهم واحد فلو كان المقصود بالخطاب ليس به ما يختص آدم من ابتداء خلقه على صورة بل المقصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى كإبراهيم وموسى وعيسى وإن كان آدم أباهم فليس هذا المقام مقاماً له به اختصاص على زعم هؤلاء. العاشر: وهو قاطع أيضاً أن يقال كون الوجه يشبه وجه آدم هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم ويده تشبه يده ورجله وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه ظهره وبطنه وفخذه وساقه فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة. الوجه الحادي عشر: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهي أيضاً عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك. الوجه الثاني عشر: أن ما ذكره من تأويل ذلك بأنه إبطال لقول من

стр. 73

يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة وأن النبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال: «إن الله خلق آدم على صورته». أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة. يقال لهم الحديث المتفق عليه في الصحيحين مناقض لهذا التأويل مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير وأنه لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان كما في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم قال فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد بن رافع «على صورته» فهذا الحديث الذي هو أشهر الأحاديث التي فيها أن الله خلق آدم على صورته، ذكر فيه أن طوله ستون ذراعاً وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن وأن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة آدم، ولم يقل إن آدم على صورتهم، بل قال هم على صورة آدم. وقد روي أن عرض أحدهم سبعة أذرع. فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا أن يجعل ما أثبته النبي ﷺ وأخبر به وأوجب التصديق به قد نفاه وأبطله وأوجب تكذيبه وإبطاله. الوجه الثالث عشر: أنه قد روي من غير وجه «على صورة الرحمن».

стр. 74

فصل وأما قول من قال الضمير عائد إلى آدم كما ذكر الإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور فهو كما قال الإمام أحمد هذا تأويل الجهمية وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه، وقد زعم المؤسس (١) أنه أولى الوجوه الثلاثة. وليس كما ذكره بل هو أفسد الوجوه الثلاثة ولهذا لم يعول عليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى «على صورة الرحمن» ولقوله ابتداء «إن الله خلق آدم على صورته» فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا. وبيان فساده من وجوه أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد الكلام فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً. فإن كون آدم مخلوقاً على صورة آدم فأي تفسير فسر به فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث فروي قوله: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» مفرداً، وروي

стр. 75

قوله: «إن الله خلق آدم على صورته» مفرداً، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم. الوجه الثاني أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم. فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعاً من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الوجوه وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين. وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي ﷺ لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه، كما يذكر أن بعض الزنادقة سمع قارئاً يقرأ: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ فقال: وهل يذاق اللباس؟ فقالت له امرأة: هبك تشك في بداية العقول. أو يعلل حكم المحل بعلة لا تعلق لها به فإن هذا مثل أن يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم مثل كونه خلق من غير أبوين أو يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم خلق من غير أبوين. الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه. وهذا من أعظم التناقض وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة. وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر. وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض. فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه وهذه العلة منتفية في بنيه فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم
следующие страницы →