← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17329

عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (138 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الخامس: أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم لم يخلق آدم على صورهم فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده، لا يقال إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما يقال خلق الخلق على غير مثال أو نسج هذا على منوال هذا ونحو ذلك فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخراً في الذكر عن المقيس عليه. وإذا قيل خلق الولد على صورة أبيه أو على خلق أبيه كان كلاماً سديداً، وإذا قيل خلق الوالد على صورة ولده أو على خلقه كان كلاماً فاسداً بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال الوالد يشبه ولده فإن هذا سائغ لأن قوله خلق إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال ما لم يكن بعد وإنما يكون على مثال ما قد كان. السادس: أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة المعلومة للخاص والعام، فلو أريد التعليل بذلك لقيل فإن هذا يدخل فيه الأنبياء إذ كان هذا يدخل فيه آدم ونحو ذلك من العبارات التي تبين قبح كلامه وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده. أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب. السابع: أنه إذا أريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فطر على مثال غيره بل يقال أن وجهه يشبه وجه آدم أو فإن صورته تشبه صورة آدم. الثامن: أن يقال مثل هذه العلة تصلح لقوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك» فكيف يصلح لقوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه» ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا

стр. 72

توجب سقوط العقوبة عنه فإن الإنسان لو كان يشبه نبياً من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم. التاسع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم وتناول اللفظ لجميعهم واحد فلو كان المقصود بالخطاب ليس به ما يختص آدم من ابتداء خلقه على صورة بل المقصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى كإبراهيم وموسى وعيسى وإن كان آدم أباهم فليس هذا المقام مقاماً له به اختصاص على زعم هؤلاء. العاشر: وهو قاطع أيضاً أن يقال كون الوجه يشبه وجه آدم هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم ويده تشبه يده ورجله وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه ظهره وبطنه وفخذه وساقه فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة. الوجه الحادي عشر: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهي أيضاً عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك. الوجه الثاني عشر: أن ما ذكره من تأويل ذلك بأنه إبطال لقول من

стр. 73

يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة وأن النبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال: «إن الله خلق آدم على صورته». أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة. يقال لهم الحديث المتفق عليه في الصحيحين مناقض لهذا التأويل مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير وأنه لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان كما في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم قال فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد بن رافع «على صورته» فهذا الحديث الذي هو أشهر الأحاديث التي فيها أن الله خلق آدم على صورته، ذكر فيه أن طوله ستون ذراعاً وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن وأن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة آدم، ولم يقل إن آدم على صورتهم، بل قال هم على صورة آدم. وقد روي أن عرض أحدهم سبعة أذرع. فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا أن يجعل ما أثبته النبي ﷺ وأخبر به وأوجب التصديق به قد نفاه وأبطله وأوجب تكذيبه وإبطاله. الوجه الثالث عشر: أنه قد روي من غير وجه «على صورة الرحمن».

стр. 74

فصل وأما قول من قال الضمير عائد إلى آدم كما ذكر الإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور فهو كما قال الإمام أحمد هذا تأويل الجهمية وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه، وقد زعم المؤسس (١) أنه أولى الوجوه الثلاثة. وليس كما ذكره بل هو أفسد الوجوه الثلاثة ولهذا لم يعول عليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى «على صورة الرحمن» ولقوله ابتداء «إن الله خلق آدم على صورته» فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا. وبيان فساده من وجوه أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد الكلام فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً. فإن كون آدم مخلوقاً على صورة آدم فأي تفسير فسر به فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث فروي قوله: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» مفرداً، وروي

стр. 75

قوله: «إن الله خلق آدم على صورته» مفرداً، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم. الوجه الثاني أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم. فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعاً من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الوجوه وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين. وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي ﷺ لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه، كما يذكر أن بعض الزنادقة سمع قارئاً يقرأ: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ فقال: وهل يذاق اللباس؟ فقالت له امرأة: هبك تشك في بداية العقول. أو يعلل حكم المحل بعلة لا تعلق لها به فإن هذا مثل أن يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم مثل كونه خلق من غير أبوين أو يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم خلق من غير أبوين. الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه. وهذا من أعظم التناقض وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة. وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر. وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض. فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه وهذه العلة منتفية في بنيه فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم

стр. 76

إذ هم لم يخلقوا كما خلق آدم على صورهم التي هم عليها بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة. الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه، وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث، يعم قوله ابتداء: «إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً» ويعم قوله: «لا تقبحوا الوجه» «وإذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» وذلك أن قوله: «خلق آدم على صورته» يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليها فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك. وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول إن الضمير عائد إلى المضروب. فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن تكون الصورة التي خلق عليها آدم متأخرة عن حين خلقه سواء كانت هي صورته أو صورة غيره. فإذا قيل عملت هذا على صورة هذا أو على مثال هذا. أو لم يعمل هذا على صورة غيره أو لم يعمل على مثال أو لم ينسج على منوال غيره كما يقال في تحميد الله تعالى خلق العالم على غير مثال، والإبداع خلق الشيء على غير مثال، ونحو ذلك من العبارات كان معناها المعلوم بالاضطرار من اللغة عند العامة والخاصة أن ذلك على صورة ومثال متقدم عليه أو لم يعمل على صورة ومثال متقدم عليه. وذلك أن هذا اللفظ تضمن معنى القياس، فقوله خلق أو عمل أو صنع على صورة كذا أو مثاله أو منواله تضمن معنى قيس عليه وقدر عليه، وإذا كان كذلك فجميع ما يذكر من التأويلات مضمونه أن صورته تأخرت عنه فتكون باطلة. وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها

стр. 77

قبل صورته التي خلقها الله. الوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل خلق آدم على صورة آدم موجود نظيره في جميع المخلوقات فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه أي على صفتها التي هي علمه أو غير ذلك فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والجن والبهائم بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم كما يذكرونه في معنى قولهم خلق الله آدم على صورة آدم فإن كون آدم على صورته يعني شبح موجود في صور هذه الأمور. وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداء أو في غير مدة فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال كما خلق بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين. فإذا جاز أن يقال في أحدهما: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار جاز أن يقال في الآخر: خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار. وإذا كان كذلك ومن المعلوم بالاتفاق أن قوله: «خلق آدم على صورته» هي من خصائص آدم وإن كان بنوه تبعاً له في ذلك كما خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص. الوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هي من الأمور المعلومة ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها بل لأمر آخر فإن قول القائل إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل أن كل مخلوق فإنه خلق على الصورة التي خلق عليها. وهذا المعنى مثل أن يقال أوجد الله الشيء كما أوجده وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى

стр. 78

الصورة التي هي عليها ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جداً. الوجه السابع: أن دلالة قول القائل خلق آدم على صورة آدم بل ما يدعونه من معانٍ أخر مثل كونه غير مخلوق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة أو كونه لم يخلق في مدة ومن مادة أو لم يخلق بواسطة القوى والعناصر مما لا دليل عليه بحال فإن هذا اللفظ لا يفهم منه هذه المعاني بوجه من الوجوه فلا بد أن يبين وجه دلالة اللفظ على المعنى من جهة اللغة ويذكر له نظير في الاستعمال. الوجه الثامن: أن رواية الحديث من وجوه فسائر الألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن» وقول ابن عباس فيما ذكره عن الله تعالى: «تعمد إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فتقول لهم اشربوا يا حمير». فأما قوله: إن حديث ابن عمر قد ضعفه ابن خزيمة فإن الثوري أرسله فخالف فيه الأعمش وأن الأعمش وحبيباً مدلسان. فيقال: قد صححه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس، وأيضاً فمن المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي ﷺ فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد. وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بياناً وتفسيراً لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى ولم يكن هذا اختلافاً أصلاً.

стр. 79

وأيضاً فلو قدر أن عطاء لم يذكره إلا مرسلاً عن النبي ﷺ فمن المعلوم أن عطاء من أجل التابعين قدراً فإنه هو وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وقد ذكر المصنف لهذا الحديث كابن خزيمة أن الأخبار في مثل هذا الجنس التي توجب العلم هي أعظم من الأخبار التي توجب العمل، ومعلوم أن مثل عطاء لو أفتى في مسألة فقه بموجب خبر أرسله لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده، ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسل بالخبر الذي أرسله دليلاً على ثبوته عنده، فإذا كان عطاء قد جزم بهذا الخبر العلمي عن النبي ﷺ في مثل هذا الباب العظيم (١) يستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتاً عنده أن يكون قد سمعه (٢) من مجهول لا يعرف أو كذاب أو سيء الحفظ. وأيضاً فاتفاق السلف على رواية هذا الخبر ونحوه مثل عطاء بن أبي رباح وحبيب بن أبي ثابت والأعمش والثوري وأصحابهم من غير نكير سمع من أحد لمثل ذلك في ذلك العصر مع أن هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار ودليل (٣) على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا. وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر، فإن الشيء. قد يمنع سماعه لبعض الجهال وإن كان متفقاً عليه بين علماء المسلمين.

стр. 80

وأيضاً فإن الله قد وصف هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فمن الممتنع أن يكون في عصر التابعين يتكلم أئمة ذلك العصر بما هو كفر وضلال ولا ينكر عليهم أحد، فلو كان قوله خلق آدم على صورة الرحمن باطلاً لكانوا كذلك. وأيضاً فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة. والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما يؤيد أحدهما الآخر ويشهد له ويعتبر به. بل قد يفيد ذلك العلم. إذ الخوف في الرواية من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ. فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب أو كان الحديث ممن لا يتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه لم يبق إلا سوء الحفظ فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر كان ذلك دليلاً على أنه محفوظ. ولهذا يحتج من منع المرسل به إذا روي من وجه آخر، ولهذا يجعل الترمذي وغيره الحديث الحسن ما روي من وجهين ولم يكن في طريقه متهم بالكذب ولا كان مخالفاً للأخبار المشهورة. وأدنى أحوال هذا اللفظ أن يكون بهذه المنزلة. وأيضاً فقد ثبت عن الصحابة أنهم تكلموا بمعناه كما في قول ابن عباس «تعمد إلى خلق من خلقي على صورتي» والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به من لا يحتج بالمرسل كالشافعي وغيره. وأيضاً فثبت بقول الصحابة ذلك ورواية التابعين كذلك عنهم أن هذا كان مطلقاً بين الأئمة ولم يكن منكراً بينهم. وأيضاً فعلم ذلك لا يؤخذ بالرأي وإنما يقال توقيفاً. ولا يجوز أن يكون مستند ابن عباس إخبار أهل الكتاب الذي هو أحد الناهين لنا عن سؤالهم ومع نهي النبي ﷺ عن تصديقهم أو تكذيبهم فعلم أن ابن عباس إنما قاله توقيفاً من النبي صلى الله عليه

стр. 81

وسلم. ففي صحيح البخاري عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرءونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم» وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام» فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم» الآية. فمعلوم مع هذا أن ابن عباس لا يكون مستنداً فيما يذكره من صفات الرب أنه يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فلم يبق إلا أن يكون أخذه من الصحابة الذين أخذوه من النبي ﷺ . وهذه الوجوه كلها مع أنها مبطلة لقول من يعيد الضمير في قوله إلى آدم فهي أدلة مستقلة في الإخبار بأن الله خلق آدم على صورة نفسه، وبهذا حصل الجواب عما يذكر من كون الأعمش مدلساً حيث يقدم على رواية مثل هذا الحديث ويتلقاه عنه العلماء ويوافقه الثوري والعلماء على روايته عن ذلك الشيخ بعينه، وكذلك قوله حبيب مدلس فقد أخذه عن هؤلاء الأئمة. وأيضاً فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها (سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها) وقد قدمنا أنه يجوز الاستشهاد بما عند أهل الكتاب إذا وافق ما يؤثر عن نبينا بخلاف ما لم نعلمه إلا من جهتهم فإن هذا لا نصدقهم

стр. 82

فيه ولا نكذبهم، ثم إن هذا مما لا غرض لأهل الكتاب في افترائه على الأنبياء، بل المعروف من حالهم كراهة وجود ذلك في كتبهم وتأويله وكتمانه كما قد رأيت ذلك مما شاء الله من علمائهم، ومع هذا الحال يمتنع أن يكذبوا كلاماً يثبتونه في ضمن التوراة وغيرها وهم يكرهون وجوده عندهم. وإن قيل إنكاره لذلك غير الكاتب له، فيقال هو موجود في جميع النسخ الموجودة في الزمان القديم في جميع الأعصار والأمصار من عهد النبي ﷺ . وأيضاً فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة ونحوها قد كانت موجودة على عهد النبي ﷺ فلو كان ما فيها من الصفات كذباً وافتراء ووصفاً لله بما يجب تنزيهه عنه كالشركاء والأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجوداً في كلام النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم ما دون ذلك، وقد عابهم الله في القرآن بما هو دون ذلك فلو كان هذا عيباً لكان عيب الله لهم به أعظم وذمهم عليه أشد. الوجه التاسع: إبطال أعيان التأويلات التي ذكرها. فأما قوله في الوجه الأول إنه لم يغير خلقة آدم ولم يمسخها كما مسخ غيره كالحية والطاووس. فيقال له العبارة المعروفة عن هذا المعنى أن يقال أبقى آدم على صورته أو تركه على صورته أو لم يغير صورة آدم، لا يقال: خلقه على صورة نفسه فإن هذا اللفظ لا يستعمل في مثل ذلك المعنى، ألا ترى أن الله لما مسخ بعض بني إسرائيل كالذين قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، كما قال ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وأنجى الذين كانوا

стр. 83

ينهون عن المنكر، فإنه لا يقال: خلق هؤلاء على صورهم، بل يقال: أبقاهم على صورهم، وأبقى صورهم، أو لم يمسخهم، وهذا لما تقدم من أن هذا اللفظ لا يقال إلا فيما تقدمت الصورة على خلقه لا فيما تأخرت. وأيضاً فهذا من الأمر المعروف الظاهر لكل أحد أن مضمونه أن صورة آدم كانت كهذه لم تمسخ وما من الناس إلا من يعرف هذا كما يعرف آدم، يقول (١) القائل لهذا كقوله: إن آدم كان له وجه وعينان وأذنان ويدان وساقان، وهذا من الكلام السمج، وأيضاً فالإخبار بما ذكره من مسخ غير آدم غير معلوم ولا مذكور. وأيضاً فإن الله تعالى قد أخبر أنه تاب على آدم واجتباه وهو في الجنة قبل إهباطه إلى الأرض فزال عنه العقاب قبل هبوطه. وأما التأويل الثاني وقوله أن فيه إنكار قول الدهرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يتولد إلا من نطفة ودم الطمث. فيقال له قد أخبر الله في كتابه أنه خلق آدم من الماء والتراب ومن الطين ومن الحمأ المسنون، فهذه نصوص ظاهرات متواترات يسمعها العام والخاص تبين أنه لم يخلق من نطفة ودم طمث وتبطل هذا القول إبطالاً بيناً معلوماً بالاضطرار، فأما قول القائل إن آدم خلق على صورة آدم فليس في هذا القول دلالة على نفي كونه مخلوقاً من غيره أصلاً، وقوله: خلق آدم على صورته ابتداء من غير تقدم نطفة ثم علقة ثم مضغة، يقال له: خلق بعد تقدم تراب وطين وصلصال، ودلالة اللفظ على نفي هذا المتقدم كدلالته على نفي ذلك المتقدم، فإن كان قوله خلق آدم على صورة آدم يقتضي خلقه ابتداء من غير تنقل أحوال فهو ينفي

стр. 84

الأمرين وإلا فهو لا ينفي لا هذا ولا هذا، وهذا التخطيط إنما وقع لكون الصورة التي خلق عليها جعلوها متأخرة عن الخلق وهو خلاف مدلول اللفظ. وأما التأويل الثالث وقوله: إن الإنسان لا يتكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر، فقوله خلق آدم على صورة آدم أي من غير هذه الوسائط، والمقصود منه الرد على الفلاسفة. فيقال هذا أظهر بطلاناً من الأول فإن آدم ﵇ لم يتكون إلا في مدة أطول من مدد بنيه ومن مادة أعظم من مواد بنيه فإن الله خلقه من التراب والماء وجعله صلصالاً، وهذه هي العناصر، وأيضاً فإنه بقي أربعين عاماً قبل نفخ الروح فيه، وولده إنما يبقون أربعة أشهر، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان: ١]. وأيضاً فاللفظ لا يدل على نفي ذلك بوجه من الوجوه لا حقيقة ولا مجازاً، بل هذه الدلالة من جنس ما تدعيه غالية الرافضة ونحوهم من جهال الزنادقة أن قوله: ﴿إمام مبين﴾ هو علي بن أبي طالب، بل ربما هذا أقوى فإن لفظ الإمام فيه اشتراك وإلا فكون الشيء خلق على صورة نفسه المتقدمة والمتأخرة أي شيء فيه مما ينفي كونه في مدة وخلق من مادة. ثم إن هذا المؤسس (١) مع كونه يحمل كلام النبي ﷺ على رفع تأثير الأفلاك والعناصر رداً على الفلاسفة يقرر في كتب له أخرى دلالة القرآن على تأثير الأفلاك والكواكب تارة عملاً بما يأمر به

стр. 85

المنجمون من الأخبار وتارة أمراً بما يأمر به السحرة المشركون من عبادتها، فقد جعل كلام الله ورسوله متناقضاً حيث أثبت ذلك ونفاه، ثم إنه في جانب الإثبات يغلو حتى يأمر بما هو محرم بل كفر بإجماع المسلمين، وفي جانب النفي يغلو حتى يمنع كونها أسباباً كسائر الأسباب، وهذا من أعظم التناقض فيما جاء به الرسول ومن جهة المعقول. وأما التأويل الرابع فقوله: المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله لا بتأثير القوة المصورة. يقال له: إن كان اللفظ دالاً على ذلك فإنما يدل عليه قوله: خلق الله آدم كما ذكر ذلك في القرآن في غير موضع، إذ قوله: «على صورته» لا يتعرض لذلك وإن لم يكن دالاً عليه فهو باطل، وعلى التقديرين فدعوى قوله: «على صورته» بغير القوى الطبيعية دعوى باطلة. ويقال له ثانياً: إخبار الله تعالى بأنه خلق آدم وهو الخالق أظهر وأشهر في القرآن وعند العامة والخاصة من أن يكون المستفاد منه يحتاج إلى قوله: «على صورته». ويقال له ثالثاً: أي شيء في قوله: «على صورته» ما يمنع هذه القوى. ويقال له رابعاَ: ومن الذي يمنع وجود هذه القوى والطبائع وأن الله هو خلقها وخلق بها كما أخبر في غير موضع من كتابه أنه يحدث الأشياء بعضها ببعض كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ومن أعظم الضلال جحود ما يوجد في المخلوقات وما أخبر الله به في كتابه وجعل ذلك تأويل الأحاديث مع دعوى المدعي أنه يرد بذلك على الدهرية والفلاسفة والأطباء والمشبهة وهو قد أضحك

стр. 86

العقلاء على عقله بما جحده من الحسيات والمعقولات وألحد في آيات الله بما افتراه من التأويلات وأخبر عن الرسول أنه أخبر بجحد الموجودات مع أن لفظه ﷺ من أبعد شيء عن هذه الترهات. وأما التأويل الخامس فقوله: إن الصورة تذكر ويراد بها الصفة يقال: شرحت له صورة هذه الواقعة وذكر له صورة هذه المسألة، والمراد أن الله تعالى خلق آدم من أول الأمر كاملاً تاماً في علمه وقدرته أو كونه سعيداً عارفاً تائباً. فيقال له الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ «ص ور» يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج، وما يكون من الوقائع يشتمل على أمور كثيرة لها صورة موجودة، وكذلك المسئول عنه من الحوادث وغيرها له صورة موجودة في الخارج، ثم تلك الصورة الموجودة ترتسم في النفس صورة ذهنية، فقوله شرحت له صورة الواقعة وأخبرني بصورة المسألة، إما أن يكون المراد به الصورة الخارجية أو الصورة الذهنية، وأما الصفة فهي في الأصل مصدر وصفت الشيء أصفه وصفاً وصفة، ثم يسمون المفعول باسم المصدر، سنة جارية لهم فيقولون لما يوصف به من المعاني صفة، ثم قد يغلب أحد اللفظين في بعض الاصطلاحات، كما اصطلح طائفة من الناس على أن جعلوا الوصف اسماً للقول والصفة اسماً للمعنى، كما أن طائفة أخرى جعلوا الجميع اسماً للقول، والتحقيق أن كلاً منهما يدل على هذا، والواصف للشيء لا يصفه حتى يعلمه فيرتسم مثاله في نفسه ومن هنا يقام الدليل مقام الصفة كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، قال بعضهم: أي صفة الجنة التي وعد المتقون، وإذا كان ما في النفس

стр. 87

من العلم بالشيء يسمى مثلاً له وصفة فالصورة الذهنية هي المثل الذي يسمى أيضاً صفة ومثلاً، ولهذا يقال تصورت الشيء وتمثلت الشيء وتخيلته إذا صار في نفسك صورته ومثاله وخياله كما يسمى مثاله الخارج صورة كما قال النبي ﷺ : «لعن الله المصورين» وقال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» وقال: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة» كما يسمى ذلك تمثالاً في مثل قول علي: «بعثني رسول الله ﷺ فأمرني أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». وقال العلماء: كابن عباس وعكرمة وأحمد وغيرهم الصورة هي الرأس فإذا قطع الرأس لم تبق صورة، ولهذا قال ابن عباس لمن استفتاه: «إن كنت مصوراً فصور الشجر وما لا روح فيه» وسيأتي في الصحيحين من حديث القيامة قال فيه: «ويحرم الله صورهم على النار» هذا في حديث أبي سعيد، وفي حديث أبي هريرة: «حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود» وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وقوله: لفظ الصورة يذكر ويراد به الصفة، إن أراد به أن الصورة توصف بالقول وأن لفظ الصورة يراد به ما يوصف بالقول من الصورة الخارجية أو ما يطابقه من الصورة الذهنية فهذا قريب ولكن هذا يوجب أن لفظ الصورة لا بد له من صورة خارجية وأن تطابقها الصورة الذهنية، وإن أراد به لفظ الصفة فقد لا يراد به إلا ما يقوم بالأعيان كالعلم والقدرة، فهذا باطل لا يوجد في الكلام أن قول القائل صورة

стр. 88

فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة من العلم والقدرة ونحو ذلك بل هذا من البهتان على اللغة وأهلها. وأيضاً فقول القائل: خلق آدم على صورة آدم بمعنى على صفة آدم لا يدل على أنه خلق على صفات الكمال ابتداء، ولو أريد بالصورة ما يتأخر عن وجوده فإن المخلوق على صفة من الصفات يخلق عليها في مدة وفي غير مدة، يبين ذلك أنه جعل أحد المحملين كونه خلق عارفاً تائباً مقبولاً عند الله، ومعلوم أن هذه الصفة تأخر وجودها عن ابتداء خلقه، فإن التوبة كانت بعد الذنب، فإذا كان لا ينافي كونه مخلوقاً عليها فكذلك لا ينافي كونه مخلوقاً على صفة العلم والقدرة وإن تأخر ذلك عن وجوده، وإذا كان كذلك فلا فرق بينه وبين غيره. وأيضاً فهذا الذي ذكره من معنى الخبر باطل فإن آدم لم يجعل ابتداء على صفة الكمال، بل بعد أن خلقه الله تعالى علمه الأسماء التي لم يكن بها عالماً كما علم بنيه البيان بعد أن خلقهم، فهذه التأويلات التي هي ذكر دلالة اللفظ على معنى من المعاني، تارة يكون المعنى باطلاً، وتارة يكون اللفظ غير دال عليه، وتارة يكون اللفظ دالاً على نقيضه وضده، وتارة يجتمع من ذلك ما يجتمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد: نعوذ بالله من الغي والزيغ ونسأله الهدى والسداد. وهذه التأويلات وإن كان المؤسس (١) مسبوقاً بها وهو إن كان قد نقل منها ما نقله من كتاب أبي بكر ابن فورك ونحوه، وهم أيضاً مسبوقون بأمثالها فقد كان من هو أقدم منهم يذكر من التأويلات ما هو أمثل من ذلك، إذ كل ما تقدم الزمان كان الناس أقرب إلى السداد في

стр. 89

الثبوتات والقياسات الشرعيات والعقليات، وكان قدماء الجهمية أعلم بما جاء به الرسول وأحسن تأويلاً من هؤلاء كما تقدم فيما ذكره المروذي عن أحمد أنه ذكر له عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال قول النبي ﷺ : «خلق آدم على صورته» قال: صورة الطين، قال: هذا جهمي وقال: نسلم الخبر كما جاء، فأخبر أحمد أن هذا جهمي كما أن من قال على صورة الأرحام فهو جهمي لأن الجهمية هم الذين ينكرون الصفات ويتأولون ما ورد في ذلك من الأخبار والآيات، وهذا التأويل أجود مما تقدم فإن قوله: على صورة آدم يقتضي أن يكون لآدم صورة خلق عليها وتلك هي صورة الطين فإن الله صور آدم طيناً حتى يبس فصار صلصالاً ثم نفخ فيه الروح، ومراد هؤلاء أنه خلقه على تلك الصورة المصنوعة من الطين، لكن هذا أيضاً فاسد، فإن قول القائل خلق على تلك الصورة يقتضي أن تكون له صورة أخرى خلقت على تلك الصورة. وآدم بعينه تلك الصورة التي خلق فيها الروح، بل تصويره هو خلقه من تراب ثم من طين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، فقدم الخلق على التصوير فكيف تكون الصورة لآدم سابقة على الخلق حتى يقال خلق آدم على تلك الصورة. وأيضاً لو أريد أنه خلق من صورة الطين بعينها لا من أبوين ولا يجوز ذلك لقيل كما قال الله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [صّ: ٧١]، وقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. وكذلك إذا تأوله متأول على الصورة المقدرة له وهي ما سبق له في علم الله وكلامه وكتابه، أي خلق آم على الصورة التي قدرها له فإن الله وإن كان خلق كل شيء على ما سبق من تقديره فلا يصح تأويل الحديث على هذا لأن جميع الأشياء خلقها الله تعالى على ما قدره فلا اختصاص لآدم بذلك.

стр. 90

وأيضاً فإنه لا يصلح أن يقول، لا تقبحوا الوجه ولا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على ما قدره فإن الوجه وسائر الأعضاء بل وسائر المخلوقات خلقها على ذلك فينبغي أن لا يصلح تقبيح شيء من الأشياء البتة لعموم العلة. وأيضاً فإن قوله: «ووجه من أشبه وجهك» يمنع أن يكون المراد التقدير. وأيضاً فإن هذه العلة لا تصلح أن تكون مانعة من التقبيح. وأيضاً فإن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» يمنع أن يكون المراد التقدير فإن ذلك لا يختص بالوجه ولا بآدم ولا يصلح أن يعلل به منع ضرب الوجه ولو علل به وجب أن لا يضرب شيء من الأشياء. وأيضاً فقوله: «خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً - إلى قوله- فكل من يدخل الجنة يدخلها على صورة آدم» صريح في أنه أراد صورة آدم المخلوقة لا المقدرة. وأيضاً فتسمية ما قدر صورة ليس له أصل في كلام الله وكلام رسوله، فليس في هذا الخطاب أن صور الأشياء ثابتة في علم الله أو تقديره وإن كان من المتأخرين من يقول لفلان عند فلان صورة عظيمة وهذا الأمر مصور في نفسي لكن مثل هذا الخطاب لا يجوز أن يحمل عليه كلام الرسول ﷺ إلا أن يكون ذلك من لغته التي يخاطب بها أمته.

стр. 91

فصل وأما التأويلات الثلاثة التي ذكرها في الطريق الثالث فالكلام في إبطالها فقط إذ لفظ الحديث مع سائر الأحاديث موافقة لهذا الطريق كما جاء على صورة الرحمن وعلى صورته. أما التأويل الأول وهو قوله: المراد من الصورة الصفة كما بيناه فيكون المعنى أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات قادراً على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه فصح قوله: «إن الله خلق آدم على صورته» على هذا التأويل. فالكلام عليه من وجوه، أحدها أنه تقدم أن لفظ الصفة سواء عني به القول الذي يوصف به الشيء، وما يدخل في ذلك من المثال العلمي الذهني، أو أريد به المعاني القائمة بالموصوف فإن لفظ الصورة لا يجوز أن يقتصر به على ذلك بل لا يكون لفظ الصورة إلا لصورة موجودة في الخارج أو لما يطابقها من العلم والقول وذلك المطابق يسمى صفة ويسمى صورة، وأما الحقيقة الخارجية فلا تسمى صفة كما أن المعاني القائمة بالموصوف لا تسمى وحدها صورة. وإذا كان كذلك فقوله: «على صورته» فلا بد أن يدل على الصورة الموجودة في الخارج القائمة بنفسها التي ليست مجرد المعاني القائمة بها من العلم والقدرة وإن كان لتلك صورة وصفة ذهنية إذ وجود هذه الصورة الذهنية مستلزم لوجود تلك وإلا كان جهلاً لا علما، فسواء عنى بالصورة الصورة الخارجية أو العلمية لا يجوز أن يراد به مجرد المعنى القائم بالذات والمثال العلمي المطابق لذلك. الوجه الثاني أن قوله: أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص

стр. 92

والأجسام بالعلم والقدرة إن أراد به امتيازه عن بنيه فليس كذلك، وان أراد به امتيازه عن الملائكة والجن فهو لم يتميز بنفس العلم والقدرة فإن الملائكة قد تعلم ما لا يعلمه آدم كما أنها تقدر على ما لا يقدر عليه، وان كان هو أيضاً علمه الله ما لم تكن الملائكة تعلمه لاسيما عند جهور الجهمية من المعتزلة والمتفلسفة ونحوهم، الذين يزعمون أن الملائكة أفضل من الأنبياء وهو أحد أقوال المؤسس (١)، وسواء كان الأنبياء أفضل أو الملائكة فلا ريب أنه لم يتميز أحدهما عن الآخر بجنس العلم والقدرة لكن بعلم خاص وقدرة خاصة. وأيضاً فأهل السنة الذين يقولون الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة لا يقولون إنهم خلقوا على صفة الكمال التي هم بها أفضل من الملائكة، بل يقولون إن الله ينقلهم من حال إلى حال حتى يكونوا في نهايتهم أفضل من الملائكة في نهايتهم، فقد ثبت باتفاق الطوائف أن آدم لم يخلق على صفة من العلم والقدرة وامتاز بها عن سائر الأشخاص والأجسام، بل في الأشخاص والأجسام من كان امتيازه عن آدم بالعلم والقدرة أكثر. الوجه الثالث أن يقال المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن يصح (٢) قول القائل إن الله خلق ذلك الموصوف على صورة الله أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك بطل قولك إن خلق آدم على هذه الصفات التي جعلتها بعض اللوازم يصحح قوله: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا

стр. 93

الإطلاق صح أن يقال إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته. بل خلق كل حي على صورته، بل ما من شيء من الأشياء إلا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة ولو أنه بالقيام بالنفس وحمل الصفات، فيصح في كل جسم وجوهر أن الله خلقه على صورته على هذا التقدير. الوجه الرابع أن لفظ الحديث: «إذا قاتل أحدكم أو ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» فنهى عن ضرب الوجه لأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد مجرد خلقه عالماً قادراً ونحو ذلك لم يكن للوجه بذلك اختصاص بل لا بد أن يريد الصورة التي يدخل فيها الوجه. الوجه الخامس الحديث الآخر: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» فنهى عن تقبيح الوجه المشبه لوجه آدم لأن الله خلق آدم على صورته. وهذا يقتضي أنه نهى عن ذلك لتناوله لله وأنه أدخل وجه ابن آدم فيما خلقه الله على صورته. فإن قيل هذا تصريح بأن وجه الله يشبه وجه الإنسان كما ورد «صورة الإنسان على صورة الرحمن». فالجواب أن هذا أيضاً لازم للمنازع ولهذا أورده وأجاب عنه فقال: فإن قيل: المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الإلهية، قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ وقال: ﷺ «تخلقوا بأخلاق الله». ومن المعلوم أن المشابهة والمشاركة في صفات الكمال التي هي

стр. 94

العلم والقدرة أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه - إلى أن قال-: ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة من ثبوت هذا الشبه من بعض الوجوه، والله هو الذي خلق آدم على صورته هو خير مما ذكره المؤسس (١) فاستشهد عليه بما ذكره عن النبي ﷺ وهو قوله: «تخلقوا بأخلاق الله»، فإن هذا من جنس ما يقوله المتفلسفة الصابئون ومن سلك مسلكهم من الإسلاميين من قولهم إن الفلسفة هي التشبه بحسب الطاقة فيثبتون أن العبد يصير شبيهاً بالله تعالى بفعل نفسه ويحتج من اتبعهم على ذلك كأبي حامد وغيره بقوله: تخلقوا بأخلاق الله وهذا اللفظ لا يعرف عن النبي ﷺ في شيء من كتب الحديث ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو من باب الموضوعات عندهم. وإن كان قد يفسر بمعنى صحيح يوافق الكتاب والسنة، فإن الشارع قد ذكر أنه يجب اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى كقول النبي ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» «إنه وتر يحب الوتر» «إنه طيب لا يقبل إلا طيبا» «الراحمون يرحمهم الرحمن» «إنك عفو تحب العفو فاعف عني» «إن الله نظيف يحب النظافة» (٢) لكن المقصود أن هؤلاء مع كونهم أظهر الناس تبرءاً من التشبيه يزعمون أن كمال الفلسفة عندهم أن يفعل الإنسان ما يصير به مشابهاً لله في الجملة، وقد وافقهم عليه بعض المتكلمين وإن كان كثير من المتكلمين يخالفونهم في ذلك ويقول أخبرهم كالمازري ليس لله خلق يتخلق به العبد فلأن يكون الله هو القادر على أن يخلق ما يشبهه من بعض الوجوه أولى وأحرى فيكون هذا ثابتاً بخلق الله تعالى. وأما الأخلاق والأفعال

стр. 95

المناسبة المشابهة لمعاني أسمائه التي يحبها فهي مما أمر به، وهو سبحانه له الخلق والأمر. الوجه السادس أن يقال: المحذور الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة، أو الصورة المعنوية أو الروحانية ونحو ذلك يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه، وإذا كان مثل هذا لازما على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه، لأجله، ولم يكن أيضا محذوراً بالاتفاق، وذلك أن كون الإنسان على صورة الله التي هي صفته أو صورته المعنوية أو الروحانية فيه نوع من المشابهة. كما أنه إذا أقر الحديث كما جاء فيه نوع من المشابهة، غايته أن يقال المشابهة هنا أكثر، لكن مسمى نوع من التشبيه لازم على التقديرين، والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين. الوجه السابع أن يقال: إذا كان مخلوقاً على صورة الله تعالى المعنوية فلا يخلو إما أن يكون ذلك مقتضيا لكون صفات العبد المعنوية من جنس صفات الله بحيث تكون حقيقتها من جنس حقيقتها أولا يقتضي ذلك بل يقتضي المشابهة فيها مع تباين الحقيقتين، فإن كان مقتضى الحديث الأول فهو تصريح بأن الله له مثل. وهذا باطل، وأيضا فإنه ممتنع في العقل فإن المتماثلين في الحقيقة يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، والمخلوق يجب أن يكون معدوماً محدثاً مفتقراً ممكناً، والخالق يجب أن يكون قديماً واجب الوجود غنياً، فيجب أن يكون الشيء الواحد واجباً ممكناً غنياً فقيرا موجوداً معدوماً، وهذا جمع بين النقيضين فثبت أن الحديث لا يجوز حمله على هذا. وأيضاً فإنه على هذا التقدير لا يكون في حمله على الصورة الظاهرة

стр. 96

محذور وإن لم يكن ذلك مقتضيا لكون صفات العبد من صفات الرب بحيث تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع كون هذا عالما وهذا عالماً وهذا حيا وهذا حيا وهذا قادرا وهذا قادرا. هذا سميعا بصيرا وهذا سميعا بصيرا، بل هذا موجودا وهذا موجودا مع كون الحقيقتين والعلم والقدرة متشابهات، وكذلك لا يجب إذا كان لهذا وجه وصورة ولهذا وجه وصورة أن تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع تشابه الحقيقتين. يوضح ذلك أنه على التقديرين لا بد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على الصفة المعنوية فإن كون هذا عالما قادراً وهذا عالماً قادراً وهذا موجوداً وهذا موجوداً وهذا ذاتاً وهذا ذاتا وهذا ذاتا لها صفات وهذا ذاتا لها صفات لا بد أن يثبت التشابه كما تقدم. الوجه الثامن: أن الأدلة الشرعية والعقلية التي يثبت بها تلك الصفات يثبت بنظيرها هذه الصورة فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل. وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل. كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل. وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وكما أنه لا بد لكل موجود من صفات تقوم به فلا بد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يقوم عليها. الوجه التاسع: أن هذا المعنى الذي ذكروه وان كان ثابتاً في نفسه ويمكن أن يكون الحديث دالاً عليه باللزوم والتضمن لكن قصر الحديث عليه باطل قطعاً كما تقدم. الوجه العاشر: ثبوت الوجه والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة المتواترة واتفق على ذلك سلف الأمة. وسيأتي إن

стр. 97

شاء الله طائفة من النصوص التي فيها إثبات صورة الله تعالى كقوله: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» ونحو ذلك مما هو من الأحاديث التي اتفق العلماء على صحتها وثبوتها، فأما لفظ الوجه فلا يمكن استقصاء النصوص المثبتة له. فإن قيل قوله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وهذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره أن الله طوله ستون ذراعاً، والله تعالى كما قال ابن خزيمة جل أن يوصف بالذرعان والأشبار، ومعلوم أن هذا التقدير في حق الله باطل على قول من يثبت له حداً ومقداراً من أهل الإثبات، وعلى قول نفاة ذلك، أما النفاة فظاهر. وأما المثبتة فعندهم قدر الله تعالى أعظم، وحده لا يعلمه إلا هو وكرسيه قد وسع السموات والأرض، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس أن الله يقبض السموات والأرض بيديه. قال ابن عباس: «ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (١) وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر وأعظم من أن

стр. 98

يقدر هذا القدر. وهذا من المعلوم بالضرورة من العقل والدين. قيل ليس ظاهر الحديث أن الله طوله ستون ذراعاً، ومن زعم أن هذا ظاهره أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم. ومعلوم أيضاً عدم ظهوره من الحديث فإن الضمير في قوله طوله عائد إلى آدم الذي قيل فيه: «خلق آدم على صورته» ثم قال: «طول آدم ستون ذراعاً فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة، فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضاً. فلفظ الطول وقدره ليس داخلا في مسمى الصورة حتى يقال إذا قيل: «خلق الله آدم على صورته» وجب أن يكون على قدره وطوله، بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر ويقال: هذه صورتها مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر. وكذلك المصور الذي يصور صورة السموات والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار بصورة ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته وعن قدره، والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه فلما قال في آخر الحديث: «فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً» هذا يقتضي مشابهة الجنس في القدر لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه وحقيقتهما واحدة. وأما قوله: «خلق آدم على صورته» فإنها تقتضي نوعاً من المشابهة فقط. لا تقتضي تماثلاً لا في حقيقة ولا قدر، وأما الذين ظنوا أن الضمير في قوله: «طوله ستون ذراعاً» لما كان عائداً إلى آدم لم تكن له صورة قبل ذلك يخلق عليها وذكرنا الوجوه المتعددة الدالة على فساد

стр. 99

ذلك، ولهذا كان بعض المحدثين الذين يريدون أن لا يحدثوا بعض الناس بهذا المعنى يقولون خلق آدم طوله ستون ذراعاً، فإن كان هذا في بيان مقدار صورة آدم خلقه الله عليها لا يقال في مثل ذلك خلق آدم على صورة آدم. بل قد يقال خلق على هذه الصورة على هذه الصفة فإن هذا في اللفظ ليس فيه إضافة تقتضي تقدم الصورة التي خلق عليها بل فيه تخصيص وبيان للصورة التي كان عليها بعد الخلق مع أن هذا لا يصلح أن يقال في هذا اللفظ لأن قول القائل خلق آدم على صورة آدم أو على الصورة التي كانت لآدم إذا أراد به التقدير وهو كونها ستين ذراعاً فإنه يقتضي كون المخاطبين يعرفون ذلك بأقل من هذا الخطاب فإن الخطاب المعرف باللام أو الإضافة يقتضي تقدم معرفة المخاطبين بذلك المعرف، ومعلوم أن المخاطبين لم يكونوا يعلمون طول آدم. وهذا لا يصلح أن يقال في القدر ما ذكر في صورة آدم من كونه لم يمسخ أو كونه خلق ابتداء ونحو ذلك إذ هذا معلوم بخلاف القدر، فعلم أن الحديث أخبر فيه بجملتين. أنه خلق آدم على صورته وأن طوله ستون ذراعاً ليس هذا التقدير تقدير الصورة التي خلق عليها حتى يقال هي صورة آدم. وأما التأويل الثاني: وهو تأويل ابن خزيمة أنه إضافة خلق كما في ناقة الله وبيت الله وأرض الله وفطرة الله فالكلام عليه من وجوه، أحدها أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل على صورة مخلوقة لله وليس هناك إلا صورة آدم بمنزلة قوله على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة. الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة، فأما الصفات القائمة

стр. 100

بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين البابين وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله لوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، ويمتنع أن تقوم بغيره. الوجه الثالث: أن الأعيان المضافة إلى الله لا تضاف إليه لعموم كونها مخلوقة ومملوكة له إذ ذلك يوجب إضافة جميع الأعيان إلى الله تعالى لاشتراكها في الخلق والملك فلو كان قوله في ناقة صالح ناقة الله بمعنى أن الله خلقها وهي ملكه لوجب أن تضاف سائر النوق إلى الله بهذا المعنى فلا يكون حينئذ لها اختصاص بالإضافة، وكذلك قوله طهر بيتي لو كان المراد به خلقي وملكي لوجب إضافة سائر البيوت إلى الله لمشاركتها في هذا المعنى فلا بد أن يكون في العين المضافة معنى يختص بها يستحق بها الإضافة، فبيت الله هو الذي اتخذ لذكر الله تعالى وعبادته وهذه إضافة من جهة كونه معبوداً فيه فهو إضافة إلى إلهيته لا إلى عموم ربوبيته وخلقه كما في لفظ العبد فإن قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]،

стр. 101

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: ٦٣]، هو إضافة إليهم (١) لأنهم عبدوه لا لعموم كونه عبّدهم بخلقه لهم فإن هذا يشركهم فيه جميع الناس وهو قد خصهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، ونحو ذلك. كذلك الناقة فيها اختصاص بكون الله جعلها آية ففيها معنى الإضافة إلى إلهيته، وأما قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، ففي الإضافة تخصيص للأرض التي هي باقية على ما خلقها الله تعالى فلم يستول عليها الكفار والفجار من عباده ومنعوا باستيلائهم عليها من عبادة الله عليها، ولهذا لم تدخل أرض الحرب في هذا العموم، وقد يقال الإضافة لعموم الخلق لأن الأرض واحدة لم تتعدد الأرض كما تعددت النوق والبيوت والعبيد. وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، تضاف إلى الله من الوجهين من جهة أن الله خلقها فتكون إضافة إلى جهة ربوبيته. ومن جهة أنه فطرها على الإسلام الذي هو عبادة الله فيكون في الإضافة معنى الإضافة إلى إلوهيته، وإذا كان كذلك فالصورة المخلوقة هي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله. وأيضاً فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه فينبغي أن تضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك لكون أن الله خلقه. الوجه الرابع: أن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» لو كانت الإضافة إضافة خلق وملك لوجب أن لا

стр. 102

يضرب شيء من الأعضاء لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء. الوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقاً مملوكاً بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب هذا لكونه ذاك لكان هذا التشبيه من باب العيب لأن العلة في المشبه به مثل من يقول لأحد ابنيه إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الأخر في معنى العبودية وهما مشتركان في هذا. الوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب من الموجودات ويشتم هو من مخلوق الله مملوك وهذا يوجب أن لا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق. الوجه السابع أن قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته» يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله فلو أريد صورة يخلقها الله لكان كونه هو في نفسه مخلوقاً لله أبلغ من كونه مشبهاً لما خلقه الله فيكون عدولاً عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها. الوجه الثامن أنه لو قال: لا تضرب وجه هذا فإن الله خلقه على صورته كان قد يقال فإن الله خلق هذا على صورة مشرفة مكرمة. بل قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» «ولا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» فخلق المخلوق على صورته هو آدم وهذا من بنيه فمعلوم أن صورته كصورة آدم، فذكر ثلاثة أشياء الصورة المضروبة المشتومة المنهي عن ضربها وشتمها وهي وجوه الآدميين. وآدم الذي خلقه الله،

стр. 103

والصورة التي خلق عليها آدم، فلا بد من إثبات هذه الثلاثة، ولو أريد الصورة المخلوقة لم يكن إلا صورة فقط هي الصورة المضروبة المشتومة، وصورة آدم فقط فيقال خلق هؤلاء أو هذا أو الذرية على صورته. الوجه التاسع: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة فإذا لم يكن في قوله: «على صورته» معنى إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكه لكان قوله: خلق آدم كافياً إذ خلق آدم وخلق آدم على صورته سواء على هذا التقدير. وإن ادعى أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيصاً فكذلك يكون في لفظ خلق لا فرق بين قول القائل هذا مخلوق الله وبين قوله: «إن الله هو الذي خلق آدم على الصورة التي خلقها الله، أو خلق آدم على الصورة التي خلقها الرحمن» ومثل هذا الكلام لا يضاف إلى أدنى الناس فضلا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ . الوجه العاشر أن قوله: «خلق آدم على صورته» أو «على صورة الرحمن» يقتضي انه برأه وصوره على تلك الصورة. فلو أريد الصورة المخلوقة المملوكة التي هي صورة آدم المضافة إليه تشريفاً لكان يقال صورة آدم صورة الله أو صورة الإنسان صورة الله ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الإضافة المجردة وان كان في ذلك ما فيه، أما إذا قيل خلقه على صورته ولم يرد إلا أن صورته المخلوقة هي الصورة المضافة إلى الله لكونها مخلوقة له فهذا تناقض ظاهر لا يحتمله اللفظ. وأما التأويل الثالث المذكور عن الغزالي من أن معنى قوله: «خلق آدم على صورته» أن الإنسان ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير والتصرف ونسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم من حيث أن كلاً منهما غير حالٍ في هذا الجسم

стр. 104

وإن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير. فهذا يشبه ما ذكره الإمام أحمد عن الجهم في مناظرته للمشركين السمنية. قال: وكان الجهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا - ثم ذكر شيخ الإسلام ما ذكره الإمام أحمد في «الرد على الجهمية» من مناظرة الجهم بن صفوان للمشركين السمنية وأن الجهم قال في مناظرته لهم: إن الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان. قال شيخ الإسلام: فقد شبه الجهم الله بالروح التي في الإنسان من جهة أن كلاهما لا يشبه بشيء من الحواس الخمس مع تدبيره لذلك الجسم. وهذا يشبه قول الصابئة المتفلسفة الذين اتبعهم أبو حامد حيث ادعوا أن الروح هي كذلك ليست جسما ولا يشار إليها ولا تختص بمكان دون مكان ولكنها مدبرة للجسم كما أن الرب مدبر للعالم. ثم ذكر الشيخ أن المعتزلة دخلوا في دين الجهمية واتبعوا الصابئة الفلاسفة في مواضع كثيرة. وذكر أيضا ما هم عليه في باب العلوم الإلهية من النفي والتعطيل. وذكر أيضا مبدأ انتشارهم وظهورهم في أثناء المائة الثانية ثم بعد ذلك تغلظ ذلك. وذكر أيضاً أن بعض البدع المضلة تلوث بها كثير من المنتسبين في أكثر أحوالهم إلى ما عليه أهل السنة والجماعة لظهور أصحابها وانتشارها. ثم قال في الجواب عما نقله الرازي عن أبي حامد الغزالي من التأويل الفاسد لحديث: «إن الله خلق آدم على صورته». والكلام على هذا التأويل من وجوه أحدها أن من ألفاظ الحديث «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» فنهى عن ضرب الوجه لكون آدم مخلوقاً ولأن الله خلق آدم على صورة

стр. 105

الرحمن. فلو كان المراد إبداع روحه مدبراً لجسده من غير حلول فيه كما أن الله تعالى مدبر للعالم من غير حلول فيه لم يكن هذا متنا ولا للوجه فإن الوجه من الجسد الذي تدبره الروح فيكون مشابهاً لبعض العالم الذي يدبره الله تعالى ولا يكون داخلا في الروح التي خلقها الله تعالى على صورته، وإذا كان كذلك لم يصلح أن يعلل النهي عن ضربه بعلة لا تتناوله. الوجه الثاني: أنه لو أريد هذا لقيل: لا تغموا الآدمي أو لا تحزنوه أو لا تضيقوا صدره فإن الله خلقه على صورته فيكون النهي عن تعذيب الروح المشابهة للرب من الوجه الذي ذكره إن كان ما قاله حقاً. الوجه الثالث: أن كون حقيقة الآدمي هي الروح وأنها مخلوقة على صورة الله أمر لا يختص الوجه بل يشترك فيه سائر البدن فإن الروح مدبرة لجميع البدن فتخصيص الوجه بالنهي عن ضربه وشتمه لأجل ذلك لا وجه له، بل يقال إما أن يكون كون الروح مخلوقة على صورة الله موجبا للنهي عن الضرب والتقبيح لما هي مدبرة له أو لا يكون، فإن كان ذلك وجب أن ينهى عن ضرب جميع أجزاء بدن الإنسان حتى لا يجوز الضرب والتقبيح لشيء من بدن الآدمي مطلقاً وإن كان كافراً أو فاسقاً ومعلوم أن هذا في نهاية الفساد المعلوم بالاضطرار من العقل والدين، وإن لم يكن ذلك موجبا للنهي لم ينه عن ضرب الوجه وهو خلاف النص والإجماع. الوجه الرابع: أن الحديث «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» نهي عن تقبيح

стр. 106

الوجه وتقبيح ما يشبهه لأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المخلوق على الصورة إنما هو الروح لم يصح هذا التشبيه فإن الله لا يشبه وجه الإنسان وإنما يشبه روحه. الوجه الخامس: أن هذا التقبيح المنهي عنه لا يصلح أن يكون للوجه لعدم تناول العلة له. الوجه السادس: أنه لو أريد ذلك لقيل لا تقبحوا الروح أو لا تسبوها ونحو ذلك. الوجه السابع: أنه لا اختصاص للوجه بالنهي عن تقبيحه على هذا التقدير، بل كان الواجب أن ينهى عن تقبيح جميع أعضاء البدن أو لا ينهى عن تقبيح شيء منها لأن تعلق الروح بذلك تعلق واحد. الوجه الثامن: أن قوله في الحديث الأخر المتفق عليه «إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعا» صريح في أن المخلوق على صورته طوله ستون ذراعاً. وهذا نص في البدن فكيف يجوز أن يقال إن البدن ليس داخلاً في الحديث وإنما المراد الروح فقط. الوجه التاسع: أن اسم آدم يتناول البدن كتناوله الروح، وهذا معلوم بالاضطرار من كلام الله وكلام رسوله والعلماء كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقوله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأمثال ذلك، فمن زعم أن آدم لا يتناول إلا الروح فقط في مثل خلق آدم ونحوه من الكلام فإن بطلان قوله معلوم بالاضطرار المنزل بين العباد، وإنما يقال هذا في مثل قوله في حديث المعراج: أنه رأى في السماء

стр. 107

آدم وإبراهيم وموسى ونحوهم فإنه في مثله يقال المذكور هي الأرواح للعلم بأن أجسادهم في قبورهم. الوجه العاشر: أنه لو قال قائل لفظ خلق آدم إنما يتناول البدن وأن الروح نفخت فيه بعد ذلك لكان أقرب من هذا التبديل فإنه قال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [صّ: ٧١ - ٧٢]، وقال إبليس: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وقال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة فيهم الأسود والأبيض وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك»، وهذه النصوص وأمثالها مصرحة بأنه خلق آدم من التراب ومن الطين، ومعلوم أن البدن هو المخلوق من ذلك فكيف يدعي المدعي أن قوله: «خلق آدم» إنما يتناول الروح فقط». الوجه الحادي عشر: أن أبا حامد يدعي في مواضع أن لفظ الخلق إنما يتناول بالروح مسألة التقدير والمساحة وهو عندهم عالم الأجسام التي يسميها عالم الملك، فأما الأرواح المفارقة أو المدبرة التي يسميها عالم الجبروت والملكوت فتلك عنده عالم الأمر ليست من عالم الخلق، فإذا ادعى مع ذلك أن لفظ الخلق، إنما يتناول ما هو من عالم الأمر دون عالم الخالق كان هذا من أعظم التناقض ودل ذلك على فساد كلامه في هذا الباب. الوجه الثاني عشر: أن هذا غايته أن يكون خلقه على بعض صفاته وهي صفة التدبير للخلق من غير حلول فيه وهذا دون قول من

стр. 108

يقول على صفة الحياة والعلم والقدرة. وقد تقدم بطلان قول من حمل لفظ الصورة على هذه الصفات ما (١) فيه كفاية وذلك كله دليل على بطلان هذا بطريق الأولى، وهذه (٢) الوجوه المذكورة في الصفة كلها. الوجه الثالث عشر: أن إطلاق لفظ الصورة على مجرد كونه مدبرا للعالم من غير حلول فيه أمر لا يدل عليه اللفظ بوجه من الوجوه، بل هو من جنس دعاوي القرامطة والباطنية، ولا ريب أن كلام المتفلسفة في الروح مما يميل إليه القرامطة الباطنية. الوجه الرابع عشر: عند أبي حامد ومتبوعيه من المتفلسفة أن الملائكة بهذه المثابة وهي التي يسمونها العقول والنفوس فإنها عندهم مدبرة لعالم الأفلاك من غير حلول فيها فلا اختصاص لآدم بكونه مخلوقاً على صورة الله تعالى على هذا التقدير، بل جميع الملائكة وما يسمونه العقول والنفوس مخلوق على صورة الله تعالى على هذا التقدير، ومن أثبت من هؤلاء ووافق على أن لهم معاداً فإنه يقول فيهم كذلك فيكون إبليس أيضاً مخلوقاً على صورة الله تعالى عندهم، وينبني على هذا أن ينهى عن تقبيح الجن والشياطين لأنهم مخلوقون على صورة الله تعالى. الوجه الخامس عشر: أن هذا الكلام خرج مخرج المدح والتعظيم لآدم، والمدح إنما يكون بالصفات الثبوتية وبالسلبية التي تتضمن صفات ثبوتية، وليس فيما ذكروه إلا مجرد كونه مدبراً للبدن وكونه غير حال فيه، وهذه الصفة الثانية صفة سلبية ومجرد التدبير مشترك بين جميع الحيوانات. الوجه السادس عشر: أن يقال إن تشبيه الرب بالعبد إما أن

стр. 109

يكون سائغا أو لا يكون فإن لم يكن سائغاً بطل تشبيه الله بالروح المدبرة للبدن، وإن كان سائغا فلا حاجة إلى تحريف الحديث، والمقصود أنهم في تأويلهم مثبتون لنظير ما فروا منه، فإنهم فروا من التشبيه ولم يتأولوه إلا على التشبيه، وإن قالوا بثبوت التشبيه من وجه دون وجه كان كلام منازعيهم في النفي والإثبات أقوى من كلامهم كما تقدم لاسيما على هذا القول. الوجه السابع عشر: هذا التشبيه تشبيه باطل فإن الروح محتاجة إلى البدن في تحصيل كمالاتها كما أن البدن محتاج إليها، كل منهما محتاج إلى الآخر وباتفاقهما كانت الأعمال كما رواه الحافظ أبو عبد الله بن منده في «كتاب النفس والروح» وغيره عن ابن عباس قال: لا تزال الخصومة يوم القيامة حتى يختصم الروح والبدن فتقول الروح أنا لم أعمل شيئاً وإنما أنت عملت فأنت المستحق للعذاب ويقول البدن: أنا لم أتحرك من تلقاء نفسي ولكن أنت حركتني وأمرتني فيبعث الله ملكاً يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد وأعمى دخلا بستانا فرأى المقعد فيه ثمرا معلقا فقال للأعمى: إني أرى ثمرا ولكن لا أستطيع المشي إليه فقال الأعمى أنا أستطيع المشي لكني لا أراه فقال: تعال احملني فحمل الأعمى المقعد وجعل يقول له: تعالى إلى هنا تعال إلى هنا فيأمر المقعد الأعمى فيفعل فعلى من يكن العقاب فقال: على الاثنين، فقال الملك: فهذه حالكما أو نحو هذا المعنى، وهذا أمر محسوس متفق عليه بين العقلاء، وهؤلاء الذين يسمونها النفس الناطقة متفقون على أنها تعلقت بالبدن لتحصيل كمالاتها، وإذا كان كذلك فيلزم من هذا التشبيه أن يكون الله محتاجاً إلى العالم كما أن العالم محتاج إليه، وهذا من أقبح الكفر والتمثيل فإن التشبيه إذا ساغ إنما يسوغ في صفات الكمال، وهذا تشبيه لله بخلقه في صفات النقص.

стр. 110

وأيضا فإن الروح تفارق الدنيا ما شاء الله من الزمان، وعلى زعم المتفلسفة مفارقتها له أكثر من مقارنتها فإنها عندهم لا تقارنه بعد المفارقة أبدا، فيلزم أن يكون تخلي الله عن تدبير العالم أعظم من تدبير العالم أضعاف أضعاف تدبيره له على تقدير صحة التشبيه. الوجه الثامن عشر: أن الله رب العالم كله خالقه وبارؤه ومصوره، وأما الروح والبدن فبمنزلة المتشاركين المتعاونين فكيف يجوز أن يقال نسبة ذات آدم التي هي روحه إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم مع أن ذلك من أبعد الأمور عن المشابهة فإن كون أحدهما غير حال فيه مع كونه مؤثرا فيه بالتدبير والتصرف ينعكس في جانب الإنسان فإن البدن على رأيهم ليس بمحل الروح وهو أيضا مؤثر في الروح إذ كل منهما يؤثر في الآخر فما يحسه البدن ويباشره ببدنه يؤثر في الروح كما يذكره أبو حامد في غير موضع وهو محسوس، فهل العالم مؤثر في الله كتأثير البدن في الروح. الوجه التاسع عشر: أن كون الإنسان ليس بجسم ولا جسماني أمر ليس من المعارف الظاهرة ولا أخبر به الرسول حتى يصير معروفاً عندهم، بل كون الله ليس بجسم هو أيضاً كذلك ليس من المعارف الظاهرة ولا أخبر به الرسول أمته، فقوله: «خلق آدم على صورته» إذا أراد به أن كلاً منهما ليس بجسم ولا جسماني بل كل منهما غير حال فيما يدبره مع تأثيره فيه أمر لا يدل عليه اللفظ في اللغة التي خوطب بها ولا كان عند المخاطبين من المعارف ما يبينهم ذلك فيكون بيان هذا المعنى بهذا اللفظ خارجاً عن قانون الخطاب ليس بحقيقة عندهم ولا مجاز إذ من شرط المجاز ظهور القرائن المثبتة للمراد وليس عند المخاطبين قرينة تبين ذلك. الوجه العشرون أن هذا المعنى الذي ادعوه من كون الروح ليس
следующие страницы →