Полный текст (194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وأما المصريون فقد تقدم ما ذكرناه عنهم من الافتتان بالقبور, ودعاء أهلها والالتجاء إليهم في طلب الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات, وأن البدع والخرافات وأنواع المعاصي والمنكرات كانت فاشية عندهم بكثرة, وأنهم نبذوا حكم الشريعة المحمدية وراء ظهورهم واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية, وأنهم افتتنوا بالاشتراكية الخبيثة, مع تمسكهم بالتقاليد الإفرنجية في كل جليل وحقير من أمورهم. إلى غير ذلك مما ذكرناه ولم نذكره مما يطول وصفه.
ومع هذا يقول المصنف عنهم إنهم على الحق, وإنهم الطائفة المنصورة.
ويقول في الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه إنه قرن الشيطان, وإنه نشر الفتنة, وإن النجديين هم قرن الشيطان. وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية في كل من الفريقين.
وما أشبه حال المصنف بالذين قال الله تعالى فيهم (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
الوجه السابع: أن المصنف قال عن العلماء إنهم كانوا يحملون الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى أصحابه. وهذا الكلام فيه إيهام وتلبيس على من جهل حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب, كما أن فيه افتراء على علماء الدين وجوابه أن يقال:
стр. 142
أما علماء الزيغ والضلال, من المفتونين بالقبور وأهل البدع والأهواء ومن شاكلهم فإنهم قد أظهروا العداوة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصحابه, ورموهم بكل ما يرون أنه يعيبهم ويحط من قدرهم, فقالوا كذباً وزوراً إنهم خوارج, وقالوا إنهم قرن الشيطان, وقالوا إنهم نشروا الفتنة, وقالوا إنهم يبغضون الرسول ﷺ , إلى غير ذلك مما بهتوهم به وافتروه عليهم.
وأما علماء الدين فإنهم شهدوا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه أظهر توحيد الله؛ وجدد دينه ودعا إليه, واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته, وأثنوا عليه نظما ونثرا.
فمن ذلك ما قاله عالم اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى.
قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهراً ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
стр. 143
ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهراً على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ... ويستلم الأركان منهن بالأيدي
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الإحساء حسين بن غنام رحمه الله تعالى:
لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميدع
стр. 144
وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرقع
يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رحمه الله تعالى:
إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاماً عن لحوق المطاول
عنيت ابن عبد الوهاب قدوة عصره ... سلالة أنجاب زكي الخصائل
عليه من الرحمن أعظم رحمة ... تبل ثراه بالضحى والأصائل
стр. 145
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل
إمام له شأن كبير ورتبة ... من الفضل تثني همة المتطاول
تأخر ميلاداً وفي حلبة العلى ... وميدان فخر سابق للأوائل
ويأمر بالمعروف في كل حالة ... وعن منكر ينهى وليس بقابل
ولم يأل جهداً في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل
ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلوماً وليس بخاذل
وكم كان في الدين الحنيفي مجاهداً ... بماضي سنان دامغ للأباطل
فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزاً ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل
ولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل
فما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل
стр. 146
وقال الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان, نزيل لنجه من بلاد العجم رحمه الله تعالى, في رده على من عارض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجاً وشمسان ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذاك أخذاً باليد
ورأوا لعبّاد القبور تقرباً ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنـ ... ـصح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا تعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا تشركوا ملكاً ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد
стр. 147
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إلا عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضاً ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إنا وجدنا جملة الآبا على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من ... أهل الزمان اشتد غير مقلد
ناداهم يا قوم كيف جعلتم ... لله أنداداً بغير تعدد
قالوا له بل إن قلبك مظلم ... لم تعتقد في صالح متعبد
قالوا له غشاش أمة أحمد ... وهو النصيح بكل وجه يبتدي
هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشاً وهو قد ... نطقت به الرسل الكرام لمن هدي
стр. 148
من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترى إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتد
منهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستناً بهم فليقتد
عجباً لمن يتلو الكتاب ويدعي ... علم الحديث مسلسلا في المسند
ويقول للتوحيد غشاً: إن ذا ... خطر على من قاله فليشهد
ويجدد الإسلام والإيمان معتقداً ... بأن الشيخ خير مجدد
ما ذنبه في الناس إلا أنه ... هد القباب وتلك سيرة أحمد
لما نفى الإطراء منهم والغلو ... قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد
لو كان حبك للنبي محققاً ... لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي
والله قد ذم الغلو فقال (يا ... أهل الكتاب) بغلظة وتهددي
إذ قال (لا تغلوا) بنهي لازم ... (في دينكم) فالحكم لم يتردد
стр. 149
وكذا الرسول نهى وأخبر أنه ... فيه الهلاك لراهب متعبد
عجباً لهم لو كان فيهم منصف ... لرأى المحب محمداً لمحمد
من حيث إن الاتباع مقارن ... للحب في نص الكتاب الأمجد
قالوا صبأتم نحوه قلنا لهم ... الحق شمس للبصير المهتدي
ما بيننا نسب نميل به ولا ... حسب يقربنا له بتودد
أيضاً ولا هو جارنا الأدنى الذي ... نمتار نعمته ولم نسترفد
لكنها شمس الظهيرة قد بدت ... لذوي البصائر فاهتدى من يهتدي
فالعالمون العاملون المنصفون ... له أقروا بالفضائل واليد
لكن قليل منهم في عصرنا ... كالشعرة البيضا بجلد أسود
فان اعتراكم في الذي قد قاله ... شك وريب واختلاف يبتدي
فزنوا بميزان الشريعة قوله ... تجدوه حقاً ظاهراً للمقتدي
стр. 150
وقال الشيخ أحمد بن محمد الحفظي اليمني رحمه الله تعالى في أرجوزة له:
حركني لنظمها الخير الذي ... قد جاءنا في آخر العصر القذي
لما دعا الداعي من المشارق ... بأمر رب العالمين الخالق
وبعث الله لنا مجدداً ... من أرض نجد عالماً مجتهداً
شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي
فقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعتكرا
لا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا
إلا أساميها وباقي الرسم ... والأرض لا تخلو من أهل العلم
وكل حزب فلهم وليجه ... يدعونه في الضيق للتفريجه
وملة الإسلام والاحكام ... في غربة وأهلها أيتام
دعا إلى الله وبالتهليله ... يصرخ بين أظهر القبيله
стр. 151
مستضعفاً وما له مناصر ... ولا له معاون موازر
في ذلة وقلة وفي يده ... مهفة تغنيه عن مهنده
كأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلو بجنود الرب
ولم يزل يدعو إلى دين النبي ... ليس إلى نفس دعا أو مذهب
يعلم الناس معاني أشهد ... أن لا إله غير فرد يعبد
محمد نبيه وعبد ... رسوله إليكم وقصده
أن تعبدوه وحده لا تشركوا ... شيئاً به والابتداع فاتركوا
ومن دعا دون الإله أحدا ... أشرك بالله ولو محمداً
إن قلتم نعبدهم للقربه ... أو للشفاعات فتلك الكذبه
وربنا يقول في كتابه ... هذا هو الشرك بلا تشابه
هذي معاني دعوة الشيخ لمن ... عاصره واستكبروا عن السنن
стр. 152
وبعد ما استجيب لله فمن ... جادل في الله تردى وافتتن
ومن أجاب داعي الله ملك ... ومن تولى معرضاً فقد هلك
وثناء العلماء من سائر الأمصار على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى, واعترافهم بعلمه وفضله ونصيحته لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: كثير جداً.
بل قد اعترف أعداء الإسلام والمسلمين من كتاب النصارى ومؤرخيهم أن الشيخ محمداً وأتباعه أرادوا تجديد الإسلام وإعادته
стр. 153
إلى ما كان عليه في الصدر الأول, كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في كلام محمد رشيد رضا, وفيما نقله الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند عن الكاتب الأمريكي.
قال محمد رشيد رضا في مقدمة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدوة, وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين كما ورد في الأحاديث.
ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين, قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين
стр. 154
- ﷺ وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة, وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.
فنهدت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث قوة الدولة الحكام, وقوة أنصارها من علماء النفاق, وقوة العوام الطغام.
وتصدى للطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليه أفراد من أهل الأمصار المختلفة, منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد, قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد.
وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة ١٣٠٤. ألف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ, وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه.
وكنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم.
وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي وتاريخ «الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى» فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم, وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول, وإذاً لتجدد مجده وعادت إليه قوته وحضارته. وإن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى.
على أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون, ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون. وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد؟
ورأيت شيخنا محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم وتشدد خلفهم وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجي أن يكون عاما, وقد ربى الملك عبد العزيز غلاتهم المتشددين منذ سنتين تربية يرجى أن تكون تمهيداً لإصلاح عظيم.
وأن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم, وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم, ولا تتسع هذه المقدمة لنقل شيء من ذلك انتهى.
والتشدد الذي أشار إليه إنما وقع في بعض الأعراب في زمن يسير. فأما الحاضرة وكثير من البادية فكانوا على الطريقة السلفية ولم يكن فيهم تشدد كما يزعمه بعض الناس, فإطلاق
стр. 155
التشدد على العموم متعقب على من ادعاه, كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بحال أهل نجد.
وقال محمد رشيد رضا في هامش صيانة الإنسان: من المعلوم بالتواتر أن الشيخ رحمه الله تعالى جدد الإسلام في نجد وغير نجد.
وقال أيضاً في مقدمة رسائل العلامة الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: لا نعرف في تاريخ الإسلام شعباً دخل في جميع الأطوار التي دخل فيها الإسلام في نشأته الأولى: غربة وجهاداً وهجرة وحجاجاً وقوة, غير هذا الشعب النجدي.
فقد ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في وقت كان حال أهله شراً من حال المشركين وأهل الكتاب في زمن البعثة, من شرك وخرافات وبدع وضلالات وجهالة غالبة, فدعا إلى عبادة الله وحده والرجوع إلى أصل الإسلام الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃, فعاداه في بلاده الأكثرون ووالاه فيها الأقلون, فنصر الله تعالى أولياءه من أمراء آل سعود وأتباعهم على أعدائهم.
ثم تصدى لعداوتهم الترك وأعوانهم فكانت الحرب سجالا بينهم, وعاقب الله السعوديين زمناً ما بما كان من تخاذل بينهم وتقصير في إقامة بعض سنن الله في دولتهم, ثم كانت العاقبة الحسنى لهم عندما تابوا من ذنبهم ورجعوا إلى وحدتهم واعتبروا
стр. 156
بقول الله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله في أصحاب رسول الله ﷺ عندما ظهر عليهم المشركون في غزوة أحد (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) وقوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
امتحن الله النجديين بتصدي الترك لعدواتهم وتأليب العرب وشرفاء الحجاز والمصريين عليهم لئلا يعيدوا ملك العرب وسلطانهم الذي سلبوه منهم, فحاربوهم باسم الإسلام, ونشروا الكتب والفتاوى في رميهم بالكفر والابتداع, وقد اغتر كثيرون بما فعلوه باسم الإسلام, وشايعهم عليه أفراد وجماعات هم دون الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين الخليفة الرابع للرسول ﷺ وكفروه وتبرؤوا منه, ودون الذين بغوا عليه وحاربوه مع معاوية, نعم هم دونهم علماً بالدين وعملا به. بل كفرهم وقاتلهم أخلاط منهم المسلم والكافر والزنديق والمنافق, وعسكر لا يقيم الصلاة ولا يؤدي الزكاة ولا يحرم ما حرم الله ورسوله, من الخمر والزنا واللواط وأكل أموال الناس بالباطل والقتال لطاعة الرؤساء ولو في معصية الله تعالى.
بهذا كان علماؤهم وأمراؤهم في حال تشبه حال مسلمي الصدر الأول: في مقاومة المشركين الذين يدعون غير الله ويجعلون لله أنداداً كالذين جاهدهم النبي ﷺ , وفي مقارعة تاركي الصلاة ومانعي الزكاة كالذين قاتلهم أبو بكر الخليفة الأول ﵁, وفي مجالدة البغاة كالذين قاتلهم الخليفة الرابع علي ﵁,
стр. 157
وفي مجادلة المبتدعين من الروافض والجهمية كالذين ناضلهم الإمام أحمد وإخوانه أئمة السنة بالحجة.
فأعادوا نشأة الإسلام العملية سيرتها الأولى في الصدر الأول من ولاية وبراءة وهجرة وجهاد بالسيف والسنان, وبالحجة والبرهان. على حين صارت النصوص الخاصة بهذه الأحوال منسية أو كالمنسية عند غيرهم من شعوب الإسلام ودوله, لا يتعلق بها عمل من الأعمال ولا حكم من الأحكام.
وقد عده أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام من المجددين للدين وقال: كان من بني تيم ظهر في أواخر القرن الثامن عشر - أي الميلادي - وكان أهم مبادئ إصلاحه الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية, ودافع عن مبدأ الأخذ بالحديث والاعتماد عليه اعتمادا كليا عكس ما فعله الفقهاء السابقون من أخذهم بالرأي, واقتنع بمذهب أحمد بن حنبل في اعتماده على الحديث, ودرس مؤلفات ابن تيمية, وأعاد الرجم للزاني والزانية واكتسبت تعاليمه أنصارا كثيرين وأبطل الأضرحة وهدمها, وحرم لبس الحرير, وأي زينة وزخرف في المساجد, كما تشدد في تحريم المسكرات وتحريم التدخين, إلى أن قال إصلاحات محمد بن عبد الوهاب هي إصلاحات دينية لا دنيوية انتهى.
وقال محمد رشيد أيضا في مقدمة مجموعة الحديث النجدية:
وقد كان مما استعمل الله به الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد
стр. 158
الدين في نجد وما حولها أن أحيا مدارسة السنة النبوية فيها للاهتداء بها لا لمجرد التبرك بألفاظها, ولا لأجل الاستقلال فيها دون ما كتب المحدثون والفقهاء في شرحها والاستنباط منها بل نرى من هداهم الله تعالى بدعوته وأنقذهم من الجاهلية التي عادت إلى أكثر أهل جزيرة العرب ما زالوا يحيون كتب فقه شيخ السنة الأكبر الإمام أحمد ﵁, مع خيار كتب التفسير والحديث لغير الحنابلة من علماء السنة فكانوا من أجدر المسلمين بلقب أهل السنة.
وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند, في رده على الراوي العراقي: لقد نهض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نهضة أكرم بها من نهضة, وقد بلغ من أمر تلك النهضة أن عرفها الباحثون في علل رقي الأمم وانحطاطها حتى من غير علماء الإسلام.
وإليك نظرية أحد علماء الغرب في تلك النهضة الإصلاحية التي نهض بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال لو ثروب ستودارد الأمريكي في كتابه حاضر العالم الإسلامي المترجم إلى اللغة العربية بقلم الأستاذ عجاج نويهض- الفصل الأول من الكتاب, في اليقظة الإسلامية -:
في القرن الثامن عشر - أي الميلادي - كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ومن التدلي والانحطاط أعمق دركة, فاربدجوه وطبقت الظلمة كل صقع من اصقاعه, ورجاً من أرجائه, وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي,
стр. 159
واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات, وماتت الفضيلة في الناس, وساد الجهل وانطفأت قبسات العلم الضئيلة.
وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال فليس يرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين كسلطان تركيا وآخر ملوك المغول في الهند يحكمون حكما واهناً فاشي القوة متلاشي الصبغة, وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي هم في حكمها وينشؤون حكومات مستقلة ولكن مستبدة كحكومة الدولة التي خرجوا عليها, فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك, فكثر السلب والنهب, وفقد الأمن, وصارت السماء تمطر ظلماً وجوراً.
وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقا فوق ارهاق, فغلت الأيدي, وقعد عن طلب الرزق, وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين, وبارت التجارة بوراً شديداً, وأهملت الزراعة أي إهمال.
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء, فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية, وخلت المساجد من أرباب الصلوات, وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين, يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسحات, ويوهمون الناس بالباطل والشبهات, ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء, ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
стр. 160
وغابت عن الناس فضائل القرآن فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان, وانتشرت الرذائل, وهتكت ستر الحرمات على غير خشية واستحياء. ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام, فصار الحج المقدس الذي فرضه الله تعالى وفرضه النبي ﷺ على من استطاعه ضربا من المستهزآت.
وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين, وهبطوا مهبطا بعيد القرار فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان.
وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته ومدلج في ظلمته, إذا بصوت قد دوى من قلب صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام, يوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي, ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد, فتبدت تباشير صبح الإسلام ثم بدت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام.
ولد محمد بن عبد الوهاب في نجد الواقعة في قلب الصحراء العربية حوالي سنة ألف وسبعمائة ميلادي؛ وكانت نجد في ذلك
стр. 161
العصر على انحطاط العالم الإسلامي وتدليه أنقى البلدان إسلاما وأطهر الأقطار دينا. وإذ كان منذ أول شأنه شديد الميل إلى الاطلاع والتفقه في الدين, لسرعان ما اشتهر ذكره وذاع اسمه فعرف بعلم وافر, قواماً على التقوى فحج إلى مكة في أوائل عمره وطلب العلم في المدينة المنورة, وساح إلى كثير من البلاد المجاورة حتى فارس, ثم عاد إلى نجد مشتعلا غضباً دينياً لما رآه بأم عينه من سوء حالة الإسلام فصحت عزيمته على القيام بدعوة الإصلاح.
فقضى سنين عديدة راحلا من بلاد إلى بلاد في شبه الجزيرة فبشر بالدعوة موقظا النفوس, حتى استطاع بعد جهاد طويل أن يجعل محمد بن السعود وهو أكبر أمراء نجد وأعلى زعمائهم كعبا وشأنا يقبل الدعوة ويدخل فيها فاكتسب ابن عبد الوهاب بذلك مكانة أدبية عالية ومنزلة اجتماعية رفيعة وقوة حربية لا يستهان بها فاستفاد من ذلك استفادة جليلة قد مكنته من بلوغ غايته وإدراك غرضه.
فتكونت على التوالي وحدة دينية سياسية في جميع الصحراء العربية شبيهة بتلك الوحدة التي أنشأها صاحب الرسالة ﷺ وفي الواقع فإن المنهج الذي نهجه ابن عبد الوهاب يشبه شبها كبيراً ذاك الذي نهجه الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر.
ولما مات سنة ألف وسبعمائة وسبعة وثمانين - أي ميلادية - خلفه ابن السعود فكان خير خليفة للمصلح الإسلامي الكبير,
стр. 162
واقتفى الوهابيون آثار خلافة الراشدين، وعلى ما كان في يد ابن السعود من القوى الحربية العظيمة فإن ذلك ما كان ليصرفه عن أن يكون على الدوام نازلا على رأي الجماعة وشوراها, فلم يمتهن حرية اتباعه وبني قومه.
وكانت حكومته على عنفها مكينة عادلة فانقطع التعدي, وأمن الناس السرقات, وانتشر الأمن وسادت الطمأنينة والراحة وعكف على العلم والتهذيب, فكان في كل واحة مدرسة, وفي كل قبيلة بدوية عدد من المعلمين.
وبعد أن أخضع ابن السعود نجداً وتم له الأمر في كاملها أخذ يستعد ليقوم بعمل أكبر, ألا وهو إخضاع جميع العالم الإسلامي ونشر الإصلاح فيه فجعل نصب عينيه في المقام الأول تحرير الأماكن المقدسة الحجازية, فكر على الحجاز في صدر القرن التاسع عشر - أي الميلادي - بمقاتلته الشجعان المشتعلين غيرة دينية, وكان له ما أراد من الاستيلاء على الأماكن المقدسة, فلم تستطع قوة الوقوف في وجه الوهابيين وهم يحملون على الترك, والترك في نظرهم أهل الارتداد والجحود, ومغتصبو الخلافة اغتصابا وحقها أن تكون أبداً في العرب.
وبينما كان ابن السعود سنة ألف وثمانمائة وأربعة عشر - أي ميلادية - يعد العدة لفتح سوريا وهمته متينة, كان يخيل إلى العالم منه أن الوهابين متدفقون على الشرق تدفقا وصانعون ما شاء الله من الإصلاح في الإسلام, غير أن ذلك ما قدر ليكون.
стр. 163
فلما أيقن سلطان تركيا أنه لا يستطيع القضاء على الوهابيين استصرخ بطلا من مشاهير الأبطال وهو محمد علي واستكفاه أمر القضاء عليهم, وكان هذا المقدام الألباني سيد مصر وأميرها واقفا حق الوقوف على قدرة أوربا وشدة بأسها وتفوقها فدعا إليه ضباطا من أهل الغرب فنظموا له جيشا قويا ودربوه تدريباً على الطراز الغربي, وجهزوه بمعدات الأسلحة الغربية, وكان غالب هذا الجيش مؤلفا من المقاتلة الألبانيين الأشداء.
فسرعان ما أجاب محمد علي نداء السلطان فأيقن حينئذ أن الوهابيين على شدة غيرتهم الدينية وحماستهم لن يستطيعوا بعد الوقوف بوجه البنادق والمدافع الأوربية يطلق عيارها جنود مجربون, وما هي إلا مدة قصيرة حتى استردت الأماكن المقدسة الحجازية ورد الوهابيون على أعقابهم فانقلبوا إلى الصحراء, فاختفت الإمبراطورية الوهابية الوليدة للحال اختفاء أو أرخي الستار على الدور السياسي الوهابي.
بيد أن خاتمة هذا الدور السياسي كانت فاتحة الدور الديني فقد ظلت نجد بؤرة تشتعل فيها نار الغيرة الدينية, ومنبثق النور تنبعث منه الأشعة الوهاجة إلى كل ناحية من نواحي الأرض.
وما فتئ الوهابيون منذ قضي على قوتهم السياسية يبثون روح الحركة الدينية في مئات الألوف من الحجيج الوافدين كل عام إلى مكة والمدينة من كل قطر من أقطار العالم الإسلامي, فيقتبس هؤلآء ناراً وهابية ثم يعودون إلى أوطانهم يشعلون بها
стр. 164
ما استطاعوا إشعاله في سبيل الإصلاح.
وهكذا قد استطاع الوهابيون أن يبذروا بذورا تلاها الاختمار الشديد للثورة الدينية في كل فج إسلامي, حتى بلغت دعوتهم الدينية أقصى المعمور, فقام في شمال الهند الزعيم الوهابي المغالي السيد أحمد مستنفراً مسلمي بنجاب, وأنشأ دولة وهابية, فكان هذا الزعيم يعد عدته لفتح سائر شمالي الهند فحالت منيته بينه وبين ذلك, واضمحلت الدولة الوهابية الهندية سنة ألف وثمانمائة وثلاثين - أي ميلادية - غير أنه لما جاء الإنكليز يفتحون البلاد عانوا الأمرين من بقايا النار الوهابية الكامنة في الرماد, وظلت هذه النار مخبوءة إلى ما شاء الله فكانت عاملا من عوامل الثورة الهندية, ثم استطار من شررها ما تناول أفغانستان وسائر القبائل الهندية عند الحدود الشمالية الغربية فاشعلها أيما إشعال- إلى أن قال -:
فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة غرضها إصلاح الخرق ونسخ الشبهات وإبطال الأوهام, ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصر الإسلام الوسطى, ودحض البدع وعبادة الأولياء.
وعلى الجملة هي الرجوع إلى الإسلام والأخذ به على أوله وأصله, ولبابه وجوهره, أي أنها الاستمساك بالوحدانية التي أوحى الله بها إلى صاحب الرسالة صافية ساذجة, والاهتداء والائتمام بالقرآن المنزل مجردا.
стр. 165
وأما ما سوى ذلك فباطل وليس في شيء من الإسلام.
ويقتضي ذلك الاعتصام كل الاعتصام بأركان الدين وفروضه وقواعد الآداب كالصلاة والصوم وغير ذلك, والكون على السذاجة التامة في أحوال المعيشة, وتحريم اتخاذ الملابس الحريرية والتأنق في الأطعمة وشرب الخمر والتبغ - أي الدخان - وغير ذلك, مما بعضه من أسباب السرف, وبعضه الآخر من المضار المفسدة لسلامة العقل.
انتهى ما يقتضي إيراده هنا مما كتبه ذلك الأجنبي عن الإسلام من الشهادة الصحيحة, والاعتراف بفضل نهضة الإصلاح الوهابية التي لم تحصر في قطر من أقطار الإسلام ولا شعب من شعوبه, بل عم أصل نفعها وهدايتها سائر الأقطار والشعوب الإسلامية.
فما أشبه ذلك بأمر هرقل قيصر الروم وأبي سفيان القرشي حين اطلع قيصر على كتاب النبي ﷺ الذي دعاه به إلى الإسلام وجرت قصة محادثة قيصر مع أبي سفيان وقول قيصر لأبي سفيان إن صدقت فسيملك محمد ما تحت قدمي, فيخرج أبو سفيان وهو يقول لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة, فقد أصبح يخافه ملك بني الأصفر.
فما أشبه الليلة بالبارحة فقد اعترف بفضل الوهابية وإصلاح نهضتها أعداء الإسلام من العلماء, كما اعترف قيصر بصحة الرسالة. وأنكر فضل الوهابية أدعياء العلم من المسلمين الجغرافيين كما جحد فضل الرسالة الأقربون من العرب. والفضل
стр. 166
ما شهدت به الأعداء انتهى باختصار من كتاب البراهين الإسلامية. على إبطال المزاعم الراوية.
وقال كارل بروكلمان الألماني في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية ما ملخصه: ولد في نجد المرتفعة في قلب الجزيرة محمد بن عبد الوهاب من قبيلة تميم ما بين أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر - أي الميلادي - فنشأ محباً للعلم واقفا نفسه على دراسة الفقه والشريعة, وقصد إلى عواصم الشرق الإسلامي طلبا للعلم في مدارسها, ودرس فقه أحمد بن حنبل الذي دافع في شدة وثبات عن مبدأ الأخذ بالحديث والاعتماد عليه اعتمادا كليا ضد نزعة الفقهاء السابقين إلى الأخذ بالرأي, ثم إنه درس مؤلفات ابن تيمية الذي كان قد أحيا تعاليم ابن حنبل.
والواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان عن أن الإسلام في شكله السائد في عصره مشرب بالمساوئ فلما آب إلى بلده الأول سعى أول ما سعى إلى أن يعيد إلى العقيدة والحياة الإسلاميتين صفاءهما الأصلي - إلى أن قال -حتى إذا انفضت فترة قصيرة اكتسبت تعاليمه أنصارا ومريدين وذكر أنه أقام حد الرجم ونهى عن لبس الحرير وحرم أيما تزيين أو زخرفة للمساجد والأضرحة, بل لقد توسع في فهم التحريم الإسلامي لمختلف ضروب المسكر فحرم تدخين التبغ الذي أعلن جميع الفقهاء من الحنابلة وغير الحنابلة معارضتهم له أول دخوله إلى بلاد الشرق, قال والواقع أن هذا المصلح لم يكن يتمتع من خصب
стр. 167
الأفكار أو الابتكار بأكثر مما كان يتمتع به الرسول نفسه انتهى.
المقصود من كلامه.
وقال فيكتور فيندي الصحفي السويدي في مقال له منشور في جريدة البلاد عدد ١٩٠٤ وتاريخ ١٣ المحرم سنة ١٣٨٥ هـ ما نصه:
ورب سائل يسأل هل للمملكة دستور؟ فأقول له نعم فإن دستورها هو القرآن, ويرجع الفضل في ذلك إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المصلح الديني الأكبر الذي قام في القرن الثامن عشر الميلادي بحملة شعواء على المسلمين المتهاونين في دينهم والذي بينه وبين آل سعود منذ ذلك التاريخ أوثق الوشائج ويبدو التمسك بأهداب الدين وبتعاليمه واضحا في كل مكان وفي مواسم مثل شهر الصيام في رمضان. أو في موسم الحج عندما يفد الحجيج إلى مكة من كل بقاع المعمورة انتهى المقصود من كلامه ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ...
وفيما ذكرته من ثناء علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كفاية في رد ما قاله المصنف وأمثاله فيه من الزور والبهتان. ويعلم من ذلك ما عليه علماء أهل الكتاب الذين ذكرنا أقوالهم من تحري الصدق وأداء الأمانة فيما كتبوه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بخلاف المصنف وأمثاله من أهل الزيغ والإلحاد فإنهم قد كذبوا فيما قالوه في حق الشيخ وأصحابه ولم يؤدوا الأمانة في ذلك, فبعداً لمن كان الكفار أصدق منهم مقالا وأوثق في أداء الأمانة.
стр. 168
فصل
وفي صفحة (٧٨):
ذكر المصنف في جملة ما أنكره على الملاحدة العصريين أنهم دقوا الأبواب بالليل على عدة بيوت كان أهلها مجتمعين لذكر الله تعالى وبعضهم للصلاة على النبي ﷺ بدلائل الخيرات فأسكتوهم.
والجواب أن يقال إن كان الاجتماع لذكر الله تعالى على نحو ما يذكر عن الصوفية من اجتماع الجماعة ورفعهم أصواتهم جميعا بالتهليل, فهذا من البدع التي ينبغي النهي عنها.
وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ على الذين اجتمعوا للذكر على صفة لم يفعلها أصحاب رسول الله ﷺ وعد ابن مسعود ﵁ فعلهم ذلك من البدع.
فروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال كنا قعودا على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء, فأتى أبو موسى ﵁ فقال اخرج إلينا أبا عبد الرحمن, فخرج ابن مسعود ﵁ فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة؟
قال لا والله إلا أني رأيت أمراً ذعرني وإنه لخير, ولقد ذعرني وإنه لخير, قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا, احمدوا كذا وكذا. قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله
стр. 169
- ﷺ أحياء, وأزواجه شواب, وثيابه وأبنيته لم تغير, أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم.
وروى الدارمي عن عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة, فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد, فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج, فلما خرج قمنا إليه جميعاً فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيراً, قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه, قال رأيت في المسجد قوماً حلقا جلوساً ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة, فيقول: هللوا مائة فيهللوا مائة, ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة, قال فماذا قلت لهم قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك وانتظار أمرك قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء. ثم مضى ومضينا حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء, ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم, هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون, وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر, والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا
стр. 170
أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير, قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب, فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا, قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم, فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود ﵁ فجاء, وكان رجلا حديداً فقال: أنا عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء, أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما, عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالا لتضلن ضلالا بعيداً. وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا.
وروى محمد بن وضاح أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن ناساً يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما.
وقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر ونهى عن رفع الصوت بذلك فقال تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية ودون الجهر من القول) وثبت عن النبي ﷺ أنه أنكر رفع الصوت بالذكر
стр. 171
ونهى عن ذلك, كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال: لما توجه رسول الله ﷺ أشرفوا على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله, فقال رسول الله ﷺ «اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم».
وإذا علم هذا فالإنكار على الذين كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر هو الصواب, بدليل ما ذكرنا من الآية وحديث أبي موسى ﵁.
وأيضا فإن رفع الصوت بالذكر حتى تسمع أصوات الذاكرين في الأسواق وهم من داخل البيوت فيه مراءاة للناس, أو هو مظنة للمراءاة ومشابهة للمرائين. والرياء حرام لأنه من الشرك بالله تعالى وقد قال الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). وما كان مظنة للرياء ومشابهة المرائين فأقل أحواله الكراهة؛ قاله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «خير الذكر الخفي, وخير الرزق ما يكفي. وأيضا فإن الذكر الذي تجتمع له الصوفية لم يكن من فعل النبي ﷺ ولا من فعل أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 172
وقد روى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد ومسلم وللبخاري تعليقا مجزوما به «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وروى الإمام أحمد أيضاً وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال حذيفة ﵁ كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها, فإن الأول لم يدع للآخر مقالا, فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا ممن كان قبلكم. وقال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم, كل بدعة ضلالة. رواه الدارمي وابن وضاح. وفي رواية لابن وضاح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
وروى ابن وضاح أيضاً عن حذيفة ﵁ أنه قال: اتبعوا سبلنا ولئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقاً بعيداً ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالا بعيداً.
стр. 173
ولقد ذكر عن بعض الصوفية أنهم كانوا يبتدئون الذكر بقول لا إله إلا الله, ثم يقتصرون على الاسم المفرد فيقولون الله الله, ثم يعدلون عن ذلك إلى المضمر فيقولون هو. هو ويزعمون أن الإتيان بلا إله إلا الله تامة هو ذكر العامة, وأن الاقتصار على الاسم المفرد هو ذكر الخاصة. وأن الاقتصار على الاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة. وهذا من تلاعب الشيطان بهم, وفاعل هذا ينبغي زجره عنه, وإن أصر على المخالفة فينبغي أن يؤدب بما يردعه عن هذه البدعة, فإن الاقتصار على الاسم المفرد أو على المضمر ليس بذكر مشروع, وإنما هو من بدع الصوفية.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن هؤلاء من يرجح الاسم المفرد كقوله الله الله الله على كلمة الإخلاص التامة وهي قول لا إله إلا الله, ومنهم من يرجح ذكر المضمر وهو قول هو. هو أو يا هو على الاسم المظهر, وهذا كله من الغلط الذي سببه فساد كثير من السالكين حتى آل الأمر ببعضهم إلى الحلول والاتحاد. وكل ذكر علمه الرسول ﷺ لأمته أو قاله إنما هو بالكلام التام لا بالاسم المفرد ولا بالمضمر انتهى.
و الصلاة على النبي ﷺ بدلائل الخيرات بدعة أحدثها أهل الغلو والإطراء الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 174
وقد قال الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ في قصيدته التي مدح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وحرق عمداً للدلائل دفتراً ... أصاب ففيها ما يجل عن العد
غلو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فلساً إن رجعت إلى النقد
وصيرها الجهال للذكر ضرة ... ترى درسها أزكى لديهم من الحمد
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
ثم إن رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ بدعة أخرى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي ﷺ والدعاء كله سراً أفضل, بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة انتهى.
وروى محمد بن وضاح عن يونس بن عبيد قال كانوا يجتمعون فأتاهم الحسن فقال له رجل يا أبا سعيد ما ترى في مجلسنا هذا, قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوماً, فنقرأ كتاب الله وندعو
стр. 175
ربنا ونصلي على النبي ﷺ , وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين قال فنهى عن ذلك الحسن أشد النهي.
وإذا علم هذا فالصواب المنع من الصلاة على النبي ﷺ بدلائل الخيرات ومن رفْع الصوت بالصلاة عليه ﷺ , لأن ذلك بدعة والبدع لا يجوز إقرارها.
فصل
وفي صفحة (٩٨)
أورد المصنف هؤلاء الآيات. (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا). ثم جزم أنها مما نزل في ملاحدة العصريين دون غيرهم, قال وإن ظن كثير من أهل التفسير أنها نزلت في الحرورية.
والجواب أن يقال إن الآية عامة لليهود والنصارى والحرورية وغيرهم ممن كان يعبد الله تعالى على غير طريقة مرضية, ويدخل في عمومها ملاحدة العصريين وغيرهم ممن يحسب أنه مصيب في عمله وهو مخطئ فيه.
وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال هم اليهود والنصارى. وروي مثله عن ابن عباس
стр. 176
رضي الله عنهما. وقال علي بن أبي طالب ﵁ والضحاك وغير واحد هم الحرورية.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومعنى هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم, لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية) وقال تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا).
стр. 177
فصل
وفي صفحة (١٠١)
ذكر المصنف المارقين من العصريين وقال ما نصه: حتى صار المؤمن يمشي فيهم مختفياً لا سيما إذا كان ذاكراً لله تعالى أو حاملا لسبحة في عنقه.
والجواب أن يقال ليس حمل السبحة في العنق من أفعال المؤمنين وإنما هو من أفعال الصوفية المبتدعين.
ولا يجوز حمل السبحة في العنق لأمور ثلاثة:
الأول أنه من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ أمته فقال في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه, وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوما به «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» - أي مردود.
الثاني أن في حملها في العنق مشابهة النساء لأن تعليق القلائد في
стр. 178
الرقاب من أفعالهن وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء في عدة أحاديث ليس هذا موضوع ذكرها.
الثالث: أن في تعليقها في العنق مراءاة للناس, أو هو مظنة للمراءاة ومشابهة للمرائين. والرياء شرك وما كان مظنة للمراءاة ومشابهة المرائين فأقل أحواله الكراهة.
و المشروع عد التسبيح بالأصابع لا بالسبحة , قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي ﷺ للنساء سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤلات ومستنطقات وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن, وكان من الصحابة من يفعل ذلك وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك. وروي أن أبا هريرة ﵁ كان يسبح به.
وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه, ومنهم من لم يكرهه, وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه, وأما اتخاذه في اليد أو نحو ذلك فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة, ومشابهة المرائين من غير حاجة, والأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة, فإن مراءاة الناس في العبادة المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب انتهى.
وروى محمد بن وضاح عن الصلت بن بهرام قال مر ابن مسعود ﵁ بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه, ثم مر
стр. 179
برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال لقد سبقتم, ركبتم بدعة ظلماء, أو لقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علماً.
وروى ابن وضاح أيضاً عن أبان بن أبي عياش قال سألت الحسن عن النظام من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به, فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات, وبلغني أن ابن مسعود مر على رجل وهو يقول لأصحابه سبحوا كذا وكبروا كذا وهللوا كذا قال ابن مسعود: على الله تعدون أو على الله تسمعون, قد كفيتم الإحصاء والعدة, قال إبان فقلت للحسن فإن سبح الرجل وعقد بيده قال لا أرى بذلك بأساً.
فصل
وقال المصنف في صفحة (١٠٧) ما نصه:
ومما ظهر وشاع في هذا الزمان من مقالات الكفار التي روجها هؤلاء المارقون مقالة داروين النشوء والارتقاء, وأن الإنسان أصله قرد, وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه المقالة وبطلانها في الحديث الصحيح المخرج في الصحيح عن النبي ﷺ قال «إن الله خلق آدم على صورته» أي صورة آدم التي خلقه عليها, ولم يخلقه في صورة القرد ثم بعد ذلك النشوء والتطور والارتقاء صار إلى هذه الصورة الموجود عليها بنو آدم اليوم.
والجواب أن يقال: أما مقالة داروين فهي كفر صريح لما فيها من التكذيب بما أخبر الله به عن خلقه لآدم من طين, وأن الله
стр. 180
تعالى خلقه بيديه, ونفخ فيه من روحه, وأمر الملائكة بالسجود له. وهذه فضائل عظيمة خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات.
وفي هذه المقالة الخبيثة أيضاً أعظم عقوق لآدم أبي البشر حيث جعلوه ناشئاً من القردة التي هي من أخبث الحيوانات وأشوهها خلقاً.
ولا تستغرب هذه المقالة الخبيثة وأمثالها من مقالات الكفر من ملاحدة الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى, وإنما المستغرب تلقيها بالقبول من كثير من المنتسبين إلى الإسلام, ومنهم من ينتسب إلى العلم, وقد رأيت معناها منشوراً في بعض صحف المسلمين الرائجة عندهم, وما رأيت أحداً أنكر ذلك عليهم, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وإنما يقول بهذه المقالة الخبيثة من ينكر وجود الصانع, ويرى أن المخلوقات إنما تكونت من قبل الطبيعة لا بفعل الرب الفاعل المختار الذي أوجد جميع المخلوقات من العدم وصورها على غير مثال سبق, قال الله تعالى (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) وقال تعالى مخبراً عن موسى ﵊ (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وقال تعالى (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون). وفي هذه الآيات رد على ملاحدة الإفرنج ومن يقلدهم من طغام المسلمين فيما يزعمونه من النشوء والتطور والارتقاء, والآيات في الرد عليهم كثيرة وفيما ذكرته ههنا كفاية.
следующие страницы →