← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17330

إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بعيد فيدقه, فيثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه, ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون, فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة, فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب, فيغدرون فيجتمعون للملحمة, فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. والمقصود من هذا الحديث قول الروم لصاحبهم: كفيناك حد العرب, وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة, وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب وبين الروم, واسم العرب إذا أطلق فإنما يراد به سكان الجزيرة العربية لا غيرهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ, فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم, فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم, فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً, ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله, ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً فيفتتحون قسطنطينية, فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم, فيخرجون - وذلك باطل - فإذا جاؤا الشام خرج, فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم ﷺ فأمهم, فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء, فلو

стр. 107

تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده, فيريهم دمه في حربته». وروى ابن ماجه والطبراني والحاكم في مستدركه عن عمرو بن عوف ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان, يا علي - قال المزني يعني علي بن أبي طالب ﵁ قال: لبيك يا رسول الله, قال: اعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر, ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين, ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» الحديث. قال ابن الأثير وابن منظور: فيخرج إليهم روقة المؤمنين أي خيارهم وسراتهم, وهي جمع رائق, من راق الشيء: إذا صفا وخلص. وفي هذا الحديث والحديث قبله: دليل على أن أهل الجزيرة العربية هم الذين يقاتلون في الملاحم ويقاتلون الدجال. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في بني تميم: «هم أشد أمتي على الدجال» وبنو تميم: قبيلة كبيرة من قبائل العرب في الجزيرة العربية. وفي المسند أيضا عن عكرمة بن خالد قال: حدثني فلان من أصحاب النبي ﷺ قال: نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ يوما فقال: «لا تقل لبني تميم إلا خيرا فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» إسناده صحيح على شرط مسلم.

стр. 108

وروى البزار في مسنده عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ - وذكر بني تميم فقال - «هم ضخام الهام, ثبت الأقدام, نصار الحق في آخر الزمان, أشد قوماً على الدجال». وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال - فذكر الحديث بطوله وفيه - فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل, وجلهم يومئذ ببيت المقدس, وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم, فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي, فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت, فيصلي بهم إمامهم, فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب؛ فيفتح ووراءه الدجال, معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج, فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء, وينطلق هاربا, ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها, فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود؛ فلا شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي, إلا أنطق الله ذلك الشيء, لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله».

стр. 109

قال الجوهري: الساج الطيلسان الأخضر والجمع سيجان. وقال ابن منظور في «لسان العرب» الساج الطيلسان الضخم الغليظ, وقيل هو الطيلسان المقور ينسج كذلك, وقيل هو طيلسان أخضر, وقال ابن الأعرابي: السيجان الطيالسة السود واحدها. ساج. والغرقد هو العوسج, قال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس, وهناك يكون قتل الدجال واليهود, وقال أبو حنيفة الدينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة. وفي هذه الأحاديث دليل على أن العرب هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود, وفيها رد لما زعمه المصنف في غيرهم من بني الأقباط وأصناف الأعاجم, والله أعلم. الوجه السادس: أن المصريين لم ينتصروا على الإنجليز ومن أعانهم في حربهم مع المصريين كما زعم ذلك المصنف, وإنما قامت الروس بحمايتهم ومنع الإنجليز ومن معهم من محاربتهم بعد أن أخذوا منهم بعض النواحي وكادوا يستسلمون للإنجليز بدون قيد ولا شرط. وقد كافأ المصريون صنيع الروس معهم بقبول مذهبهم الخبيث في الاشتراكية ودعاء المسلمين إلى قبول هذا المذهب الخبيث.

стр. 110

فصل وقال المصنف في صفحة (٦٣ - ٦٤) ما ملخصه: إخباره ﷺ بتعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بحسب الدول المستعمرة لبلادهم, فطائفة تتكلم بالفرنسية, وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنجليزية, وأخرى بالروسية, وغيرها من ألسن الدول المستعمرة. روى الطبراني في الأوسط والكبير من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل, واختلفت الألسن, وتباغضت القلوب, وقطع كل ذي رحم رحمه, فعند ذلك لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم». وقد ذكر المصنف هذا الحديث أيضا بهذا اللفظ في صفحة (١٠٥) ونسبه للأوسط فقط. ثم قال: فاختلاف الألسن المذكورة في الحديث إنما المراد به اختلاف ألسن العرب باللغات الإفرنجية, وإلا فاختلاف ألسن الخلق موجود من يوم نشر الله نسل آدم ﵇ في الأرض. ثم قال عن اللغة العربية إنها هي أساس الإسلام. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الحديث الذي أورده قد وقع فيه تحريف في الكلمة التي استدل بها على تعلم اللغات واختلاف الألسن. والظاهر

стр. 111

أنه نقله من مجمع الزوائد المطبوع في القاهرة في سنة ١٣٥٣ من الهجرة النبوية, فإنه فيه كذلك, وهو تحريف بلا شك إما من الذين طبعوا الكتاب وإما من بعض النساخ قبلهم. والحديث قد رواه الإمام أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان ﵁ موقوفا, ورواه الحسن بن سفيان وأبو نعيم وابن عساكر عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل, وائتلفت الألسن, واختلفت القلوب, وقطع كل ذي رحم رحمه, فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم». وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد بن عمار الموصلي حدثنا عيسى بن يونس عن الحجاج بن الفرافصة عن أبي عمر البصري عن سلمان ﵁ قال, قال رسول الله ﷺ «إذا ظهر القول وخزن العمل, وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب, وقطع كل ذي رحم رحمه, فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم» هذا لفظ الحديث عند الطبراني, والعبرة بهذا اللفظ لا بما حرف في مجمع الزوائد. وقد روى ابن أبي الدنيا نحوه عن الحسن مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل, وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب, وتقاطعوا في الأرحام, لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم». وقد تبين مما ذكرنا أنه لا إشارة في الحديث لما ذكره المصنف

стр. 112

من تعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بذلك, وأنه إنما بنى كلامه في هذا الفصل على كلمة محرفة. الوجه الثاني: أن اختلاف ألسن بني آدم إنما كان بعد الطوفان قال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم, وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما, وإن الله وجه السفينة إلى الجودي فاستقرت عليه, فهبط نوح إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين, فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي, فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض, فكان نوح ﵇ يعبر عنهم. فأما قول المصنف إن اختلاف الألسن موجود من يوم نشر الله نسل آدم في الأرض فهو قول لا دليل عليه, ويلزم عليه أن يكون بنو آدم لصلبه مختلفين في اللسان لكل واحد منهم لغة غير لغة أخيه, وهذا قول بعيد جدا بل ظاهر البطلان, والله أعلم. الوجه الثالث: أن أساس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, فمن أتى بها من عربي أو عجمي حكم بإسلامه ولو كان العجمي لا يعرف اللغة العربية. ولو كان الأمر على ما زعمه المصنف من أن أساس الإسلام اللغة العربية لما صح لأحد من الأعاجم إسلام حتى يتعلم اللغة العربية, وهذا قول معلوم البطلان بالضرورة.

стр. 113

فصل وقال المصنف في صفحة (٦٦ وما بعدها) ما ملخصه: إخباره ﷺ بالعصريين الملاحدة الزنادقة وذكره أوصافهم التي هم عليها الآن. ثم ذكر حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام, يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» وذكر أيضا حديث ابن مسعود ﵁ بنحو حديث علي ﵁. ثم قال: فهؤلاء الأحداث المذكورون هم هذا الشباب الفاسد الكافر الملحد المارق من الدين: إلى آخر كلامه فيهم. ثم قال: وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وأخبر أنهم كافرون غير مؤمنين: فقال تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وذكر جميع الآيات الواردة في المنافقين في أول سورة البقرة إلى قوله (إن الله على كل شيء قدير). ثم قال فهذه الآيات يزعم كثير من المفسرين أنها نازلة في المنافقين وليس كما زعموا, بل هي نازلة في هؤلاء الملاحدة المفسدين, كما بينته في كتابي: «بيان غربة الدين, بواسطة العصريين المفسدين» من وجوه تزيد على العشرين كلها قاطعة في تحقيق نزولها فيهم, وأن المنافقين إنما أدخلهم المتقدمون فيها لأنه

стр. 114

لم يكن أمامهم غيرهم, فكانت الضرورة داعية لهم إلى تنزيلها عليهم, كما فعلوا في آيات أخرى واردة في هذا الزمان فحملوها على ما كان موجودا في زمانهم؟ كما قدمناه في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وكما فعلوا في قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها. قال: والمقصود أن هذه الآية لم تنزل في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ , وإنما هي نازلة في هؤلاء المنافقين المارقين الملاحدة المتفرنجين والذين ولدهم الاستعمار الكافر وانتجتهم مدارسه الإفرنجية للقضاء على الإسلام. والدليل على ذلك أمور: ثم ذكر ما روي عن سلمان ﵁ في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال سلمان: لم يجيء أهل هذه الآية بعد قال: وقد قال ابن جرير يحتمل أن سلمان ﵁ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمن النبي ﷺ : لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. قال المصنف وليس كذلك, بل مراد سلمان أن أهل هذه الآية سيكونون في آخر الزمان, وليس المراد بها أحدا ممن كان في عصر النبي ﷺ , لأنها لا يمكن أن تنطبق عليهم إلا بتأويل وتكلف بخلاف أهلها النازلة فيهم من ملاحدة هذا العصر وشبابه الفاسد فإنها منطبقة عليهم حرفاً حرفاً, قال: ولم يبق أدنى شك في أنهم المراد من الآيات المذكورة.

стр. 115

قال: والثاني - وهو من الأدلة القاطعة -: أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف الإكثار من ذكرها: بل ولا ذكرها مطلقاً إلا عند ظهور هذا النشء الفاسد المارق, فلا تسمع كلمة مصلح من مؤمن بالله ورسوله, وإنما تسمعها منهم حتى صارت شعاراً لهم. فتعين أن الآية نازلة فيهم لا في منافقي عصر النبي ﷺ , فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون, ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح. قال: والثالث أنه لم ينقل عن المنافقين أنهم كانوا يفسدون في الأرض ولا كان لهم كثرة وانتشار حتى يقال إنهم أفسدوا في الأرض, وإنما الذين ملؤوا الأرض فسادا هم المارقون الملاحدة. قال: وأما منافقو زمانه ﷺ فلم يحصل منهم فساد في البقعة الصغيرة التي كانوا بها مطلقا, فضلا عن أن يحصل منهم في الأرض, بل ما صدر منهم مما يسمى فسادا في الأرض مقدار شعرة بالنسبة لثور مما صدر من هؤلاء, بل لم يصدر من أولئك فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم, وهو النفاق, فكيف يمكن حمل الآية عليهم وهم أبرياء منها. ثم قال: فأقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما أراد بالآيات إلا هؤلاء المارقين وأنه لو رآهم المفسرون من السلف لقطعوا بذلك ورجعوا عن تنزيلهم الآية على منافقي عصر النبي ﷺ . ثم أطال الكلام في الذب عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ , وذكر أنه لم يحصل منهم خداع لمؤمن واحد, وأن

стр. 116

المثلين المذكورين في أول سورة البقرة لا ينطبقان عليهم, وإنما ينطبقان على ملاحدة العصريين وزنادقتهم. ثم قال: إن النبي ﷺ سماهم مارقين من الدين أي خارجين منه بعد أن كانوا داخلين فيه, والمنافقون لم يدخلوا فيه يوماً ما, فتعين أن هؤلاء هم المراد في الآيات الكريمة. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الأحاديث التي ذكرها عن علي وابن مسعود وأنس وأبي ذر ورافع بن عمرو وأبي سعيد ﵃ كلها واردة في الخوارج الذين قتلهم علي ﵁ يوم النهروان, وليست واردة في ملاحدة العصريين وزنادقتهم كما توهمه المصنف. وكل من جاء بعد أهل النهروان وهو على شاكلتهم فعموم الأحاديث الواردة فيهم يشمله معهم. وقد جاء في بعض الروايات التي ذكر المصنف أطرافاً منها أن النبي ﷺ قال في الخوارج «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» وليست حال ملاحدة العصريين كذلك, فإن الغالب عليهم الجفاء والتفريط في أمور الدين كالصلاة والصيام وغير ذلك من أنواع العبادة. وأما الخوارج فالغالب عليهم الغلو والإفراط والتعمق في الدين. وأيضاً فقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر» وقد وجد هذا الرجل مع الخوارج يوم النهروان.

стр. 117

وعلى هذا فلا ينبغي حمل الأحاديث الواردة في الخوارج على ملاحدة العصريين وزنادقتهم وإن كانوا مثل الخوارج أو شراً منهم, لأن في حملها على الملاحدة وصرفها عن الخوارج صرفاً لها عن المراد منها, وذلك نوع من الكذب على رسول الله ﷺ . الوجه الثاني: من عجر المصنف وبجره تبرئته للمنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ مما نزل فيهم من الآيات من الإفساد في الأرض وأنه لم يصدر منهم فساد أصلا ولا حصل منهم خداع لمؤمن واحد. وهذا خطأ كبير وغلط فاحش يستغرب صدوره من رجل مسلم فضلا عمن يدعي العلم والكمال كما سيأتي في آخر كتابه. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ لما جادل عن بعض المنافقين ظاناً براءته مما رمي به من السرقة نهاه الله تعالى عن ذلك وأمره بالاستغفار مما فعل, فقال تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا). ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن المصنف قد جادل عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ أشد الجدال,

стр. 118

حيث برأهم مما نزل فيهم من القرآن وبرأهم من الإفساد في الأرض ومن الخداع بالكلية, فالواجب عليه الرجوع عما قال والاستغفار مما فعل. الوجه الرابع: أن المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء التفسير أجمعوا على نزول الآيات من أول سورة البقرة في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ . وقد خالفهم المصنف فبرأ المنافقين منها بغير مستند صحيح, فكان الأمر فيه كما قال الشاعر: خلافاً لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في الكلام على قول الله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. وأن هذه الصفة صفتهم. ثم روى بإسناده عن ابن عباس ﵄ (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. قال ابن كثير: وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن وقتادة والسدي. قال ابن جرير: وقد سمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبي بن كعب, غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.

стр. 119

قلت قد ذكر أسماءهم محمد بن إسحاق في السيرة, وكذلك ابن هشام وغيره ممن صنف في السيرة. وقال البغوي في تفسيره نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم, حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي ﷺ وأصحابه, واعتقدوا خلافها. وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال أسماهم بأعيانهم وأنسابهم, من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج, قال ابن جرير: كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم. وروى ابن جرير أيضاً عن قتادة في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - حتى بلغ - فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) قال هذه في المنافقين. وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين. وروى ابن جرير أيضاً من طريق إسماعيل السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄, وعن مرة عن ابن مسعود ﵁, وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): هم المنافقون. وروى ابن جرير أيضاً عن الربيع بن أنس في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر - إلى - فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم) قال هؤلاء أهل النفاق.

стр. 120

وإذا كان ابن عباس ﵄ وغيره من أكابر السلف قد صرحوا بأن الآيات من أول سورة البقرة نزلت في المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم, فلا ينبغي العدول عن قولهم إلى ما خالفه من أقوال المتخرصين المتكلفين. الوجه الخامس: أن المصنف لم يكتف بمخالفة المفسرين الذين ذكرنا أقوالهم حتى زعم أنهم حملوا الآيات من أول سورة البقرة على غير من نزلت فيهم, وأنهم فعلوا مثل ذلك في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) وفي قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها مما تقدم ذكره. وهذا أيضاً خطأ كبير من المصنف حيث قضى بصواب نفسه فيما فسره من الآيات بمجرد رأيه, وقضى بخطأ حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄ وغيره من أئمة السلف لما خالفت أقوالهم رأيه ومذهبه. وهذا من قلبه للحقيقة وعكسه للقضية, فإن الصواب في الحقيقة ما قاله ابن عباس ﵄ ومن قال بقوله في تفسير الآيات من أول سورة البقرة, وأنها نزلت في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ . وكذلك القول في الآية من سورة يس, والآية من سورة يونس, وغيرهما مما تقدم ذكره, فالصواب فيها ما ذكرنا هناك عن أئمة السلف, والخطأ ما قاله المصنف فيها وفي الآيات من سورة البقرة بمجرد رأيه. الوجه السادس: أن الله تعالى ذكر عن المنافقين أنهم قالوا

стр. 121

إنما نحن مصلحون. قال ابن عباس ﵄: أي قالوا إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. رواه ابن جرير وذكر تعالى أيضا عن الإسرائيلي أنه قال لموسى. (وما تريد أن تكون من المصلحين) وفي هاتين الآيتين رد لقول المصنف أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف ذكرها مطلقا إلا عند ظهور النشء الفاسد المارق. وأما قوله إنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح. فجوابه أن يقال قد ذكر الله ذلك عنهم في كتابه - ومن أصدق من الله حديثا ومن أصدق من الله قيلا؟ - وقد قال ابن عباس ﵄ وغيره من المفسرين إنها نزلت في المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم فلو أن المصنف اكتفى بما أخبر الله به في كتابه عن المنافقين, وبما قاله حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في ذلك لكان خيراً له من الاعتماد على مجرد رأيه. الوجه السابع: أن الله تعالى ذكر الإفساد عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ , وذكر أنهم يخادعون الله والذين آمنوا. وهذا يرد ما نفاه المصنف عنهم من الإفساد والخداع. قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: «وخداع المنافق ربه والمؤمنين: إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب, ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب, لو لم

стр. 122

يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار, من القتل والسباء, فذلك خداعه ربه وأهل الإيمان بالله». فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطي بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف, فنجا بذلك مما خافه مخادعاً لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التقية, فكذلك المنافق سمي مخادعاً لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل, وهو لغير ما أظهر مستبطن, وذلك من فعله - وإن كان خداعاً للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها, ويسقيها كأس سرورها. وهو موردها به حياض عطبها, ومجرعها به كأس عذابها ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به, فذلك خديعته لنفسه ظناً منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن, كما قال جل ثناؤه (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون). إعلاماً منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين, ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون. ثم قال حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سألت عبد الرحمن بن زيد عن قول الله جل ذكره (يخادعون

стр. 123

الله والذين آمنوا). إلى آخر الآية. قال «هؤلاء المنافقون يخادعون الله والذين آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروا». وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله تعالى (يخادعون الله) قال يظهرون لا إله إلا الله, يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم, وفي أنفسهم غير ذلك. وأما إفسادهم في الأرض فقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود, وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال: هم المنافقون. أما (لا تفسدوا في الأرض) فإن الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية. ورواه ابن جرير من طريق السدي. وقال ابن جريج عن مجاهد: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم لا تفعلوا كذا وكذا قالوا إنما نحن على الهدى مصلحون. رواه ابن جرير: وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال: يعني لا تعصوا في الأرض, وكان فسادهم ذلك معصية الله لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية فقد أفسد في الأرض, لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. قال ابن كثير: وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة. وروى ابن جرير وغيره عن سلمان الفارسي ﵁ أنه

стр. 124

قال في هذه الآية (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال: ما جاء هؤلاء بعد. قال ابن جرير: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ , وإن كان معنياً بها كل من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة. وقد يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآية ما جاء هؤلاء بعد أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله ﷺ خبراً منه عمن هو جاء منهم بعدهم ولما يجيء بعد لا أنه عنى أنه لم يمض ممن هذه صفته أحد. وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا, لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك صفة من كان بين ظهراني أصحاب رسول الله ﷺ على عهد رسول الله ﷺ من المنافقين, وأن هذه الآيات فيهم نزلت. والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن من قول لا دلالة على صحته من أصل ولا نظير (١). والإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله جل ثناؤه عنه, وتضييع ما أمر الله بحفظه, فذلك جملة الإفساد. - إلى أن قال - فكذلك صفة أهل النفاق, مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم, وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه, وتضييعهم فرائضه, وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملا إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته, وكذبهم المؤمنين بدعواهم

стр. 125

غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب, وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها». قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حسن, فإن من الفساد في الأرض: اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). قلت: ومن إفساد المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ بناؤهم لمسجد الضرار الذي قال الله تعالى فيه (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون). فالمنافقون بنوا مسجدهم ضرارا لمسجد قباء, وكفرا بالله ورسوله, وتفريقا بين المؤمنين, وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل. وهو أبو عامر الفاسق الذي كان يقال له الراهب, وكان قد كتب إلى المنافقين يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم من عند ملك الروم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه, وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده الأداء كتبه, ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك. وهذا من أعظم الإفساد في الأرض, قال الله تعالى (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).

стр. 126

وقولهم ههنا إن أردنا إلا الحسنى: هو كقولهم (إنما نحن مصلحون). قال الله تعالى (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). ومن إفساد المنافقين أيضا: همهم بالفتك برسول الله ﷺ لما قفل من غزوة تبوك. قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ابن الزبير قال لما قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة همّ جماعة من المنافقين بالفتك به, وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق, فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا, وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه, عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها, فبينما هم يسيرون «سمعوا بالقوم قد غشوهم, فغضب رسول الله ﷺ وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه, فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس, وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس, ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة: «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال: «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا: لا, فأخبرهما بما كانوا تمالؤوا عليه, وسماهم لهما واستكتمهما ذلك, فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: «أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» وهكذا ذكره ابن كثير في تاريخه.

стр. 127

قال: وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الأشبه. ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة -. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وما تمالؤوا عليه - ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم, قال - وفيهم أنزل الله (وهموا بما لم ينالوا). وقد روى البيهقي من حديث أبي البختري عن حذيفة ﵁ نحو ما تقدم. وزاد في آخره أن النبي ﷺ دعا عليهم فقال: «اللهم ارمهم بالدبيلة, قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة» «قال: هي شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك». وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة ﵁ نحو ما تقدم, وإسناده صحيح على شرط مسلم. ومن إفساد المنافقين أيضا: رجوع عبد الله بن أبي بثلث الجيش يوم أحد وتخذيله الناس عن القتال مع رسول الله ﷺ وأصحابه قال الله تعالى (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم

стр. 128

بما يكتمون. الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين). قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا, كلهم قد حدث قالوا: خرج رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه, حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم وعصاني, ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب, واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر عدوكم, قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال, فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ . ومن إفساد المنافقين أيضا: ما ذكره الله عنهم في قوله تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين. لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين). وقال تعالى (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض

стр. 129

ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا - إلى قوله - قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) الآية. ومن إفساد المنافقين أيضا: أذيتهم لرسول الله ﷺ بالقول السيء, واستهزاؤهم به وأصحابه, كما ذكر الله ذلك عنهم في سورة براءة, وسورة المنافقين. وكقول عبد الله بن أبي: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك. وكقول بعضهم: ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء ارغب بطونا ولا أكذب ألسنا, ولا أجبن عند اللقاء, يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه. ومن إفساد المنافقين أيضاً: أمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف, كما ذكره الله عنهم في سورة براءة. وكل هذا من الفساد المتعدي شره وضرره إلى الغير. وإذا كان الأمر في المنافقين كما ذكرنا, مع أنه أعظم مما ذكرنا بكثير, فكيف يستجيز المصنف أن يقول إنه لم يصدر منهم فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم! ولو قال قائل إن الإفساد الذي صدر من المنافقين في عصر النبي ﷺ أعظم مما صدر من ملاحدة العصريين وزنادقتهم لكان

стр. 130

قوله أقرب إلى الصواب من قول المصنف, لأن من آذى رسول الله ﷺ وهمّ بالفتك به وسعى فيما يوهن أمره ليس كمن آذى آحاد المسلمين وسعى فيما يضرهم. والله أعلم. الوجه الثامن: ما رواه السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس, وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (مثلهم كمثل الذي استوقد نار فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) زعم أن أناساً دخلوا في الإسلام مقدم النبي ﷺ المدينة, ثم إنهم نافقوا, فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ناراً فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي, فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى, فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام والخير من الشر؛ فبينا هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر. ورواه ابن جرير من طريق السدي. وروى أيضا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس, وعن مرة عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - إلى - إن الله على كل شيء قدير). كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله ﷺ إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله, فيه رعد شديد وصواعق وبرق, فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعها فتقتلهما, وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه

стр. 131

وإذا لم يلمع لم يبصرا, وقاما مكانهما لا يمشيان, فجعلا يقولان ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده, وحسن إسلامهما, فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وفي هذين الأثرين عن حبري الأمة رد لقول المصنف إن المثلين المذكورين لا ينطبقان على المنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ . الوجه التاسع: أن الله تعالى أثبت الإيمان ثم الكفر للمنافقين الذين كانوا في عصر النبي ﷺ , فقال تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) وقد نزلت سورة المنافقين في شأن عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين, وفيها رد لقول المصنف إن المنافقين لم يدخلوا في الدين يوماً ما. ومما يرد عليه أيضا قول الله تعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) وقوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) الآية. الوجه العاشر: أن المنافقين في زمن النبي ﷺ كانوا هم السلف الطالح لجميع المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة, فما أنزل في أولئك وهو صالح للعموم فهو عام لمن بعدهم من المنافقين إلى يوم القيامة, لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فلو أن المصنف قال إن الآيات من أول سورة البقرة تشمل المنافقين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ومن كان بعدهم من المنافقين ومنهم ملاحدة العصريين وزنادقهم لكان أولى به من تبرئة المنافقين الأولين مما نزل فيهم.

стр. 132

فصل وفي صفحة (٧٥). ذكر المصنف ما رواه أنس وأبو ذر ورافع بن عمرو الغفاري وأبو سعيد الخدري ﵃ عن النبي ﷺ في وصف الخوارج, وفي كل منها أنه قال: «سيماهم التحليق» ثم قال في صفحة (٧٦) ما نصه. واعلم أن الأحاديث الواردة في هؤلاء المارقين مشابهة للأحاديث الواردة في الخوارج. وهم وإن كانوا كلهم خوارج عن الدين, وكلهم كلاب النار كما قال النبي ﷺ , إلا أنهم على قسمين. فالقسم المعروف بهذا الاسم الخاص: ورد وصفهم بالتنطع في الدين والغلو فيه وأن أحدنا يحقر صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. والقسم الثاني الذين هم ملاحدة هذا العصر, ورد في وصفهم أنهم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام وأن علامتهم التحليق. ولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر وانتشرت فتنته كان العلماء يحملون جميع هذه الأحاديث عليه وعلى أصحابه لأنه لم يكن ظهر هذا النوع من الخوارج الملاحدة. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان من المشرق

стр. 133

كلها عن عبد الله بن عمر ﵄ وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية. وأنا أذكر ههنا جميع الروايات عن ابن عمر ﵄؛ ليعلم بطلان ما ذهب إليه المصنف ومن شاكله من الملاحدة الذين يرمون النجديين بما ليس فيهم. ففي الصحيحين ومسند الإمام أحمد من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول «ألا إن الفتنة ههنا ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثا. وقال عبيد الله بن سعيد - وهو أحد شيوخ مسلم - في روايته: قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة. ورواه الإمام أحمد وقال كان قائما عند باب عائشة. وقد رواه مالك وأحمد والبخاري من حديث عبد الله بن دينار سمعت ابن عمر ﵄ يقول قال رسول الله ﷺ - وأشار بيده نحو المشرق - فقال «ها إن الفتن من ههنا, إن الفتن من ههنا إن الفتن من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» هذا لفظ إحدى روايات أحمد. وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان والترمذي من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر

стр. 134

فقال الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال قرن الشمس هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم أن رسول الله ﷺ قال وهو مستقبل المشرق «ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان». وفي رواية الترمذي قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال «ههنا أرض الفتن - وأشار إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان, أو قال قرن الشمس» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضا من حديث حنظلة, وهو ابن أبي سفيان المكي قال سمعت سالما يقول سمعت ابن عمر ﵄ يقول سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو المشرق ويقول «ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا, من حيث يطلع الشيطان قرنيه» هذا لفظ أحمد. وفي رواية له أخرى عن حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق «ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا, ها إن الفتنة ههنا, من حيث يطلع قرن الشيطان». إسناده صحيح, رجاله كلهم من رجال الصحيحين. وفي هذه الرواية فائدة جليلة, وهي البيان بأن منشأ الفتن من جهة العراق, لا من جهة نجد التي هي أرض العرب, ففيها رد على من زعم من الملاحدة أن المراد بذلك أرض العرب. وسيأتي ما يشهد لهذه الرواية من حديث عمر وابنه وابن عباس ﵃. ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضاً من حديث عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ -

стр. 135

من بيت عائشة ﵂ فقال: «رأس الكفر من ههنا, من حيث يطلع قرن الشيطان» يعني المشرق. ورواه مسلم أيضاً من حديث ابن فضيل عن أبيه قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة, سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من ههنا - وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان». وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض, وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله له: (وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً). وروى الإمام أحمد والبخاري والترمذي من حديث ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄, أن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا, اللهم بارك لنا في يمننا, قالوا: وفي نجدنا, قال: اللهم بارك لنا في شامنا, اللهم بارك لنا في يمننا, قالوا: وفي نجدنا, قال: هنالك الزلازل والفتن, منها - أو قال بها - يطلع قرن الشيطان» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا - مرتين - فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله, فقال رسول الله ﷺ : من هنالك يطلع قرن الشيطان, ولها تسعة أعشار الشر» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن عطاء وهو ثقة وفيه خلاف لا يضر.

стр. 136

وقد رواه الطبراني في الأوسط ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, وقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله, فقال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله فقال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا؛ إن من هنالك يطلع قرن الشيطان, وبه تسعة أعشار الكفر, وبه الداء العضال». ورواه الإمام أحمد من حديث بشر بن حرب سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا, وفي صاعنا ومدنا, ويمننا وشامنا - ثم استقبل مطلع الشمس - فقال: من ههنا يطلع قرن الشيطان, من ههنا الزلازل والفتن» ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ... وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها فإن بها تسعة أعشار السحر, وبها الداء العضال. ذكره في الموطأ. قال الخطابي: القرن الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور. نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري. قال: وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية, فكان كما أخبر. وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين, وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.

стр. 137

وقال الخطابي: نَجْد من جهة المشرق, ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها, وهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد ما ارتفع من الأرض, وهو خلاف الغور, فإنه ما انخفض منها, وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة. قال الحافظ ابن حجر وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي أن نجداً من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجداً موضع مخصوص, وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجداً والمنخفض غوراً. قلت: وقد تقدم ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق «ها إن الفتنة ههنا» الحديث ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ... كقولهم: وفي نجدنا, وقولهم وفي مشرقنا. فالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق وقد وقع مصداق ذلك فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر, وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة. وكانت في العراق وقعة الجمل, ووقعة صفين. وفيه قتل الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضاً فتنة المختار بن أبي عبيد, وفتنة الحجاج بن يوسف. وغير ذلك من الفتن العظيمة.

стр. 138

وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان وكذلك فتن الأهواء المضلة فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق كفتنة الخوارج, والرافضة, والقدرية, والمرجئة, والمعتزلة؛ والجهمية. ثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض. ولم يزل العراق موضع هرج وفتن في الدين وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال, وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه يخرج من العراق. وفي بعضها أنه يخرج من خراسان. وعلى هذا فيحتمل أنه ﷺ أراد بقوله قرني الشيطان أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة. ويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ... الوجه الثاني: أن المصنف أراد بطلوع قرن الشيطان بنجد ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه. وقد سمى أهل نجد بالقرنيين في صفحة (٥٠ و ١٢٧) من كتابه. وهذا من البهتان والإثم المبين, لكونه وصفهم بصفة ذميمة لم ترد فيهم, وإنما وردت في غيرهم. وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً).

стр. 139

وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ذكر امرأً بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قاله فيه) رواه الطبراني, قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال». وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قاله» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد «وليس بخارج». الوجه الثالث: أن الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وقد زعم المصنف في آخر كتابه أنه من القائمين بالكتاب والسنة ثم خالف قوله بفعله في مواضع كثيرة من كتابه. ومنها هذا الموضع, حيث لم يتثبت في أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأهل نجد, وتسرع إلى وصفهم بصفة مضادة لصفتهم في الحقيقة. ولو أنه تثبت في أمر الشيخ والنجديين كما تثبت علماء الدين لظهر له ما ظهر لهم من براءة الشيخ والنجديين مما رماهم به علماء الزيغ والضلال من البهتان والإثم المبين. الوجه الرابع: أن ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وتجديده للدين في أرض نجد كان في أواخر القرن الثاني عشر من الهجرة, لا في أواخر القرن الحادي عشر كما زعمه المصنف.

стр. 140

الوجه الخامس: من فساد تصور المصنف جعله تجديد الدين ونشر السنة في البلاد النجدية نشراً للفتنة فيها. وهذا شأن أهل البدع الذين نكست قلوبهم فصاروا يرون الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق, عياذاً بالله من عمى البصيرة. الوجه السادس: من عجيب أمر المصنف حكمه للمصريين بالإيمان, وأنهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة, كما تقدم ذكر ذلك - وحكمه على الإمام المجدد للدين بأنه قرن الشيطان, وأنه نشر الفتنة, وتسميته للنجديين بالقرنيين. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن الأمر في كل من الفريقين بالعكس مما قال فيه. فأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه فإنه قام بالدعوة إلى الله تعالى أتم القيام, فجعل الله تعالى في قيامه أعظم البركة, وجدد الله به دين الإسلام بعد اندراسه, ونشر به السنة في أرض الجزيرة العربية وغيرها وقمع به البدعة, وطهر به بلاد نجد من أمور الجاهلية. وكذلك كان أولاده وأحفاده وتلاميذه, وتلاميذ أولاده وأحفاده, وغيرهم من علماء نجد الأعلام, فكلهم كانوا على الصراط المستقيم والمنهج القويم, يدعون إلى الله تعالى على بصيرة ويجاهدون أهل الشرك والبدع وكتبهم ورسائلهم شاهدة بما ذكرته عنهم.

стр. 141

وأما المصريون فقد تقدم ما ذكرناه عنهم من الافتتان بالقبور, ودعاء أهلها والالتجاء إليهم في طلب الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات, وأن البدع والخرافات وأنواع المعاصي والمنكرات كانت فاشية عندهم بكثرة, وأنهم نبذوا حكم الشريعة المحمدية وراء ظهورهم واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية, وأنهم افتتنوا بالاشتراكية الخبيثة, مع تمسكهم بالتقاليد الإفرنجية في كل جليل وحقير من أمورهم. إلى غير ذلك مما ذكرناه ولم نذكره مما يطول وصفه. ومع هذا يقول المصنف عنهم إنهم على الحق, وإنهم الطائفة المنصورة. ويقول في الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه إنه قرن الشيطان, وإنه نشر الفتنة, وإن النجديين هم قرن الشيطان. وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية في كل من الفريقين. وما أشبه حال المصنف بالذين قال الله تعالى فيهم (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون). الوجه السابع: أن المصنف قال عن العلماء إنهم كانوا يحملون الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى أصحابه. وهذا الكلام فيه إيهام وتلبيس على من جهل حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب, كما أن فيه افتراء على علماء الدين وجوابه أن يقال:

стр. 142

أما علماء الزيغ والضلال, من المفتونين بالقبور وأهل البدع والأهواء ومن شاكلهم فإنهم قد أظهروا العداوة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصحابه, ورموهم بكل ما يرون أنه يعيبهم ويحط من قدرهم, فقالوا كذباً وزوراً إنهم خوارج, وقالوا إنهم قرن الشيطان, وقالوا إنهم نشروا الفتنة, وقالوا إنهم يبغضون الرسول ﷺ , إلى غير ذلك مما بهتوهم به وافتروه عليهم. وأما علماء الدين فإنهم شهدوا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه أظهر توحيد الله؛ وجدد دينه ودعا إليه, واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته, وأثنوا عليه نظما ونثرا. فمن ذلك ما قاله عالم اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى. قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهراً ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي

стр. 143

ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... ويستلم الأركان منهن بالأيدي لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي وقال عالم الإحساء حسين بن غنام رحمه الله تعالى: لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميدع

стр. 144

وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرقع يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رحمه الله تعالى: إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل محمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاماً عن لحوق المطاول عنيت ابن عبد الوهاب قدوة عصره ... سلالة أنجاب زكي الخصائل عليه من الرحمن أعظم رحمة ... تبل ثراه بالضحى والأصائل

стр. 145

لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل إمام له شأن كبير ورتبة ... من الفضل تثني همة المتطاول تأخر ميلاداً وفي حلبة العلى ... وميدان فخر سابق للأوائل ويأمر بالمعروف في كل حالة ... وعن منكر ينهى وليس بقابل ولم يأل جهداً في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلوماً وليس بخاذل وكم كان في الدين الحنيفي مجاهداً ... بماضي سنان دامغ للأباطل فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزاً ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل ولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل فما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل
следующие страницы →