إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين
مؤسسة النور
стр. 2
من مطبوعات دار الإفتاء
(توزع مجاناً)
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم بقلم:
مفتي البلاد السعودية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فقد اطلعت على هذا المؤلف لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري الموسوم (بإيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة) كشفاً للشبهات للردود عليه وإبطالا لترهاته, فوجدته ردا كافياً شافياً, فجزى الله الشيخ حموداً خيراً وزاده من التصدي لنصرة الدين ورد شبهات المبطلين.
قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ... ١٤/ ٥/ ١٣٨٥
الختم:
محمد بن إبراهيم آل الشيخ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين. والعاقبة للمتقين. ولا عدوان الا على الظالمين.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين. ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد فقد وقفت على مؤلف لاحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني من اهالي طنجة البلدة المعروفة في اقصى المغرب. سماه «مطابقة الاختراعات العصرية. لما اخبر به سيد البرية» فرأيت فيه اخطاءا كثيرة من تأويل الآيات والأحاديث على غير تأويلها ومن وقيعة في انصار الدين. ومدح واطراء لاعداء الدين. إلى غير ذلك من الاخطاء التي قد شوه بها كتابه. وقد نبهت على ما لا يسع السكوت عنه من تلك الاخطاء خشية ان يغتر بها من قل نصيبه من العلم النافع.
والله المسئول ان يوفقني واخواني المسلمين لما يحب ويرضى من الاقوال والاعمال. وان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه. ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.
وما اشير اليه من صفحات الكتابِ فالمراد بذلك الطبعة الثانية سنة ١٣٧٩ هـ مطبعة محمد عاطف.
стр. 5
فصل
قال المؤلف في خطبة الكتاب ما نصه.
أما بعد فان علم النبي ﷺ بالغيب واطلاع الله تعالى اياه على ما كان وما يكون الى قيام الساعة والى ان يصير الفريقان الى منازلهم من الجنة أو النار, بل وما بعد ذلك الى ما لا نهاية له من الازمان, معلوم ضرورة لأهل الايمان, مقطوع به عند اهل المعرفة والإيقان؛ لا يختلف في ذلك منهم اثنان ولا يشك فيه فاضلان.
والجواب ان يقال أما اطلاع الله تعالى لرسوله محمد ﷺ على ما كان وما يكون الى قيام الساعة والى أن يصير الفريقان الى منازلهم من الجنة أو النار فهذا صحيح, وقد جاء في ذلك عدة احاديث ذكر المصنف بعضها, منها حديث عمر ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فاخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل اهل الجنة منازلهم واهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه رواه البخاري تعليقا مجزوما به ووصله الطبراني وأبو نعيم.
ومنها حديث حذيفة ﵁ قال لقد خطبنا النبي ﷺ خطبته ما ترك فيها شيئا الى قيام الساعة الا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله. رواه الامام احمد والشيخان وابو داود.
ومنها حديث حذيفة ايضا ﵁ قال اخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن الى ان تقوم الساعة فما منه شيء الا قد سألته الا اني لم أسأله ما يخرج اهل المدينة من المدينة رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي ومسلم.
стр. 6
ومنها حديث ابي زيد وهو عمرو بن اخطب الانصاري ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فاخبرنا بما كان وبما هو كائن فاعلمنا احفظنا رواه الامام احمد ومسلم.
ومنها حديث ابي سعيد الخدري ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون الى قيام الساعة الا اخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي والترمذي والحاكم.
وقال الترمذي هذا حديث حسن.
ومنها حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً اخبرنا بما يكون في امته الى يوم القيامة وعاه من وعاه ونسيه من نسيه رواه الامام احمد والطبراني.
ومنها حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ان الله قد رفع لي الدنيا فانا انظر اليها والى ما هو كائن فيها الى يوم القيامة كأنما انظر الى كفي هذه) رواه الطبراني.
وأما علمه ﷺ بما بعد دخول الجنة والنار الى ما لا نهاية له من الازمان فهذا لا دليل عليه. وقد قال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقد استدل المصنف على ذلك بقول الله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا. الا من ارتضى من رسول) ولا دليل في الآية على ما ذهب اليه.
стр. 7
فصل
وقال المصنف في صفحة ٦ وصفحة ٧ ما نصه.
فمن تلك الامور العظام التي قال ﷺ اننا سنراها بابور السكة الحديد والاوطمبيل والبسكليتة وما في معناها.
وقد اخبر بها ﷺ بخصوصها ووردت الاشارة اليها في القرآن والاحاديث النبوية.
أما القرآن ففي ثلاث آيات حسبما حضر لنا, الآية الاولى قوله تعالى (وآية لهم انا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) أي خلقنا لهم مما يماثل الفلك المشحون ما يركبون في البر. والذي يماثل الفلك المشحون في كبره وكثرة حمله هو بابور السكة الحديد وسيارات النقل التي تحمل عشرات الركاب مع بضائعهم وحاجياتهم وتكون مارة كأنها الاعلام طولا وعلوا كما وصف الله تعالى به السفن الجواري في البحر كالاعلام. وكذلك بابور السكة الحديد بل هو أولى بالشبه والمثلية للفلك المشحون.
أما المفسرون الذين فسروا المثل في الآية بالابل فمعذورون لانه لم يكن في زمانهم ما يشبه الفلك في حمل الركاب والبضائع فاضطروا لحمل الآية على الابل, وان كان حملا باطلا مقطوعا ببطلانه لان الفلك المشحون يحمل العشرات من الناس باثقالهم ويحمل مع ذلك الكثير من السلع والبضائع, وهذا بالنسبة لما كان في زمانهم, أما ما حدث
стр. 8
في زماننا فالسفينة تحمل الآلاف من الناس ومن القناطر المقنطرة من البضائع, ثم السفن التي كانت في زمانهم ايضا مع كبرها وحملها الكثير من الركاب والاثقال كانت تجري في البحر جريا حثيثا بالرياح كما قال تعالى (وله الجواري المنشئات في البحر كالاعلام).
وكل ذلك مخالف لوصف الابل تمام المخالفة فمشيها بطيء للغاية وحملها لا يقاس بحمل السفن بل كانت السفينة تحمل ما يزيد على حمل مائة بعير, فكيف يصح تفسير الآية بها, بل ذلك باطل قطعا.
وإنما الذي يماثل الفلك المشحون تمام الماثلة في كثرة حمله وسرعة سيره في البحر هو بابور السكة الحديد ثم السيارات فهي المرادة بالآية جزما.
وقد قال ابن عباس والحسن والضحاك وجماعة في الآية المذكورة وخلقنا لهم سفنا امثال تلك السفن يركبونها. قال النحاس وهذا اصح لانه متصل الاسناد عن ابن عباس, وهذا يدل على شفوف نظر ابن عباس ﵄ ونظره بنور الله تعالى في معاني القرآن الكريم تصديقا لدعاء رسول الله ﷺ اذ قال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». فان وجود السفينة في البر لا يخطر ببال احد ولا يكاد ينطق به عاقل في ذلك الوقت, ولكن ابن عباس ﵄ نظر الى الغيب من ستر رقيق اذ قال ذلك فكان هو المطابق للحال الموافق للواقع, انتهى المقصود من كلامه. وفيه ثلاثة أخطاء.
стр. 9
الأول: قوله ان حمل الآية على الابل باطل مقطوع ببطلانه.
والثاني: قوله ان بابور السكة الحديد والسيارات هي المرادة بالآية جزما.
والثالث: زعمه ان ابن عباس ﵄ حين قال وخلقنا لهم سفنا امثال تلك السفن يركبونها اراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد.
والجواب عن هذه الاخطاء وعما ذهب اليه في تفسير الآية من وجوه.
الأول: أن الله تعالى عبر في الآية بصيغة الماضي الذي قد وقع فقال تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وهذا صريح في إرادة السفن الموجودة في زمن النزول وما قبله. ولو كان المراد بها ما حدث بعد النزول باكثر من الف وثلاثمائة سنة لعبر عن ذلك بصيغة المستقبل.
وهذا ظاهر في ابطال ما جزم به المصنف في تفسير الآية الكريمة, يوضح ذلك.
الوجه الثاني: وهو ان الله تعالى امتن على عباده بما يسره من حمل ابائهم في سفينة نوح ﵊ وجعل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته. ثم امتن عليهم بما خلق لهم من السفن المشابهة لسفينة نوح ليشكروه على ما انعم به عليهم ويفردوه بالعبادة. واول من خوطب بهذا التذكير والامتنان هم كفار قريش ومن حولهم من أحياء العرب.
стр. 10
ويدل على ذلك قوله تعالى في اول السورة (لتنذر قوما ما انذر اباؤهم فهم غافلون) وقوله بعد الآية التي ذكر فيها الفلك (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين).
وليس من المعقول ان يخاطبهم الله تعالى ويذكرهم بما لا يعرفونه وان يمتن عليهم بما يحدث بعدهم باكثر من الف وثلثمائة سنة.
الوجه الثالث: ان الله تعالى عقب الآية بقوله (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) وهذا واضح في إرادة السفن التي تجري في البحر. ولو كان المراد ما حدث من السيارات وبابور السكة الحديد لكان ذكر الغرق ههنا لا معنى له ولا فائدة في ذكره.
الوجه الرابع: ان ابن عباس ﵄ قال في تفسير الآية هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها. وكذا قال ابو مالك والضحاك وقتادة وابو صالح والسدي ان المراد بذلك السفن. وهذا يرد ما زعمه المصنف من ان ابن عباس ﵄ اراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد.
وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ يعني بذلك الإبل. فانها سفن البر يحملون عليها ويركبونها. وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وغيرهم. ويشهد لهذا قول الله تعالى (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون) وهذا يرد قول المصنف إن حملها على الابل باطل مقطوع ببطلانه. والقول الأول أقوى وأولى بظاهر الآية والله أعلم.
стр. 11
الوجه الخامس: ان الصحابة ﵃ اعلم بتفسير القرآن ممن جاء بعدهم ولا سيما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄, وقد فسر المراد من الآية بالسفن وفسره ايضا بالابل لاشتراكها مع السفن في حمل الاثقال والركوب عليها ومع هذا يقول المصنف ان حمل الآية على الابل باطل مقطوع ببطلانه, وهذه جراءة عظيمة على مقام حبر الأمة, ومن قال بقوله من أكابر التابعين.
الوجه السادس: ان الباطل قطعا هو جزم المصنف بان المراد بالآية السيارات وبابور السكة الحديد, وعزوه ذلك الى ابن عباس ﵄ وذلك من القول عليه بما لم يقله.
الوجه السابع: ان القول في القرآن بمجرد الرأي حرام. وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الامام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ انه قال «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي ايضا وابو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (من قال في القرآن برأيه فاصاب فقد اخطأ) قال الترمذي هذا حديث غريب.
قال وهكذا روي عن بعض اهل العلم من اصحاب النبي ﷺ وغيرهم انهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم.
стр. 12
وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم انهم فسروا القرآن فليس الظن بهم انهم قالوا في القرآن او فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم, وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا انهم لم يقولوا من قبل أنفسهم, ثم ساق باسناده عن قتادة انه قال مافي القرآن آية الا وقد سمعت فيها شيئا.
وباسناده عن مجاهد انه قال لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج ان أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت انتهى كلام الترمذي.
وقال البغوي قال شيخنا الامام قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم.
قال وأما التفسير وهو الكلام في اسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز الا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل انتهى.
ولا يخفى ان تفسير المصنف لقول الله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) وجزمه بان المراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد لم يكن من طريق النقل الثابت وانما هو تفسير بمجرد الرأي فهو بذلك متعرض للوعيد الشديد والله أعلم.
стр. 13
فصل
وقال المصنف في صفحة ٧ وصفحة ٨ ما نصه.
الآية الثالثة قوله تعالى في اشراط الساعة (واذا العشار عطلت) أي عن السفر عليها وحمل الاثقال عليها.
والعشار هي الابل التي قد أتى عليها عشرة أشهر كما قال ثعلب وأئمة اللغة. وانما عطلت عن السفر ونقل السلع والبضائع عليها بوجود السيارات وبوابير سكة الحديد فانها بعد ظهورها لم يعد احد يسافر على الابل او يرسل بضائعه عليها الا نادرا جدا فيما لم يمكن سفر السيارات اليه حتى ان عرب الحجاز وجزيرة العرب تضرروا غاية لما عبدت الطرق في بلادهم وانتشرت فيها السيارات التي عطلت ابلهم عن العمل الذي كانوا منه يرتزقون. وقد ورد التصريح بهذا ايضا عن رسول الله ﷺ فقال مسلم في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عطاء بن ميناء عن ابي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «والله لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها» الحديث. القلاص بكسر القاف جمع قلوص بفتحها وهي من الابل كالفتاة من النساء. فقوله ﷺ ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها تعيين للمراد من قوله تعالى. واذا العشار عطلت. يعني يترك استخدامها في السفر ونقل البضائع كما كان حالها من قبل.
стр. 14
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: ان الآيات في أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة كما زعم ذلك المصنف, وإنما هي في أهوال يوم القيامة كما هو واضح من سياق الآيات, وكما هو ظاهر من كلام المفسرين من الصحابة وأئمة التابعين, والدليل على ذلك ما رواه الإمام احمد والترمذي والحاكم عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من سره ان ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ (اذا الشمس كورت). وإذا (السماء انفطرت). (وإذا السماء انشقت)» قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الوجه الثاني: ان تفسيره لآية التكوير تفسير بمجرد الرأي. وقد تقدم ان ذلك حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.
الوجه الثالث: ان أبي بن كعب ﵁ وغير واحد من أكابر التابعين فسروا الآية بغير ما فسرها به المصنف وهم أعلم بكتاب الله منه. والمرجع في التفسير اليهم وإلى أمثالهم, لا إلى المتكلفين كالمصنف وأمثاله من العصريين. قال أبي بن كعب ﵁ في قوله تعالى (وإذا العشار عطلت) قال أهملها أهلها, وقال عكرمة ومجاهد هي عشار الإبل, قال مجاهد عطلت تركت وسيبت وقال الربيع بن خثيم لم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها. وقال الضحاك تركت لا راعي لها.
قال ابن كثير والمعنى في هذا كله متقارب.
стр. 15
قال والمقصود ان العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعد ما كانوا ارغب شيء فيها بما دهمهم من الامر العظيم المفظع الهائل وهو امر يوم القيامة وانعقاد أسبابها ووقوع مقدماتها. وقيل بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها.
قلت ويقوي هذا القول ما تقدم ذكره من حديث ابن عمر ﵄.
الوجه الرابع: ان العشار من الإبل لا يركبها أهلها ولا يحملون عليها إلا في النادر, وإنما يركبون ويحملون على الذكور من الإبل والحوائل من إناثها ولا سيما الشواب منها وهي المراد بالقلاص قال الجوهري القلوص من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء وقال العدوي, القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني فإذا أثنت فهي ناقة. والقعود أول ما يركب من ذكور الإبل إلى أن يثني فإذا أثنى فهو جمل وربما سموا الناقة الطويلة القوائم قلوصا. وقال صاحب القاموس القلوص من الإبل الشابة أو الباقية على السير خاص بالإناث. وقال مرتضى الحسيني في تاج العروس قال ابن دريد هو خاص بالإناث ولا يقال للذكور قلوص انتهى.
وإذا كانت العشار لا تركب ولا يحمل عليها إلا نادرا فأي متعلق للمصنف في قوله تعالى. (وإذا العشار عطلت). إذ لا دليل فيها على ما ذهب إليه.
стр. 16
الوجه الخامس: أن المصنف جعل معنى الآية ومعنى ما في حديث أبي هريرة ﵁ واحدا وليس الأمر كذلك, فإن التعطيل المذكور في الآية هو تركها بالكلية لاشتغال الناس عنها بما حل بهم من الهول العظيم. واما الترك المذكور في حديث أبي هريرة فهو ترك السعي عليها لا تركها بالكلية وأين هذا من ذاك.
وقد اختلف في معنى ترك السعي على القلاص فقال النووي معناه أن يزهد فيها ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهو شبيه بمعنى قول الله . وإذا العشار عطلت. ومعنى لا يسعى عليها لا يعتني بها أي يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها هذا هو الظاهر وقال القاضي عياض وصاحب المطالع معنى لا يسعى عليها أي لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.
قلت وهكذا قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب أن معنى لا يسعى عليها أي لا يخرج ساع إلى زكاة لقلة حاجة الناس إلى المال واستغنائهم عنه.
قال النووي وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة. قلت بل هو أقوى وأظهر من قول النووي. ويؤيده ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊, وفيه قال رسول الله ﷺ «فيكون عيسى بن مريم ﵊ في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية
стр. 17
ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير» الحديث وهو مطابق لحديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره في كلام المصنف ومفسر لمعنى ترك السعي على القلاص اذ كل من الحديثين وارد فيما يكون في أيام عيسى ﵊ فما أبهم في حديث أبي هريرة ﵁ فهو مفسر في حديث أبي أمامة ﵁.
ويؤيده أيضا ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه» هذا لفظ مسلم.
وفي الصحيحين أيضا من حديث حارثة بن وهب وأبي موسى ﵄ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الإمام أحمد والبخاري من حديث عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
ومما يرد قول النووي ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا (١) قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ابله فيصعق ويصعق الناس».
وهذا يدل على أن الرغبة في اقتناء الإبل لا تزال باقية إلى أن ينفخ في الصور لا كما يقول النووي أن أهلها يزهدون فيها ولا يعتنون بها.
стр. 18
ويحتمل أن يكون معنى قوله وتترك القلاص لا يسعى عليها أي يترك ركوبها في الأسفار والحمل عليها وهذا مطابق للواقع في هذه الأزمان وإن كان قول عياض ومن وافقه أقوى منه من حيث الدليل.
ويحتمل أن يكون كل من الأمرين مراداً في الحديث أعنى ترك السعي عليها للصدقة وترك ركوبها والحمل عليها والله أعلم.
الوجه السادس: أن عرب الحجاز وجزيرة العرب لم يتضرروا من تعبيد الطرق في بلادهم وانتشار السيارات فيها كما زعمه المصنف بل انتفعوا به كثيراً واستراحوا من كثير من المشقة والعناء مما كان يصيبهم بسبب السفر على الابل والحمل عليها, وكان ارتزاقهم بسبب السيارات أعظم بكثير من ارتزاقهم بسبب الإبل. وانتفعوا أيضا بكثرة أثمان الإبل فقد كانت الناقة الجيدة في زمن السفر على الإبل والحمل عليها تساوي مائة ريال او نحوها وأما الآن فتساوي سبعمائة وثمانمائة وربما زادت على الألف وهذا خير لأهل الإبل مما كان من قبل.
فصل
وفي صفحة (٨) جزم المصنف ببقاء استعمال السيارات إلى زمان نزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام.
وهذا مما لا ينبغي الجزم به لأن ما يقع في المستقبل أمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) وقال تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) وقال تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) الآية.
стр. 19
وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله, ولا يعلم نزول الغيث إلا الله, ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله, ولا يعلم الساعة إلا الله, وما تدري نفس ماذا تكسب غدا, وما تدري نفس بأي أرض تموت» رواه الإمام أحمد والبخاري.
وإذا علم هذا فإثبات ما يكون في المستقبل يحتاج إلى دليل قاطع من نصوص الكتاب أو السنة, ولا دليل على ما ذكره المصنف فلا ينبغي إذن الجزم ببقاء السيارات إلى زمان نزول عيسى ﵊ فقد يفنيها الله ويفني صانعها كما أفنى القرون الأولى وأفنى صنائعهم معهم وأبقى من آثارهم نموذجا يسيرا أدهش به المتأخرين وحيرهم كالأهرام المصرية وغيرها من الآثار القديمة.
ولا ينبغي أيضا الجزم بعدم السيارات فقد يبقيها الله تعالى إلى زمان نزول عيسى ﵊.
والمقصود ههنا أنه لا يجوز الخوض في الأمور المستقبلة بمجرد الظن والتخرص, بل يرد علم ذلك إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم ما كان وما يكون. لا إله إلا هو, ولا رب سواه.
стр. 20
فصل
في صفحة (٩ و ١٥) جزم المصنف أن الدجال وأعوانه يسيرون في الطائرات والسيارات.
وهذا مما لا ينبغي الجزم به لان ما يكون في المستقبل لا يعلمه إلا الله تعالى, وليس مع المصنف دليل قاطع فيما ذهب إليه.
وأما قوله في حديث النواس بن سمعان ﵁ قلنا يا رسول الله وما اسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح فلا يلزم منه أن يكون سيره على الطائرات والسيارات بل قد تخرق له العادة إما بطي الأرض وإما بغير ذلك.
وقد جاء في حديث جابر ﵁ قال قام رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر فقال: «يا أيها الناس إني لم أجمعكم لخبر جاء من السماء - فذكر حديث الجساسة وزاد فيه - هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما». الحديث رواه أبو يعلى بإسنادين قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد ﵁ أنه قال «الدجال يخرج في نقص من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين, فيرد كل منهل فتطوى له الأرض طي فروة الكبش» الحديث وفيه «ولا يسخر له من المطايا إلا الحمار فهو رجس على رجس» وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط البخاري ومسلم.
стр. 21
وروى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «يخرج الدجال في خفة من الدين وإدبار من العلم, وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامكم هذه, وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا» الحديث, وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.
وما في هذه الأحاديث هو المعتمد في سير الدجال في الأرض لصحة أسانيدها وعدم ما ينافيها. وركوبه على الحمار الذي عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً أبلغ في الافتتان به من ركوبه على الطائرات والسيارات وغيرهما مما قد عرفه الناس واعتادوا ركوبه, وكذلك سيره على الحمار العظيم الجسم قد يكون أسرع من سير الطائرات بكثير والله أعلم.
والمقصود هنا أنه لا ينبغي الجزم بسير الدجال في الطائرات والسيارات ولا بعدم ذلك؛ لأنه أمر غيبي, والخوض في مثل ذلك من الرجم بالغيب.
فصل
وفي صفحة (١٠) جزم المصنف في شأن المهدي بنحو ما جزم به في شأن عيسى والدجال من بقاء الطائرات والسيارات إلى زمانه.
والجواب عنه هو ما تقدم في الفصلين قبله والله أعلم.
стр. 22
فصل
وقال المصنف في صفحة (١٦) ما نصه:
وأما الطائرات الحربية فمذكورة في القرآن العظيم وفي السنة النبوية. قال الله تعالى (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفا. والناشرات نشرا. فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا. عذراً أو نذرا. إنما توعدون لواقع).
فهذا وصف للطائرات الحربية بجميع حركاتها وأفعالها تعصف بقنابلها, وهي تحتمل في اللغة معنيين ترك الناس كعصف مأكول وتميل أحيانا عن هدفها وهو معنى العصف أيضاً وتنشر المنشورات على الجنود في ميادين الحرب وعلى الأهالي والسكان في المدن للدعاية والإخبار بما تريده الدولة المحاربة وتفرق بين الجموع والكتائب فرقا لأن الرعب بها والهزيمة أشد من غيرها بحيث لا يثبت تحتها جمع بل بمجرد رؤيتها من بعيد يقع الفرار والتفرق والاختفاء في الكهوف والملاجئ. فالملقيات ذكرا عذرا: تعذر به الدولة عن ضربها بعض الأماكن البريئة والتي ليست من مراكز الحرب. أو نذرا تنذر به السكان وتخوف وتوعد وتهدد وتطلب التسليم ونحو ذلك من نوع الإنذار كما هو معروف.
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن تفسيره للآيات تفسير بمجرد الرأي بل إلحاد في آيات الله تعالى وقرمطة فيها شبيهة بقرمطة الرافضة وتأويلهم للقرآن.
стр. 23
وقد تقدم أن تفسير القرآن بالرأي حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.
قال الله تعالى (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير).
وفي هذه الآية الكريمة تهديد شديد ووعيد أكيد لمن ألحد في آيات الله تعالى وتأولها على غير تأويلها. قال ابن عباس ﵄: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه.
ولا يخفى على ذي علم ما جرى عليه أحمد بن محمد بن الصديق الغماري من تفسيره لآيات كثيرة بمجرد الرأي ووضعه الكلام فيها على غير مواضعه ومخالفة ما جاء عن السلف الصالح في ذلك.
وقد روى الفريابي عن الحسن قال سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات ذروا. وعن المرسلات عرفا وعن النازعات غرقا. فقال عمر ﵁ اكشف رأسك فإذا له ضفيرتان فقال: والله لو وجدتك محلوقاً لضربت عنقك ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه, وقد روي من غير وجه أن عمر ﵁ ضربه ضرباً وجيعاً وحمله على قتب.
وروى الآجري في كتاب الشريعة من حديث السائب بن يزيد قال أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا يا أمير المؤمنين انا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن فقال اللهم أمكني منه فبينما عمر ﵁ ذات يوم يغدى الناس إذ جاءه رجل عليه ثياب
стр. 24
وعمامة يتغدى حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين (والذاريات ذرواً. فالحاملات وقراً) فقال عمر ﵁ أنت هو فقام إليه فحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته فقال والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك ألبسوه ثيابه واحتملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقم خطيبا ثم ليقل ان صبيغا طلب العلم فأخطأه. فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه. وإذا كان هذا فعل عمر ﵁ مع من كان يسأل عن متشابه القرآن فكيف لو رأى من يتأول القرآن على غير تأويله.
الوجه الثاني: أن الصحابة والتابعين فسروا الآيات التي ذكرها المصنف بغير ما فسرها به وهم أعلم بتفسير القرآن ممن بعدهم.
قال أبو هريرة ﵁ في قوله (والمرسلات عرفا) قال هي الملائكة أرسلت بالمعروف رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود ﵁ (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة.
وروى ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة فرقت بين الحق والباطل. (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة بالتنزيل.
وروى ابن جرير عن مسروق (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة.
стр. 25
وروى عبد بن حميد عن مجاهد (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفاً. والناشرات نشرا. فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة.
وروى عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن المنذر عن أبي صالح (والمرسلات عرفا) قال: هي الرسل ترسل بالمعروف (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرا) قال: المطر (فالفارقات فرقا) قال: الرسل. وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة يجيئون بالأعارف (فالعاصفات عصفا) قال: الريح العواصف (والناشرات نشرا) قال: الملائكة ينشرون الكتب (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب (عذرا) من الله (أو نذرا) منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون.
وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود ﵁ (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشراً) قال الريح (فالفارقات فرقا) قال: حسبك.
وروى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وغيرهم عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي ﵁ فقال: ما العاصفات
стр. 26
عصفا؟ قال: الرياح. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة.
وروى ابن جرير عن مجاهد (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرا) قال: الريح.
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة (والمرسلات عرفا) قال: هي الريح (فالعاصفات عصفا) قال: هي الريح (فالفارقات فرقا) يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل (فالملقيات ذكرا) هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتلقيه الرسل على بني آدم (عذرا أو نذرا) قال: عذرا من الله ونذرا منه إلى خلقه.
فهذه أقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات من أول سورة المرسلات كما ترى, والعمدة عليها لا على قرمطة المقرمطين وشطحات المنحرفين الخاطئين.
الوجه الثالث (*): أن الله ﵎ أقسم بالآيات من أول سورة المرسلات على وقوع المعاد والجزاء, والله ﵎ أعظم وأجل من أن يقسم بظلم بني آدم وعدوان بعضهم على
стр. 27
بعض وإهلاكهم للحرث والنسل بالطائرات والقنابل وما يلقونه من منشورات البغي والإفساد في الأرض, ومن زعم أن الله تعالى أقسم بالطائرات والقنابل ومنشورات أهلها فقد أعظم على الله الفرية.
فصل
وقال المصنف في صفحة (١٦ - ١٧) ما نصه:
وقال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) الآية. فإنها واردة في إلقاء القنابل من الطائرات. فقد سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية الكريمة فقال: (أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد) رواه أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص بسند حسن.
فهذا يفيد القطع بأن المراد بالعذاب من فوق في الآية المذكورة هو القنابل النازلة من الطائرات, لأنه لم يقع فيما مضى شيء من ذلك في هذه الأمة حتى ظهرت الطائرات ورميها بالقنابل, والنبي ﷺ أخبر بأن ذلك كائن لا محالة وأنه آت بعده, فحصل من ذلك القطع أنها المراد من الآية. وقد تحقق ذلك وضرب المسلمون وغيرهم بالقنابل من فوقهم, ولا يزال الناس مهددين بالنوع الخطر منها وهي القنابل الذرية التي هي عذاب عام شامل وستأتي الإشارة إليها بخصوصها في آية أخرى.
وأما العذاب من تحت الأرجل فأشار إلى الألغام التي تنصب
стр. 28
في الأرض فيمر عليها من يراد إهلاكه فتنفجر تحت رجله أو عربته فيهلك أو تنصب تحت الدور والمنازل فتتهدم على من فيها ممن يريد الله هلاكه وعذابه.
ومن الأحاديث العجيبة في هذا الباب ما رواه أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء مطراً لا تكن منها بيوت المدر ولا تكن منها إلا بيوت الشعر». فالمطر الذي لا تكن منه البيوت المبنية بالحجر هو القنابل النازلة من الطائرات, فإنه يهدمها على من فيها ولو لم تنزل على البيت نفسه, لأن قوة انفجارها تهدم البيوت القريبة من مكان الانفجار على من فيها, فلا تكن بيوت المدر منها وإنما تكن منها بيوت الشعر في البوادي التي سكن أهلها خيام الشعر, فإن القنابل إذا لم تنزل على نفس الخيمة لا يحصل منها ضرر لسكان القرية الذين يختبئون في المغارات وتحت الاحجار. فالحديث لولا ظهور القنابل لما تصور أحد معناه.
والجواب أن يقال: إن تأويله للآية الكريمة وقطعه بما قطع به فيها من نمط ما قبله من التكلف وتأول القرآن على غير تأويله.
والصحيح أن المراد بقوله (عذابا من فوقكم) الرجم من السماء (أو من تحت أرجلكم) الخسف, قاله أبي بن كعب وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد وغير واحد.
стр. 29
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عيسى الدمغاني قال: أخبرنا ابن المبارك عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) الآية.
قال: فهن أربع, وكلهن عذاب, فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض, وبقيت اثنتان فهما لابد واقعتان, يعني الخسف والمسخ. وقد رواه الإمام أحمد وابن جرير من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ في قوله ﵎ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا) قال: أربع خلال وكلهن عذاب, وكلهن واقع قبل يوم القيامة؛ فمضت اثنتان بعد وفاة النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة: ألبسوا شيعا؛ وأذيق بعضهم بأس بعض, وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف, والرجم. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. قلت وكذا رجال ابن جرير. قال الهيثمي: والظاهر أن من قوله: فمضت اثنتان ... إلى آخره من قول رفيع - يعني أبا العالية - فإن أبي بن كعب ﵁ لم يتأخر إلى زمن الفتنة انتهى.
والقول الثاني في الآية أن المراد بقوله (عذابا من فوقكم) أئمة السوء (أو من تحت أرجلكم) الخدم وسفلة الناس رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.
стр. 30
قال ابن جرير - فيما نقله ابن كثير عنه -: وهذا القول وان كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى.
قال ابن كثير: وهو كما قال ابن جرير ﵀, ويشهد له بالصحة قوله تعالى (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير) وفي الحديث «ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ» وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة. انتهى.
وقد تضافرت الأخبار بوقوع القذف والخسف والمسخ في آخر هذه الأمة, وأكثر ما جاء الوعيد في ذلك لاصحاب الغناء والملاهي وشاربي الخمور, وهي توافق ما قاله أبي بن كعب ﵁ ومن قال بقوله في تفسير الآية الكريمة.
وأما كلام المصنف في معنى حديث أبي هريرة ﵁ فلا يخفى ما فيه من التعسف والتكلف, وما تصوره في معناه فهو تصور فاسد وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أن بيوت الشعر لا تكن من القنابل كما زعمه المصنف بل هي أقرب إلى الاحتراق والتلف من بيوت المدر, وهذا لا يخفى على الصبيان فضلا عن الكبار العقلاء.
الوجه الثاني: أن سكان الخيام إذا اختبؤوا عن القنابل في المغارات وتحت الأحجار فلا يقال إن الخيام هي التي تكنهم من القنابل كما تصوره المصنف وإنما تكنهم المغارات والأحجار.
стр. 31
الوجه الثالث: أن الحديث لا تعرض فيه لذكر البيوت المبنية بالحجر وإنما ذكرت فيه بيوت المدر, والمدر غير الحجر, قال ابن الأثير المدر هو الطين المتماسك, وقال ابن منظور في «لسان العرب» المدر: قطع الطين اليابس وقيل: الطين العلك الذي لا رمل فيه. قال: والمدر للحوض أن تسد خصاص حجارته بالمدر, وقيل هو القرمدة إلا أن القرمدة بالجص والمدر بالطين وفي «التهذيب» والمدر تطيينك وجه الحوض بالطين الحر لئلا ينشف انتهى.
وإذا علم هذا فالظاهر من صنيع المصنف أنه إنما عدل عن بيوت المدر إلى بيوت الحجر ليوهم بذلك صحة تصوره الفاسد لمعنى الحديث. ولا يخفى ما في تعبيره ببيوت الحجر من تغيير معنى الحديث وما يراد به.
الوجه الرابع: أن بيوت المدر إذا تتابع عليها نزول المطر يومين أو نحوها لا يفتر عنها لا يمسك الماء. بل ينزل منه قطر كثير على من فيها بخلاف بيوت الشعر فإن الماء يزل عنها وتكن ساكنيها منه, وهذا شيء معروف عند الحاضرة والبادية, وعلى هذا فالحديث على ظاهره لا على ما تصوره المصنف والله أعلم.
стр. 32
فصل
وقال المصنف في صفحة (١٧ - ١٨) ما نصه:
ومن تلك القنابل التي تلقيها الطائرات للعذاب ما ظهر حديثا من القنابل الذرية والهيدروجينية القوية المفعول وهي مع كونها داخلة بطريق الاولى في الآية السابقة فلها أيضاً آية تخصها من بين أنواع القنابل الأخرى, قال تعالى في أشراط الساعة (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) فإن أهل الدنيا - وهم الكفار وإن ظنوا بما تيسر لهم من المخترعات أنهم قادرون عليها اصلاحا وعمارة وتزيينا وهدماً وتخريبا, لم يقو عندهم هذا الظن حتى حصل عندهم القطع أو كاد بأنهم قادرون عليها إلا بعد حصولهم على القنابل الذرية والطاقة الذرية كما هو معلوم.
وبهذا يعلم أن الساعة قريبة جداً وان ظهور أشراطها الكبرى كالمهدي وعيسى ﵉ منتظر من يوم لآخر.
وقد يكون المراد قوله تعالى (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) أنه سيسلط أصحاب هذه القنابل بعضهم على بعض فيتحاربون بها ويكون ذلك سبباً في خراب الدنيا وجعلها حصيداً كما قال الله تعالى, وكما يصفه الواصفون لمفعول هذه القنابل التي يبدون منها تخوفهم العظيم على الدنيا بأسرها, ولكن لا تقع هذه الحرب المؤدية إلى ما قال الله تعالى إلا بعد خروج المهدي
стр. 33
ونزول عيسى لقتل الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الأخبار ومما هو واقع لا محالة.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا من نمط ما قبله من القرمطة والقول في كتاب الله بغير علم.
الثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف, وليست فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه, وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها. ولا خلاف بين المفسرين في هذا.
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الكهف (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً).
وقال تعالى في سورة الزمر (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب).
وقال تعالى في سورة الحديد (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاما).
الوجه الثالث: أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون
стр. 34
على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول, كما قد توهمه المصنف وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع, وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين). وقال تعالى (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة. وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وقال تعالى (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون).
وقال تعالى (يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة) قال ابن عباس ﵄: الراجفة النفخة الأولى, والرادفة النفخة الثانية. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر, وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد.
وقال تعالى (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير) قال ابن عباس ﵄: الناقور الصور. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه, وهكذا قال مجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد. وقال
стр. 35
تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) والآيات في هذا كثيرة.
وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا» قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» رواه الإمام أحمد ومسلم, قال الجوهري: الليت بالكسر صفحة العنق وهما ليتان. وقال ابن منظور في «لسان العرب» وفي الحديث ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا أي أمال صفحة عنقه.
وفي حديث الصور الذي رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال «قرن» قلت كيف هو؟ قال «عظيم, والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض, ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين, يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض
стр. 36
إلا من شاء الله, ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهي التي يقول الله تعالى (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق)» الحديث بطوله وفيه «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله» قال ابن كثير هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد.
وروى الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.
وروى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نقر في الناقور) قال قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمربالنفخ فينفخ» فقال أصحاب رسول الله ﷺ كيف نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا» قال الهيثمي: فيه عطية العوفي وهو ضعيف وفيه توثيق لين. وقال ابن كثير هو حديث جيد.
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نفخ في الصور) قال: رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر» قال أصحاب
стр. 37
رسول الله ﷺ كيف نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا».
وروى الإمام أحمد أيضا والترمذي من حديث عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ» فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا» قال الترمذي هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان, ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ فذكره بنحوه.
وروى الإمام أحمد أيضاً والطبراني عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر» قال فسمع بذلك أصحاب النبي ﷺ فشق عليهم فقال رسول الله ﷺ «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل». قال الهيثمي: رجاله وثقوا على ضعف فيهم.
وروى الإمام أحمد أيضاً عن أبي مرية عن النبي ﷺ - أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: النفاخان في السماء الثانية, رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب, أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان) قال الهيثمي: رواه أحمد على شك
стр. 38
فإن كان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات؛ وإن كان عن عبد الله بن عمرو ﵄ فهو متصل مسند ورجاله ثقات.
وروى ابن ماجه والبزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان».
وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل فقالت عائشة ﵂ يا كعب أخبرني عن إسرافيل فقال كعب: عندكم العلم قالت أجل قالت فأخبرني قال له أربعة أجنحة جناحان في الهواء وجناح قد تسربل به وجناح على كاهله, والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره, وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول, قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن.
وروى الطبراني أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه؛ فلا يبقى خلق من خلق الله إلا مات إلا من شاء ربك.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله
стр. 39
عنهما قال قال أعرابي يا رسول الله ما الصور قال: «قرن ينفخ فيه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وصححه الحاكم والذهبي.
وذكر البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه قال الصور كهيئة البوق. ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد أنه قال الصور شيء كهيئة البوق.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون» قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبيت, قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت.
وبما ذكرته من الآيات والأحاديث يعلم قطعا أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بأمر سماوي لا صنع للبشر فيه, ويعلم قطعا بطلان ما يتخرصه المتخرصون من خراب الدنيا وقيام الساعة على أيدي بني آدم.
стр. 40
فصل
وقال المصنف في صفحة (١٨) ما نصه:
ومنها التليفون والتلغراف والراديو, ويشير إلى ذلك قوله تعالى (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) , بل هو ظاهر فيه.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال هذا من نمط ما قبله من التكلف والتعسف وليس في الآية التي ذكرها ما يشير إلى التليفون والتلغراف والراديو بوجه من الوجوه, فضلا عن أن يكون ظاهراً في ذلك.
الوجه الثاني: أن الآية واردة مع الآيات قبلها في تكذيب كفار قريش للنبي ﷺ ولما جاء به من عند الله, وسياق الآيات واضح في ذلك قال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا افك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين - إلى قوله - وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد).
قال مالك عن زيد بن أسلم «ويقذفون بالغيب» قال: بالظن.
قال ابن كثير: هو كما قال تعالى (رجما بالغيب) فتارة يقولون شاعر, وتارة يقولون كاهن, وتارة يقولون ساحر,