← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17330

إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إلا من شاء الله, ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهي التي يقول الله تعالى (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق)» الحديث بطوله وفيه «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله» قال ابن كثير هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد. وروى الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نقر في الناقور) قال قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمربالنفخ فينفخ» فقال أصحاب رسول الله ﷺ كيف نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا» قال الهيثمي: فيه عطية العوفي وهو ضعيف وفيه توثيق لين. وقال ابن كثير هو حديث جيد. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نفخ في الصور) قال: رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر» قال أصحاب

стр. 37

رسول الله ﷺ كيف نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا». وروى الإمام أحمد أيضا والترمذي من حديث عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ» فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل, على الله توكلنا» قال الترمذي هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان, ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ فذكره بنحوه. وروى الإمام أحمد أيضاً والطبراني عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر» قال فسمع بذلك أصحاب النبي ﷺ فشق عليهم فقال رسول الله ﷺ «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل». قال الهيثمي: رجاله وثقوا على ضعف فيهم. وروى الإمام أحمد أيضاً عن أبي مرية عن النبي ﷺ - أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: النفاخان في السماء الثانية, رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب, أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان) قال الهيثمي: رواه أحمد على شك

стр. 38

فإن كان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات؛ وإن كان عن عبد الله بن عمرو ﵄ فهو متصل مسند ورجاله ثقات. وروى ابن ماجه والبزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان». وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل فقالت عائشة ﵂ يا كعب أخبرني عن إسرافيل فقال كعب: عندكم العلم قالت أجل قالت فأخبرني قال له أربعة أجنحة جناحان في الهواء وجناح قد تسربل به وجناح على كاهله, والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره, وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول, قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن. وروى الطبراني أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه؛ فلا يبقى خلق من خلق الله إلا مات إلا من شاء ربك. وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله

стр. 39

عنهما قال قال أعرابي يا رسول الله ما الصور قال: «قرن ينفخ فيه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وصححه الحاكم والذهبي. وذكر البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه قال الصور كهيئة البوق. ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد أنه قال الصور شيء كهيئة البوق. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون» قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبيت, قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت. وبما ذكرته من الآيات والأحاديث يعلم قطعا أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بأمر سماوي لا صنع للبشر فيه, ويعلم قطعا بطلان ما يتخرصه المتخرصون من خراب الدنيا وقيام الساعة على أيدي بني آدم.

стр. 40

فصل وقال المصنف في صفحة (١٨) ما نصه: ومنها التليفون والتلغراف والراديو, ويشير إلى ذلك قوله تعالى (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) , بل هو ظاهر فيه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال هذا من نمط ما قبله من التكلف والتعسف وليس في الآية التي ذكرها ما يشير إلى التليفون والتلغراف والراديو بوجه من الوجوه, فضلا عن أن يكون ظاهراً في ذلك. الوجه الثاني: أن الآية واردة مع الآيات قبلها في تكذيب كفار قريش للنبي ﷺ ولما جاء به من عند الله, وسياق الآيات واضح في ذلك قال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا افك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين - إلى قوله - وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد). قال مالك عن زيد بن أسلم «ويقذفون بالغيب» قال: بالظن. قال ابن كثير: هو كما قال تعالى (رجما بالغيب) فتارة يقولون شاعر, وتارة يقولون كاهن, وتارة يقولون ساحر,

стр. 41

وتارة يقولون مجنون, إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة, ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد, ويقولون إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين. قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار. وذكر البغوي عن مجاهد أنه قال يرمون محمدا بالظن لا باليقين, وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن, قال ومعنى الغيب هو الظن لأنه غاب علمه عنهم. والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون والمعنى يرمون محمدا من حيث لا يعلمون. الوجه الثالث: أن التخاطب بواسطة التليفون والتلغراف ليس هو من القذف بالغيب كما توهمه المصنف, لأن القذف بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير علم ويقين, والتخاطب بواسطة التليفون والتلغراف ليس كذلك, وإنما هو في الغالب مخاطبة عن علم ويقين بما يخاطب به المرء صاحبه, وهو في الحقيقة من المخاطبة مشافهة, وإن كان ذلك بواسطة الآلة الكهربائية. ونشر الأخبار من الإذاعات هو من هذا الباب, إلا ما يذاع فيها من النشرات الجوية فهي من الرجم بالغيب, ,وكذلك ما يقال بلا علم ويقين فكله من القذف بالغيب. قال الجوهري: الرجم أن يتكلم الرجل بالظن قال تعالى (رجما بالغيب). وقال الراغب الأصفهاني: ويستعار الرجم للرمي بالظن والتوهم نحو (رجما بالغيب) وقال الشاعر: . . . . . . . . . . ... وما هو عنها بالحديث المرجم

стр. 42

فصل وذكر المصنف في صفحة (١٩) أن العلم انتشر بسبب الدروس والمحاضرات والمقالات التي تذاع بالراديو فيسمعها الرجال والنساء والكبار والصغار والعبيد والأحرار. والجواب أن يقال ليس الأمر كما زعمه المصنف من انتشار العلم بسبب الراديو, وإنما انتشرت بسببه المعازف والأغاني الخليعة والمهازل السخيفة وغيرها من أنواع الفتن والشرور التي هي أضر شيء على الدين والأخلاق, فهذه هي التي يتلقاها أكثر المستمعين إلى الراديو من رجال ونساء وكبار وصغار, وهي الرائجة عند متخذيه إلا من شاء الله منهم. ولا ينكر أنه ينشر في بعض الأحيان من بعض الإذاعات دروس ومقالات ومحاضرات علمية ولكن لا يستمع إليها إلا القليل من متخذي الراديو والمستمعين إليه, وأما الأكثرون فلا رغبة لهم فيها ولا في سماعها, فتراهم عاكفين على استماع المعازف والأغاني والمهازل في غالب أوقاتهم, فإذا جاءتهم القراءة أو الدروس والمحاضرات العلمية أغلقوا الراديو عنها وأداروه إلى ما هم مفتونون به من مزامير الشيطان وصوته الفاجر. وبالجملة فالأكثرون في زماننا قد أعرضوا عن العلم النافع إلى ما لا خير فيه من الإذاعات والجرائد والمجلات وما أشبهها من الكتب العصرية, فهذه هي التي يتنافس فيها الأكثرون, وعليها في غالب الأوقات يعكفون, وبسبب ذلك قل العلم النافع وهو العلم الموروث عن سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه, وظهر الجهل وفشا في جميع الأقطار, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 43

فصل وقال المصنف في صفحة (٢٠) ما نصه: ومن الأمور العظام التي رأيناها كما قال ﷺ الغواصات, وقد ذكرها الله تعالى أيضا في قوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) الآية, وقد قدمنا الحديث الذي خرجه أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ سئل عن هذه الآية فقال «أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» فجاء تأويلها بظهور الطائرات الرامية للقنابل والألغام والغواصات. ولما لم يكن في زمن المفسرين شيء من ذلك فسروا العذاب من فوق بالملوك, ومن تحت الأرجل بالعبيد, ولا يخفى بطلانه؛ ولكنهم معذورون لأنهم لم يروا ما يصلح أن تطبق عليه الآية كما رأينا نحن. والجواب عن هذا قد تقدم قريباً (صفحة ٢٢) عند كلام المصنف على الطائرات الحربية. وقد بينت هناك أن المراد بقوله تعالى (عذابا من فوقكم) الرجم من السماء (أو من تحت أرجلكم) الخسف. وهذا قول أبي بن كعب وأبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وابن زيد وغير واحد من المفسرين, وهو أصح القولين في تفسير الآية, ويدل له ما جاء من الأخبار بوقوع القذف والخسف والمسخ في آخر هذه الأمة. وهذا هو الذي يصلح أن تطبق عليه الآية, لا على التكلف الذي لا مستند لقائله إلا مجرد رأيه.

стр. 44

فصل وفي صفحة (٢٠ - ٢٢) تأول المصنف قول النبي ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله, وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» على السيرك الذي تستخدم فيه الأسود والنمور والفيلة وغيرها من السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة, وإنها تخاطب فتفهم, وتؤمر وتنهى فتأتمر وتنتهي حسب إرادة اللاعب بها, وعلى الكلاب التي تتخذ لاستكشاف أصحاب الجرائم وعلى الفوتوغراف وآلة التسجيل. والجواب: أن يقال إن ظاهر الحديث يدل على أن السباع تكلم الإنس في آخر الزمان كلاماً حقيقياً كما وقع ذلك في زمن النبي ﷺ لأهبان بن أوس ﵁ حين كلمه الذئب كلاماً حقيقياً وأخبر النبي ﷺ بذلك فصدقه وأمره أن يحدث به الناس وقال النبي ﷺ «إنها امارة من امارات بين يدي الساعة» والحديث بذلك رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وروى الترمذي بعضه وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح, ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁, ورواه البيهقي من حديث ابن عمر ﵄, و (بنو أهبان) يقال لهم: بنو مكلم الذئب. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة ثم أقبل علينا بوجهه

стр. 45

فقال «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها قالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحراثة» فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثم, «وبينا رجل في غنمه إذ عدا عليها الذئب فأخذ شاة منها فطلبه فأدركه فاستنقذها منه فقال: يا هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري؟» قال الناس سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال «إني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» وما هما ثم. وروى البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي سمعت الحسين بن أحمد الرازي سمعت ابا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بي عن الطريق فضربت راسه ضربات فرفع رأسه إلي وقال لي اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب, قال قلت له: كلمك كلاما يفهم؟ قال: كما تكلمني وأكلمك. والمقصود هنا أن تكليم السباع للإنس فيه خرق للعادة وهو مستغرب جدا ولهذا تعجب الصحابة ﵃ لما أخبرهم النبي ﷺ بكلام البقرة والذئب واستغربوا ذلك. وأما ما ذكره المصنف من استخدام السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة, وإنها تؤمر وتنهى حسب إرادة اللاعب بها فليس ذلك بمستغرب منها كما يستغرب تكليمها للإنس بالكلام الحقيقي. وكذلك استكشاف الكلاب لأصحاب الجرائم ليس بمستغرب

стр. 46

منها, وقد ذكر الناس عنها قديما وحديثا من الحكايات العجيبة الدالة على فهمها وقوة إدراكها شيئا كثيرا. وإنما المستغرب منها أن تكلم الناس بالكلام الحقيقي كتكليم الناس بعضهم بعضا, وهذا لم يوجد إلى الآن, وسيكون ذلك كما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. والقول في تكليم عذبة السوط وشراك النعل والفخذ لبني آدم كالقول في تكليم السباع لهم. وأما تأويل المصنف لذلك بالفوتوغراف وآلة التسجيل فهو تأويل بعيد جدا, وبيان ذلك من وجوه: أحدها: أن ظاهر الحديث يدل على أن الكلام يكون من نفس العذبة والشراك والفخذ لا من آلة تجعل للكلام, وفي تأويل ذلك بالفونوغراف وآلة التسجيل صرف للحديث عن ظاهره بغير دليل. الوجه الثاني: أن تكليم العذبة والشراك والفخذ لبني آدم فيه خرق للعادة وهو مستغرب جدا ولهذا يكون من أمارات الساعة بخلاف الكلام من الفونوغراف وآلة التسجيل فإنه ليس بمستغرب كما يستغرب الكلام من نفس العذبة والشراك والفخذ. الوجه الثالث: أن النطق من الجمادات قد وجد في زمان النبي ﷺ , كما في الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث, إني لأعرفه الآن» رواه الإمام أحمد

стр. 47

وأبو داود الطيالسي ومسلم, والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. وروى الترمذي أيضا عن علي بن أبي طالب ﵁ قال كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها, فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ في كفه سبع حصيات أو تسع حصيات فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, فقال النبي ﷺ «هذه خلافة النبوة» رواه البيهقي. وإذا كان النطق من الجمادات موجودا في زمن النبي ﷺ فغير مستبعد أن يكون ذلك في آخر الزمان أيضا. وكما أن في تسليم الجمادات على النبي ﷺ وتسبيحها في يده وأيدي الخلفاء الراشدين معجزة للنبي ﷺ . فكذلك في نطق العذبة والشراك والفخذ معجزة للنبي ﷺ .

стр. 48

وأيضا فقد قال الله تعالى (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) وقال تعالى (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي انطق كل شيء) الآية. وقال تعالى (يومئذ تحدث أخبارها) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها؛ تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا, فهذه أخبارها» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وإذا كانت الجوارح والأرض تنطق يوم القيامة فلا يستبعد النطق من نفس العذبة والشراك والفخذ في آخر الزمان, والله على كل شيء قدير.

стр. 49

فصل وفي صفحة (٢٣) ذكر المصنف ما يفعله سائر الدول من جمع السباع وسائر الوحوش في البساتين للفرجة عليها. قال: وذلك من اشراط الساعة وعلامات قربها, حتى إن الله تعالى ذكر ذلك في القرآن في اشراط أخرى ضمها إلى ما سيقع بعد قيامها, فقال تعالى (وإذا الوحوش حشرت) أي جمعت والحشر الجمع والاختلاط فقد حشرت الوحوش وجمعت في البساتين المعدة لذلك كما قال الله تعالى, وهو فعل محرم منهي عنه شرعا - إلى أن قال - ويكفي أن الله تعالى جعل ذلك من أشراط الساعة وأنها قائمة عند وجوده فتعلم كل نفس ما أحضرت. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الآية من أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة وإنما هي في أهوال يوم القيامة. وقد تقدم إيضاح ذلك (في ص: ١٣) في الكلام على قوله تعالى (وإذا العشار عطلت). الوجه الثاني: أن ما ذهب إليه في معنى الآية الكريمة مردود, لأنه من تفسير القرآن بمجرد الرأي وذلك لا يجوز. وقد تقدم أن تفسير القرآن بمجرد الرأي حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد. الوجه الثالث: أن ابن عباس ﵄ وغير واحد

стр. 50

من التابعين فسروا الآية بغير ما ذهب إليه المصنف في معناها, والعمدة على تفسيرهم لا على رأي المصنف ولا على رأي غيره من المتكلفين. قال ابن عباس ﵄: حشر البهائم موتها, وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة. رواه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وكذا قال عكرمة والضحاك: حشرها موتها. وروى ابن جرير أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن الربيع بن خثيم (وإذا الوحوش حشرت) قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان قال أبي فذكرته لعكرمة فقال: قال ابن عباس ﵄: حشرها موتها. وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس ﵄. (وإذا الوحوش حشرت) قال يحشر كل شيء حتى إن الذباب ليحشر. قال ابن كثير: وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي وغير واحد. وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية يوم القيامة فيقضي الله فيها ما يشاء. رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وقال البغوي في تفسيره: (وإذا الوحوش) يعني دواب البر (حشرت) جمعت يوم البعث ليقتص لبعضها من بعض.

стр. 51

قلت: ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان فقال: «يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا, قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما». ورواه عبد الرزاق وابن جرير بنحوه. وروى عبد الرزاق أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة, البهائم والدواب والطير وكل شيء, فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا فلذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا. وقد روي نحو هذا مرفوعا في حديث الصور الذي رواه الطبراني وغيره, وهو حديث طويل مشهور. والمقصود ههنا بيان خطأ المصنف فيما ذهب إليه في معنى قوله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت) , وبيان معنى حشر الوحوش وأنه: موتها كما قاله ابن عباس ﵄ وغيره, أو جمعها يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض كما قاله آخرون والله أعلم. الوجه الرابع: أن ظاهر الآية الكريمة يدل على حشر الوحوش كلها, والوحوش الآن منتشرة في أرجاء الأرض, والذي قد جمعته الدول في بساتينها نزر يسير من بعض أنواع الوحوش لا من كلها, ومع هذا يقول المصنف: إنها قد جمعت في البساتين المعدة لذلك, وهذا قول ظاهر البطلان.

стр. 52

فصل وقال المصنف في صفحة (٢٤ - ٢٥) ما نصه: ومن ذلك بخار الوقود من البترول والجاز التي تستخرج الآن من الأرض فتضرم وتوقد في الدنيا بأسرها, في السيارات والبوابير البرية والبحرية والطائرات والموتورات والفبارك الكبيرة والصغيرة وماكينات الطحن والخبز والنجارة وغير ذلك مما يبلغ مئات الأصناف, وبوابير الطبخ في البيوت وموتورات الإنارة العامة والخاصة وغير ذلك. وكله مذكور في أشراط الساعة, وأخبر النبي ﷺ بمعادنه وعين مواضعها وسمى البترول ذهبا كما يسمونه اليوم بالذهب الأسود, ومن العجيب أنه ورد في بعض طرق الحديث تسميته بكنز ليس من ذهب ولا فضة. قال الله تعالى (والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع. والبحر المسجور) وقال تعالى (وإذا البحار سجرت) أي أضرمت ناراً كما قال علي وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير وجماعة من أئمة التفسير من السلف. وغير خاف أن البترول بحار مودعة في الأرض. وقد قدمنا أن أبي بن كعب وابن عباس وأبا العالية وجماعة من السلف قالوا إن هذه في الدنيا قبل يوم القيامة, قالوا: ذكر الله تعالى في السورة

стр. 53

الكريمة اثنتي عشرة علامة, ستة منها في الدنيا, وستة منها في الآخرة, فالتي في الدنيا آخرها (وإذا البحار سجرت) , وما بعدها فهو في الآخرة, كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وإذ هي في الدنيا وإنها من أشراط الساعة, وهي بحار من الزيوت أودعها الله في بطن الأرض منذ خلق الله الدنيا, ولم يهيأ استكشافها واستخراجها من الأرض لإضرامها وإيقادها إلا في وقتنا هذا الذي ظهرت فيه تلك الأشراط الستة المذكورة كلها - كما بيناه في قوله تعالى (وإذا العشار عطلت) بالسيارات (وإذا الوحوش حشرت) في بساتين الحيوانات, وسنبين الباقي قريباً -: تعين أنها المراد. وأيد بذلك أن البترول يسمى بالذهب الأسود, وأن النبي ﷺ أخبر به, وأن من المواضع التي سيظهر فيها أرض العراق وأرض فارس وأرض نجد وما والاها, كما ورد أنه قريب من الحجاز, وورد تسميته بكنز ليس بذهب ولا فضة فلم يبق شك في أنه المراد. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «يوشك الفرات أن ينحسر عن كنز من الذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا» , ورواه مسلم في صحيحه من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ «لا تقوم الساعة حتى ينحسر الفرات عن جبل من ذهب تقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون».

стр. 54

والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الآيات الست من أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة كما زعم ذلك المصنف فيها وتأول لأجل ذلك القرآن على غير تأويله, كما تقدم ذلك في مواضع من كلامه وكما سيأتي في مواضع اخر منه. وأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس وأبي العالية أن ست آيات منها في الدنيا, فالمراد أنها من جملة الأهوال التي تكون عند قيام الساعة والناس يشاهدون ذلك, لا أنها تكون قبل قيام الساعة بزمن طويل كما توهمه المصنف. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس؛ فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم, فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت؛ ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض فذلك قوله (وإذا الوحوش حشرت) قال: اختلطت (وإذا العشار عطلت) قال: أهملها أهلها. (وإذا البحار سجرت) قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر - قال - فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تتأجج, قال فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء العليا, قال فبينما هم كذلك إذ

стр. 55

جاءتهم ريح فأماتتهم. رواه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم, وسياقه ظاهر فيما ذكرنا, وفيه رد لما زعمه المصنف في تأويل الآيات الست من أول سورة التكوير. الوجه الثاني: أن ظاهر الآيتين الكريمتين وهما قوله تعالى (والبحر المسجور) وقوله تعالى (وإذا البحار سجرت) يدل على أن البحر نفسه هو الذي يسجر فيكون كله ناراً, وبحار الزيوت لم تسجر بالنار, وإنما يضرم ما يستخرج منها وهذا لا يكون تسجيراً لها. وعلى هذا فاستدلال المصنف بالآيتين على ما ذهب إليه لا وجه له, وهو استدلال في غاية البعد والتكلف. الوجه الثالث: أن البحر إنما يسجر عند قيام الساعة, كما قاله أبي بن كعب ﵁ وغيره. وقيل: إنه يسجر يوم القيامة روي ذلك عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيد بن عمير وغيرهم. وهذا يرد ما زعمه المصنف من أنها قد سجرت الآن. الوجه الرابع: أن البحر الذي يسجر عند قيام الساعة أو يوم القيامة هو البحر الذي على وجه الأرض, وقد تقدم ما روي عن أبي بن كعب ﵁ في ذلك وروى ابن أبي حاتم عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﵄ قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحاً دبوراً فيضرمها ناراً. قال ابن كثير: وكذا قال عامر الشعبي وهذا يرد ما زعمه المصنف في بحار الزيت. الوجه الخامس: أنه لم يؤثر عن النبي ﷺ أنه سمى البترول

стр. 56

ذهبا, وقول المصنف أن النبي ﷺ سمى البترول ذهباً, من القول عليه ﷺ بما لم يقله, وذلك حرام وكبيرة من الكبائر. الوجه السادس: أن البترول ليس بذهب حقيقة ولا مجازا. وأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب, وإنما يقصدون أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير, فلذلك يطلقون عليه اسم الذهب الأسود اعتباراً بما يستثمر منه. الوجه السابع: أن الأثر الذي ذكره المصنف في تسمية البترول بكنز ليس من ذهب ولا فضة ينقض ما زعمه من تسميته في الحديث بالذهب. الوجه الثامن: أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو حسر الفرات عن كنز من ذهب, وفي الرواية الأخرى عن جبل من ذهب, ومن المعلوم أن بحور الزيت ليست في نهر الفرات وإنما هي في باطن الأرض, وكثير منها يبعد عن نهر الفرات بمسافة بعيدة. الوجه التاسع: أن الزيت من المعادن السائلة, والذي أخبر النبي ﷺ بانحسار الفرات عنه هو الذهب المعروف عند الناس وهو من المعادن الجامدة, ولهذا جاء في بعض الروايات في الصحيح أنه ينحسر عن جبل من ذهب. وهذا يرد تأويل من تأوله على معدن سائل ليس بذهب ولا يشبه الذهب.

стр. 57

الوجه العاشر: أن النبي ﷺ أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب, أي ينكشف لذهاب مائه فيظهر الجبل بارزاً على وجه الأرض, وهذا لم يكن إلى الآن وسيكون فيما بعد بلا ريب. وبحور الزيت لم تنحسر الأرض عنها وإنما يستخرجها الناس بالتنقيب عنها من مسافة بعيدة في بطن الأرض, وأين هذا من ذاك؟ فصل وفي صفحة (٢٥ - ٢٦): جزم المصنف أنه لا بد من وقوع الحرب من أجل بترول العراق وإيران, وأنها سوف تكون بالقنابل الذرية المبيدة للبشر. والجواب: أن يقال هذا من الرجم بالغيب وقد قال الله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله). والذي سيقع بلا شك هو الاقتتال على جبل الذهب إذا حسر الفرات عنه, لأن النبي ﷺ أخبر بذلك, وما أخبر بوقوعه فهو كائن لا محالة.

стр. 58

فصل وفي صفحة (٢٦): ذكر المصنف ما رواه الإمام أحمد من حديث رجل من بني سليم سمع النبي ﷺ قال: «ستكون معادن يحضرها شرار الناس». ثم قال المصنف: فهذه المعادن هي آبار البترول التي ما ظهرت إلا قرب قيام الساعة الذي هو وقتنا هذا. قال ويؤكد ذلك قوله ﷺ «يحضرها شرار الناس» فإن معادن البترول لا يستخرجها ويحضرها إلا الكفار الذي هم شرار الناس وقوله ﷺ «يحضرها» هو بضم الياء وفتح الحاء وكسر الضاد المشددة أي يهيئها للاستعمال ويجعلها حاضرة لذلك صالحة لما حضرت له. والجواب: أن يقال أن هذا الحديث ضعيف لأنه من رواية رجل من بني سليم عن جده, ورجل من بني سليم: مجهول وعلى تقدير صحته فليس المراد به آبار البترول بخصوصها بل هو عام لها ولمعادن الذهب والفضة وغيرها من المعادن الأرضية, ويدل على ذلك قوله في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «تخرج معادن مختلفة» الحديث. وقوله يحضرها شرار الناس هو بفتح الياء وإسكان الحاء وضم الضاد المخففة أي يأتي إليها ويسكن عندها شرار الناس وقد جاء

стр. 59

ذلك صريحا فيما ذكره المصنف من حديث عبد الله بن عمرو, وأبي هريرة ﵄: فأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال فيه «تخرج معادن مختلفة معدن منها قريب من الحجاز يأتيه من أشرار الناس» رواه الحاكم في مستدركه, وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقال فيه قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تظهر معادن كثيرة لا يسكنها إلا أراذل الناس» رواه الطبراني في الأوسط. والمراد بأراذل الناس الكفار وفساق المسلمين كما هو الواقع الآن, وليس المراد به الكفار خاصة كما زعم ذلك المصنف. ثم إن المصنف غيَّر معنى الحديث بما فسر به قوله «يحضرها» ليوافق ما ذهب إليه, ولا يخفى أن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه.

стр. 60

فصل وقال المصنف في صفحة (٢٧) ما نصه: ويشير إلى البترول أيضا قوله تعالى (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها) الآية. فإنها أخرجت ملايين الأطنان من البترول والغاز وهو أعظم ثقل فيها عندما زلزلت أي حركت بالآلات وفتح فيها آبار البترول والغاز, (وقال الإنسان مالها) تعجباً مما تخرجه من ذلك, فعند ذلك تحضر الساعة. أَو (إذا زلزلت الأرض زلزالها) الموعود به وهو الزلزال الكثير الذي يحدث آخر الزمان كما قال النبي ﷺ : «وتكثر الزلازل» كما في أحاديث صحيحة متعددة. وقد صارت تحدث بكثرة في هذا الوقت الذي أخرجت فيه الأرض أثقالها من البترول. (وقال الإنسان مالها) يكثر زلازلها؟ وهذا كله واقع فيترقب ما بعده فإن الزمان بالنسبة إلى علم الله تعالى شيء واحد. والله تعالى يجمع بين الأمور المتباعدة فيسوقها مساقا واحداً لتحقق الجميع وحضوره في علمه . والجواب: أن يقال هذا من التخبيط في القرآن وتأوله على غير تأويله, وقد قدمنا أن ذلك حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد. ويقال أيضاً إن السورة واردة في قيام الساعة وما يكون

стр. 61

بعد ذلك في يوم القيامة وسياقها يدل على ذلك, وليس فيها ما يدل على خروج البترول بوجه من الوجوه. قال البغوي في تفسيره (إذا زلزلت الأرض زلزالها) حركت الأرض حركة شديدة لقيام الساعة (وأخرجت الأرض أثقالها) موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها (وقال الإنسان مالها) قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها: أي تخبر الأرض بما عمل عليها. وقال ابن كثير في تفسيره قال ابن عباس ﵄ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) أي تحركت من أسفلها (وأخرجت الأرض أثقالها) يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) وكقوله (وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت). وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) تحركت من أسفلها (وأخرجت الأرض أثقالها) قال: الموتى (وقال الإنسان مالها) قال: يقول الكافر مالها (يومئذ تحدث أخبارها) قال لها ربك قولي فقالت. وروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وأخرجت الأرض أثقالها) قال: من في القبور. وروى ابن أبي حاتم عن عطية (وأخرجت الأرض أثقالها) قال ما فيها من الكنوز والموتى. فهذه أقوال المفسرين في تفسير السورة وفيها رد لقرمطة المصنف وإلحاده.

стр. 62

فصل وقال المصنف في صفحة (٢٨) ما نصه: ومن ذلك زوال الجبال عن أماكنها للدواعي الداعية إلى ذلك, من تعبيد الطرق للبوابير الحديدية والسيارات وتوسيع الطرق وضواحي المدن وغير ذلك, مما هو واقع الآن في كثير من أقطار الأرض كما هو مشاهد ومعلوم, قال الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وقد قدمنا أن هذا في الدنيا قبل قيام الساعة وتسييرها زوالها من أماكنها. ثم ذكر ما رواه البزار والطبراني من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى تروا أموراً عظاما لم تكونوا ترونها, وحتى تزول الجبال عن أماكنها». قال وروى أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ عن عيسى ﵇ ليلة الإسراء في ذكر أمارات الساعة وفي آخر الحديث قوله «ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم - ثم قال - ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادها ليلاً أو نهاراً». فهذا النسف غير المذكور في قوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً) الآية فإن ذلك بعد قيام الساعة يوم تصير الجبال كالعهن المنفوش, وهذا قبل قيام الساعة بل هو من

стр. 63

أشراطها وعلاماتها الدالة على قرب قيامها. ويؤيد هذا وقوع هذا النسف كل يوم في سائر الدنيا بالألغام والحفر بالآلات ومد الأرض ذات الجبال مد الأديم حتى ينزل عيسى ﵇ فيجدهم على ذلك. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال إن فتح الطرق في الجبال لا يكون إزالة للجبال ونسفاً وتسييراً لها ومداً للأرض مد الأديم, وهذا لا يخفى على من له أدنى عقل ومعرفة. واستدلال المصنف على ما ذهب إليه بقول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبما في حديث سمرة وحديث ابن مسعود ﵄ لا وجه له وهو استدلال في غاية البعد والتكلف. الوجه الثاني: أن يقال إن جبال الأرض باقية على حالها مع فتح الطرق فيها. ولو أنها قد نسفت وسيرت ومدت الأرض مد الأديم - كما زعمه المصنف - لما بقي في الأرض جبل بالكلية. بل إنا نقول لعله لم ينسف منها ولا جبل واحد, اللهم إلا أن تكون آكاما صغاراً تؤخذ أحجارها للحاجة أو تزال عن الطرق فهذا قد يكون موجوداً الآن ولكن لا يعد هذا نسفا للجبال وتسييراً لها ومداً للأرض. الوجه الثالث: أن نسف الجبال وتسييرها ومد الأرض مد الأديم إنما يكون يوم القيامة, قال الله تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) , وقال تعالى (إن يوم

стр. 64

الفصل كان ميقاتا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا. وسيرت الجبال فكانت سرابا) وقال تعالى (فإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل) وقال تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا. فيذرها قاعا صفصفا. لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) وقال تعالى (القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش). وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) الآية. وقيل إن تسيير الجبال يكون عند قيام الساعة, وهو ظاهر ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈, فتذاكروا أمر الساعة - فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم - قال ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم» الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير, والحاكم وصححه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي حديث الصور الطويل «إن الله تعال يأمر إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل

стр. 65

السموات والأرض إلا من شاء الله ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر, فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا. الوجه الرابع: أن المصنف قرر نسف الجبال في الدنيا بفعل بني آدم, واستدل على ذلك بقول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبما في حديث سمرة وحديث ابن مسعود ﵄ ثم قرر نسفاً آخر يكون بعد قيام الساعة وهو المذكور في قول الله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا). والحق أن النسف إنما يكون مرة واحدة وأن ما ذكر في قوله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وفي قوله ﷺ عن عيسى ﵊ «ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم» هو بعينه ما ذكر في قول الله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) وغيرها من الآيات التي تقدم ذكرها, ولا دليل على تعدد النسف والله أعلم. الوجه الخامس: أن النبي ﷺ قال «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إذا الشمس كورت) و (إذا السماء انفطرت) و (إذا السماء انشقت)» رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر ﵄, وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن نسف الجبال إنما يكون يوم القيامة, وفيه رد لقول المصنف إن ذلك كائن الآن بفعل بني آدم؛ وفيه أيضا قطع ما تعلق به المصنف من قول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبيان أنه لا وجه لاستدلاله بهذه الآية على وقوع النسف في الدنيا.

стр. 66

فصل وقال المصنف في صفحة (٢٨ - ٢٩) ما نصه: ومن ذلك الكهرباء والاستنارة بها في الدور والطرق وفي الأسفار على البوابير والسيارات, فهي والله أعلم المراد بقوله تعالى (وإذا النجوم انكدرت) , فقد قدمنا عن الصحابة وغيرهم من التابعين أنها من العلامات الواقعة في الدنيا قبل قيام الساعة. وانكدار النجوم ضعف نورها أو ذهابه بالكلية عند وجود النور الكهربائي والاستغناء به في الطرق والأسفار عن نورها والاهتداء به في ظلمات الليل دونها, فإن الناس قبل ظهور النور الكهربائي ما كانوا يهتدون في ظلمات الليل في الأسفار إلا بالنجوم فلما ظهرت الكهرباء انكدرت أنوارها واستغنى الناس عنها؛ كما عطلت الإبل واستغنى الناس عنها أيضا بالسيارات وبوابير السكة الحديدية, وذكر الله تعالى ذلك أيضا بقوله (وإذا العشار عطلت) كما سبق بيانه. ويؤيد هذا ويزيده وضوحاً أن الله تعالى عبر عن الشمس بالتكوير دون الانكدار وذهاب النور, لأن أنوار الكهرباء مهما عظمت قوتها لا تؤثر على نور الشمس بل بالعكس فإن الشمس هي التي تؤثر في أنوار الكهرباء فلا يظهر لها أثر مع سلطان الشمس بخلاف النجوم.

стр. 67

والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن المراد بانكدار النجوم طمسها وانتشارها على وجه الأرض كما سيأتي بيانه, وليس المراد به ما ذهب إليه المصنف من اختفائها عن الأبصار بسبب الأنوار الكهربائية, فإن ذلك لا يكون طمسا لها فضلا عن الانكدار. واستدلال المصنف بالآية على ما ذهب إليه لا وجه له؛ وهو من تأول القرآن على غير تأويله. الوجه الثاني: أن طمس النجوم وانكدارها إنما يكون يوم القيامة, قال الله تعالى: (فإذا النجوم طمست. وإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل) وقال تعالى: (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت). قال البغوي في تفسيره (وإذا النجوم انكدرت) أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض, يقال انكدر الطائر إذا سقط عن عشه, قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم إلا وقع. وقال ابن كثير في تفسيره (وإذا النجوم انكدرت) أي انتثرت كما قال تعالى (وإذا الكواكب انتثرت). وأصل الانكدار: الانصباب, وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: ست آيات قبل يوم القيامة, بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس, فبينما

стр. 68

هم كذلك إذ تناثرت النجوم .. الحديث. رواه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وقد تقدم ذكره (صفحة ٥٤). قال ابن كثير: وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جل وعلا (وإذا النجوم انكدرت) أي تناثرت. قلت: وقال قتادة انكدرت: تساقطت وتهافتت. وقد قال أهل اللغة في الانكدار بمثل ما قاله المفسرون في ذلك, قال الجوهري: انكدر أي أسرع وانقض, وانكدرت النجوم. وقال الراغب الأصفهاني: الانكدار يعبر عن انتثار الشيء, قال: (وإذا النجوم انكدرت) , وانكدر القوم على كذا إذا قصدوا متناثرين عليه. وقال ابن منظور في «لسان العرب»: انكدرت النجوم تناثرت. وكذا قال صاحب القاموس وغيره أن معنى انكدرت النجوم تناثرت. وقد تقدم حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إذا الشمس كورت) و (إذا السماء انفطرت) و (إذا السماء انشقت)» وهذا الحديث فيه رد لما تعلق به المصنف من الآية الكريمة. الوجه الثالث: أن ما ذكره عن بعض الصحابة والتابعين أن الآيات الست في أول سورة التكوير تكون في الدنيا قبل قيام الساعة, فليس مرادهم ما ذهب إليه من وقوع ذلك قبل قيام

стр. 69

الساعة بزمن طويل, وإنما مرادهم أن ذلك يكون عند قيام الساعة, وأن ذلك من جملة الأهوال التي تكون عند قيامها والناس يشاهدون ذلك. وأول ذلك ذهاب ضوء الشمس كما في حديث أبي بن كعب ﵁, وإذا كان ذهاب ضوء الشمس هو أول ما يقع من الآيات فأي متعلق للمصنف في شيء مما ذكره الله تعالى في أول سورة التكوير؟ الوجه الرابع: أن الناس لم يستغنوا عن الاهتداء بالنجوم في أسفارهم, ولا سيما اذا سافروا في الطرق التي لم تعبد فإنهم كثيراً ما تشتبه عليهم الجهة التي يقصدونها فيرجعون إلى الاهتداء بالنجوم. وكذلك جهة القبلة إنما يهتدون إليها في النهار بالشمس وفي الليل بالنجوم. الوجه الخامس: أن الظاهر من كلام المصنف وتقريره أن تكوير الشمس هو شدة ضوئها وغلبته على الأنوار الكهربائية. وهذا خطأ مخالف لما قاله المفسرون في معنى تكوير الشمس. قال ابن كثير في تفسيره: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ (إذا الشمس كورت) يعني أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت, وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير كورت غورت, وقال الربيع بن خثيم: كورت رمي بها. وقال

стр. 70

أبو صالح: كورت ألقيت, وعنه أيضاً نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض, ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض, فمعنى قوله تعالى كورت جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمى بها, وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﵄ «إذا الشمس كورت» قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر, ويبعث الله ريحاً دبوراً فيضرمها ناراً. قال ابن كثير: وكذا قال عامر الشعبي.

стр. 71

فصل وفي صفحة «٢٩ - ٣٢»: قرر المصنف أن المطر الذي يكون مع الدجال هو المطر الصناعي, وأن ما يكون معه من جبل الخبز ونهر الماء هو ما يحمله في العربات الحاملة للماء والعربات الحاملة للخبر وماكينات العجين والخبر والطبخ وما إليها مما هو موجود الآن لدى سائر الدول لاستعمالها في الحروب, وان ذلك كله بالأسباب العادية التي أجراها الله تعالى على يد غيره واخترعها الإفرنج قبل ظهوره فاستعملها هو لدعوته. والجواب أن يقال: إن الأمور التي تكون مع الدجال من الأمور الغيبية فلا يقال فيها بمجرد الرأي وإنما ينتهى فيها إلى ما جاء عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. والذي يظهر من الأحاديث أن ما يجريه الله تعالى على يدي الدجال يكون من خوارق العادات لا من الأسباب العادية التي تعرفها الناس ويستعملونها, وذلك أعظم الفتنة, فأما الأمور التي قد سبقه بها غيره وعرفها الناس فليس في إتيانه بها أمر خارق يفتتن به الناس. وقد جاء في الحديث الصحيح «أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر, ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت فتروح سارحة القوم عليهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر».

стр. 72

رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن إلا النسائي من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁. وهذا شيء خارق للعادة لا من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها. وقد دل هذا الحديث على أن السماء تمطر بمجرد أمره لها أن تمطر, لا بآلات يستعملها ذلك. ودل الحديث أيضاً على أن الأرض تنبت النبات في الحال من غير آلة يستعملها لذلك, وإن السارحة تروح من يومها وهي طويلة الذرى سابغة الضروع ممتدة الخواصر. وفي الحديث أيضاً أنه «يلبث في الأرض أربعين يوماً يوم منها كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة». وهذا شيء خارق للعادة. وفي الحديث أيضاً أنه يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك, فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل, وأنه يدعو رجلا ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض, ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. وفي الحديث الآخر أن له حماراً يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً. وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره. وهذا كله من خوارق العادات, لا من الأسباب التي يعرفها الناس ويستعملونها. ولهذا كانت فتنة الدجال أعظم فتنة تكون في الدنيا, كما في سنن ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله

стр. 73

- ﷺ قال: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال, وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال». وفي المسند وصحيح مسلم عن هشام بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال». وفي رواية «أمر أكبر من الدجال». ولما كانت فتنته أعظم الفتن أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منها في كل صلاة, وحذر منه وأنذر في عدة أحاديث. وفي المسند وسنن أبي داود عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع بالدجال فلينأ عنه» - وفي رواية لأحمد: يقولها ثلاثا - فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات». ولو كان ما مع الدجال من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها لكان شأنه كشأن سائر الدول التي تصنع المخترعات العجيبة وتستعملها ولم يكن للتحذير منه بخصوصه كبير فائدة. فصل وفي صفحة (٣٣ - ٣٤): تأول المصنف ما جاء في حديثي ابن مسعود وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» على آلات الرصد التي يرى بها الهلال عند أول ظهوره. ولا يخفى: أن الحديث ضعيف, ولو صح لكان محمولا على ظاهره. لا على وجود آلات الرصد إذ لا غرابة في ذلك والله أعلم.

стр. 74

فصل وقال في صفحة (٣٨) ما نصه: ومن ذلك زينة الأرض وحضارتها بتعبيد الطرق وإحداث الشوارع وإضاءتها بالأنوار ووجود الأبنية الطويلة ذات الطبقات المتعددة وغير ذلك من أنواع الزينة والحضارة. وقد ذكر الله تعالى ذلك من أشراط الساعة الدالة على قربها جداً فقال تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس). والجواب: أن يقال إن هذه الآية ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف, وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها: بالنبات الذي يخرجه الله تعالى من الأرض بالماء الذي ينزله من السماء. ولهذه الآية نظائر في سورة الكهف وسورة الزمر وسورة الحديد وقد ذكرتها فيما تقدم.

стр. 75

فصل وقال المصنف في صفحة (٥٠) ما نصه: إخباره ﷺ بالإهمال الواقع من النجديين للمدينة المنورة الذي سيؤول بها إلى الخراب. روى أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال». فعمران بيت المقدس قد ابتدأ وظهر إن لم يكن تم بإنشاء دولة اليهود فيه فإنهم عمروه ولا زالوا جادين في عمارته. والمدينة المنورة في طريق الخراب, لمحاربة القرنيين لها وسعيهم في القضاء عليها بعدم التفاتهم إليها وإلى إصلاحها, مع إهمالهم لأهلها ومعاكستهم لمن يريد الإقامة بها وصرفهم النظر عن سكانها وعدم مساعدتهم ومد يد المعونة إليهم, لتخرب ولا يبقى بها ساكن ولا مجاور لسيد الخلق ﷺ , بغضاً منهم في جانبه الشريف واعتقاداً منهم - قبحهم الله - أن زيارته وتعظيمه بدعة وضلال, فهم يسعون لذلك في خرابها حتى ينصرف الناس عن المجاورة والزيارة. وخرابها كما ترى من أشراط الساعة. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن ما ذكره عن النجديين من الإهمال للمدينة وأهلها إلى آخر كلامه الذي أقذع فيه فكله كذب وبهتان.
следующие страницы →