تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين
دار الصميعي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شرع الشرائع، وفصَّل الأحكام، وبيَّن الحلال والحرام.
وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الذي بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، ودلَّهم على كل خير، ونهاهم عن كل شر، وتركهم على البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
صلًّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فقد فشى في زماننا التسرع إلى الفتيا بغير علم، وتغيير الأحكام الثابتة في الكتاب والسنة، وكثر ذلك في المنتسبين إلى العلم، وقلَّت المبالاة بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد.
стр. 3
وهو ما ثبت عن النبيَّ ﷺ : أنه قال: «من أفتى بفتيا غير ثَبَت (١)؛ فإنما إثمه على من أفتاه».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والحاكم؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وروى الدارمي أيضا عن عبيد الله بن أبي جعفر مرسلاً؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
وقد سُئل أحمد عن هذا الحديث: ما معناه؟ فقال: «يفتي بما لم يسمع».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».
стр. 4
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يهابون الفتيا، ويتدافعونها بينهم، ويذمُّون من يسارع إليها، وقد جاء عنهم في ذلك آثار كثيرة؛ منها:
ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والدارمي؛ عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: «أيها الناس! من سُئل عن علم يعلمه؛ فليقل به، ومن لم يكن عنده علم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ إن الله ﵎ قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
وفي رواية لمسلم: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «من فقه الرجل أن يقول لما لا علم به: الله أعلم».
ورواه الإمام أحمد بنحوه.
وروى الدارمي أيضا عن أبي موسى ﵁: أنه قال في خطبته: «من علم علماً؛ فليعلِّمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين، ويكون من المتكلفين».
стр. 5
وروى الدارمي أيضا عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ ؛ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله ».
وروى الدارمي أيضا وابن عبد البر عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها؛ كان إثمها عليه».
وروى الدارمي وابن عبد البر أيضاً عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون».
زاد ابن عبد البر: «قال الأعمش: فذكرت ذلك للحكم بن عتيبة، فقال: لو سمعت هذا منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كل ما أفتي».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه لمجنون».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن نُعيم بن حماد؛ قال: سمعت ابن عيينة يقول: «أجسر الناس على الفتيا أقلُّهم علماً».
وروى أيضاً عن سحنون بن سعيد: أنه قال: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، فيظنُّ أن الحق كله فيه».
وروى الدارمي وابن عبد البر عن محمد بن سيرين؛ قال: قال حذيفة ﵁: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم باسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدّاً، وأحمق متكلُّف».
قال ابن سيرين: «فأنا لست بأحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق
стр. 6
متكلَّفاً».
وروى الدارمي عن محمد - وهو ابن سيرين -؛ قال: «قال عمر لابن مسعود: ألم أنبأ - أو أنبئت - أنك تفتي ولست بأمير؟! وَلَّ حارَّها من تولى قارَّها».
ورواه ابن عبد البر في كتابه «جامعه بيان العلم وفضله» عن ابن سيرين، قال: «قال عمر لأبي مسعود وعقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس؟! وَلَّ حارَّها من تولَّى قارَّها».
قلت: ما جاء في رواية ابن عبد البر أنَّ عمر ﵁ نهى أبا مسعود عقبة بن عمرو عن الفتيا؛ هو الصحيح، وأما ما جاء في رواية الدارمي أن عمر ﵁ نهى ابن مسعود عن الفتيا؛ فهو غلط وتصحيف؛ لأنه قد ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أهل الكوفة:
«إني قد بعثتُ إليكم عماراً أميراً، وابن مسعود معلَّماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر؛ فاسمعوا لهما، وتعلَّموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي».
رواه: ابن سعد، والطبراني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وقوله: «وَلَّ حارَّها مَن تَوَلَّى قارَّها»: هو مثل أمثال من العرب، ذكره أبو عُبيد القاسم بن سلاَّم في «كتاب الأمثال»، وذكره غيره ممَّن صنَّف في الأمثال.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»: «وفي حديث عمر: قال لأبي مسعود البدري: «بلغني أنَّكّ تفتي، ولَّ حارَّها مَن تولَّى
стр. 7
قارَّها»: جعل الحرَّ كناية عن الشرَّ والشدَّة، والبرد كناية عن الخير والهيِّن؛ أراد: ولَّ شرَّها من تولى خيرها، وولَّ شديدها من تولَّى هيِّنها» وانتهى.
وفي «لسان العرب» نحو ذلك.
وروى ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله ﷺ أراه قال: في المسجد -، فما كان منهم محدِّث إلا ودَّ أنَّ أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
ورواه الدارمي، ولفظه: «لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدِّث بحديث؛ إلاًّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا يُسأل عن فتيا؛ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
وروى الدارمي أيضاً عن داود - وهو ابن أبي هند -؛ قال: «سألت الشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟ قال: على الخبير وقعت؛ كان إذا سُئل الرجل؛ قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول».
وروى ابن عبد البر من طريق ابن وهب؛ قال: أخبرني محمد بن سليمان المرادي عن شيخ من أهل المدينة يُكنى أبا إسحاق؛ قال: «كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس، حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب؛ كراهية الفتيا، وكانوا يدعون سعيد بن المسيب: الجريء».
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبي المنهال؛ قال: «سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف؟ فجعل كلما سألت أحدهما؛ قال: سل الآخر؛ فإنه خير مني وأعلم مني».
стр. 8
وقال أبو حصين عثمان بن عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».
وإذا كان هذا في زمان التابعين؛ فكيف بأهل زماننا؛ فإن كثيراً منهم لا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم؛ بل إن بعضهم لا يبالي بمخالفة الكتاب والسنة في فتاويه؛ كما سيأتي بيان ذلك في ذكر بعض فتاويهم وأقوالهم الباطلة إن شاء الله تعالى.
стр. 9
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يتورَّعون عن الفتيا بغير علم، وإذا سُئل أحدهم عمَّا لا علم به؛ لم يأنف أن يقول: لا أعلم هذا، أو يقول: لا أدري، أو يقول: سل عن هذا غيري.
وهذا بخلاف ما عليه بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا؛ فإن كثيرا منهم يتسرعون إلى الفتيا بغير علم، ويأنف أحدهم أن يقول فيما لا يعلمه: لا أعلم هذا، أو: لا أدري، أو يقول: سل عن هذا غيري! ويرون في الإحجام عن إجابة السائل غضاضة عليهم، وما علموا أن الخطر العظيم في التسرع إلى الفتيا بغير علم.
وقد تقدَّم قول ابن مسعود ﵁: «أيها الناس! مَن سُئل عن علم يعلمه؛ فليقل به، ومَن لم يكن عنده علم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم».
وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن سيرين؛ قال: «لم يكن أحد بعد النبي ﷺ أهيب لما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضيَّة، فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثراً، فاجتهد رأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكون صوابا؛ فمن الله، وإن يكون خطأ؛ فمني، وأستغفر الله».
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبي معمر - واسمه عبد الله بن سخبرة الأزدي - عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلَّني، إذا قلتُ في كتاب الله بغير علم؟!».
قال ابن عبد البر: «وذَكَر مثلَ هذا عن أبي بكر ﵁ ميمون ابن مهران وعامر الشعبي وابن أبي مليكة».
стр. 10
وروى أيضاً عن زاذان وأبي البختري عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: «أي أرض تقلّني، أو سماء تظلّني، إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم؟!».
وروى الدارمي عن أبي البختري وزاذان؛ قالا: قال علي ﵁: «وَابَرْدَها على الكبد، إذا سُئلت عمَّا لا أعلم أن أقول: الله أعلم».
وروى أيضا عن أبي النعمان - واسمه سالم بن سرج المدني، ويقال: ابن خرَّبُوذ - عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: «إذا سُئلتم عمَّا لا تعلمون؛ فاهربوا». قالوا: وكيف الهرب يا أمير المؤمنين؟! قال: «تقولون: الله أعلم».
وروى أيضا عن أبي البختري عن علي ﵁: أنه قال: «يا بَرْدَها على الكبد أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم».
وروى أيضا عن عزرة التميمي؛ قال: قال علي ﵁: «وابَرْدَها على الكبد «ثلاث مرات»». قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «أن يسأل الرجل عمَّا لا يعلم، فيقول: الله أعلم».
وذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن علي ﵁: أنه قال: «خمس لو سافر الرجل فيهنَّ إلى اليمن؛ لكن عوضاً عن سفره: لا يخشى عبد إلا ربَّه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي مَن لا يعلم أن يتعلَّم، ولا يستحي مَن تعلَّم إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، وإذا قُطع الرأس؛ توى الجسد».
التوى: الهلاك.
وروى الدارمي أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر رضي
стр. 11
الله عنهما: «أن رجلا سأله عن مسألة؟ فقال: لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل؛ قال ابن عمر ﵄: نعم ما قال ابن عمر: سُئل عما لا يعلم؟ فقال: لا علم لي به».
وروى أيضا عن نافع ابن عمر ﵄ نحوه.
وروى ابن عبد البر عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه سُئل عن شيء؟ فقال: لا أدري، فلمَّا ولَّى الرجل؛ نِعِمَّا قال عبد الله بن عمر؛ سُئل عمَّا لا يعلم؟ فقال: لا علم لي به».
وروى ابن عبد البر أيضا عن مجاهد؛ قال: «سُئل ابن عمر عن فريضة من الصلب؟ فقال: لا أدري، فقيل له: ما يمنعك أن تجيبه؟ فقال: سُئل ابن عمر عمَّا لا يدري؟ فقال: لا أدري».
وروى ابن عبد البر أيضا عن عقبة بن مسلم؛ قال: «صحبتُ ابن عمر ﵄ أربعة وثلاثين شهراً، فكان كثيراً ما يُسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إليَّ فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً إلى جهنَّم».
وروى ابن عبد البر أيضا عن حماد بن زيد عن أيوب؛ قال: «تكاثروا على القاسم بن محمد يوماً بمنى، فجعلوا يسألونه؟ فيقول: لا أدري، ثم قال: إنا والله ما نعلم كلَّ ما تسألونا عنه، ولو علمنا؛ ما كتمناكم، ولا حَلَّ لنا أن نكتمكم».
وذكر ابن عبد البر أيضا عن القاسم: أنه قال: «يا أهل العراق: إنا والله لا نعلم كثيراً مما تسألونا عنه، ولأن يعيش المرء جاهلاً لا يعلم ما افُترض عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم».
стр. 12
وذكر ابن عبد البر أيضاً عن ابن عون؛ قال: «كنت عند القاسم بن محمد، إذ جاءه رجل فسأله عن شيء؟ فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني دُفعت إليك، لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي! الزمها؛ فوالله؛ ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله؛ لأن يُقطَع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم بما لا علم لي به».
وروى ابن عبد البر أيضا عن عبد الملك بن أبي سليمان؛ قال: «سُئِلِ سعيد بن جبير عن شيء؟ فقال: لا أعلم، ثم قال: ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم».
وروى ابن عبد البر أيضاً عن ابن وهب؛ قال: سمعتُ مالكاً يقول: «سأل عبد الله بن نافع أيوب السختياني عن شيء؟ فلم يجبه، فقال له: لا أراك فهمت ما سألتك عنه، قال: بلى، قال: فلم لا تجيبيني؟ قال: لا أعلمه».
وروى أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال له: يا أبا عبد الله! جئتك من مسيرة ستة أشهر، حمَّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها، قال: فسَل، فسأله الرجل عن المسألة؟ فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى مَن يعلم كل شيء، فقال أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعتُ إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن».
قال ابن عبد البر: «وذكر ابن وهب في كتاب «المجالس»؛ قال
стр. 13
سمعت مالكاً يقول: ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيَّأ له خير، قال ابن وهب: وكنتُ أسمعه كثيراً ما يقول: لا أدري، وقال في موضع آخر: لو كتبنا عن مالك: لا أدري؛ لملأنا الألواح».
قال ابن وهب: وسمعتُ مالكاً - وذُكر قول القاسم بن محمد: «لأن يعيش الرجل جاهلاً خير من أن يقول على الله ما لا يعلم» -، ثم قال: «وهذا أبوبكر الصديق، وقد خصَّه الله بما خصَّه به من الفضل، يقول: لا أدري».
وقال ابن وهب: وحدَّثني مالك؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين، وسيد العالمين، يسئل عن الشيء، فلا يجيب حتى يأتيه الوحي».
وذكر عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بعض هذا، وفي روايته هذه: «الملائكة قد قالت: لا علم لنا».
قال ابن عبد البر: وذكر أبو داود في تصنيفه لحديث مالك: حدثنا عباس العنبري؛ قال: حدثنا عبد الرزاق؛ قال: قال: مالك: «كان ابن عباس ﵄ يقول: إذا أخطأ العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
وروى أبو داود أيضا عن مالك عن يحيى بن سعيد؛ قال: قال ابن عباس ﵄: «إذا ترك العالم: لا أعلم؛ فقد أصيبت مقاتله».
قال: وحدثنا أحمد بن حنبل؛ قال: حدثنا محمد بن إدريس؛ قال: سمعت مالكاً يقول: سمعت ابن عجلان يقول: «إذا أخطأ العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
стр. 14
وروى ابن عبد البر أيضا من طريق الإمام أحمد؛ قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي؛ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت ابن عجلان يقول: «إذا أغفل العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
قال ابن عبد البر: «وقال أبو الدرداء: قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم: نصف العلم».
وذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن الشعبي: أنه قال: «لا أدري: نصف العلم» .
قال: وبإسناد حسن عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: «من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله قال لرسوله ﵊: ﴿قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْه مِنْ أجْر ومَا أنا مِنَ المُتَكَلِّفينَ﴾.
قال: وصح عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري».
قال: وقال أحمد في رواية المروذي: «ليس كل شيء ينبغي أن يُتكَلَّم فيه، وذكر أحاديث النبي ﷺ وكان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري، حتى أسأل جبريل»».
قال: وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: «كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يحسن ذا؟ مَن يحس ذا؟».
وقال في رواية أبي الحارث: «وددت أنه لا يسألني أحدٌ عن مسألة، وما شيء أشدّ عليَّ من أن أسأل عن هذه المسائل، البلاء يخرجه الرجل عن عُنُقه ويقلِّدك، وخاصة مسائل الطلاق والفروج».
стр. 15
وقال سفيان: «من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت».
وقال المروذي: «قلت لأبي عبد الله: إن العالم يظنُّونه عنده علم كل شيء فقال: قال ابن مسعود ﵁: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون»، وأنكر أبو عبد الله على من يتهجَّم في المسائل والجوابات.
وسمعت أبا عبد الله يقول: «ليتَّقِ الله عبدٌ ولينظر ما يقول وما يتكلَّم به؛ فإنه مسؤول».
وقال: «مَن أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدِّد عليهم».
وقال في رواية ابن القاسم: «إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البيِّن الذي لا شكَّ فيه، وليت الناس إذا أمروا بالشيء الصحيح أن لا يجاوزوه».
ونقل محمد بن أبي طاهر عنه: أنه سُئل عن مسألة في الطلاق؟ فقال: «سل غيري، ليس لي أفتي في الطلاق بشيء».
وقال في رواية ابن منصور: «لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتى».
وصحَّ عن مالك: أنه قال: «ذلّ وإهانة للعلم أن تجيب كل مَن سألك».
وقال أيضا: «كل مَن أخبر الناس بكل ما يسمع فهو مجنون».
وقال أحمد في رواية أحمد بن علي الأبَّار: وقال له رجل: حلفتُ بيمين لا أدري إيش هي؟ قال: «ليت أنك إذا دريت دِريتُ أنا».
стр. 16
وقال في رواية الأثرم: «إذا هاب الرجل شيئاً؛ فلا ينبغي أن يُحمل على أن يقول».
وقال في رواية المروذي: «إن الذي يفتي الناس يتقلَّد أمراً عظيماً، أو قال: يقدم على أمر عظيم، ينبغي لمَن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدَّم، وإلا؛ فلا يفتي».
وقال في رواية الميموني: «مَن تكلَّم في شيء ليس له فيه إمام؛ أخافُ عليه الخطأ».
وسأله إسحاق بن إبراهيم عن الحديث الذي جاء: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»؛ ما معناه؟ قال أبو عبد الله: «يفتي بما لم يسمع».
وقال محمد بن أبي حرب: سمعت أبا عبد الله وسُئل عن الرجل يفتي بغير علم؟ قال: «يروى عن أبي موسى؛ قال: يمرق من دينه».
وقال ابن مفلح: قال الزهري عن خالد بن أسلم أخي زيد بن أسلم؛ قال: «كنا مع ابن عمر ﵄، فسأله أعرابي: أترث العمة؟ فقال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟! قال: نعم؛ اذهب إلى العلماء فاسألهم، فلما أدبر الرجل قبَّل ابن عمر يده، فقال: نِعِمَّا قال أبو عبد الرحمن، سُئل عمَّا لا يدري؟ فقال: لا أدري».
وقال أبو حصين عثمان بم عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
وقال القاسم وابن سيرين: «لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول ما لا يعلم».
стр. 17
وقال مالك عن القاسم بن محمد: «إن من إكرام المرء لنفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه».
وقال عبد الرزاق: عن معمر؛ قال: «سأل رجل عمرو بن دينار عن مسألة؟ فلم يجبه، فقال الرجل: إن في نفسي منها شيئا؛ فأجبني، فقال: إن يكن في نفسك منها مثل أبي قبيس أحب إليًّ أن يكون في نفسي منها مثل الشعرة».
وقال ابن مهدي: «سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة؟ فطال ترداده إليه فيها، وألحَّ عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلَّم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه».
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: «العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخُرْق (١)، وكان يقُال: التأني في الله، والعجلة من الشيطان».
قال ابن مفلح: وإن كان مَن يفتي يعلم من نفسه أنه ليس أهلا للفتوى؛ لفوات شرط، أو وجود مانع، ولا يعلم الناس ذلك منه؛ فإنه يحرم إفتاء الناس في هذه الحال بلا إشكال، فهو يسارع إلى ما يحرم، ولا سيَّما إن كان الحامل ذلك غرض الدنيا - وأما السلف؛ فكانوا يتركون ذلك خوفاً، ولعل غيره يكفيه، وقد يكون أدنى؛ لوجود من هو أولى منه.
قال ابن معين: «الذي يحدث بالبلدة وبها مَن هو أولى منه بالحديث فهو أحمق».
وقال مالك: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك».
стр. 18
وقال ابن عيينة وسحنون: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما».
قال سحنون: «أشقى الناس من باع آخرته بدنيا غيره».
وقال سفيان: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بدّاً من أن يفتوا».
وقال: «أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها».
وبكى ربيعة، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «استفتي مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم».
وقال: «ولَبَعْضُ مَن يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السرَّاق».
وذكر الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» عن عبد العزيز بن أبي سلمة - يعني: الماجشون -؛ قال: «قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلَّمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئا، فترى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه فنفتيه؟ قال: فقال: أقعدوني. ثم قال: ويحك يا عبد العزيز! لأن تموت جاهلاً خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا «ثلاث مرات».
فليتأمل المتسرعون إلى الفتيا بغير علم ما ذكرته في هذا الفصل والفصل الذي قبله من أقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أكابر العلماء في التشديد في الفتيا بغير علم، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الإثم على فتاويهم الخاطئة.
ولا يأنف العاقل أن يقول فيما لا يعلمه: لا أعلم هذا، أو يقول: لا
стр. 19
أدري؛ فقد تقدَّم عن أبي الدرداء والشعبي أن هذه الكلمة نصف العلم.
وللعاقل أسوة حسنة في رسول الله ﷺ ؛ فقد تقدَّم أنه كان يُسأل عن الشيء؟ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي، وتقدَّم أيضا أنه كان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري حتى أسأل جبريل».
وللعاقل أيضا أسوة بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵃؛ فقد تقدَّم عنهم أنهم كانوا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم.
وكذلك له أسوة بمن تقدم ذكرهم من الصحابة والتابعين الذين قد ثبت عنهم أنهم كانوا يمتنعون من الفتيا بغير علم، ولا يأنفون من قول: لا أعلم هذا، أو: لا أدري، ولا يرون بذلك بأسا ولا غضاضة عليهم.
ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّباع مَن سَلَفْ ... وكُلُّ شَرّ في ابْتداعِ مَنْ خَلَفْ
стр. 20
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يكرهون السؤال عمَّا لم يقع، ويمتنعون من الإفتاء فيه، وبعضهم يشدِّد في ذلك وينهى عنه، وقد جاء عنهم في ذلك آثار كثيرة؛ منها:
ما رواه الدارمي: «أن رجلاً جاء إلى ابن عمر ﵄، فسأله عن شيء؟ فقال له ابن عمر ﵄: لا تسأل عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر بن الخطاب يلعن مَن سأل عمَّا لم يكن».
وقد رواه ابن عبد البر من طريقين عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «لا تسألوا عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر يلعن مَن سأل عمَّا لم يكن».
وروى ابن عبد البر أيضا عن طاووس؛ قال: قال عمر ﵁: «إَّنه لا يحلُّ لأحد أن يسأل عمَّا لم يكن، إن الله ﵎ قد قضى فيما هو كائن».
وروى الدارمي وابن عبد البر عن طاووس؛ قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: «أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن؛ فإن الله قد بيَّن ما هو كائن».
وروى الإمام أحمد من رواية ليث عن طاووس عن ابن عمر ﵄؛ قال: «لا تسألوا عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر ينهى أن يسأل عمَّا لم يكن».
وروى ابن عبد البر عن مسروق؛ قال: «سألت أبي بن كعب عن
стр. 21
مسألة؟ فقال: أكانت هذه بعدُ؟ قلت: لا، قال: فأجمنَّي (١) حتى تكون».
وروى الدارمي عن عامر - وهو الشعبي -؛ قال: «سُئل عمَّار بن ياسر ﵁ عن مسألة؟ فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت؛ تجشَّمناها (٢) لكم».
وروي أيضاً عن الزهري؛ قال: «بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ كان يقول إذا سُئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان؛ حدَّث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: لم يكن؛ قال: فذروه حتى يكون».
وروى ابن عبد البر عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: «أنه كان لا يقول برأيه في شيء يُسأل عنه حتى يقول: أنزل أم لا؟ فإن لم يكن نزل؛ لم يقل فيه، وإن يكن وقع؛ تكلَّم فيه».
قال: «وكان إذا سُئل عن مسألة يقول: أوقَعَت؟ فيقال له: يا أبا سعيد! ما وقعت، ولكنَّا نُعِدُّها، فيقول: دعوها، فإن كانت وقعت؛ أخبرهم».
وروى أيضا عن موسى بن علي عن أبيه؛ قال: «كان زيد بن ثابت إذا سأله إنسان عن شيء؛ قال: آلله؟ أكان هذه؟ فإن قال: نعم، نظر، وإلا؛ لم يتكلَّم».
وروى أيضا عن عامر - وهو الشعبي -؛ قال: «أتى زيد بن ثابت قوم، فسألوه عن أشياء؟ فأخبرهم بها، فكتبوها، ثم قالوا: لو أخبرناه»، قال: «فأتوه، فأخبروه، فقال: عذراً؛ لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما
стр. 22
اجتهدت لكم رأيي».
وروى الدارمي عن عامر؛ قال: «استفتى رجل أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر! ما تقول في كذا وكذا؟ قال: يا بني! أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا، قال: أمَّا لا؛ فأجِّلني حتى يكون، فنعالج حتى نخبرك».
وروى أيضا عن مسروق؛ قال: «كنت أمشي مع أبي بن كعب، فقال فتى: ما تقول يا عمَّاه كذا وكذا؟ قال: يا ابن أخي! أكان هذا؟ قال: لا، قال: فأعفنا حتى يكون».
وروى أيضا عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس؛ قال: «سألته عن رجل أدركه رمضانان؟ فقال: أكان أو لم يكن؟ قال: لم يكن بعدُ، قال: اترك بليَّة حتى تنزل، قال: فدلسنا له رجلا، فقال: قد كان، فقال: يطعم عن الأول منهما ثلاثين مسكينا لكل يوم مسكين».
وروى أيضاً عن عبيد بن جريج؛ قال: «كنت أجلس بمكة إلى ابن عمر يوماً وإلى ابن عباس يوماً، فما يقول ابن عمر فيما يُسأل: لا علم لي: أكثر مما يفتي به».
وروى أيضا عن الصلت بن راشد؛ قال: «سألت طاووساً عن مسألة؟ فقال: كان هذا، قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله، ثم قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: يا أيها الناس! لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا؛ فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله؛ لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم مَن إذا سُئل سُدِّد، وإذا قال وُفِّق».
وقد رواه ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ورجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل؛ فإن طاووساً لم يدرك معاذ بن
стр. 23
جبل ﵁.
وروى ابن عبد البر أيضا عن زيد بن أبي حبيب: «أن عبد الملك بن مروان سأل ابن شهاب عن شيء؟ فقال له ابن شهاب: أكان هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فدعه؛ فإنه إذا كان؛ أتى الله بفرج».
وروى الحاكم في «تاريخه» عن عكرمة؛ قال: قال لي ابن عباس ﵄: «انطلق؛ فأفت الناس، فمن سألك عمَّا يعنيه؟ فأفته، ومَن سألك عمَّا لا يعنيه؛ فلا تفته؛ فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس».
وقد ذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن الشافعي أنه احتجَّ على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذين اَمنُوا لاَ تَسْأَلوا عَنْ أَشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...﴾ الآية، وبما جاء في حديث اللعان: أن رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، وبما في «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
قال: وقال البيهقي في كتاب «المدخل»: «كره السلف السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم يكن فيها كتاب ولا سنة» انتهى.
وروى ابن عبد البر عن عمر ﵁: أنه كان يقول: «إياكم وهذه العضل؛ فإنها إذا نزلت؛ بعث الله لها من يقيمها ويفسرها».
قلت: ما ذكر في هذا الفصل من كراهة السؤال عمَّا لم يقع، والنهي عنه، والتشديد فيه، قد خالفه بعض طلاب العلم في زماننا، فتجد أحدهم يجمع المسائل الكثيرة من غرائب المسائل وصعابها، ومن الأشياء التي لم
стр. 24
تقع، ثم يدور بها على العلماء والمنتسبين إلى العلم ليستزلهم ويأخذ بزلاتهم فيها.
وهؤلاء قد ارتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ من كثرة السؤال، وما نهى عنه عمر بن الخطاب ﵁، وشدَّد فيه، من السؤال عما لم يكن.
وينبغي للعلماء أن يحذروا من هؤلاء المتعمِّقين، ولا يسترسلوا معهم في الإجابة عن الأشياء التي لم تقع.
وقد قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: «لا ينبغي أن يُجيب في كل ما يستفتى».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية»؛ قال: «وصح عن مالك أنه قال: ذل وإهانة للعلم أن تجيب كل من سألك».
وذَكَر عن الحسن البصري أنه قال: «شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يُعَمُّونَ بها عباد الله».
وقال مالك: «قال رجل للشعبي: إني خبأت لك مسائل، قال: اخبأها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها».
وقال مالك: «العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل».
стр. 25
فصلٌ
ومن هذا الباب السؤال عن الأغلوطات، وهي شداد المسائل وصعابها، وهذا مما يفعله بعض الناس في زماننا.
وقد ورد النهي عن ذلك؛ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد من طريق الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ؛ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الغلوطات».
قال الأوزاعي: ««الغلوطات»: شداد المسائل وصعابها».
وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود من طريق الأوزاعي عن عبد الله ابن سعد عن الصنابحي عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن الغلوطات».
ورواه ابن عبد البر، ولفظه: «أن النبي ﷺ نهي عن الأغلوطات».
وفي رواية له عن معاوية ﵁: أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: «أما تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن عضل المسائل؟».
قال الخطابي في «معالم السنن»: «المعنى: أنه نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا ويستسقط رأيهم فيها، وفيه كراهة التعمُّق والتكلُّف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقُّف عما لا علم للمسؤول به، وقد روينا عن أبي بن كعب: أن رجلاً سأله عن مسألة فيها غُموض، فقال: هل كان هذا بعدُ». قال: لا، فقال: «أمهلني إلى أن يكون»، وسأل رجل مالك بن أنس عن رجل شرب في الصلاة ناسياً، فقال: ولَم لم يأكل؟! ثم قال: حدثنا الزهري عن علي ابن حسين: أن النبي ﷺ قال: «إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
стр. 26
انتهى.
وروى ابن عبد البر عن الأوزاعي: أنه قال: «إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم؛ ألقى على لسانه الأغاليط».
قال ابن عبد البر: وروينا عن حسن: أنه قال: «إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله».
وقد تقدَّم هذا فيما ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».
стр. 27
فصلٌ
ومن أعظم الأمور خطراً: الإفتاء بالآراء المخالفة للكتاب والسنة، وهذا مما وقع فيه كثير من المنتسبين إلى العلم قديماً وحديثاً، وما أكثرهم في زماننا، كفانا الله وجميع المسلمين من شرهم ومن شر فتاويهم.
وقد أخبر النبي ﷺ عن هذا الصنف من الناس فيما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالماً؛ اتَّخَذَ الناسُ رؤساء جهالاً، فسُئلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روى هذا الحديث الزهري عن عروة عن عبد الله بن عمرو، وعن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ مثل هذا».
وقال البخاري في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من «صحيحه»: «باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلُّف القياس): «﴿وَلا تَقْفُ﴾: لا تقل، ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمَ﴾».
ثم روى عن عروة؛ قال: «حجَّ علينا عبد الله بن عمرو، فسمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهَّالٌ، يستفتون فيفتون برأيهم، فيَضلُّون ويُضلُّون»، فحدثت به عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعدُ، فقالت: يا ابن أختي! انطلق إلى
стр. 28
عبد الله، فاستثبت لي منه الذي حدَّثتني عنه، فجئتُه، فسألتُه، فحدَّثني به كنحو ما حدَّثني، فأتيت عائشة، فأخبرتها، فعجبتْ فقالت: والله؛ لقد حفظ عبد الله بن عمرو»، وقد رواه مسلم بنحوه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ نحو حديث عبد الله ابن عمرو ﵄.
رواه الطبراني في «الأوسط»، قال الهيثمي: «وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وُثِّق».
قلت: يشهد لحديثه ما تقدَّم قبله عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ نحو حديث عبد الله ابن عمرو ﵄.
رواه البزار، قال الهيثمي: «وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، ووثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث».
قلت: يشهد لحديثها ما تقدَّم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «لا يأتي عليكم عامٌ إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام، ولا أميرا خيراً من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خَلَفاً، ويجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويُثْلم».
رواه: الدارمي، وابن وضاح، وابن عبد البر.
стр. 29
فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يعتمدون في القضاء والإفتاء على ما جاء في القرآن، وإذا لم يجدوا الحكم في القرآن؛ رجعوا إلى السنة، وإذا لم يجدوه في السنة، اجتهدوا آراءهم، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ وآثار كثيرة عن الصحابة ﵃:
فأما الحديث الذي جاء عن النبي ﷺ ؛ فهو حديث معاذ بن جبل ﵁: أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه إلى اليمن؛ قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟». قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟»، قال: أقضي بسنة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟»، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ بيده في صدري، وقال: «الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.
وأما الآثار المرويَّة عن الصحابة ﵃:
فالأول منها ما رواه الدارمي عن ميمون بن مهران؛ قال: كان أبو بكر ﵁ إذا ورد عليه الخصم؛ نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة؛ قضى بها، فإن أعياه؛ خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا؛ فهل علمتُم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء، فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو
стр. 30
بكر ﵁: الحمد لله الذي جعل فينا مَن يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ ؛ جمع رؤوس الناس وخيارهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر؛ قضى به».
وقد رواه البيهقي بنحوه، وزاد: قال جعفر «يعني: ابن برقان»: وحدثني ميمون: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة؛ نظر: هل كان لأبي بكر ﵁ فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء؛ قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم».
الثاني من الآثار عن الصحابة ﵃: ما رواه الدارمي عن الشعبي عن شريح: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه: «إن جاءك شيء في كتاب الله؛ فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله؛ فانظر سنة رسول الله ﷺ ، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس؛ فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلَّم فيه أحدٌ قبلك؛ فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن، شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك».
ورواه: النسائي، والبيهقي؛ بنحوه.
الثالث: عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «إذا سُئلْتُم عن شيء؛ فانظروا في كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله؛ ففي سنة
стр. 31
رسول الله ﷺ ، فإن لم تجدوه في سنة رسول الله ﷺ ؛ فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما اجتمع عليه المسلمون؛ فاجتهد رأيك، ولا تقل: إني أخاف وأخشى؛ فإن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهة؛ فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
رواه: الدارمي، والنسائي، والحاكم، والبيهقي، وصححه الحاكم والذهبي.
الرابع: عن زيد بن ثابت ﵁: أنه قال لمسلمة بن مخلد: «اقض بكتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله؛ ففي سنة النبي ﷺ ، فإن لم يكن في سنة النبي ﷺ ؛ فادع أهل الرأي، ثم اجتهد». رواه البيهقي.
الخامس: عن عبيد الله بن أبي يزيد؛ قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄: «إذا سُئل عن شيء هو في كتاب الله؛ قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول الله ﷺ ؛ قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله ﷺ وقاله أبوبكر وعمر ﵄؛ قال به، وإلا؛ اجتهد رأيه».
رواه: الدارمي، والبيهقي، وهذا لفظه.
السادس: عن أبي الشعثاء - واسمه جابر بن زيد -: أن ابن عمر ﵄ لقيه في الطواف، فقال: «يا أبا الشعثاء! إنك من فقهاء البصرة؛ فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلتَ غير ذلك؛ هلكت وأهلكت». رواه الدارمي.
стр. 32
وروى الدارمي أيضا عن أبي نضرة:؛ قال: لما قدم أبو سلمة البصرة؛ أتيته أنا والحسن، فقال للحسن: «أنت الحسن؟ ما كان أحدٌ بالبصرة أحبّ إليَّ لقاء منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك؛ فلا تفت برأيك؛ إلا أن تكون سنة عن رسول الله ﷺ أو كتاب منزل».
وروى الدارمي أيضا عن معتمر عن أبيه؛ قال: قال ابن عباس ﵄: «أما تخافون أن تعذَّبوا أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله وقال فلان؟!».
وروى الدارمي أيضا عن الأوزاعي؛ قال: «كتب عمر بن عبد العزيز: إنه لا رأي لأحد في كتاب، وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب، ولم تمض به سنة عن رسول الله ﷺ ، ولا رأي لأحد في سنة سنَّها رسول الله ﷺ ».
وروى الدارمي أيضاً عن عبيد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: «يا أيها الناس! إن الله لم يبعث بعد نبيَّكم نبيّاً، ولم ينزل بعد الكتاب الذي أنزله عليه كتاباً، فما أحلً الله على لسان نبيه؛ فهو حلالٌ إلى يوم القيامة، وما حرَّم على لسان نبيه؛ فهو حرامٌ إلى يوم القيامة، ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يُطاع في معصية الله».
وقد دلَّ حديث معاذ بن جبل الذي تقدَّم ذكره في أول الفصل وما ذكر بعده من الآثار عن الصحابة ﵃ على أنه لا يسوغ الاجتهاد والعمل بالرأي مع وجود الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وهذا ممَّا خالف فيه كثيرٌ من المتسرِّعين إلى الفتيا في زماننا، فتجدهم لا يبالون أن يفتوا بآرائهم ونظرياتهم مع وجود ما يخالفها من أدلة
стр. 33
الكتاب أو السنة أو الإجماع.
ومن كانوا بهذه المثابة؛ فلا شكَّ أنهم قد تعرَّضوا لخطر عظيم، وهو حمل أوزار الذين يعملون بفتاويهم وأخطائهم وأقوالهم الباطلة، والدليل على هذا:
قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوُمَ القِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
وقول النبي ﷺ : «مَن أفتى بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه»، وقد ذكرتُ هذا الحديث في أول الكتاب؛ فليراجع (١).
ودلَّ حديث معاذ بمفهومه على أن من أفتى برأيه مع وجود ما يخالف ذلك من الكتاب أو السنة؛ فقد عمل بما يسخط الرسول ﷺ ، ومن عمل بما يسخط الرسول ﷺ ؛ فلا شكَّ أنَّه قد تعرَّض لسخط الله تعالى؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهمْ حَفيظاً﴾.
وثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «مَن أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومَن عصاني؛ فقد عصى الله».
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
فليحذر العاقل من التعرُّض لما يسخط الله تعالى ويسخط رسوله ﷺ ، ومن التعرُّض لحمل أوزار الناس وآثامهم.
стр. 34
فصلٌ
و الفتوى بغير علم مزلة أقدام ، وباب من أبواب الضلال والإضلال كما تقدَّم النص على ذلك في حديث عبد الله بن عمرو الذي جاء فيه الإخبار عن قبض العلم.
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من تتبُّع زلات العلماء، والأخذ برخصهم؛ فإن زلاتهم من هوادم الإِسلام، ومَن أخذ برخصهم؛ اجتمع فيه الشر كله.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يتخوَّف على أمته من زلات العلماء.
وقد جاء في ذلك عدة أحاديث:
أحدها: ما رواه الطبراني في «الصغير» عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أخاف عليكم ثلاثاً، وهى كائنات: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم».
الثاني: ما رواه الطبراني في «الكبير» عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاثاً «وذكر منها زلة العالم»».
الثالث: ما رواه البيهقي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن أشد ما أتخوَّف على أمتي ثلاث «فذكرها ومنها زلة العالم»».
الرابع: ما رواه: أبو نُعيم في «الحلية»، وابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله»؛ عن عمرو بن عوف المزني ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة أعمال». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «زلة عالم، وحكم جائر،
стр. 35
وهوى متَّبَع».
وهذه الأحاديث الأربعة في أسانيدها مقال، ولكن بعضها يشدُّ بعضاً، ويشهد لها ما رواه الدارمي بإسناد جيد عن زياد بن حدير؛ قال: قال لي عمر ﵁: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟». قال: قلت: لا، قال: «يهدمه: زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين».
ورواه ابن عبد البر من طرق بنحوه.
وروى الإمام أحمد في «الزهد» عن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: «أخشى عليكم: زلَّة عالم، وجدال منافق بالقرآن».
ورواه ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» بنحوه.
وروى أيضا عن سلمان ﵁ نحوه.
وروى: أبو داود، والحاكم؛ عن يزيد بن عَميرة عن معاذ بن جبل ﵁: أنه قال: «أحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق». قال: قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: «بلى؛ اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعلَّه أن يراجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإن على الحق نورا». هذا لفظ أبي داود.
وفي رواية الحاكم أنه قال: «اتَّقوا زلَّة الحكيم»، وفيها أيضا أنه قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه، الذي إذا سمعته قلت ما هذا؟». وباقيه نحو رواية أبي داود.
стр. 36
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وقد رواه ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، وفيه أنهم قالوا لمعاذ: كيف زيغة الحكيم؟ قال: «هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟ فاحذروا زيغته، ولا يصدَّنَّكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق».
قال ابن عبد البر: «وشَبَّه الحكماء زلَّة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير».
قال: «وإذا صحَّ وثبت أن العالم يزل ويخطئ؛ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه» انتهى.
وروى ابن عبد البر عن خالد بن الحارث؛ قال: قال لي سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم؛ اجتمع فيك الشر كله».
قال ابن عبد البر: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا».
стр. 37
فصلٌ
وإذا علم أن زلاَّت العلماء من هوادم الإسلام، وأنه يجب اجتنابها والتَّحذير منها؛ فليعلم أيضا أن من أعظم زلات العلماء وأشدها خطراً على المفتين والمستفتين ما يكون مبنياً على الآراء المخالفة للكتاب والسنة، وما أكثر الواقعين في ذلك في زماننا!
وبعض هؤلاء إذا نُبِّهوا على أخطائهم المخالفة للأدلَّة الصريحة من الكتاب والسنة؛ لم يرجعوا إلى الحق، ولم يبالوا بالإصرار على الخطأ، ولا شك أن هؤلاء قد تعرَّضوا للوعيد على الإصرار على الأفعال السيئة، وهو ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال وهو على المنبر: «ويل للمصرِّين الذين يصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون»، رواه الإمام أحمد وعبد بن حميد، وإسناد كل منهما جيد، ورواه أيضا البخاري في «الأدب المفرد».
وقد قال البيهقي في «السنن الكبرى»: «باب: من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصاً أو إجماعاً أو ما في معناه؛ ردَّه على نفسه وعلى غيره».
ثم روى حديث عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد».
رواه البخاري في «الصحيح» ومسلم.
وروى أيضا عن سفيان عن إدريس الأودي؛ قال: «أخرج إلينا سعيد ابن أبي بردة كتاباً، فقال هذا كتاب عمر إلى أبي موسى ﵄: أما بعد؛ لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت الحق؛ فإن الحق قديم، لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».
стр. 38
قال البيهقي: ورواه أحمد بن حنبل وغيره عن سفيان، وقالوا في الحديث: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهُديتَ فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحقَّ قديم، وإن الحق لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خيرُ من التَّمادي في الباطل».
وروى أيضا من طريق ابن وهب؛ قال: حدثني مالك عن يحيى بن وربيعه بن عبد الرحمن؛ قالا: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «ما من طينة أهون عليَّ فكاً، وما من كتاب أيسر عليَّ ردّاً؛ من كتاب قضيتُ به، ثم أبصرتُ أنَّ الحقَّ في غيره، ففسخته).
وروى أبو يعلى الموصلي عن مسروق؛ قال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ ، ثم قال: «أيها الناس! ما إكثاركم في صُدُق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصَّدُقات فيما بينهم أربع مئة درهم فما دون ذلك؟ ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة؛ لم تسبقوهم، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم». قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مُهُر النساء على أربع مئة درهم؟ قال: «نعم». فقالت: أما سمعتَ ما أنزل الله في القرآن؟ قال: «وأي ذلك؟»، فقالت: أما سمعتَ الله يقول: ﴿وآتْيُتمْ إحْداهُنَّ قنْطاراً ...﴾ الآية؟ قال: فقال: «اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر». ثم رجع، فركب المنبر، فقال: «أيها الناس! إنَّي كنتُ نهيتُكم أن تزيدوا النساء في صَدُقاتهنَّ على أربع مئة درهم، فمَن شاء أن يعطي من ماله ما أحبَّ». قال أبو يعلى: «وأظنه قال: «فمن طابت نفسه؛ فليفعل»».
قال ابن كثير: «إسناده جيِّد قوي».
стр. 39
وروى ابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: قال عمر بن الخطاب» «لا تغالوا في مهور النساء». فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطاراً مِنْ ذَهَبٍ﴾ - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود - ﴿فلا يحلُّ لكُمْ أنْ تأْخُذوا منه شيئاً﴾، فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخَصَمَتْهُ».
وروى الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله عن جده؛ قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي -، فمَن زاد؛ ألقيت الزيادة في بيت المال»، فقالت امرأة من صُفَّة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال: «ولِمَ؟»، قالت: إنَّ الله قال: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطاراً فلا تأْخُذوا منه شيئاً﴾، فقال عمر: «امرأة أصابت، ورجل أخطأ».
وقد رواه عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بنحوه.
فليتأمل المصرون على الأخطاء في الفتيا ما جاء عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في الحث على مراجعة الحق إذا تبيَّن، وقوله: «إن مراجعة الحق خير من التَّمادي في الباطل».
وليتأملوا أيضاً ما ثبت عنه من الرجوع إلى قول المرأة في جواز الإكثار من الصداق، واعترافه بإصابة المرأة وخطئه، وهذا من تواضعه وإنصافه من نفسه وتلقيه للحق ممَّن جاء به من ذكر أو أنثى، وتعظيمه لما جاء عن الله تعالى.
وهذا بخلاف حال بعض المفتين في زماننا؛ فإنهم يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتاوى، ويرون في ذلك غضاضة عليهم، وهذا أمر خطير جدّاً، ويخشى على فاعله أن يُصاب بالزيغ والضلال؛ لأن الله
стр. 40
تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلوبَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ﴾.
فليحذر المصرُّون على أخطائهم في الفتيا من الدخول في عموم هاتين الآيتين.
ويجب على المفتين وغيرهم أن يعملوا بقول عمر ﵁ في مراجعة الحق إذا تبيَّن، وترك التمادي في الباطل، ويجب عليهم أيضا أن يقتدوا به في تواضعه وقبوله للحق ممَّن جاء به، واعترافه بخطئه وصواب المرأة التي عارضته بما جاء في القرآن.
والدليل على وجوب الأخذ بقول عمر ﵁ والاقتداء بما فعله مع المرأة التي عارضته قول النبي ﷺ : «اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر وعمر»، رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»؛ من حديث حذيفة بن اليمان ﵄، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وصححه الحاكم والذهبي.
وليتأمل الذين يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتيا ما ثبت عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز من استهانته برد ما خالف الحق وفسخه له، وأن ذلك يسيرٌ عليه، وليقتدوا به في ذلك؛ فإنه من أئمة الهدى؛ كما وصفه بذلك ابن سيرين، وقال الإمام أحمد: «إن قوله حجة»؛ ذكره ابن كثير وغيره.