← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17334

دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر تأليف الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين مطابع القصيم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تقديم هذه الرسالة﴾ للعلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. أما بعد فإن الله سبحانه قد ميز الرجال على النساء بميزات كثيرة من أبرزها وأحسنها ما أكرمهم به من اللحى وجعلها ميزة لهم عن النساء والصبيان وكانت العرب في الإسلام والجاهلية تعظم اللحى وتكرمها وتعتبرها وجه الرجل وقد دلت الأدلة الشرعية على إن اللحى من أخلاق الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ومن صفاتهم الظاهرة وقد كان نبينا ﷺ وهو أفضل الرسل وخاتم النبيين كثير شعر اللحية وافر الشعور وكان يرخي لحيته ويعفيها ويكرمها وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «خالفوا المشركين قصوا الشوارب وأرخوا اللحى» وقد ألف العلماء في هذه المسألة رسائل كثيرة وجعلوا لها بحثاً خاصاً في الكتب المطولة وأوضحوا ما جاء به الشرع الكامل من وجوب إعفائها وتوفيرها وتحريم حلقها وتقصيرها وممن ألف في هذه المسألة أخونا وصاحبنا الشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري

стр. 3

جمع في ذلك رسالة قيمة أسماها (دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر) وهي هذه التي نقدمها للقراء والمسلمين وقد أجاد فيها وأفاد وجمع فيها من الأدلة الشرعية ما قل أن تجده في غيرها وأضاف إلى ذلك بحوثاً سديدة في مسائل كثيرة تتعلق باللحية والقزع وغير ذلك ونقل فيها عن أهل العلم فوائد جليلة وتحقيقات نفيسة ونبه على نكت ومقاصد وإشارات من النصوص ترشد قارئ هذه الرسالة إلى كمال هذه الشريعة الإسلامية وعنايتها بكل دقيق وجليل من مصالح العباد في العاجل والآجل وذكر فيها جملة من الأدلة الدالة على تحريم التشبه بالمشركين ووجوب الحذر من ذلك. وبالجملة فهي رسالة قيمة كثيرة الفرائد جمة الفوائد قد عالجت كثيراً من مشاكل المجتمع الإسلامي علاجاً دقيقاً صادقاً على ضوء الأدلة من الكتاب والسنة فنسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يضاعف الأجر لمؤلفها ويزيده من الهدى وأن يجزيه عن سعيه ونصحه للأمة خير الجزاء وأن يهدينا وإياه وسائر إخواننا المسلمين إلى صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني وعلى آله وأصحابه ومن سار على سنته إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل اللحى جمالاً للرجال، وجعل عدمها جمالاً للنساء والأطفال، فسبحان من فاوت بين الرجال والنساء في هذا الجمال. أحمده وهو المحمود على كل حال، وأشكره على ما أولاه من الإنعام والأفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله الصادق المقال، الآمر أمته بمخالفة أهل الشرك والزيغ والضلال واللاعن للمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه في الأقوال والأعمال، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد فلا يخفى ما عظمت به البلوى في زماننا من التشبه بالمشركين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى واتباع سننهم حذو النعل بالنعل. وقد أصيب بهذا الداء العضال كثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فضلاً عن غيرهم من الخاصة والعامة فمستقل من هذا الداء ومستكثر فالله المستعان. وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 5

«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعا ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن!» متفق عليه. وفي صحيح البخاري أيضاً وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك» هذا لفظ البخاري. ولفظ ابن ماجه لتتبعن سنن من كان قبلكم باعاً بباع وذاعاً بذراع وشبراً بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً. ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية ابن ماجه ثم قال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري الأخذ بفتح الألف وسكون الخاء على الأشهر هو السيرة، يقال أخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته وما أخذ أخذه أي ما فعل فعله ولا قصد قصده انتهى. وروى البزار بإسناد جيد والحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم

стр. 6

دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك» وذكر تمام الحديث قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث عمرو بن عوف المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ولتأخذن مثل مأخذهم إن شبراً فشبر وإن ذراعاً فذراع وإن باعاً فباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه». وروى الآجري أيضاً عن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة». وروى الترمذي في جامعه عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى الطبراني عن المستورد بن شداد ﵁ مرفوعاً لا تترك هذه الأمة شيئاً من سنن الأولين حتى تأتيه.

стр. 7

وروى الشافعي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها. وروى أبو بكر الآجري عن حذيفة ﵁ أنه قال لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم. ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه لتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم. وذكر تمام الحديث قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه وهذا في حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال إلا عن توقيف. قال النووي في الكلام على حديث أبي سعيد الذي سبق ذكره السنن بفتح السين والنون وهو الطريق، وقال الحافظ ابن حجر بفتح السين للأكثر وقال ابن التين قرأناه بضمها وقال المهلب بالفتح أولى لأنه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر وهو الطريق قال الحافظ وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك انتهى. قال عياض الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه. وكذا قال النووي قال وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ . وقال الحافظ ابن حجر قد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك.

стр. 8

وقال المناوي في شرح الجامع الصغير هذا من معجزاته ﷺ فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم وإقامة شعارهم في الحروب وغيرها وأهل الكتابين في زخرفة المساجد وتعظيم القبور حتى كاد أن يعبدها العوام وقبول الرشا وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء وترك العمل يوم الجمعة والتسليم بالأصابع وعدم عيادة المريض يوم السبت والسرور بخميس البيض وأن الحائض لا تمس عجيناً إلى غير ذلك مما هو أشنع وأبشع. قلت وفي زماننا لم يبق شيء مما يفعله اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أمم الكفر والضلال إلا ويفعل مثله في أكثر الأقطار الإسلامية، ولا تجد الأكثرين من المنتسبين إلى الإسلام إلا مهطعين خلف أعداء الله تعالى يأخذون بأخذهم ويحذون حذوهم ويتبعون سننهم في الأخلاق والآداب واللباس والهيئات والنظامات والقوانين وأكثر الأمور أو جميعها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 9

(فصلٌ) وقد تظافرت الأحاديث ب الأمر بمخالفة أعداء الله تعالى والنهي عن التشبه بهم والتغليظ في ذلك. فأما الأمر بمخالفتهم ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس». فقوله ﷺ خالفوا المشركين وقوله خالفوا المجوس أمر مطلق بمخالفتهم في كل شيء من زيهم وأفعالهم وهو أيضاً خاص في الأمر بمخالفتهم فيما يفعلونه من التمثيل باللحى وإعفاء الشوارب. وفي الصحيحين والمسند والسنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». وروى الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يتزرون فقال تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب.

стр. 10

فقوله ﷺ خالفوا أهل الكتاب أمر مطلق بمخالفتهم في كل شيء من زيهم وهو أيضاً خاص في الأمر بمخالفتهم في اللباس وفي تركهم صبغ الشيب. وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي عن شداد بن أوس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه وفي مستدرك الحاكم أيضاً من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «هدينا مخالف لهديهم يعني المشركين» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا ولفظه هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك.

стр. 11

(فصلٌ) وأما النهي عن التشبه بأعداء الله تعالى فقد قال الله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]، فقوله: ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب نهي مطلق عن مشابهتهم وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم. وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه ولفظهما قال: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى». وفي سنن النسائي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» وله أيضاً عن الزبير ﵁ عن النبي ﷺ مثله، قال النسائي وكلاهما غير محفوظ. وروى الطبراني عن شداد بن أوس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود» فقوله في هذه الأحاديث ولا تشبهوا باليهود، وفي حديث أبي هريرة ولا بالنصارى نهي مطلق عن مشابهتهم في كل شيء

стр. 12

من زيهم وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في تركهم تغيير الشيب وفي تركهم الصلاة في النعال. وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس إياكم والتنعم وزي أهل الشرك. ورواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح ولفظه ذروا التنعم وزي العجم، ورواه أيضاً في كتاب الزهد بإسناد صحيح ولفظه إياكم وزي الأعاجم ونعيمها. قال ابن عقيل رحمه الله تعالى النهي عن التشبه بالعجم للتحريم. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع. (فصلٌ) وأما التغليظ في التشبه بأعداء الله تعالى ففي المسند وسنن أبي داود وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إسناده جيد قال وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، انتهى.

стр. 13

وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى». وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عقيل بن مدرك السلمي قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لقومك لا يأكلوا طعام أعدائي ولا يشربوا شراب أعدائي ولا يتشكلوا شكل أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وروى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار نحوه. وروى الخلال عن حذيفة ﵁ أنه أتى بيتاً فرأى شيئاً من زي العجم فخرج وقال من تشبه بقوم فهو منهم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على حديث ابن عمر ﵄ قد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونه تشبهاً، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهاً نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه

стр. 14

ولما فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها وإحفاء الشوارب مع أن قوله ﷺ غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا من أبلغ الموافقة الفعلية الاتفاقية. وقد روي في هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال من تشبه بقوم فهو منهم ذكره القاضي أبو يعلى، وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين. وقال الشيخ أيضاً قد بعث الله عبده ورسوله محمداً ﷺ بالحكمة التي هي سنته وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع لنا من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلاً يجد من نفسه نوع انضمام إليهم واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلاً يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضياً لذلك إلا أن يمنعه من ذلك مانع. ومنها أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف

стр. 15

إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهرا أتم وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد ومنها أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً لو تجرد عن مشابهتهم فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم: فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له. وقال الشيخ أيضاً مشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سبباً قريباً أو بعيداً إلى نوع ما من الموالاة والموادة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة. وقال الشيخ أيضاً المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام.

стр. 16

والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبةً وائتلافاً وإن بعد المكان والزمان فهذا أيضاً أمر محسوس. قال والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة انتهى. وما ذكره رحمه الله تعالى من نتائج التشبه بأعداء الله تعالى وثمراته السيئة فكله واقع في زماننا ولاسيما مواصلة أعداء الله تعالى ومؤاخاتهم وموالاتهم وموادتهم ومحبتهم والاختلاط التام بهم في بعض الأقطار بحيث قد ارتفع فيها التمييز ظاهراً بين المسلم والكافر فلا يعرف هذا من هذا إلا من كان يعرفهم بأعيانهم. وقد قادت هذه الموافقة والمشابهة بعض الناس إلى النفاق وبعضهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام عياذاً بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. (فصلٌ) إذا علم ما ذكرنا فمن أقبح المشابهة ما ابتلي به كثير من المسلمين من التشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج في التمثيل بشعر الوجه، وهم بذلك على طرائق شتى: فمنهم من يحلق لحيته كلها ذقنها وعارضيها ومنهم من ينتفها نتفاً، ومنهم من يحلق العارضين ويقص من الذقن حتى

стр. 17

لا يبقى منه إلا القليل، وكثير منهم يبالغون في قص الذقن حتى لا يبقى فيه إلا أصول الشعر، وبعضهم يحلق لحيته وشاربه ويترك من الشارب نقطة أو نقطتين تحت الأنف ومن اللحية نقطة في العنفقة والذقن، وكثير منهم يحلقون لحاهم ويعفون شواربهم. وكل من هذه الأفعال مثلة قبيحة، وقد روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق». قال الهروي والزمخشري وغيرهما من أهل اللغة مثل بالشعر صيره مثلة بأن حلقه من الخدود أو نتفه أو غيَّره بالسواد وكذا قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب. وقد عظمت بالبلوى بالتمثيل بالشعر في زماننا وزين الشيطان ذلك لكثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فأجابوا دعوة عدو الله وامتثلوا أمره وعصوا الله ورسوله ﷺ على بصيرة. قال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء: ٨٠]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب» وفي لفظ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى».

стр. 18

وثبت عنه ﷺ أنه قال «جزوا الشوارب وأرخو اللحى خالفوا المجوس». فقال أولئك العصاة بلسان الحال سمعنا وعصينا وآثروا هدي أولياء الشيطان اللعين على هدي الأنبياء والمرسلين. وسيأتي ذكر الأحاديث في الأمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى والأمر بالشيء نهي عن ضده كما هو مقرر عند الأصوليين فالأمر بإحفاء الشوارب وإنهاكها هو في الحقيقة نهي عن إعفائها وتوفيرها. والأمر بإعفاء اللحى وإرخائها هو في الحقيقة نهي عن حلقها ونتفها وقصها. وقد ورد النهي عن النتف بخصوصه والتشديد في ذلك كما في المسند والسنن إلا الترمذي عن أبي ريحانة ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن عشر وذكر منها النتف. وفي رواية للنسائي قال: إن رسول الله ﷺ «حرم الوشر والوشم والنتف» قال بعض العلماء النتف يعم نتف الشيب ونتف الشعر عند المصيبة ونتف اللحية ونتف الحاجب والعلة في جميع ذلك تغيير خلق الله تعالى. وفي الصحيحين والمسند والسنن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله. وفي رواية للنسائي عن عبد الله ﵁ قال:

стр. 19

سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات اللاتي يغيرن خلق الله . وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال: لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء. وفي سنن النسائي عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة. قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة المتنمصات من النمص وهو نتف الشعر من الوجه ومنه قيل للمنقاش المنماص والنامصة هي التي تنتف الشعر بالمنماص والمتنمصة هي التي يفعل بها ذلك. وإذا كان النمص محرماً على النساء وملعوناً من فعل ذلك منهن فتحريمه على الرجال يكون من باب الأولى لوجهين: أحدهما: ما فيه من المثلة وتغيير خلق الله وقد نص الإمام أحمد في رواية المروذي على كراهة أخذ الشعر بالمنقاش من الوجه وقال لعن رسول الله ﷺ المتنمصات. والمراد بالكراهة عند أحمد رحمه الله تعالى كراهة التحريم والدليل على ذلك احتجاجه بحديث اللعن لمن فعل ذلك واللعن لا يكون إلا على كبائر الإثم. الوجه الثاني: أن الرجال مأمورون بإعفاء اللحى والنمص ينافي ذلك وقد قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب إعفاء اللحية: عفوا كثروا أو كثرت أموالهم ثم ساق في الباب

стр. 20

حديث عبيد بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى». ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله به ولفظهم احفوا الشوارب واعفوا اللحى. ورواه البخاري ومسلم أيضاً من حديث عمر بن محمد بن زيد عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب» هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى. ورواه مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع عن أبيه نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى. ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق مالك به وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد والنسائي أيضاً من حديث عبد الرحمن بن علقمة قال سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ «اعفوا اللحى واحفوا الشوارب». وفي رواية لأحمد عن عبد الرحمن قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: أمر رسول الله ﷺ أن تعفى اللحى وأن تجز الشوارب. وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب

стр. 21

مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس». ورواه الإمام أحمد في مسنده من وجه آخر فقال حدثنا هشيم عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قصوا الشوارب واعفوا اللحى». ورواه البخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي عوانة عن عمر عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «اعفوا اللحى وخذوا من الشوارب». وقد رواه الطبراني من طريق عمر بن أبي سلمة ولفظه قال رسول الله ﷺ إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم فاعفوا اللحى واحفوا الشوارب. وقال البخاري في التاريخ الكبير قال لي إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كانت المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم فجزوا شواربكم واعفوا لحاكم». وروى البزار عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال «خالفوا المجوس جوزا الشوارب وأوفروا اللحى». وروى البيهقي وغيره من حديث ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ المجوس فقال

стр. 22

«إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم» قال فكان ابن عمر ﵄ يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة والبعير. وروى الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم: قال: فقال النبي ﷺ قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب. قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم وهو ثقة وفيه كلام لا يضر، قلت قد وثقه ابن معين والبخاري والترمذي والعجلي والجوزجاني وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ما رأيت أفضل من القاسم أبي عبد الرحمن. السبال جمع سبلة بالتحريك وهو الشارب قاله الجوهري. وقال الأزهري السبلة ما على الشفة العليا من الشعر يجمع الشاربين وما بينهما والمرأة إذا كان لها هناك شعر قيل امرأة سبلاء انتهى. وتطلق السبلة أيضاً على اللحية أو على مقدمها كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى. والعثانين جمع عثنون وهي اللحية. وروى الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «احفوا الشوارب واعفوا اللحى». وروى البخاري في التاريخ الكبير عن سويد بن حيان عن أبي سلمة بن عبد الله عن رجل من الأنصار عن النبي ﷺ «اعفوا لحاكم ولا تشبهوا باليهود».

стр. 23

وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «قصوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تمشوا في الأسواق إلا وعليكم الأزر إنه ليس منا من عمل سنة غيرنا» رواه الطبراني في الأوسط والكبير قال الهيثمي وفيه يوسف بن ميمون ضعفه أحمد والبخاري وجماعة ووثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والسنن عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية الحديث». قال الخطابي: فسر أكثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة وتأويله أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم لقوله سبحانه ﴿فبهداهم اقتده﴾ قال النووي وقيل هي الدين. وفي سنن النسائي عن طلق بن حبيب قال: عشر من السنة وذكر منها قص الشارب وتوفير اللحية. وإذا قال الصحابي أو التابعي من السنة كذا فله حكم المرفوع لأن المراد بذلك سنة رسول الله ﷺ كما قرر ذلك المحققون من العلماء. وقد أفاد البخاري رحمه الله تعالى في الترجمة التي تقدم ذكرها أن إعفاء اللحية معناه تركها على حالها موفرة حتى تعفوا أي تكثر واستدل لذلك بقول الله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي كثروا وكثرت أموالهم. وكذا قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة.

стр. 24

قال الهروي إعفاء اللحى هو أن يوفر شعرها ولا يقص كالشوارب من عفا الشيء إذا كثر وزاد يقال أعفيته وعفيته. وقال الخطابي في معالم السنن إعفاء اللحية توفيرها من قولك عفا النبت إذا طال ويقال عفى الشيء بمعنى كثر قال الله تعالى ﴿حتى عفوا﴾ أي كثروا. وقال في موضع آخر منه أما إعفاء اللحية فهو إرسالها وتوفيرها كره لنا أن نقصها كفعل بعض الأعاجم وكان من زي آل كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب فندب ﷺ أمته إلى مخالفتهم في الزي والهيئة ويقال عفا الشعر والنبات إذا وفا وقد عفوته وأعفيته لغتان قال تعالى ﴿حتى عفوا﴾ أي كثروا. وقال النووي إعفاء اللحية معناه توفيرها وهو معنى أوفوا اللحى في الرواية الأخرى وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك. وقال أيضاً وأما أوفوا فهو بمعنى اعفوا أي اتركوها وافية كاملة لا تقصوها. قال وأما قوله ﷺ وأرخوا اللحى فمعناه اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير. وقال ابن الأثير إعفاء اللحية تركها لا تقص حتى تعفوا أي تكثر. وقد روى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن مرسلاً أن رسول الله ﷺ قال «عشر خصال عملها قوم لوط، بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة - فذكر الخصال ومنها قص اللحية وطول الشارب» قلت وقد زاد كثير من الممثلين باللحى في

стр. 25

زماننا وقبله بأزمان على ما ذكر عن المجوس وعن قوم لوط. فالمجوس وقوم لوط يقصون اللحى قصاً، وأما طوائف الإفرنج وكثير ممن يتشبه بهم من سفهاء المسلمين فهم يحلقونها وبعضهم ينتفها، فالحلق والنتف أبلغ من القص وأعظم منه في تشويه الوجه. ولا يعرف التمثيل باللحى عن أحد من أوائل هذه الأمة وإنما ذكر ذلك عن بعض الصوفية في منتصف القرن السابع. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تاريخه في حوادث سنة خمس وخمسين وستمائة. وفيها دخلت الفقراء الحيدرية الشام ومن شعارهم لبس الراحي والطراطير ويقصون لحاهم ويتركون شواربهم وهو خلاف السنة تركوها لمتابعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة فقصوا لحيته وتركوا شواربه فاقتدوا به في ذلك وهو معذور وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وليس لهم في شيخهم قدوة. ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن أبي شامة أنه قال: قد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها انتهى. فالحيدرية قلدوا الملاحدة في صنيعهم بحيدر وأما السفهاء في زماننا فإنهم قلدوا طوائف الإفرنج ومن شاكلهم من أعداء الله تعالى والجميع مقلدون للمجوس. فهذه مآخذ التمثيل باللحى وأصوله التي يرجع إليها.

стр. 26

فأولها المجوس المشركون أعداء الله تعالى وآخرها أعداء الله تعالى من الملاحدة وإخوانهم من ضلال الإفرنج ومن شاكلهم من الكفرة الفجرة. وقد روي عن بعض المجوس أنهم كانوا يقصون لحاهم امتثالاً لأمر كسرى لهم بذلك فروى ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب ما ملخصه أن رسول الله ﷺ بعث إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام فكتب كسرى إلى باذام وهو نائبه على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذام قهرمانه وبعث معه رجلاً من الفرس فدخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله ﷺ لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي. وقد رواه ابن جرير من طريق ابن إسحاق وإذا كان أصل التمثيل باللحى صادراً عن أمر كسرى لقومه بذلك فالواجب على المسلم مجانبة أوضاع الأعاجم والبعد عن مشابهتهم فيها غاية البعد. وإذا لم يكن في المرء تقوى تحجزه عن التشبه بأعداء الله تعالى فينبغي أن تكون فيه أنفة تحجزه عن تقليد الأعاجم ومزاحمتهم في زيهم القبيح ومثلتهم التي جاء الشرع المطهر بتحريمها والأمر بمخالفتهم فيها.

стр. 27

(فصلٌ) وقد كان رسول الله ﷺ كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره وكان أشبه الناس بإبراهيم خليل الرحمن كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أشبه ولد إبراهيم به». وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم. وفي رواية لأحمد نظرت إلى إبراهيم فلم أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم. وفي هذين الحديثين دليل على أن إبراهيم ﵊ كان ذا لحية عظيمة تشبه لحية رسول الله ﷺ وقد كان إعفاء اللحى من ملته وهدي من قبله ومن بعده من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وفي حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ رأى هارون بن عمران وقال في نعته تكاد لحيته تصيب سرته من طولها رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد أخبر الله عنه أنه قال لأخيه موسى: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فدلت الآية الكريمة على أنه كان ذا لحية طويلة يتمكن موسى من الأخذ بها.

стр. 28

وقد روى الحاكم عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام - فذكر القصة بطولها وفيها أن هرقل أراهم صور الأنبياء فذكر في صفة نوح ﵊ أنه كان حسن اللحية، وفي صفة إبراهيم ﵊ أنه كان أبيض اللحية وفي صفة إسحاق ﵊ أنه كان خفيف العارضين وفي صفة عيسى ﵊ أنه كان شديد سواد اللحية. قال الحافظ ابن كثير إسناده لا بأس به. وروى الحاكم أيضاً في مستدركه عن كعب الأحبار أنه قال كان إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام جعد الرأس واللحية. وقد جاء وصف رسول الله ﷺ في حديث قدسي بأنه كث اللحية، فروى إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة ومقاتل عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ قال: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام =فذكر الأثر وفيه= صدقوا النبي الأمي العربي = فذكر جملة من صفاته ومنها = الجعد الرأس الكث اللحية. ورواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى فذكره. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث محمد بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال كان رسول الله ﷺ كث اللحية.

стр. 29

قال الجوهري كث الشيء كثاثة أي كثف وكذا قال ابن منظور في لسان العرب قال ولحية كثة وكثاء كثرت أصولها وكثفت وقصرت وجعدت فلم تنبسط وفي صفته ﷺ أنه كان كث اللحية أراد كثرة أصولها وشعرها وأنها ليست بدقيقة ولا طويلة وفيها كثافة قال: وقال ابن دريد لحية كثة كثيرة النبات انتهى. وروى الإمام أحمد أيضاً والحاكم في مستدركه من طريق عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس واللحية، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. قال الجوهري وابن منظور في لسان العرب الضخم الغليظ من كل شيء وقال صاحب القاموس العظيم من كل شيء، والمراد بضخامة اللحية عظمها لما روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بأسانيد جيدة من طريق عبد الملك بن عمير وصالح بن سعيد عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية. وفي المسند وصحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية. وفي سنن النسائي عن البراء ﵁ قال كان رسول الله ﷺ كث اللحية.

стр. 30

وروى الترمذي في الشمائل والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث هند بن أبي هالة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ كث اللحية. وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه نعت رسول الله ﷺ فذكر من صفته أنه كان كث اللحية. وقد وصفته أيضاً أم معبد الخزاعية لزوجها حين مر بها رسول الله ﷺ في هجرته إلى المدينة فقالت وفي لحيته كثاثة رواه الحاكم في مستدركه وصححه والبيهقي وأبو بكر الآجري في حديث طويل. وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في الشمائل عن يزيد الفارسي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم زمن ابن عباس ﵄ فقلت لابن عباس إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقال ابن عباس ﵄ إن رسول الله ﷺ كان يقول إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم قال نعم أنعت لك رجلاً بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض أكحل العينين حسن الضحك جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه قد ملأت نحره فقال ابن عباس ﵄ لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.

стр. 31

قوله ما بين هذه إلى هذه يشير بذلك إلى أذنيه والمعنى قد ملأت لحيته ذقنه وخديه فكانت من أذنه إلى أذنه. قال القاري وفي قوله قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه إشارة إلى عرضها وفي قوله قد ملأت نحره إشارة إلى طولها. وقال المناوي في شرح الشمائل قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه أي ما بين هذه الأذن وهذه الأذن أي لم تكن خفيفة وقد ملأت نحره أي كانت مسترسلة إلى صدره كثة انتهى. فتأمل أيها المسلم الناصح لنفسه ما ذكرته من الأحاديث في هذا الفصل وما قبله لتعرف هدي رسول الله ﷺ في شعر اللحية وما أمر به أمته من إعفائها والبعد عن مشابهة المشركين فإن كنت من الممثلين باللحى فأنت بين أمرين لا بد لك من أحدهما إما أن تقابل هذه الأحاديث بالرضى والتسليم لأمر رسول الله ﷺ والانتهاء عما نهى عنه فتعفي لحيتك كلها ذقنها وعارضيها وتنتهي عن التمثيل بها. تفعل ذلك أيها المسلم طاعة لله تعالى وطاعة لرسوله ﷺ واتباعاً لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي وأكمله. فإن فعلت هذا رجيت لك الهداية كما قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ورجي لك أيضاً أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].

стр. 32

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]. وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». وإن لم تحظ بالتوفيق لهذا الأمر الجليل فلا بد لك من ارتكاب الأمر الثاني وهو الإعراض عن هذه الأحاديث وترك العمل بها طاعة للشيطان واتباعاً للهوى وإيثاراً لهدي المجوس وطوائف الإفرنج الذي هو شر هدي وأخبثه. وفاعل هذا الأمر الذميم لم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله وفيه شبه من الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا سمعنا وعصينا. وكل من ترك ما أمر الله به ورسوله ﷺ أو ارتكب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ وهو عالم بالأمر والنهي فهو من الذين قالوا سمعنا وعصينا شاء أم أبى. فإن كان من المنتسبين إلى العلم فهو مع ذلك شبيه بالذين قال الله تعالى فيهم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. وقد حذر الله تعالى من مخالفة الرسول ﷺ أبلغ التحذير فقال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى

стр. 33

أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، فأخبر تعالى عن الذين لم يستجيبوا للرسول ﷺ بأن تركوا أمره وارتكبوا نهيه إنه إنما يحملهم على المخالفة اتباعهم لأهوائهم بغير دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ﷺ ثم حكم على من اتبع هواه بالضلال والظلم وحرمان الهداية فتضمنت الآية أبلغ التحذير من اتباع الهوى واستحباب العمى على الهدى، ومن مثل بلحيته مع العلم بتحريم ذلك فله نصيب من اتباع الهوى ومخالفة أمر الرسول ﷺ وقال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال المفسرون أي مهما أمركم به الرسول ﷺ فامتثلوا أمره ومهما نهاكم عن شيء فاجتنبوه. ومن المعلوم أن الرسول ﷺ أمر أمته بإعفاء اللحى ومخالفة المشركين الذين يمثلون بلحاهم ويغيرون خلق الله، ومن مثل بلحيته بحلق أو نتف أو قص فهو عاص لله تعالى ولرسوله ﷺ شاء أم أبى لأنه لم يمتثل أمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحية، ولم يجتنب نهيه عن مشابهة أعداء الله.

стр. 34

وقد قال الله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله». وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه. وإذا علم أن إعفاء اللحى من سنن الأنبياء والمرسلين ومن خصال الفطرة التي فطر الله عليها رسوله محمداً ﷺ فليعلم أيضاً أن ما خالف ذلك فهو من سنن أعداء المسلمين من المجوس وطوائف الإفرنج وغيرهم من المشركين، وسننهم هي الغي والضلال كما أن سنن المرسلين هي الرشد والهدى. فليختر المرء لنفسه ما يناسبه من السنتين وليتشبه بمن شاء من الفريقين فمن تشبه بقوم فهو منهم. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]. ومن خصال ملة إبراهيم التي أمر نبينا محمد ﷺ باتباعها هو وأمته إعفاء اللحى فمن حلق لحيته أو نتفها أو قصها فهو ممن سفه نفسه ورغب عن سنة الخليلين وهديهما في شعر الوجه

стр. 35

وآثر سنة الأكاسرة ومثلتهم القبيحة. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ومن مثل بشعر لحيته فذلك من نقص متابعته للخليلين فتنقص ولايته لهما بقدر ما انتقص من متابعتهما. وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، ثم قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ٦]. ومن مثل بلحيته فقد تأسى بالأكاسرة وأشباههم من أعداء الله تعالى ورغب عن التأسي بالخليلين وغيرهما من الأنبياء والمرسلين وبئس ما اختار لنفسه. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم وقال ليس له علة ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي رواية للحاكم قال: عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق.

стр. 36

قال الحاكم صحيح على شرطهما جميعاً ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومن السنن الثابتة عن النبي ﷺ من قوله وفعله إعفاء اللحية وترك التعرض لها بحلق أو نتف أو قص، وقد تمسك بهذه السنة الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا ولله الحمد والمنة. وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ خفيف العارضين ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره عن عائشة ﵂. وكان عمر ﵁ كث اللحية ذكره ابن عبد البر. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر ﵁ كثير السبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفة: السبلة عند العرب مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر قاله ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب قال ابن منظور يقال للرجل إذا كان كذلك رجل أسبل ومسبل إذا كان طويل اللحية. وقال أبو زيد السبلة ما ظهر من مقدم اللحية بعد العارضين والعثنون ما بطن، وقال ثعلب هي اللحية كلها بأسرها. وذكر البخاري في التاريخ الكبير عن العداء بن خالد ﵁ قال رأيت النبي ﷺ حسن السبلة وكانت العرب تسمي اللحية السبلة.

стр. 37

وقد تقدم عن الجوهري والأزهري أن السبلة الشارب قال ابن دريد من العرب من يجعل السبلة طرف اللحية ومنهم من يجعلها ما أسبل من شعر الشارب في اللحية. قلت والمراد بالسبلة في حديث أبي رجاء مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر ولهذا وصفها بالكثرة ووصف العارضين بالخفة. وأما ما في حديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره فالمراد به الشارب وسياق الحديث واضح في ذلك والله أعلم. وكان عثمان ﵁ كبير اللحية عظيمها وكان يصفر لحيته ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره. وروى الحاكم في مستدركه عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على المنبر يوم الجمعة فذكر أنه طويل اللحية حسن الوجه. وكان علي ﵁ كبير اللحية ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره. وهؤلاء الأربعة هم القدوة بعد رسول الله ﷺ وهم الذين أمر الرسول ﷺ بالأخذ بسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ. إذا علم هذا فمن حلق لحيته أو نتفها أو قصها فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ في شعر الوجه ومخالف لما كان عليه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

стр. 38

ومرتكب خصلة من خصال الضلالة وان كان عالما بوجوب إعفاء اللحية وتحريم التمثيل بها فهو مشارك بقدر إجرامه للذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ مثله. وفي المسند أيضاً وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ومن هذه المحجة البيضاء إعفاء اللحى فمن مثل بلحيته ففيه نوع من الزيغ عما ترك عليه رسول الله ﷺ ، وهو جدير بالهلاك الأخروي كما يدل على ذلك هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄ من تشبه بقوم فهو منهم. وجدير أيضاً بالعقوبة العاجلة في الدنيا كما قال الله تعالى مخبراً عن أصحاب السبت ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا

стр. 39

هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. ورواه الدارقطني في سننه وأبو الفرج ابن الجوزي بلفظ من فعل أمراً ليس عليه أمرنا فهو رد. قال ابن رجب رحمه الله تعالى المراد بأمره ههنا دينه وشرعه انتهى. والرد هنا بمعنى المردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول. قال النووي وغيره معناه فهو باطل غير معتد به انتهى. ومن المعلوم أن النبي ﷺ شرع لأمته إعفاء اللحى وأمرهم بمخالفة المشركين ونهاهم عن مشابهتهم فمن مثل بلحيته بحلق أو نتف أو قص فقد أحدث في أمر الإسلام ما ليس منه وخالف ما أمره به النبي ﷺ وارتكب ما عنه نهاه فيكون عمله في لحيته مردوداً وقد عصى الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥]. ومن مثل بلحيته بعدما علم أن رسول الله ﷺ أمره بإعفائها ونهاه عن التشبه بالمشركين فقد شاق الله ورسوله ﷺ بقدر مخالفته واتبع غير سبيل المؤمنين في تمثيله بلحيته. وجدير بمن عصى الله ورسوله وخالف المؤمنين على بصيرة أن يوليه الله ما تولى بأن يزين له المعصية استدراجاً له،

стр. 40

كما قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]، وأن يذيقه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. (فصلٌ) وقد جعل الله ﵎ شعر اللحية والشارب زينة وجمالاً للرجال وعلامة فارقة بينهم وبين النساء في الغالب وجعل زينة النساء وجمالهن في عدم هذا الشعر. فتبارك الله أحسن الخالقين الذي فاوت بين خلقه فجعل للرجال زينة وجمالاً بعكس زينة النساء وجمالهن وجعل ما يستحسن في وجوه الرجال من الشعر يستقبح مثله في وجوه النساء لو وجد ذلك فيهن. وما يستحسن في وجوه النساء من عدم الشعر يستقبح مثله في وجوه الممثلين بالشعر من الرجال. حكمة بالغة من حكيم عليم يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. فما أسخف عقل من رغب عن الجمال الذي جمل الله به الرجال وآثر مشابهة النساء في جمالهن وزينتهن ولا يرغب عن مشابهة الرجال ويختار مشابهة النساء إلا من في طبيعته أنوثة
следующие страницы →