← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17334

دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال الحاكم صحيح على شرطهما جميعاً ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومن السنن الثابتة عن النبي ﷺ من قوله وفعله إعفاء اللحية وترك التعرض لها بحلق أو نتف أو قص، وقد تمسك بهذه السنة الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا ولله الحمد والمنة. وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ خفيف العارضين ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره عن عائشة ﵂. وكان عمر ﵁ كث اللحية ذكره ابن عبد البر. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر ﵁ كثير السبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفة: السبلة عند العرب مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر قاله ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب قال ابن منظور يقال للرجل إذا كان كذلك رجل أسبل ومسبل إذا كان طويل اللحية. وقال أبو زيد السبلة ما ظهر من مقدم اللحية بعد العارضين والعثنون ما بطن، وقال ثعلب هي اللحية كلها بأسرها. وذكر البخاري في التاريخ الكبير عن العداء بن خالد ﵁ قال رأيت النبي ﷺ حسن السبلة وكانت العرب تسمي اللحية السبلة.

стр. 37

وقد تقدم عن الجوهري والأزهري أن السبلة الشارب قال ابن دريد من العرب من يجعل السبلة طرف اللحية ومنهم من يجعلها ما أسبل من شعر الشارب في اللحية. قلت والمراد بالسبلة في حديث أبي رجاء مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر ولهذا وصفها بالكثرة ووصف العارضين بالخفة. وأما ما في حديث ابن عمر ﵄ الذي تقدم ذكره فالمراد به الشارب وسياق الحديث واضح في ذلك والله أعلم. وكان عثمان ﵁ كبير اللحية عظيمها وكان يصفر لحيته ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره. وروى الحاكم في مستدركه عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على المنبر يوم الجمعة فذكر أنه طويل اللحية حسن الوجه. وكان علي ﵁ كبير اللحية ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره. وهؤلاء الأربعة هم القدوة بعد رسول الله ﷺ وهم الذين أمر الرسول ﷺ بالأخذ بسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ. إذا علم هذا فمن حلق لحيته أو نتفها أو قصها فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ في شعر الوجه ومخالف لما كان عليه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

стр. 38

ومرتكب خصلة من خصال الضلالة وان كان عالما بوجوب إعفاء اللحية وتحريم التمثيل بها فهو مشارك بقدر إجرامه للذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ مثله. وفي المسند أيضاً وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ومن هذه المحجة البيضاء إعفاء اللحى فمن مثل بلحيته ففيه نوع من الزيغ عما ترك عليه رسول الله ﷺ ، وهو جدير بالهلاك الأخروي كما يدل على ذلك هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄ من تشبه بقوم فهو منهم. وجدير أيضاً بالعقوبة العاجلة في الدنيا كما قال الله تعالى مخبراً عن أصحاب السبت ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا

стр. 39

هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. ورواه الدارقطني في سننه وأبو الفرج ابن الجوزي بلفظ من فعل أمراً ليس عليه أمرنا فهو رد. قال ابن رجب رحمه الله تعالى المراد بأمره ههنا دينه وشرعه انتهى. والرد هنا بمعنى المردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول. قال النووي وغيره معناه فهو باطل غير معتد به انتهى. ومن المعلوم أن النبي ﷺ شرع لأمته إعفاء اللحى وأمرهم بمخالفة المشركين ونهاهم عن مشابهتهم فمن مثل بلحيته بحلق أو نتف أو قص فقد أحدث في أمر الإسلام ما ليس منه وخالف ما أمره به النبي ﷺ وارتكب ما عنه نهاه فيكون عمله في لحيته مردوداً وقد عصى الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥]. ومن مثل بلحيته بعدما علم أن رسول الله ﷺ أمره بإعفائها ونهاه عن التشبه بالمشركين فقد شاق الله ورسوله ﷺ بقدر مخالفته واتبع غير سبيل المؤمنين في تمثيله بلحيته. وجدير بمن عصى الله ورسوله وخالف المؤمنين على بصيرة أن يوليه الله ما تولى بأن يزين له المعصية استدراجاً له،

стр. 40

كما قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]، وأن يذيقه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. (فصلٌ) وقد جعل الله ﵎ شعر اللحية والشارب زينة وجمالاً للرجال وعلامة فارقة بينهم وبين النساء في الغالب وجعل زينة النساء وجمالهن في عدم هذا الشعر. فتبارك الله أحسن الخالقين الذي فاوت بين خلقه فجعل للرجال زينة وجمالاً بعكس زينة النساء وجمالهن وجعل ما يستحسن في وجوه الرجال من الشعر يستقبح مثله في وجوه النساء لو وجد ذلك فيهن. وما يستحسن في وجوه النساء من عدم الشعر يستقبح مثله في وجوه الممثلين بالشعر من الرجال. حكمة بالغة من حكيم عليم يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. فما أسخف عقل من رغب عن الجمال الذي جمل الله به الرجال وآثر مشابهة النساء في جمالهن وزينتهن ولا يرغب عن مشابهة الرجال ويختار مشابهة النساء إلا من في طبيعته أنوثة

стр. 41

تدعوه إلى التشبه بما يناسبه كما قيل: «وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه». وقد كان السلف يسمون المتشبهين بالنساء المخنثين. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري المخنث بكسر النون وبفتحها من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم ويطلق عليه اسم مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل. قال ابن حبيب المخنث هو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف منه الفاحشة مأخوذ من التكسر في المشي وغيره انتهى. وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود والترمذي قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وروى الإمام أحمد أيضاً بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال.

стр. 42

وروى الإمام أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وروى الإمام أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال. وفي سنن ابن ماجة بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء. ورواه الإمام أحمد وأبو داود بلفظ آخر وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد ذم الله ﵎ المنافقين ووبخهم لما آثروا القعود مع النساء على الجهاد مع رسول الله ﷺ وأصحابه فقال تعالى ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]، الآية. والممثلون باللحى قد رضوا بأن يكونوا مثل الخوالف في نعومة الخدود وعدم الشعر في الوجوه، فيستنبط من هذه الآية الكريمة ذمهم وتوبيخهم على سوء صنيعهم ورضاهم بمشابهة النساء وأيضاً فإن المنافقين قد رغبوا عن المسير مع رسول الله ﷺ والجهاد معه، والممثلون باللحى قد رغبوا عن السير على منهاج

стр. 43

رسول الله ﷺ واتباع سنته في شعر الوجه ورضوا بأن تكون وجوههم مثل وجوه المجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من أعداء الله تعالى ففيهم شبه قوي من المنافقين ولهم الذم والتوبيخ بقدر إجرامهم ومخالفتهم لأمر الرسول ﷺ وارتكابهم لنهيه ورغبتهم عن سنته. (فصلٌ) وقد فضل الله الرجال على النساء بأشياء كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومنها شعر اللحية والشارب وقد قال الله تعالى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال مجاهد بما يمتاز عنها كاللحية حكاه عنه أبو حيان في تفسيره. وقال ابن جرير في تفسيره حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا عبيد بن الصباح قال حدثنا حميد قال وللرجال عليهن درجة قال لحية. وقال الله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]. ذكر أبو حيان في تفسيره أقوالاً مشتملة على أشياء كثيرة مما فضل الله به الرجال على النساء ومنها اللحى وكشف الوجوه وقد رغب الأكثرون من أهل زماننا عما منّ الله به عليهم

стр. 44

من الفضيلة والدرجة على النساء وأبوا إلا مساواة النساء في درجتهن ولاسيما في عدم اللحية وهذا من هوان نفوسهم وضعف عقولهم وما أحسن قول الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام (فصلٌ) وقد كان رسول الله ﷺ أجمل الناس وأحسنهم وجهاً وكان مع ذلك كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت لحيته نحره وكان أشبه الناس بإبراهيم خليل الرحمن كما تقدم بيان ذلك. وما كان الله ليختار لخليله إلا أحب الأشياء إليه وأكمل الصفات البشرية. أفيقال في المشركين الذين يحلقون لحاهم ويمثلون بشعورهم أنهم كانوا أجمل من الخليلين؟ كلا إن هذا لا يقوله مسلم، فما أسفه رأي من رغب عن الجمال الذي جمل الله به صفوة خلقه. وما أحمق من زهد في مشابهة الخليلين وآثر مشابهة المجوس وطوائف الإفرنج في مثلتهم القبيحة التي زينها لهم الشيطان وحببها إليهم ليشوه بها وجوههم ويغير خلق الله كما أخبر الله عنه أنه قال ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].

стр. 45

(فصلٌ) وقد كان لشعر اللحية القدر الرفيع عند المتمسكين بهذه الخصلة من خصال الفطرة حتى عند أوائل اليهود والنصارى وكذلك مشركو العرب في زمن الجاهلية فإنهم كانوا يعفون لحاهم وكانوا متمسكين بأشياء من دين الخليل ﵊ ومن ذلك إعفاء اللحى. وأما قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ خالفوا المشركين فالمراد بهم المجوس فإنهم صنف من أصناف المشركين ويطلق عليهم اسم المشركين كما يطلق على مشركي العرب وغيرهم ممن اتخذ إلهاً من دون الله تعالى ويدل لذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ «خالفوا المجوس» وقوله في حديث ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ المجوس فقال: إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم. وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في فتح الباري والله أعلم. وقد كان لشعر اللحية أعظم قدر عند السلف الصالح من هذه الأمة فكانوا يحافظون على إعفائها وإكرامها وذلك لكمال رجولتهم وبعدهم عن مشابهة النساء ومن يحذو حذوهن من المخنثين، ولأن إعفائها كان من هدي نبيهم ﷺ وهدي الأنبياء والمرسلين قبله.

стр. 46

وهم كانوا أتبع من غيرهم من الأمم لهدي الأنبياء والمرسلين إذا كان ذلك موافقاً للشريعة المحمدية. ولم تزل اللحية ذات قدر رفيع عند أتباع السنة من الخاصة والعامة إلى زماننا حتى عند الجفاة من الأعراب فقد رأيناهم يكرمون اللحى ويوفرونها ولا يرضون أن يمسها أحد بسوء وقد رأيت مرة أعرابياً عند بعض القضاة يخاصم رجلاً نتف من لحيته شعرات ورأيته يتغيظ كثيراً من إقدام خصمه على النتف من لحيته وبلغني عن غيره مثل ذلك، وأبلغ من هذا أن قيناً من قيونهم كان ضعيف العقل وكان ذا لحية طويلة فجاء رجل منهم فمزح عليه وجز بعض لحيته فلما علم أخو القين بذلك أخذ سكيناً فضرب بها أنف الرجل يريد جدعه ثم هرب واستجار ببعض رؤساء القبيلة فأجاره وقام على مجلس فيه كبير القوم فأعلمهم بإجارته للقين فسأله أهل المجلس ما ذنب المضروب الأنف فأخبرهم أنه قد جز بعض لحية القين فقالوا: إن جزاءه لأعظم من خطم الأنف وأن الذي يتعرض لجز اللحية ينبغي أن يقتل. ومن أمثال العامة قولهم هو أعز من شعر اللحية، وإذا اجتهد أحدهم في التأكيد على نفسه قال: هو محلوق اللحية إن لم يفعل كذا وكذا، وربما قال بعضهم هو منتوف اللحية إن لم يفعل كذا وكذا. ومرادهم بهذا المثل أنه كما يكون محلوق اللحية أو منتوفها في غاية الذل والهوان والخزي بين الناس فكذلك تكون حال

стр. 47

هذا الذي يؤكد على نفسه بضرب هذا المثل ثم لا يفعل ما يقول. وكثيراً ما يقبض بعضهم على لحيته إذا أراد التأكيد على نفسه في نفي شيء أو إثباته ثم يقول لمن يخاطبه احلق هذه أو انتف هذه إن كان كذا وكذا أو إن لم يكن كذا وكذا وإنما يقولون هذا مبالغة في تعظيم حلق اللحية ونتفها. ولو قيل لأحدهم يا محلوق اللحية أو يا منتوف اللحية لغضب وبادر إلى عقوبة قائل ذلك لأنه من أبلغ السباب عندهم وإن كف عنه وسكت سكت على غيظ وحنق. ومما يذكر عن العرب أنهم يقولون للرجل المعيب المتهم قد برقع لحيته أي غطاها، قال ابن منظور في لسان العرب يقال للرجل المأبون قد برقع لحيته ومعناه: تزيا بزي من لبس البرقع ومنه قول الشاعر: ألم تر قيساً قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل والمأبون هو من رمى بخلة من خلال السوء قاله ابن الأثير وغيره من أهل اللغة. وإذا كانت العرب تعيب وتذم ببرقعة اللحية فكيف بحلقها ونتفها فهاتان الخلتان أولى أن يذم بهما لأنهما أقرب إلى مشابهة النساء والتزيي بزيهن. وقد كان الملوك فيما مضى يحلقون لحية الرجل إذا اشتد غضبهم عليه

стр. 48

وأرادوا المبالغة في إهانته وإخزائه عند الناس ثم انعكس الأمر عند السفهاء فكانوا يستحسنون هذا الخزي ويتولون إخزاء أنفسهم بأيديهم وأموالهم وهذا من مكر الشيطان وتلاعبه بهم فما أشبههم بالذين قال الله تعالى فيهم ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. ومن عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة أن قيس بن سعد بن عبادة ﵄ كان سناطاً ليس في وجهه شعرة وكانت الأنصار تقول لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عن الزبير بن بكار وذكره ابن عبد البر عن غيره، وهذا بعكس ما عليه المفتونون بالتقاليد الإفرنجية في زماننا. فأما الأنصار الذين هم من صفوة هذه الأمة وخيارها فيودون أن يشتروا لسيدهم لحية بأموالهم. وأما الأغمار الذين هم من رذالة هذه الأمة وشرارها فيبذلون من أموالهم لمن يزيل عنهم اللحى أو بعضها، فشتان ما بين هؤلاء وبين أولئك قال الله تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨]. وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير عن عبد الرزاق قال: أخبرني أبي وغير واحد من أشياخنا أن همام بن منبه قعد إلى ابن الزبير في نفر من قريش وكان بنجران رجل من الأبناء يعظمونه

стр. 49

يقال له حبشي ولم تكن له لحية وكان كوسجاً فقال له رجل من القرشيين ممن أنت؟ قال من أهل اليمن فقال ما فعلت عجوزكم - يريد حبشياً - قال عجوزنا أسلمت مع سليمان لله رب العالمين وعجوزكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فبهت الرجل فقال له ابن الزبير: ما تدري من كلمت لما تعرضت لابن منبه. وفي هذه القصة إشارة إلى عظم قدر اللحية عند أوائل هذه الأمة ولهذا وصف الرجل القرشي من لا لحية له من الأبناء بصفة النساء فقال ما فعلت عجوزكم وأقره ابن الزبير والحاضرون عنده على ذلك. ولكن لما كان مراده الغض من حبشي ومن يعظمه من أهل اليمن عدل همام في جوابه إلى ذكر امرأتين ذكرهما الله تعالى في كتابه إحداهما ممدوحة وهي ملكت أهل اليمن التي أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، والأخرى مذمومة وهي من قريش.

стр. 50

(فصلٌ) وقد يظن بعض الناس أن التأديب بحلق اللحى جائز نظراً منهم إلى أن بعض ملوك المسلمين قد فعلوا ذلك وليس الأمر كما يظنون ولا كل ما يفعله الملوك يكون جائزاً وعلى وفق الشريعة المطهرة بل منه ما هو على وفق الشريعة وكثير منه يكون على خلافها ومن ذلك التأديب بحلق اللحى لأنه من المثلة وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة كما في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة. وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود بإسناد جيد عن الهياج بن عمران بن الفصيل أن عمران أبق له غلام فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل فأتيت سمرة بن جندب ﵁ فسألته فقال: كان نبي الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فأتيت عمران بن حصين ﵄ فسألته فقال كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير مختصراً، وفي مستدرك الحاكم عن الحسن عن عمران بن حصين ﵄ قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الطبراني من حديث ابن عمر ﵄.

стр. 51

ومن حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن المثلة. وفي صحيح البخاري عن قتادة رحمه الله تعالى قال بلغنا أن النبي ﷺ كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والسنن إلا النسائي من حديث بريدة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال ولا تمثلوا. وفي المسند أيضاً من حديث ابن عباس ﵂ أن رسول الله ﷺ قال ولا تمثلوا. وفي المسند أيضاً وسنن ابن ماجة من حديث صفوان بن عسال ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ولا تمثلوا. وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ولا تمثلوا. صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الطبراني في معجمه الصغير عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ولا تمثلوا. وروى مالك في الموطأ بلاغاً أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية يقول لهم - فذكر الحديث وفيه - ولا تمثلوا. إذا علم هذا فقد نص كثير من الفقهاء على أنه يحرم التعزير بحلق اللحية وعللوا ذلك بأنه مثلة قال في الفروع «ويحرم حلق لحيته»

стр. 52

قال وفي أحكام القاضي له التعزير بحلق رأسه دون لحيته قال وذكر ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية وقال في الإنصاف يحرم التعزير بحلق لحيته، وقال في الإقناع وشرحه ويحرم التعزير بحلق لحيته لما فيه من المثلة. وقال في المنتهى وشرحه ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف وجرح لأنه مثلة، وقال في الروض المربع ويحرم تعزير بحلق لحية انتهى. وإذا كان التعزير بحلق اللحى حراماً فمن أسفه السفه وأقبح الجهل أن يعزر الإنسان نفسه بهذا التعزير القبيح الذي لا يعزر بمثله إلا الملوك الظلمة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وأبلغ من هذا قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. فالممثلون باللحى لهم نصيب من هذه الآية الكريمة فلهم خزي في الدنيا بما صنعوه بأنفسهم من المثلة وتشويه الوجوه وهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبهم على مخالفتهم لأمر الرسول ﷺ والتزيي بزي أعدائه، وإن شاء عفا عنهم. ويستدل بإصرارهم على التمثيل باللحى على أن قلوبهم غير طاهرة من أدران الخبث والنفاق.

стр. 53

ولو طهرت قلوبهم من ذلك لتابوا وأنابوا إلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ونزعوا عن المثلة القبيحة والتشبه بأعداء الله وتمسكوا بهدي رسول الله ﷺ . (فصلٌ) وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى في باب الديات إن في كل واحد من الشعور الأربعة الدية وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين وأهداب العينين. وذكر ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نص على ذلك، قال المرداوي وعليه الأصحاب انتهى. وهذا قول أبي حنيفة والثوري وعلل الفقهاء ذلك بأن في إذهابها إذهاباً للجمال على الكمال، قالوا وإن بقي من لحيته أو غيرها ما لا جمال فيه فالدية وقيل بقسطه وقيل حكومة وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواية أخرى أن في إذهاب الشعر حكومة لأنه إتلاف جمال من غير منفعة وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن شعر اللحية من الجمال الظاهر واتفقوا على أنه يجب في إذهابه شيء من المال وإنما اختلفوا

стр. 54

هل تجب فيه الدية كاملة أو أن فيه حكومة. وقد انعكس الأمر عند المتشبهين بالمجوس وطوائف الإفرنج وأشباههم من المشركين فصاروا يبذلون من أموالهم لمن يحلق لحاهم ويزيل عنهم الجمال الظاهر والبهاء الذي تشهد به العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويجلب إليهم بدل ذلك قبحاً في الوجوه وتشويهاً لها فبئس للظالمين بدلا. ولما كانت اللحية من جمال الوجه الذي هو أشرف شيء في ظاهر البدن كان العرب يعبرون عنها باسم الوجه فيقولون في الغلام إذا نبتت لحيته طلع وجهه. وروي في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلاً مغطياً لحيته في الصلاة فقال اكشفها فإن اللحية من الوجه. ذكره الموفق في المغني وصاحب الشرح الكبير وابن كثير في تفسيره.

стр. 55

(فصلٌ) فإن قيل إن اللحية هي ما تحت الفم من العنفقة والذقن الذي هو مجتمع اللحيين وأما العارضان فليسا من اللحية، قيل هذا قول طائفة من الممثلين بالشعر وهم الذين يحلقون لحاهم ويتركون من أصول الشعر قليلاً في مجتمع اللحيين فيصيرون بذلك بين صفة الرجال وصفة النساء، وليس لهم على هذه المثلة القبيحة حجة لا من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ﷺ ولا من لغة العرب. وقد تقدم في صفة النبي ﷺ إن لحيته كانت من هذه إلى هذه وقد ملأت نحره، وهذا كاف في إبطال قول من زعم أن اللحية مجمع اللحيين فقط. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة ثم ساق في الباب أحاديث منها حديث أبي معمر قال: قلنا لخباب أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر قال: نعم! فقلنا بم كنتم تعرفون ذاك قال باضطراب لحيته، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم. ويستفاد من هذا الحديث أن العارضين من اللحية لأن المأموم إذا رفع بصره إلى الإمام في الصلاة فإنما يرى منه عارضيه فقط وأما ما على الذقن فمستور عنه بالعنق.

стр. 56

وقد نص أهل اللغة على أن العارضين من اللحية قال ابن سيده اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن نقله عنه ابن منظور في لسان العرب وأقره وكذا قال صاحب القاموس والحافظ بن حجر في فتح الباري أن اللحية اسم لما نبت على الخدين والذقن. وتقدم قول الهروي والزمخشري وابن الأثير وابن منظور أن من التمثيل المذموم فاعله حلق الشعر من الخدود أو نتفه أو تغييره بالسواد. وقال الجوهري وابن منظور اللحي منبت اللحية من الإنسان وهما لحيان وكذا قال صاحب القاموس اللحي منبتها وهما لحيان. قلت وأعلى كل منهما ينتهي إلى العظم الناتئ سمت صماخ الأذن وما فوق ذلك فهو الصدغ وهو من الرأس قال ابن منظور في لسان العرب الصدغ ما انحدر من الرأس إلى مركب اللحيين انتهى. والشعر النابت على العظم الناتئ وما نزل عنه قليلاً يسمى العذار وهو من اللحية. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني العذار هو الشعر الذي على العظم الناتئ الذي هو سمت صماخ الأذن وما انحط عنه إلى وتد الأذن. وقال ابن منظور في لسان العرب العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان قال والعذاران جانبا اللحية لأن ذلك موضع العذار من الدابة. قال رؤبه. حتى رأين الشيب ذا التلهوق ... يغشى عذاري لحيتي ويرتقي

стр. 57

وعذار الرجل شعره النابت في موضع العذار. والعذار استواء شعر الغلام يقال ما أحسن عذاره أي خط لحيته. وقال صاحب القاموس العذاران جانبا اللحية. وقال الخرقي في مختصره في صفة الوضوء منه. وغسل الوجه وهو من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن إلى أصول الأذنين ويتعاهد المفصل وهو ما بين اللحية والأذن. وقال في الشرح الكبير ويستحب تعاهد المفصل بالغسل وهو ما بين اللحية والأذن نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني عن المروذي أنه قال أراني أبو عبد الله ما بين أذنه وصدغه وقال هذا موضع ينبغي أن يتعاهد قال الشيخ وهذا الموضع مفصل اللحي من الوجه فلذلك سماه الخرقي مفصلاً. قال الشيخ وقال مالك ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه ولا يجب غسله لأن الوجه ما تحصل به المواجهة وهذا لا يواجه به قال الشيخ ولنا على مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له فكان منه في حق من له لحية كسائر الوجه وقوله أن الوجه ما تحصل به المواجهة قلنا وهذا تحصل به المواجهة في الغلام انتهى. وقد تحصل من كلام هؤلاء الأئمة مالك وأحمد والخرقي والموفق وابن أبي عمر أن أعلا اللحية يحاذي بعض الأذن وذلك هو العذار الذي صرح ابن منظور وصاحب القاموس أنه جانب

стр. 58

اللحية أي طرفها. وصرح بذلك رؤبة بن العجاج في رجزه وهو من فصحاء العرب. وقد صرح بذلك ابن عمر ﵄ فيما حكاه عنه الشيخ أبو محمد المقدسي في كتاب المغني وهو ظاهر ما حكاه أيضاً. عن عطاء. قال الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى في كتاب الحج منه. ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه وكان ابن عمر ﵄ يقول للحالق أبلغ العظمين أفصل الرأس من اللحية. وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق رأسه أن يبلغ العظمين انتهى. وفي كلام ابن عمر ﵄ أوضح البيان في تحديد طرفي اللحية وأن العذارين منها فضلاً عن العارضين. وقد صرح أبو زيد الأنصاري وهو من أئمة أهل اللغة بنحو ما صرح به ابن عمر ﵄ قال ابن منظور في لسان العرب وقال أبو زيد الصدغان هما موصل ما بين اللحية والرأس انتهى والصدغ هو ما بين العين والأذن قاله الجوهري وغيره من أئمة اللغة. وأما العارض فهو ما تحت العذار من الشعر النابت على الخد واللحي. قال الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في المغني العارض هو ما نزل عن حد العذار وهو الشعر الذي على اللحيين قال الأصمعي والمفضل بن سلمة ما جاوز وتد الأذن عارض.

стр. 59

وقال ابن الأثير العارض من اللحية ما ينبت على عرضي اللحية فوق الذقن وقيل عارضا الإنسان صفحتا خديه. وقال ابن منظور العارض الحد يقال أخذ الشعر من عارضيه قال والعارضان شقا الفم وقيل جانبا اللحية انتهى. والذقن هو الشعر الذي على مجتمع اللحيين حكاه الشيخ أبو محمد المقدسي عن الأصمعي والمفضل بن سلمة وكذا قال الجوهري في الصحاح ذقن الإنسان مجتمع لحيته. وقال ابن سيده وصاحب القاموس الذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما. قلت فاللحية التامة تجمع ستة أشياء عذارين وعارضين وذقناً وعنفقة وهي ما تحت الشفة السفلى من الشعر وهذه الأشياء الستة يجب إعفاؤها لقول النبي ﷺ اعفوا اللحى. ولا يجوز التمثيل بها بحلق أو نتف أو قص لأن ذلك من فعل المشركين وقد نهينا عن التشبه بهم. ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً. من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق. رواه الطبراني.

стр. 60

(فصلٌ) وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى ويحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى يحرم حلق اللحية. وتقدم قوله أن التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع وتقدم أيضاً قول ابن عقيل أن النهي عن التشبه بالعجم للتحريم قلت وعلى هذا فحلق اللحى وإعفاء الشوارب من جملة المحرمات المنهي عنها بالإجماع لما فيها من التشبه بالكفار والله أعلم. (فصلٌ) وقد اختلف العلماء في أخذ اليسير من طول اللحية وعرضها إذا عظمت فأجاز ذلك طائفة واستدلوا عليه بما رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. وبما رواه مالك والبخاري من حديث نافع قال كان ابن عمر ﵄ إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه

стр. 61

ومنع من ذلك آخرون لأنه خلاف أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى قال النووي المختار ترك اللحية على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً قلت وهذا القول هو الصحيح لأن الأمر بإعفاء اللحى عام محفوظ لم يثبت عن النبي ﷺ ما يخصصه. فأما حديث عمرو بن شعيب فضعيف جداً لا يصلح للاستئناس به فضلاً عن الاحتجاج به لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي قال الذهبي أجمعوا على ضعفه. وقال الحافظ ابن حجر ضعف عمر بن هارون مطلقاً جماعة. قلت وقال النسائي متروك وكذا قال الحافظ بن حجر في موضع آخر أنه متروك وقال الذهبي في موضع آخر كذبه ابن معين وتركه الجماعة. قلت وكذبه أيضاً صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة وقال ابن حبان يروي عن الثقات المعضلات ثم أورد له هذا الخبر وقال ابن الجوزي حديث لا يثبت والمتهم به عمر بن هارون البلخي قال العقيلي لا يعرف إلا به. وذكر الترمذي عن البخاري أنه قال لا أعرف لعمر بن هارون حديثاً ليس له أصل أو قال يتفرد به إلا هذا الحديث كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضه وطولها ولا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون. وبما ذكرته عن هؤلاء الأئمة يعرف أن هذا الحديث ليس بشيء وفي إسناده أيضاً أسامة بن زيد الليثي ضعفه القطان وقال أحمد

стр. 62

ليس بشيء وقال النسائي ليس بالقوي. وهذا مما يزيد الحديث وهناً على وهنه. وأما حديث ابن عمر ﵄ فإسناده من أصح الأسانيد. والجواب عنه من وجهين أحدهما أن رأي ابن عمر ﵄ في أخذ ما زاد على القبضة معارض بروايته عن النبي ﷺ أنه أمر بإعفاء اللحى وإذا تعارض رأي الصحابي وروايته فالحجة فيما روى لا فيما رأى. وقد تقدم تفسير الإعفاء وأن معناه ترك اللحية على حالها موفرة لا يؤخذ منها شيء. الوجه الثاني أن قول الصحابي حجة عند بعض العلماء كالإمام أحمد رحمه الله تعالى ما لم يخالفه غيره من الصحابة فإن خالفه غيره فليس بحجة عند جميع العلماء. وإذا بطل الاحتجاج بقول الصحابي من أجل مخالفة غيره له فكيف إذا خالف قول أحدهم حديثاً ثابتاً عن النبي ﷺ فهذا القول المخالف لما ثبت عن النبي ﷺ لا يجوز لمسلم أن يعمل به بل الواجب رده على قائله كائناً من كان لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب. قال الإمام الشافعي رحمه

стр. 63

الله تعالى: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وروى الدارمي في سننه عن الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن لا رأي لأحد في كتاب وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ . وقال أبو محمد بن حزم لا يحل ترك ما جاء في القرآن وصح عن رسول الله ﷺ لقول صاحب أو غيره سواء كان هو راوي ذلك الحديث أو لم يكن. وقال أبو محمد أيضاً ومن ترك القرآن أو ما صح عن رسول الله ﷺ لقول صاحب أو غيره سواء كان راوي ذلك الخبر أو غيره فقد ترك ما أمره الله تعالى باتباعه لقول من لم يأمره الله تعالى قط بطاعته ولا باتباعه وهذا خلاف لأمر الله تعالى.

стр. 64

(فصلٌ) إذا علم ما ذكرنا فللممثلين باللحى شبه يوردونها يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره وأنا أذكر ههنا ما بلغني من شبههم وأكشفها بالحق إن شاء الله تعالى. الشبهة الأولى قولهم أن إعفاء اللحى ربما جمع بعض جراثيم الأمراض المضرة بالبدن وفي حلق اللحى أمان من تلك الجراثيم والجواب أن يقال إن هذه الشبهة من دسائس أعداء الله تعالى وكأنها متلقاة من الإفرنج وأشباههم من أولياء الشيطان وجنوده. ومقصودهم بها إغراء جهال المسلمين على معصية نبيهم ﷺ ومخالفة هديه الذي هو خير الهدي. ولو طمع أعداء الله أن يجيبهم المسلمون إلى الكفر لأمروهم به وحسنوه لهم قال الله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء: فأعداء الله تعالى حريصون كل الحرص على إغواء المسلمين وإضلالهم مهما أمكنهم ذلك. وإذا يئسوا من المساواة في الكفر قنعوا بالمساواة فيما دون ذلك من الفسوق والعصيان ولاسيما الأفعال التي يكون فيها تشبه بهم واتباع لسننهم. والله المسئول أن يعيذني وإخواني المسلمين من وساوس الشيطان وجنوده ودسائسهم. وقد اغتر بهذه الشبهة كثير من ضعفاء البصيرة وظنوا أن أعداء الله صادقون فيما زعموه وليس الأمر كما يظنون.

стр. 65

ولو كانت هذه الشبهة حقاً لكان أصحاب اللحى أو أكثرهم صرعى بالأمراض ولكان محلقو اللحى ومن في معناهم من النساء والمردان أقل أمراضاً وأصح أجساماً. والواقع شاهد بأنه لا مزية لهؤلاء على هؤلاء وكفى بالواقع برهاناً على بطلان هذه الشبهة. وأيضاً فلو كانت هذه الشبهة حقاً لكان شعر الرأس أحرى باجتماع جراثيم الأمراض فيه وتولدها منه لما يتصاعد إليه من الأبخرة ويجتمع فيه من الأوساخ بخلاف اللحية. وأعداء الله تعالى لا يقولون في شعر الرأس بما يقولونه في شعر اللحية إذ لا غرض لهم في ذلك ولو كان حلق الرأس حراماً كاللحية لم يبعد أن يقول أعداء الله أن تحت كل شعرة منه جرثوماً من جراثيم الأمراض المهلكة. وقد رأيت أعداء الله يوفرون شعر الرأس بعض التوفير ورأيت كثيراً منهم يعالجونه مع ذلك بالأدهان حتى يصير على الزي المسمى عندهم بالتواليت. ورأيت كثيراً من غوغاء المسلمين يتشبهون بهم في هذا الزي القبيح. وهذا الفعل أحرى بتلبد الأوساخ في الرأس واجتماع جراثيم الأمراض فيه. فإن نفى أعداء الله ذلك عن الرأس فاللحية أولى: بهذا النفي وأحرى لنظافتها وسلامتها من الأوساخ بخلاف الرأس. وإن أثبتوا أن في اللحية جراثيم للأمراض فشعر الرأس أولى بما أثبتوه وأحرى لما ذكرناه والله أعلم. الشبهة الثانية قول بعض أعداء السنن أن توفير اللحى يحدث عنه خفة في العقل. والجواب أن يقال لهؤلاء الحمقى بل الأمر

стр. 66

بالعكس والواقع شاهد بأن أن أهل اللحى أوفر عقولاً في الغالب وأكثر وقاراً ورزانة وأعظم مهابة وجلالة من غيرهم وأئمتهم في ذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فهم أعقل الناس على الإطلاق وأكثرهم وقاراً ورزانة وأعظمهم مهابة وجلالة. وهذا مما لا يشك فيه مسلم. وسيد الأنبياء بل سيد بني آدم كلهم محمد ﷺ كان كث اللحية ضخمها عظيمها وكان مع ذلك أعقل الناس وأوقرهم وأرزنهم وأعظمهم عزاً ومهابة وجلالة وكان يشبه أباه إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليهما. فهل يقول أعداء اللحى أن الأنبياء كانوا من أخف الناس عقولاً بسبب توفيرهم اللحى أو يستثنوهم. فإن قالوا بالأول فذلك كفر لا شك فيه لتنقصهم بالأنبياء ومن تنقص نبياً من الأنبياء كفر فكيف بمن تنقصهم كلهم. وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك كما سيأتي ذكره قريباً إن شاء الله تعالى. وإن قالوا باستثناء الأنبياء طولبوا بالفرق بينهم وبين أتباعهم ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ من أعقل الناس وأوقرهم وأرزنهم وأعظمهم عزاً ومهابة وجلالة بعد الأنبياء وكانوا مع ذلك يوفرون لحاهم. وكذلك كان التابعون لهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ومن ادعى في الصحابة والتابعين

стр. 67

وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا خلاف ذلك فهو من المفترين المغموصين بالنفاق. وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد ابن المسيب يقول كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا قال الرب ﵎ وقار يا إبراهيم قال رب زدني وقاراً. وكل ذي شيبة من المؤمنين أتباع ملة إبراهيم له نصيب من هذا الوقار الذي ابتدئ به إمام الحنفاء ولاحظ في ذلك لمحلقي اللحى المتشبهين بالمجوس والنساء والمردان. وربما اعترف بعض محلقي اللحى بأن الوقار والرزانة من صفات ذوي اللحى وأن محلقي اللحى أولى بخفة العقل كالصبيان وقد ذكر عن بعضهم أنه عوتب في حلق لحيته فقال إنا نحتاج إلى الركض في الأسواق في بعض الأحيان وذلك لا يليق بذي لحية وإذا حلقناها لم يستنكر الناس ركضنا في الأسواق ولم يعيبوا ذلك علينا كما لا يعيبون مثل ذلك على الصبيان. وهذا الذي صرح به هذا القائل يصدقه فيه كل عاقل وعقلاء محلقي اللحى يعلمون ذلك وإن كتموه دفعاً للشنعة عنهم وقد رأينا أهل اللحى في سائر طبقات الناس أرجح عقولاً من غيرهم وأفضل منهم في جميع الخصال الحميدة. رأينا ذلك في المنتسبين إلى العلم وفي الأمراء والكتاب وأهل التجارات والصناعات وغيرهم. ومن تأمل أحوال الناس وكان

стр. 68

ذا لبّ لم يخف عليه هذا. وقد صار إعفاء اللحى من سيما أهل الصلاح والتقى في زماننا فلا تجد ذا صلاح وتقى إلا من أهل اللحى وكفى بهذا شرفاً لأهل اللحى. وأما التمثيل باللحى فقد صار من سيما أهل الفسوق والعصيان ولهذا تجد فيهم من التهاون بالواجبات وانتهاك المحرمات ما لا تجده في أهل اللحى وكفى بهذا نقصاً وخزياً لمحلقي اللحى. الشبهة الثالثة أن بعض الحمقى إذا نهي عن التمثيل بلحيته وقيل له إن التمثيل بها لا يجوز لأنه من فعل المجوس وأشباههم من المشركين وقد أمر النبي ﷺ بمخالفتهم في ذلك ونهى عن التشبه بهم. فجواب الأحمق أن يقول إن أطول الناس لحى البانيان وأشباههم من المشركين. وتقرير قول الأحمق أن عباد البقر وبعض أصناف المشركين من غيرهم يبالغون في إعفاء لحاهم فيكون المسلم المعفي للحيته متشبهاً بهم كما أن الممثل بلحيته متشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين فيتقابل الفريقان المعفون والممثلون. والجواب عن هذه الشبهة من وجوه أحدها أن يقال أن مشروعية إعفاء اللحى ثابتة بالنصوص الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ وما كان مشروعاً للمسلمين ففعل المشركين له لا يضر المسلمين شيئاً ولا يكون ذلك من المشابهة المذمومة.

стр. 69

يوضح ذلك الوجه الثاني وهو الإيراد على المسلمين بأفعال المشركين يقتضي القدح في كثير من شرائع الإسلام ويستلزم إبطالها. والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع هذا الموضع لبسطها. فمن ذلك الختان فإنه مشروع للمسلمين وقد كان اليهود ومشركو العرب يختتنون ولم يكن على المسلمين من فعلهم ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يعتكفون في المسجد الحرام كما قال عمر ﵁ يا رسول الله إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي ﷺ أوف بنذرك متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄. وقد شرع الله للمسلمين الاعتكاف في المساجد ولم يكن عليهم بأس من اعتكاف المشركين. ومن ذلك أن المشركين كانوا يحجون فيطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة ويقفون بالمشاعر ويهدون الهدي ويفعلون كثيراً مما يفعله المسلمون في الحج ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يجعلون الدية مائة من الإبل وقد جاء الإسلام بتقرير ذلك ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. ومن ذلك أن المشركين كانوا يحكمون بالقسامة وقد جاء الإسلام بتقرير ذلك ولم يكن على المسلمين من ذلك بأس. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة. أفيقال أنه لا يجوز للمسلمين إعفاء اللحى ولا الختان ولا الاعتكاف في المساجد ولا الطواف بالبيت ولا السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف

стр. 70

بالمشاعر ولا غير ذلك مما ذكرنا ومما لم نذكره من أجل أن المشركين كانوا يفعلون مثل ذلك. هذا لا يقوله مسلم. الوجه الثالث أن إعفاء اللحى من خصال الفطرة التي فطر الله الناس عليها كما تقدم النص على ذلك في حديث عائشة ﵂ وأما التمثيل باللحى فهو محدث وضلالة زينها الشيطان للمجوس ولمن تابعهم وتشبه بهم يريد عدو الله بذلك إفساد الفطرة وتغيير خلق الله كما أخبر الله عنه أنه قال ولآمرنهم فليغيرن خلق الله. وعلى هذا فمن كان من المسلمين متمسكاً بهذه الخصلة من خصال الفطرة فهو محمود على لزومه للسنة والفطرة ولا يضره كون بعض الكفار محافظين على لزوم هذه الخصلة من خصال الفطرة فإن مشابهتهم في مثل هذا غير مذمومة وإنما المذموم التشبه بالكفار المخالفين للفطرة المغيرين خلق الله. الوجه الرابع أن يقال أن الكفار المعفين للحاهم هم المتشبهون بالمسلمين في الحقيقة إما قصداً وإما اتفاقاً. ومن تشبه بالمسلمين في شيء من هدي الإسلام فهو أقرب إلى موافقة المسلمين وأحسن حالاً ممن خالفهم ورغب عن هدي الإسلام. الوجه الخامس أن المرجع في جميع الأحكام إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما الميزان العدل الذي توزن به أقوال الناس وأفعالهم فما وافقهما فهو حق مقبول ممن جاء به سواء كان

стр. 71

مسلماً أو كافراً وما خالفهما فهو باطل مردود من صاحبه كائناً من كان. وإذا عرضنا إعفاء اللحى على الكتاب والسنة وجدنا ذلك حقاً ثابتاً موافقاً للكتاب والسنة. فمن فعله من المسلمين يبتغي بذلك وجه الله تعالى ويتحرى متابعة السنة فهو مأجور إن شاء الله تعالى ومحمود من وجهين أحدهما متابعته للسنة وتمسكه بالفطرة. ثانيهما مخالفته لهدي المجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين الذين جنوا على الفطرة وغيروا خلق الله . ومن فعل ذلك من الكفار فقد تمسك بخصلة من خصال الفطرة ومن تمسك منهم بشيء من الفطرة فهو أحسن حالاً ممن خالفها منهم. وإذا عرضنا التمثيل باللحى على الكتاب والسنة وجدناه باطلاً مخالفاً للكتاب والسنة فمن فعله من الكفار فهو مذموم من ثلاثة أوجه أحدها جنايته على الفطرة. ثانيهما تغييره خلق الله. ثالثهما مخالفته للمسلمين. ومن فعله من المسلمين فهو جدير بالعقوبة ومذموم من أربعة أوجه أحدها جنايته على الفطرة. ثانيها تغييره خلق الله . ثالثها مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه ورغبته عما أرشد إليه أمته من هدي الإسلام الفاضل الكامل. رابعها مشابهته لأعداء الله تعالى فيما ابتدعوه من المثلة القبيحة. وبما ذكرته في هذا الفصل يتضح بطلان ما يورده الحمقى الذين لا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.

стр. 72

(فصلٌ) وقد آل الأمر ببعض الحمقى إلى الاستهزاء بالذي يعفون لحاهم حتى أنهم من سوء جراءتهم وشدة بغضهم وعداوتهم لهدي رسول الله ﷺ في شعر الوجه ليسمون اللحى الموفرة مكانس البلدية - أي الجماعة القائمين بتنظيف البلدان وكنس قمامتها - وهذا الصنيع من الحمقى أعظم من تمثيلهم باللحى بكثير لاشتماله على أنواع من المحرمات ومن أعظمها وأشدها خطراً سبعة أشياء: أحدها أذية خيار المسلمين بالسخرية مهم والازدراء بهم وذلك إثم وفسق قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية من لقب أخاه وسخر به فهو فاسق. وذكر البغوي نحو ذلك في تفسيره. الثاني مشابهة قوم لوط في عيب البرءآء بغير عيب. قال الله تعالى مخبراً عن قوم لوط: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].

стр. 73

قال قتادة عابوهم بغير عيب. يعني أنهم عابوهم بالتطهر من الفاحشة وليس ذلك بعيب لآل لوط وإنما تبجيل لهم في الحقيقة ومدح وثناء عليهم بالتخلق بخلق من أفضل الأخلاق وأكرمها وأحسنها إلى الله تعالى. قال الله تعالى ﴿والله يحب المطهرين﴾. والذين يعيبون أهل اللحى ويعيرونهم بها إنما يعيبونهم ويعيرونهم في الحقيقة بامتثال أمر رسول الله ﷺ واجتناب نهيه واتباع هديه الفاضل الكامل وليس ذلك بعيب لأهل اللحى وإنما هو مدح وثناء عليهم بلزوم الفطرة والتمسك بالسنة. والعيب راجع على من عابهم. ومن عاب أحد بشيء مما يمدح به فالعائب هو المعيب في الحقيقة ولا يعيب بالممدوح إلا من هو ناقص العقل أو منكوس القلب. الثالث الاستهزاء بسنة من سنن النبي ﷺ وسنن الأنبياء والمرسلين قبله. وقد أطلق جمع من العلماء القول بردة من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو رد سنة من السنن الثابتة عنه قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في نواقض الإسلام. السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، وذكر جمع من أئمة الشافعية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعده أو وعيده فإنه يكفر.

стр. 74

وذكر بعض أئمة الحنفية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو أمر من أوامره أو وعيده أو وعده أو أنكرهما أنه يكفر إجماعاً سواء فعله عمدا أو هزلاً ويقتل إن أصر على ذلك وإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل. وذكر ابن حجر الهيتمي أن من استخف بالرسول ﷺ أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرّض بذلك أو شبهه بشيء على طريق الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه أنه يكفر إجماعاً. قال أو سخر باسم الله تعالى أو نبيه أو بأمره أو نهيه أو وعده أو وعيده. يعني أنه يكفر. ومن المعلوم أن إعفاء اللحى مما أمر الله به على لسان رسوله محمد ﷺ قال الله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، الآية. فمن سخر من إعفاء اللحى وهو ممن لا يخفى عليه الأمر بإعفائها فلا يبعد القول بردته. وقد ذكر جمع من أئمة الشافعية أنه لو قيل لأحد قلّم أظافرك فإنه سنة رسول الله ﷺ فقال لا أفعل وإن كان سنة أنه يكفر. قال النووي والمختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء انتهى.

стр. 75

والمستهزئ بإعفاء اللحى مثل المستهزئ بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأن كلاً من هذه الأفعال سنة ثابتة عن النبي ﷺ . ويتجه أن يقال أن الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من الاستهزاء بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأنه قد جاء في إعفاء اللحى من الأمر بمخالفة المشركين والنهي عن التشبه بهم ما لم يجئ مثله في تقليم الأظافر ولعق الأصابع فيكون الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من هذه الحيثية ويكون المستهزئ بإعفائها أولى بالتكفير من المستهزئ بتقليم الأظفار ولعق الأصابع والله أعلم. الرابع بغض سنة من سنن النبي ﷺ الثابتة عنه من فعله وأمره فإن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها فرع عن بغضها وبغض ما أمر به النبي ﷺ من إعفائها ودليل ظاهر على ذلك وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على تكفير من أبغض الرسول ﷺ أو أبغض ما جاء به. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في نواقض الإسلام من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر. الخامس مشاقة الرسول ﷺ ومعارضة أمره وذلك أن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها وعيب أهلها وتعييرهم بها من أعظم ما ينفر الناس عن امتثال أمر رسول الله ﷺ بإعفائها
следующие страницы →