← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17334

دلائل الأثر على تحريم التمثيل بالشعر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مسلماً أو كافراً وما خالفهما فهو باطل مردود من صاحبه كائناً من كان. وإذا عرضنا إعفاء اللحى على الكتاب والسنة وجدنا ذلك حقاً ثابتاً موافقاً للكتاب والسنة. فمن فعله من المسلمين يبتغي بذلك وجه الله تعالى ويتحرى متابعة السنة فهو مأجور إن شاء الله تعالى ومحمود من وجهين أحدهما متابعته للسنة وتمسكه بالفطرة. ثانيهما مخالفته لهدي المجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين الذين جنوا على الفطرة وغيروا خلق الله . ومن فعل ذلك من الكفار فقد تمسك بخصلة من خصال الفطرة ومن تمسك منهم بشيء من الفطرة فهو أحسن حالاً ممن خالفها منهم. وإذا عرضنا التمثيل باللحى على الكتاب والسنة وجدناه باطلاً مخالفاً للكتاب والسنة فمن فعله من الكفار فهو مذموم من ثلاثة أوجه أحدها جنايته على الفطرة. ثانيهما تغييره خلق الله. ثالثهما مخالفته للمسلمين. ومن فعله من المسلمين فهو جدير بالعقوبة ومذموم من أربعة أوجه أحدها جنايته على الفطرة. ثانيها تغييره خلق الله . ثالثها مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه ورغبته عما أرشد إليه أمته من هدي الإسلام الفاضل الكامل. رابعها مشابهته لأعداء الله تعالى فيما ابتدعوه من المثلة القبيحة. وبما ذكرته في هذا الفصل يتضح بطلان ما يورده الحمقى الذين لا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.

стр. 72

(فصلٌ) وقد آل الأمر ببعض الحمقى إلى الاستهزاء بالذي يعفون لحاهم حتى أنهم من سوء جراءتهم وشدة بغضهم وعداوتهم لهدي رسول الله ﷺ في شعر الوجه ليسمون اللحى الموفرة مكانس البلدية - أي الجماعة القائمين بتنظيف البلدان وكنس قمامتها - وهذا الصنيع من الحمقى أعظم من تمثيلهم باللحى بكثير لاشتماله على أنواع من المحرمات ومن أعظمها وأشدها خطراً سبعة أشياء: أحدها أذية خيار المسلمين بالسخرية مهم والازدراء بهم وذلك إثم وفسق قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية من لقب أخاه وسخر به فهو فاسق. وذكر البغوي نحو ذلك في تفسيره. الثاني مشابهة قوم لوط في عيب البرءآء بغير عيب. قال الله تعالى مخبراً عن قوم لوط: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].

стр. 73

قال قتادة عابوهم بغير عيب. يعني أنهم عابوهم بالتطهر من الفاحشة وليس ذلك بعيب لآل لوط وإنما تبجيل لهم في الحقيقة ومدح وثناء عليهم بالتخلق بخلق من أفضل الأخلاق وأكرمها وأحسنها إلى الله تعالى. قال الله تعالى ﴿والله يحب المطهرين﴾. والذين يعيبون أهل اللحى ويعيرونهم بها إنما يعيبونهم ويعيرونهم في الحقيقة بامتثال أمر رسول الله ﷺ واجتناب نهيه واتباع هديه الفاضل الكامل وليس ذلك بعيب لأهل اللحى وإنما هو مدح وثناء عليهم بلزوم الفطرة والتمسك بالسنة. والعيب راجع على من عابهم. ومن عاب أحد بشيء مما يمدح به فالعائب هو المعيب في الحقيقة ولا يعيب بالممدوح إلا من هو ناقص العقل أو منكوس القلب. الثالث الاستهزاء بسنة من سنن النبي ﷺ وسنن الأنبياء والمرسلين قبله. وقد أطلق جمع من العلماء القول بردة من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو رد سنة من السنن الثابتة عنه قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في نواقض الإسلام. السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، وذكر جمع من أئمة الشافعية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعده أو وعيده فإنه يكفر.

стр. 74

وذكر بعض أئمة الحنفية أن من سخر باسم من أسماء الله تعالى أو أمر من أوامره أو وعيده أو وعده أو أنكرهما أنه يكفر إجماعاً سواء فعله عمدا أو هزلاً ويقتل إن أصر على ذلك وإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل. وذكر ابن حجر الهيتمي أن من استخف بالرسول ﷺ أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرّض بذلك أو شبهه بشيء على طريق الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه أنه يكفر إجماعاً. قال أو سخر باسم الله تعالى أو نبيه أو بأمره أو نهيه أو وعده أو وعيده. يعني أنه يكفر. ومن المعلوم أن إعفاء اللحى مما أمر الله به على لسان رسوله محمد ﷺ قال الله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، الآية. فمن سخر من إعفاء اللحى وهو ممن لا يخفى عليه الأمر بإعفائها فلا يبعد القول بردته. وقد ذكر جمع من أئمة الشافعية أنه لو قيل لأحد قلّم أظافرك فإنه سنة رسول الله ﷺ فقال لا أفعل وإن كان سنة أنه يكفر. قال النووي والمختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء انتهى.

стр. 75

والمستهزئ بإعفاء اللحى مثل المستهزئ بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأن كلاً من هذه الأفعال سنة ثابتة عن النبي ﷺ . ويتجه أن يقال أن الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من الاستهزاء بتقليم الأظافر ولعق الأصابع لأنه قد جاء في إعفاء اللحى من الأمر بمخالفة المشركين والنهي عن التشبه بهم ما لم يجئ مثله في تقليم الأظافر ولعق الأصابع فيكون الاستهزاء بإعفاء اللحى أشد من هذه الحيثية ويكون المستهزئ بإعفائها أولى بالتكفير من المستهزئ بتقليم الأظفار ولعق الأصابع والله أعلم. الرابع بغض سنة من سنن النبي ﷺ الثابتة عنه من فعله وأمره فإن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها فرع عن بغضها وبغض ما أمر به النبي ﷺ من إعفائها ودليل ظاهر على ذلك وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على تكفير من أبغض الرسول ﷺ أو أبغض ما جاء به. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في نواقض الإسلام من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر. الخامس مشاقة الرسول ﷺ ومعارضة أمره وذلك أن الاستهزاء باللحى وضرب المثل القبيح لها وعيب أهلها وتعييرهم بها من أعظم ما ينفر الناس عن امتثال أمر رسول الله ﷺ بإعفائها

стр. 76

ومخالفة المشركين ويصدفهم عن الفطرة التي فطر الله عليها رسوله ﷺ وعن اتباع هديه الذي هو خير الهدي وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥]. السادس أن الاستهزاء بالذين يعفون اللحى يستلزم الاستهزاء بالنبي ﷺ لكونه إمام المعفين وقدوتهم وهم إنما أعفوا لحاهم امتثالاً لأمره واتباعاً لهديه صلوات الله وسلامه عليه. والاستهزاء بالنبي ﷺ كفر لا شك فيه قال الله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. السابع ما يتضمنه مثلهم القبيح وما يلزم عليه في حق النبي ﷺ وحق غيره الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فيقال للحمقى ما تقولون في لحية النبي ﷺ التي قد ثبت أنها كانت كثة ضخمة عظيمة وفي لحية إبراهيم خليل الرحمن وغيرهما من الأنبياء هل هي داخل فيما ضربتموه من المثل للحى أم لا؟ فإن قالوا بدخولها فذلك كفر صريح لما فيه من التنقص بالأنبياء والغض منهم. وإن لم يقولوا بدخولها طولبوا بالفرق بين المتبوعين والأتباع ولن يجدوا إلى الفرق سبيلاً أبداً. فليحذر المسلم الناصح لنفسه من معرة لسانه فإن إطلاق اللسان كثيراً ما يورد الإنسان موارد العطب فربما قتل الإنسان

стр. 77

بسبب لسانه وربما أدخل النار بسبب لسانه كما في حديث معاذ ابن جبل ﵁ قال قلت يا رسول الله وأنا لمؤاخذون بما نتكلم به. فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود وقال الترمذي هذا حديث حسن. ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. وفي رواية لأحمد والترمذي وابن ماجه أن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها باساً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً. هذا لفظ ابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وفي رواية أخرى لأحمد والبخاري إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم. ورواه مالك في الموطأ بنحوه. وفي الموطأ أيضاً والمسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه عن بلال بن الحارث المزني

стр. 78

رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه». قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وزاد أحمد وابن ماجه والحاكم فكان علقمة - وهو ابن وقاص الليثي راويه عن بلال بن الحارث - يقول كم من كلام قد منعنيه حديث بن بلال بن الحارث. قال القاضي عياض في الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون. أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن لم يعتقد ذلك. وقال ابن عبد السلام هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها قال فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه. قلت وإذا تكلم بما يعرف قبحه كما يفعله كثير من أهل المجون فذلك أشد. وقال النووي فيه حث على حفظ اللسان قال وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه فإن ظهرت مصلحة تكلم وإلا أمسك. قلت ومن

стр. 79

أشد الكلام خطراً وأسوأه عاقبة ما تضمن السخرية بشيء من أسماء الله تعالى أو صفاته أو أفعاله أو أمره أو نهيه أو وعده أو وعيده. وما تضمن الاستخفاف بحق النبوة والشريعة. ومن هذا الباب السخرية من إعفاء اللحى لأن إعفائها مما جاءت به الشريعة المطهرة. فمن سخر من إعفائها فإنما هو في الحقيقة ساخر من سنة من سنن النبي ﷺ فما يؤمنه أن يزل بهذه السخرية في نار جهنم أبعد مما بين المشرق والمغرب وأن يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه.

стр. 80

(فصلٌ) ومما ينبغي التنبيه عليه والنهي عنه ما يفعله بعض السفهاء من المعلمين والمتعلمين في بعض محافلهم التي هي محافل السخف والرعونة في الحقيقة وذلك أنهم يأخذون قطعة من جلد ضأن أو معز عليها صوفها فيضعونها على ذقن بعض الصبيان الصغار كأنها لحية ثم يخرجونه على محفلهم ذلك ليضحك الحاضرون منه. وهذا الصنيع منكر من وجوه. أحدها أن إقامة التمثيلات لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه سلم ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث ذلك في زماننا. وقد حث رسول الله ﷺ أمته على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وحذرهم من محدثات الأمور وأخبرهم أن كل بدعة ضلالة. الثاني أن إقامة التمثيلات من التقاليد الإفرنجية وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم رواه الإمام وأبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وجاء عنه ﷺ أنه قال ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.

стр. 81

وجاء عنه ﷺ أنه قال ليس منا من عمل سنة غيرنا رواه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄. وأصل إقامة التمثيلات مأخوذ مما يفعله النصارى في عيد الشعانين فإنهم يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح حين دخل إلى بيت المقدس راكباً أتانًا مع جحشها فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فثار عليه غوغاء الناس وكان اليهود قد وكلوا قوماً معهم عصي يضربونه بها فأورقت تلك العصي وسجد أولئك الغوغاء للمسيح. فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر. ذكر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الثالث أن في إقامة التمثيل باللحية مضاهاة بخلق الله تعالى وقد قال النبي ﷺ «أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة ﵂. وفي رواية لمسلم والنسائي أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله. وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقول الله (ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو فليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة)». الرابع أن في إقامة التمثيل باللحية نوعاً من الاستهزاء بخصلة من خصال الفطرة. وفاعل هذا يخشى عليه أن يمرق من

стр. 82

دين الإسلام وهو لا يشعر قال الله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. وقد تقدم ذكر الإجماع على تكفير من سخر بأمر من أوامر الله تعالى أو استهزأ بشيء من أفعال الرسول ﷺ أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرض بذلك. ولا يخفى على عاقل ما يشتمل عليه إقامة التمثيل باللحية من السخرية بأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بإعفاء اللحى ومن الاستهزاء بفعل رسول الله ﷺ وهديه في إعفاء لحيته. وإن لم يكن الاستهزاء صريحاً في إقامة التمثيل باللحية والضحك منها فالتعريض بذلك حاصل ولا بد. فالواجب على ولاة أمور المسلمين منع السفهاء من هذا المنكر الوخيم وغيره من المنكرات والأخذ على أيديهم وتأديب المعاندين منهم.

стр. 83

(فصلٌ) وقد يعتذر بعض الناس على حلقهم لحاهم بأعذار باطلة يضحك منها السفهاء فضلاً عن العقلاء. فمن ذلك أن بعض أذكياء المدرسين من المستجلبين من مكان بعيد للتعليم في الجزيرة العربية قيل له ما الذي حملك على حلق لحيتك وما الذي يحمل علماء بلادكم على حلق اللحى وأنت تعلم وهم يعلمون أن في ذلك تشبهاً بالمجوس وطوائف الإفرنج ومن شاكلهم من المشركين وأنه خلاف هدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي وخلاف أمره بإعفاء اللحى ومخالفة المشركين. فما كان جواب ذلك المدرس إلا أن قال إن كبير المفتين عندهم يأخذ من لحيته فلا يترك منها إلا قليلاً في الذقن. فقال له الرجل الذي يحاوره هل العبرة بمفتيكم أم بالنبي ﷺ أو هل الواجب عليكم تقليد العلماء أم الواجب اتباع ما أمر الله به ورسوله ﷺ والانتهاء عما نهى عنه ورسوله ﷺ والأخذ بهدي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. فبهت ذلك المدرس وسكت. وقيل لآخر منهم ما الذي يحملكم على حلق اللحى وأنتم تعلمون أنه يجب إعفاؤها؟ فما كان جوابه إلا أن قال لو أعفينا لحانا لما قبلتنا الزوجات. فهذا وأشباهه ممن اتخذوا نساءهم

стр. 84

أرباباً من دون الله كما أن الأول وأشباهه ممن اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله وقد روى الديلمي عن علي ﵁ مرفوعاً يأتي على الناس زمان همتهم بطنهم وشرفهم متاعهم وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله. وروى الإمام أحمد والطبراني والحاكم في مستدركه عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال هلكت الرجال حين أطاعت النساء. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، الآية فقلت إنا لسنا نعبدهم قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحرمون ما أحرم الله فتحلونه فقلت بلى قال فتلك عبادتهم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وكثير من المنتسبين إلى العلم يحلقون لحاهم أو يقصون منها تقليداً لجهال العامة وسفائهم. وقد يعتذر بعضهم عن حلقه للحيته أو قصه منها بأنه يخشى من كثرة نظر السفهاء إليه واستهزائهم بهم وهؤلاء من جملة الجهال والسفهاء شاءوا أم أبوا فإن العالم العاقل في الحقيقة من يخشى الله ويتقيه قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي يا ذوي العقول

стр. 85

السليمة. وقال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطلاق: ١٠]، الآية. والتقوى كلمة جامعة تقتضي فعل الطاعات وترك النواهي. ومن قلد الجهال والسفهاء في فعل المعاصي ثم ادعى لنفسه أنه عالم عاقل أو ادعاه له غيره فتلك دعوى على غير حقيقة ولا يكون محقاً في هذه الدعوى إلا من تمسك بالكتاب والسنة ثم لم يبال باستهزاء الجهال به في فعل طاعة أو اجتناب معصية. (فصلٌ) ومن الناس من يمثل بلحيته ثم يزعم أن شعرها يتكسر ويتحات بنفسه وربما زعم بعضهم أن ذلك من مرض فيها أو في غيرها من جسده وليس الأمر كما يزعمون وإنما تكسرها وسقوطها بسببهم لما يعاملونها به من كثرة الفرك حتى تعتاد على التكسر والسقوط وقد شوهد فركها من غير واحد منهم وإن كانوا يبالغون في إخفاء ذلك عن الناس وهؤلاء فيهم شبه من الذين قال الله فيهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء: ١٠٨].

стр. 86

وكثيراً ما يخزي الله هذا الصنف من الناس ويظهر مكنونهم لعباده حتى أن الناظر إليهم ممن لا يعرفهم لا يشك من أول نظرة أنهم من الممثلين باللحى. ومن حكم الشعر قول بن أبي سلمى ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وأبلغ من هذا ما رواه الإمام أحمد والحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الطبراني من حديث جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ﵁ مرفوعاً ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وفي هؤلاء أيضاً شبه من الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا يعدون في السبت إذ كل منهم قد استعمل الحيلة على استحلال ما حرمه الله تعالى فاليهود تحيلوا على اصطياد الحيتان يوم السبت والمتشبهون بهم تحيلوا على إزالة اللحى عنهم بالفرك ثم زعموا أنها تتكسر وتحات بنفسها كما زعم اليهود أنهم إنما اصطادوا الحيتان يوم الأحد وإن كانوا قد أعدوا لها الحياض والشباك يوم الجمعة. فما أشبه الليلة بالبارحة. وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تركبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا

стр. 87

محارم الله بأدنى الحيل. وأما قول بعضهم أنها تتحات بسبب المرض. فيقال نعم هو كذلك ولكنه مرض في القلوب لا في اللحى. ولا دواء لهذا المرض إلا بالتوبة الصادقة والإنابة إلى الله تعالى والرضاء بقضائه وقدره والتسليم لأمره وأمر رسوله ﷺ واجتناب نهيه ونهي رسوله ﷺ والله الموفق. (فصلٌ) ومن مثل بلحيته فقد جاهر بالمعصية لأن مثل هذا العمل لا يمكن إخفاؤه وسواء في ذلك حلقها ونتفها وفركها حتى تتكسر وتحات لأن كلا من هذه الأفعال يشوه الوجه ويذهب نوره وبهاءه. فإن كان فاعل ذلك عالماً بالتحريم فلا بأس بهجره حتى يتوب وتظهر توبته وإن كان جاهلاً بالتحريم فالواجب تعليمه فإن أصر بعد العلم بالتحريم فلا بأس بهجره حتى يتوب وتظهر توبته وليس هذا من الهجر المذموم كما قد يتوهمه بعض ذوي الجهل المركب في زماننا بل هو هجر مشروع كما قال ابن عبد القوي: وهجران من أبدى المعاصي سنة ... وقيل إذا يردعه أوجب وأكد

стр. 88

وقيل على الإطلاق ما دام معلنا ... ولاقه بوجه مكفهر معربد فلم يذكر خلافاً في سنية هجر العاصي المجاهر بالمعصية سواء ارتدع بالهجر أو لم يرتدع وإنما الخلاف في الوجوب هل هو على الإطلاق أم إذا كان العاصي يرتدع به. وقد جاءت السنة بهجر أهل المعاصي حتى يتوبوا كما هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوماً ولم يكلمهم حتى تاب الله عليهم. وهجر زينب بنت جحش ﵂ أكثر من شهرين لما قالت أنا أعطي تلك اليهودية - تعني صفية ﵂. وهجر الذي بنى فوق الحاجة حتى هدم بناءه وسواه بالأرض. وهجر رجلاً رآه متخلقاً بزعفران حتى غسله وأزال عنه أثره. وهجر رجلاً رأى عليه جبة من حرير حتى طرحها. وهجر رجلاً رأى في يده خاتماً من ذهب حتى طرحه. وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم أنه ﷺ هجر رجلاً رأى عليه ثوبين أحمرين. ولما دخل عليه قهرمان باذام وصاحبه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما كره النظر إليهما وقال لهما ويلكما من أمركما بهذا. فإذا كان هذا قوله ﷺ لرجلين كافرين وتغليظه عليهما فكيف لو رأى رجلاً مسلماً قد مثل بلحيته. وإذا كان ﷺ قد هجر الرجل الذي بنى فوق الحاجة وهجر الذي رأى عليه جبة من حرير وهجر

стр. 89

الذي رأى في يده خاتماً من ذهب وهجر الذي رأى عليه ثوبين أحمرين. فكيف لو رأى الذين يمثلون باللحى من أمته ويتشبهون بأعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ وأعداء كل مؤمن ولا يبالون بمخالفة أمره ﷺ وارتكاب نهيه. فهؤلاء أولى بالهجر والتغليظ وأحق بالزجر والتأديب والله المستعان. وقد كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يهجرون من أظهر المعصية حتى يتوب وتظهر توبته. وكانوا يبالغون في هجر المخالفين لأحاديث الرسول ﷺ ويشددون عليهم ما لا يشددون على غيرهم من العصاة وربما كان هجرانهم إياهم دائماً إلى الممات وقد هجر ابن عمر ﵄ ابناً له حتى مات من أجل مخالفته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ . وهجر عبادة بن الصامت ﵁ معاوية ﵁ وترك مساكنته في الشام من أجل معارضته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ . وهجر أبو الدرداء ﵁ معاوية أيضاً وترك مساكنته من أجل معارضته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ . وهجر عبد الله بن مغفل ﵁ قريباً له وقال له لا أكلمك أبداً من أجل مخالفته لحديث حدثه به عن النبي ﷺ . وهجر عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً رآه يضحك في جنازة وقال والله لا أكلمك أبداً. فإذا كان هذا فعل الصحابة ﵃ مع المخالفين لأحاديث الرسول ﷺ فكيف لو رأوا من يمثل بلحيته ولا

стр. 90

يبالي بمخالفة أمر النبي ﷺ بإعفائها ولا بما ثبت عنه ﷺ من التغليظ في التشبه بأعداء الله تعالى ولا بما ثبت عنه أيضاً من اللعن للمتشبهين بالنساء من الرجال فهؤلاء الجامعون بين مخالفة أمر الشارع وبين التشبه بأعداء الله تعالى والتشبه بالنساء أولى بالهجر ممن هجرهم الصحابة ﵃ إلى الممات. وقد كان الإمام أحمد ﵁ يهجر من تعدى أحاديث الرسول ﷺ ذكره عنه الخلال. وكان الإمام الشافعي ﵁ من أشد الناس إنكاراً وتغليظاً على من خالف أحاديث الرسول ﷺ . وكذلك كان ابن أبي ذئب ووكيع بن الجراح وغيرهما من أكابر الأئمة.

стр. 91

(فصلٌ) ولا ينبغي تولية الممثلين باللحى في الوظائف الدينية كالإمامة الأذان والقضاء وغير ذلك مما لا ينبغي أن يتولاه إلا العدول المرضيون لأن الممثل بلحيته قد جاهر بالمعصية وتولية المجاهرين بالمعاصي في الولايات الدينية غير جائز ومن ولاهم مع وجود من هو أحسن حالاً منهم فقد خان الله ورسوله والمؤمنين والدليل على ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه فالواجب على ولاة الأمر أن يولوا في الإمامة وغيرها من الولايات الدينية من كان عدلاً مرضياً ولا يجوز لهم أن يولوا الفساق ولا أن يقروا أحداً منهم مع القدرة على عزله. قال الشيخ المحقق عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في رسالة له إلى الإمام فيصل. لو وفق الإمام للاهتمام بالدين واختار من كل جنس أتقاهم وأحبهم وأقربهم إلى الخير لقام بهم الدين والعدل فإذا أشكل عليه كلام الناس رجع إلى قوله ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإذا ارتاب من رجل هل كان يحب

стр. 92

ما يحبه الله نظر في أولئك القوم وسأل أهل الدين من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين وأولاهم بولاية الدين والدنيا فإذا أرشدوه إلى من كان يصلح في ذلك قدمه فيهم ويتعين عليه أن يسأل عنهم من لا يخفاه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها فلو حصل ذلك لثبت الدين وبثباته يثبت الملك وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك ويضعف الدين ويسود القبيلة شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك فالسعيد من وعظ بغيره وبما جرى له وعليه. وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها فإذا قلعت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم ﵀ ولكن رواسيها وأوتادها هُمُ انتهى. وقد روى أبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي سهلة السائب بن خلاب. من أصحاب النبي ﷺ أن رجلاً أم قوماً فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر فقال رسول الله ﷺ حين فرغ لا يصلي لكم فأراد بعد ذلك أن يصلي فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال نعم وحسبت أنه قال إنك آذيت الله ورسوله. وروى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال أمر رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بالناس الظهر فتفل في القبلة وهو يصلي بالناس فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أنزل في شيء قال لا ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس فآذيت الله والملائكة. فإذا كان النبي ﷺ قد عزل الرجل عن

стр. 93

الإمامة من أجل بصاقه في القبلة فكيف بالمصر على التمثيل بلحيته وعلى التشبه بالنساء والتشبه بالمجوس وطوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى فهذا أولى بالعزل لعظم جرمه ومجاهرته بالمعصية. (فصلٌ) ولما كان الإسلام قد عاد غريباً في زماننا كان تقديم العصاة في الولايات الدينية سائغاً عند كثير من القضاة الولاة فتجد بعضهم لا يتوقف في تزكية الممثلين باللحى وفي قبول شهادتهم وفي تقديمهم في الإمامة والتدريس وغيرهما من الوظائف الدينية وهذا من مصداق ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. قال الحافظ ابن حجر المراد بالأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين قال وقال ابن بطال معنى أسند الأمر إلى غير أهله أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم

стр. 94

فينبغي لهم تولية أهل الدين فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها انتهى. إذا علم هذا ففي تولية الممثلين باللحى في الوظائف الدينية أربعة محاذير: الأول إضاعة الأمانة. الثاني خيانة الله ورسوله والمؤمنين. الثالث التقرير على فعل المعصية. الرابع فتح باب الشر للسفهاء فإن تولية الممثلين باللحى في الوظائف الدينية مما يجرئهم على فعل هذه المعصية. ويقولون لو كان في التمثيل باللحى بأس ما أقر فاعلوه على الإمامة والتدريس ولم يستجلب أشباههم من الأماكن البعيدة لمثل ذلك. وهذه المحاذير الأربعة لا تختص بتولية الممثلين باللحى في الوظائف الدينية بل هي عامة في تولية غيرهم من العصاة كالمتهاونين بالصلاة وشاربي الدخان الخبيث والعاكفين على الملاهي والمتشبهين بأعداء الله تعالى وغير ذلك من المحرمات وقد شوهد من كثير من السفهاء تقليد هؤلاء العصاة في أفعالهم الذميمة وخصوصاً تلاميذ المدرسين منهم. وشاهد العيان يغني عن الحجة والبرهان والعاقل لا تخفى عليه هذه الأمور فالله المستعان.

стр. 95

(فصلٌ) ومن مثَّل بلحيته فقد جنى على نفسه عدة جنايات الأولى منها تشويهه لوجهه وإنما سمي جدع الأنف وقطع الأذنين والمذاكير وغيرها من الأطراف مثلة لما في ذلك من التشويه لمن قطع ذلك منه قال ابن الأثير وابن منظور يقال مثلت بالحيوان أمثل به إذا قطعت أطرافه وشوهت به. الثانية إخزاءه لنفسه بالتعزير القبيح الذي لا يعزر بمثله إلا الأمراء الظلمة. الثالثة رضاه لنفسه بوصف التخنث ورغبته عن الاتصاف بوصف الرجولة. وقد كان السلف يسمون المتشبهين من الرجال بالنساء المخنثين وقد تقدم قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى أنه يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال. الرابعة رضاه بالدخول في عداد من سفه نفسه من أجل رغبته عن خصلة من خصال ملة إبراهيم ﵊ وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، قال البغوي في تفسيره قال ابن عباس ﵄ خسر نفسه وقال الكلبي ضل من قبل نفسه وقال أبو عبيدة أهلك نفسه وقال ابن كيسان والزجاج معناه جهل نفسه والسفاهة الجهل وضعف الرأي وكل سفيه جاهل وقال الأخفش معناه سفه في نفسه انتهى ملخصاً. وقال ابن كثير في تفسيره إلا من سفه نفسه أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف

стр. 96

طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد فمن ترك طريقه ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا أم أي ظلم أكبر من هذا انتهى. والمقصود ههنا أن من مثل بلحيته فله نصيب من سفه النفس بقدر ما رغب عنه من ملة إبراهيم ﵊ وذلك منه جناية على نفسه. الخامسة رضاه بنقص المروءة والعدالة من أجل سفهه في نفسه وتشبهه بالنساء وبأعداء الله تعالى ومجاهرته بالمعصية. السادسة رضاه بالدخول في عداد شر الدواب من أجل توليه عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ في إعفاء اللحية ومخالفة المشركين وقد قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٢٣]. السابعة إقدامه على عمل كل سوء لا يعفى عنه وذلك من أعظم الجنايات على النفس لقول النبي صلى الله عليه سلم كل أمتي معافى إلا المجاهرين. متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ والتمثيل باللحية من المجاهرة لأن مثل هذا العمل لا يحتمل الإخفاء. الثامنة سوء رأيه في مطاوعته للشيطان وامتثاله لأمره في تغيير خلق الله تعالى وقد قال الله تعالى مخبراً عن إبليس أنه قال: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله.

стр. 97

قال الراغب الأصفهاني قيل إشارة إلى ما يشوهونه من الخلقة بالخصاء ونتف اللحية وما جرى مجراه انتهى. ومن المعلوم أن الشيطان أعدى عدو للإنسان لا يألوه خبالاً ولا يقصر في إمداده بالغي والسعي في إهلاكه قال الله تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ومن كان عمله مع الإنسان هكذا فطاعته من أعظم الجنايات على النفس. التاسعة تعرضه للعنة الله تعالى من أجل تشبهه بالنساء. العاشرة تعرضه لانقطاع حظه ونصيبه في الآخرة كما يدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق. قال ابن عباس ﵄ ومجاهد السدي ليس له من نصيب وقال قتادة ما له من جهة عند الله. وقال الحسن ليس له دين ولا منافاة بين هذه الأقوال بل هي متلازمة والله أعلم. الحادية عشرة تعرضه للهلاك من أجل سلوكه لبعض شعب الزيغ عن المحجة البيضاء التي ترك رسول الله ﷺ عليها أمته. وقد تقدم حيث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». الثانية عشرة تعرضه للضلال وحرمان الهداية من أجل اتباعه لهواه وإعراضه عن أمر الرسول ﷺ وارتكابه لنهيه قال الله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ

стр. 98

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، الثالثة عشرة تعرضه لانتفاء الرسول ﷺ منه من أجل رغبته عن سنته. وقد تقدم حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رغب عن سنتي فليس مني». متفق عليه. وفي جامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ليس منا من تشبه بغيرنا. وروى الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «ليس منا من عمل سنة غيرنا». الرابعة عشرة تعرضه للفتنة والعذاب الأليم من أجل معصيته لله تعالى ولرسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]. وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». الخامسة عشرة إيثاره لهدي المجوس وأشباههم من المشركين ورغبته عن هدي الأنبياء والمرسلين. وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من تشبه بقوم فهو منهم». وتقدم أيضاً حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «ليس منا من تشبه بغيرنا». وتقدم أيضاً حديث ابن عباس رضي الله

стр. 99

عنهما أن رسول الله ﷺ قال «ليس منا من عمل سنة غيرنا». ومن رضي لنفسه بالانتفاء من أولياء الله والانضمام إلى أعداء الله ولو في بعض الأمور فقد جنى على نفسه أعظم جناية. (فصلٌ) ومن كان معلماً وهو من الممثلين باللحى فإنه يضم إلى جناياته على نفسه جناية على المتعلمين منه وذلك بترغيبه إياهم في هذا الفعل المحرم فإن التلميذ يميل غالباً إلى ما يرى عليه أستاذه من الأخلاق والأفعال. ولطول ملازمته له يألف أفعالها ويستحسنها ويتربى على اعتيادها حسنة كانت أو سيئة ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لمؤدب أولاد الرشيد ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما تستحسنه والقبيح عندهم ما تركته رواه أبو نعيم في الحلية. وقد رأينا كثيراً من تلاميذ أهل الديانة والصلاح على مثل ما كان عليه مشائخهم. ورأينا كثيراً من تلاميذ أهل المعاصي على مثل ما كان عليه أساتذتهم فرأينا كثيراً من تلاميذ الممثلين

стр. 100

باللحى يمثلون بلحاهم. ورأينا كثيراً من تلاميذ المتهاونين بالصلاة يتهاونون بالصلاة. ورأينا كثيراً من تلاميذ شاربي الدخان الخبيث منهمكين في شربه. ورأينا كثيراً من تلاميذ العاكفين على اللهو واللعب واستماع الغناء وآلات اللهو يحذون حذو أساتذتهم في هذه الأفعال الذميمة. إلى غير ذلك من الأفعال السيئة التي رأينا كثيراً من التلاميذ يتبعون أساتذتهم عليها. وربما صرح بعض العصاة بالتقليد لمشايخهم في فعل المعاصي كما تقدم عن المدرس المستجلب من مكان بعيد للتعليم في الجزيرة العربية أنه احتج على تمثيله بلحيته بأن كبير المفتين عندهم يفعل نحو ذلك. وحدثني بعض أهل العلم أنه جلس إلى جنب رجل من أهل غزة في المسجد الحرام وكان قد أعفى لحيته قال فقلت له إنه ليعجبني فعلك لأني رأيت كثيراً من أهل بلدك لا يعفون لحاهم فقال إنهم يقتدون في ذلك بعلمائهم أو كما قال. قلت وأقاويل العصاة في الاحتجاج بعلماء السوء كثيرة فلا نطيل ذكرها. ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى لو صلح القراء لصلح الناس. وقال أيضاً نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وقال أيضاً كان يقال احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون رواه أبو نعيم في الحلية. وقد روي عن سفيان بن عيينة مثل ذلك. وقال الشعبي

стр. 101

رحمه الله تعالى اتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من المتعبدين فإنهما آفة كل مفتون. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى صنفان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس قيل من هم قال الملوك والعلماء. وقال أيضاً وأحسن فيما قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها لقد رتع القوم في جيفة ... مبين لذي اللب أنتانها وقال غيره فساد كبير عالم متهتك ... وأكبر منه جاهل يتنسك هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه يتمسك وقد جاء في هذا المعنى حديث ضعيف رواه أبو نعيم وغيره عن ابن عباس ﵄. آفة الدين ثلاثة فقيه فاجر وإمام جائر ومجتهد جاهل وروى الطبراني في معجمه الصغير عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره ولكن أتخوف عليكم منافقاً عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون. وفي المسند بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال إني لجالس تحت منبر عمر ﵁ وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان. وفي رواية في غير المسند يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور.

стр. 102

وروى الإمام أحمد أيضاً في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال كنت عنده جالساً فقال إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم. وروى الإمام أحمد في الزهد والدارمي في سننه عن هرم بن حيان أنه قال إياكم والعالم الفاسق فبلغ عمر بن الخطاب ﵁ فكتب إليه وأشفق منها ما للعالم الفاسق فكتب إليه هرم والله يا أمير المؤمنين ما أردت به إلا الخير يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق فيشتبه على الناس فيضلون. إذا علم هذا فقد قال سفيان بن عيينة وغيره من علماء السلف من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وإذا كان الفاسق من الأساتذة مشابهين لليهود في زيغهم عن الحق وارتكابهم المعاصي على بصيرة فتلامذهم المتبعون لهم على المعاصي مشابهون للنصارى في ضلالهم واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. وللأساتذة العصاة نصيب من أوزار المقتدين بهم في المعاصي. وهكذا كل عالم فاسق يقتدي به الجهال في أعماله السيئة والدليل على ذلك قول الله تعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور

стр. 103

من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. (فصلٌ) وكما أن التمثيل باللحى يشوه الوجوه كثيراً ويذهب نورها وبهجتها ويبدلها بالحسن قبحاً فكذلك إعفاء الشوارب يشوه الوجوه كثيراً ويذهب نورها وبهجتها ويبدلها بالحسن قبحاً. وكل من في قلبه حياة يشاهد ما في وجوه الممثلين بلحاهم والمعفين شواربهم من القبح والتشويه وإن كان أصحاب الفعل الذميم لا يسحون بذلك كما قيل. وما لجرح بميت إيلام. قال الله تعالى أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون. ولا حسن للوجوه ولا نور ولا بهجة إلا بامتثال أمر الرسول ﷺ واجتناب نهيه واتباع هديه الفاضل الكامل ومخالفة هدي المجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى. قال ابن عباس وأنس ﵃ إن للحسنة نوراً في

стр. 104

القلب وزيناً في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة ظلمة في القلب وشيناً في الوجه ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق. وقد تقدم حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى» رواه البخاري بهذا اللفظ. ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي ولفظهم «احفوا الشوارب اعفوا اللحى». وفي رواية في الصحيحين خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب. وفي راية لمالك ومسلم وأبي داود والترمذي عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى. وفي رواية لأحمد أمر رسول الله ﷺ أن تعفى اللحى وأن تجز الشوارب. والمراد بإنهاك الشوارب المبالغة في قصها والإحفاء بمعناه. وتقدم أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه الإمام أحمد ولفظه قصوا الشوارب واعفوا اللحى. وتقدم أيضاً ما رواه البخاري في التاريخ الكبير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «كان المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم فجزوا شواربكم واعفوا لحاكم». وتقدم أيضاً ما رواه البيهقي وغيره من حديث ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ذكر رسول الله

стр. 105

صلى الله عليه وسلم المجوس فقال إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم قال فكان ابن عمر رضي الله عهما يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير. وتقدم أيضاً ما رواه الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «احفوا الشوارب واعفوا اللحى». وتقدم أيضاً ما ذكره ابن حزم من الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض. وتقدم أيضاً ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع. وتقدم أيضاً قول ابن عقيل رحمه الله تعالى أن النهي عن التشبه بالعجم للتحريم. ومن التشبه بهم إعفاء الشوارب كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها. وفي سنن أبي داود عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال ضفت النبي صلى الله عليه سلم ذات ليلة - فذكر الحديث وفي آخره - قال وكان شاربي وفي فقصه لي على سواك أو قال أقصه لك على سواك. ورواه البيهقي ولفظه قال فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه. وروى البزار عن عائشة ﵂ قالت أبصر النبي ﷺ رجلاً وشاربه طويل فقال ائتوني بمقص وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه.

стр. 106

وروى الإمام أحمد والطبراني من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قيل له يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل ﵇ فقال ولم لا يبطي عني وأنتم حولي لا تستنون ولا تقلمون أظفاركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم الرواجب هي ما بين عقد الأصابع من داخل واحدها راجبة قاله ابن الأثير وابن منظور. وفي صحيح مسلم والسنن إلا النسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال وقت لنا قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة. ورواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجه عن أنس ﵁ قال وقت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ونتف الإبط أن لا تترك أكثر من أربعين يوماً وقال مرة أخرى أربعين ليلة هذا لفظ النسائي. وقد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أن قص الشارب من الفطرة ففي الصحيحين ومسند الإمام أحمد والسنن الأربع عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الآباط». وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب» وتقدم حديث عائشة

стр. 107

رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن. وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب». وذكر تمام الحديث وفي سنن النسائي عن طلق بن حبيب قال عشر من السنة وذكر منها قص الشارب وتوفير اللحية. وفي المسند وجامع الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال كان النبي ﷺ يقص أو يأخذ من شاربه قال وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله. هذا لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. وفي موطأ الإمام مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص شاربه «وأن الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا قال الرب ﵎ وقار يا إبراهيم قال رب زدني وقارا». وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن» قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. وفي الرأس قص الشارب والمضمضة

стр. 108

والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء. ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقد تقدم ما رواه ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب أن قهرمان باذام وصاحبه لما دخلا على النبي ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما كره النظر إليهما وقال لهما ويلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله ﷺ لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي. وعن زياد بن حدير قال قدمت على عمر بن الخطاب وعلي طيلسان وشاربي عافٍ فسلمت عليه فرفع رأسه فنظر إلي ولم يرد علي السلام فانصرفت عنه فأنيت ابنه عاصماً فقلت له لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس فقال سأكفيك ذلك فلقي أباه فقال يا أمير المؤمنين أخوك زياد بن حدير يسلم عليك فلم ترد ﵇ فقال إني قد رأيت عليه طيلساناً ورأيت شاربه عافياً قال فرجع إلي فأخبرني فانطلقت فقصصت شاربي وكان معي برد شققته فجعلته إزاراً ورداء ثم أقبلت إلى عمر فسلمت عليه فقال وعليك السلام هذا أحسن مما كنت فيه يا زياد. رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد جيد. وفيه رد لما يتوهمه بعض الناس على عمر ﵁ أنه كان يعفي شاربه مستدلين على ذلك بما يروى عنه أنه كان إذا غضب جعل ينفخ ويفتل

стр. 109

شاربه. وعلى تقدير ثبوت ذلك عنه فليس في فتله لشاربه دليل على إعفائه له فقد رأينا بعض الناس يفتلون شواربهم في حال الغضب أو غلبة الفكر عليهم وهي مع ذلك مقصوصة على وفق السنة. وفتلهم لها إنما هو الأخذ بأطراف الشعر وفركه على هيئة الفتل. وفعل عمر ﵁ كان على هذا النحو لا أنه كان يعفي شاربه فإن ذلك مخالف للسنة الثابتة عن النبي ﷺ وقد كان عمر ﵁ من أتبع الناس للسنة وأبعدهم عن مخالفتها. وأيضاً فإنه مخالف لما صح عن عمر ﵁ من هجره للرجل المعفي لشاربه كما تقدم ذكره. ولم يكن عمر ﵁ ليهجر على شيء وهو يفعل مثله. وفي معنى ما روي عن عمر ﵁ من فتل شاربه ما رواه مالك في موطئه عن ابن عباس ﵄ أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته - فذكر الحديث في نوم النبي ﷺ واستيقاظه وضوئه وقيامه يصلي قال ابن عباس ﵄ فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها. وذكر تمام الحديث وقد رواه الشافعي وأحمد في مسنديهما والشيخان في صحيحيهما وأهل السنن إلا الترمذي كلهم من طريق مالك. ففتل الشارب المقصوص مثل فتل الأذن سواء. كل ذلك بالفرك واللي لا الفتل حقيقة والله أعلم.

стр. 110

وقد اشتملت أحاديث هذا الفصل على فوائد كثيرة نذكر منها ما يتعلق بالمقصود ههنا. أحدها الأمر الصريح بقص الشوارب وإنهاكها. الثانية الأمر الصريح بمخالفة المجوس وأشباههم من المشركين الذين يوفرون شواربهم. ومن لم يمتثل الأمر بقص الشارب ومخالفة أعداء الله تعالى فهو عاص لله ورسوله ﷺ وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦]، الثالثة أن المشروع إحفاء الشوارب بالقص وأما حلقها فغير جائز لأن الحلق أبلغ من القص والإحفاء والنبي ﷺ إنما أمر بالقص والإحفاء ولم يأمر بالحلق فمن حلق شاربه فقد زاد على المأمور به والزيادة على المأمور بدعة وغلو ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في رواية أشهب أن حلقه بدعة وأرى أن يوجع ضربا من فعله. وقال في رواية ابن عبد الحكيم يحفي الشوارب ويعفي اللحى وليس إحفاء الشارب حلقه وأرى تأديب من حلق شاربه. والدليل على المنع من حلق الشوارب قول النبي ﷺ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد متفق عليه من حديث عائشة ﵂. وهذا اللفظ لمسلم. وفي المسند وسنني النسائي وابن ماجه ومستدرك الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
следующие страницы →