← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17337

الرد القويم على المجرم الأثيم

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عثمان. قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبي ذر ﵁ لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة. وأما عقبة بن عامر فإِنه كان مشغولاً بالجهاد وقدم المدينة حين فتحت دمشق وكان هو البريد إلى عمر ﵁ بفتحها. ولم يذكر عنه أنه قدم المدينة بعد ذلك في زمان عمر ﵁. فما ذكر في هذا الأثر أن عمر ﵁ أمرهم بالقدوم إلى المدينة وأنه أمرهم بالإِقامة عنده ما عاش وأنهم لم يفارقوه حتى مات. كل ذلك لا أصل له فلا يغتر به. الوجه الثاني عشر أن الذهبي ذكر في تذكرة الحفاظ عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر ﵁ حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ . فهذه الرواية تخالف رواية ابن عساكر لأن فيها أن عمر ﵁ أنكر على عبد الله بن حذيفة وأبي الدرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر إفشاءهم للأحاديث وأمرهم بالإِقامة عنده, وفي هذه الرواية أنه أنكر على ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري ﵃ في إكثارهم للحديث وأنه حبسهم, وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذا الأثر غير محفوظ. وأما ما نقله المؤلف عن تذكرة الحفاظ فالجواب عنه من وجوه أحدها أن يقال إن هذه الرواية مرسلة على القول الراجح الذي تقدم ذكره في أول الجواب عن الأثر الذي رواه ابن عساكر. والمرسل ليس بحجة, قال الهيثمي في مجمع الزوائد هذا أثر منقطع ولا يصح هذا عن عمر انتهى, وقد ذكر ابن حزم هذا الأثر في كتاب الأحكام وفيه أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر, وهذه الرواية تخالف ما جاء في تذكرة الحفاظ لأنه ذكر فيها أبا ذر وذكر في تذكرة الحفاظ بدلاً عنه أبا مسعود. وهذا الاضطراب يدل على أن الأثر موضوع. قال ابن حزم بعد إيراده «مرسل ومشكوك فيه ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد» انتهى. الوجه الثاني أن المؤلف زاد في هذا الأثر زيادة من عنده وهي قوله «وكان حبسهم في المدينة حتى أطلقهم عثمان» وهذه الزيادة ليست في تذكرة الحفاظ وإنما زادها المؤلف من كيسه ليؤيد بها مذهبه الخبيث في معارضة الأحاديث الصحيحة

стр. 107

ورفضها واطراحها. الوجه الثالث أن يقال لم يأت في أثر صحيح أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري ﵃ ولا أنه حبس غيرهم من الصحابة على نشرهم للحديث, وقد ذكرت في الجواب عما رواه ابن عساكر أن أبا الدرداء ﵁ لم يزل ساكناً في الشام في زمان عمر وبعد زمان عمر ﵁ ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ فضلاً عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه. وأما أبو مسعود الأنصاري ﵁ فقد سكن الكوفة ولم يثبت أن عمر ﵁ أمره بالقدوم إلى المدينة فضلا عن أن يكون قد حبسه. وأما ابن مسعود ﵁ فقد أرسله عمر ﵁ معلماً لأهل الكوفة ولم يزل بها حتى قدم المدينة في آخر زمان عثمان ﵁ ومات بها. ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ بعد ما أرسله عمر ﵁ إلى الكوفة فضلاً عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه. وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن حارثة بن مضرب قال قرئ علينا كتاب عمر. إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي. وإذا كان هذا قول عمر ﵁ في حق ابن مسعود ﵁ فكيف يقال أنه حبسه في المدينة. هذا لا يصح. وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ أن ابن مسعود ﵁ كان ممن يتحرى في الأداء ويتشدد في الرواية ويزجر تلامذته عن التهاون في ضبط الألفاظ وأنه كان يقل من الرواية للحديث ويتورع في الألفاظ. وذكر أيضا عن أبي عمرو الشيباني قال كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله ﷺ فإِذا قال قال رسول الله ﷺ استقلته الرعدة وقال هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا. وذكر أيضاً عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ قال «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع».

стр. 108

وإذا كان ابن مسعود ﵁ يتحرى في الأداء ويتشدد في الرواية ويقل من رواية الحديث ويتورع في الألفاظ وتشتد عليه رواية الحديث عن النبي ﷺ فكيف يقال إن عمر ﵁ حبسه على إكثار الحديث عن رسول الله ﷺ , هذا لا يصح أبداً «وما آفة الأخبار إلا رواتها». وذكر الذهبي أيضا في تذكرة الحفاظ عن أبي قلابة قال قال ابن مسعود ﵁ «عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله فإِن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق. وما جاء في هذا الأثر من الإِخبار عن الأقوام الذين يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ينطبق على المؤلف وعلى أشباهه من أهل التبدع والتنطع وعداوة الأحاديث الصحيحة وأهلها, فهولاء شر من اليهود وأعظم ضررا على الإِسلام والمسلمين. وأما ما نقله المؤلف عن جامع بيان العلم وفضله عن الشعبي عن قرظة بن كعب ﵁. فجوابه أن يقال إن سماع الشعبي من قرظة غير متحقق. وقد جزم ابن حزم في كتاب الأحكام بأنه لم يلقه ورد هذا الخبر وبالغ في الرد ومما قاله أن عمر ﵁ نفسه روي عنه خمسمائة حديث ونيف فهو مكثر بالقياس إلى المتوفين قريباً من وفاته, وكذلك رده ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله فقال, احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا وقوله «أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ » وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله ﷺ التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها. والطعن على أهلها ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم. منها أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه إذ هو الأصل لكل علم. هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك, وقال غيره إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حكما ولا يكون سنة, وطعن غيرهم في حديث قرظة وردوه لأن الآثار الثابتة عن عمر

стр. 109

خلافه, منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمر بن الخطاب في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال, أما بعد فإِني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته, ومن خشى أن لا يعيها فإِني لا أحل له أن يكذب علي, إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل معه الكتاب فكان مما أنزل معه الرجم. وذكر الحديث. وهذا يدل على أن نهيه عن الإِكثار وأمره بالإِقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ وخوفاً أن يكونوا مع الإِكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإِكثار. فلهذا أمرهم عمر بالإِقلال من الرواية. ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإِقلال منها والإِكثار. ألا تراه يقول فمن حفظها ووعاها فليحدث بها فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه. هذا لا يستقيم, بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله ﷺ ويأمرهم بالإِقلال منه وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله «من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته, ثم قال ومن خشي أن لا يعيها فلا يكذب علي» وهذا يوضح لك, ما ذكرنا والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا, وإنما يدور على بيان عن الشعبي وليس مثله حجة في هذا الباب لأنه يعارض السنن والكتاب قال الله جل وعز (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه) وقال فيه (النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) وقال (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم, صراط الله) ومثل هذا في القرآن كثير, ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه, فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به. وقد قال رسول الله ﷺ «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها» الحديث, وفيه الحظ الوكيد على التبليغ عنه ﷺ وقال «خذوا عني» في غير ما حديث «وبلغوا عني» والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى والاعتبار. ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من أن يكون خيراً أو شراً فإِن كان خيراً ولا شك فيه أنه خير فالإِكثار من الخير أفضل وإن كان شراً

стр. 110

فلا يجوز أن يتوهم أن عمر يوصيهم بالإِقلال من الشر. وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه. وذكر مسلم في كتاب التمييز عن قيس بن عباد قال سمعت عمر بن الخطاب يقول «من سمع حديثا فأداه كما سمع فقد سلم». ومما يدل على هذا ما يروى عن عمر أنه كان يقول «تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن» فسوى بينهما. ثم روى ابن عبد البر بإِسناده عن مورق العجلي قال كتب عمر «تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن» قالوا اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به. وعمر هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى من عنده علم من رسول الله ﷺ في كذا. نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها. وفي الجنين يسقط ميتا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك مما لو ذكرناه طال به كتابنا وخرجنا عن حد ما له قصدنا. وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل «إياكم والرأي فإِن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها. وعمر أيضا هو القائل «خير الهدي هدي محمد ﷺ » وهو القائل «سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإِن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله». وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه ومن حفظ شيئا وأتقنه جاز له أن يحدث به. وإن كان الإِكثار يحمل الإِنسان على التقحم في أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء وغث وسمين وقد قال رسول الله ﷺ «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع». ولو كان مذهب عمر ما ذكرنا لكانت الحجة في قول رسول الله ﷺ دون قوله فهو القائل «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها وبلغها» وقال النبي ﷺ «تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم».

стр. 111

قال أبو عمر الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإِكثار دون تفقه ولا تدبر, والمكثر لا يأمن مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ لروايته عمن يؤمن وعمن لا يؤمن انتهى. فصل وقال المؤلف في صفحة (١٩) و (٢٠) ما نصه أصحاب النبي كانوا يتركون التحدث عن رسول الله - ص - خوفا من الزيادة أو النقصان في كلامه. أخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال صحبت طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فما سمعت أحداً منهم يحدث عن رسول الله إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قال ابن بطال وغيره كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد أو النقصان. وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث. وكان كثير من عظماء الصحابة وأهل الخاصة برسول الله كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس يخافون الرواية وكسعيد بن الزبير أحد العشرة المبشرين بالجنة الذي لم يرو شيئاً أبدا, ولو أنت تصفحت البخاري ومسلم ما وجدت فيهما حديثاً واحداً لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وليس فيهما كذلك حديث لعقبة بن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم وقال ابن القيم إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - ص - ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقصان ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي مراراً ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله. والجواب أن يقال أما ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد أنه صحب طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف فلم يسمع أحداً منهم يحدث عن رسول الله ﷺ . فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال قد روي عن هؤلاء الأربعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ رواها عنهم غير السائب بن يزيد وهي في

стр. 112

الصحاح والسنن والمسانيد. ولولا خشية الإِطالة لذكرت من ذلك كثيراً. ومن أراد الاطلاع على أكثرها فعليه بمسند الإِمام أحمد ففيه ما يكفي عن الوقوف على غيره. وقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة طلحة بن عبيد الله ﵁. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر, ثم ذكر سبعة عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي لطلحة عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثاً, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة قال النووي واتفقا منها على حديثين. وقال الخزرجي اتفقا على حديث قالا وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة. وقال الحافظ أيضا في ترجمة سعد بن أبي وقاص ﵁ روى عن النبي ﷺ وعن خولة بنت حكيم. ثم ذكر خمسة وعشرين من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ مائتان وسبعون حديثاً. وقال الخزرجي في الخلاصة له مائتا حديث وخمسة عشر حديثاً قالا واتفق البخاري ومسلم على خمسة عشر منها وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر. وقال الحافظ أيضا في ترجمة المقداد بن الأسود ﵁ روى عن النبي ﷺ , ثم ذكر ثلاثة عشر من الرواة عنه, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وأربعون حديثا اتفقا على حديث واحد وانفرد مسلم بثلاثة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة. وقال الحافظ أيضا في ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁. روى عن النبي ﷺ وعن عمر, ثم ذكر ثمانية عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم, قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثاً اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة. الوجه الثاني أن يقال ما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن بطال وغيره أنهم قالوا إن كثيراً من كبار الصحابة لا يحدثون عن النبي ﷺ خشية المزيد والنقصان ليس على إطلاقه وإنما معناه أنهم يقلون الرواية عن النبي صلى الله عليه

стр. 113

وسلم ويتورعون عن التحديث بما لم يحفظوه ويضبطوا ألفاظه. والدليل على أنه ليس على إطلاقه أنه ليس أحد من كبار الصحابة إلا وقد روي عنه جملة من الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ فمقل منهم ومكثر. ومن أراد الوقوف على بعض أحاديثهم فعليه بمسند الإِمام أحمد ففيه ما يشفي ويكفي في الرد على المؤلف وعلى غيره من أعداء السنة الذين قد جندهم الشيطان للتمويه على الناس وتضليل المسلمين وتشكيكهم فيما ثبت عن نبيهم ﷺ من الأحاديث والمعجزات وخوارق العادات. وأما ما نقله المؤلف عن ابن قتيبة فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن المؤلف قد حرف كلام ابن قتيبة وغير فيه. وهذا نص كلام ابن قتيبة, قال «وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه, بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئاً كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة» انتهى كلام ابن قتيبة, وقد حرف المؤلف قوله «من جلة الصحابة» بقوله من عظماء الصحابة, وقوله «يقلون الرواية عنه» بقوله يخافون الرواية, وقوله «كسعيد بن زيد» بقوله وكسعيد بن الزبير, وقوله «بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئاً» بقوله وكسعيد بن الزبير الذي لم يرو شيئاً أبداً, ثم إن المؤلف زاد على كلام ابن قتيبة كلاماً لأبي رية نقله من ظلماته ولم ينسبه إليه وهو قوله, ولو أنت تصفحت البخاري ومسلم إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره ولم يفصل بين كلام ابن قتيبة وكلام أبي رية, وقد تبع أبارية في ذلك فإِن أبا رية لقلة الأمانة عنده لم يفصل بين كلامه وكلام ابن قتيبة ليوهم أن الجميع من كلام ابن قتيبة وقد قلده المؤلف وسار على إثره كما يسير الأعمى خلف الأعمى وكأنه يظن أن الجميع من كلام ابن قتيبة وهذا من غباوته وكثافة جهله. الوجه الثاني أن يقال إن أبا بكر والزبير وأبا عبيدة والعباس وسعيد بن زيد ﵃ كلهم قد رووا عن النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ روى عن النبي ﷺ , ثم ذكر أربعة وعشرين من الرواة عنه وأكثرهم من الصحابة ومنهم عمر وعثمان وعلي ﵃ وأشار إلى جماعة ممن روى عنه سوى الأربعة والعشرين

стр. 114

قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي للصديق عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً اتفق البخاري ومسلم على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة. وقال الحافظ أيضا في ترجمة الزبير ﵁, روى عن النبي ﷺ , ثم ذكر سبعة من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم. وقال الخزرجي في الخلاصة له ثمانية وثلاثون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بسبعة. وقال الحافظ أيضا في ترجمة أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ﵁ روى عن النبي ﷺ , ثم ذكر اثني عشر من الرواة عنه وبعضهم من الصحابة. وقال الخزرجي في الخلاصة له أربعة عشر حديثاً انفرد له مسلم بحديث. وذكر الحافظ أيضا في ترجمة العباس بن عبد المطلب ﵁ اثني عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة. وقال الحافظ أيضاً في ترجمة سعيد بن زيد بن عمر وبن نفيل ﵁ روى عن النبي ﷺ , ثم ذكر خمسة عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وأربعون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث. وقال الخزرجي في الخلاصة له ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر. وأما قول المؤلف تبعا لأبي رية ولو أنك تصفحت البخاري ومسلم ما وجدت فيه حديثاً واحداً لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وليس فيها كذلك حديث لعقبة بن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم. فجوابه أن يقال أما أبو عبيدة ﵁ فقد تقدم قول صاحب الخلاصة أن مسلماً انفرد له بحديث. وأما عتبة بن غزوان ﵁ فقد أخطأ المؤلف حيث سماه عقبة وإنما

стр. 115

هو عتبة بالتاء لا بالقاف وقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» والخزرجي في الخلاصة أن له عن رسول الله ﷺ أربعة أحاديث انفرد له مسلم بحديث. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة روى له مسلم وأصحاب السنن. وأما أبو كبشة الأنماري ﵁ فقد روى له الإِمام أحمد في مسنده عدة أحاديث بعضها صحيح, وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقد صحح الترمذي بعض ما رواه عنه. وأما قول المؤلف وكثيرين غيرهم. فجوابه أن يقال هذه مجازفة يكذبها الواقع لأن أكابر الصحابة الذين تأخرت وفياتهم بعد النبي ﷺ ليس منهم أحد إلا وقد روي له عدة أحاديث فمقل ومكثر. وأما ما نقله المؤلف عن ابن القيم رحمه الله تعالى فمعناه أن الصحابة ﵃ كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها فيما لم تدع الحاجة إليه. فأما ما دعت إليه الحاجة فقد روي عنهم في ذلك الكثير الطيب. وليس أحد من أكابر الصحابة وعلمائهم ممن تأخرت وفياتهم بعد النبي ﷺ إلا وقد روي عنه جملة أحاديث يصرح فيها بالسماع من النبي ﷺ أو يقول قال رسول الله ﷺ . ومنهم الخلفاء الأربعة وبقية العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم من أكابر الصحابة وعلمائهم, وأحاديثهم موجودة في الصحاح والسنن والمسانيد ولا سيما مسند الإِمام أحمد, فمن أراد الوقوف على كثير من أحاديثهم فليرجع إلى مسند الإِمام أحمد ففيه ما يكفي عن مراجعه غيره. فصل وقال المؤلف في صفحة (٢١) ما نصه الصحابة كانوا يتفاوتون في صدق الرواية عن بعضهم (ص ٧٠ أضواء على السنة, ص ٤٨ جـ١ سير أعلام النبلاء للذهبي, وفي البخاري ومسلم «صدق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له أنت عندنا العدل والرضا, وفي قصة الاستئذان يقول لأبي موسى الأشعري إئت بمن يشهد معك. مع أن كلاهما صحابي جليل ولكن رسول الله - ص - أعظم من الأمة كلها.

стр. 116

والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال لا خلاف بين العلماء أن الصحابة ﵃ كلهم عدول وأهل صدق وأمانة في روايتهم عن رسول الله ﷺ وفي رواية بعضهم عن بعض وليس فيهم من يتهم بالكذب في الرواية .. وأما قول المؤلف تبعا لأبي رية إن الصحابة كانوا يتفاوتون في صدق الرواية عن بعضهم فمعناه أن المؤلف وأبا رية كانا يريان أن بعض الصحابة كانوا يتصفون بالصدق في الرواية وبعضهم بخلاف ذلك. وهذا قول باطل مردود لأنه يتضمن الطعن في بعض الصحابة بأنهم ليسوا أهل صدق في الرواية. والطعن في الصحابة ليس بالأمر الهين. ومن طعن فيهم أو في بعضهم ووصفهم بعدم الصدق في الرواية فهو الكاذب الأفاك. الوجه الثاني أن يقال إن عمر ﵁ لم يتهم أبا موسى بالكذب في روايته وإنما شدد عليه لعلل ثلاث قد صرح بها في الحديث إحداها أن عمر ﵁ أحب أن يتثبت. والثانية أن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد, والثالثة أنه خشي أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ . قال النووي في شرح مسلم وأما قول عمر لأبي موسى أقم عليه البينة فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي ﷺ حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثا على النبي ﷺ فأراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى لا شكاً في رواية أبي موسى فإِنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي ﷺ ما لم يقل بل أراد زجر غيره بطريقه فإِن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو بلغته وكان في قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين انتهى. وقد أنكر أبي بن كعب ﵁ على عمر ﵁ تشديده على أبي موسى ﵁ كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال السلام

стр. 117

عليكم هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له فقال السلام عليكم هذا أبو موسى السلام عليكم هذا الأشعري ثم انصرف فقال ردوا علي ردوا علي فجاء فقال يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «الاستئذان ثلاث فإِن أذن لك وإلا فارجع» قال لتأتيني على هذا ببينة وإلا فعلت وفعلت فذهب أبو موسى قال عمر إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية وإن لم يجد بينة فلم تجدوه فلما أن جاء بالعشي وجدوه قال يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت قال نعم أبي بن كعب قال عدل قال يا أبا الطفيل ما يقول هذا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ قال سبحان الله إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت. وقد رواه أبو داود مختصرا. وفي رواية له أن عمر ﵁ قال لأبي موسى ﵁ «إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد» وفي رواية لمالك وأبي داود من طريق مالك أن عمر ﵁ قال لأبي موسى ﵁ «أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ . وفي الصحيحين وسنن أبي داود أن عمر ﵁ قال «خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق». فصل وقال المؤلف في صفحة (٢١) ما نصه عدد ما سمعه ابن عباس من النبي - ص - وعدد ما نسب إليه من الحديث. ذكر الآمدي في كتاب (الإِحكام في أصول الأحكام ص ٧٨ - ١٨٠ جـ ٢) أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله ﷺ سوى أربعة أحاديث لصغر سنه, ولما روى عن النبي - ص - (إنما الربا في النسيئة, وأن النبي - ص - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قال في الجزء الأول لما روجع فيه أخبرني به أسامة بن زيد, وقال في الخبر الثاني أخبرني أخي الفضل بن العباس. ولما روى أبو هريرة عن النبي - ص - أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له راجعوه في ذلك فقال ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمداً قال, ثم عاد فقال حدثني به الفضل بن العباس, وقال ابن القيم في (الوابل الصيب) إن ما سمعه ابن عباس عن النبي

стр. 118

- ص - لم يبلغ العشرين حديثاً, وعن ابن معين والقطان وأبي داود في السنن أنه روى تسعة أحاديث وذلك لصغر سنه ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده ١٦٩٦ حديثاً. (فتأمل أيها المؤمن العاقل لتعلم أنهم جميعا ضحايا للدس الإسرائيلي). والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن ابن عباس ﵄ قد روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث وروى عن الخلفاء الأربعة وعن غيرهم من أكابر الصحابة وعلمائهم كما سيأتي ذكر أسمائهم إن شاء الله تعالى. ولا خلاف أن الصحابة ﵃ كلهم عدول وموثوق بروايتهم عن النبي ﷺ وبرواية بعضهم عن بعض عن النبي ﷺ ولا يضر إرسالهم لأنهم لم يكونوا يرسلون إلا ما سمعوه من الصحابة الذين سمعوه من النبي ﷺ ولا يلحق أحداً منهم شك في روايته ولا تتطرق إليه التهمة أبداً. الوجه الثاني أن يقال إن ابن عباس ﵄ كان في غاية من النباهة والفطنة وكمال العقل وكان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه وقد دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل وكان يتتبع الأحاديث عن النبي ﷺ ويسأل عنها كبار الصحابة ﵃ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً. وقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة ابن عباس ﵄, روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأمه أم الفضل وأخيه الفضل وخالته ميمونة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي ذر وأبي بن كعب وتميم الداري وخالد بن الوليد - وهو ابن خالته - وأسامة بن زيد وحمل بن مالك بن النابغة وذؤيب والد قبيصة والصعب بن جثامة وعمار بن ياسر وأبي سعيد الخدري وأبي طلحة الأنصاري وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وأبي سفيان وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وجويرية بنت الحارث وسودة بنت زمعة وأم هانئ بنت أبي طالب وأم سلمة وجماعة انتهى. وروى البزار عن ابن عباس رضي الله نهما قال لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر فكان عامة حديثه عن عمر, قال الهيثمي رجاله

стр. 119

رجال الصحيح. وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عبد الرزاق عن معمر قال عامة علم ابن عباس ﵄ من ثلاثة عمر وعلي وأبي بن كعب ﵃. وذكر الذهبي أيضاً عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس ﵄ قال كنت أسمع بالرجل عنده الحديث فآتيه فاجلس حتى يخرج فأسأله ولو شئت أن أستخرجه لفعلت. وروى الدارمي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما عن ابن عباس ﵄ قال لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ فإِنهم اليوم كثير قال واعجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى فترك ذلك وأقبلت على المسألة فإِن كان ليبلغني الحديث علن الرجل فآتيه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت إلي فآتيك فأقول أنا آتيك فأسأله عن الحديث قال فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال كان هذا الفتى أعقل مني. وروى الدارمي أيضا عن ابن عباس ﵄ قال وجدت أكثر حديث رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار والله إن كنت لآتي الرجل منهم فيقال هو نائم فلو شئت أن يوقظ لي فادعه حتى يخرج لأستطيب بذلك حديثه. وروى ابن سعد عن أبي سلمة الحضرمي قال سمعت ابن عباس ﵄ يقول كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سُرَّ بإِتياني إليه لقربي من رسول الله ﷺ فجعلت أسأل أبي بن كعب وكان من الراسخين في العلم. وقال طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ , ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.

стр. 120

وروى محمد بن هارون الروياني في مسنده عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول ما صنع النبي ﷺ يوم كذا ومع ابن عباس من يكتب ما يقول, ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري, ورواه ابن سعد في الطبقات عن عبيد الله بن علي عن جدته سلمى قالت رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله ﷺ . وروى ابن سعد أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال كان ابن عباس قد فات الناس بخصال بعلم ما سبقه وفقه فيم احتيج إليه من رأيه وحلم وسيب ونائل وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه. وإذا علم ما ذكرنا من حرص ابن عباس ﵄ على رواية الحديث عن النبي ﷺ بواسطة الخلفاء الراشدين وغيرهم من أكابر الصحابة وأمهات المؤمنين ﵃ فماذا ينقم عليه المؤلف وأشباهه من زنادقة العصريين ويستكثرون عليه ما أسنده له أحمد في مسنده, ثم يحملهم التهور القبيح على أن يجعلوه من ضحايا الدس الإِسرائيلي, قاتل الله الزنادقة أنى يؤفكون. الوجه الثالث أن يقال من أقبح التهور قول الأفاك المفتري أن الصحابة جميعا ضحايا للدس الإِسرائيلي. والجواب أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) وهل يظن عدو السنة وعدو حملتها أن الصحابة ﵃ كانوا مغفلين بحيث تروج عليهم دسائس اليهود وغيرهم من أعداء الله حتى يكونوا ضحايا للدس حاشاهم من هذا الظن الكاذب. الوجه الرابع أن يقال إذا روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بواسطة الصحابة الذين ذكرنا أسماءهم في الوجه الثاني ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ وكذلك غيره من الصحابة إذا روى بعضهم عن النبي ﷺ بواسطة البعض الآخر ولم يذكروا الواسطة بينهم وبين النبي ﷺ فهو مقبول اتفاقا, ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في

стр. 121

فتح الباري في الباب الرابع من كتاب العلم وقرر صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة ﵃, وقرر في أول كتاب بدء الوحي أن مرسل الصحابة محكوم بوصله عند الجمهور. الوجه الخامس أن يقال ظاهر كلام المؤلف أنه يرى أن الصحابي إذا روى عن النبي ﷺ بواسطة صحابي آخر ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ أن ذلك يكون من الدس الإِسرائيلي ولهذا ذكر حديثي ابن عباس وحديث أبي هريرة ﵃ وجعل هذه الأحاديث مثالاً للدس الإِسرائيلي, وهذا غاية الوقاحة والجراءة على أصحاب رسول الله ﷺ ورميهم بالغباوة والتغفيل, وهِذا يدل على شدة بغضه لهم ولما حفظوه من السنة. وقد روى الترمذي عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». الوجه السادس أن يقال إن ضحايا الدس الإِسرائيلي في الحقيقة هم أبو رية والمؤلف وأشباههما من العصريين الذين تأثروا بخزعبلات جولد زيهر وإخوانه من المستشرقين الذين قد ملئوا كتبهم من الطعن في الإِسلام والقرآن والنبي ﷺ وأصحابه, وقد نقل أبو رية في ظلماته نقولا كثيرة عن جولد زيهر في طعنه على الصحابة واعتمد عليها. وكذلك كان أشباهه من الحاقدين على السنة وأهلها يعتمدون على كلام عدو الله جولد زيهر وإخوانه عن المستشرقين الذين قد شرقوا بالإِسلام وأهله, وأما المؤلف المسكين فهو أعمى البصيرة يسير خلف أبي رية أينما سار ويعتمد على ما نقله عن المستشرقين من اليهود وغيرهم من الحاقدين على الإِسلام وأهله فهو فريسة من فرائس المستشرقين وضحية من ضحايا دسهم وكيدهم للإِسلام والمسلمين. فصل ونقل المؤلف في صفحة (٢٤) عن أبي رية أنه قال يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم أن أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها قد جاءت صحيحة

стр. 122

المبنى محكمة التأليف وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطق النبي - ص - بها بلا تحريف فيها ولا تبديل, ولقد كان لهذا الفهم أثره في أفكار شيوخ الدين فاعتقدوا أن هذه الأحاديث في منزلة آيات الله في كتابه العزيز من وجوب التسليم بها وفرض الإِذعان لأحكامها بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من يخالفها ويستتاب من أنكرها أو شك فيها. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أما الأحاديث التي ليست جيدة الأسانيد فهذه لا قائل من العلماء بوجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها. وأما الأحاديث الثابتة بالأسانيد الصحيحة فالإِيمان بها والتسليم لها والإِذعان لأحكامها واجب على كل مسلم وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله, ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ فهو ممن يشك في إسلامه. وقد قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه. وقال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وقال إسحاق بن راهويه من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر. وقال الحسن بن علي بن خلف البربهاري في كتابه شرح السنة ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإِسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئاً من آثار رسول الله ﷺ أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإِسلام. وقال البربهاري أيضا من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله ومن رد حديثاً عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم. وللبربهاري في هذا الموضوع كلام أكثر من هذا وقد ذكرته في الفصل الأول

стр. 123

في هذا الكتاب فليراجع فإِنه مهم جداً. الوجه الثاني أن يقال ما اعتقده شيوخ الدين من وجوب التسليم للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وفرض الإِذعان لإِحكامها هو الحق الواجب على كل مسلم قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) فأقسم ﵎ بنفسه على نفي الإِيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ ويرض بحكمه ويذعن له ويسلم له تسليماً, وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو تصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة, الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. الوجه الثالث أن يقال من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وأنكر وجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها فلا شك في كفره فضلا عن القول بأنه يأثم ويفسق. ومن عرضت له شبهة أو شك في شيء منها وجب عليه أن يسأل أهل العلم عما عرض له فإن أصر بعد العلم وقيام الحجة عليه فلا شك في كفره. وقد قال النبي ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. فدل هذا الحديث الصحيح على أن من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وأنكر وجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها فهو كافر حلال الدم والمال. فصل وقال المؤلف في صفحة (٢٥) ما نصه اختلاف في حديث واحد وموضوع واحد هو الزواج والمهور جاءت امرأة إلى النبي - ص - وأرادت أن تهب نفسها له فتقدم رجل فقال يا رسول الله أنكحنيها ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن فقال له النبي - ص - أنكحتكها بما معك من القرآن. وفي رواية ثانية قد زوجتكها بما معك من القرآن. وفي ثالثة زوجتكها

стр. 124

على ما معك. وفي رواية رابعة قد ملكتكها بما معك من القرآن. وفي رواية خامسة أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها. وفي رواية سادسة أنكحناكها. وفي رواية سابعة خذها بما معك, فهذه اختلافات سبعة في موضوع ولفظ واحد, فهل يعقل أن يكون النبي - ص - كررها على هذا النحو أم أن ذلك دليل على نشاط وفاعلية الدس عليه بسبب فتنة المسلمين ببعضهم, مع أن اليقين بأن القرآن لا يصلح صداقاً ولا يصلح تأهيلاً للزواج, وذلك أصدق الأدلة على براءة النبي - ص - من هذا الحديث برواياته السبعة, إذ أن الزوج علاقة تقوم على كفاءة مادية يملكها الزوج حتى يعول بها زوجته وأبناءه. وحفظ القرآن بغير قدرة مالية لا يصلح نفقة إلا إذا باعه الزوج بلقيمات من العيش الرخيص وذلك حرام. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن جميع الروايات في حديث الواهبة نفسها معناها واحد وإن اختلفت الألفاظ في أداة التزويج, وحاصلها هو تزويج الرجل على أن يعلم المرأة مما معه من القرآن ويكون ذلك صداقها, وليس في اختلاف الألفاظ على أداة التزويج ما يغير معنى الحديث ولا ما يترتب عليه مفسدة. الوجه الثاني أن يقال إن الطعن في حديث الواهبة نفسها من أجل اختلاف الألفاظ في أداة التزويج لا شك أنه من التنطع والتشدق الذي لا يصدر إلا من رجل في قلبه زيغ ومحبة للفتنة وتشكيك المسلمين في الأحاديث الصحيحة التي لا شك في ثبوتها عن النبي ﷺ . الوجه الثالث أن يقال إن الرواية بالمعنى جائزة وقد روي ذلك عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم, قال الدارمي في سننه «باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى» ثم روى عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال «إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم» وروى أيضا عن الحسن أنه كان إذا حدث قدم وأخر. وروى أيضا عن جرير بن حازم قال كان الحسن يحدث بالحديث الأصل واحد والكلام مختلف, وروى أيضا عن ابن عون قال كان الشعبي والنخعي والحسن يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين فقال أما إنهم لو حدثوا به كما سمعوا كان خيراً لهم. وقال الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية» «باب ذكر من

стр. 125

كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف» ثم روى ذلك عن واثلة بن الأسقع وأبي سعيد وعائشة وابن مسعود وأبي الدرداء وأنس بن مالك وعمرو بن دينار والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وابن أبي نجيح وعمرو بن مرة وجعفر بن محمد وسفيان الثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد ويحيى بن سعيد ومحمد بن مصعب القرقساني. وروى أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال كنا نجلس إلى النبي ﷺ عسى أن نكون عشرة نفر نسمع الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد. وروى أيضاً عن أيوب عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث عن عشرة المعنى واحد واللفظ مختلف. وروى أيضاً عن أزهر بن جميل قال كنا عند يحيى بن سعيد ومعنا رجل يتشكك فقال له يحيى يا هذا إلى كم هذا, ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى وقد رخص فيه على سبعة أحرف. وروى أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة ﵂ يا بني إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه فقلت لها أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره فقالت هل تسمع في المعنى خلافاً قلت لا قالت لا بأس بذلك. ونقل السخاوي في فتح المغيث عن ابن الصلاح أنه قال في الرواية بالمعنى أنه الذي شهدت به أحوال الصحابة والسلف الأولين فكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمرٍ واحد بألفاظ مختلفة وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انتهى. وقال الشافعي وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قرائته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه, وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان فإِنه قال القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف وكذا قال أبو أويس سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث

стр. 126

إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراماً ولم تحرم به حلالاً فلا بأس به. واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه بألفاظ مختلفة في شيء واحد كقوله (بشهاب قبس) و (بقبس أو جذوة من النار) وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى. وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله ﷺ يوتر بسبح اسم ربك وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد, فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى انتهى. الوجه الرابع أن المؤلف استدل على وقوع الدس في حديث الواهبة نفسها باختلاف الألفاظ في أداة التزويج. واستدلاله بذلك يدل على عداوته للسنة وتشكيكه في الأحاديث الصحيحة ورغبته في نبذها واطراحها مهما أمكنه, وهذا عنوان على ما في قلبه من الزيغ والزندقة. الوجه الخامس أنه يجوز أن يجعل الصداق تعليم سورة أو سور من القرآن أو آيات منه كما يجوز أخذ الأجرة على تعليمه وعلى الرقية به لقول النبي ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄. وقد رقى بعض الصحابة لديغاً بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم فأجاز ذلك النبي ﷺ وقال لهم «اضربوا لي بسهم معكم» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وروى الإِمام أحمد وأبو داود بأسانيد حسنة عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه ﵁ أنه أتى على حي من العرب عندهم رجل مجنون فرقاه بفاتحة الكتاب قال فأعطوني جعلاً, وفي رواية مائة شاة فقلت لا حتى أسأل النبي ﷺ فسألته فقال «خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق». قال النووي في الكلام على حديث الواهبة نفسها, في هذا الحديث دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن وجواز الاستئجار لتعليم القرآن وكلاهما جائز عند الشافعي وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة منهم الزهري وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» يردان قول من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز

стр. 127

الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة. وقال النووي أيضا في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري ﵁, قوله ﷺ «خذوا واضربوا لي بسهم معكم» هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال لا كراهة فيها, وكذا الأجرة على تعليم القرآن وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية انتهى. قلت وحديث سهل بن سعد ﵁ في قصة الواهبة مع حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره قريباً يردان قول أبي حنيفة. الوجه السادس أن يقال إن يقين المؤلف بأن القرآن لا يصلح صداقا ليس بيقين وإنما هو ظن كاذب وتخرص باطل مردود بقول النبي ﷺ للرجل «انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن» رواه مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. ورواه البيهقي في سننه بإِسناد مسلم وقال فيه «انطلق فقد زوجتكها بما تعلمها من القرآن». وروى ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ زوج رجلاً امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن. وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث سهل بن سعد ﵁ وقال فيه إن النبي ﷺ قال للرجل «قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك». الوجه السابع أن النبي ﷺ قال للرجل «التمس ولو خاتما من حديد» ومن المعلوم أن خاتم الحديد لا يقوم بالتأهيل للزواج ولا بشيء من التأهيل للزواج لأن قيمته تافهة جداً ومع هذا يصلح جعله صداقاً. وإذا كان خاتم الحديد مع حقارته وتفاهة قيمته يصلح جعله صداقاً فكيف بتعليم القرآن الذي يفوق العلم بأقل القليل منه على خواتم الذهب فضلاً عن خاتم الحديد. الوجه الثامن أن يقال إن حديث الواهبة ثابت عن النبي ﷺ ومن زعم أن النبي ﷺ بريء مما هو ثابت عنه فلا شك أنه معاند مكابر يحاول رد الأحاديث الصحيحة واطراحها وإبطال السنن الثابتة عن النبي ﷺ وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ وقد قال الله

стр. 128

تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) وقال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين). الوجه التاسع أن المؤلف اعتمد على عقليته الفاسدة محتجا بها على معارضة الحديث الصحيح ورده وذلك في قوله إن الزواج علاقة تقوم على كفاءة مادية يعول بها زوجته وأبناءه, إلى آخر كلامه, وهذه حجة داحضة مردودة على قائلها فإِن النكاح يصح عقده على خاتم من حديد وليس كفاءة مادية يعول بها الزوج زوجته وأبناءه. ويصح عقده على تعليم شيء من الأدب أو صنعة أو كتابة وعلى تعليم أبواب من الفقه أو الحديث أو قصيدة من الشعر المباح لأنه يصح أخذ الأجرة على تعليم هذه الأشياء فصح كونها صداقاً, وليس في تعليم هذه الأشياء كفاءة مادية يعول بها الرجل زوجته وأولاده. وقد روى الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن عامر بن ربيعة ﵁ أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله ﷺ «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين» قالت نعم قال فأجازه قال الترمذي حديث حسن صحيح. وروى الإِمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً كانت له حلالاً» ورواه أبو داود ولفظه قال «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل» ورواه البيهقي في سننه ولفظه قال «من أعطى في صداق ملء كفيه براً أو تمراً أو سويقاً أو دقيقاً فقد استحل» وفي رواية لأبي داود قال «كنا على عهد رسول الله ﷺ نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة» وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن حريج عن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ ». قال البيهقي والنسخ إنما ورد بإِبطال الأجل لا قدر ما كانوا عليه ينكحون من الصداق انتهى.

стр. 129

ورواه البيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن جابر ﵁ قال كنا ننكح على عهد رسول الله ﷺ بالقبضة من الطعام». وروى ابن ابي شيبة والبيهقي عن ابن أبي لبيبة عن جده أن رسول الله ﷺ قال «من استحل بدرهم فقد استحل» يعني في النكاح. ولا يخفى أنه ليس في النعلين, ولا في القبضة من الطعام ولا في ملء الكفين من البر أو التمر أو السويق أو الدقيق كفاءة مادية يعول بها الزوج زوجته وأولاده ومع هذا يصلح جعلها صداقاً, ولا شك أن تعليم سورة أو سور من القرآن يفوق على النعلين والقبضة من الطعام وملء الكفين من البر أو التمر أو السويق أو الدقيق فيكون جعله صداقاً أولى من جميع هذه الأشياء والله أعلم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٢٥) و (٢٦) ما نصه مثال آخر يثبت اختلاف البخاري ومسلم في الموضوع وليس في الرواية وحقيقة هامة. روى البخاري عن ابن عمران النبي - ص - قال يوم الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة الخ الحديث. قال ابن حجر في شرح هذا الحديث وقع النص في جميع النسخ عند البخاري على صلاة العصر ووقع في جميع النسخ عند مسلم على صلاة الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإِسناد واحد وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون. وكذا أخرجه ابن سعد, وأما أصحاب المغازي فقد اتفقوا على أنها العصر, قال ابن حجر بعد ذلك إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإِنه يحافظ على اللفظ كثيراً ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري, وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة والذي قاله ابن حجر عن البخاري يؤيده ما رواه الخطيب البغدادي عن البخاري قال رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقيل له يا أبا عبد الله بكماله, فسكت, وقال حيدر بن أبي جعفر والي بخارى قال لي محمد بن إسماعيل البخاري يوما رب حديث سمعته

стр. 130

بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت يا أبا عبد الله بتمامه, فسكت. والجواب أن يقال الذي يظهر من إيراد المؤلف لحديث ابن عمر ﵄ في حث النبي ﷺ أصحابه على سرعة السير إلى بني قريظة أنه يريد التشكيك فيه باختلاف رواية البخاري ومسلم في تعيين الصلاة التي أمرهم النبي ﷺ أن لا يصلوها إلا في بني قريظة فعند البخاري أنها العصر وعند مسلم أنها الظهر, وقد رواه كل منهما عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر ﵄. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن مسلماً وافقه أبو يعلى وآخرون. قال وكذلك أخرجه ابن سعد عن أبي غسان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ الظهر. وابن حبان من طريق أبي غسان كذلك, غير أن أبا نعيم في المستخرج أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية فقال العصر. قال وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر, ثم ذكر قول ابن إسحاق وفيه أنها العصر, قال وكذلك أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل بإِسناد صحيح إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن كعب وفيه أنها العصر, قال وأخرجه الطبراني من هذا الوجه موصولا بذكر كعب بن مالك فيه. قال وللبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ نحوه مطولاً, قال وهذا كله يؤيد رواية البخاري في أنها العصر انتهى. وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما رواه البيهقي عن عائشة ﵂ وفيه أنها العصر ثم قال ابن كثير ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها انتهى. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد حديث كعب بن مالك ﵁ وفيه أنها العصر ثم قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة انتهى. قلت ويؤيد رواية البخاري ما جاء في حديثي كعب بن مالك وعائشة ﵄ أن طائفة من الذين ساروا إلى بني قريظة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعد ما غربت الشمس, ولم يأت في شيء من الأخبار أنهم صلوا سوى صلاة واحدة فدل على أنها العصر, ولو كان الأمر واقعاً على صلاة الظهر لكان يلزمهم أن يصلوا صلاتين الظهر والعصر ولما لم ينقل هذا دل على أن رواية البخاري هي المطابقة للواقع.

стр. 131

والذي يظهر من حديث جويرية بن أسماء أنه قال مرة العصر ورواه عنه بهذا اللفظ أبو حفص السلمي, وقال مرة الظهر ورواه عنه بهذا اللفظ أبو غسان مالك بن إسماعيل, وأما عبد الله بن محمد بن أسماء فرواه عن عمه جويرية باللفظين فسمعه البخاري من عبد الله على أحدهما وسمعه مسلم وغيره على اللفظ الآخر والله أعلم. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية قال ابن حجر بعد ذلك إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيراً ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري. فجوابه أن يقال إن المؤلف وإمامه في الضلال قد تصرفا في بعض كلام الحافظ ابن حجر بما غير لفظه ومعناه, وبيان ذلك من وجهين أحدهما أن الحافظ ابن حجر لم يجزم بأن البخاري رحمه الله تعالى كتب حديث ابن عمر ﵄ من حفظه ولم يراع فيه اللفظ وإنما أبدى ذلك احتمالا كما هو واضح من كلامه في فتح الباري. وقد ساق أبو رية والمؤلف كلام الحافظ ابن حجر مساق الجازم بأن البخاري كتب حديث ابن عمر ﵄ من حفظه ولم يراع اللفظ وهذا خطأ وغلط على الحافظ ابن حجر. الوجه الثاني أن الحافظ ابن حجر قال بعد أن أبدى احتمالا أن البخاري كتب حديث ابن عمر ﵄ من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإِنه يحافظ على اللفظ كثيراً. قال وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري. ومراد الحافظ أنه لا يجوز أن يكون مسلم كتب حديث ابن عمر ﵄ من حفظه كما جوز ذلك على البخاري. وقد أبدل المؤلف وأبو رية قول الحافظ ابن حجر (وإنما لم أجوز عكسه) بقولهما (ولم يجوز مثله) وهذا من قلة أمانتهما في النقل, وكلمتهما تقتضي أن يكون الحافظ ابن حجر لا يجوز مثل ما يجوزه البخاري من الكتابة من الحفظ من غير مراعاة اللفظ. وهذا خطأ وغلط على الحافظ ابن حجر فإِنه إنما أراد ما ذكرته آنفا ولم يرد ما توهمه المؤلف وأبو رية. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث

стр. 132

بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة. فجوابه أن يقال مراد المؤلف وأبي رية بذلك ما فعله البيهقي في سننه والبغوي في شرح السنة فإِنهما إذا أخرجا الحديث من الطريق التي أخرجها منه البخاري ومسلم أو أحدهما قالا بعده رواه البخاري عن فلان ومسلم عن فلان, وقد يكون في لفظ البيهقي أو البغوي بعض المخالفة للفظ البخاري ومسلم مع اتفاق المعنى ومع ذلك لا يبين اختلاف اللفظ, وهذا جائز عند المحدثين, ولا يقدح في الحديث ما يقع فيه من الاختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى, وعلى هذا جرى عمل العلماء من أهل الحديث قديماً وحديثاً, ولا عبرة بمن خالفهم من تلامذة الإِفرنج ومقلديهم من جهال العصريين وزنادقتهم. ويظهر من كلام المؤلف وأبي رية أنهما أرادا به الاعتراض على البيهقي والبغوي ومن صنع مثل صنيعهما في إيراد الحديث وذكر من خرجه من أهل الكتب الستة مع ما يقع بينهم من الاختلاف في بعض الألفاظ. وأرادا أيضا التشكيك في الأحاديث الصحيحة التي يرويها البيهقي في سننه والبغوي في شرح السنة وقد قال الله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم). وأما ما ذكره عن الخطيب البغدادي أنه روى عن البخاري أنه قال رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقيل له يا أبا عبد الله بكماله, فسكت, وقال حيدر بن أبي جعفر والي بخارى قال لي محمد بن إسماعيل البخاري يوماً رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت يا أبا عبد الله بتمامه, فسكت. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن البخاري رحمه الله تعالى كان آية في الحفظ والإِتقان ومشهوراً بذلك عند المحدثين. وقد كان كثير من شيوخه يقرون له بالفضل والتقدم وكذلك أقرانه ومن بعدهم من أئمة الحديث. وقد تقدم (١) ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي أحمد ابن عدي أن البخاري لما قدم بغداد اجتمع أصحاب الحديث وأرادوا امتحانه فعمدوا إلى مائة

стр. 133

حديث فقلبوا أسانيدها ثم ألقوها عليه فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. وتقدم (١) أيضا ما ذكره الحافظ ابن حجر عن أبي الأزهر قال كان بسمرقند أربعمائة محدث فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحرم في إسناد اليمن فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة. وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة بإِسناده عن محمد بن أبي حاتم قال سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ الحديث في البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع فقال لنا بعد ستة عشر يوماً إنكما قد أكثرتما علي وألححتما فأعرضا علي ما كتبتما فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه, ثم قال أترون أني اختلف هدراً وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد. وروى القاضي أبو الحسين أيضا عن عبد الله بن الإِمام أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. فهذه شهادة من إمام أهل السنة والجماعة للبخاري بالفضل والتقدم. وبهذه الشهادة وأمثالها من شهادات شيوخه وأقرانه وأئمة العلم والهدى من بعدهم يرد على من حاول التشكيك في حفظ البخاري والحط من قدره. وأما سكوت البخاري لما سئل عما كان يكتبه من حفظه هل كان يكتبه بتمامه أم لا. فجوابه أن يقال يحتمل أن يكون سكوته عن الجواب من باب الاحتياط خشية أن يكون قد وقع منه تقديم أو تأخير أو تغيير في بعض الألفاظ وإن كان ذلك لا يؤثر في الحديث, ويحتمل أن يكون سكوته عن الجواب خوفاً من العجب وتزكية النفس, ولعل هذا الاحتمال هو الأقرب, وأيا ما كان فلا عيب على البخاري في سكوته عن الجواب ولا يؤثر ذلك فيما اتصف به من مزيد الحفظ والإِتقان.

стр. 134

الوجه الثاني أن يقال الذي يظهر من إيراد المؤلف وأبي رية لما ذكره الخطيب البغدادي وحيدر بن أبي جعفر عن البخاري أنهما أرادا بذلك التشكيك فيما يكتبه البخاري من حفظه واتهامه بأنه كان يتساهل في كتابة الحديث ولا يعتني بضبط الألفاظ. وفيما ذكرته آنفا عن ابن عدي وأبي الأزهر وحاشد بن إسماعيل كفاية في الرد على من توهم النقص في حفظ البخاري أو ظن به التساهل في كتابة الحديث وقلة الاعتناء بضبط الألفاظ. وقد جعل الله تعالى للبخاري لسان صدق عند جميع أهل السنة والجماعة فلا يضره تشدق العصريين وتنطعهم بما يرون أنه يحط من قدره, وقد جعل الله لصحيحه القبول التام عند جميع أهل السنة والجماعة فلا يلحق أحداً منهم شك في شيء من أحاديثه. وقد خالفهم تلامذة الإِفرنج ومقلدوهم من العصريين فأثاروا التشكيكات في حفظ البخاري واتهموه بالتساهل في كتابة الحديث وأثاروا التشكيكات في صحيحه وطعنوا في كثير من أحاديثه وقابلوها بالرد والاطراح. وهذا لا يضر البخاري ولا يؤثر في صحيحه. وإنما يعود وبال ذلك على أولئك المتشدقين المتنطعين فيظهر للناس ما كانوا يخفونه من الزندقة والإِلحاد ومحادة الله ورسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وإنه لينطبق على البخاري وعلى المشككين في حفظه وإتقانه وفي صحيحه قول الشاعر: وما ضر نور الشمس أن كان ناظراً ... إليه عيون لم تزل دهرها عميا وقول الأعشى: كناطح صخرة يوما ليوهيها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وقول الحسين بن حميد يا ناطح الجبل العالي ليكلمه ... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل فصل وقال المؤلف في صفحة (٢٦) و (٢٧) ما نصه مثل آخر على اختلاف الرواية في تأبير النخل في أربع روايات. الرواية الأولى, روى مسلم في كتابه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال «مررت مع رسول

стр. 135

الله - ص - على قوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقلت يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله - ص - ما أظن يغني ذلك شيئاً, قال فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله بذلك قال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإِذا ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإِني لن أكذب على الله ». الرواية الثانية, عن رافع بن خديج قال قدم نبي الله المدينة وهم يؤبرون النخل فقال «ما تصنعون قالوا كنا نصنعه قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً قال فتركوه فنقصت أو قال فتنقصت, قال فذكروا ذلك له فقال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإِنما أنا بشر» رواه مسلم أيضاً ورواه النسائي. الرواية الثالثة, عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن أنس أن النبي - ص - مر بقوم يلقحون فقال «لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال ما لنخلكم, قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم». الرواية الرابعة رواها الإِمام أحمد وفيها «ما كان من أمر دينكم فإِلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به» وفي رواية رويت عن ابن رشد في كتاب التحصيل والبيان ما أنا بزراع ولا صاحب نخل. ونقول للعقلاء من المؤمنين بالله وبرسوله, هذه أربع روايات في موضوع واحد ومنها روايتين في كتاب مسلم, وكلهم مختلفين اختلافا واضحاً, فهل معنى ذلك أن النبي - ص - وأصحابه هم السبب أم أن الرواة قد دسوا ذلك أم أنه اندس عليهم فصدقوه. والجواب عن هذا من وجوه أحدها عما وقع من المؤلف من التغيير في بعض الكلمات في الأحاديث الأربعة, فمن ذلك قوله في الحديث الأول (على قوم) وصوابه (بقوم) ومن ذلك قوله (فقلت يلحقونه) وصوابه (فقالوا يلحقونه) ومن ذلك قوله (فإذا ظننت ظناً) وصوابه (فإِني إنما ظننت ظنا) , ومن ذلك قوله في الحديث الثاني (وهم يؤبرون) وصوابه (يأبرون) ومن ذلك قوله (فنقصت أو قال فتنقصت) وصوابه (فنفضت أو فنقصت) قال النووي نفضت بالفاء والضاد المعجمة وهو بفتح الحروف

стр. 136

كلها ومعناه أسقطت ثمرها. قال أهل اللغة ويقال لذلك المتساقط النفض بفتح النون والفاء بمعنى المنفوض انتهى. ومن ذلك قوله (من رأي) وصوابه (من رأيي) , ومن ذلك قوله في الحديث الثالث والحديث الرابع (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن أنس) وصوابه (حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة, وعن ثابت عن أنس) فهذان حديثان رواهما حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂, وعن ثابت عن أنس ﵁ وقد جعلهما المؤلف حديثاً واحداً فأخطأ في ذلك وغلط غلطاً فاحشاً أبان به عن غباوته وكثافة جهله. والرواية التي ذكرها عن ابن رشد فيها نكارة شديدة ولم أرها في شيء من كتب الحديث, والأحرى أنها موضوعة, وفي آخر كلامه لفظتان لحن فيهما وهما (روايتين) و (مختلفتين) والصواب (روايتان) و (مختلفتان). الوجه الثاني أن يقال إن الاختلاف في ألفاظ هذه الأحاديث لا يؤثر فيها لأن المعنى في الجميع واحد وهو أن النبي ﷺ أخبر الذين يلقحون النخل عن رأيه وظنه ولم يخبرهم عن وحي جاءه من الله تعالى. والعبرة بالمعنى لا بالألفاظ, وعلى هذا فتشكيك المؤلف في هذه الأحاديث الصحيحة من أجل اختلاف ألفاظها لا شك أنه من التشدق والتنطع, وكذلك قوله هل معنى ذلك أن النبي وأصحابه هم السبب إلى آخر كلامه فكل ذلك من التشدق والتنطع وإظهار العداوة للأحاديث الصحيحة ورواتها. الوجه الثالث أن المؤلف تردد في توجيه الاتهام في سبب الاختلاف الواقع في ألفاظ الأحاديث التي تقدم ذكرها فبدأ بالنبي ﷺ وأصحابه. وما أعظم ذلك وأبشعه وأشنعه ولاسيما في حق النبي ﷺ . ثم وجه الاتهام إلى الرواة بأحد شيئين إما دس الكذب في الأحاديث التي تقدم ذكرها, وإما التغفيل بحيث يروج عليهم الكذب ويندس عليهم فيصدقونه ويروونه. وهذا قول سوء مردود على قائله ولا شك أن الرواة بريئون من جميع التهم التي وجهها إليهم المؤلف ظلما وزوراً. الوجه الرابع أن يقال إن رواة الأحاديث الأربعة كلهم ثقات لا مطعن في أحدٍ منهم, فاتهام المؤلف لهم بأنهم قد دسوا في هذه الأحاديث أو اندس عليهم

стр. 137

فصدقوه لا شك أنه إفك وبهتان والمؤلف أولى بصفة الدس لأنه قد بذل جهده في دس الشبه والشكوك على المسلمين واستفرغ وسعه في تشكيكهم في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , وهو أيضاً أولى بصفة الغباوة والتغفيل لأنه قد قلد أبا رية في دسائسه وأباطيله وترهاته وتشكيكه في الأحاديث الصحيحة ووقيعته في الصحابة وتنقصه لهم, ومثل المؤلف مع أبي رية كمثل أعمى قد وضع يده في يد أعمى يقوده إلى مهاوي الهلاك والدمار, وقد قيل «قد ضل من كانت العميان تهديه». الوجه الخامس قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإِمام أحمد في الكلام على حديث طلحة بن عبيد الله ﵁, هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربة فيها من عبيد المستشرقين وتلامذة المبشرين فجعلوه أصلا يحتجون به على أهل السنة وأنصارها وخدام الشريعة وحماتها. إذا أرادوا أن ينفوا شيئا من السنة وأن ينكروا شريعة من شرائع الإِسلام في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا يتمسكون برواية أنس «أنتم أعلم بأمر دنياكم» والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين ولا بالألوهية ولا بالرسالة ولا يصدقون القرآن في قرارة نفوسهم, ومن آمن إنما يؤمن لسانه ظاهراً. ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه لا عن ثقة وطمأنينة ولكن تقليداً وخشية, فإذا ما جَدَّ الجِدّ وتعارضت الشريعة - الكتاب والسنة - مع ما درسوا في مصر أو في أوربة لم يترددوا في المفاضلة ولم يحجموا عن الاختيار, فضلوا ما أخذوه عن سادتهم, واختاروا ما أشربته قلوبهم. ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإِسلام. والحديث واضح صريح لا يعارض نصاً ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى. فكل ما جاء عنه فهو شرح وتشريع (وإن تطيعوه تهتدوا) وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم «ما أظن ذلك يغني شيئاً» فهو لم يأمر ولم ينه ولم يخبر عن الله ولم يسن في ذلك سنة حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع بل ظن ثم اعتذر عن ظنه قال «فلا تؤاخذوني بالظن» فأين هذا مما يرمي إليه أولئك. هدانا الله وإياهم سواء السبيل. انتهى. فصل وقال المؤلف في صفحة (٢٧) ما نصه اختلاف واضح في موضوع واحد أورده البخاري في ثماني روايات مختلفة

стр. 138

- ثم ذكر روايات أبي جحيفة وإبراهيم التيمي عن أبيه للصحيفة التي كانت عند علي ﵁ فيها العقل - أي الدية - وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وفيها أشياء غير ذلك في رواية التيمي - ثم قال في صفحة (٢٩) و (٣٠) ولنا الحق بعد تقديم هذا المثال على أن الحديث النبوي كان يروى بالمعنى وليس بالنص وأن باب النقل بالمعنى هو الذي جاءنا بالزيادات وبالنقص في كلام رسول الله - ص - أقول إن لنا الحق أن نقول كلمتين. الكلمة الأولى نقول فيها مَنْ مِن المسلمين العقلاء يصدق أن تكون هذه الروايات كلها صحيحة وهي ثمانية روايات مختلفة وواردة كلها بهذا الاختلاف في صحيح البخاري. فأي معنى وأي حقيقة تكون وراء ذلك التناقض الصريح في كلام ينسب لرسول الله ويأتينا في أصح موارد الحديث إلا أن يكون أمر الحديث وموضوعه كان يؤخذ بغير عناية ولا التفات إلى ما يترتب على ذلك وأنه جاءنا من طرق الوضع والدس لغرض واحد هو التضليل ولهذا أفرغه الوضاعون في عدة روايات متباينة في الألفاظ حتى يموهوا على المسلمين وحتى يظل باب الدس مفتوحاً أمامهم دون أن تغلقه عقول المؤمنين. وأي شيء أعجب من أن يكون البخاري شيخ واحد وكتابه سجل واحد والحديث أيضاً في موضوع واحد وبعد ذلك تأتي الروايات الثمانية فيه مختلفة اختلافا صريحاً في اللفظ والمعنى. أما الكلمة الثانية فإِنا نقول فيها قطعاً ويقيناً بأن ما جاء في تلك الرواية المختلفة هو الدليل على وجود الكذب على رسول الله - ص - وعلى صاحبه وابن عمه علي بن أبي طالب وأن علياً لو أراد أو أمره النبي أن يدون حديثاً لضاقت بحصيلة وعيه الكتب والمجلدات. ولقد كان لديه من القضايا ما هو أهم من عقل الإِبل أمام بيت صاحب الدم وما هو أهم من تسنينها وهو التوحيد وما يتشعب عنه, فهل آن لنا أن نعطي لكلام نبينا كل اهتمامنا الذي يصفيه من الكذب الإِسرائيلي. والجواب عن هذا من وجوه أحدها في بيان ما جاء في كلام هذا الجاهل المركب من اللحن وفساد التعبير, فمن ذلك قوله (في ثماني روايات) وصوابه (في ثمان روايات) ومن ذلك قوله (وهي ثمانية روايات) وصوابه (وهي ثمان روايات) ومن ذلك قوله (أن يكون البخاري شيخ واحد وكتابه سجل واحد) وصوابه أن يكون البخاري شيخاً واحداً وكتابه سجلاً واحداً) ومن ذلك قوله (وبعد ذلك تأتي

стр. 139

الروايات الثمانية) وصوابه (وبعد ذلك تأتي الروايات الثمان). الوجه الثاني أن يقال ليس كل الأحاديث النبوية يروى بالمعنى كما زعم ذلك المؤلف, بل منها ما يروى بالنص ومنها ما يروى بالمعنى. ولا شك أن الرواية بالنص أولى من الرواية بالمعنى, والرواية بالمعنى جائزة كما تقدم تقريره. الوجه الثالث أن المؤلف ادعى أن له الحق على أن الحديث النبوي كان يروى بالمعنى وليس بالنص, ولم يأت ببينة على ما ادعاه سوى الظن والتخرص, وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) وقال النبي ﷺ «إياكم والظن فإِن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. الوجه الرابع أن يقال إن الزيادة في بعض الروايات والنقص في بعضها لها أسباب كثيرة وأهمها شيئان أحدهما أن النبي ﷺ كان في بعض الأحيان يكرر الحديث على أصحابه مراراً في المجلس أو في مجالس متعددة وربما قال في بعض المجالس ما لم يقل في غيره فيسمعه من لم يسمع ما قال في غير ذلك المجلس فيحدث هذا بما سمع ويحدث الآخر بما سمع في المجلس الآخر وتختلف رواياتهم بحسب ما سمعه كل منهم وحفظه. الثاني قوة الحفظ في بعض الرواة وضعفها في بعضهم فبعضهم يحفظ كل ما سمعه وبعضهم يحفظ البعض وينسى البعض فيحدث هذا بما حفظه ويحدث الآخر بما حفظه. ومن حدث بما حفظه ولو غير تام فقد أدى ما يجب عليه قال الله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). وأما قول المؤلف في الكلمة الأولى مَنْ مِنَ المسلمين العقلاء يصدق أن تكون هذه الروايات كلها صحيحة وهي ثمان روايات مختلفة وواردة بهذا الاختلاف في صحيح البخاري. فجوابه أن يقال كل علماء المسلمين يصدقون بصحة ما رواه البخاري في صحيحه ويقبلون كل ما فيه من الأحاديث المتصلة. وقد ذكر النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم, قال وتلقتهما الأمة بالقبول.

стр. 140

ونقل النووي عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه قال جميع ما حكم مسلم بصحته فهو مقطوع به والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر. وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإِجماع. ونقل النووي أيضا عن إمام الحرمين أنه قال لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإِجماع علماء المسلمين على صحتهما. وذكر ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» أن العلماء أجمعوا على قبول صحيح البخاري وصحة ما فيه, وكذلك سائر أهل الإِسلام. وفيما قاله هؤلاء الأئمة الأعلام أبلغ رد على المؤلف الذي قد حاد الله ورسوله وخالف إجماع المسلمين واتبع غير سبيل المؤمنين, وعلى أشباهه من تلامذة المستشرقين ومقلديهم الذين هم أعدى عدو للسنة وأهلها. وإذا علم هذا فنقول من لم يصدق بما رواه الشيخان في صحيحيهما أو رواه أحدهما فليس من العقلاء ولا كرامة له ولا نعمة عين. وأما قوله فأي معنى وأي حقيقة تكون وراء ذلك التناقض الصريح في كلام ينسب لرسول الله ويأتينا في أصح موارد الحديث. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ليس بين رواية أبي جحيفة ﵁ لما كان في صحيفة علي ﵁ وبين رواية التيمي شيء من التناقض, وما كان من الزيادة في رواية التيمي لا يناقض رواية أبي جحيفة لأن أبا جحيفة روى طرفا مما في الصحيفة وروى التيمي أكثر منه, وسيأتي ذكر رواية أبي جحيفة ورواية التيمي عن أبيه وعن الحارث بن سويد وروايات أبي حسان الأعرج وأبي الطفيل وطارق بن شهاب, وفي كل رواية من الزيادة ما ليس في غيرها, والسبب في ذلك تفاوت الرواة في الحفظ فكل منهم نقل ما حفظه مما كان في الصحيفة, وكل رواياتهم صحيحة لا مطعن في شيء منها بوجه من الوجوه, وقد توهم المؤلف أن الزيادة في بعض الروايات والاختصار في بعضها يكون من التناقض الصريح, وهذا من غباوته وكثافة جهله, وما رأيت أحداً سبقه إلى هذا القول الباطل والرأي الفاسد, وإنه لينطبق على المؤلف قول الشاعر:

стр. 141

لقد كان في الإِعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البُلْد وقول الآخر زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدى ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر الوجه الثاني في ذكر الروايات لصحيفة علي ﵁ ليتضح لطالب العلم أن المؤلف قد تهور فيما زعمه من وجود التناقض الصريح بين روايات البخاري لبعض ما في الصحيفة. فمنها ما رواه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح والبخاري في صحيحه والنسائي بإِسناد صحيح وابن ماجه مختصراً عن أبي جحيفة ﵁ قال قلت لعلي ﵁ هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله قال «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة, قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر» هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد. قوله العقل أي الدية, والمراد بيان أحكام الديات ومقاديرها وأصنافها. وسميت الدية عقلا لأن القاتل إذا جمع الدية من الإِبل عقلها بفناء أولياء المقتول ليسلمها إليهم فسميت الدية عقلا بالمصدر قاله ابن الأثير في النهاية. قوله وفكاك الأسير أي حكم تخليصه من أيدي العدو والترغيب في ذلك. ومنها ما رواه الإِمام أحمد بإِسنادين صحيحين والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال قال علي ﵁ «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة قال فأخرجها فإِذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإِبل, قال وفيها المدينة حرم ما بين عير الى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ومن والى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» هذا لفظ البخاري في كتاب الفرائض, وزاد أحمد في إحدى روايتيه ومسلم

стр. 142

والترمذي «ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً». قوله وأسنان الإبل, المراد والله أعلم بيان أسنان الإِبل التي تؤخذ في دية النفس وفي الجراحات وفي فرائض الصدقة. ومنها ما رواه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال قيل لعلي ﵁ إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة قال ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يخص به الناس إلا بشيء في قراب سيفي هذا فأخرج صحيفة فيها شيء من أسنان الإِبل وفيها أن المدينة حرم ما بين ثور إلى عائر من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فإِن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ومن تولى مولى بغير إذنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل». ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا بإِسناد صحيح عن أبي حسان الأعرج أن علياً ﵁ كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال قد فعلنا كذا وكذا فيقول صدق الله ورسوله, قال فقال له الأشتر إن هذا الذي تقول قد تفشغ في الناس أفشيء عهده إليك رسول الله ﷺ قال علي ﵁ ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئاً خاصة دون الناس إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي قال فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة. قال فإِذا فيها «من أحدث حدثا أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف وعدل» قال وإذا فيها «إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة حرم ما بين حرتيها وحماها كلها لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره ولا يحمل فيها السلاح لقتال» وإذا فيها «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» وقد روى أبو داود والنسائي طرفا منه, ورواه النسائي أيضاً عن أبي حسان عن الأشتر.

стр. 143

قوله تفشغ أي فشا وانتشر قاله ابن الأثير في النهاية. ومنها ما رواه الإِمام أحمد والنسائي أيضا بإِسناد صحيح عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵁ فذكر بعض ما في حديث التيمي عن أبيه وعن الحارث بن سويد. ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا بإِسناد صحيح عن أبي الطفيل عامر بن وائلة ﵁ قال سئل علي ﵁ هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء فقال ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا قال فأخرج صحيفة مكتوب فيها «لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثاً». ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضاً وابنه عبد الله بأسانيد صحيحة عن طارق بن شهاب قال رأيت علياً ﵁ على المنبر يخطب وعليه سيف حليته حديد فسمعته يقول والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله ﷺ فيها فرائض الصدقة, قال لصحيفة معلقة في سيفه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوباً فيها فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه, قال وأتمها سياقاً طريق أبي حسان انتهى. الوجه الثالث أن يقال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف, وهذه الأحرف عبارة عن أنواع من المخالفة في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى. وكان النبي ﷺ يقرئ بعض أصحابه على حرف من السبعة وبعضهم على حرف آخر وبعضهم على حرف آخر غير الحرفين وهكذا إلى تمام الأحرف السبعة, ولم يزالوا على القراءة بالأحرف السبعة في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ﵄ حتى جمعهم عثمان ﵁ على حرف واحد وهو ما وافق العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من حياته وأمر بالمصاحف فكتبت على ذلك وأرسلها إلى الآفاق وعزم عليهم أن لا يقرءوا بغيرها, وكان رسم الخط يومئذ خالياً من النقط والشكل وكان يحذف فيه كثير من الألفات كما هو معروف في رسم بعض المصاحف فلهذا كان رسم الخط عندهم

стр. 144

يحتمل غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغييرات التي كان يترخص بها بعض الناس. وإذا علم هذا فهل يقول المؤلف أن قراءة الصحابة بالأحرف السبعة تناقض صريح, وكذلك ما يذكر في كتب التفاسير عن القراء المشهورين من الاختلاف في بعض الكلمات هل يقول المؤلف أن ذلك تناقض صريح كما زعم ذلك في الأحاديث الصحيحة. أم ماذا يجيب به عن تهوره في رمي الأحاديث الصحيحة بالتناقض الصريح من أجل الاختلاف في بعض الألفاظ أو البسط في بعض الروايات والاختصار في بعضها. وقد جاء اختلاف اللفظ في قصص الأنبياء في القرآن وكذلك البسط في قصصهم في بعض المواضع والاختصار في مواضع أخر, فهل يقول المؤلف أن ذلك تناقض صريح أم لا. فإِن قال بالتناقض في القرآن كما قال ذلك في الأحاديث الصحيحة فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه وحل دمه وماله, وإن نفى التناقض عن القرآن لزمه أن ينفيه عن الأحاديث الصحيحة, وإن لم يفعل كان من الذين يفرقون بين الله ورسله وقد قال الله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً, أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً). وقد ذكرت في أول الكتاب عن إسحاق بن راهويه وأبي محمد البربهاري أنهما قالا بتكفير من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , فليراجع (١) ذلك في الفصل الأول. وأما قوله إلا أن يكون أمر الحديث وموضوعه كان يؤخذ بغير عناية ولا التفات إلى ما يترتب على ذلك وأنه جاءنا من طرق الوضع والدس لغرض واحد هو التضليل ولهذا أفرغه الوضاعون في عدة روايات متباينة في الألفاظ حتى يموهوا على المسلمين وحتى يظل باب الدس مفتوحاً أمامهم دون أن تغلقه عقول المؤمنين. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا يعتنون

стр. 145

بحفظ الأحاديث أشد الاعتناء. وكان أبو هريرة ﵁ قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء, جزءاً لقراءة القرآن وجزءاً ينام فيه وجزءاً يتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ , ذكره ابن كثير في البداية والنهاية. وذكر أيضاً عن حماد بن زيد حدثنا عمرو بن عبيد الأنصاري حدثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة فأقعدني خلف السرير وجعل مروان يسأل أبا هريرة وجعلت أكتب عنه حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولا نقص ولا قدم لا أخر. وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد سمع عروة بن الزبير عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يحدث بحديث رفع العلم فحدث عروة عائشة ﵂ بذلك فأعظمت ذلك فلما كان بعد عام حج عبد الله بن عمرو ﵄ فأمرت عائشة ﵂ عروة أن يسأله عن حديث رفع العلم قال فلقيته فسألته فذكره على نحو ما حدثني به في مرته الأولى فأتيت عائشة فأخبرتها فعجبت وقالت والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو, وفي رواية قالت ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص, وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بلفظ أبسط من هذا. وهذا الذي ذكرته نموذج من عناية الصحابة بالحديث وحرصهم على حفظه, وجميع علماء الصحابة كانوا على غاية من الحفظ والإِتقان لما سمعوه من النبي ﷺ وما سمعه بعضهم من بعض. وقد كان التابعون وتابعوهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم يعتنون بالحديث غاية الاعتناء ويتحفظونه كما يتحفظون القرآن. وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن الإِمام أحمد أنه قال كان قتادة لا يسمع شيئاً إلا حفظه قرئت عليه صحيفة جابر مرة فحفظها, وذكر غيره عن قتادة أنه قرأ مرة سورة البقرة فلم يخطئ حرفا ثم قال لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة. وكان كثير منهم يحفظون ويكتبون ومنهم من يحفظ ولا يكتب. وقد تقدم قريبا (١) ما ذكره حاشد بن إسماعيل أنهم عرضوا على البخاري ما كتبوه عن مشايخ
следующие страницы →