انحرفت عقيدته وزاغ قلبه بسبب تكذيبه للأحاديث الصحيحة ورفضه واطراحه لها.
الوجه التاسع أن يقال إن رسوخ العقيدة الصحيحة وثباتها واستقامة القلوب إنما يكون بالإيمان بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة. فمن آمن بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة رسخت العقيدة الصحيحة في قلبه وثبتت واستقام قلبه, ومن رفض شيئاً مما جاء في القرآن أو الأحاديث الصحيحة فلا بد أن تنحرف عقيدته ويزيغ قلبه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) ما نصه
الدافع الرابع هو إبعاد الشوائب الإسرائيلية عن معاني القرآن والسنة النبوية حتى يتوقف طوفان البدع الدينية عند حدود ما شرع الله في كتابه وبيّن رسوله بعمله وبذلك يصبح القرآن شفاء مجدياً لأمراض الصدور بعد أن تعطلت فاعليته في هذا الشفاء نتيجة لمزجه بمحلول وتركيبة الحديث الدخيل على كلام النبي فازدادت معظم القلوب مرضا على أمراضها رغم أنه تستوعب القرآن حفظاً أو سمعاً حتى أصبح الواجب الأول على علماء الدين أن يثبتوا أن العيب لم يكن نقصا في فاعلية القرآن وتأثيره في أمراض الصدور وإنما العيب كل العيب في مزجه بمخلوط الحديث الخيالي المخترع والتشريع المبتدع المستمد من روايات الخيال السابح في أودية التخريف الإسرائيلي.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن أقول قد ذكرت مراراً أن صحيح البخاري وغيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ليس فيها شيء من الدس الإسرائيلي وليس فيها شيء يخالف القرآن أو يدعو إلى البدع الدينية. وما زعمه المؤلف من الدس فيها بما يخالف القرآن أو يدعو إلى البدع الدينية فهو زعم كاذب فلا يغتر به.
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف لم يبعد عن معاني القرآن شيئاً من الشوائب الإسرائيلية وإنما أبعد الأحاديث الصحيحة النبوية واختار للإبعاد صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد القرآن. ولا أعلم أن أحداً سبق المؤلف إلى هذا العمل الخبيث فالله يجازيه على ذلك بعدله.
الوجه الثالث أن المؤلف فرق بين أقوال النبي ﷺ وأعماله
стр. 72
فقبل الأعمال ورد الأقوال وزعم أنها دسائس إسرائيلية فكان مثله مثل اليهود الذين قال الله تعالى فيهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون).
الوجه الرابع أن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور منذ أنزله إلى أن يرفع إلى السماء في آخر الزمان. ولم تتعطل فاعليته في الشفاء إلا عند الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كالمؤلف وأشباههم من الزنادقة.
الوجه الخامس أن المؤلف صرح أن القرآن قد تعطلت فاعليته في شفاء أمراض الصدور نتيجة لمزجه بمحلول الحديث الدخيل على كلام النبي ﷺ . ومراد المؤلف بالحديث الدخيل ما جمعه من صحيح البخاري وزعم أنه من الدس الإسرائيلي وليس من كلام النبي ﷺ . فعلى حد كلام المؤلف يكون القرآن قد تعطلت فاعليته في شفاء أمراض الصدور منذ زمان النبي ﷺ إلى زمان المؤلف. وهذا قول سوء لا يقوله مسلم.
الوجه السادس أن المؤلف رمى الأحاديث الصحيحة التي جمعها من صحيح البخاري بأنها من الحديث الخيالي المخترع والتشريع المبتدع المستمد من روايات الخيال السابح في أدوية التخريف الإسرائيلي.
والجواب عن هذا التهور القبيح أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا).
الوجه السابع أن يقال من أوجب الواجبات على علماء الدين أن ينفوا عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وأن ينفوا عن الأحاديث الصحيحة كل شناعة وزور وبهتان مما يفتريه الدجالون والزنادقة الملحدون كالمؤلف وأشباهه من أدعياء العلم والإسلام. والقيام بهذا الواجب من أعظم الجهاد في سبيل الله. وقد قال الله تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم, والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم).
стр. 73
الوجه الثامن أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الصحيحة عيب البتة وإنما العيب كل العيب فيمن عابها وعارضها ورفضها واطرحها وكذب بما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية, ورمى بعض الصحابة والتابعين بالعظائم وطعن في عدالتهم بالزور والبهتان. وهذا هو ما عمله المؤلف في كتابه واستحسنه وبذل جهده في كتابته ونشره وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) وصفحة (١٠) ما نصه
الدافع الخامس هو تبرئة النبي ﷺ مما نسب إليه من أحاديث القول الزائد على البيان القرآني لصفات الله وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما بينه القرآن عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت والعلم بالغيب وموعد الساعة وعن عالم الجن رؤية واتصالا وأحوال النبيين وأممهم. إذ المعروف أن النبي ﷺ لم يأت بشيء في تلك الأمور أكثر مما جاءه في القرآن الذي يقول الله عنه وفيه (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال من أبطل الباطل تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات الأثبات. ولا يقول بهذا القول الباطل إلا من هو زائغ القلب فاسد العقيدة والتصور.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله». وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول الكتاب فليراجع (١) ففيه أبلغ رد على المؤلف في إنكاره للأحاديث الصحيحة الزائدة على ما جاء بيانه في القرآن.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة
стр. 74
الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال ﷺ أيضا «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله». وقد تقدم إيراد هذين الحديثين (١) وذكر من رواهما وصححهما من الأئمة, وفيهما أبلغ رد على المؤلف لأن النبي ﷺ حث على التمسك بسنته وهي تشمل أقواله وأفعاله. ومن فرق بين أقوال النبي ﷺ وأفعاله فآمن بالأفعال وأنكر الأقوال فهو ممن آمن ببعض السنة وكفر ببعضها. وإيمانه بالأفعال مع إنكاره للأقوال لا ينفعه إذ لا بد من الإيمان بهما معا, وقد تقدم في الفصل الأول في هذا الكتاب (٢) قول البربهاري, من رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
الوجه الرابع أن الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وفي هذه الآيات أوضح دليل على أنه يجب على المسلمين قبول ما جاء في الأحاديث الصحيحة من بيان صفات الله تعالى وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما جاء فيها من الإِخبار عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت وغير ذلك من أمور الغيب وعن أحوال النبيين وأممهم وعن رؤية الجن واتصالهم ببني آدم. فكل ما ثبت عن النبي ﷺ بنقل الثقات الأثبات فهو حق يجب قبوله ولا يجوز رد شيء منه ولو كان زائداً على ما جاء في القرآن إلا إذا عارضه ما هو أصح منه من الأحاديث. ومن رد شيئاً مما ثبت عن النبي ﷺ فقد رد على الله أمره في قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولم يصدق بما أخبر الله به عن الرسول ﷺ أنه ما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى.
الوجه الخامس أن النبي ﷺ لم يخبر عن موعد الساعة البتة. ولما قال جبريل ﵇ للنبي ﷺ اخبرني عن الساعة قال «ما المسؤل عنها بأعلم من السائل» رواه الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
стр. 75
وقد قال الله تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وقال تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها). وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن النبي ﷺ قال «خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).
وإذا علم هذا فما زعمه المؤلف من أنه قد روي عن النبي ﷺ أحاديث في موعد الساعة فهو كذب من المؤلف لا أصل له.
الوجه السادس أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أشياء كثيرة لم تكن في القرآن وقد أمر الله المسلمين بقبولها فقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وأخبر ﵎ أنها من الوحي فقال تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وهذا هو المعروف عند أهل العلم وإنما يجهله الأغبياء ويتجاهله الزنادقة الأشقياء.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٠) ما نصه
الدافع السادس هو تبرئة النبي (ص) من الخوارق الخرافية والخيالية التي كان غنيا عنها بمعجزة القرآن الكريم. ورفع منزلته على ما نسجه خيال المادحين له بجهالة وطيش. وعلى ما وضعه الماكرون من اليهود في سيرته من عيوب أساءت إلى صفحته الرفيعة الطاهرة وخصاله العالية الحميدة كما سيرى القارئ الكريم في أبواب هذا الكتاب. وأعظم من ذلك دافعا وأكبر قصداً هو تبرءته ﵊ مما نسبه إليه الإِسرائيليون من تعصب نحو شخصه حينما اتهموه بأنه قال إنه سيشفع في عمه. وفضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين. وفي كتابنا هذا من تلك المفتريات الإِسرائيلية على رسول الله والتي جمعناها من صحيح البخاري ما يملأ نفوس المؤمنين غيرة على نبيهم ودينهم فيعلنون محاربتهم لها وما يحمل الساكتين عن محاربتها وزر الكاتمين لما أنزل الله.
стр. 76
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الخوارق الثابتة عن النبي ﷺ كلها حق وهي من أعلام النبوة وليست بخرافية ولا خيالية كما زعم ذلك المؤلف ظلما وزوراً وبهتاناً.
الوجه الثاني أن يقال ليست معجزات النبي ﷺ مقصورة على القرآن بل كان له من المعجزات وخوارق العادات شيء كثير, وأعظم معجزاته القرآن العظيم الذي عجز الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بسورة من مثله ولو كانت من قصار السور. ومن أعظم معجزاته أيضا انشقاق القمر وقد ذكر الله ذلك في كتابه العزيز فقال تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «خمس قد مضين الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر» وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك فلتراجع في تفسيره.
وقال في «البداية والنهاية» وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله ﷺ وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة انتهى.
ومن معجزاته أيضا تكثير الطعام القليل وقد ثبت ذلك في قضايا متعددة.
ومن معجزاته أيضا تكثير الماء القليل ونبع الماء من بين أصابعه في الإِناء وقد ثبت ذلك في قضايا متعددة.
ومن كراماته ﷺ سرعة إجابة دعائه في الاستسقاء والاستصحاء وغير ذلك.
ومن كراماته أيضا تسليم الشجر والحجر عليه وتسبيح الحصى في كفه. وكذلك تسبيح الطعام وهو يؤكل. وكان الصحابة ﵃ يسمعون تسبيحه. وكل ما ذكرنا فهو ثابت بالأسانيد الصحيحة وليس شيء من ذلك من نسج خيال المادحين للنبي ﷺ كما قد زعم ذلك من استزله الشيطان وأغواه. وله صلى الله
стр. 77
عليه وسلم من المعجزات وخوارق العادات غير ما ذكرنا وهي كثيرة جدا.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أن معجزات النبي ﷺ تزيد على ألف ومائتين. وقال البيهقي في المدخل بلغت ألفا. وقال الزاهدي من الحنفية ظهر على يديه ألف معجزة وقيل ثلاثة آلاف. وقد اعتنى بجمعها جماعة من الأئمة كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما انتهى.
الوجه الثالث أن يقال إن الأحق بوصف الجهالة والطيش من يخبط خبط عشواء في إنكار الأحاديث الصحيحة وردها وذلك هو صاحب الكتاب الذي نرد عليه.
الوجه الرابع أن يقال إن الله تعالى قد صان الأحاديث الصحيحة من مكر الماكرين وأقام لها من الثقات الأثبات من حفظها وأداها إلى الأمة. وما زعمه المؤلف عن الماكرين من اليهود أنهم وضعوا في سيرة النبي ﷺ عيوبا أساءت إلى صفحته الرفيعة الطاهرة وخصاله العالية الحميدة فهو كذب وزور مردود على قائله الذي هو شر على الإسلام والمسلمين من اليهود وغيرهم من أعداء الإِسلام والمسلمين.
الوجه الخامس أن المؤلف قد أصيب بتقليب القلب وعمى البصيرة فكان يرى المحاسن في صورة المساوئ والفضائل في صورة المعائب. ومن ذلك قوله عن المعجزات وخوارق العادات التي جعلها الله تعالى كرامات للنبي ﷺ وأعلاما من أعلام نبوته أنها من العيوب التي أساءت إلى صفحته وخصاله. والجواب أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
وأما قوله وأعظم من ذلك دافعاً وأكبر قصداً هو تبرءته ﵊ مما نسب إليه الإِسرائيليون من تعصب نحو شخصه حينما اتهموه بأنه قال أنه سيشفع في عمه.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري والعباس بن عبد المطلب ﵄, فأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فرواه الإِمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما أنه سمع رسول الله
стр. 78
صلى الله عليه وسلم وذكر عنده أبو طالب فقال «لعله أن تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه».
وأما حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ فرواه الإِمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما أنه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال «نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» رجال الحديثين كلهم ثقات أثبات من لدن الصحابيين إلى الأئمة المخرجين للحديثين, فأي طريق للإِسرائيليين إلى الدس في هذين الحديثين لو كان المؤلف الجاهل يعقل.
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف المفتون هو الذي أراد الدس في هذين الحديثين الصحيحين وتشكيك المسلمين فيما ثبت عن نبيهم ﷺ فهو في الحقيقة شر من اليهود وأعظم ضرراً على الإِسلام والمسلمين.
الوجه الثالث أن يقال إن شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه ليست من التعصب نحو شخصه ﷺ كما زعم ذلك المؤلف الأحمق. وليس في ذلك ما يدعو إلى اتهامه ﷺ كما زعم ذلك أيضا. وإنما هي من إكرام الله لنبيه ﷺ وقبول شفاعته في عمه. وأعظم من هذا شفاعته ﷺ لأهل الموقف يوم القيامة حينما يطول وقوفهم ويشتد الكرب عليهم فيشفعه الله ويأتي لفصل القضاء بين عباده كما هو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد. ولا ينكر ذلك إلا من هو مكابر معاند. وكذلك لا ينكر شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الرابع أن المؤلف الجاهل ومن كان على شاكلته من العصريين قد وضعوا لأنفسهم قاعدة خبيثة بل معولاً من معاول هدم الإِسلام وتضليل المسلمين. وهذه القاعدة الخبيثة هي إنكار ما خالف آراءهم أو آراء شيوخهم من الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه. فتارة يزعمون أنها من الدس الإِسرائيلي. وتارة يزعمون أنها تخالف القرآن. والواقع في الحقيقة أنها تخالف عقولهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة وعقائدهم التي تلقوها من الإفرنج وتلاميذ الإفرنج ومن يعظمهم ويحذو حذوهم ويتبع آراءهم التي تخالف الكتاب والسنة.
стр. 79
ومن الرؤساء الزائغين المرتدين عن الإِسلام من ذهب إلى اطراح السنة بالكلية زاعماً أن الكذب قد دخل في الأحاديث واختلط الصحيح بالمكذوب بحيث لا يمكن التمييز بينهما فوجب اطراح الجميع. وهذا قول خبيث لا يصدر من رجل مسلم وإنما يصدر من كافر فاجر لا يمت إلى الإِسلام بصلة. وقد وضع هذا المرتد كتابا أملاه عليه شيطانه وجعله شريعة لأتباعه يتمسكون به ويتبعون ما فيه. وقد قال الله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإِنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) وقال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون).
وهذا المرتد الذي أشرنا إليه والمؤلف الجاهل وأشباههم من أعداء الأحاديث الصحيحة ينطبق عليهم ما أخبر به رسول الله ﷺ في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ أنه يكون في آخر الزمان دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قال حذيفة ﵁ فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال «نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار فلأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحداً منهم». رواه ابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. وفي رواية «تكون فتنة عمياء صماء دعاة الضلالة أو قال دعاة النار فلأن تعض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحداً منهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وأبو داود السجستاني وغيرهم.
وأما قوله وفضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ظاهر كلام المؤلف أن النبي ﷺ فضل بنته على أهل الجنة على وجه العموم فيدخل في ذلك الرجال والنساء
стр. 80
وهذا خطأ ظاهر لأن النبي ﷺ إنما أخبر أن فاطمة ﵂ سيدة نساء أهل الجنة خاصة دون الرجال.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «يا فاطمة أما ترضين أنت تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» وفي رواية «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ورجال هذه الأحاديث كلهم ثقات أثبات من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لهذه الأحاديث فأي طريق للإِسرائيليين إلى الدس في هذه الأحاديث الصحيحة لو كان المؤلف الجاهل يعقل, ولا ينكر ما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الثالث أن يقال إن المؤلف المفتون هو الذي أراد الدس في هذه الأحاديث الصحيحة وتشكيك المسلمين فيما ثبت عن نبيهم ﷺ فهو في الحقيقة شر من اليهود وأعظم منهم ضرراً على الإِسلام والمسلمين.
الوجه الرابع أن النبي ﷺ إنما كان مبلغا عن الله كما قال تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى). وإخباره صلى الله علي وسلم بما أكرم الله به بنته فاطمة من السيادة لنساء أهل الجنة وما أكرم الله به زوجته عائشة من التفضيل على النساء ليس من التعصب نحو بنته وزوجته كما زعم ذلك عدو الله وليس في ذلك ما يدعو إلى اتهامه ﷺ كما زعم ذلك أيضا.
وقد روى الترمذي وحسنه عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال «هذا ملك نزل من السماء لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» فهذا يدل على
стр. 81
أن النبي ﷺ إنما كان مبلغا لما أخبره به الملك عن الله تعالى من سيادة فاطمة لنساء أهل الجنة. وكذلك ما أخبر به عن زوجته عائشة هو من باب التبليغ عن الله تعالى. وقد قال الله تعالى (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة عائشة ﵂. ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي ﷺ بل أعلم النساء على الإطلاق. قال الزهري لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وقال عطاء بن أبي رباح كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها. وقال أبو موسى الأشعري «ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما» رواه الترمذي. وقال أبو الضحى عن مسروق رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال الشعبي كان مسروق إذا حدث عن عائشة ﵂ قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ المبرأة من فوق سبع سموات, وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي عثمان النهدي عن عمرو بن العاص ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال «عائشة قلت ومن الرجال قال أبوها» انتهى.
وإذا علم ما ذكرنا فلا ينكر فضل عائشة ﵂ على النساء إلا من هو مكابر معاند وكذلك لا ينكر سيادة فاطمة ﵂ لنساء أهل الجنة إلا من هو مكابر معاند لأن فاطمة ﵂ كانت بضعة من النبي ﷺ والنبي ﷺ سيد بني آدم في الدنيا والآخرة فلا ينكر أن تكون بنته التي أصيبت بفقده سيدة نساء أهل الجنة, كما أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة, وكما أن أبا بكر وعمر ﵄ سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين. وكل هذا ثابت عن النبي ﷺ فلا ينكره إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الخامس أن المؤلف قد زعم أن الإِسرائيليين نسبوا إلى النبي صلى الله
стр. 82
عليه وسلم أنه يتعصب نحو شخصه وأنهم اتهموه بأنه قال إنه يشفع في عمه وأنه فضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين. وفي الحقيقة أن الإِسرائيليين بريئون مما نسبه المؤلف إليهم وأن المؤلف هو الذي نسب إلى النبي ﷺ أنه يتعصب نحو شخصه. وهو الذي اتهم النبي ﷺ بما زعم أنه تهمة في حقه, وهذه ردة صريحة لأن هذا القول صريح في سب النبي ﷺ وعيبه وإلحاق النقص به. وقد تقدم في أول الكتاب ذكر الإِجماع على تكفير من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصا وذكر الإِجماع على قتله فليراجع (١).
وأما قوله وفي كتابنا هذا من تلك المفتريات الإِسرائيلية على رسول الله والتي جمعانها من صحيح البخاري ما يملأ المؤمنين غيرة على نبيهم ودينهم فيعلنون محاربتهم لها وما يحمّل الساكتين عن محاربتها وزر الكاتمين لما أنزل الله.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن ما جمعه المؤلف من صحيح البخاري كله ثابت عن النبي ﷺ وليس فيه شيء مفترى على رسول الله ﷺ . وفي جراءة المؤلف على تلك الأحاديث الصحيحة دليل على أن الله تعالى قد أعمى بصيرته فكان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق.
الوجه الثاني أن يقال إن الإِسرائيليين بريئون مما نسبه المؤلف إليهم من افتراء الأحاديث الصحيحة على رسول الله ﷺ . وفي الحقيقة أن الكاذب المفتري على رسول الله ﷺ هو المؤلف وأشباهه من الزنادقة الذين يلحدون في آيات الله ويردون الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ولا يبالون برفضها واطراحها.
الوجه الثالث أن يقال إن إعلان المحاربة لما في صحيح البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة ليس فيه غيرة على النبي ﷺ ولا على الدين وإنما هو في الحقيقة محادة لله ولرسوله ﷺ ومحاربة لدين الإِسلام, والذي يحارب الأحاديث الصحيحة ولا يبالي برفضها واطراحها هو الذي يحمل الوزر العظيم على أفعاله السيئة ويحمل أوزار الذين يتبعونه على أباطيله ويضلون بسببه.
стр. 83
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٠) ما نصه
الدافع السابع هو الوازع التعبدي الذي حملنا على إبراز البيان الحقيقي لمولد ونشأة الحديث الباطل وعصر تغلغله في كتب الحديث الصحيحة حتى أصبح شيئاً منازعاً لكتاب الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس ما فعله المؤلف في رد الأحاديث الصحيحة من الوازع التعبدي كما قد توهم ذلك وإنما هو من الدافع الشيطاني بلا شك فإن الشيطان قد لعب بالمؤلف وزين له أعماله السيئة في رد الأحاديث وعدم المبالاة برفضها واطراحها. وهذه الأفعال السيئة من أحب الأشياء إلى الشيطان لما فيها من المحادة لله ولرسوله ﷺ .
الوجه الثاني أن يقال ليس في الصحيحين شيء من الأحاديث الباطلة وما زعمه المؤلف من تغلغل الحديث الباطل في كتب الحديث الصحيحة فهو زعم كاذب ومكابرة ومحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع لغير سبيل المؤمنين لأنهم قد أجمعوا على قبول الصحيحين وصحة أحاديثهما وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً).
الوجه الثالث أن يقال ليس في الأحاديث الصحيحة ما ينازع كتاب الله بوجه من الوجوه ولكن المؤلف وأشباهه من أدعياء العلم يتأولون كتاب الله على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق آراءهم وعقولهم الفاسدة حتى يجعلوا بين بعض الآيات والأحاديث الصحيحة نزاعا لا حقيقة له في نفس الأمر ثم يحكّمون أفهامهم الخاطئة في الأحاديث الصحيحة فيقبلون منها ما أحبوا ويردون ما لا يوافق آراءهم وعقولهم الفاسدة.
الوجه الرابع أن يقال كل حديث صحيح لا يخلو من أن يكون موافقا للقرآن أو زائداً على ما جاء فيه. وكل من النوعين يجب قبوله ويحرم رده لقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض
стр. 84
قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآيات (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول هذا الكتاب فليراجع (١).
وإذا علم هذا فمن رد حديثا صحيحا لم يعارضه ما هو أقوى منه من الأحاديث الصحيحة فلا شك أن ذلك لزيغ في قلبه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١١) ما نصه
الدافع الثامن هو تقديم ما استطعنا حصره من الأحاديث المخالفة للقرآن في مضمونه أو في معناه. وقد اخترنا لهذا الحصر كتاب البخاري باعتباره عمدة الأصول والمراجع في هذا المجال حتى يكون البحث في غيره عن مثل هذه الأحاديث أولى وأهم باعتبار أن ما سواه من تلك الأصول وهذه المراجع أدنى منه صحة وسنداً وتقييما - إلى أن قال - ولسنا مغالين إذا قطعنا بسرعة التأييد لمقاصدنا من كل مؤمن يقرأ هذا الكتاب وهو يفرق بين قيمته العلمية المستمدة من كتاب الله والسنة العملية لرسوله وبين ما لا حجة لصوابه سوى أننا توارثناه في كتب الحديث - إلى أن قال - ومن هنا استطعنا رفض الحديث الدخيل وتفنيد الرد بإبطاله أخذاً من معاني القرآن الكريم.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في الأحاديث التي حصرها المؤلف وجمعها من صحيح البخاري ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه كما سأبين ذلك عند كل حديث مما جمعه المؤلف إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني أن يقال ما قطع به المؤلف من سرعة التأييد لمقاصده الخبيثة من كل مؤمن يقرأ كتابه قد انعكس عليه وخاب ظنه الكاذب فكل مؤمن له أدنى علم وفهم قد سخط غاية السخط من سوء فعل المؤلف في رد الأحاديث الصحيحة وعدم المبالاة برفضها واطراحها, وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم
стр. 85
المؤلف على النبي ﷺ وإلحاق العيوب والنقص به وإنكار كراماته ومعجزاته وتسميتها قصصاً خيالية وخوارق خرافية كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن الدافع السادس من دوافع المؤلف لتأليف كتابه المشئوم عليه وعلى من اغتر به من الجهلة الأغبياء, وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم المؤلف على بعض الصحابة والتابعين ورميهم بما هم براء منه من العيوب كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى, وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم المؤلف على صحيح البخاري واستهانته بشأنه ومحاولته الحط من قدره وقدر مؤلفه كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وما أكثر الذين يحثون على الرد على المؤلف ويتمنون أن تجرى عليه أحكام المرتدين.
الوجه الثالث أن يقال كل ما توارثه أهل العلم في كتب الصحاح والسنن والمسانيد مما روي بالأسانيد الصحيحة فهو ثابت عن النبي ﷺ والحجة لصوابه صحة الإِسناد. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه انتهى.
وقال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
الوجه الرابع أن يقال إن المؤلف لم يرفض شيئاً من الأحاديث الدخيلة وإنما رفض الأحاديث الصحيحة التي خرجها البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن وهو بهذا الفعل السيء قد شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين الذين أجمعوا على صحة ما في صحيح البخاري وقبوله. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
стр. 86
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٢) ما نصه
الدافع التاسع هو ضرورة التأكيد على أن السنة العملية هي البيان التطبيقي لأحكام الله في العبادات. وقد بينها النبي (ص) بيانا عمليا مشهوداً من الأمة كلها. ولعلمه ﵊ أن الناس أدركوا هذا التطبيق بمشاهدتهم وأنه أمرهم بنقله بياناً وعملاً لمن بعدهم كما تعلموه منه ولعلمه وتأكده تماماً أن ما عرفوه من تطبيقه العملي لما جاء به القرآن أصبح علماً معروفاً بالمشاهدة وسنة منقولة نقلا جماعياً متواتراً. فإِنه لم يأمرهم بتدوين شيء اسمه الحديث خشية أن يصبح كتاب الحديث في مكانه المنازع لكتاب الله بعد مضي السنين وتعاقب الزمن كما هو حادث الآن من الأحاديث التي رصدناها كأمثلة على ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب, وبنفس الدافع اضطررنا إلى التأكيد على أن الشيطان هو الذي جند الإِسرائيليين لعملية التخريب العقائدي في صدور المسلمين عن طريق الحديث الدخيل حينما عجز عن الوصول إلى عقائدهم عن طريق القرآن الكريم الذي وجدوه محفوظا من التبديل بمقتضى قول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) - إلى أن قال - ولقد برع اليهود في حبك تركيبة الحديث الباطل بحيث لا يخلو أبداً من جملة براقة في تمجيد النبي وتكريمه حتى تكون هذه الجملة دثاراً وغشاء لما فيه من زور وباطل يبرأ الله ورسوله منه, وتأكيداً على تلك الحقيقة فإِنا قد حشدنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب من أحاديث العيب والعوار ما يقنع العقلاء بأن وضاعي الحديث قد دسوا لنا السم في العسل.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن السنة ليست مقصورة على أفعال النبي ﷺ فقط كما زعم ذلك المؤلف وإنما هي شاملة لأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته, هذا هو المعروف عند علماء المسلمين قديما وحديثا. ولا عبرة بما يهذو به تلامذة الإِفرنج من العصريين الذين فرقوا بين أفعال النبي ﷺ وبين أقواله وتقريراته فقبلوا الأفعال وردوا ما سواها, وهؤلاء مشابهون للذين قال الله تعالى فيهم (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا).
الوجه الثاني أن الله تعالى قال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
стр. 87
فانتهوا) وهذه الآية الكريمة تشمل أقوال النبي ﷺ وأفعاله وقال تعالى في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وهذا يدل على أنه يجب تصديقه فيما أخبر به من أمور الغيب وأنه يجب الأخذ بأقواله كما يجب الأخذ بأفعاله, وقد جاء الأمر بالإِيمان بالرسول في آيات كثيرة, ومن الإِيمان به الإِيمان بما أعطاه الله من المعجزات وأنواع الكرامات وخوارق العادات.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يكتبوا خطبته التي خطب بها يوم الفتح لأبي شاه كما هو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁. وأذن ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄ أن يكتب كل ما سمعه منه, رواه الإِمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم من طرق وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وله طرق عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضاً.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قلت يا رسول الله إني أحب أن أعي حديثك ولا يعيه قلبي أفأستعين بيميني قال «إن شئت» قال البوصيري سنده حسن.
وروى الإِمام أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال «ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإِنه كان يكتب ولا أكتب».
وروى ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال «ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان. الصادقة والوهط. فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها».
وقد كان عند علي ﵁ صحيفة فيها أسنان الإِبل وأشياء من الجراحات وأشياء غير ذلك من الأحكام روى ذلك أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن. وفي رواية لأحمد عن علي ﵁ أنه قال هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله ﷺ فيها فرائض الصدقة قال الحافظ ابن حجر سنده حسن.
стр. 88
وقد كتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات.
وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قال «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» فاختلفوا وكثر اللغط فقال «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع».
وروى الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً من الأنصار شكى إلى النبي ﷺ فقال إني أسمع منك الحديث ولا أحفظه فقال «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط, قال الترمذي ليس إسناده بذاك القائم.
وروى ابن عبد البر عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ صحيفة مكتوب فيها «ملعون من أضل أعمى عن السبيل».
وروى الرامهرمزي عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال «اكتبوا ذلك ولا حرج» نقله السيوطي في تدريب الراوي.
وفيما ذكرته من الأحاديث دليل على الإِذن في كتابة الحديث وفي الإِذن في الكتابة دليل على جواز التدوين.
وقد أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين الحديث وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ولم يخالفه أحد من التابعين ولا من بعدهم من العلماء فكان ذلك كالإِجماع على جواز التدوين.
فإِن قيل فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه».
قيل قد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأجوبة سأذكرها فيما يلي إن شاء الله تعالى, وجمع بعضهم بين النهي عن الكتابة وبين الإِذن فيها بجمع حسن, قال ابن الأثير في جامع الأصول الجمع بين قوله «لا تكتبوا عني غير القرآن» وبين إذنه في الكتابة أن الإِذن ناسخ للمنع منه بإِجماع الأمة على جوازه ولا يجمعون إلا على أمر
стр. 89
صحيح, وقيل إنما نهى عن الكتابة أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة فيختلط به فيشتبه على القارئ انتهى. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض أنه قال كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع على جوازها وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإِباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث «اكتبوا لأبي شاه» وحديث صحيفة علي ﵁. وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات, وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسا ﵁ حين وجهه إلى البحرين, وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو ابن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث, وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ والله أعلم انتهى.
قال علي القاري فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا فلا وقد أمر رسول الله ﷺ أمته بالتبليغ وقال «ليبلغ الشاهد الغائب» فإِذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ولم يؤمن ذهاب العلم وأن يسقط أكثر الحديث فلا يبلغ آخر القرون من الأمة, ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف فدل على جواز كتابة الحديث والعلم انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن منهم من أعل حديث أبي سعيد وقال الصواب وقفه على أبي سعيد قاله البخاري وغيره. قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظاً, لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه, وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير فلله الحمد انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر أيضا أن السلف اختلفوا في كتابة العلم عملاً وتركاً وان كان الأمر استقر والإِجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل
стр. 90
لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى.
الوجه الرابع قد ذكرت مراراً أن الأحاديث الصحيحة لا تنازع كتاب الله - وأما ما زعمه المؤلف من الأحاديث التي رصدها وجمعها من صحيح البخاري أنها قد نازعت كتاب الله فهو زعم كاذب وقول باطل فليس في صحيح البخاري ما ينازع القرآن البتة, وإنما أتي المؤلف من سوء فهمه وزيغ قلبه.
الوجه الخامس أن يقال إن الشيطان قد جند المؤلف وأشباهه من زنادقة العصريين لعملية التخريب في صدور المسلمين عن طريق الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها ولم يجند الإِسرائيليين لذلك وإن كانوا من شر جنوده, فالبلاء كل البلاء من المؤلف وأشباهه من أعداء السنة. فهم في الحقيقة شر من اليهود وأعظم منهم ضرراً على الإسلام والمسلمين.
الوجه السادس أن يقال إن الله تعالى قد حفظ سنة نبيه ﷺ كما حفظ القرآن. قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وهذه الآية الكريمة تشمل القرآن والسنة لأن كلاً منهما وحي منزل من الله تعالى. قال الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) والحكمة هي السنة على أصح الأقوال. وقال تعالى في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول هذا الكتاب فليراجع (١). وتقدم فيه أيضا قول حسان بن عطية إن جبريل كان ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن.
قال ابن حزم في كتاب الأحكام والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما عند الله تعالى وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما. ثم ذكر قول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقوله تعالى (قل إنما أنذركم بالوحي) ثم قال فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ وحي والوحي بلا خلاف ذكر, والذكر محفوظ بنص القرآن فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء إذ
стр. 91
ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء فهو منقول إلينا كله فلله الحجة علينا أبدا انتهى.
الوجه السابع أن يقال ليس في الأحاديث التي جمعها المؤلف من صحيح البخاري ولا في غيرها من الأحاديث الصحيحة عيب ولا عوار ولا زور ولا باطل البتة. وإنما العيب كل العيب والعوار كل العوار والزور كل الزور والباطل كل الباطل في ثرثرة المؤلف وتشدقه وتنطعه وجراءته على الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها, فهو الذي قد دس السم للمسلمين وأراد تشكيكهم في أحاديث نبيهم وما آتاه الله من المعجزات والكرامات وخوارق العادات, فالله يعامله بعدله ويجازيه بما يستحقه من النكال.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٣) ما نصه
المبرر العاشر لتأليفنا هذا الكتاب يتلخص في حرصنا الشديد على براءة الذمة من عهدة تطوق أعناقنا ناراً إن لم نوفها حقها من القول والبيان الإِعلاني وليس علينا من دور في هذا المجال أكثر من تدوين تلك السطور بهذا المداد فقط, وعند هذا الحد تنتهي مهمتنا.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال إن الشيطان قد تلاعب بالمؤلف غاية التلاعب وأغراه على جمع كتابه المملوء من العيب والعوار والزور والباطل والثرثرة والتشدق والتنطع والجراءة على الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها. فهذا حاصل كتابه الذي هو في الحقيقة عين المشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإِن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) وقال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين, وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون).
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف المسكين قد أصيب بتقليب القلب وعمى البصيرة فكان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق ويرى براءة ذمته في معارضة النبي ﷺ والطعن فيما ثبت عنه من الأحاديث الصحيحة
стр. 92
وفي معجزاته وكراماته وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. وهذه جراءة قبيحة غايتها الاستخفاف بالنبي ﷺ وإلحاق النقص به. وهذا من أعظم ما يبعده عن الله ويشغل ذمته بأوزاره التي جمعها في كتابه وأوزار من يضل بسببه ويطوق عنقه ناراً إن لم يبادر إلى التوبة الصادقة من أقواله الباطلة وبيانه الإِعلاني الخبيث وينقض ما حبكته يده الأثيمة في كتابه المملوء من الأباطيل والأضاليل والذي هو مشئوم عليه وعلى من اغتر به وضل بسببه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٦) و (١٧) ما نصه
دليل يؤخذ على وجود الدس في الحديث النبي (ص) كان يأمر أصحابه باللجوء إلى الطبيب وفي إثبات ذلك تكذيب لحديث الحبة السوداء, عن سعد بن أبي وقاص قال مرضت فعادني رسول الله (ص) فقال لي إئت الحارث بن كلدة فإِنه رجل يتطبب, وبديهي أن التطبيق العلاجي يكذب أن الحبة السوداء شفاء من كل داء.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ما زعمه المؤلف من أن النبي ﷺ كان يأمر أصحابه باللجوء إلى الطبيب فهو كذب على النبي ﷺ فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أصحابه بذلك, وما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو في قضية خاصة بسعد فلا عموم لها.
الوجه الثاني أن يقال إن الالتجاء نوع من أنواع العبادة ولا يصلح ذلك إلا لله , والالتجاء إلى غير الله شرك. والنبي ﷺ لا يأمر بالشرك, فأما إتيان المريض إلى الطبيب ليشخص له المرض ويصف له الدواء من غير التجاء إليه فهذا جائز. والنبي ﷺ إنما أمر سعد بن أبي وقاص ﵁ أن يأتي الطبيب ليعمل له الدواء ولم يأمره بالالتجاء إليه.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ أخبر سعداً بمرضه ووصف له العلاج وأمره أن يأتي الحارث بن كلدة الثقفي ليعالجه بما وصفه له رسول الله ﷺ . والحديث رواه أبو داود في سننه من حديث مجاهد عن سعد رضي الله
стр. 93
عنه قال «مرضت مرضا فأتى رسول الله ﷺ يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال لي إنك رجل مفؤد فأت الحارث بن كلدة من ثقيف فإِنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن».
قال ابن الأثير في جامع الأصول رجل مفؤد يشكو وجع فؤاده. وقال في النهاية فليجأهن أي فليدقهن. قال واللدود بالفتح من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم. ولديدا الفم جانباه انتهى.
الوجه الرابع أن يقال ليس في حديث سعد ﵁ ما يدل على الدس في حديث الحبة السوداء, فأي متعلق للمؤلف فيه.
الوجه الخامس أن التطبيق العلاجي يصدق ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الحبة السوداء, قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «زاد المعاد» هي كثيرة المنافع جدا. وقوله شفاء من كل داء مثل قوله تعالى (تدمر كل شيء بأمر ربها) أي كل شيء يقبل التدمير ونظائره. وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعرض - ثم ذكر منافعها وهي كثيرة جدا فلتراجع في «زاد المعاد» ففيها رد لما زعمه المؤلف.
وقال داود الأنطاكي في كتابه «التذكرة» في ذكر الحبة السوداء قد أخبر صاحب الشرع ﵊ في حديث صحيح بأنه دواء من كل داء إلا السام يعني الموت. والمراد من كل داء بارد فالعموم نوعي - ثم ذكر منافعها وهي كثيرة جدا فلتراجع في «التذكرة» ففيها رد لما زعمه المؤلف.
وقد ذكر كثير من أهل العلم بالطب ما في الحبة السوداء من المنافع الكثيرة ولو ذكرت أقوالهم لطال الكلام. وفيما أشرت إليه ههنا عن ابن القيم وداود الأنطاكي كفاية إن شاء الله تعالى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٧) و (١٨) ما نصه
نهي صريح لرسول الله عن كتابة شيء غير القرآن. الإِمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه, وفي مراسيل ابن مليكة أن
стр. 94
أبا بكر الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه (ص ٣ تذكرة الحفاظ للذهبي جـ ١ وابن مليكة هو قاضي مكة في زمن ابن الزبير وتوفي سنة ١١٧ هـ). ومن كلام رشيد رضا في ص ٧٦٦ مجلد ١٠, ص ٥١١ مجلد ١٩ من المنار (نهى النبي (ص) عن كتابة أي شيء غير القرآن. وأسند ذلك إلى الإِمام أحمد ومسلم وابن عبد البر في كتاب العلم عن أبي سعيد الخضري مرفوعاً لا تكتبوا عني غير القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه. ونقول لو كتبوه في عهده ما اختلف الأئمة فيه. ويقول رشيد رضا إن العلة في نهي الصحابة عن كتابة شيء غير القرآن هو الخوف من الخطأ (حسبما جاء في تقييد العلم للخطيب البغدادي ص ٣٧) عن أبي نضرة قال قلت لأبي سعيد الخدري. ألا نكتب ما نسمع منك قال أتريدون أن تجعلوها مصاحف بينكم إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ, وروى الحاكم ونقله الحافظ الذهبي في جـ ١ في تذكرة الحفاظ عن عائشة قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ولما أصبح قال أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها وقال خشيت أن أموت وهي عندك فيكون منها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها عن غلط المؤلف في بعض الأحاديث والرواة, فمن ذلك قوله في حديث أبي سعيد ﵁ أنه رواه الترمذي والنسائي وهذا غلط فإِنهما لم يروياه. ومن ذلك قوله «ابن مليكة» في موضعين. وصوابه ابن أبي مليكة. ومن ذلك قوله «عن أبي سعيد الخضري» وصوابه الخدري.
الوجه الثاني أن يقال قد تقدم قريباً ذكر الأحاديث الدالة على الإِذن في كتابة الحديث فلتراجع (١) , وتقدم أيضا الجواب عما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ من النهي عن كتابة غير القرآن فليراجع (٢).
الوجه الثالث أن يقال ليس المرسل بحجة فأي متعلق للمؤلف في مرسل ابن أبي مليكة.
стр. 95
الوجه الرابع أن يقال على تقدير ثبوت ما رواه ابن أبي مليكة عن أبي بكر الصديق ﵁ فهو معارض بأمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه كما في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع» هذا لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «رحم الله من سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع».
وروى الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» قال الترمذي هذا حديث حسن قال وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس ﵃.
قلت قد روى ابن ماجه حديثي جبير بن مطعم وأنس ﵄. وفي الباب أيضا عن أبي سعيد الخدري وعبيد بن عمير والنعمان بن بشير وأبيه وأبي قرصافة وجابر وسعد بن أبي وقاص ﵃.
وقد أجاب الحافظ الذهبي عما رواه ابن أبي مليكة عن أبي بكر الصديق ﵁ بجواب حسن فقال في تذكرة الحفاظ هذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية. ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج انتهى.
وأمر الجدة الذي أشار إليه الذهبي هو ما رواه مالك وأهل السنن عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها فقال لها أبو بكر ﵁ مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة ﵁ حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس فقال أبو
стр. 96
بكر ﵁ هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
وأما ما رواه الحاكم ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عائشة ﵂ قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ إلى آخره فقد قال الذهبي بعد إيراده. هذا لا يصح. وقد ترك المؤلف قول الذهبي فلم يذكره لأنه يفسد عليه ما رامه من الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها, وقد ذكر هذا الأثر صاحب كنز العمال في باب آداب العلم والعلماء نقلا عن مسند الصديق للحافظ ابن كثير ثم قال بعده قال ابن كثير هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً, وعلي بن صالح «يعني أحد رواته» لا يعرف, والأحاديث عن رسول الله ﷺ أكثر من هذا المقدار بألوف. ثم وجهه ابن كثير على فرض صحته.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) ما نصه
الأئمة الثلاثة يخالفون كثيراً من نصوص الحديث ولا أحد يعتبرهم غير أئمة ولا من الخارجين على الدين. وهاهم الحنفية والمالكية والشافعية لم يجتمعوا على تجريد الصحيح أو الاتفاق على العمل به. فهذه كتب الفقه في مذاهبهم فيها مئات المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها ولا يعد أحد منهم مخالفاً لأصول الدين (٥٠ أضواء على السنة).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ظاهر كلام المؤلف وأبي رية أن الأئمة الثلاثة كانوا يخالفون كثيراً من نصوص الحديث عمداً, وهذا كذب عليهم فإِنهم ما كانوا يتعمدون مخالفة الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم, فأما ما لم يبلغهم أو لم تثبت عندهم صحته فهذا لا لوم عليهم إذا قالوا بخلافه.
الوجه الثاني أن يقال إن الأئمة الثلاثة كانوا يعظمون الأحاديث الصحيحة غاية التعظيم, وقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه وابن عبد البر في الانتقاء أن أبا حنيفة قال آخذ بكتاب الله فإِن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ فإِن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ أخذت بقول أصحابه آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم, فأما
стр. 97
إذا انتهى الأمر - أو جاء - إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدد رجالا - فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا.
وقال شارح العقيدة الطحاوية - حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد وأن حماد بن زيد لما روى له حديث «أي الإِسلام أفضل» إلى آخره قال, ألا تراه يقول «أي الإِسلام أفضل قال الإِيمان» ثم جعل الهجرة والجهاد من الإِيمان, فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة قال بما أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ انتهى.
وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر فإذا وجدنا الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر, ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين. وقال معن بن عيسى القزاز سمعت مالكاً يقول إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه, ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين.
وروى أبو نعيم عن مالك أنه سأله رجل عن مسألة فقال له قال رسول الله ﷺ كذا فقال له الرجل أرأيت. قال مالك (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد قال أبي قال لنا الشافعي إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه. ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين بهذا اللفظ, وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول قال محمد بن إدريس الشافعي يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فأخبرونا به حتى نرجع إليه. قال وقال الإِمام أحمد كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة بإِسناده إلى عبد الله بن الإِمام أحمد قال قال لي أبي قال لنا الشافعي أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإِذا كان الحديث صحيحا فأعلموني إن شاء أن يكون كوفياً أو بصرياً أو شامياً إذا كان صحيحاً, وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت
стр. 98
عبد الله بن أحمد يقول سمعت أبي يقول فذكره بنحوه, قال القاضي أبو الحسين وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأهله انتهى.
وقال الشافعي إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله آخر يخالفه.
وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة عن رسول الله ﷺ خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي فإِني أقول بها.
وقال الربيع أيضا سمعت الشافعي يقول كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وكلام الشافعي بنحو ما ذكرنا كثير جداً.
ومما ذكرته عن الأئمة الثلاثة يعلم أنهم لم يكونوا يخالفون الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم, وفي هذا رد على المؤلف وأبي رية فيما افترياه عليهم.
الوجه الثالث أن يقال إن كثيراً من الذين صنفوا كتب الفقه في مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية وغيرها من المذاهب ليسوا من أهل الاجتهاد وإنما هم مقلدون لمن سبقهم من علماء مذاهبهم في إيراد المسائل والاستدلال عليها بما استدل به من كان قبلهم من الأحاديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة إذا كان فيها تأييد لرأي من قلدوه, وهؤلاء لا يخلون من الذم على التقليد واللوم على التقصير فيما يجب عليهم من البحث عن الأحاديث الصحيحة والاعتماد عليها دون الأحاديث الضعيفة, وقد تصدى للرد على هؤلاء غير واحد من أكابر العلماء, ومن أحسن ما صنف في ذلك كتاب «أعلام الموقعين» للإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فليراجع فإنه مهم جداً ولا يستغني عنه طالب العلم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) ما نصه
стр. 99
السبب في وجود الروايات المخالفة للقرآن.
حديث يقول ألا إني أوتيت القرآن ومثله, ومعنى ذلك أن يكون النبي - ص - قد كلف بتدوين هذا المثل مثل ما كلف بتدوين هذا القرآن, فلماذا لم يدونه كما دون القرآن. وهنا يعجز الناس كل الناس عن اتهام النبي - ص - بالتفريط في تدوين نصف الرسالة التي كلف بها لأن ذلك شيء مستحيل على رسول الله -ص - وإنما جاءت البلية في التقول عليه ونسبة هذا الحديث إليه في حين أن يقول الله ﵎ «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» ومعنى ذلك أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه (ص ٥٢ أضواء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
ولفظه عند ابن ماجه قال رسول الله ﷺ «يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ورواه الترمذي والدارمي بنحو هذا اللفظ.
وفي رواية ابن حبان أن رسول الله ﷺ قال «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم. وقد ترجم ابن حبان على هذا الحديث بقوله «ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه» وبوب عليه الآجري بقوله «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي ﷺ بكتاب الله وشدة الإنكار على هذه الطبقة».
стр. 100
وروى الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري عن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله «لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث المقدام وأبي رافع ﵄.
وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأشباههما من أعداء السنة لما فيها من التشديد والإِنكار على من عارض السنة بالقرآن.
الوجه الثاني أن الله تعالى قال (وأنزل الله عليك بالكتاب والحكمة) والحكمة هي السنة على أصح التفاسير. وهذه الآية تؤيد حديث المقدام ﵁. وفيها رد على المؤلف وأبي رية في إلغائهما للسنة وقولهما أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ لم يأمر بتدوين السنة خوفا من اختلاطها بالقرآن. فلما أمن ذلك في زمن التابعين أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بتدوين الحديث وأجمع المسلمون على جواز ذلك. وقد تقدم بيان ذلك قريباً فليراجع (١).
وفي إجماع المسلمين على جواز التدوين أبلغ رد على من خالفهم وشذ عنهم من جهلة العصريين وزنادقتهم.
الوجه الرابع أن يقال مما يدل على جواز ما فعله المسلمون من تدوين الحديث أمر النبي ﷺ بكتابة خطبته يوم الفتح لأبي شاه وإذنه لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يكتب ما سمعه منه من الحديث. وما كتب به ﷺ لبعض عماله من الكتب التي فيها فرائض الصدقة وبعض
стр. 101
الأحكام, وكذلك الصحيفة التي أخذها علي ﵁ من النبي ﷺ وفيها جملة من الأحكام, وقد تقدم بيان ذلك قريباً فليراجع (١).
وهذه القضايا تدل على جواز ما فعله المسلمون من تدوين الحديث لما خشي الأئمة ضياع العلم.
الوجه الخامس أن يقال إن البلية كل البلية والآفة كل الآفة في معارضة السنة ورفضها واطراحها والسعي في تضليل المسلمين وتشكيكهم في سنة نبيهم ﷺ وما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات كما هو الواقع من المؤلف وأشباهه من الزنادقة المارقين من الإِسلام.
وهؤلاء الزنادقة وأهل التقول على رسول الله ﷺ في طرفي نقيض. فأما أهل التقول فيضعون الأحاديث المكذوبة وينسبونها إلى النبي ﷺ , وأما المؤلف وأشباهه من أعداء السنة فينفون عن النبي ﷺ ما ثبت عنه من الأحاديث الصحيحة, ولا يبعد أن يكون الوعيد الشديد على الكذب على رسول الله ﷺ شاملاً لمن يضع الحديث عليه ولمن ينفي الأحاديث الثابتة عنه لأن نفيها داخل في الكذب عليه والله اعلم.
الوجه السادس أن يقال إن قول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) لا يدل على المعنى الذي ذهب إليه أبو رية والمؤلف لأن إكمال الدين وإتمام النعمة إنما كان بإكمال فرائض الإسلام ومن آخرها فريضة الحج وبه كمل الدين, قال البغوي في تفسير قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) يعني يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض والسنن والحدود والأحكام, وهذا معنى قول ابن عباس ﵄, قال ابن الجوزي فعلى هذا يكون المعنى اليوم أكملت لكم شرائع دينكم.
قلت وشرائع الدين منها ما جاء في القرآن إما مفصلاً وإما مجملاً وبينه النبي ﷺ بقوله أو فعله. ومنها ما جاء في السنة وليس له ذكر في القرآن, والكل داخل في عموم قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
стр. 102
ورضيت لكم الإِسلام ديناً) ومن زعم أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه وأن هذا هو معنى قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فقد ألغى السنة وتأول القرآن على غير تأويله ورام هدم الإِسلام.
الوجه السابع أن يقال إن قول المؤلف وأبي رية أن القرآن هو البداية والنهاية ولا شيء سواه قول باطل مردود بقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وبقوله تعالى (فإِن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) قال ابن كثير في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله, وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة انتهى.
وقال البغوي في قوله (فردوه إلى الله والرسول) أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حياً وبعد وفاته إلى سنته, والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإِن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول إلى سنة نبيه, وروى أيضا عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.
ومما يرد به قول المؤلف وأبي رية أيضا قول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً).
ومما يرد به على المؤلف وأبي رية قول النبي ﷺ «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» رواه مالك في الموطأ بلاغا والحاكم موصولا من حديث ابن عباس ﵄ وصححه وأقره الذهبي.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن
стр. 103
يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
وروى الإِمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) و (١٩) ما نصه
دليل يثبت أن الصحابة كانوا يلاحظون الزيادة على رسول الله من بعضهم البعض ولو دوّنه النبي ما اختلفوا فيه. أخرج ابن عساكر ومحمد بن إسحاق عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق. قالوا أتنهانا. قال لا. أقيموا عندي لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم نأخذ منكم ونرد عليكم فما فارقوه حتى مات. وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ابن عبد الرحمن أن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله - ص - وكان قد حبسهم في المدينة حتى أطلقهم عثمان. وفي جامع بيان العلم وفضله للحافظ المغربي ابن عبد البر. الشعبي عن قرظة بن كعب قال خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار ثم قال لنا أتدرون لم مشيت معكم قلنا أردت أن تشيعنا وتكرمنا. قال إن مع ذلك لحاجة خرجت لها إنكم لتأتون بلدة لأهلها دوي كدوي النحل بالقرآن فلا تصدوهم لتشغلوهم وأنا شريككم وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ فلما قدم قرظة قالوا حدثنا فقال نهانا عمر تذكرة الحفاظ للذهبي وصححه الحاكم في المستدرك ص ١٠٢ جـ١.
والجواب أن يقال ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في حبس عمر ﵁ لبعض الصحابة لا يصح منه شيء. أما ما رواه ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق فهو مردود من وجوه أحدها أن صاحب كنز العمال ذكره في باب آداب العلم والعلماء وقد ذكر قبل ذلك في خطبة الكتاب أن ما يرويه ابن عساكر فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليه عن بيان ضعفه.
стр. 104
الوجه الثاني أن يقال قد اختلف في سماع إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عمر ﵁ والراجح أنه لم يسمع منه. قال البيهقي في سننه لم يثبت له سماع من عمر.
قلت ويؤيد هذا أن المصنفين في أسماء الرجال ذكروا أنه توفي في سنة خمس وتسعين أو ست وتسعين وله من العمر خمس وسبعون سنة فعلى هذا يكون مولده قبل موت عمر ﵁ بسنتين أو ثلاث سنين. ومثل هذا السن يبعد أن يحفظ فيه الصبي شيئاً فتكون الرواية عن إبراهيم مرسلة والمرسل ليس بحجة.
الوجه الثالث أنه ذكر فيه عبد الله بن حذيفة ولا يعرف في الصحابة أحد بهذا الاسم فضلا عن أن يكون من المكثرين للحديث وهذا يدل على أن هذا الأثر موضوع.
الوجه الرابع أن أبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر ليسوا من المكثرين بالنسبة إلى أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ﵃ فيبعد جداً أن يخصهم عمر بالإِنكار على نشرهم للحديث ويترك الذين هم أكثر منهم حديثاً فلا ينكر عليهم.
الوجه الخامس أن يقال إن الصحابة ﵃ قد انتشروا في الآفاق وكل منهم يحدث بما عنده من الحديث عن النبي ﷺ ولم يأت في أثر صحيح أن عمر ﵁ جمع الصحابة كلهم ولا أنه أنكر عليهم نشرهم للحديث. فهذا الأثر الذي رواه ابن عساكر في جمع الصحابة من الآفاق يظهر عليه أثر الوضع والتركيب.
الوجه السادس أن يقال لو كان عمر ﵁ جمع الصحابة من الآفاق وأنكر عليهم نشرهم للحديث وأمرهم أن يقيموا عنده لكان ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وينتشر ذكره في الآفاق. ولما لم يأت ذكر ذلك إلا في أثر مرسل ضعيف الإِسناد دل ذلك على أنه لا أصل له.
الوجه السابع أنه ذكر في هذا الأثر أن عمر ﵁ جمع الصحابة من الآفاق ثم لم يذكر سوى أربعة أحدهم مجهول لا يعرف له ذكر في الصحابة وهذا أوضح دليل على أن هذا الأثر موضوع.
стр. 105
يوضح ذلك الوجه الثامن وهو أنه قد صرح في هذا الأثر أن عمر ﵁ بعث إلى الصحابة فجمعهم من الآفاق وهذا يقتضي أنه جمعهم من مكة والطائف واليمن ونجد والبحرين وعمان والعراق وخراسان والشام ومصر والجزيرة. ولا شك أن هذا لم يقع ولو وقع لما كان يقتصر في الأثر على ذكر رجلين من الشام ورجل مشغول بالجهاد ويترك سائر الأقطار فلا يذكر منهم أحداً. وهذا يدل على أن هذا الأثر مصنوع من بعض أعداء السنة.
الوجه التاسع أن يقال إن عمر ﵁ كان يحدث بما رواه عن النبي ﷺ من الأحاديث وقد روي عنه أكثر من خمسمائة حديث فهو مكثر بالنسبة إلى كل واحد من الثلاثة الذين قيل انه أنكر عليهم نشرهم للحديث. وعلى هذا فلا ينبغي أن يظن بعمر ﵁ أنه أنكر شيئاً كان يفعل مثله.
الوجه العاشر مما يدل على أن الأثر موضوع ما ذكر فيه عن عمر ﵁ أنه قال «نحن أعلم» لأن هذه الكلمة تدل على الإِعجاب بالنفس والترفع على الغير, ولا شك أن عمر ﵁ من أبعد الناس عن هذه الصفات الذميمة, ولا ينبغي أن يظن هذا بمن هو دون عمر من الصحابة فضلا عن عمر ﵁ لأنه كان معروفاً بمزيد التواضع والبعد عن مساوئ الأخلاق. وقد ثبت عنه أنه قام على المنبر فنهى الناس عن المغالاة في مهور النساء ونهاهم أن يزيدوا على أربعمائة درهم ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن قال وأي ذلك فقالت أما سمعت الله يقول (وآتيتم إحداهن قنطارا) الآية فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر. الحديث رواه أبو يعلى قال ابن كثير إسناده جيد قوي.
وروى الإِمام أحمد وابن مردويه عن عمر ﵁ أنه قال «من قال هو عالم فهو جاهل» وإذا كان هذا قول عمر ﵁ فلا ينبغي أن يظن به أن يقول الكلمة التي تدل على الإِعجاب بالنفس والترفع على الغير.
الوجه الحادي عشر أن أبا الدرداء كان ساكنا في الشام في زمان عمر ﵁ وقد قيل إن عمر ﵁ ولاه قضاء دمشق ولم يزل في الشام حتى توفي في سنة اثنتين وثلاثين. وأما أبو ذر فكان ساكنا في الشام في زمان عمر وبعض زمان
стр. 106
عثمان. قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبي ذر ﵁ لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة. وأما عقبة بن عامر فإِنه كان مشغولاً بالجهاد وقدم المدينة حين فتحت دمشق وكان هو البريد إلى عمر ﵁ بفتحها. ولم يذكر عنه أنه قدم المدينة بعد ذلك في زمان عمر ﵁. فما ذكر في هذا الأثر أن عمر ﵁ أمرهم بالقدوم إلى المدينة وأنه أمرهم بالإِقامة عنده ما عاش وأنهم لم يفارقوه حتى مات. كل ذلك لا أصل له فلا يغتر به.
الوجه الثاني عشر أن الذهبي ذكر في تذكرة الحفاظ عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر ﵁ حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ . فهذه الرواية تخالف رواية ابن عساكر لأن فيها أن عمر ﵁ أنكر على عبد الله بن حذيفة وأبي الدرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر إفشاءهم للأحاديث وأمرهم بالإِقامة عنده, وفي هذه الرواية أنه أنكر على ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري ﵃ في إكثارهم للحديث وأنه حبسهم, وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذا الأثر غير محفوظ.
وأما ما نقله المؤلف عن تذكرة الحفاظ فالجواب عنه من وجوه أحدها أن يقال إن هذه الرواية مرسلة على القول الراجح الذي تقدم ذكره في أول الجواب عن الأثر الذي رواه ابن عساكر. والمرسل ليس بحجة, قال الهيثمي في مجمع الزوائد هذا أثر منقطع ولا يصح هذا عن عمر انتهى, وقد ذكر ابن حزم هذا الأثر في كتاب الأحكام وفيه أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر, وهذه الرواية تخالف ما جاء في تذكرة الحفاظ لأنه ذكر فيها أبا ذر وذكر في تذكرة الحفاظ بدلاً عنه أبا مسعود. وهذا الاضطراب يدل على أن الأثر موضوع. قال ابن حزم بعد إيراده «مرسل ومشكوك فيه ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد» انتهى.
الوجه الثاني أن المؤلف زاد في هذا الأثر زيادة من عنده وهي قوله «وكان حبسهم في المدينة حتى أطلقهم عثمان» وهذه الزيادة ليست في تذكرة الحفاظ وإنما زادها المؤلف من كيسه ليؤيد بها مذهبه الخبيث في معارضة الأحاديث الصحيحة
стр. 107
ورفضها واطراحها.
الوجه الثالث أن يقال لم يأت في أثر صحيح أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري ﵃ ولا أنه حبس غيرهم من الصحابة على نشرهم للحديث, وقد ذكرت في الجواب عما رواه ابن عساكر أن أبا الدرداء ﵁ لم يزل ساكناً في الشام في زمان عمر وبعد زمان عمر ﵁ ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ فضلاً عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه.
وأما أبو مسعود الأنصاري ﵁ فقد سكن الكوفة ولم يثبت أن عمر ﵁ أمره بالقدوم إلى المدينة فضلا عن أن يكون قد حبسه.
وأما ابن مسعود ﵁ فقد أرسله عمر ﵁ معلماً لأهل الكوفة ولم يزل بها حتى قدم المدينة في آخر زمان عثمان ﵁ ومات بها. ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ بعد ما أرسله عمر ﵁ إلى الكوفة فضلاً عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه.
وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن حارثة بن مضرب قال قرئ علينا كتاب عمر. إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي.
وإذا كان هذا قول عمر ﵁ في حق ابن مسعود ﵁ فكيف يقال أنه حبسه في المدينة. هذا لا يصح.
وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ أن ابن مسعود ﵁ كان ممن يتحرى في الأداء ويتشدد في الرواية ويزجر تلامذته عن التهاون في ضبط الألفاظ وأنه كان يقل من الرواية للحديث ويتورع في الألفاظ. وذكر أيضا عن أبي عمرو الشيباني قال كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله ﷺ فإِذا قال قال رسول الله ﷺ استقلته الرعدة وقال هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا. وذكر أيضاً عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ قال «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع».
стр. 108
وإذا كان ابن مسعود ﵁ يتحرى في الأداء ويتشدد في الرواية ويقل من رواية الحديث ويتورع في الألفاظ وتشتد عليه رواية الحديث عن النبي ﷺ فكيف يقال إن عمر ﵁ حبسه على إكثار الحديث عن رسول الله ﷺ , هذا لا يصح أبداً «وما آفة الأخبار إلا رواتها».
وذكر الذهبي أيضا في تذكرة الحفاظ عن أبي قلابة قال قال ابن مسعود ﵁ «عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله فإِن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق.
وما جاء في هذا الأثر من الإِخبار عن الأقوام الذين يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ينطبق على المؤلف وعلى أشباهه من أهل التبدع والتنطع وعداوة الأحاديث الصحيحة وأهلها, فهولاء شر من اليهود وأعظم ضررا على الإِسلام والمسلمين.
وأما ما نقله المؤلف عن جامع بيان العلم وفضله عن الشعبي عن قرظة بن كعب ﵁.
فجوابه أن يقال إن سماع الشعبي من قرظة غير متحقق. وقد جزم ابن حزم في كتاب الأحكام بأنه لم يلقه ورد هذا الخبر وبالغ في الرد ومما قاله أن عمر ﵁ نفسه روي عنه خمسمائة حديث ونيف فهو مكثر بالقياس إلى المتوفين قريباً من وفاته, وكذلك رده ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله فقال, احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا وقوله «أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ » وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله ﷺ التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها. والطعن على أهلها ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم. منها أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه إذ هو الأصل لكل علم. هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك, وقال غيره إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حكما ولا يكون سنة, وطعن غيرهم في حديث قرظة وردوه لأن الآثار الثابتة عن عمر
стр. 109
خلافه, منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمر بن الخطاب في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال, أما بعد فإِني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته, ومن خشى أن لا يعيها فإِني لا أحل له أن يكذب علي, إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل معه الكتاب فكان مما أنزل معه الرجم. وذكر الحديث.
وهذا يدل على أن نهيه عن الإِكثار وأمره بالإِقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ وخوفاً أن يكونوا مع الإِكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإِكثار. فلهذا أمرهم عمر بالإِقلال من الرواية. ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإِقلال منها والإِكثار. ألا تراه يقول فمن حفظها ووعاها فليحدث بها فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه. هذا لا يستقيم, بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله ﷺ ويأمرهم بالإِقلال منه وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله «من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته, ثم قال ومن خشي أن لا يعيها فلا يكذب علي» وهذا يوضح لك, ما ذكرنا والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا, وإنما يدور على بيان عن الشعبي وليس مثله حجة في هذا الباب لأنه يعارض السنن والكتاب قال الله جل وعز (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه) وقال فيه (النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) وقال (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم, صراط الله) ومثل هذا في القرآن كثير, ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه, فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به. وقد قال رسول الله ﷺ «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها» الحديث, وفيه الحظ الوكيد على التبليغ عنه ﷺ وقال «خذوا عني» في غير ما حديث «وبلغوا عني» والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى والاعتبار.
ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من أن يكون خيراً أو شراً فإِن كان خيراً ولا شك فيه أنه خير فالإِكثار من الخير أفضل وإن كان شراً
стр. 110
فلا يجوز أن يتوهم أن عمر يوصيهم بالإِقلال من الشر. وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه.
وذكر مسلم في كتاب التمييز عن قيس بن عباد قال سمعت عمر بن الخطاب يقول «من سمع حديثا فأداه كما سمع فقد سلم».
ومما يدل على هذا ما يروى عن عمر أنه كان يقول «تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن» فسوى بينهما.
ثم روى ابن عبد البر بإِسناده عن مورق العجلي قال كتب عمر «تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن» قالوا اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به.
وعمر هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى من عنده علم من رسول الله ﷺ في كذا. نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها. وفي الجنين يسقط ميتا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك مما لو ذكرناه طال به كتابنا وخرجنا عن حد ما له قصدنا.
وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل «إياكم والرأي فإِن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها. وعمر أيضا هو القائل «خير الهدي هدي محمد ﷺ » وهو القائل «سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإِن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله».
وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه ومن حفظ شيئا وأتقنه جاز له أن يحدث به. وإن كان الإِكثار يحمل الإِنسان على التقحم في أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء وغث وسمين وقد قال رسول الله ﷺ «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع».
ولو كان مذهب عمر ما ذكرنا لكانت الحجة في قول رسول الله ﷺ دون قوله فهو القائل «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها وبلغها» وقال النبي ﷺ «تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم».