← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17337

الرد القويم على المجرم الأثيم

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (363 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الواهية والموضوعة وتركوا الأمر واضحاً جلياً لا لبس فيه, وقد تقدم توجيه عملهم بالحديث الضعيف في الوجه الثاني فليرجع إليه. أما المؤلف فإِنه قد جد واجتهد في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها والطعن في الثقات الأثبات من رواتها, فهل هذه هي الأمانة المطلوبة منه. وهل يرضى رسول الله ﷺ عن هذا التصرف السيء في أحاديثه الثابتة عنه وفي رواتها, كلا إن رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ينافي الأمانة غاية المنافاة, وكذلك الطعن في بعض الصحابة وفيمن بعدهم من الثقات الأثبات الذين اعتنوا بحفظ الأحاديث وتبليغها فإِنه ينافي الأمانة غاية المنافاة, والله ﵎ لا يرضى برد أحاديث رسوله ﷺ ولا بإِيذاء المؤمنين بالبهتان, قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإِذن الله) وقال تعالى (من يطع الرسول فقط أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً) وقال تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) , وكذلك الرسول ﷺ لا يرضى برد أحاديثه الثابتة عنه ولا بالطعن في أصحابه, وقد ذكرت الأحاديث في تشديده ﷺ في معارضة أحاديثه في الفصل الثالث في أول الكتاب فلتراجع (١) وذكرت أيضاً الأحاديث في تشديده ﷺ في إيذاء أصحابه وسبهم والطعن فيهم في الفصل الحادي عشر في أول الكتاب فلتراجع (٢). فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٣) و (٣٤) ما نصه من أصحاب النبي - ص - من امتنع من التحدث عن رسول الله صلى عمداً لأنه لاحظ الشبهة على غيره من الصحابة في ص ٤٩ - ٥٠ من تأويل الحديث لابن قتيبة, يقول عمران بن حصين

стр. 177

وهو من الصحابة والله إني لأستطيع الحديث عن رسول الله يومين متتابعين ولكن بطأني عن ذلك أن رجالاً من أصحاب النبي - ص - سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم فأعلمك أنهم كانوا يخطئون إلا أنهم كانوا لا يتعمدون. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال إن ابن قتيبة لم يذكر لهذا الأثر سنداً وإنما اقتصر على قوله وروى مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين, ومثل هذا لا يثبت به شيء. وقد أخطأ المؤلف في قوله تأويل الحديث لابن قتيبة, وصوابه تأويل مختلف الحديث. الوجه الثاني أن يقال إن عمران بن حصين ﵄ لم يمتنع من التحديث عن النبي ﷺ كما قد توهم ذلك المؤلف وكذلك غيره من الصحابة الذين تأخرت وفياتهم بعد النبي ﷺ لم يذكر عن أحد منهم أنه امتنع من التحديث عن النبي ﷺ ولاسيما إذا احتيج إلى ما عنده من الحديث, وقد روى أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد عن عمران بن حصين ﵄ أحاديث كثيرة, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن النبي ﷺ مائة وثمانون حديثاً اتفقا منها على ثمانية وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة إلا أنه قال له مائة وثلاثون حديثاً قال وكان من علماء الصحابة انتهى. فصل وذكر المؤلف في صفحة (٣٤) عن أبي رية أنه قال في صفحة (١١١) من ظلماته ما ملخصه. وقد امنتع بعض الصحابة عن التحديث خوفاً من الخطأ وأنه لما خرجت الخوارج وتحزب الناس فرقاً بدأوا يتخذون من الحديث صناعة فيضعون ويصنعون ويصفون الكذب ثم ظهر القصاص والزنادقة وأهل الأخبار المتقادمة بما يشبه أحاديث الخرافة فوقع الشوب والفساد في الحديث, إلى آخر كلامه الذي لا فائدة في ذكره, وذكر في آخره أن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ كان يكذب في الأحاديث

стр. 178

وكذلك برد مولى سعيد بن المسيب. والجواب أن يقال أما قوله عن بعض الصحابة ﵃ أنهم امتنعوا من التحديث خوفاً من الخطأ, فقد تقدم الجواب عنه في الفصل الذي قبل هذا الفصل. وأما ما ذكره من وقوع الشوب والفساد في الحديث لما خرجت الخوارج وتحزب الناس وظهر القصاص والزنادقة وأهل الأخبار المتقادمة. فجوابه أن يقال إن الله تعالى قد أقام للأحاديث رجالاً أمناء بينوا أحوال الرواة وميزوا الثقات من المجروحين وذكروا الكذابين والوضاعين بأسمائهم ليجتنب الناس أحاديثهم فلم يبق بعد ذلك ما يخشى منه اللبس والشوب والفساد في الحديث, فالأحاديث الصحيحة معروفة عن أهل العلم من أهل السنة والجماعة, وكذلك الأحاديث الحسنة والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة والإِسرائيليات فكل ذلك معروف عندهم, وإنما تقع الشكوك واللبس والتشكيك من أعداء السنة ومنهم المؤلف وأبو رية وأناس من أضرابهما ممن عاصرهما وممن كان قبلهما بزمن يسير, وبعضهم قد تتلمذوا للإِفرنج وتأثروا بآرائهم وأفكارهم الفاسدة وسهامهم المسمومة التي يوجهونها نحو الأحاديث الصحيحة التي لا تتفق مع أفكارهم المنحرفة ليطعنوا بذلك في الإِسلام والمسلمين, فهؤلاء الذين أشرنا إليهم من تلامذة الإِفرنج وأتباعهم هم معاول الهدم للسنة, فكل حديث صحيح لا يوافق آراءهم أو آراء من يعظمونه لا يتوقفون في رده وتكذيبه ثم يزعمون أنه من دسائس الإِسرائيليين وهم كاذبون في ذلك وإنما الدس والتشكيك منهم لا من الإِسرائيليين. وأما قول المؤلف إن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ كان يكذب في الأحاديث. فجوابه أن يقال قد تكلم بعض العلماء في عكرمة ورماه بعضهم بالكذب ولعل مرادهم بالكذب الخطأ والغلط كما قال النبي ﷺ «كذب أبو السنابل» لما أفتى أن الحامل المتوفى عنها زوجها لا تتزوج حتى تتم لها أربعة أشهر وعشر ولو وضعت قبل ذلك, ومن هذا قول عبادة بن الصامت ﵁ «كذب أبو محمد» لما قال إن الوتر واجب, أي أخطأ, ومنه قول سعيد بن جبير كذب جابر

стр. 179

بن زيد, يعني في قوله الطلاق بيد السيد أي أخطأ, ومنه قول أبي طالب: كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن ألا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمداً ... ولما نطاعن دونه ونناضل معناه أخطأتم وغلطتم فيما قلتم, وأمثال هذا في أشعار العرب كثير يطلقون كلمة التكذيب على الخطأ والغلط, قال ابن عبد البر فيما نقله عنه ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة» العرب تقول كذبت بمعنى غلطت فيما قدرت وأوهمت فيما قلت ولم تظن حقاً ونحو ذلك وذلك معروف من كلامهم موجود في أشعارهم كثيراَ انتهى. ومن العلماء من رمى عكرمة ببعض البدع, وقد ذكر النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات» عن ابن معين أنه قال عكرمة ثقة, قال وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمة على الإِسلام وقال أبو حاتم هو ثقة وإنما أنكر عليه مالك ويحيى بن سعيد لرأيه وقال البخاري ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة, وقال أحمد بن عبد الله العجلى عكرمة ثقة وهو بريء مما يرميه به الناس, وقال الحافظ ابن حجر في التقريب ثقة ثبت عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة, وقال الخزرجي في الخلاصة عكرمة أحد الأئمة الأعلام رموه بغير نوع من البدعة قال العجلي ثقة بريء مما يرميه الناس به ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ومن القدماء أيوب السختياني انتهى. وأما برد مولى سعيد بن المسيب فلم أر أحداً من أهل العلم ذكر عنه شيئاً من الكذب بل إنه لم يرو عنه شيء من الأحاديث فيما أعلم, وإنما ذكر ابن عبد البر عن المروزي أنه روى بإِسناد فيه انقطاع أنه كان بين سعيد بن المسيب وبين عكرمة خلاف في بعض المسائل وأنه بهذا السبب قال سعيد لغلامه برد لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس. وهذا الحكاية فيها نظر والأحرى أنها لا تصح والله أعلم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٥) ما نصه دليل قاطع يثبت مناقضة الصحابة لبعضهم في الرواية عن النبي روى ابن الجوزي في كتاب (شبهة التشبيه) قال سمع الزبير ابن العوام رجلاً

стр. 180

يحدث فاستمع الزبير حتى قضى الرجل حديثه فقال الزبير أنت سمعت هذا من رسول الله فقال الرجل نعم فقال الزبير هذا وأشباهه مما يمنعنا في أن نتحدث عن النبي, قد لعمري سمعت هذا من رسول الله وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حديثه يومئذ فجئت أنت بعد انقضاء صدر الحديث وذكر الرجل الذي هو من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله, وقال بسر بن سعد اتقوا الله وتحفظوا في الحديث فو الله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله - ص - ويحدثنا عن كعب ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله (ص ٤٣٦ جـ٢ سير أعلام النبلاء للذهبي). والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ما زعمه المؤلف من مناقضة الصحابة بعضهم بعضاً في الرواية عن النبي ﷺ فهو زعم كاذب, والأثر الذي استدل به على ذلك ليس فيه ما يصلح دليلاً على ما ذهب إليه فضلاً عن أن يكون دليلاً قاطعاً. الوجه الثاني أن يقال إن الأثر الذي أورده عن الزبير ﵁ ضعيف جداً. قال المعلمي رحمه الله تعالى في رده على أبي رية أسنده البيهقي في الأسماء والصفات «أخبرنا أبو جعفر الغرابي أخبرنا أبو العباس الصبغي حدثنا الحسن بن علي بن زياد حدثنا ابن أبي أويس حدثنا ابن أبي الزناد عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة بن الزبير أن الزبير بن العوام سمع رجلاً» قال المعلمي أبو جعفر لم أعرفه والصبغي هو محمد بن إسحاق بن أيوب مجروح وابن أبي الزناد فيه كلام وعبد الله بن عروة ولد بعد الزبير بمدة فالخبر منقطع وكأنه مصنوع انتهى. ولو ثبت أثر الزبير ﵁ لم يكن فيه سوى الإِنكار على من لم يتثبت في الرواية وليس فيه ما يدل على المناقضة. وأما قول بسر بن سعيد فليس فيه سوى الحث على التحفظ في الرواية وليس فيه تأييد لما زعمه المؤلف من مناقضة الصحابة بعضهم بعضاً في الرواية عن النبي ﷺ . الوجه الثالث أن يقال من عجيب أمر المؤلف أنه قد استدل لقوله الباطل

стр. 181

بأثر واه جداً وزعم أنه دليل قاطع وهو مع ذلك يطعن في بعض الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ مما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ويزعم أنها من دسائس الإِسرائيليين ولا يبالي بردها واطراحها, وهذا يدل على أن الرجل منكوس القلب مسلوب العقل والدين, عافانا الله وإخواننا المسلمين مما ابتلاه به. فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٥) و (٣٦) ما نصه الوضع في الأحاديث وأسبابه - تحقيق لمؤلف أضواء على السنة ص ١١٨ كان من آثار تأخير تدوين الحديث وربط ألفاظه بالكتابة إلى ما بعد المائة الأولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية أن اتسعت أبواب الرواية وفاضت أنهار الوضع بغير ما ضابط ولا قيد حتى لقد بلغ ما روي من الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف لا يزال أكثرها مثبتا بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال إن الذي يظهر من كلام أبي رية الذي ساقه المؤلف أن أكثر الأحاديث الموضوعة مثبت بين تضاعيف كتب السنة المنتشرة بين المسلمين ولم يستثن منها شيئاً. وهذا خطأ كبير فإِن الصحيحين ليس فيهما شيء من الأحاديث الضعيفة فضلاً عن الأحاديث الموضوعة, والمسلمون إنما يرجعون إلى ما جاء في الصحيحين وما ثبت في غيرهما من كتب الصحاح والسنن والمسانيد. ويندر وجود الموضوعات في السنن الأربع والمسانيد المشهورة وإنما توجد الموضوعات غالباً في المجاميع التي يعتني مصنفوها بجمع ما وجدوا من الأحاديث من أي جهة كانت الأحاديث. وقد صنف العلماء في بيان الموضوعات مصنفات كثيرة جمعوا فيها ما كان متفرقا في الكتب وبذلك سهل على طالب العلم معرفة الموضوعات ومعرفة الوضاعين والتمييز بين الأحاديث الصحيحة وبين غيرها من الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة. الوجه الثاني أن يقال إن الذي يظهر من كلام أبي رية أنه أراد التشكيك في كتب السنة بما توهمه بعقله الفاسد من أن أكثر الأحاديث الموضوعة مثبتة بين

стр. 182

تضاعيفها ومراده بذلك الطعن في كتب السنة والتنفير منها وهو أيضا مراد المؤلف من سياقه لكلام أبي رية. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويرد كيد الكائدين في نحورهم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٦) ما نصه: معادلة صعبة تستوجب النظر لأنها بين خبرين مختلفين والمجال هو الحديث, هناك حديث يقول إن النبي - ص - بشر عشرة من أصحابه بالجنة منهم طلحة والزبير, والتأريخ الصادق الذي تعززه الوقائع التأريخية يقول إنهما أول من نقض البيعة مع علي بتأثير من عائشة أم المؤمنين لما كان بينها وبين علي من أمور خاصة, وعلي أيضا كان من هؤلاء العشرة التي هما منها فكيف يكون هذا؟ وكيف يتم وبينهم تلك الخصومة التي لا يعلم الظالم من المظلوم فيها إلا الله وحده رغما ما بها من ظواهر العدل التي تعطي حق الخلافة لعلي بعد عثمان. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن تبشير العشرة بالجنة ثابت عن النبي ﷺ وإن رغمت أنوف المبغضين للصحابة المتعرضين لما شجر بينهم, فروى الإِمام أحمد بإِسناد صحيح عن رياح بن الحارث أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب وسب فقال من يسب هذا يا مغيرة؟ قال يسب علي بن أبي طالب قال يا مغيرة بن شعب يا مغيرة بن شعب, ثلاثا ألا أسمع أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك لا تنكر ولا تغير فأنا أشهد على رسول الله ﷺ بما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ فإِني لم أكن أروي عنه كذبا يسألني عنه إذا لقيته أنه قال «أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة وعثمان في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وتاسع المؤمنين في الجنة لو شئت أن أسميه لسميته قال فضج أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول الله من التاسع قال ناشدتموني بالله والله العظيم أنا تاسع المؤمنين ورسول الله ﷺ العاشر ثم أتبع ذلك يمينا قال والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ أفضل من عمل أحدكم ولو عمّر عمر نوح ﵇» وقد رواه أبو داود بنحوه وسمى الساب قيس بن

стр. 183

علقمة. ورواه ابن ماجه مختصراً, وزاد رزين ثم قال «لا جرم لما انقطعت أعمارهم أراد الله أن لا يقطع عنهم الأجر إلى يوم القيامة والشقي من أبغضهم والسعيد من أحبهم» ذكره ابن الأثير في جامع الأصول, وقد رواه الإِمام أحمد وأبو داود أيضا والترمذي من حديث عبد الله بن ظالم المازني عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ بنحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ , ورواه الترمذي أيضا والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «عشرة في الجنة» فذكر التسعة وزاد معهم أبا عبيدة بن الجراح. الوجه الثاني أن يقال يظهر من كلام المؤلف أنه لا يصدق بالحديث الثابت في تبشير العشرة بالجنة ولهذا عارضه بما ذكره عن الوقائع التأريخية وصرح بالإِنكار في قوله فكيف يكون هذا وكيف يتم وبينهم تلك الخصومة إلى آخر كلامه, فالتأريخ صادق عند المؤلف, والحديث الثابت عن النبي ﷺ ليس بصادق عنده, وما ذاك إلا لأنه مبغض للأحاديث الصحيحة ومنابذها ومشكك فيها, ومن كانت هذه حاله فأبعده الله وأتعسه. الوجه الثالث أن يقال إن المؤلف قد أخطأ خطأ كبيراً في زعمه أن طلحة والزبير ﵄ نقضا بيعة علي ﵁ بتأثير من عائشة ﵂ لما كان بينها وبين علي ﵁ من أمور خاصة, وهذا كذب على عائشة ﵂ فإِنها إنما سارت إلى العراق في طلب دم عثمان ﵁ لا غير, وكذلك طلحة والزبير ﵄, ولم يكن بين علي وعائشة ﵄ أمور خاصة تدعو إلى سعي عائشة ﵂ في نقص بيعة علي ﵁, فما زعمه المؤلف في ذلك كله زور وبهتان. ومما يرد على المؤلف زعمه الكاذب أن عليا ﵁ لما فرغ من أمر الجمل جاء إلى الدار التي فيها عائشة ﵂ فاستأذن ودخل فسلم عليها ورحبت به فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة وأن يخرجهما من ثيابهما, ولما أرادت عائشة ﵂ الخروج من البصرة بعث إليها علي ﵁ بكل ما ينبغي

стр. 184

من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي ﵁ فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها وإنه على معتبتي لمن الأخيار فقال علي ﵁ صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة, وسار علي ﵁ معها مودعا ومشيعا أميالا وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم. ولو كان بين علي وعائشة ﵄ أمور خاصة تدعو إلى سعي عائشة ﵂ في نقض بيعة علي ﵁ لما رحبت عائشة ﵂ بعلي ﵁ لما دخل عليها ولما قالت في حقه ما قالت ولما فعل علي ﵁ معها ما فعل من الحفاوة والتكريم. الوجه الرابع أن يقال من أصول أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بين الصحابة ﵃. فلا يثير الكلام فيما شجر بينهم إلا من كان يبتغي الطعن فيهم من أهل البدع والأهواء المخالفين لما عليه أهل السنة والجماعة, وفي إثارة الكلام فيما شجر بينهم دليل على ما في قلب المتكلم فيهم من الغل والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون). الوجه الخامس أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه ابن حبان, ورواه الإِمام أحمد أيضا والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ لما أراد أن يغزوهم عام الفتح فقال عمر ﵁ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ «إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم» , وقد كان علي وطلحة والزبير ﵃ من أهل بدر فما كان لهم من

стр. 185

أعمال سيئة فهي مغفورة لهم بلا شك, وكذلك عائشة ﵂ لأنها حبيبة رسول الله ﷺ وزوجته في الدنيا والآخرة. ومن لم يؤمن بما ثبت عن النبي ﷺ من المغفرة لأهل بدر وأن تبشير العشرة بالجنة حق وأن عليا وطلحة والزبير منهم وإن وقع منهم يوم الجمل ما وقع فهو ممن يشك في إسلامه لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله, ومن تحقيقها الإِيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من أمور الغيب فيما مضى وما يأتي. فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٦) و (٣٧) ما نصه: كلمة حق للإِمام السلفي محمد عبده في تعليل نشأة الاختراع في الرواية ووضع الحديث, قال الإِمام توالت الأحداث بعد ذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع ما عقدوا وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويين غير أن بناء الجماعة قد تصدع وانفصمت عرى الوحدة بينهم وتفرقت بهم المذاهب في الخلافة وأخذت الأحزاب في تأييد آرائهم كل ينشر رأيه على رأي خصمه بالقول والعمل وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل. وعلا كل قبيل على الآخر فافترق الناس. قال المؤلف ولهذا يمكننا أن نقول إن وضع الحديث على رسول الله - ص -كان كما قال أحد الأئمة هو أشد خطراً على الدين, وأنكى ضرراً بالمسلمين من تعصب أهل المشرقين والمغربين وأن تفرق المسلمين إلى شيع وفرق ومذاهب كان أصله وسببه افتعال الحوادث وبناء الأحاديث الموضوعة على أساس افتعالها ثم كانت سلبية بعض العلماء هي السبب في تثبيت هذه الأحاديث في بواطن وسطور المراجع ومعاملتها في تلك المراجع معاملة الصحيح تماما. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الإِمامة في الدين لا تنال بالشقاشق وكثرة الخطب والكلام ولا بالتفكير العصري والثقافة الغربية, ولا باتباع أهل الكلام المذموم, ولا بتأويل الآيات القرآنية على غير تأويلها وحملها على غير محاملها وما يراد بها, ولا بالطعن في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وتكذيبها وردها, ولا بالتوفيق بين العلوم الشرعية وأقوال فلاسفة المسلمين وملاحدة

стр. 186

الإِفرنج, ولا بدعوى الأتباع في متبوعهم أنه إمام, ولا بترضيهم عنه كما يترضى أهل السنة والجماعة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين, وإنما تنال بالتمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر واليقين, فمن كان بهذه الصفة استحق الإِمامة وإلا فلا, قال الله تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). وكذلك قول بعض الناس فلان سلفي وهو على خلاف ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان فمثل هذا لا يستحق أن يقال إنه سلفي لأن هذا اللقب لا يطابق حاله فيكون تلقيبه بذلك من قول الزور. وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن تلقيب محمد عبده بالإِمام والسلفي لا يطابق حاله لأنه متصف بجميع ما تقدم ذكره من الصفات التي تخالف ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان, والشاهد على ذلك ما يوجد في كتبه ومقالاته وما ينقله عنه أتباعه في كتبهم, ولولا إيثار الاختصار لذكرت من ذلك شيئا كثيراً, ويكفي من ذلك تصريحه بالقول بخلق القرآن في رسالته التي سماها رسالة التوحيد, وما أعظم ذلك وأشنعه. وقد قال الشيخ عبد الله بن علي بن يابس في رده على محمود شلتوت صفحة ١٤٩ بعد ذكره لمحمد عبده, قال الوجه الثاني أنه حرف آية البقرة وهي قوله تعالى (فرجل وامرأتان) وقصرها على الاستيثاق محتجا بقول رجل رضع من ثدي باريس وعب من فلسفة الرازي والغزالي وصاحب المواقف وقل نصيبه في علوم الدين فإِذا ذهب يكتب فيه جاء بأقوال ممزوجة بشبه ملاحدة الغرب وفلاسفة الإِسلام, وذلك الرجل هو محمد عبده انتهى. فلينظر إلى قول هذا العالم الجليل الذي درس حال محمد عبده وعرفه حق المعرفة. الوجه الثاني أن يقال إن خطر الطعن في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وردها واطراحها ليس بدون الخطر في وضع الأحاديث على النبي ﷺ , فالوضاعون يزيدون في الأحاديث والمكذبون للأحاديث الصحيحة

стр. 187

ينقصون منها وكلا الأمرين شديد الخطر على الدين, وقد جاء الوعيد الشديد لمن كذب على النبي ﷺ متعمداً, وجاء التشديد أيضا على رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومعارضتها بالقرآن, وقد تقدم ذكر الأحاديث في ذلك في الفصل الثالث في أول الكتاب فليراجع (١). الوجه الثالث أن المؤلف رمى علماء الحديث بالسلبية التي معناها السكوت عن إنكار تثبيت الأحاديث الموضوعة في المراجع من كتب الحديث ومعاملتها في تلك المراجع معاملة الأحاديث الصحيحة, وهذا إنما يكون من أحد شيئين إما الغباوة والتغفيل من المخرجين ومن العلماء الذين أقروهم وسكتوا عنهم, وإما قلة العناية والاهتمام بالسنن وإقرار ما يلصق بها من الأحاديث الموضوعة, والجواب عن هذه الفرية أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً) فليس في الصحيحين ولا في غيرهما من أمهات الكتب شيء من الأحاديث الموضوعة. وقد أعطى الله تعالى كبار المحدثين من النباهة والذكاء والفطنة ما فاقوا به كثيراً من الناس, فلا تخفى عليهم أحاديث الكذابين والوضاعين ولا تروج عليهم, وأعطاهم الله من العناية والاهتمام بالأحاديث وتمييز الصحيح من الضعيف والواهي والموضوع وبيان الكذابين والوضاعين والتحذير منهم ما هو معلوم عند أهل العقول السليمة والعدل والإنصاف, وإنما السلبية كل السلبية في تلامذة الإفرنج من العصريين ومن يقلدهم من الأغبياء المغفلين الذين لا يميزون بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الموضوعة, ومنهم المؤلف وأبو رية وأشباههما من أعداء السنة وحملتها, فهؤلاء يخطبون خبط عشواء فيصححون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ويعتمدون عليها إذا كانت موافقة لآرائهم أو آراء من يعظمونه من شيوخهم وغير شيوخهم من المسلمين وغير المسلمين, ويطعنون في الأحاديث الصحيحة ويزعمون أنها من الدس الإِسرائيلي إذا كانت مخالفة لآرائهم أو آراء من يعظمونه من شيوخهم وغير شيوخهم من المسلمين وغير المسلمين, فهؤلاء يدورون مع الأهواء حيثما دارت بهم وقد قال الله تعالى (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

стр. 188

فصل وقال المؤلف في صفحة (٣٧) ما نصه: قال المرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق إن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإِسلام إنما يرجع إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما وهما الزيادة في الدين أو النقص منه. ومن أنواع الزيادة في الدين الكذب على رسول الله - ص -. والجوب أن يقال إن المؤلف أورد هذا الكلام يحسب أنه يؤيد أقواله الباطلة في معارضة الأحاديث الصحيحة, وهو ينعكس بالرد عليه وإلحاقه بالمبتدعين الذين ينتقصون من الدين بتكذيبهم للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , فالمؤلف معول من معاول هدم الدين, وهو مع الوضاعين في طرفي نقيض. فالوضاعون يزيدون في الأحاديث بالكذب, والمؤلف وأشباهه ينتقصون من الأحاديث الصحيحة بالكذب وكلا الطائفتين على شفا هلكة. فصل وفي صفحة (٣٧) و (٣٨) و (٣٩) نقل المؤلف كلاما طويلا عن دائرة المعارف المصرية وقد أخذه من هامش كتاب أبي رية صفحة (١١٩) و (١٢٠) وهو من كلام المستشرقين أعداء الإِسلام والمسلمين أرادوا به الطعن في دين الإِسلام وتشكيك المسلمين في سنة نبيهم ﷺ . ومما ذكروا فيه أن الرواة استباحوا لأنفسهم اختراع أحاديث تتضمن القول أو الفعل ونسبوها إلى النبي - ص - لكي تتفق وآراء العصر الثاني وأنها قد كثرت الأحاديث الموضوعة المتناقضة أشد التناقض في سنة محمد - ص - إلى آخر كلامه الذي هو غاية في التلبيس والتشكيك, ثم قال المؤلف بعده ونقول تعقيبا على ذلك إنه لمن أكبر وأعظم أسباب الأسى والأسف أن يعلم أولئك المستشرقون من أمر المسلمين والإِسلام ما لا يعلمه كثير من أهله, ولا شك أن الواجب يقضي ويفرض علينا تبرئة النبي - ص - مما قاله المستشرقون, ويفرض علينا أيضا تطهير سنة النبي - ص - من الأحاديث الموضوعة والتي وضعت في فترة الفتنة وغيرها في فرصة النفاذ إلى الأحاديث الصحيحة وفي فرصة الوصول إلى صفحات الكتب الشهيرة سواء كان وضع الحديث قد تم بحسن قصد من بعض السذج من المسلمين أم بسوء قصد من الكتابيين أو المنافقين.

стр. 189

والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال مثل الذي ينقل كلام المستشرقين في طعنهم في السنة ويرضى به كمثل الذي ذهب إلى غنم ليأخذ شاة يأكلها فوقع اختياره على كلب الغنم فأخذه وقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) وقال تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) وقال تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) الآية. الوجه الثاني أن يقال ما زعمه أعداء الله تعالى من أن الرواة استباحوا لأنفسهم اختراع الأحاديث وأن الأحاديث الموضوعة المتناقضة أشد التناقض قد كثرت في سنة رسول الله ﷺ فهو إفك مفترى وزور وبهتان, فإِن الرواة الأثبات الذين خرج لهم أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد المشهورة ليسوا من الوضاعين وإنما هم أعداء الوضاعين في الحقيقة, وقد قام أكابر الأئمة منهم بتمييز الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة وجدوا واجتهدوا في ذلك واعتنوا به أشد الاعتناء وبينوا أسماء الكذابين والوضاعين وتركوا الأمر واضحا جليلا لا لبس فيه فجزاهم الله عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء, وهذا مما يتجاهله المستشرقون ويتعامون عنه, وكذلك المقلدون لهم من العصريين. الوجه الثالث أن يقال إن الله تعالى قد حفظ سنة نبيه ﷺ من التناقض ومن امتزاج الأحاديث الموضوعة بها. فالأحاديث الصحيحة معروفة عند علماء المسلمين وعليها المعول عندهم والأحاديث الموضوعة معروفة عندهم وقد اجتنبوها وحذروا الناس منها, فمن زعم غير ذلك فقوله باطل مردود عليه. الوجه الرابع أن يقال ما ألصقه المستشرقون بالسنة وأهلها فكله باطل أرادوا به التلبيس والتشكيك في دين الإِسلام وفي سنة رسول الله ﷺ , ومن الغباوة والجهل المزري بصاحبه تصديق المستشرقين في هذيانهم وأكاذيبهم على الإِسلام وأهله, ومن أقبح الغباوة والجهل أيضا زعم المؤلف تقليداً لأبي رية أن المستشرقين يعلمون من أمر المسلمين والإِسلام ما لا يعلمه كثير من أهله, والواقع في الحقيقة أن المستشرقين يخبطون خبط عشواء في كتاباتهم عن الإِسلام والمسلمين, وكثيراً ما ينكرون الحقائق ويصدقون بالأكاذيب ويعتمدون عليها, وكثير من ضعفاء

стр. 190

البصيرة من العصريين يعتمدون على كتاباتهم وهي مما لا يعتمد عليه. الوجه الخامس أن يقال إذا كان المؤلف لا يشك أن الواجب يقضي ويفرض عليه تبرئة النبي ﷺ مما قاله المستشرقون ويفرض عليه تطهير سنة النبي ﷺ من الأحاديث الموضوعة, فما باله يعكس الأمر فيمدح المستشرقين ويزعم أن عندهم من العلم بالإِسلام والمسلمين ما ليس عند كثير من المسلمين, وما باله يحمل أقبح الحمل على بعض الأحاديث الصحيحة فيطعن فيها ويردها بمجرد الهوى ويعرض عن الأحاديث الموضوعة فلا يذكرها ولا يطعن في شيء منها. وربما أورد منها في بعض المواضع ما يوافق هواه فيصححه ويعتمد عليه, فهل هذا هو المفروض عليه؟ وهل في أفعاله السيئة تطهير لسنة رسول الله ﷺ ؟ والجواب أن يقال إن المؤلف قد نبذ المفروض عليه وراء ظهره وأتى بما يخالفه, ويقال أيضا إنه يجب تطهير سنة رسول الله ﷺ مما ألصقه بها المؤلف وأبو رية وأشباههما من أهل الإِلحاد والشك والتشكيك, ويجب أيضا تنزيه الصحيحين وغيرهما من الكتب الشهيرة عند المسلمين كالسنن والمسانيد المشهورة مما زعمه المؤلف من وصول الموضوعات إلى صفحاتها, ويجب أيضا تنزيه الثقات الأثبات الذين جمعوا أحاديث رسول الله ﷺ واعتنوا بتنقيتها من الأحاديث الموضوعة مما رماهم به المؤلف من السذاجة التي معناها الغباوة والتغفيل, ولا شك أن المؤلف وأبا رية وأشباههما من الذين يصغون إلى أكاذيب المستشرقين ويغترون بما ينشرونه من زخرف القول أولى بوصف السذاجة والغباوة والتغفيل. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٠) و (٤١) ما ملخصه: الوضع لنصرة المذاهب في أصول الدين وفروعه - إلى أن قال - وليت أسباب الوضع لنصرة المذاهب محصورة في المبتدعة وأصل المذاهب في الأصول, بل من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه, وإليك حديثا واحداً وهو (يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس) ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي) , وهنا اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووا في إمامهم حديثا يفضلونه على كل إمام. وهذا نصه: قال رسول الله - ص - (أكرموا قريشا فإِن عالمها يملأ طباق

стр. 191

الأرض علما) , وأنصار الإِمام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في إمامهم هذا الحديث ونصه (يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة) يعني مالك. والجواب أن يقال هذا الكلام نقله المؤلف من كتاب أبي رية وهو من الأباطيل المردودة على قائلها, فأما قوله إن من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه. فجوابه أن يقال إنما يعرف وضع الأحاديث عن الزنادقة وأهل البدع وهؤلاء ليسوا من أهل السنة وإن انتسبوا إلى بعض المذاهب, فأما المتمسكون بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان فليسوا ممن يضع الحديث, وهم أهل السنة على الحقيقة, وقد يقع الوضع من بعض الجهال المنتسبين إلى السنة ومن المغفلين وهم الذين يقبلون التلقين وممن اختلطت عقولهم فخلطوا في الرواية وممن لا حفظ لهم ولا تمييز فيحدثون من حفظهم فيغلطون, هؤلاء وإن انتسبوا إلى السنة فلا عبرة بهم لأن وجودهم في أهل السنة كعدمهم. وأما حديث (يكون في أمتي رجل يقال له محمد ابن إدريس) إلى آخره فقد رواه مأمون بن أحمد السلمي عن أحمد بن عبد الله الجويباري وكل منهما دجال معروف بكثرة الوضع, قال ابن الجوزي بعد إيراده لهذا الحديث في كتابه «الموضوعات» هذا حديث موضوع لعن الله واضعه. وهذه اللعنة لا تفوت أحد الرجلين وهما مأمون والجويباري. وكلاهما لا دين له ولا خير فيه كانا يضعان الحديث. قال ابن حبان كان مأمون دجالا من الدجالين حدث عمن لم يره وكان الجويباري كذاباً دجالاً يضع على الذين يروي عنهم ما لم يحدثوه لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه. وذكر هذا الحديث أبو عبد الله الحاكم في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل فقال قيل لمأمون بن أحمد ألا ترى إلى الشافعي وإلى من تبع له بخراسان فقال حدثنا أحمد بن عبد الله فذكر الحديث فبان بهذا أن الواضع له مأمون الذي ليس بمأمون انتهى كلام ابن الجوزي. وأما قول المؤلف تقليداً لأبي رية. وهنا اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووا في إمامهم حديثا يفضلونه على كل إمام. وهذا نصه. قال رسول الله - ص - (أكرموا قريشا فإِن عالمها يملأ طباق الأرض علما).

стр. 192

فجوابه من وجوه أحدها أن يقال هذا الحديث لم يروه أحد من الشافعية وإنما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن معبد الكندي أو العبدي عن الجارود عن أبي الأحوص عن عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا قريشا فإِن عالمها يملأ طباق الأرض علما» الحديث. وأبو داود الطيالسي ليس هو من الشافعية وإنما هو من أقران الشافعي ومات هو والشافعي في سنة أربع ومائتين من الهجرة. وكان أكبر من الشافعي بسبع عشرة سنة. وإذا علم هذا فلا يخفى كذب المؤلف في قوله تبعا لأبي رية إن الشافعية هم الذين رووا هذا الحديث في إمامهم يفضلونه على كل إمام. الوجه الثاني أن يقال إن أبا رية قد حرف أول الحديث حيث قال فيه. أكرموا قريشا. والذي في الحديث «لا تسبوا قريشا» وقد تبعه المؤلف على التحريف لغباوته وجهله. الوجه الثالث أن يقال إن الحديث ضعيف جداً لأن في إسناده النضر بن معبد, وسماه الذهبي في الميزان النضر بن حميد وقال قال أبو حاتم متروك الحديث وقال البخاري منكر الحديث, ثم أورد الذهبي هذا الحديث من روايته, وفيه أيضا الجارود وقال الذهبي في الميزان أبو الجارود وهو زيد بن المنذر قال ابن معين كذاب وقال النسائي وغيره متروك وقال ابن حبان كان رافضيا يضع الحديث في الفضائل والمثالب وقال الدارقطني إنما هو منذر بن زياد متروك, وفيه أيضا أبو الأحوص قال الذهبي في الميزان قال يحيى بن معين ليس بشيء وحسن الترمذي حديثه. فإِن قلنا إن الحديث موضوع فآفته من النضر بن حميد أو من أبي الجارود وكلاهما كان قبل الشافعي بزمان. وإذا علم هذا فمن أقبح الجهل قول المؤلف إن الشافعية هم الذين رووا هذا الحديث في إمامهم يفضلونه به على كل إمام. وهذا كلام لا يقوله عاقل وإنما يقوله من يهرف بما لا يعرف, وهل يقول عاقل إن النضر بن حميد وأبا الجارود كانا من الشافعية مع كونهما قبل زمان الشافعي بزمان؟! الوجه الرابع أن يقال لو فرضنا أن الحديث صحيح فليس فيه تصريح باسم

стр. 193

الشافعي ولا غيره من أكابر العلماء القرشيين فيحتمل أن يكون المراد به الشافعي ويحتمل أن يكون المراد به غيره كالزهري فإِنه قد نشر عن النبي ﷺ علما كثيراً وكان أول من دون الحديث, وقد ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» عن الحافظ أبي نعيم الأصبهاني أنه قال هو الشافعي, وذكر أيضا في موضع آخر من «البداية والنهاية» عن عبد الملك بن محمد الاسفراييني أنه قال لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي حكاه الخطيب انتهى, ولا شك أن الشافعي قد ملأ طباق الأرض علما فلو كان الحديث صحيحا لم يبعد أن يكون هو المراد به والله أعلم. وأما قول المؤلف تبعا لأبي رية إن أنصار الإِمام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في إمامهم هذا الحديث ونصه (يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة) يعني مالك. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال هذا الحديث لم يروه أحد من المالكية وإنما رواه الإِمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإِبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» هذا لفظ الحاكم, ولفظ الترمذي عن أبي هريرة ﵁ رواية. «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإِبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة» قال الترمذي هذا حديث حسن. وفي نسخة حسن صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وبوب عليه الترمذي بقوله «باب ما جاء في عالم المدينة» وبوب عليه الهيثمي في «موارد الظمآن» إلى زوائد ابن حبان» بقوله: «باب في عالم المدينة». وإذا علم هذا فمن الزور والبهتان قول المؤلف تبعا لأبي رية إن أنصار الإِمام مالك هم الذين وضعوا هذا الحديث في إمامهم, ومن أكبر الخطأ زعم المؤلف وأبي رية إن هذا الحديث موضوع مع أنه حديث صحيح كما تقدم بيانه. الوجه الثاني أن يقال إن أبا رية قد حرف لفظ الحديث وهذا من قلة أمانته أو عدمها وقد تبعه المؤلف على التحريف لغباوته وجهله, وقد تقدم لفظ الحديث فليقارن بينه وبين ما أورده المؤلف, ومن عجيب أمر المؤلف وأبي رية أنهما قد أنكرا

стр. 194

رواية الحديث بالمعنى وأكثرا من القول في ذلك, وها هما قد نقلا ما تقدم ذكره في هذا الفصل بالمعنى وغيرا لفظ الحديثين وحرفا فيهما فهلا بدأ كل منهما بنفسه فنقل الأحاديث على ما هي عليه ولم يغير فيها.؟! الوجه الثالث قال الترمذي بعد إيراد الحديث وقد روي عن ابن عينية أنه قال في هذا سئل من عالم المدينة؟ فقال إنه مالك بن أنس, وقال إسحاق بن موسى سمعت ابن عينية يقول هو العمري عبد العزيز بن عبد الله الزاهد, وسمعت يحيى بن موسى يقول قال عبد الرزاق هو مالك بن أنس. والعمري هو عبد العزيز بن عبد الله من ولد عمر بن الخطاب انتهى كلام الترمذي. والصحيح أن اسم العمري عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله كما جاء ذلك في رواية الخطيب لهذا الحديث فعنده قال أبو موسى يعني إسحاق بن موسى الأنصاري شيخ الترمذي - فقلت لسفيان أكان ابن جريح يقول نرى أنه مالك بن أنس؟ فقال إنما العالم من يخشى الله ولا نعلم أحداً كان أخشى لله من العمري يعني عبد الله بن عبد العزيز العمري انتهى, وليس في الحديث تصريح باسم مالك ولا غيره فيحتمل أن يكون مالك هو المراد به ويحتمل أن يكون المراد به غيره من أكابر العلماء ممن كان في زمان مالك أو قبل زمانه أو بعده بزمان يسير أو أزمان, ويحتمل أن يكون ذلك في آخر الزمان حين يأرز الإِيمان إلى المدينة والله أعلم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤١) ما نصه: ولا شك أن المبالغة في شدة الترهيب وزيادة الترغيب سهلت على واضعي هذا النوع من الأحاديث المكذوبة, ومن ذلك قول العلماء إن الأحاديث الضعيفة يعمل بها في فضائل الأعمال, وعجيب أن تقوم فضائل الأعمال على ضعيف الحديث. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال قد تقدم الكلام في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (١) وأنه لا يعمل به بانفراده بل يعتبر به ويعتضد به مع غيره وأنه لا يجوز إثبات حكم شرعي به لا استحباب ولا غيره لكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإِن ذلك ينفع

стр. 195

ولا يضر وأن العمل بالضعيف إنما يشرع في عمل قد علم أنه مشروع في الجملة. أما إثبات سنة فلا, هذا كلام شيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية وغيره من أكابر العلماء في العمل بالحديث الضعيف وبه يرد على المؤلف فيما توهمه على العلماء أنهم يقولون إن فضائل الأعمال تقوم على ضعيف الحديث. الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف أبدى عجبه مما توهمه على العلماء الذين قالوا إنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال, وأعجب من ذلك تشكيك المؤلف في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وطعنه فيها بغير حجة وتهجمه على صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد القرآن ومخالفته لإِجماع المسلمين على صحة ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وقبوله والعمل به, ولا شك أن هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين فالإِقدام على هذه الأعمال من رجل ينتسب إلى الإِسلام من أعجب العجب. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٣) ما ملخصه: كان الرشيد يعجبه الحمام واللهو به فأهدي إليه حمام وعنده أبو البختري قاضي المدينة فقال للرشيد روي عن النبي - ص - أنه قال (لا سبق إلا في زحف أو حافز أو جناح) فزاد جناح وهي لفظ وضعها للرشيد خاصة فأعطاه جائزة سنية ولما خرج قال الرشيد والله قد علمت أنه كذاب وأمر بالحمام أن يذبح فقيل وما ذنب الحمام قال من أجله كذب على رسول الله. والجواب أن يقال هذا الكلام نقله المؤلف من كتاب أبي رية وقد حرف فيه فقال «في زحف أو حافز» وصوابه في «خف أو حافر» وقال «وهي لفظ» وصوابه «وهي لفظة» وقد وهم أبو رية حيث زعم أن أبا البختري هو الذي وضع الزيادة في هذا الحديث للرشيد, وقد تبع المؤلف أبا رية على الوهم لغباوته وجهله. والصواب أن الذي وضع الزيادة في هذا الحديث غياث بن إبراهيم النخعي وضعها للمهدي لا للرشيد, قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» القسم الخامس قوم كان يعرض لهم غرض فيضعون الحديث, فمنهم من قصد بذلك التقرب إلى السلطان بنصرة غرض كان له كغياث بن إبراهيم فإِنه حين أدخل على المهدي وكان المهدي يحب الحمام إذا قدامه حمام فقيل له حدث أمير المؤمنين فقال حدثنا

стр. 196

فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح» فأمر له المهدي ببدرة فلما قام قال أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ قال المهدي أنا حملته على ذلك ثم أمر بذبح الحمام ورفض ما كان فيه. قال الذهبي في الميزان غياث بن إبراهيم النخعي عن الأعمش وغيره قال أحمد ترك الناس حديثه, وروى عباس عن يحيى ليس بثقة وقال الجوزجاني كان فيما سمعت غير واحد يقول يضع الحديث وقال البخاري تركوه انتهى وقال ابن حجر في لسان الميزان قال الآجري سألت أبا داود فقال كذاب. وقال مرة ليس بثقة ولا مأمون وقال يحيى بن معين مرة كذاب خبيث وقال الساجي تركوه وقال صالح جزرة كان يضع الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم متروك الحديث وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال ابن عدي بين الأمر في الضعف وأحاديثه كلها شبه الموضوع انتهى. وأما قصة أبي البختري مع الرشيد فقد ذكرها ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» من طريق زكريا بن يحيى الساجي قال بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد - وهو قاض - وهارون إذ ذاك يطير الحمام فقال هل تحفظ في هذا شيئا فقال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يطير الحمام» فقال هارون اخرج عني ثم قال لولا أنه رجل من قريش لعزلته. قال ابن الجوزي هذا الحديث من عمل أبي البختري واسمه وهب بن وهب كان من كبار الوضاعين انتهى. وقال الذهبي في الميزان وهب بن وهب القاضي أبو البختري القرشي المدني ولي قضاء عسكر المهدي ثم قضاء المدينة متهم في الحديث قال يحيى بن معين كان يكذب عدو الله. وقال عثمان بن أبي شيبة أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالا وقال أحد كان يضع الحديث وضعا فيما نرى انتهى. وقال ابن حجر في لسان الميزان قال أحمد بن حنبل هو أكذب الناس وكذا قال إسحاق بن راهويه وكان وكيع يرميه بالكذب وكذبه حفص بن غياث وقال شعيب بن إسحاق كذاب هذه الأمة أبو البختري وذكر آخر وقال ابن الجارود كذاب خبيث كان عامة الليل يضع الحديث وقال أبو طالب عن أحمد ما أشك في كذبه وأنه يضع الحديث واتهمه مالك بن أنس

стр. 197

وقال النسائي في التمييز ليس بثقة ولا يكتب حديثه كذاب خبيث. وقال الحاكم روى عن جعفر وهشام الموضوعات. وذكره العقيلي في الضعفاء وقال لا أعلم له حديثا مستقيما كلها بواطيل. وقال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث وهذه بواطيل وأبو البختري من الكذابين الوضاعين وكان يجمع في كل حديث يرويه أسانيد من جسارته على الكذب ووضعه على الثقات انتهى. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٣) ما نصه مما وضعته البكرية ثم ذكر ثلاثة أحاديث من الموضوعات في فضل أبي بكر الصديق ﵁ ثم قال في صفحة (٤٤) وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي - ص - قال «إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحيي من الله ورسوله» وفي حديث البخاري أن رسول الله قال «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وفي حديث أن صورتها قد جاءت النبي في سرقة من حرير مع جبريل وقال له هذه زوجتك في الدنيا والآخرة» وفي حديث آخر «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» وفي رواية «خذوا شطر دينكم» وأخرج الترمذي أن النبي - ص - قال لمعاوية «اللهم اجعله هاديا مهديا» وفي حديث آخر أن النبي قال «اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب» هناك زيادة في الحديث «وأدخله الجنة» وعلى كثرة ما جاء في فضائل معاوية من أحاديث لا أصل لها فإِن إسحاق بن راهويه وهو الإِمام الكبير وشيخ البخاري قد قال إنه لم يصح في فضائل معاوية شيء. والجواب أن يقال ما ذكر في هذا الفصل فهو مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وظلماته, ويظهر من صنيع أبي رية حيث ذكر الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر ﵁ وما جاء في عثمان ومعاوية ﵃ ولم يتعرض للأحاديث الموضوعة في فضل علي ﵁ مع أنها أكثر مما جاء من الموضوعات في فضائل غيره من الصحابة أنه قد تأثر بالرافضة ومال إليهم فلهذا أعرض عما وضعته الرافضة في فضائل علي ﵁. وأما المؤلف فإِنما هو مقلد لأبي رية ينقل من كتابه ويعتمد على أقواله الباطلة وليس عنده تمييز بين الغث والسمين من أقوال أبي رية وما ينقله من كلام غيره وما يذكره من الأحاديث, وما أشبه المؤلف بالذين قال الله

стр. 198

تعالى فيهم (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا). ولما كان أبو رية حريصا على التلبيس والتشكيك في الأحاديث الصحيحة جمع في هذا الموضع بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة وجعلها كلها من الموضوعات, وهذا من مجازفته وتحامله على الأحاديث الصحيحة وإبراز ما يكنه لها من العداوة. فأما الأحاديث الثلاثة في فضائل أبي بكر الصديق ﵁ فقد أشرت إليها وذكرت أنها موضوعة. وأما حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال «إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله» فهو حديث ضعيف وليس بموضوع ولم أر أحداً ذكره في الموضوعات, وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه أبو يعلى والطبراني وفيه إبراهيم بن عمر بن أبان وهو ضعيف, وأورده ابن كثير في «البداية والنهاية» من رواية الطبراني وقال هذا حديث غريب وفي سنده ضعف. قلت أما أول الحديث وهو قوله «إن الملائكة لتستحي من عثمان» فهو ثابت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة ﵂ دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» وقد رواه الإِمام أحمد بنحوه وإسناده صحيح. وعن حفصة ﵂ نحوه رواه الإِمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى قال الهيثمي وإسناده حسن. وأما قوله ﷺ «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» فهو ثابت في الصحيحين وجامع الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁, ومن حديث أبي موسى ﵁, وقد رواه النسائي من حديث

стр. 199

أبي موسى ﵁ ومن حديث عائشة ﵂ وإسناد كل منهما جيد. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. وعن مصعب بن سعد عن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال «إن عائشة تفضل على النساء كما يفضل الثريد على سائر الطعام» رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح. وعن قرة بن إياس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» رواه الطبراني قال الهيثمي وإسناده حسن. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من أنكر فضل عائشة ﵂ على النساء. ومن زعم أن هذه الأحاديث موضوعة فلا شك أنه مكابر معاند. وأما الحديث الذي فيه أن صورة عائشة ﵂ جيء بها إلى النبي ﷺ في سرقة من حرير مع جبريل وقال له هذه زوجتك في الدنيا والآخرة فقد رواه الترمذي من حديث ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ «أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وقد رواه البخاري ومسلم من حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإِذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه» هذا لفظ مسلم. قال النووي على قوله «سرقة من حرير» هي فتح السين المهملة والراء وهي الشقق البيض من الحرير قاله أبو عبيد وغيره. وقال ابن الأثير في جامع الأصول هي الشقق البيض من الحرير خاصة. وفي هذا الحديث المتفق على صحته أبلغ رد على المؤلف وأبي رية حيث أدخلاه مع الموضوعات وزعما أنه منها وتلك مكابرة منهما واستهانة بما ثبت عن النبي ﷺ .

стр. 200

وأما حديث «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» وفي رواية «خذوا شطر دينكم» فهو حديث لا أصل له, قال ابن كثير في «البداية والنهاية» فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» فإِنه ليس له أصل ولا هو مثبت في شيء من أصول الإِسلام, وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال لا أصل له انتهى. وقال علي القاري في «الأسرار المرفوعة» حديث «خذوا شطر دينكم عن الحميراء» قال العسقلاني لا أعرف له إسناداً ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ولم يذكر من خرجه. وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير أنه سأل المزي والذهبي فلم يعرفاه. وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في «تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب» هو حديث غريب جداً بل هو حديث منكر سألت عنه شيخنا الحافظ المزي فلم يعرفه وقال لم أقف له على سند إلى الآن. وقال شيخنا الذهبي هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» هو كذب مختلق. وأما ما أخرجه الترمذي أن النبي ﷺ قال لمعاوية «اللهم اجعله هاديا مهديا» فقد رواه الإِمام أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي صلى الله أنه ذكر معاوية وقال «اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب, وروى الترمذي أيضا عن أبي إدريس الخولاني قال لما عزل عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس عزل عميراً وولى معاوية فقال عمير لا تذكروا معاوية إلا بخير فإِني سمعت رسول الله ﷺ يقول «اللهم اهد به» قال الترمذي هذا حديث غريب. وإذا كان الترمذي قد حسن حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة ﵁ فمن الخطأ إلحاقه بالموضوعات كما فعل ذلك المؤلف وأبو رية. وأما الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال في حق معاوية «اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب» فقد رواه الإِمام أحمد والبزار والطبراني وابن حبان في صحيحه من حديث العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال سمعت

стр. 201

رسول الله ﷺ يقول «اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» قال الهيثمي فيه الحارث بن زياد ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف, وروى الطبراني أيضا من طريق جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد عن النبي ﷺ نحوه, قال الهيثمي وجبلة لم يسمع من مسلمة فهو مرسل ورجاله وثقوا وفيهم خلاف. وإذا كان ابن حبان قد صحح حديث العرباض بن سارية ﵁ فمن الخطأ إلحاقه بالموضوعات. وأما قول إسحاق بن راهويه إنه لم يصح في فضائل معاوية شيء فجوابه أن يقال قد حسن الترمذي حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة في ذلك وصحح ابن حبان حديث العرباض بن سارية في ذلك. وفي هذين الحديثين ما يستأنس به في إثبات الفضيلة لمعاوية ﵁, وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس ﵄ فقال دعه فإِنه قد صحب رسول الله ﷺ , وفي رواية له عن ابن أبي مليكة قال قيل لابن عباس ﵄ هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإِنه ما أوتر إلا بواحدة قال إنه فقيه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ظاهر شهادة ابن عباس ﵄ له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير انتهى. ومن فضائل معاوية ﵁ أنه كان من كتاب النبي ﷺ كما سيأتي بيان ذلك في آخر الفصل الثاني مما بعد هذا الفصل إن شاء الله تعالى. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٤) و (٤٥) ما نصه أما الأحاديث التي قيلت في حق الشام إرضاء لبني أمية فقد قالوا إنها أرض المحشر والأبدال ونزول عيسى, وروى أحمد والبغوي والطبراني وغيرهم عليكم بالشام فإِنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده وإن الله توكل بالشام وأهله, وفي حديث آخر الشام صفوة الله في بلاده يجتبي إليها صفوته من عباده فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ومن دخلها من غيرها فبرحمته. وروى البيهقي في الدلائل

стр. 202

عن أبي هريرة مرفوعا الخلافة بالمدينة والملك بالشام. وعن كعب الأحبار أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممن عصاه. ومن حديث ستفتح عليكم الشام فإِذا خيرتم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق وهي حاضرة الأمويين فإِنها معقل المسلمين في الملاحم وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة. وقد جعلوا دمشق هذه هي الربوة في القرآن التي قال الله عنها (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) وذلك في حديث مرفوع, وقد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنة في حديث رفعه إلى النبي ﷺ هذا نصه أربع مدائن من مدائن الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق وأما مدائن النار فالقسطنطينية وطبرية وأنطاكية وصنعاء, وإرضاء ليزيد بن معاوية أميرها في غزوها يجعلون القسطنطينية مرة أخرى ذات فضل كبير فيقولون حديثا عنها يقول (لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش). والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال هذا الكلام قد نقله المؤلف من كتاب أبي رية ببعض زيادة وتصرف. ومن الزيادة قوله في الأحاديث التي جاءت في فضل الشام أنها قيلت إرضاء لبني أمية. وهذا خطأ كبير فإِن الأحاديث التي جاءت في فضل الشام ليست كلها موضوعة كما قد توهمه المؤلف, بل فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى, فأما الصحيح منها فلا شك في ثبوته عن النبي ﷺ . وأما الحسن فمقبول عند أهل العلم. وأما الضعيف فيقتصر على تضعيفه ولا يجوز الحكم عليه بالوضع بغير حجة. ويلزم على قول المؤلف أن يكون النبي ﷺ قد قال ما قال في فضل الشام إرضاء لبني أمية, وما لزم عليه ذلك فهو قول سوء لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل ودين. الوجه الثاني أن يقال قد جاء في فضل الشام آيات من القرآن وأحاديث صحيحة. فمن الآيات قول الله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وقوله تعالى إخباراً عن موسى ﵊ أنه قال لقومه (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم).

стр. 203

وقوله تعالى (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) وقوله تعالى (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) وقوله تعالى (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) قال العلماء في تفسير الآيتين من سورة الأنبياء المراد بالأرض أرض الشام وقالوا في تفسير الآية من سورة سبأ المراد بالقرى قرى الشام. وإذا علم هذا فهل يقول المؤلف في هذه الآيات ما قاله في الأحاديث, أم ماذا يجيب به عن قوله الذي لم يتثبت فيه. وأما الأحاديث الواردة في فضل الشام فهي كثيرة ونقتصر منها على ما ذكره المؤلف وما أشار إليه في أرض المحشر والأبدال ونزول عيسى ﵊. فأما كون الشام أرض المحشر فهو ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقول الله تعالى (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) الآية, وأهل الكتاب هم بنو النضير أجلاهم النبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات من أرض الشام قال ابن عباس ﵄ «من شك أن أرض المحشر ههنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) قال لهم رسول الله ﷺ «أخرجوا» قالوا إلى أين قال «إلى أرض المحشر» رواه ابن أبي حاتم, وعن الحسن قال لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قال «هذا أول الحشر وأنا على الأثر» رواه ابن جرير وابن حاتم, وقال الكلبي إنما قال لأول الحشر لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب ﵁. قال مرة الهمداني كان أول الحشر من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر, وقال قتادة كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا. وأما الدليل من السنة فما رواه سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول لهم «إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ثم تجتمعون يوم القيامة» رواه البزار والطبراني قال الهيثمي وإسناد الطبراني حسن.

стр. 204

وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات» الحديث وفيه «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه رواه الطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «ستخرج نار من حضرموت أو من نحو بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس» قالوا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال «عليكم بالشام» رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄. وفي هذا الحديث دليل على أن أرض الشام هي أرض المحشر, وعن عمر ﵁ أنه قال «تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن تحشر الناس تسير إذا ساروا وتقيم إذا أقاموا حتى إنها لتحشر الجعلان حتى تنتهي إلى بصرى» رواه ابن أبي شيبة, وله حكم الرفع لأن فيه إخباراً عن أمر غيبي وذلك لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف, وبصرى من أرض الشام. وفيما ذكرته من الآيات والأحاديث أبلغ رد على من أنكر أن تكون الشام أرض المحشر, وفيها أيضا أبلغ رد على من زعم أن الأحاديث الواردة في ذلك إنما قيلت إرضاء لبني أمية. وأما الأبدال فقد جاء فيهم أحاديث كثيرة ولا يصح منها شيء, وقد روى الإِمام أحمد في مسنده حديثين منها أحدهما عن عبادة بن الصامت ﵁ وقال فيه أحمد هو منكر, والثاني عن علي ﵁ وفية انقطاع, وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله ﷺ , وأقرب ما فيها «لا تسبوا أهل الشام فإِن فيهم البدلاء كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر» ذكره أحمد ولا يصح أيضا فإِنه منقطع انتهى.

стр. 205

وأما نزول عيسى ﵊ بأرض الشام فهو ثابت من حديث النواس بن سمعان وأوس بن أوس الثقفي ونافع بن كيسان عن أبيه, فأما حديث النواس بن سمعان ﵁ فرواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وهو حديث طويل ذكر فيه النبي ﷺ خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ وقال فيه «فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين» الحديث. قال الترمذي حديث غريب حسن صحيح. وأما حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ عن النبي ﷺ فقد رواه الطبراني ولفظه قال «ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» قال الهيثمي رجاله ثقات. وأما حديث نافع بن كيسان عن أبيه عن النبي ﷺ فقد رواه البخاري في التأريخ الكبير ولفظه قال «ينزل عيسى بن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء» وذكر الحافظ ابن حجر في الإِصابة أن ابن السكن والطبراني وابن منده أخرجوه قال وكذا أخرجه الربعي في فضائل الشام وتمام في فوائده ورجاله ثقات قلت وقد ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وذكر أن إسناده صالح. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من أنكر أن يكون نزول عيسى ﵊ بأرض الشام وعلى من زعم أن الأحاديث الواردة في ذلك إنما قيلت إرضاء لبني أمية. وأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والبغوي والطبراني وغيرهم «عليكم بالشام فإِنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده وإن الله توكل بالشام وأهله» فقد رواه أبو داود في سننه بإِسناد حسن عن ابن حوالة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق» قال ابن حوالة خرلي يا رسول الله إن أدركت ذلك فقال «عليك بالشام فإِنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله توكل لي بالشام وأهله» وقد روى الطبراني بعضه بمعناه من طريقين قال الهيثمي ورجال أحدهما رجال الصحيح.

стр. 206

وروى الطبراني أيضا من حديث العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ نحوه, قال الهيثمي ورجاله ثقات, وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضا رواه الطبراني في الكبير من طريقين. قال الهيثمي وفيهما المغيرة بن زياد وفيه خلاف وبقية رجال أحد الطريقين رجال الصحيح. وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضا رواه البزار والطبراني قال الهيثمي وفيه سليمان بن عقبة وقد وثقه جماعة وفيه خلاف لا يضر وبقية رجاله ثقات. وإذا علم ما لحديث ابن حوالة من الشواهد الحسنة فمن الخطأ إلحاقه بالموضوعات كما قد توهم ذلك المؤلف تقليداً لأبي رية. وأما لحديث الآخر «الشام صفوة الله من بلاده يجتبي إليها صفوته من عباده فمن خرج من الشام إلى غيره فبسخطه ومن دخلها من غيرها فبرحمته» فهو حديث ضعيف رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا قال الهيثمي وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. وأما ما رواه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» فهو حديث يشهد له الواقع وهو من أعلام النبوة فإن النبي ﷺ قال «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث سفينة ﵁, وفي رواية الترمذي «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك» قال الترمذي حديث حسن, وفي رواية ابن حبان «الخلافة ثلاثون سنة وسائرهم ملوك» وروى يعقوب بن سفيان من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه, ورواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي بإِسناد حسن وفيه قصة لأبي بكرة ﵁ مع معاوية ﵁ وقد ذكرتها في كتابي «إتحاف الجماعة, بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» في «باب ما جاء في خلافة النبوة» فلتراجع هناك. وقد كان الخلفاء الراشدون في المدينة وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃, وأما علي ﵁ وهو رابع الخلفاء الراشدين فقد بويع له بالمدينة ثم سار

стр. 207

بعد ذلك إلى العراق ولم يزل فيه حتى قتل وكانت خلافة الحسن بن علي ﵄ نحوا من ستة أشهر وبذلك تمت خلافة النبوة ثلاثين سنة, ثم نزل الحسن ﵁ عن الأمر لمعاوية ﵁ وكان معاوية أول الملوك في الإِسلام وكان مقره بالشام وبذلك ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها قريبا. وأما ما ذكره المؤلف وأبو رية عن كعب الأحبار أنه قال «أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممن عصاه» فقد روي نحوه عن خريم بن فاتك الأسدي ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده» الحديث رواه الطبراني مرفوعا والإِمام أحمد موقوفا على خريم قال الهيثمي ورجالهما ثقات. وأما قول المؤلف تبعا لأبي رية, ومن حديث «ستفتح عليكم الشام فإِذا خيرتم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق وهي حاضرة الأمويين فإِنها معقل المسلمين في الملاحم وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة». فجوابه أن يقال هذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد من حديث جبير بن نفير عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفي إسناده ضعف. وله شاهد صحيح من حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام» رواه الإِمام أحمد وأبو داود ورجالهما رجال الصحيح سوى زيد بن أرطأة وهو ثقة, وقد رواه الحاكم في مستدركه ولفظه قال «يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ» قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقد دلت رواية الحاكم على أن تفضيل السكنى بدمشق إنما يكون في آخر الزمان إذا وقعت الملاحم بين المسلمين والروم, والملاحم إنما تكون قبيل خروج الدجال كما جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة ذكرتها في كتابي «إتحاف الجماعة, بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» فلتراجع هناك في «باب ما جاء في الملحمة الكبرى».

стр. 208

وقد زاد أبو رية في أثناء حديث جبير بن نفير جملة من عنده وهي قوله «وهي حاضرة الأمويين» وقد نقلها المؤلف من كتاب أبي رية وأقرها, وهذه الجملة هي الموضوع في الحديث وما سواها من الحديث فليس بموضوع وإنما هو حديث ضعيف, وقد ذكرت ما يعضده ويقويه من حديث أبي الدرداء ﵁, وفي هذا رد على من زعم أنه من الموضوعات التي قيلت إرضاء لبني أمية. وقد نقص المؤلف كلمتين من أول الحديث فإِنه قال «فإِذا خيرتم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق» وصوابه «فإِذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها دمشق». وقد كان المؤلف يشدد في الرواية بالمعنى خشية الزيادة والنقصان كما تقدم ذكر ذلك عنه في أثناء الكتاب, وهو مع هذا يزيد وينقص في حديث جبير بن نفير, فهلا بدأ بنفسه فنهاها عن غيها ومنعها مما كان ينكره على غيره, وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وأما قوله وقد جعلوا دمشق هذه هي الربوة في القرآن التي قال الله عنها (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) وذلك في حديث مرفوع. فجوابه أن يقال ليس في تعيين الربوة حديث مرفوع كما قد زعم ذلك المؤلف تقليداً لأبي رية. وإنما جاء في ذلك أقوال عن بعض الصحابة والتابعين, أحدها أنها دمشق رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ وبه قال عبد الله بن سلام ﵁ وسعيد بن المسيب والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان ومقاتل. والثاني أنها غوطة دمشق قاله مجاهد والضحاك, والثالث أنها بيت المقدس رواه عطاء عن ابن عباس ﵄ وبه قال قتادة وكعب, وروى العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) قال المعين الماء الجاري وهو النهر الذي قال الله تعالى (قد جعل ربك تحتك سريا) , والرابع أنها الرملة من أرض فلسطين قاله أبو هريرة ﵁, والخامس أنها مصر قاله وهب بن منبه وابن زيد وابن السائب, وقد رجح ابن كثير أنها بيت المقدس قال لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضا وهذا أول ما يفسر به ثم الأحاديث ثم الآثار انتهى.

стр. 209

وأما قوله وقد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنة في حديث رفعه إلى النبي - ص - هذا نصه «أربع مدائن من مدائن الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق وأما مدائن النار فالقسطنطينية وطبرية وأنطاكية وصنعاء». فجوابه أن يقال هذا الحديث قد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وساقه من طريق الوليد بن محمد - وهو الموقري صاحب الزهري - عن الزهري عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. ثم قال ابن الجوزي هذا حديث لا أصل له قال أحمد بن حنبل الوليد ليس بشيء وقال يحيى كذاب, وذكر الذهبي عن أبي حاتم أنه قال ضعيف الحديث وقال ابن المديني لا يكتب حديثه وقال النسائي متروك الحديث وقال الذهبي مجمع على ضعفه وقال السيوطي الوليد كذاب, وكذا قال الشوكاني قال والحديث قد أورده ابن الجوزي في الموضوعات فأصاب انتهى. وقد أخطأ أبو رية خطأ كبيراً وأساء الأدب في كلامه حيث زعم أن أبا هريرة ﵁ هو الذي جعل أربع مدائن من مدائن الجنة وأربعا من مدائن النار. وأخطأ المؤلف خطأ كبيراً حيث نقل كلام أبي رية وأقره. وإنما الذي قال في المدائن المذكورة ما قال هو الكذاب الذي وضع الحديث, وأما أبو هريرة ﵁ فهو بريء من هذا الحديث وغيره من الأحاديث الموضوعة. ومن زعم أن أبا هريرة ﵁ قد وضع شيئا من الأحاديث فهو مفتر أفاك. وأما حديث «لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش» فقد رواه الإِمام أحمد وابنه عبد الله والبزار وابن خزيمة والطبراني من حديث عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول فذكره, قال الهيثمي ورجاله ثقات, ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذا الفتح إنما يكون في آخر الزمان بعد الملحمة الكبرى وقبل خروج الدجال بزمن يسير كما جاء ذلك في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه وقال الترمذي حديث حسن.

стр. 210

وإذا علم هذا فمن أكبر الخطأ والمجازفة زعم المؤلف أن هذ الحديث إنما قيل إرضاء ليزيد بن معاوية, وكذلك قول أبي رية ولعل هذا الحديث قد وضع من أجل يزيد بن معاوية, وهذا من استخفاف المؤلف وأبي رية بالأحاديث الصحيحة وجراءتهما على ردها واطراحها وإلحاقها بالموضوعات, نعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها. فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٥) ما نصه معاوية يضع نفسه, روى الواقدي أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن ٤١ هـ خطب فقال أيها الناس إن رسول الله - ص - قال إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فإِن فيها الابدال وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب (يعني علي بن أبي طالب) فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمعهم فقرأه عليهم وفيه, هو كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبيا وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب فاصطفى له من أهله وزيراً كاتبا فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه وهو لا يعلم ما أكتب فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه فقال الحاضرون صدقت (راجع ص ٣٦ شرح نهج البلاغة) ولم يكن معاوية كاتب للوحي ولا خط لفظة واحدة من القرآن لأنه أسلم هو وأبوه عام الفتح سنة ٨ هـ. والجواب أن يقال هذا الكلام قد نقله المؤلف من كتاب أبي رية الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض وزاد عليه قوله في أوله «معاوية يضع نفسه» وقوله في آخره «ولم يكن معاوية كاتبا للوحي إلى آخره». والكلام على هذه الأباطيل من وجوه أحدها أن يقال أما قول المؤلف إن معاوية نفسه يضع. فجوابه أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم) والمؤلف لا يخلو في هذا البهتان من أحد أمرين إما أن يكون رافضيا أو قد تأثر بالرافضة ومال إلى أكاذبيهم وأقوالهم الباطلة في ذم معاوية ﵁ والطعن فيه وفي غيره من أصحاب رسول الله ﷺ . ومن زعم أن معاوية ﵁ قد وضع شيئا على رسول الله ﷺ فهو كاذب أفاك. وكذلك من زعم أن أحداً من الصحابة

стр. 211

رضي الله عنهم قد وضع شيئا على رسول الله ﷺ فهو كاذب أفاك. الوجه الثاني أن يقال إن هذه الرواية كذب بلا شك وهي إما من وضع الواقدي فإِنه كان معروفا بالوضع, وإما من وضع ابن أبي الحديد وهذا هو الأقرب لأن ابن أبي الحديد رافضي غال في الرفض, والرافضة هم الذين كانوا يضعون الأحاديث في مدح علي ﵁ وأهل بيته وذم معاوية ﵁ وبني أمية. الوجه الثالث أن يقال إن معاوية ﵁ منزه عن هذا الكلام الركيك السمج الذي لا يشبه كلامه ولا يليق بفصاحته وجزالة ألفاظه ورجاحة عقله, وإنما يليق بابن أبي الحديد وأمثاله من المولدين الذين قد عرفوا بركاكة الألفاظ وسماجتها وضعف العقول. الوجه الرابع أن يقال من عجيب أمر المؤلف أنه قد تصدى للطعن في الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه وزعم أنها من دسائس الإِسرائيليين, وهو مع هذا يعتمد على الأكاذيب الموضوعة بلا شك ويحتج بها كما فعل في هذا الموضع حيث اعتمد على هذه الرواية المكذوبة واحتج بها في الطعن على معاوية ﵁, وقد فعل مثل ذلك في مواضع تقدم ذكرها. وهذا يدل على أنه مصاب بزيغ القلب وانتكاسه بحيث كان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. وأما قوله ولم يكن معاوية كاتب للوحي ولا خط لفظة واحدة من القرآن لأنه أسلم هو وأبوه عام الفتح سنة ٨ هـ. هكذا قال المؤلف كاتب وصوابه كاتبا ولكن المؤلف لغباوته وجهله لا يفرق بين المرفوع والمنصوب والمجرور, وقد تقدم له كثير من اللحن وقد نبهت على بعضه وكتبت بعضه على الصواب من غير تنبيه. والجواب عن قوله الخاطئ أن يقال قد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال «نعم» فذكر الحديث وفيه قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال «نعم».

стр. 212

وقد عده ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» من كتاب النبي ﷺ قال وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه ﵇, ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره ثم قال: فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة انتهى وقد ذكر ابن سعد في الطبقات عدة كتب كتبها معاوية ﵁ للنبي ﷺ وأرسلها رسول الله ﷺ إلى بعض قبائل العرب. فصل وفي صفحة (٤٧) ذكر المؤلف ستة أحاديث نقلها من كتاب أبي رية وزعم أنها وضعت إرضاء للعباسيين, وقد أخطأ المؤلف في حكمه على الجميع بالوضع لأن فيها حديثا صحيحا وحديثا حسنا وحديثين ضعيفين وحديثين موضوعين. فأما الحديث الصحيح فهو ما ذكره عن أبي هريرة «لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار العيون حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة». وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة» هذا لفظ البخاري في إحدى رواياته وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وأما الحديث الحسن فهو ما ذكره في قوله, وروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دعا للعباس بدعاء قال فيه «واجعل الخلافة باقية في عقبه». وهذا الحديث قد رواه الترمذي في مناقب العباس ولفظه عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ للعباس «إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لكم بدعوة ينفعك الله بها وولدك» فغدا وغدونا معه فألبسنا كساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر

стр. 213

ذنبا اللهم احفظه في ولده» هذه رواية الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب, وزاد رزين «واجعل الخلافة باقية في عقبه». وهذه الزيادة منكرة والأحرى أنها موضوعة, قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب انتهى. وقد أخطأ المؤلف في نسبته الزيادة المنكرة إلى رواية الترمذي وهي ليست في روايته. وأما الحديثان قد رواه البيهقي وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن العامري قال ابن كثير وهو ضعيف. والحديث الثاني ذكره في قوله وقد امتد وضع الحديث إلى السفاح فقد روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع الزمان وظهور الفتن يقال له السفاح». وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثوا» ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبي عوانة عن الأعمش به وقال فيه «يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح» فذكره, قال ابن كثير وهذا الإِسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه. قلت في إسناده عطية العوفي والأكثرون على تضعيفه وقال ابن معين صالح وقال أبو زرعة لين وقال أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه, وكذا قال ابن عدي وقال ابن سعد كان ثقة إن شاء الله وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به وقال أبو داود ليس بالذي يعتمد عليه وقال أبو بكر البزار روى عنه جلة الناس وقال ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ كثيراً كان شيعيا مدلسا, وذكر الخزرجي في الخلاصة أن الترمذي حسن له أحاديث, وروى له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجه, وأما بقية رجال الحديث فكلهم ثقات من رجال الصحيح.

стр. 214

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» في الكلام على حديث أبي سعيد ﵁ وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان فيبعد أن يكون هو الذي بويع أول خلفاء بني العباس فقد يكون خليفة آخر. وهذا الظاهر وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يفسح. أي يريق من الدماء لإِقامة العدل ونشر القسط انتهى. قلت ومما يدل على أن المراد به المهدي الذي يكون في آخر الزمان قوله في رواية البيهقي «يخرج رجل من أهل بيتي» وقد جاء ذلك في عدة أحاديث من الأحاديث التي جاءت في ذكر المهدي, وأهل بيت النبي ﷺ الأقربون ذرية فاطمة ﵂, وقد جاء في عدة أحاديث أن النبي ﷺ أدار كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين وقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي» وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب فلتراجع هناك. وقال أيضا في صفته «فيكون إعطاؤه المال حثوا» وهذه صفة المهدي كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي سعيد ﵁ عند أحمد والترمذي أن الرجل يقول يا مهدي أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل, وفي رواية لابن ماجه والحاكم أن المهدي يقول خذ, وفي رواية لأحمد أن خازن المهدي يقول احث, وفي رواية للطبراني عن أبي هريرة ﵁ في ذكر المهدي قال «والمال كدوس يقوم الرجل يقول يا مهدي أعطني فيقول خذ» وقد ذكرت هذه الروايات مع غيرها من الأحاديث الواردة في المهدي في كتابي «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» فلتراجع هناك. وأما الحديثان الموضوعان فأحدهما ذكره في قوله, وروى الطبراني قال قال رسول الله - ص - «الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها للمسيح». وذكر الثاني في قوله, وعن ابن عباس «ليكونن الملك أو الخلافة في ولدي حتى يغلبهم على عزمهم الحمر الوجوه الذين كأن وجوههم المجان المطرقة». قوله «عزمهم» كذا هو في ظلمات المؤلف. وأما ظلمات أبي رية ففيها على «عزهم» وهو الصواب, وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب.

стр. 215

فصل وقال المؤلف في صفحة (٤٧) ما نصه استندوا في وضع الحديث إلى ما أخرج الطحاوي في المشاكل عن أبي هريرة مرفوعا «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أم لم أقله فإِني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديث تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإِني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» وقال الحافظ ابن حجر هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإِسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهذا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثا وأشاعوه فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا فيحمله من غيره ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت (تحقيق الأستاذ أبو رية, ص ١٣٧ من أضواء على السنة) وكان خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعد الدمشقي يقول إذا كان كلام حسن لم أر بأسا من أن أجعل له إسناداً (ص ٣٢ جـ ١ النووي على مسلم). والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال قد نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب أبي رية وغير فيه وأخر ذكر ما يرتبط به كلام الحافظ ابن حجر وهو ما ذكره عن خالد بن يزيد, وترك قولا آخر مما يرتبط به كلام ابن حجر فلم ينقله وهو ما ذكره أبو رية بقوله وأخرج في الحلية عن ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد أن تاب, إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإِنا كنا إذا هوينا أمراً صيرنا له حديثا, ثم ذكر أبو رية بعده كلام ابن حجر فظهرت بذلك فائدة كلام ابن حجر وارتبط كلامه بما جاء عن خالد بن يزيد وابن لهيعة. ومن تغييرات المؤلف قوله «أخرج الطحاوي في المشاكل» وصوابه «المشكل» وقوله «حديث تنكرونه» وصوابه «حديثا تنكرونه» وقوله «وهذا إذا استحسنوا» وصوابه «وهؤلاء إذا استحسنوا» وقوله «فيحمله من غيره» وصوابه «فيحمله عنه غيره» وقوله «تحقيق الأستاذ أبو رية» وصوابه «تحقيق الأستاذ أبي رية» وقوله «وكان خالد» وصوابه «وقال خالد» وقوله «محمد بن سعد» وصوابه «محمد بن سعيد» وهو المعروف بالمصلوب الدمشقي, قال أبو حاتم الرازي متروك الحديث قتل وصلب في الزندقة, وقال أحمد بن حنبل قتله أبو جعفر في الزندقة, حديثه موضوع, وكلامه الذي تقدم ذكره قد رواه عنه أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات, وروى
следующие страницы →