Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
رضي الله عنهم قد وضع شيئا على رسول الله ﷺ فهو كاذب أفاك.
الوجه الثاني أن يقال إن هذه الرواية كذب بلا شك وهي إما من وضع الواقدي فإِنه كان معروفا بالوضع, وإما من وضع ابن أبي الحديد وهذا هو الأقرب لأن ابن أبي الحديد رافضي غال في الرفض, والرافضة هم الذين كانوا يضعون الأحاديث في مدح علي ﵁ وأهل بيته وذم معاوية ﵁ وبني أمية.
الوجه الثالث أن يقال إن معاوية ﵁ منزه عن هذا الكلام الركيك السمج الذي لا يشبه كلامه ولا يليق بفصاحته وجزالة ألفاظه ورجاحة عقله, وإنما يليق بابن أبي الحديد وأمثاله من المولدين الذين قد عرفوا بركاكة الألفاظ وسماجتها وضعف العقول.
الوجه الرابع أن يقال من عجيب أمر المؤلف أنه قد تصدى للطعن في الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه وزعم أنها من دسائس الإِسرائيليين, وهو مع هذا يعتمد على الأكاذيب الموضوعة بلا شك ويحتج بها كما فعل في هذا الموضع حيث اعتمد على هذه الرواية المكذوبة واحتج بها في الطعن على معاوية ﵁, وقد فعل مثل ذلك في مواضع تقدم ذكرها. وهذا يدل على أنه مصاب بزيغ القلب وانتكاسه بحيث كان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق.
وأما قوله ولم يكن معاوية كاتب للوحي ولا خط لفظة واحدة من القرآن لأنه أسلم هو وأبوه عام الفتح سنة ٨ هـ.
هكذا قال المؤلف كاتب وصوابه كاتبا ولكن المؤلف لغباوته وجهله لا يفرق بين المرفوع والمنصوب والمجرور, وقد تقدم له كثير من اللحن وقد نبهت على بعضه وكتبت بعضه على الصواب من غير تنبيه.
والجواب عن قوله الخاطئ أن يقال قد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال «نعم» فذكر الحديث وفيه قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال «نعم».
стр. 212
وقد عده ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» من كتاب النبي ﷺ قال وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه ﵇, ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره ثم قال: فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة انتهى وقد ذكر ابن سعد في الطبقات عدة كتب كتبها معاوية ﵁ للنبي ﷺ وأرسلها رسول الله ﷺ إلى بعض قبائل العرب.
فصل
وفي صفحة (٤٧) ذكر المؤلف ستة أحاديث نقلها من كتاب أبي رية وزعم أنها وضعت إرضاء للعباسيين, وقد أخطأ المؤلف في حكمه على الجميع بالوضع لأن فيها حديثا صحيحا وحديثا حسنا وحديثين ضعيفين وحديثين موضوعين.
فأما الحديث الصحيح فهو ما ذكره عن أبي هريرة «لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار العيون حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة».
وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة» هذا لفظ البخاري في إحدى رواياته وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وأما الحديث الحسن فهو ما ذكره في قوله, وروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دعا للعباس بدعاء قال فيه «واجعل الخلافة باقية في عقبه».
وهذا الحديث قد رواه الترمذي في مناقب العباس ولفظه عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ للعباس «إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لكم بدعوة ينفعك الله بها وولدك» فغدا وغدونا معه فألبسنا كساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر
стр. 213
ذنبا اللهم احفظه في ولده» هذه رواية الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب, وزاد رزين «واجعل الخلافة باقية في عقبه». وهذه الزيادة منكرة والأحرى أنها موضوعة, قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب انتهى. وقد أخطأ المؤلف في نسبته الزيادة المنكرة إلى رواية الترمذي وهي ليست في روايته.
وأما الحديثان قد رواه البيهقي وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن العامري قال ابن كثير وهو ضعيف.
والحديث الثاني ذكره في قوله وقد امتد وضع الحديث إلى السفاح فقد روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع الزمان وظهور الفتن يقال له السفاح».
وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثوا» ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبي عوانة عن الأعمش به وقال فيه «يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح» فذكره, قال ابن كثير وهذا الإِسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه.
قلت في إسناده عطية العوفي والأكثرون على تضعيفه وقال ابن معين صالح وقال أبو زرعة لين وقال أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه, وكذا قال ابن عدي وقال ابن سعد كان ثقة إن شاء الله وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به وقال أبو داود ليس بالذي يعتمد عليه وقال أبو بكر البزار روى عنه جلة الناس وقال ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ كثيراً كان شيعيا مدلسا, وذكر الخزرجي في الخلاصة أن الترمذي حسن له أحاديث, وروى له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجه, وأما بقية رجال الحديث فكلهم ثقات من رجال الصحيح.
стр. 214
قال ابن كثير في «البداية والنهاية» في الكلام على حديث أبي سعيد ﵁ وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان فيبعد أن يكون هو الذي بويع أول خلفاء بني العباس فقد يكون خليفة آخر. وهذا الظاهر وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يفسح. أي يريق من الدماء لإِقامة العدل ونشر القسط انتهى.
قلت ومما يدل على أن المراد به المهدي الذي يكون في آخر الزمان قوله في رواية البيهقي «يخرج رجل من أهل بيتي» وقد جاء ذلك في عدة أحاديث من الأحاديث التي جاءت في ذكر المهدي, وأهل بيت النبي ﷺ الأقربون ذرية فاطمة ﵂, وقد جاء في عدة أحاديث أن النبي ﷺ أدار كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين وقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي» وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب فلتراجع هناك.
وقال أيضا في صفته «فيكون إعطاؤه المال حثوا» وهذه صفة المهدي كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي سعيد ﵁ عند أحمد والترمذي أن الرجل يقول يا مهدي أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل, وفي رواية لابن ماجه والحاكم أن المهدي يقول خذ, وفي رواية لأحمد أن خازن المهدي يقول احث, وفي رواية للطبراني عن أبي هريرة ﵁ في ذكر المهدي قال «والمال كدوس يقوم الرجل يقول يا مهدي أعطني فيقول خذ» وقد ذكرت هذه الروايات مع غيرها من الأحاديث الواردة في المهدي في كتابي «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» فلتراجع هناك.
وأما الحديثان الموضوعان فأحدهما ذكره في قوله, وروى الطبراني قال قال رسول الله - ص - «الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها للمسيح».
وذكر الثاني في قوله, وعن ابن عباس «ليكونن الملك أو الخلافة في ولدي حتى يغلبهم على عزمهم الحمر الوجوه الذين كأن وجوههم المجان المطرقة».
قوله «عزمهم» كذا هو في ظلمات المؤلف. وأما ظلمات أبي رية ففيها على «عزهم» وهو الصواب, وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب.
стр. 215
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤٧) ما نصه
استندوا في وضع الحديث إلى ما أخرج الطحاوي في المشاكل عن أبي هريرة مرفوعا «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أم لم أقله فإِني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديث تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإِني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» وقال الحافظ ابن حجر هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإِسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهذا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثا وأشاعوه فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا فيحمله من غيره ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت (تحقيق الأستاذ أبو رية, ص ١٣٧ من أضواء على السنة) وكان خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعد الدمشقي يقول إذا كان كلام حسن لم أر بأسا من أن أجعل له إسناداً (ص ٣٢ جـ ١ النووي على مسلم).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال قد نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب أبي رية وغير فيه وأخر ذكر ما يرتبط به كلام الحافظ ابن حجر وهو ما ذكره عن خالد بن يزيد, وترك قولا آخر مما يرتبط به كلام ابن حجر فلم ينقله وهو ما ذكره أبو رية بقوله وأخرج في الحلية عن ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد أن تاب, إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإِنا كنا إذا هوينا أمراً صيرنا له حديثا, ثم ذكر أبو رية بعده كلام ابن حجر فظهرت بذلك فائدة كلام ابن حجر وارتبط كلامه بما جاء عن خالد بن يزيد وابن لهيعة. ومن تغييرات المؤلف قوله «أخرج الطحاوي في المشاكل» وصوابه «المشكل» وقوله «حديث تنكرونه» وصوابه «حديثا تنكرونه» وقوله «وهذا إذا استحسنوا» وصوابه «وهؤلاء إذا استحسنوا» وقوله «فيحمله من غيره» وصوابه «فيحمله عنه غيره» وقوله «تحقيق الأستاذ أبو رية» وصوابه «تحقيق الأستاذ أبي رية» وقوله «وكان خالد» وصوابه «وقال خالد» وقوله «محمد بن سعد» وصوابه «محمد بن سعيد» وهو المعروف بالمصلوب الدمشقي, قال أبو حاتم الرازي متروك الحديث قتل وصلب في الزندقة, وقال أحمد بن حنبل قتله أبو جعفر في الزندقة, حديثه موضوع, وكلامه الذي تقدم ذكره قد رواه عنه أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات, وروى
стр. 216
أبو الفرج أيضا ما تقدم ذكره عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول, فذكره.
الوجه الثاني قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في الرد على قول أبي رية أخرج الطحاوي في المشكل عن أبي هريرة ﵁, أقول لم أظفر به في مشكل الآثار للطحاوي المطبوع وإنما عزي في كنز العمال ٥/ ٣٢٣ إلى الحكيم الترمذي انتهى.
قلت قد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات مختصراً من حديث أشعث بن براز عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت أو لم أحدث» قال العقيلي ليس لهذا اللفظ عن النبي ﷺ إسناد يصح وللأشعث هذا غير حديث منكر, قال يحيى أشعث ليس بشيء, وذكر أبو سليمان الخطابي عن الساجي عن يحيى بن معين قال هذا الحديث وضعته الزنادقة, قال الخطابي هو باطل لا أصل له انتهى. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد مختصراً بنحو ما ذكره ابن الجوزي وقال رواه البزار وفيه أشعث بن بزار ولم أر من ذكره انتهى.
قلت قد ذكره البخاري في التأريخ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والذهبي في الميزان والحافظ ابن حجر في لسان الميزان وغيرهم من المصنفين في الجرح والتعديل وفي بيان الأحاديث الموضوعة, قال البخاري في التأريخ الكبير, أشعث بن براز الهجيمي كان يوهنه يحيى بن يحيى, وقال ابن أبي حاتم أشعث بن براز البصري السعدي الهجيمي ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال ليس بشيء, وعن عمرو بن علي أنه قال ضعيف جداً, وعن أبيه وأبي زرعة أنهما قالا ضعيف الحديث.
وقال الذهبي في الميزان أشعث بن براز الهجيمي ضعفه ابن معين وغيره وقال النسائي متروك الحديث, وقال البخاري منكر الحديث, ثم ذكر الذهبي حديثه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ بنحو ما تقدم فيما ذكره ابن الجوزي ثم قال منكر جدا انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان وحديث أبي هريرة المذكور استنكره العقيلي وقال ليس له إسناد يصح قال وللأشعث غير حديث منكر, ثم ذكر ما ذكره
стр. 217
ابن أبي حاتم عن عمرو بن علي وأبيه وأبي زرعة, قال وقال ابن حبان يروي عن قتادة كان يخالف الثقات ويروي المنكر في الآثار حتى يخرج عن حد الاحتجاج به, وقال البزار ضعيف حدث بمناكير انتهى.
الوجه الثالث أن يقال إن أهل السنة والجماعة لم يكونوا يستندون إلى الأحاديث الضعيفة والواهية ولا يحتجون بها فضلا عن الأحاديث الموضوعة, وإنما تروج الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة على الزنادقة وأهل البدع ومن يحذو حذوهم من جهال العصريين وأغبيائهم ومنهم المؤلف وأبو رية وأضرابهما من المنتسبين إلى العلم وهم بعيدون كل البعد عن العلوم الشرعية النافعة, فهؤلاء هم الذين يستندون إلى ما يوافق أهواءهم وأفكارهم المنحرفة ولو كان واهيا أو موضوعا. وإذا لم يكن موافقا لأهوائهم وأفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الإفرنج وتلاميذ الإفرنج لم يبالوا برده واطراحه ولو كان متفقا على صحته. وفي كتاب أبي رية وكتاب المؤلف شيء كثير جداً من الأحاديث الصحيحة التي زعما إنها مكذوبة ومدسوسة على المسلمين, كما أن في الكتابين كثيراً من الأحاديث الواهية والأحاديث الموضوعة التي قد استندا إليها واحتجا بها على أقوالهما الباطلة, وقد ذكرت ما ساقه المؤلف من ذلك وما نقله من كتاب أبي رية فيما تقدم وما سيأتي وذكرت وجه الرد عليه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥١) ما نصه
ولهذا قال الله ﵎ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) يعني المستطلعين, والأحاديث الموضوعة لا تحاج إلا لفراسة المؤمن الذي تذوق طعم القرآن لأنها تخالفه لمجرد تلاوتها أو تفسيرها ببساطة.
والجواب أن يقال أما تفسيره (للمتوسمين) بالمستطلعين فهو تفسير بمجرد الرأي ولم أر أحداً سبقه إلى هذا التفسير.
والقول في القرآن بمجرد الرأي حرام وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
стр. 218
وروى أبو يعلى عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من قال في القرآن بغير علم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» قال الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» صحيح وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح وقال البوصيري رواه أبو يعلى بسند الصحيح.
وروى الترمذي وأبو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» قال الترمذي هذا حديث غريب, قال وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى. وقال البغوي قال شيخنا الإِمام قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم انتهى.
وأما قوله إن الأحاديث الموضوعة لا تحتاج إلا لفراسة المؤمن إلى آخر كلامه.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن المؤلف جعل هذا الكلام مقدمة لما سيأتي من تخبيطه في تفسير آيات كثيرة من القرآن بمجرد آرائه الفاسدة وأفكاره المنحرفة, وإنما فعل ذلك ليجعل بين الآيات وبين الأحاديث الصحيحة معارضة يستند إليها في رد الأحاديث الصحيحة والحكم عليها بالوضع, وسيأتي ذكر أقواله الباطلة في تفسير الآيات ومعارضة الأحاديث الصحيحة بها والرد عليه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني أن يقال إن معرفة الأحاديث الموضوعة يحتاج فيها إلى معرفة الكذابين والوضاعين والمتروكين ومن أجمع العلماء على ضعفهم ولا يحصل ذلك إلا بالبحث عنهم وعن أحاديثهم في كتب الجرح والتعديل وما صنفه العلماء في الموضوعات, وأما الفراسة فليست بمستند يعتمد عليه في تصحيح الأحاديث أو تضعيفها أو الحكم عليها بالوضع لأن المرجع في الفراسة إلى غلبة الظن, والظن لا يعتمد عليه في قبول الأحاديث أو ردها قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥١) ما نصه
أسباب الدس هي كراهية الإسرائيليون للإِسلام والمسلمين, ومن أسباب كراهية الإسرائيليون للمسلمين أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى يهود خيبر إلى أذرعان وغيرها.
стр. 219
وأقول هكذا قال المؤلف «الإِسرائيليون» بالرفع وكررها مرتين وصوابه «الإِسرائيليين» بالخفض لكونه مجروراً بالإضافة, وقال أيضا «أذرعان» وصوابه «أذرعات» وإذا كان المؤلف لا يعرف الفرق بين المرفوع والمجرور فهو عن معرفة الأحاديث الموضوعة أبعد وأبعد, ولكن الجهل وقلة الحياء وحب الشهرة تحمل ضعيف العقل على إظهار نقائصه وعيوبه للناس.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥١) و (٥٢) ما نصه
قال ابن خلدون عندما تكلم عن التفسير النقلي إنه كان يشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود, والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية, وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإِنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبعهم من النصارى مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو مما كانوا يفترون. ولقد كان اليهود يأخذون من التوراة بعد تبديلها وتعدد نصوصها التي ابتدعوها. ومن أجل ذلك أخذ أولئك الأحبار يبثون في الدين الإسلامي أكاذيب وترهات يزعمون مرة أنها في كتابهم أو من مكنون علمهم. ويدّعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي ﷺ وهي في الحقيقة من مفترياتهم, وأين للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتابهم, ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاءا وأضعف مكرا؟ وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص معتبرين أنه صحيح. وذلك هو التعليل لقول الدكتور أحمد أمين في ص ١٣٩ جـ٢ ضحى الإِسلام. ومن كلامه أنه قال اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام واتصل التابعون بابن جريح وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإِنجيل وشروحها وحواشيها فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات القرآن فكانت منبعا من منابع التضخم.
стр. 220
والجواب أن يقال هذا الكلام نقله المؤلف من كتاب أبي رية وقد جعل المؤلف نفسه مع أبي رية بمنزلة الأعمى يتابعه خطوة خطوة في كثير من ترهاته وما ينقله من كلام الناس وينقاد معه إلى مهاوي الغي والضلال.
والكلام على ما في هذا الفصل من وجوه أحدها أن يقال إن أبا رية لخص كلام ابن خلدون وغير فيه وزاد, وأنا أذكر كلام ابن خلدون ليعلم الواقف عليه أن أبا رية غير مأمون في النقل وأنه يحرف فيما ينقله ويزيد فيه على حسب ما يمليه عليه شيطانه وهواه, وهذا نص كلام ابن خلدون وقد ذكره في علوم القرآن من مقدمته في صفحة (٣٤٨) فقال, وصار التفسير على صنفين تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإِنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى.
وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل ويتساهل المفسرون في مثل ذلك وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنه بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ انتهى المقصود من كلام ابن خلدون. وقد صرح فيه أن المنقول عن أهل الكتاب ليس مما يرجع إلى الأحكام الشرعية التي يحتاط لها ويتحرى فيها الصحة وإنما هي مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك, وقد قال النبي
стр. 221
صلى الله عليه وسلم «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁.
وروى الإِمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي نملة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله ورسله فإِن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم».
الوجه الثاني أن يقال إن كلام ابن خلدون فيه ثلاثة مآخذ أحدها قوله إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية.
والجواب أن يقال إنما كان ذلك قبل الإِسلام فأما بعد الإِسلام فقد كانوا خير أمة أخرجت للناس علما وعملا, قال الله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) وهذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة كلها صفات كمال ولا تكون إلا لمن كان متصفا بالعلم والبصيرة في الدين, فدلت الآية على أن هذه الأمة أكمل من سائر الأمم في العلم والعمل. وقال تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) وقال تعالى (لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) وقال تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) وقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإِذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وقال تعالى (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإِذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
المأخذ الثاني قوله: وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإِنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم.
стр. 222
والجواب أن يقال إن الله تعالى قد أغنى هذه الأمة عن مسألة أهل الكتاب عما يحتاجون إلى معرفته وذلك بما أنزله الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ قال الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) , وقال أبو ذر ﵁ «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما» رواه الإِمام أحمد وابن جرير والطبراني وزاد وقال النبي ﷺ «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» قال الهيثمي رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة, وفي إسناد أحمد من لم يسم.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكر لنا منه علما» رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح.
وعن حذيفة ﵁ قال «لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله» متفق عليه.
وعن أبي زيد - وهو عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال «صلى الله بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» رواه الإِمام أحمد ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي والحاكم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن عمر ﵁ قال «قام فينا النبي ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري تعليقا مجزوما به ووصله الطبراني وأبو نعيم.
стр. 223
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما أخبرنا بما يكون في أمته إلى يوم القيامة وعاه من وعاه ونسيه من نسيه» رواه الإِمام أحمد والطبراني قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح غير عمر بن إبراهيم بن محمد وقد وثقه ابن حبان, وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادى في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره وهو يقول «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل نعجب منهم يا رسول الله قال «أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإِن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء» رواه الإِمام أحمد قال ابن كثير وإسناده حسن ولم يخرجوه.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على كلام ابن خلدون لأن النبي ﷺ لم يترك شيئا من بدء الخلق إلى قيام الساعة إلا ذكره لأمته, فأي حاجة بهم مع بيان النبي ﷺ إلى سؤال أهل الكتاب والاستفادة منهم.
وقد جاء في القرآن العظيم من الأخبار عن بدء الخلق وعن أسباب الكون وأسرار الوجود وعن الماضين من الأنبياء وأممهم وعن زوال الدنيا وفنائها وما يكون بعد قيام الساعة وعن مآل الخلق يوم القيامة ما فيه غنية عما سواه من الكتب, وفيه أبلغ رد على كلام ابن خلدون.
وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإِنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل وإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال» رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس ﵄ «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا, ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم» رواه البخاري.
المأخذ الثالث ذكره عبد الله بن سلام ﵁ مع كعب الأحبار
стр. 224
ووهب بن منبه وتقديمهما عليه في الذكر مع أنه صحابي جليل قد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة, وأما كعب ووهب فهما من التابعين فنبغي تقديم عبد الله بن سلام ﵁ عليهما في الذكر من أجل الصحبة والفضيلة.
وأيضا فإن عبد الله بن سلام ﵁ كان مقلا جداً من النقل عن كتب أهل الكتاب فلا ينبغي ذكره مع المكثرين من النقل عنهم.
الوجه الثالث أن أبا رية زاد في كلام ابن خلدون جملة ليست فيه وهي قوله «أو مما كانوا يفترون» وقد نقلها المؤلف من كتاب أبي رية وهي كذب مفترى على ابن خلدون كما يعلم ذلك من كلامه الذي تقدم ذكره في الوجه الأول وهو منقول بالنص من مقدمة ابن خلدون.
ومن العجب أن المؤلف قد أكثر الكلام في ذم الدس والوضع والوضاعين وها هو ذا يدس الكذب في كلام ابن خلدون تقليداً لأبي رية. وهذا من أقبح التناقض, ولا شك أن ذمه للوضع والدس يعود عليه وعلى إمامه أبي رية لأنهما قد استباحا الوضع والدس في كلام ابن خلدون وفي غيره مما تقدم ذكره في عدة مواضع.
الوجه الرابع أن المؤلف رمى عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار ووهب بن منبه بالافتراء وبث الأكاذيب والترهات في الدين الإِسلامي والكذب على رسول الله ﷺ وقد أخذ المؤلف ذلك من كتاب أبي رية وهو من البهتان الذي قال الله تعالى فيه (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا).
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من ذكر امرءا بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» رواه الطبراني قال المنذري وإسناده جيد وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».
وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» رواه أبو داود والطبراني والحاكم وصححه, وزاد الطبراني «وليس بخارج».
стр. 225
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق» رواه الإِمام أحمد.
الوجه الخامس أن يقال إن النبي ﷺ قد شهد لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة كما في الصحيحين ومسند الإِمام أحمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام.
وروى الإِمام أحمد أيضا وأبو يعلى والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ أتي بقصعة فأكل منها ففضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ «يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة» قال سعد وكنت تركت أخي عميراً يتوضأ قال فقلت هو عمير قال فجاء عبد الله بن سلام فأكلها, قال الحاكم صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإِمام أحمد أيضا والترمذي والحاكم في مستدركه عن يزيد بن عميرة قال لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصنا قال أجلسوني فقال إن العلم والإِيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما يقول ذلك ثلاث مرات والتمسوا العلم عند أربعة رهط عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم فإِني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنه عاشر عشرة في الجنة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب قال وفي الباب عن سعد ﵁, وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه, وزاد الحاكم في رواية له قال يزيد فقلت وعند عمر بن الخطاب فقال لا تسأله عن شيء فإِنه عنك مشغول.
وفي الصحيحين ومسند الإِمام أحمد عن قيس بن عباد عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه رأى رؤيا فقصها على النبي ﷺ فقال له «أنت على الإِسلام حتى تموت» وفي رواية لمسلم «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى».
وفي المسند وصحيح مسلم عن خرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام رضي الله
стр. 226
عنه أن رسول الله ﷺ قال له لما قص عليه رؤياه «وأما العروة فهي عروة الإِسلام ولن تزال متمسكا بها حتى تموت».
وفي شهادة النبي ﷺ لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة أعظم تزكية له, وكذلك قوله ﷺ «أنت على الإِسلام حتى تموت» وقوله في الرواية الأخرى «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» ففي ذلك أعظم تزكية له.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على زنادقة العصريين الذين يبهتون عبد الله بن سلام ﵁ ويزعمون أنه كان من الذين يبثون الأكاذيب والترهات في الدين الإِسلامي ويفترون على النبي ﷺ (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
وقد نهى النبي ﷺ عن سب أصحابه, رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁, وورد أيضا التشديد في اتخاذه غرضا والإخبار بأن من أحبهم فإِنما أحبهم بحب رسول الله ﷺ , ومن أبغضهم فإِنما أبغضهم ببغضه ومن آذاهم فقد آذاه ومن آذاه فقد آذى الله. وورد أيضا اللعن والوعيد الشديد لمن سبهم, وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في الفصل الحادي عشر في أول الكتاب فلتراجع. (١)
وأما كعب الأحبار فقد ذكره البخاري في التأريخ الكبير والصغير ولم يذكر فيه جرحا وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ولم يذكر فيه حرجا وقال روى عن عمر بن الخطاب ﵁ وروى عنه ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب سمعت أبي يقول ذلك انتهى.
وقد ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ فقال هو كعب بن ماتع الحميري من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب أسلم في زمن أبي بكر ﵁ وقدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر ﵁ فأخذ عنه الصحابة وغيرهم وأخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة وتوفي في خلافة عثمان وروى عنه جماعة من التابعين مرسلا وله شيء في صحيح البخاري وغيره انتهى. стр. 227
وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» كعب بن مانع بالتاء المثناة فوق هو كعب الأحبار التابعي المشهور أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره وأسلم في خلافة أبي بكر ﵁ وقيل في خلافة عمر ﵁ وصحب عمر ﵁ وأكثر الرواية عنه, وروى أيضا عن صهيب ﵁, روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو هريرة وخلائق من التابعين منهم ابن المسيب وكان يسكن حمص, ذكره أبو الدرداء ﵁ فقال إن عنده علماً كثيراً, واتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه, توفي في خلافة عثمان ﵁ سنة ثنتين وثلاثين ودفن بحمص متوجها إلى الغزو ويقال له كعب الأحبار وكعب الحبر بكسر الحاء وفتحها لكثرة علمه, ومناقبه وأحواله وحكمه كثيرة مشهورة انتهى.
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال قال ابن سعد ذكر أبو الدرداء كعبا فقال إن عند ابن الحميري لعلما كثيرا, وقال معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير قال قال معاوية ﵁ ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده علم كالثمار وإن كنا فيه لمفرطين, وقال ابن الزبير ما كان في سلطاني شيء إلا قد حدثني به ولقد حدثني أنه يظهر على البيت قوم أخرجه الفاكهي انتهى.
وعن ابن سيرين قال قال ابن الزبير ﵄ ما شيء كان يحدثناه كعب إلا قد أتى على ما قال إلا قوله أن فتى ثقيف يقتلني وهذا رأسه بين يدي - يعني المختار بن أبي عبيد - قال ابن سيرين ولا يشعر أن أبا محمد قد خبئ له - يعني الحجاج - رواه عبد الرزاق في مصنفه وإسناده صحيح على شرط الشيخين, ورواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح, وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف حدثني البريد الذي أتى ابن الزبير برأس المختار فلما رآه قال ابن الزبير ما حدثني كعب بحديث إلا وجدت مصداقه إلا أنه حدثني أن رجلا من ثقيف سيقتلني, قال الأعمش وما يدري أن أبا محمد خذله الله خبئ له.
وقال الحافظ ابن حجر في الإِصابة أخرج ابن عساكر من مسند محمد بن هارون الروياني من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود أن رأس الجالوت قال لهم إن كل ما تذكرون عن كعب بما يكون إنه إن كان قال لكم إنه مكتوب في التوراة فقد
стр. 228
كذبكم إنما التوراة ككتابكم إلا أن كتابكم جامع (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض) وفي التوراة يسبح لله الطير والشجر وكذا وكذا وإنما الذي يحدث به كعب عما يكون من كتب أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم كما تحدثون أنتم عن نبيكم وعن أصحابه.
وقد روى البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ يحدث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
قلت ليس المراد بالكذب ههنا الافتراء وإنما المراد به الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وهو مثل قول النبي ﷺ «كذب أبو السنابل» أي أخطأ حين قال لسبيعة الأسلمية إنك لست بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بأيام فأخبرها النبي ﷺ أنها قد خرجت من العدة بوضع الحمل وأمرها بالتزويج إن بدا لها. وقال ابن حبان في كتاب «الثقات» أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذاباً, وقال ابن الجوزي المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً لا أنه يتعمد الكذب وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار. انتهى من فتح الباري.
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإِيمان, وفي حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه «إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران» قال فحدثت به كعباً فقال كعب ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد انتهى.
وقد ذكر الحافظ كعباً في تقريب التهذيب وقال ثقة من الثانية, وقد تقدم قول النووي أنهم اتفقوا على توثيقه, وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عن جرادات قتلها وهو محرم فقال عمر ﵁ لكعب تعال حتى نحكم, وذكر تمام الحديث, وقد قال الله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) فلولا أن كعباً عدل عند عمر ﵁ لما أمره أن يحكم معه في جزاء الصيد, وقد قال النبي ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث
стр. 229
ابن عمر ﵄ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, قال وفي الباب عن الفضل بن عباس وأبي ذر وأبي هريرة.
قلت وفيه أيضا عن عمر وبلال ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة ﵃, وهذا كاف في تعديل كعب ورد ما يبهته به المبطلون من العصريين الذين لا يبالون بأكل لحوم الأبرياء والوقوع في أعراضهم.
ومن أعظم البهتان قول أبي رية في هامش صفحة ١٤٧ من الطبعة الثالثة لكتابه أنه أثبت في مقال له أن الصهيوني الأول هو كعب الأحبار.
والجواب أن يقال لو كان أبو رية يخاف الله ويعلم يقيناً أنه موقوف بين يديه يوم القيامة ومسؤل عن أقواله وأعماله وأن الله سيأخذ حق المظلوم من الظالم لما أقدم على هذا البهتان العظيم, وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الوعيد الشديد على بهت المسلم وتكفيره عند ذكر قول أبي رية إن ابن جريح كان من النصارى.
وأما وهب بن منبه فقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة, وهذا كاف في تعديله ورد ما يبهته به جهلة العصريين, وقد ذكره البخاري الكبير والصغير ولم يذكر فيه جرحاً, وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحاً وقال سئل أبو زرعة عن وهب بن منبه فقال يماني ثقة, وذكره الذهبي في الميزان وقال كان ثقة صادقاً قال العجلي ثقة تابعي كان على قضاء صنعاء. وقال مثنى بن الصباح لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءاً, وقال في تذكرة الحفاظ ما ملخصه, وهب بن منبه الحافظ أبو عبد الله الصنعاني عالم أهل اليمن روى عن أبي هريرة يسيراً وعن عبد الله بن عمر وابن عباس وأبي سعيد وجابر بن عبد الله وغيرهم. وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير فإِنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ, وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام وكان ثقة واسع العلم, وذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وذكر قول العجلي أنه تابعي ثقة وقال أبو زرعة والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات, وقال في «تقريب التهذيب» ثقة من الثالثة, وذكره الخزرجي في الخلاصة وقال وثقة النسائي, وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» هو تابعي جليل من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية سمع جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمرو بن
стр. 230
العاص وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وأنسا والنعمان بن بشير, روى عنه عمرو بن دينار وعوف الأعرابي والمغيرة بن حكيم وآخرون واتفقوا على توثيقه انتهى.
وفيما ذكرته من ثناء النبي ﷺ على عبد الله بن سلام ﵁ وشهادته له بالجنة وما جاء عن عمر ﵁ أنه أمر كعباً أن يحكم معه في جزاء الصيد وما ذكره النووي من الاتفاق على توثيق كعب ووهب بن منبه أبلغ رد على من بهتهم ورماهم ببث الأكاذيب والترهات في الدين الإِسلامي.
ولا شك أن المؤلف وأبا رية وأشباههما من العصريين المتنطعين أولى بالأوصاف الذميمة من عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه لأن العصريين قد جدوا واجتهدوا في رد بعض الأحاديث الصحيحة والتشكيك فيها بأنواع الأباطيل والترهات ولما لم يجدوا مستنداً صحيحا يعتمدون عليه في رد بعض الأحاديث الصحيحة لجئوا إلى الطعن في الثقات الأبرياء ورموهم بالافتراء وبث الأكاذيب والترهات في الدين الإِسلامي, ولو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعلمون يقيناً أنهم موقوفون بين يدي الله تعالى وأن الله تعالى سيقضي بينهم وبين الأبرياء الذين قد استحلوا أعراضهم ورموهم بما ليس فيهم وأنه ﵎ سيأخذ للمظلومين حقوقهم من الظالمين لما أقدموا على ما أقدموا عليه من الإفك والبهتان واستحلال أعراض الثقات الأبرياء.
وأما قوله ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي ﷺ وهي في الحقيقة من مفترياتهم.
فجوابه أن يقال أما عبد الله بن سلام ﵁ فهو صحابي جليل وقد روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث, قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن النبي ﷺ خمسة وعشرون حديثاً اتفقا على حديث وانفرد البخاري بآخر, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة.
وإذا علم هذا فما رواه البخاري ومسلم من أحاديث عبد الله بن سلام ﵁ فهو ثابت ولا يرد ذلك إلا مكابر معاند, وكذلك ما رواه غيرهما بالأسانيد الصحيحة إلى عبد الله بن سلام ﵁ فهو ثابت ولا يرد ذلك إلا مكابر معاند.
ومن أقبح المكابرة والإِثم والبهتان قول المؤلف تبعاً لأبي رية أن ما جاء عن عبد الله بن سلام من الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ وقال أنه
стр. 231
سمعها منه فهي من مفترياته.
والجواب عن هذا التهور والوقاحة والفرية أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم).
وأما كعب الأحبار ووهب بن منبه فليسا من الصحابة وإنما هما من التابعين ومن زعم أنهما ادعيا أنهما سمعا من النبي ﷺ فقد افترى عليهما, وإنما سمعا من بعض الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ .
وإذا علم هذا فما روياه عن الصحابة عن النبي ﷺ وثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة إليهما فلا شك في صحته وثبوته ولا يرد ذلك إلا مكابر معاند, وكذلك ما رواه وهب عن ثقات التابعين عن الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ فهو ثابت أيضا, وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن أولئك الأحبار يبثون في الدين الإِسلامي أكاذيب وترهات ويدعون أنها مما سمعوه من النبي صلى الله علي وسلم وهي في الحقيقة من مفترياتهم.
فجوابه أن يقال هذا من هوس المؤلف وأبي رية وقد قال الله تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
وأما قوله وأين للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتابهم, ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاءا وأضعف مكراً, وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص معتبرين أنه صحيح.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال من أقبح الجراءة والوقاحة والتهور تهجم المؤلف تبعاً لأبي رية على أصحاب رسول الله ﷺ ورميهم بالغباوة والتغفيل بحيث تروج عندهم الأكاذيب وبحيث يتلقون كل ما يلقى إليهم ولا يميزون بين الصدق والكذب, وهذا صريح في التنقص لأصحاب رسول الله ﷺ والغض منهم ولا يصدر ذلك إلا من منافق يبغض أصحاب رسول الله ﷺ ويغتاظ منهم وقد قال الله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره
стр. 232
فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار).
قال البغوي في تفسير هذه الآية قال مالك بن أنس من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن كثير في تفسيره, ومن هذه الآية انتزع الإِمام مالك في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃, قال لأنهم يغيظونهم ومن غاظه الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء على ذلك, والأحاديث في فضل الصحابة ﵃ والنهي عن التعرض لهم بمساويهم كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم انتهى.
الوجه الثاني أن يقال إن الأولى بالغباوة التغفيل وغير ذلك من صفات النقص من أصغى إلى زخارف شياطين الإنس ورضي بها واعتمد عليها وأعرض لأجلها عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃, ومن هؤلاء الأغبياء المغفلين أبو رية والمؤلف وأشباههما من جهلة العصريين الذين يعتمدون على ترهات جولدزيهر اليهودي وإخوانه من المستشرقين الذين قد شرقوا بالإِسلام وأهله وملئوا كتبهم من الطعن في الإِسلام والقرآن والنبي ﷺ وأصحابه, ويعتمدون أيضا على نهيق الروافض ونباحهم في ثلب أصحاب رسول الله ﷺ والطعن فيهم بكل ما يرون أنه يشينهم.
الوجه الثالث أن يقال إن عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار ووهب بن منبه لم يكونوا من ذوي المكر وافتراء الكذب, وفيما ذكرته من ثناء النبي ﷺ على عبد الله بن سلام وشهادته له بالجنة وما ذكره النووي من الاتفاق على توثيق كعب ووهب بن منبه أبلغ رد على بهت المؤلف وأبي رية لهؤلاء الثلاثة ووصفهم بما ليس فيهم.
الوجه الرابع أن يقال إن الله تعالى قد أخبر في كتابه أن أهل الكتاب قد حرفوا كتبهم وغيروا فيها فقال تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) وقال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم
стр. 233
من بعد مواضعه) وقال تعالى (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وقال تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) وفي هذه الآيات أبلغ تحذير من الاغترار باليهود. وقد قال النبي ﷺ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون».
وقد كان الصحابة على غاية من النباهة والحذر مما حذرهم الله ورسوله منه من كيد اليهود وتحريفهم, فمن ظن أن سوق الأكاذيب قد راجت بين الصحابة وأنهم يتلقون ما يلقيه أهل المكر والدهاء بغير نقد أو تمحيص وأنهم يعتبرون ذلك صحيحاً فقد ظن بالصحابة ظن السوء ولا يصدر ذلك إلا من منافق قد امتلأ قلبه غيظاً على أصحاب رسول الله ﷺ .
الوجه الخامس نذكر فيه نموذجاً من نباهة الصحابة وردهم على من قال بخلاف الصواب. فمن ذلك ما رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال أتيت الطور فوجدت ثم كعبا فمكثت أنا وهو يوماً أحدثه عن رسول الله ﷺ ويحدثني عن التوراة فقلت له قال رسول الله ﷺ «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه قبض وفيه تقوم الساعة ما على الأرض من دابة إلا وهي تصبح يوم الجمعة مصيخة حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا ابن آدم وفيه ساعة لا يصادفها مؤمن وهو في الصلاة يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه» فقال كعب ذلك يوم في كل سنة فقلت بل هي في كل جمعة فقرأ كعب التوراة ثم قال صدق رسول الله ﷺ هو في كل جمعة فخرجت فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين جئت قلت من الطور قال لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته قلت له ولم قال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس» فلقيت عبد الله بن سلام فقلت لو رأيتني خرجت إلى الطور فلقيت كعباً أنا وهو يوماً أحدثه عن رسول الله ﷺ ويحدثني عن التوراة فقلت له قال رسول الله ﷺ «خير
стр. 234
يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه قبض وفيه تقوم الساعة ما على الأرض من دابة إلا وهي تصبح يوم الجمعة مصيخة حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا ابن آدم وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن وهو في الصلاة يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» قال كعب ذلك يوم في كل سنة فقال عبد الله بن سلام كذب كعب قلت ثم قرأ كعب فقال صدق رسول الله ﷺ هو في كل جمعة فقال عبد الله صدق كعب إني لأعلم تلك الساعة فقلت يا أخي حدثني بها قال هي آخر ساعة من يوم الجمعة قبل أن تغيب
الشمس فقلت أليس قد سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يصادفها مؤمن وهو في الصلاة» وليست تلك الساعة صلاة قال أليس قد سمعت رسول الله ﷺ يقول «من صلى وجلس ينتظر الصلاة لم يزل في صلاته حتى تأتيه الصلاة التي تلاقيها» قلت بلى قال فهو كذلك, هذا لفظ النسائي ورواية الترمذي مختصرة وقال هذا حديث صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه ابن جرير بإِسناد صحيح عن أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال من أين جئت قال من الشام قال من لقيت قال لقيت كعباً قال ما حدثك قال حدثني أن السموات تدور على منكب ملك قال أفصدقته أو كذبته قال ما صدقته ولا كذبته قال لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها كذب كعب إن الله تعالى يقول (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا, ولئن زالتا إن أمسكها من أحد من بعده).
ومنها ما رواه ابن أبي خيثمة عن قتادة قال بلغ حذيفة ﵁ أن كعباً يقول إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال كذب كعب إن الله يقول (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) قال الحافظ ابن حجر إسناده حسن.
ومنها ما ذكره الزمخشري في الكشاف عن ابن عباس ﵄ أنه قال لرجل مقبل من الشام من لقيت به, قال كعباً قال وما سمعته يقول قال سمعته يقول إن السموات تدور على منكب ملك قال كذب كعب أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية, قال الحافظ ابن حجر في كتابه «الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف» لم أجده وروى الطبري من رواية أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله بن
стр. 235
مسعود ﵁ فقال من أين جئت قال من الشام فذكره مثله إلا أنه لم يقل ما ترك يهوديته انتهى.
قلت يحتمل أن الزمخشري أورد الأثر من حفظه فأبدل ابن مسعود بابن عباس والله أعلم.
ومنها ما رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس ﵄ إن نوفا البكالي يزعم أن صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر فقال كذب عدو الله سمعت أبي بن كعب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول «قام موسى ﵇ خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا أعلم قال فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه» الحديث وقد تقدم قول معاوية وذكر كعب الأحبار فقال «إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب».
وتقدم أن المراد بالكذب ههنا الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وليس المراد به افتراء الكذب, وكذلك قول عبد الله بن سلام وعبد الله بن مسعود وحذيفة ﵃ كذب كعب وقول ابن عباس ﵄ كذب نوف المراد به الخطأ في النقل والله أعلم.
وتقدم أيضا قول ابن مسعود وابن عباس ﵃ في النهي عن سؤال أهل الكتاب.
وفيما ذكرته في هذا الوجه عن بعض الصحابة ﵃ كفاية في الرد على المؤلف وأبي رية فيما تهجما به على الصحابة حيث زعما أنهم ليس عندهم فطنة لتمييز الصدق من الكذب من أقوال الناقلين عن أهل الكتاب وان سوق الأكاذيب قد راجت بينهم وأنهم يتلقون كل ما يلقيه الدهاة بغير نقد أو تمحيص معتبرين أنه صحيح (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية عن أحمد أمين أنه قال اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام واتصل التابعون بابن جريج وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإِنجيل وشروحها وحواشيها فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات القرآن فكانت منبعاً من منابع التضخم.
стр. 236
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال من الخطأ تقديمه وهب بن منبه وكعب الأحبار على عبد الله بن سلام ﵁ لأن عبد الله بن سلام ﵁ صحابي جليل, وأما كعب ووهب فهما من التابعين فينبغي تقديم عبد الله بن سلام ﵁ عليهما لما له من الصحبة والفضيلة.
الوجه الثاني أن يقال إن عبد الله بن سلام ﵁ كان قليل الرواية عن النبي ﷺ وكان قليل النقل من كتب أهل الكتاب فلا ينبغي ذكره مع المكثرين من النقل عنهم. وما ثبت عنه من الرواية عن النبي ﷺ أو من النقل عن كتب أهل الكتاب فهو مصدق في روايته ونقله. ولا يسيء الظن بعبد الله بن سلام ﵁ إلا جاهل أو مكابر معاند.
وقد تقدم عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال عند موته التمسوا العلم عند أربعة وذكر منهم عبد الله بن سلام ﵁. وذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ وعده مع الأكابر منهم, وفي هذا رد لما بهته به المؤلف وأبو رية وأشباههما من حثالة العصريين الذين يجعلونه من الذين يبثون الأكاذيب والترهات في الدين الإِسلامي (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً) وقاتل الله الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ويغتاظون منهم ويرمونهم بالعظائم التي ليست فيهم.
الوجه الثالث أن يقال ظاهر قول أحمد أمين اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه أنهم اتصلوا به وأخذوا عنه وهذا غلط فاحش وجهل فاضح فإِنه لم يعرف عن أحد من الصحابة ﵃ أنه سمع من وهب بن منبه أو حكى عنه وإنما يعرف ذلك عن بعض صغار التابعين وقد اتصل وهب ببعض الصحابة وروى عنهم.
الوجه الرابع أن يقال ظاهر قول أحمد أمين واتصل التابعون بابن جريح أنهم اتصلوا به وأخذوا عنه وهذا غلط فاحش لأن ابن جريج كان من صغار التابعين فلا يعقل أن يتصل به كبار التابعين ويأخذوا عنه, وإنما روى عنه أتباع التابعين كما هو مذكور في بعض كتب الجرح والتعديل وروى عنه من صغار التابعين يحيى بن سعيد الأنصاري وحده وهو من شيوخه.
الوجه الخامس أن يقال إن ابن جريج لم يكن من الذين ينقلون من كتب أهل الكتاب فذكره مع الناقلين عنهم غلط وخطأ.
стр. 237
وقد تحامل أبو رية على ابن جريج تحاملاً قبيحاً في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض حينما ذكره في صفحة ١٨٩ من الطبعة الثالثة فقال ما نصه. وكان البخاري لا يوثقه وهو على حق في ذلك. ثم ذكر قول الذهبي في تذكرة الحفاظ أنه من أصل رومي قال أبو رية فهو نصراني الأصل قال ويقول عنه بعض العلماء أنه كان يضع الحديث. وقال أبو رية أيضا في هامش صفحة ٢٤٢ من الطبعة الثالثة ما نصه «ابن جريج كان من النصارى» كذا قال الأهوج المبرسم أبو رية في عالم من أكبر علماء السلف. وهكذا جازف هذه المجازفة ولم يبال بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
فأما قوله وكان البخاري لا يوثقه.
فجوابه أن يقال هذا كذب على البخاري فقد ذكره البخاري في تاريخه الكبير والصغير ولم يذكر - فيه جرحاً. وذكر فيهما عن يحيى أنه قال لم يكن أحد أثبت في نافع من ابن جريج, زاد في الكبير وكان من أحسن الناس صلاة.
وروى ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل عن علي بن المديني قال سمعت يحيى بن سعيد يقول لم يكن أحد أثبت في نافع من ابن جريح فيما كتب وهو أثبت من مالك في نافع, وقال مرة لم يكن ابن جريج بدون مالك في نافع, وروى أيضاً عن الإِمام أحمد أنه قال ابن جريج أثبت الناس في عطاء, وعن أحمد أيضا أنه قال ابن جريج ثبت صحيح الحديث لم يحدث بشيء إلا أتقنه, وروى أيضاً عن عثمان بن سعيد قال قلت ليحيى بن معين ابن جريج أحب اليك أو عبد الملك بن أبي سليمان فقال كلاهما ثقتان, وروى أيضاً عن أبي زرعة أنه سئل عن ابن جريج فقال بخ من الأئمة.
وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» قال عطاء بن أبي رباح سيد أهل الحجاز ابن جريج, وقال عبد الرزاق كنت إذا رأيت ابن جريج يصلي علمت أنه يخشى الله , قال النووي وأقوال أهل العلم من السلف والخلف في الثناء عليه وذكر مناقبه أكثر من أن تحصى انتهى.
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ابن جريج الإِمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد ويقال أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام قال أحمد بن حنبل كان من أوعية العلم وقال
стр. 238
عبد الرزاق ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله, ثم قال الذهبي كان ابن جريج ثبتاً لكنه يدلس وقال يحيى القطان لم يكن ابن جريج عندي بدون مالك في نافع, قال أبو عاصم كان ابن جريج من العباد كان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر انتهى باختصار.
وذكر الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال ابن جريج أثبت في نافع من مالك, وذكر أيضاً عن أحمد أنه قال ابن جريج أثبت الناس في عطاء, وذكر أيضاً عن الميموني قال سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - غير مرة يقول كان ابن جريج من أوعية العلم, وذكر أيضاً عن الأثرم عن أحمد أنه قال إذا قال ابن جريج قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير وإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به, وقال ابن أبي مريم عن ابن معين ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب, وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث, وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من فقهاء أهل الحجاز وقرائهم ومتقنيهم وكان يدلس, وقال الذهلي ابن جريج إذا قال حدثني وسمعت فهو محتج بحديثه داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري, وسئل عنه أبو زرعة فقال بخ من الأئمة وقال ابن خراش كان صدوقاً وقال العجلي مكي ثقة انتهى باختصار.
وقال الحافظ أيضاً في «تقريب التهذيب» وذكر ابن جريج فقال ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل.
وقال الخزرجي في الخلاصة ابن جريج الفقيه أحد الأعلام قال أحمد إذا قال أخبرنا وسمعت حسبك به, وقال ابن معين ثقة إذا روى من الكتاب انتهى.
وفيما ذكرته عن علماء الجرح والتعديل أبلغ رد على ترهات أبي رية ومجازفاته وأما قوله فهو نصراني الأصل.
فجوابه أن يقال لا يضر ابن جريج أن يكون في أجداده نصارى كما لا يضر الصحابة أن يكون في آبائهم وأجدادهم مشركون وكما لا يضر بعض التابعين ومن بعدهم من العلماء أن يكون في أجدادهم مجوس ومشركون, بل إن أفضل الخلق وسيد بني آدم كان أبواه وأجداده مشركين ولم يضره ذلك شيئاً, قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهديتم) وقال تعالى (كل امرئ بما كسب رهين) وقال تعالى (كل نفس بما كسب رهينة).
стр. 239
وأما قوله ويقول عنه بعض العلماء أنه كان يضع الحديث فجوابه أن يقال إن كان أبو رية أراد بالعلماء أئمة الجرح والتعديل فهذا كذب عليهم, وإن كان أراد بعض المنتسبين إلى العلم من العصريين فهذا لا يستبعد منهم ولكن لا عبرة بهم لأنهم في الغالب يخبطون خبط عشواء ولا يبالون برمي الرجل بما ليس فيه, والأحرى أن هذه الكلمة من كيس أبي رية ومجازفاته في بهت الأبرياء.
وأما قوله إن ابن جريج كان من النصارى.
فجوابه أن يقال هذا من البهتان العظيم وقد ورد الوعيد الشديد على بهت المؤمن وتكفيره قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً).
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق».
وروى أبو داود والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» زاد الطبراني «وليس بخارج».
وروى الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من ذكر امرءاً بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» قال المنذري إسناده جيد, وفي رواية للطبراني «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».
وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فان كان كما قال وإلا رجعت عليه».
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» حار أي رجع.
стр. 240
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».
وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ما أكفر رجل رجلاً إلا باء أحدهما بها إن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره».
وفي الصحيحين وغيرهما عن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله».
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٢) و (٥٣) ما ملخصه
من هم كعب ومنبه وعبد الله بن سلام, لهؤلاء الثلاثة ولحوادثهم باب خاص في صفحة ١٤٧ - ١٤٩ - ٥٠ إلى ١٥٧ في كتاب أضواء على السنة المحمدية للأستاذ محمود أبو رية بين فيه نقلاً عن المراجع والأسانيد التاريخية الصحيحة ما لهولاء الثلاثة من مكر وخداع ودس في الحديث, ومن تلك البيانات المبينة بكتاب أضواء على السنة يتضح أنهم كانوا مصدراً لأحاديث كثيرة.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال قد ت قدم الكلام في تزكية عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار ووهب بن منبه والرد على من بهتهم وافترى عليهم فليراجع ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل, وقد سمى المؤلف وهب بن منبه في هذا الفصل باسم أبيه وهذا من تحريفه وتخبيطه.
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف وأبا رية أولى وأحق بوصف المكر والخداع والدس في الحديث لأنهما قد جدا واجتهدا في رد الأحاديث الصحيحة والتشكيك فيها ومعارضتها بالشبه والأباطيل, ومن نظر في كتابيهما علم أنهما من ألد الأعداء للسنة وأهلها.
وقد تحامل أبو رية على كعب الأحبار تحاملاً قبيحاً فزعم في عدة مواضع أنه يهودي, وزعم في مواضع أخر أنه كاهن, وقال أيضاً في وهب بن منبه أنه كاهن, وطغت عليه الوقاحة فتجرأ على لعن كعب في صفحة (١٥٥) وقد قال الله تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
стр. 241
وقد ورد التشديد في تكفير المسلم وذكره بما ليس فيه. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل, وفي الصحيحين وغيرهما عن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لعن المؤمن كقتله».
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٣) ما نصه
من مكر كعب الأحبار وكيده للإِسلام, في موطأ مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب لما أراد الخروج إلى العراق قال له كعب الأحبار لا تخرج يا أمير المؤمنين فإِن بها تسعة أعشار السحر فسقة الجن وبها الداء العضال.
والجواب أن يقال ليس في تحذير كعب الأحبار لعمر ﵁ عن الخروج إلى العراق شيء من المكر للإِسلام كما زعم ذلك المؤلف تبعا لإِمامه في الضلال أبي رية, وإنما ذلك من النصيحة الواجبة للمسلم على المسلم. وقد ظهر مصداق قول كعب بما ظهر في العراق من الفتن والبدع والأهواء المضلة, وقد كان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالألهم من أهل مصر, وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة, وكان في العراق أيضاً وقعة الجمل ووقعه صفين وهما من أعظم الفتن, وكان مقتل الحسين بن علي الله عنهما وأصحابه في العراق وكانت فيه فتنة المختار وفتنة الحجاج وغير ذلك من الفتن العظيمة. وكانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان, وكذلك فتن البدع والأهواء فكلها ظهرت أو ما ظهرت بأرض العراق كفتنة الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية ثم انتشرت بعد ذلك في جميع الأقطار. وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض, وقد جاء في بعض الأحاديث أنه يخرج من العراق, وحيث كانت العراق بهذه الصفة فالتحذير من الخروج إليها من أعظم النصيحة.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد قول كعب الأحبار كما في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «رأس الكفر نحو المشرق».
وروى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم أيضا عن ابن عمر ﵄ أنه
стр. 242
سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول «ألا إن الفتنة ههنا ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» وفي رواية لأحمد عن ابن عمر ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق «ها إن الفتنة ههنا هاإن إن الفتنة ههنا ها إن الفتنة ههنا - ثلاث مرات - من حيث يطلع قرن الشيطان» وفي رواية لأحمد ومسلم أن رسول الله ﷺ قال «رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» يعني المشرق.
وروى البخاري عن أبي مسعود البدري ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال «من ههنا جاءت الفتن نحو المشرق».
وروى الإِمام أحمد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا» مرتين فقال رجل وفي مشرقنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ «من هنالك يطلع قرن الشيطان ولها تسعة أعشار الشر» ورواه الطبراني في الأوسط وقال فيه «إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أشعار الكفر وبه الداء العضال».
وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا» فقال رجل والعراق يا رسول الله قال «من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» قال الهيثمي رجاله ثقات.
وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن ابن عباس ﵄ قال دعا نبي الله ﷺ فقال «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في شامنا ويمننا» فقال رجل من القوم يا نبي الله وعراقنا فقال «إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن وإن الجفاء بالمشرق» قال المنذري والهيثمي رواته ثقات.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على مجازفة المؤلف وأبي رية في بهتهما لكعب الأحبار.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٣) ما نصه
أمثلة من روايات كعب المدسوسة
стр. 243
ثم ذكر في هذه الصفحة وأربع صفحات بعدها روايات عن كعب الأحبار مما قيل أنه رواه من كتب أهل الكتاب وليس لها أسانيد صحيحة عن كعب فلا تصح نسبتها إليه لأنه يحتمل أن يكون بعض الكذابين وضعها ونسبها إلى كعب. وعلى تقدير صحة نسبتها أو نسبة بعضها إليه فهي مما ترخص كعب في نقله من كتب أهل الكتاب وقد قال النبي ﷺ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁.
وروى الإِمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي نملة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإِن كان حقاً لم تكذبوهم وإن كان باطلاً لم تصدقوهم».
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٤) و (٥٥) روى البيهقي في الأسماء والصفات بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال قوله (الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى, ولم يذكر لموسى مثيلا قال البيهقي في الشعب هو شاذ بالمرة قال السيوطي هذا من البيهقي في غاية الحسن فإِنه لا يلزم من صحة الإِسناد صحة المتن لاحتمال صحة الإِسناد مع أن في المتن شذوذاً أو علة تمنع صحته, ولابن كثير تحقيق في هذا الحديث يقول فيه أنه محمول إن صح سنده عن ابن عباس على أنه أخذه من الإِسرائيليات.
والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وقد أجاب عنه العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال, أما هذا فليس سنده بصحيح لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس, وشريك يخطى كثيراً ويدلس, وعطاء ابن السائب اختلط قبل موته بمدة وسماع شريك منه بعد الاختلاط, لكن أخرج البيهقي عقب هذا بسند آخر من طريق آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله (خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال في كل أرض
стр. 244
نحو إبراهيم, ثم قال البيهقي إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً, وأخرجه ابن جرير عن عمرو بن علي عن غندر عن شعبة فذكره بنحوه وزاد ونحو ما على الأرض من الخلق, وعلى هذا فالمعنى والله أعلم أن في كل أرض خلقاً كنحو بني آدم وفيهم من يعرف الله تعالى بالنظر في الآية المذكورة. وسياقها وقوله تعالى (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وقوله (وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون) وغيرها, على أن بعضهم قد فسر ما جاء في الرواية الأخرى التي قدمت أنها لا تصح, ففي روح المعاني لا مانع عقلاً ولا شرعاً من صحته, والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى أدم ﵇ وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم فينا, أما ما في البداية محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵄ عن الإِسرائيليات فغير مرضي, فابن عباس كما مر ويأتي كان ينهى عن سؤال أهل الكتاب فإِن كان مع ذلك قد يسمع من بعض من أسلم منهم أو يسأله فإِنما ذلك شأن العالم يسمع ما ليس بحجة لعله يجد فيه ما ينبه ويلفت نظره إلى حجة انتهى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٥) ما نصه:
كعب أسلم في خلافة عمر ومع ذلك فإِن أبا هريرة وابن عباس يسألانه عن الحديث ويرويان عنه. في تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعباً عن سدرة المنتهى فقال إنها على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق وليس لأحد وراءها علم ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم بها, هذا ما قاله كعب لتلميذه الثاني, وأما ما قاله لتلميذه الأول أبو هريرة عن سدرة المنتهى ففي حديث له أن الشجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن وأنهار من خمر وأنهار من عسل وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها والورقة منها تغطي الأمة كلها (ص ١٦٢ من أضواء).
والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية, والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال من الظلم والزور قول المؤلف تبعاً لأبي رية أنا أبا هريرة وابن عباس ﵄ كانا من تلاميذ كعب الأحبار ومن الظلم والزور أيضاً
стр. 245
قول المؤلف تبعاً لأبي أن أبا هريرة وابن عباس ﵄ كانا يسألان كعبا عن الحديث ويرويان عنه.
الوجه الثاني أن يقال إن أبا هريرة وابن عباس ﵄ لم يتعلما من كعب شيئاً مما يتعلق بأمور الدين وإنما سمعا منه أشياء تحتمل الصدق فحكياها عنه أو سألاه سؤال خبير ناقد لينظرا ما يقول, وقد رد عليه أبو هريرة ﵁ لما أخطأ في ساعة الإِجابة يوم الجمعة حتى رجع كعب إلى الصواب, ورد عليه ابن عباس ﵄ فيما ذكره الزمخشري في الكشاف لما قال أن السموات تدور على منكب ملك, ورد عليه ابن مسعود وحذيفة في ذلك أيضاً, وقد تقدم ذكر ذلك قبل هذا الفصل بأربعة فصول فليراجع (١).
وإذا علم هذا فنقول إن كعب الأحبار لا يبلغ في العلم إلى موضع الكعب من أبي هريرة وابن عباس ﵄ فضلاً عن أن يكونا من تلاميذه.
الوجه الثالث أن يقال إن كلام المؤلف تبعاً لأبي رية ظاهر في التنقص لأبي هريرة وابن عباس ﵄ والسخرية منهما حيث زعم أبو رية والمؤلف أنهما من تلاميذ كعب الأحبار, ولا شك أن هذا فيض مما في قلوبهما من الغيظ على أصحاب رسول الله ﷺ , وقد قال الله تعالى في صفة أصحاب رسول الله ﷺ (ليغيظ بهم الكفار) فمن كان في قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.
الوجه الرابع أن يقال إذا أطلق الحديث فالمراد به الحديث عن النبي ﷺ , ولم أر من طريق صحيح ولا ضعيف أنا أبا هريرة وابن عباس ﵄ سألا كعباً عن شيء من الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ولا رويا عنه شيئاً من ذلك وإنما حكيا عنه بعض الشيء مما نقله من كتب أهل الكتاب, ومن ادعى أنهما سألاه عن شيء من الحديث المرفوع أو رويا عنه شيئا من ذلك فعليه إثبات ذلك بالإِسناد الصحيح ولن يجد إلى ذلك سبيلاً.
الوجه الخامس أن يقال إن الله تعالى قد أغنى أصحاب رسوله ﷺ بالرواية عن نبيهم ﷺ وسؤاله عما أشكل عليهم وبرواية بعضهم стр. 246
عن بعض عن النبي ﷺ وسؤال بعضهم بعضاً عن الحديث وما أشكل عليهم فليس بهم حاجة إلى الرواية عن كعب الأحبار ولا عن غيره من التابعين وليس بهم حاجة إلى سؤالهم عن الحديث.
الوجه السادس أن يقال ما جاء أن ابن عباس ﵄ سأل كعب الأحبار عن سدرة المنتهى فهو أثر غير ثابت عن ابن عباس ﵄ لأن ابن جرير الطبري رواه من طريق الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال «سأل ابن عباس ﵄ كعباً وأنا حاضر» كذا جاء في هذه الرواية. والأعمش مشهور بالتدليس وهلال بن يساف لم يدرك كعب الأحبار.
وأما ما رواه ابن جرير من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره قال «لما أسري بالنبي ﷺ انتهى إلى السدرة» الحديث.
فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه لم يثبت عن أبي هريرة ﵁ لأن أبا جعفر الرازي شك فيه هل هو عن أبي هريرة ﵁ أو عن غيره.
الوجه الثاني لو فرضنا أنا أبا جعفر الرازي قال عن أبي هريرة وحده ولم يشك فيه فهو مردود بالكلام في إسناده لأن أبا جعفر الرازي والربيع بن أنس قد تكلم فيهما بعض أهل العلم. فأما أبو جعفر فقال أحمد في رواية ابنه عبد الله ليس بقوي في الحديث وكذا قال النسائي والعجلي, وقال ابن معين يكتب حديثه ولكنه يخطئ, وقال عمرو بن علي فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيء الحفظ, وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيراً, وقال الساجي صدوق ليس بمتقن, وقال ابن خراش صدوق سيء الحفظ, وقال ابن حبان كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات, وأما الربيع فقال ابن معين كان يتشيع فيفرط, وذكره ابن حبان في الثقات وقال الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً.
الوجه الثالث أن يقال لو ثبت ذلك عن أبي هريرة ﵁ فهو موقوف عليه وليس في الرواية ما يدل على أنه رواه عن كعب الأحبار, وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن ذلك مما رواه أبو هريرة ﵁ عن كعب الأحبار فلا شك أنه من اتباع الظن والتحامل على أبي هريرة ﵁ وقد قال النبي صلى
стр. 247
الله عليه وسلم «إياكم والظن فإِن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الرابع أن المؤلف وأبا رية حرفا في آخر الحديث حيث قالا «تغطي الأمة كلها» والذي في تفسير ابن جرير «تغطي المائة كلها».
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٥) و (٥٦) ما نصه
شهادة الصحابة على كعب بالكذب في الحديث وأخصهم عمر وعلي, وقد نهى عمر كعباً عن الحديث وتوعده بالنفي إلى بلاده وقال له لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة. وكان علي يقول إنه لكذاب (ص ١٠٦ جـ ٨ من البداية والنهاية) وروى البخاري عن الزهدي أن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش وذكر كعباً فقال إنه من أصدق هؤلاء المحدثين من أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك نبلو عليه الكذب, وعن حذيفة وابن عباس. وأخرج ابن خيثمة بسند حسن عن قتادة قال بلغ حذيفة أن كعباً يقول إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال كذب كعب إن الله يقول (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) ص ٣٢٣ جـ١ من الإصابة لابن حجر, وقال ابن عباس لرجل مقبل من الشام من لقيت قال لقيت كعباً قال وما سمعته يقول قال سمعته يقول إن السموات تدور على منكب ملك فقال كذب كعب, أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) ص ١٣٩ من كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني, ,وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي توقفهم فيما رواه كعب الأحبار عن الرسول - ص - لأنه أسلم على يد الفاروق وكان يضربه بالدرة ويقول له دعنا من يهوديتك (ص ٣٥ جـ ١ مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي).
والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وغير فيه بعض التغيير, والكلام عليه من وجهين أحدهما أن يقال ظاهر كلام المؤلف أن الصحابة كلهم شهدوا على كعب بالكذب في الحديث, وهذا كذب وافتراء من المؤلف تبع فيه أبا رية, ولم أر بإِسناد صحيح ولا ضعيف أن أحداً من الصحابة ﵃ كذب كعباً فيما يرويه من الأحاديث المرفوعة أو الموقوفة على الصحابة ﵃, وإنما كان بعضهم يشك في بعض ما ينقله من كتب أهل الكتاب لأنها تحتمل الصدق
стр. 248
والكذب, وقد ثبت عن معاوية ﵁ أنه ذكر كعب الأحبار فقال إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب, رواه البخاري وثبت عن ابن مسعود وحذيفة ﵄ أنهما كذبا كعباً في قوله إن السموات تدور على منكب ملك, وثبت عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه كذب كعباً حين قال إن ساعة الإِجابة في يوم الجمعة يوم في كل سنة ثم صدقه لما رجع إلى الصواب وقال إنها في كل جمعة, فهذا هو الثابت عن الصحابة ﵃ في حق كعب الأحبار. وقد تقدم أن المراد بالكذب ههنا الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وليس المراد به افتراء الكذب. والخطأ في النقل يحتمل أن يكون من كعب ويحتمل أن يكون من الكتب التي ينقل منها.
الوجه الثاني أن يقال لم يثبت عن عمر وعلي ﵄ أنهما كذبا كعب الأحبار, وما ذكره المؤلف عن عمر وعلي ﵄ أنهما أخص من كذب كعبا فهو من كيسه وافترائه على عمر وعلي ﵄. وقد تقدم ما رواه مالك في الموطأ أن عمر ﵁ أمر كعبا أن يحكم معه في جزاء الصيد, ولو كان كذاباً لما رضي عمر ﵁ بحكمه في جزاء الصيد الذي لا يحكم فيه إلا العدول المرضيون.
وأما قوله وقد نهى عمر كعباً عن الحديث وتوعده بالنفي إلى بلاده وقال له لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة, وكان علي يقول إنه لكذاب (ص ١٠٦ جـ ٨ من البداية والنهاية).
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال قد ذكر ابن كثير هذا الأثر في البداية والنهاية ولفظه. قال أبو زرعة الدمشقي حدثني محمد بن زرعة الرعيني حدثنا مروان بن محمد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله عن السائب بن يزيد قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس وقال لكعب الأحبار لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة, قال أبو زرعة وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحواً منه ولم يسنده انتهى, وقد أسقط أبو رية قوله «عن الأول» ليوهم من لا بصيرة لهم أن عمر ﵁ نهى كعباً عن الحديث نهياً مطلقا يشمل الحديث عن الأول ويشمل الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه
стр. 249
وسلم والأحاديث الموقوفة على الصحابة ﵃, وهذا من عدم الأمانة في النقل. وقد تابع المؤلف أبا رية على خيانته لغباوته وكثافة جهله.
الوجه الثاني أن يقال قد تكلم العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في سند هذا الخبر وقال إنه غير صحيح, قال ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة والمجهول لا تقوم به حجة, وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل بن عبيد الله بالتصغير ابن أبي المهاجر فثقة معروف لكن لا أدري أسمع من السائب أم لا, وفي البداية عقبه قال أبو زرعة وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحواً منه لم يسنده, قال المعلمي وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب. هذا ومخرج الخبر شامي, ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث البتة ولا يشتهر ذلك في المدينة ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة ورووا عنه وهم كثير منهم ابن عمر وغيره, هذا باطل قطعاً وأبو هريرة كان مهاجراً من بلاد دوس والمهاجر يحرم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها فكيف يهدد عمر مهاجراً أن يرده إلى بلده التي هاجر منها, وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة كما في فتوح البلدان للبلاذري ص ٩٢ - ٩٣ وبطبيعة الحال كان يعلمهم ويفتيهم ويحدثهم انتهى.
وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في الرد على من تكلم في أبي هريرة ﵁ وهو في المجلد الرابع من مجموع الفتاوى ص ٥٣٢ - ٥٣٩ وكان عمر بن الخطاب ﵁ يستدعي الحديث من أبي هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ﷺ ولا توعده على ذلك, ولكن كان عمر يحب التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث, ولهذا طلب من أبي موسى الأشعري من يوافقه على حديث الاستئذان مع أن أبا موسى من أكابر الصحابة وثقاتهم باتفاق الأئمة انتهى.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وكان علي يقول إنه لكذاب فجوابه أن يقال لم يذكر أبو رية من روى ذلك عن علي ﵁ ولا الكتاب الذي وجد ذلك فيه والظاهر أن ذلك من أكاذيب أبي رية ووضعه, وقد نقل المؤلف ذلك من كتاب
стр. 250
أبي رية وزاد الطين بلة فزعم أنه في كتاب «البداية والنهاية» وهذا من الكذب الذي لا يخفى على من راجع «البداية والنهاية».
وأما قوله وروى البخاري عن الزهدي إلى آخره.
فجوابه أن يقال كذا قال المؤلف «الزهدي» وصوابه «الزهري» وقد تقدم أن المراد بالكذب في قول معاوية وحذيفة ﵄ الخطأ في النقل عن أهل الكتاب وليس المراد به افتراء الكذب.
وأما قوله وأخرج ابن خيثمة.
فجوابه أن يقال الصواب ابن أبي خيثمة.
وأما ما نقله عن ابن عباس ﵄ وزعم تبعاً لأبي رية أنه في كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني.
فجوابه أن يقال هذا خطأ وغباوة من أبي رية ومقلده فإِن ابن حجر لم يذكر هذا الأثر وإنما ذكره الزمخشري في الكشاف غير معزو إلى شيء من كتب الحديث, وقال ابن حجر في «الكافي الشاف, في تخريج أحاديث الكشاف» لم أجده وروى الطبراني من رواية أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال من أين جئت قال من الشام فذكره مثله إلا أنه لم يقل ما ترك يهوديته انتهى.
قلت يحتمل أن الزمخشري أورد الأثر من حفظه فأبدل ابن مسعود ابن عباس والله اعلم.
وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي فقد أجاب عنه العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال لم يسند السبط هذه الحكاية وهو معروف بالمجازفة انتهى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥٦) ما نصه:
إسرائيليات كعب الأحبار. ثم ذكر في هذه الصفحة وأثناء صفحة (٥٧) روايات عن كعب الأحبار وليس لها أسانيد صحيحة عن كعب فلا تصح نسبتها إليه لأنه يحتمل أن يكون بعض الكذابين وضعها ونسبها إلى كعب.
следующие страницы →