بالتأول العصري الحديث, ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى القديسين والقديسات, ثم ينكر معجزات رسول الله ﷺ كلها ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين يخرجونها عن معنى الإِعجاز كله, وهكذا وهكذا.
وفي عصرنا هذا صديق لنا كاتب قدير أديب جيد الأداء واسع الاطلاع كنا نعجب بقلمه وعلمه واطلاعه, ثم بدت منه هنات وهنات على صفحات الجرائد والمجلات في الطعن على السنة والإِزراء برواتها من الصحابة فمن بعدهم يستمسك بكلمات للمتقدمين في أسانيد معينة يجعلها - كما يصنع المستشرقون - قواعد عامة يوسع من مداها ويخرج بها عن حدها الذي أراده قائلوها, وكانت بيننا في ذلك مساجلات شفوية ومكاتبات خاصة حرصا مني على دينه وعلى عقيدته, ثم كتب في إحدى المجلات - منذ أكثر من عامين - كلمة على طريقته التي ازداد فيها إمعانا وغلواً, فكتبت له كتابا طويلا في شهر جمادى الأول سنة ١٣٧٠ كان مما قلت له فيه من غير أن أسميه هنا أو أسمي المجلة التي كتبت فيها, قلت له.
«وقد قرأت لك منذ أسبوعين تقريبا كلمة في مجلة .... لم تدع فيها ما وقر في قلبك من الطعن في روايات الحديث الصحيحة, ولست أزعم أني أستطيع إقناعك أو أرضى إحراجك بالإِقلاع عما أنت فيه «وليتك يا أخي درست علوم الحديث وطرق روايته دراسة وافية غير متأثر بسخافات (فلان) وأمثاله ممن قلدهم وممن قلدوه, فأنت تبحث وتنقب على ضوء شيء استقر في قلبك من قبل, لا بحثا حراً خالياً عن الهوى «وثق أني لك ناصح مخلص أمين لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء فقد قرأت من مثل كلامك أضعاف ما قرأت ولكنك تضرب الكلام بعضه ببعض.
«وثق يا أخي أن المستشرقين فعلوا مثل ذلك في السنة فقلت مثل قولهم وأعجبك رأيهم إذ صادق منك هوى ولكنك نسيت أنهم فعلوا مثل ذلك وأكثر منه في القرآن نفسه فما ضار القرآن ولا السنة شيء مما فعلوا.
«وقبلهم قام المعتزلة وكثير من أهل الرأي والأهواء ففعلوا هذا أو كله فما زادت السنة إلا ثبوتا كثبوت الجبال, وأتعب هؤلاء رؤوسهم وحدها وأوهوها.
«بل لم نر فيمن تقدمنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين
стр. 317
أحاديث موضوعة فضلاً عن الإيهام والتشنيع الذي يطويه كلامك فيوهم الأغرار أن أكثر ما في السنة موضوع, هذا كلام المستشرقين.
«غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها لا بادعاء وضعها والعياذ بالله ولا بادعاء ضعفها, إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنها لا تبلغ في الصحة الذروة العلياء التي التزمها كل منهما».
«وهذا مما أخطأ فيه كثير من الناس ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا على علمه بالسنة وفقهه, ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى, وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها, ولكنه كان متأثراً أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده وهما لا يعرفان في الحديث شيئاً, بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدما وأثبت رأيا لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه, والله يغفر لنا وله.
«وما أفضت إليك في هذه إلا خشية عليك من حساب الله, أما الناس في هذا العصر فلا حساب لهم ولا يقدمون في ذلك ولا يؤخرون, فإِن التربية الإِفرنجية الملعونة جعلتهم لا يرضون القرآن إلا على مضض, فمنهم من يصرح, ومنهم من يتأول القرآن أو السنة ليرضي عقله الملتوي لا ليحفظهما من طعن الطاعنين, فهم على الحقيقة لا يؤمنون, ويخشون أن يصرحوا فيلتوون, وهكذا هم حتى يأتي الله بأمره فاحذر لنفسك من حساب الله يوم القيامة وقد نصحتك وما ألوت والحمد لله».
وأما الجاهلون الأجرياء فإِنهم كثير في هذا العصر, ومن أعجب ما رأيت من سخافاتهم وجرأتهم أن يكتب طبيب في إحدى المجلات الطبية فلا يرى إلا أن هذا الحديث لم يعجبه وأنه ينافي علمه وأنه رواه مؤلف اسمه «البخاري» فلا يجد مجالا إلا الطعن في هذا «البخاري» ورميه بالافتراء والكذب على رسول الله ﷺ وهو لا يعرف عن «البخاري» هذا شيئاً بل لا أظنه يعرف اسمه ولا عصره ولا كتابه إلا أنه روى شيئاً يراه هو - بعلمه الواسع - غير صحيح فافترى عليه ما شاء مما سيحاسب عليه بين يدي الله حسابا عسيراً.
ولم يكن هؤلاء المعترضون أول من تكلم في هذا, بل سبقهم من أمثالهم الأقدمون, ولكن أولئك كانوا أكثر أدبا من هؤلاء - ثم ذكر الشيخ كلام الخطابي وابن القيم وقد تقدم ذكر ذلك, إلى أن قال - وأقول في شأن الطب الحديث أن الناس كانوا ولا يزالون تقذر أنفسهم الذباب وتنفر مما وقع فيه من طعام أو شراب
стр. 318
ولا يكادون يرضون قربانه, وفي هذا من الإِسراف - إذا غلا الناس فيه - شيء كثير, ولا يزال الذباب يلح على الناس في طعامهم وشرابهم وفي نومهم ويقظتهم وفي شأنهم كله, وقد كشف الأطباء والباحثون عن المكروبات الضارة والنافعة وغلوا غلوا شديداً في بيان ما يحمل الذباب من مكروبات ضارة حتى لقد كادوا يفسدون على الناس حياتهم لو أطاعوهم طاعة حرفية تامة, وإنا لنرى بالعيان أن أكثر الناس تأكل مما سقط عليه الذباب وتشرب فلا يصيبهم شيء إلا في القليل النادر, ومن كابر في هذا فإِنما يخدع الناس ويخدع نفسه, وإنا لنرى أيضا أن ضرر الذباب شديد حين يقع الوباء العام, لا يماري في ذلك أحد, فهناك إذاً حالان ظاهرتان بينهما فروق كبيرة, أما حال الوباء فمما لا شك فيه أن الاحتياط فيها يدعو إلى التحرز من الذباب وأضرابه مما ينقل المكروب - أشد التحرز. وأما إذا عدم الوباء وكانت الحياة تجري على سننها فلا معنى لهذا التحرز, والمشاهدة تنفي ما غلا فيه الغلاة من إفساد كل طعام أو شراب وقع عليه الذباب, ومن كابر في هذا فإِنما يجادل بالقول لا بالعمل, ويطيع داعي الترف والتأنق, وما أظنه يطبق ما يدعو إليه تطبيقا دقيقا, وكثير منهم يقولون ما لا يفعلون انتهى كلامه رحمه الله تعالى ولقد أجاد فيه وأفاد سوى كلمة واحدة وهي قوله «وثق أني لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء» فهذه كلمة غير مرضية لأن الواجب عليه وعلى غيره من أهل العلم أن يهمهم القول في السنة بما لا يليق وأن يغضبوا أشد الغضب من الطعن في الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالآراء الفاسدة.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وروى الطبراني في الأوسط عنه عن النبي - ص - أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها.
فجوابه أن يقال وما ينكر أعداء السنة من عظم خلق بعض الملائكة فقد روى البخاري عن زر قال حدثنا عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «أن محمداً ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح».
وروى الإِمام أحمد بإِسناد جيد عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال «رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق».
стр. 319
وروى ابن جرير عن عبد الله ﵁ قال «رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» قال ابن كثير إسناده جيد قوي.
وفي الصحيحين عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول (ولقد رآه بالأفق المبين) (ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عنها فقال «إنما ذاك جبريل» لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين, رآه منهبطا من السماء إلى الأرض ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض.
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» ورواه ابن أبي حاتم ولفظه «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام» قال ابن كثير إسناده جيد رجاله كلهم ثقات.
وأما الحديث الذي ذكره المؤلف تبعاً لأبي رية - وهو ما رواه الطبراني في الأوسط مرفوعاً ولفظه «أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها» فقد أجاب عنه العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية فقال تفرد بروايته صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف, والحديث معدود في منكراته فلم يثبت عن أبي هريرة انتهى.
وأما قوله وروى الترمذي عنه قال قال رسول الله العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم.
فجوابه أن يقال إن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد برواية هذا الحديث فقد رواه الإِمام أحمد وابن ماجه بإِسناد حسن من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم» وقد أشار الترمذي إلى رواية جابر وأبي سعيد ﵄ بعد إيراده لحديث أبي هريرة ﵁. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة ﵁ من طريقين قال في الأولى منهما هذا حديث حسن غريب وقال في الثانية هذا حديث حسن, ورواه الإِمام أحمد من
стр. 320
عدة طرق وصححه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند ورواه أبو داود الطيالسي والدارمي وابن ماجه.
وروى الإِمام أحمد أيضا بأسانيد صحيحة عن رافع بن عمرو المزني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «العجوة والشجرة من الجنة» وفي رواية «العجوة والصخرة من الجنة» ورواه ابن ماجه بهذا اللفظ قال في الزوائد إسناده صحيح رجاله ثقات. ورواه الحاكم بلفظ «الشجرة والعجوة من الجنة» وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي, وفي رواية قال «العجوة والصخرة والشجرة من الجنة» قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإِمام أحمد أيضا من حديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «واعلموا أن الكمأة دواء العين وأن العجوة من فاكهة الجنة».
وفي الصحيحين ومسند الإِمام أحمد وسنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر».
وروى الإِمام أحمد بأسانيد صحيحة ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «إن في عجوة العالية شفاء أو أنها ترياق أول البكرة» هذا لفظ مسلم, وقد رواه الإِمام أحمد بهذا اللفظ في إحدى الروايات عنده, وفي الرواية الأخرى قال «في عجوة العالية شفاء أو ترياق أول البكرة على الريق» وقال في الرواية الثالثة «في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم».
وهذه الأحاديث الصحيحة تؤيد ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم» وفيها أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأمثالهما من جهلة العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والسخرية منها ومن رواتها من الصحابة فمن بعدهم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٣) ما نصه
عدد الأحاديث المنسوبة لكل صحابي (تحقيق علمي ص ٢٥٤ أضواء على
стр. 321
السنة) عرفنا أن أبا هريرة روى عن رسول الله ٥٣٧٤ حديثاً روى منها البخاري ٤٤٦ على حين أنه لم يصاحب النبي - ص - إلا عاماً وتسعة أشهر, وبقي أن نعرف ما رواه الذين سبقوه بالإِيمان وكانوا أدنى منه إلى رسول الله وأعلم بالدين ولهم الخبرة العلمية بسنة النبي - ص - نتيجة ممارستهم لأعمال الجهاد التي لم يمارسها أبو هريرة, وفيما يلي أحاديثهم التي نسبت إليهم.
ما رواه أبو بكر ١٤٢ حديثاً أورد السيوطي منها ١٠٤ وله في البخاري ٢٢ حديثاً مع المقارنة بين ٢٣ سنة قضاها مع النبي - ص - وبين حوالي سنتين فقط لأبي هريرة.
ما روى عمر بن الخطاب ٥٠ حديثا كما أثبت ابن حزم مع المقارنة بين ١٦ سنة قضاها مع النبي - ص - وسنتين لأبي هريرة.
ما رواه عثمان ٩ رواهم البخاري.
ما رواه الزبير ٩ رواه البخاري وحديث واحد في مسلم.
ما رواه طلحة ٤ رواها البخاري.
عبد الرحمن بن عوف ٩ رواها البخاري.
أبي بن كعب ٦٠ جاءت في الكتب الستة.
زيد بن ثابت ٨ رواها البخاري.
سلمان الفارسي ٤ رواها له البخاري وثلاثة في مسلم.
وقد ثبت أن كثيراً من الصحابة لم يرون شيئا عن النبي منهم سعيد بن زيد بن فضل بن عمارة أحد العشرة المبشرين بالجنة.
والجواب أن يقال ليس في كلام أبي رية تحقيق علمي البتة وإنما فيه الجهل والضلال والطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها, والوقيعة في أصحاب رسول الله ﷺ ولاسيما أبو هريرة ﵁ فقد أكثر أبو رية الوقيعة فيه والتنقص له ورماه ظلما وزوراً بكل ما يرى أنه يشينه ويقدح فيه وقد قال الله تعالى (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن أبا هريرة لم يصاحب النبي - ص - إلا عاما وتسعة أشهر.
стр. 322
فجوابه أن يقال هذا خطأ وجهل وقد تقدم التنبيه على ذلك في فصل قبل هذا الفصل بتسعة فصور وبينت هناك أن أبا هريرة ﵁ صحب النبي ﷺ أربع سنين وزيادة أيام فليراجع ما ذكرته هناك (١).
وأما قوله وبقي أن نعرف ما رواه الذين سبقوه بالإِيمان وكانوا أدنى منه إلى رسول الله وأعلم بالدين, إلى آخر كلامه.
فجوابه أن يقال إن أبا هريرة ﵁ قد لزم رسول الله ﷺ منذ قدم عليه في أول سنة سبع من الهجرة, وكان يدور معه حيث دار وكان مع ذلك من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ , وكان يحضر من رسول الله ﷺ ما لا يحضره سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة واشتغال الأنصار بحوائطهم, وقد شهد له رسول الله ﷺ بالحرص على العلم والحديث. وقد تقدم ما رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أبو هريرة وعاء العلم».
وتقدم أيضاً ما رواه النسائي بسند جيد عن زيد بن ثابت ﵁ أن أبا هريرة ﵁ سأل الله علما لا ينسى وأن رسول الله ﷺ أمن على دعائه, والتأمين معناه الدعاء بالإِجابة, ودعاء رسول الله ﷺ مستجاب بلا شك. وقد شهد غير واحد من أكابر الصحابة ﵃ لأبي هريرة ﵁ بالحفظ, وقد تقدم ذكر ذلك قبل تسعة فصول فليراجع (٢) , وتقدم أيضاً ما رواه ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع وأقمت معه حتى توفي أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه وأصلي معه وأحج وأغزو معه فكنت والله أعلم الناس بحديثه قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فلا والله ما يخفى علي كل حديث كان بالمدينة, فليراجع هذا وغيره مما تقدم في الفصل الذي أشرت إليه آنفا (٣) ففي ذلك أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وغيرهما من الشانئين لأبي هريرة ﵁.
стр. 323
وأما ما ذكره المؤلف تبعاً لأبي رية من المقارنة بين ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وبين ما رواه بعض أكابر الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ .
فجوابه من وجوه أحدها في بيان أخطاء المؤلف وأبي رية في عدد الأحاديث التي رواها كل واحد من الصحابة الذين ذكروا في هذا الفصل.
فمن ذلك قولهما أن أبا بكر الصديق ﵁ له في البخاري إثنان وعشرون حديثا, وهذا مخالف لما ذكره النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» وما ذكره الخزرجي في «الخلاصة» أن البخاري روى لأبي بكر الصديق ﵁ سبعة عشر حديثا اتفق هو ومسلم على ستة منها وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث, قال النووي وسبب قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها انتهى.
ومن ذلك قولهما أن عمر بن الخطاب ﵁ روى خمسين حديثا, وهذا خطأ وجهل, فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا, وكذا قال الخزرجي في «الخلاصة» , قال النووي اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين ومسلم بأحد وعشرين.
ومن ذلك قولهما أن عثمان ﵁ روى تسعة أحاديث رواهم البخاري, وهذا خطأ كبير فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي لعثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة, وكذا قال الخزرجي في «الخلاصة» فعلى هذا يكون البخاري روى لعثمان ﵁ أحد عشر حديثا.
وقول المؤلف «رواهم البخاري» صوابه «رواها البخاري».
ومن ذلك قولهما أن الزبير روى تسعة أحاديث رواهم البخاري وحديث واحد في مسلم. وهذا خطأ كبير فقد ذكر الخزرجي في «الخلاصة» أنه روي للزبير
стр. 324
رضي الله عنه ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بسبعة, فعلى هذا يكون مسلم قد روى للزبير ﵁ حديثين.
وقول المؤلف «رواهم البخاري» صوابه «رواها البخاري».
ومن ذلك قولهما أن طلحة روى أربعة أحاديث رواها البخاري, وهذا خطأ وجهل فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي لطلحة عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة, وكذا قال الخزرجي في «الخلاصة» إلا أنه قال اتفقا على حديث, فعلى هذا يكون البخاري روى لطلحة ثلاثة أحاديث على قول الخزرجي وأربعة على قول النووي, ويكون مسلم قد روى له أربعة أحاديث على قول الخزرجي وخمسة على قول النووي.
ومن ذلك قولهما أن عبد الرحمن بن عوف روى تسعة أحاديث رواها البخاري, وهذا خطأ وجهل فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة. وكذا قال الخزرجي في «الخلاصة» فعلى هذا يكون البخاري روى له سبعة أحاديث.
ومن ذلك قولهما أن أبي بن كعب روى ستين حديثا في الكتب الستة, وهذا خطأ وجهل فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة, وكذا قال الخزرجي في «الخلاصة» إلا أنه قال انفرد البخاري بأربعة.
ومن ذلك قولهما أن زيد بن ثابت روى ثمانية أحاديث رواها البخاري, وهذا جهل وتخبيط, فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا اتفقا منها على خمسة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة, فعلى هذا يكون البخاري روى له تسعة أحاديث.
ومن ذلك قولهما أن سلمان الفارسي روى أربعة أحاديث رواها البخاري وثلاثة في مسلم, وهذا خطأ وجهل قبيح فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ ستون حديثا اتفق البخاري
стр. 325
ومسلم على ثلاثة ولمسلم ثلاثة, وكذا قال الخزرجي في الخلاصة وزاد وانفرد البخاري بواحد, فعلى هذا يكون البخاري روى له ثلاثة أحاديث على قول النووي وأربعة على قول الخزرجي ويكون مسلم روى له ستة أحاديث.
ومما ذكرته ههنا يعلم أن أبا رية بعيد من التحقيق العلمي غاية البعد وأن حاصل ما عنده التخبيط والتخليط, وذلك هو حاصل كتاب المؤلف أيضا.
الوجه الثاني أن يقال قد نقل ابن سعد في الطبقات عن الواقدي أنه قال إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم, وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس, وكل أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون, وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأسيد بن الحضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم, فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب ونظرائهم, وكل هؤلاء كان يعد من فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا يلزمون رسول الله ﷺ مع غيرهم من نظرائهم. وأحدث منهم مثل عقبة بن عامر الجهني وزيد بن خالد الجهني وعمران بن الحصين والنعمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدي وعبد الله بن يزيد الخطمي ومسلمة بن مخلد الزرقي وربيعة بن كعب الأسلمي وهند وأسماء ابني حارثة الأسلميين وكانا يخدمان رسول الله ﷺ ويلزمانه فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم, ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ انتهى.
стр. 326
الوجه الثالث أن يقال إن السبق إلى الإِيمان لا يستلزم كثرة الرواية عن النبي ﷺ , فكم من سابق إلى الإِيمان وليس بمكثر من الرواية عن النبي ﷺ , وكم من مكثر من الرواية عن النبي ﷺ وهو ممن تأخر إسلامه أو كان صغير السن في حياة رسول الله ﷺ , فليس المعول في كثرة الرواية عن النبي ﷺ على كبر السن ولا على السبق إلى الإِيمان, وإنما المعول في ذلك على الحفظ والإِتقان وطول العمر بعد وفاة رسول الله ﷺ , وقد حصل لأبي هريرة ﵁ حظ وافر من الحفظ والإِتقان وذلك ببركة لزومه لرسول الله ﷺ وشدة حرصه على أخذ العلم والحديث عن النبي ﷺ وتأمين رسول الله ﷺ على دعائه لما سأل الله علماً لا ينسى. وقد تأخرت وفاته إلى سنة تسع وخمسين من الهجرة.
وأما قوله وقد ثبت أن كثيراً من الصحابة لم يرون شيئا عن النبي منهم سعيد بن زيد بن فضل بن عمارة أحد العشرة المبشرين بالجنة.
فجوابه أن أقول لا أدري من أيهما أعجب, أمن تخبيط أبي رية في عدد الأحاديث التي رواها من تقدم ذكرهم من أكابر الصحابة ﵃, أم من تخبيط المؤلف في نسب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁, وإنه ليصدق على المؤلف وأبي رية قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البلد
وقول الآخر:
زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر
فأما قول المؤلف «لم يرون شيئا» فصوابه «لم يرووا شيئا» وإذا كان المؤلف لا يعرف الفرق بين الرؤية والرواية مع أن ذلك لا يخفى على أصغر طلبة العلم فما باله يتطاول على الأحاديث الصحيحة ويقابلها بالرد والإِنكار, ويتطاول على بعض أصحاب رسول الله ﷺ ويطعن فيهم بالإِفك والبهتان.
وقد روى الإِمام أحمد بإِسناد صحيح والبخاري وأبو داود وابن ماجه عن أبي
стр. 327
مسعود الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ورواه أيضا الإِمام أحمد من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ وإسناده صحيح.
وهذا الحديث ينطبق على المؤلف وأبي رية لأن كلا منهما قد انتزع منه الحياء الذي يمنع الإنسان من مجاوزة الحد وإظهار الجهل وقلة المبالاة بالتخبيط والتخليط.
وبعد فليس في نسب سعيد بن زيد أحد اسمه فضل ولا عمارة. وإنما هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي, وقد سبق أن سماه المؤلف سعيد بن الزبير وذلك عند قوله إن الصحابة كانوا يتركون التحديث عن رسول الله خوفا من الزيادة أو النقصان في كلامه (١) , وهذا نوع آخر من تخبيط المؤلف في نسب سعيد بن زيد ﵁.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن زيد بن عمرو بن نفيل لم يرو عن النبي ﷺ شيئا.
فجوابه أن يقال قد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» أنه روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وأربعون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث, وقال الخزرجي في «الخلاصة» له ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٤) ما نصه
من غرائب الحديث بوجه عام (النبي يحدد أجل الساعة) , روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك أن رجلا سأل النبي - ص - قال متى تقوم الساعة قال فسكت رسول الله - ص - هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال إن عمّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة, قال أنس ذاك الغلام من أترابي
стр. 328
يومئذ (يعني من سني) , وقد مات أنس ٩٣ على المشهور وهو ترب الغلام الذي قال فيه النبي - ص - إنه لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة, وبذلك يكون قيام الساعة قبل انقضاء القرن الأول الهجري كما نص الحديث. فما قول عباد الأسانيد. لعل بعضهم سينبري فيقول وما يدريك لعل هذا الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن قيام الساعة من مفاتيح الغيب الخمس التي استأثر الله بعلمها فلا يعلم قيامها أحد غيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهما, قال الله تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وقال تعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) وقال تعالى (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا) وقال تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرسالها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وقال تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها) وقال تعالى (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) قال البغوي أكثر المفسرين قالوا معناه أكاد أخفيها من نفسي وكذلك هو في مصحف أبي بن كعب, وفي مصحف عبد الله بن مسعود أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق, وفي بعض القراءة فكيف أظهرها لكم, وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون كتمت سرك من نفسي أي أخفيته غاية الإِخفاء والله تعالى لا يخفى عليه شيء انتهى وقال ابن كثير قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرؤها أكاد أخفيها من نفسي يقول لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أكاد أخفيها يقول لا أطلع عليها أحداً غيري, وقال السدي ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود إني أكاد أخفيها من نفسي, وقال قتادة أكاد أخفيها وهي في بعض القراءات أخفيها من نفسي ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين انتهى.
وروى الإِمام أحمد والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم
стр. 329
الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).
وروى الإِمام أحمد أيضا عن ابن عمر ﵄ قال قال النبي ﷺ «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)».
وروى الإِمام أحمد أيضا عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ أنه قال «أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)» قال ابن كثير إسناده حسن وقال الهيثمي رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح.
وروى الإِمام أحمد أيضاً عن بريدة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «خمس لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)» قال ابن كثير صحيح الإِسناد ولم يخرجوه.
وروى الإِمام أحمد أيضا بإِسناد صحيح عن رجل من بني عامر أنه قال للنبي ﷺ هل بقي من العلم شيء لا تعلمه قال «قد علمني الله خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) الآية».
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ «أخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل» رواه الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ يا رسول الله متى الساعة قال «ما المسؤل عنها بأعلم من السائل» الحديث وقال في آخره «في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلى ﷺ (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)» رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه.
стр. 330
وعن أبي هريرة وأبي ذر ﵄ أن جبريل قال للنبي ﷺ متى الساعة فقال «ما المسؤل عنها بأعلم من السائل» الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال «خمس لا يعلمها إلا الله (إن الله عنده علم الساعة) إلى قوله (إن الله عليم خبير)» رواه النسائي.
وعن ابن عباس ﵄ أن جبريل قال للنبي ﷺ حدثني متى الساعة, قال رسول الله ﷺ «في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)» رواه الإِمام أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وهو ثقة وفيه كلام وبقية رجاله ثقات.
وعن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك ﵁ نحوه رواه الإِمام أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وبقية رجاله ثقات.
الوجه الثاني أن يقال أن النبي ﷺ لم يحدد قيام الساعة العظمى بوجه من الوجوه وإنما كان يجيب الأعراب إذا سألوه عن الساعة بما تنتهي به أعمارهم وتقوم عليهم ساعتهم وهي موتهم كما في الصحيحين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي ﷺ فيسألونه متى الساعة فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول «إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» قال هشام يعني موتهم هذا لفظ البخاري.
وفي صحيح مسلم عن ثابت عن أنس ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ متى تقوم الساعة وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد فقال رسول الله ﷺ «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة».
وروى مسلم أيضاً عن معبد بن هلال العنزي عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ قال متى تقوم الساعة قال فسكت رسول الله ﷺ هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال «إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» قال أنس ذاك الغلام من أترابي يومئذ.
وروى مسلم أيضاً عن قتادة عن أنس قال مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من
стр. 331
أقراني فقال النبي ﷺ «إن يؤخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة».
قوله «حتى تقوم الساعة» أي ساعة الذين سألوه وهي موتهم كما هو مصرح به في حديث عائشة ﵂ الذي تقدم ذكره, قال القاضي عياض حديث عائشة ﵂ يفسر حديث أنس ﵁ وأن المراد ساعة المخاطبين ومعناه يموت ذلك القرن أو أولئك المخاطبون, وقال ابن كثير ليس المراد بذلك تحديد وقت الساعة العظمى إلى وقت هرم ذاك المشار إليه وإنما المراد ساعتهم وهو انقراض قرنهم وعصرهم قصاراه أن تتناهى مدة عمر ذلك الغلام, ويؤيد ذلك رواية عائشة ﵂ «قامت عليكم ساعتكم» وذلك أنه من مات فقد دخل في حكم القيامة فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني الساعة جزء من الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة الحساب, وأطلقت الساعة على ثلاثة أشياء الساعة الكبرى وهي بعث الناس للمحاسبة, والوسطى وهي موت أهل القرن الواحد نحو ما روي أنه قال «إن يطل عمر هذا الغلام لم يمت حتى تقوم الساعة» , والصغرى موت الإِنسان فساعة كل إنسان موته انتهى باختصار.
وقال الداوودي في جواب النبي ﷺ للأعراب الذين سألوه متى تقوم الساعة, هذا الجواب من معاريض الكلام فإِنه لو قال لهم لا أدري ابتداء مع ما هم فيه من الجفاء وقبل تمكن الإِيمان في قلوبهم لارتابوا فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذين ينقرضون هم فيه ولو كان تمكن الإِيمان في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد, قال الحافظ ابن حجر وقد أخبر ﷺ في أحاديث أخرى حدث بها خواص أصحابه تدل على أن بين يدي الساعة أموراً عظاما انتهى.
وقد روى الإِمام أحمد ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر «تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة» ورواه الترمذي مختصراً وقال هذا حديث حسن, وفي رواية لمسلم «ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ».
وروى مسلم أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال لما رجع النبي صلى الله
стр. 332
عليه وسلم من تبوك سألوه عن الساعة فقال رسول الله ﷺ «لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».
وروى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال «أرأيتكم ليلتكم هذه فإِن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» قال ابن عمر ﵄ فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال رسول الله ﷺ لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن, قال الترمذي هذا حديث صحيح.
قال النووي في شرح مسلم هذه الأحاديث قد فسر بعضها بعضا وفيها علم من أعلام النبوة والمراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل أمرها قبل ذلك أم لا وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة انتهى.
وقال ابن الأثير في جامع الأصول المعنى في الحديث أن كل من هو موجود الآن يعني ذلك الوقت إلى انقضاء ذلك الأمد المعين يكونون قد ماتوا ولا بقي على الأرض منهم أحد لأن الغالب على أعمارهم لا يتجاوز ذلك الأمد الذي أشار إليه النبي ﷺ فتكون قيامة أهل ذلك العصر قد قامت انتهى.
وقال ابن كثير قد فسر الصحابي المراد بما فهمه وهو أولى بالفهم من كل أحد من أنه يريد ﵊ أنه ينخرم قرنه ذلك فلا يبقى ممن هو كائن على وجه الأرض من أهل ذلك الزمان أحد إلى مائة سنة, وقد اختلف العلماء هل ذلك خاص بذلك القرن أو عام في كل قرن لا يبقى أحد أكثر من مائة سنة على قولين والتخصيص بذلك القرن المعين الأول أولى فإِنه قد شوهد بعض الناس جاز مائة سنة وذلك في طائفة من المعمرين ولكنه قليل في الناس انتهى.
وقوله فوهل الناس قال النووي بفتح الهاء أي غلطوا يقال وهل بفتح الهاء يهل بكسرها وهلا كضرب يضرب ضربا أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب انتهى.
стр. 333
وفيما ذكرته في هذا الوجه والوجه الأول أبلغ رد على من زعم أن النبي ﷺ قد حدد أجل الساعة العظمى.
الوجه الثالث أن يقال من أقبح الكذب على رسول الله ﷺ والجراءة عليه قول المؤلف إن النبي يحدد أجل الساعة, وإذا كان المؤلف لا يعرف مراد النبي ﷺ من جوابه للأعراب الذين سألوه عن الساعة فلا يحل له أن يتقول على رسول الله ﷺ ويصرف كلامه إلى غير مراده.
الوجه الرابع أن يقال إن كلام المؤلف وأبي رية ينم على ما في قلوبهما من الزيغ لأنهما اقتصرا على إيراد الرواية المبهمة في قيام الساعة وهي رواية أنس ﵁ وأعرضا عن الرواية التي تفسر الرواية المبهمة وتوضح مراد رسول الله ﷺ وهي رواية عائشة ﵂ ففيها أن النبي ﷺ قال للأعراب «إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم» يعني موتهم, وأحاديث رسول الله ﷺ يفسر بعضها بعضا, ولا يحل لأحد أن يعارض بين أحاديث رسول الله ﷺ ويضرب بعضها ببعض كما فعل المؤلف وأبو رية.
الوجه الخامس أن يقال إن النبي ﷺ قال «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وأبي هريرة وبريدة والنعمان بن بشير وسعد بن تميم السكوني ﵃ وقد ذكرتها في «إتحاف الجماعة» في «باب الثناء على القرون المفضلة» فلتراجع هناك, وقد جاء في حديث النعمان بن بشير ﵄ ورواية عن بريدة ﵁ ذكر أربعة قرون, وفي رواية أخرى عن بريدة ﵁ ذكر خمسة قرون رواه الإِمام أحمد وإسناده جيد.
وروى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
стр. 334
وروى الإِمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ موقوفا ورواه أبو داود والحاكم مرفوعا «لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإِمام أحد وأبو داود والحاكم أيضاً عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» قيل لسعد وكم نصف ذلك اليوم قال خمسمائة سنة, رجال أبي داود كلهم ثقات.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على المؤلف حيث زعم أن النبي ﷺ قد حدد أجل الساعة العظمى, وفيها أيضا رد عليه وعلى أبي رية حيث زعما من باب التهكم والاستهزاء أن حديث أنس ﵁ يدل على أن قيام الساعة يكون قبل انقضاء القرن الأول الهجري.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية فما قول عباد الأسانيد, إلى آخر كلامه فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ليس التصديق بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ من عبادة الأسانيد كما قد زعم ذلك عباد الهوى وأعداء السنة, وإنما ذلك من تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله.
وقد تقدم في أول فصول الكتاب قول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة.
وتقدم فيه أيضا أقوال لبعض العلماء في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة وأنه لا يردها إلا من هو متهم على الإِسلام, فليراجع جميع ما ذكرته في أول الكتاب فإِنه مهم جداً, (١) وليراجع أيضا الفصل الخامس (٢) ففيه آثار كثيرة عن السلف في الإِنكار على الذين يتهاونون بالأحاديث الصحيحة ويعارضونها بالشبه والآراء وأنواع الحجج الشيطانية.
الوجه الثاني أن يقال هذه الكلمة البشعة النابية من المؤلف وأبي رية وهي تسميتهما المؤمنين بما ثبت عن النبي ﷺ عباد الأسانيد تدل على ما في قلوبهما من الزيغ ومتابعة الهوى, وقد قال الله تعالى (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير
стр. 335
هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٤) ما نصه
حديث فاق حدود الغرابة والعجب ويبلغ ذروة الكذب على الله ورسوله, روى أحمد في مسنده أن رسول الله - ص - خرج عليهم ذات غداة وهو طيب النفس مسفر الوجه فسئل عن السبب فقال وما يمنعني, أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري أي ربي قال فوضع كفيه بين كتفي فوجدت بردهما بين ثديي حتى تجلى لي ما في السموات وما في الأرض, وفي رواية الشهرستاني لقيني ربي فصافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال إن المؤلف قد نقل هذا الحديث من كتاب أبي رية وقد زاد أبو رية جملة في أوله وغير فيه في بعض الكلمات كما يعلم ذلك من لفظ الحديث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى, والحديث قد رواه الإِمام أحمد والترمذي من حديث ابن عباس ﵄ ومن حديث معاذ بن جبل ﵁ وهي رؤيا منام وليست رؤية عين, وقد توهم أبو رية أنها رؤية عين وتبعه المؤلف على ذلك وهو خطأ ظاهر.
فأما حديث ابن عباس ﵄ فقال الإِمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي - أو قال نحري - فعلمت ما في السموات وما في الأرض» الحديث ورجاله رجال الصحيح, وقد رواه الترمذي بهذا الإِسناد, ورواه أيضاً من طريق قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس ﵄ فذكره بنحوه وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال وفي الباب عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ , وقد روى هذا
стр. 336
الحديث عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ بطوله وقال «إني نعست فاستثقلت نوما فرأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى, هذا كلام الترمذي ثم ساق حديث معاذ بن جبل من طريق عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل ﵁ قال احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته فلما سلم دعا بصوته قال لنا «على مصافكم كما أنتم» ثم انفتل إلينا ثم قال «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإِذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك رب قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قالها ثلاثا قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت» الحديث قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا حديث حسن صحيح انتهى كلام الترمذي.
وقد رواه الإِمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ﵁ فذكره بنحوه وإسناده صحيح, قال ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث في تفسير سورة (ص) هو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط انتهى.
وأما قوله في رواية الشهرستاني «فصافحني».
فجوابه أن يقال إن هذه الكلمة لم ترد في الحديث الصحيح فلا يعتد بها.
الوجه الثاني أن يقال ليس في حديث ابن عباس ﵄ ولا في حديث معاذ بن جبل ﵁ ما يستغرب ولا ما يدعو إلى العجب فضلا عن أن يفوق حدود الغرابة والعجب, وليس فيهما شيء من الكذب على الله ولا على رسوله ﷺ فضلا عن أن يبلغ ذلك إلى ذروة الكذب كما زعم ذلك المؤلف الأحمق الجاهل, وما جاء في الحديث من الكلمات التي استغرب المؤلف الحديث من أجلها وتعجب منه فهي من الأشياء التي يجب الإِيمان بها وإمرارها كما جاءت.
стр. 337
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٤) ما نصه
من أحاديث العجب الغريب (ثور الجنة) في بدائع الفوائد لابن القيم ثبت عن النبي - ص - أن المؤمنين ينحر لهم يوم القيامة ثور في الجنة الذي كان يأكل منها فيكون نزلهم - قال ابن القيم فهذا حيوان كان يأكل في الجنة فينحر نزلا لأهلها (ص ١٧٧ جـ٣).
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد فهو طرف من حديث رواه مسلم في كتاب الحيض من صحيحه في «باب صفة مني الرجل والمرأة» وهو من حديث أبي أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله ﷺ «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي» فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله ﷺ «أينفعك شيء إن حدثتك» قال أسمع بأذني فنكت رسول الله ﷺ بعود معه فقال «سل» فقال اليهود أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله ﷺ «هم في الظلمة دون الجسر» قال فمن أول الناس إجازة قال «فقراء المهاجرين» قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال «زيادة كبد النون» قال فما غذاؤهم على إثرها قال «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال فما شرابهم عليه قال «من عين فيها تسمى سلسبيلا» قال صدقت, قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال «ينفعك إن حدثتك» قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى مني الرجل مني المرأة أذكرا بإِذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله» قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله ﷺ «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به».
وقد جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ نحو ما جاء في حديث ثوبان
стр. 338
رضي الله عنه وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة» قال فأتى رجل من اليهود فقال بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال «بلى» قال تكون الأرض خبزة واحدة كما قال رسول الله ﷺ قال فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه, قال ألا أخبرك بإِدامهم قال «بلى» قال إدامهم بالام ونون قالوا وما هذا قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا.
وروى الإِمام أحمد بأسانيد صحيحة والبخاري في عدة مواضع من صحيحه عن أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام ﵁ سأل رسول الله ﷺ ما أول طعام يأكله أهل الجنة فقال رسول الله ﷺ «وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت» الحديث.
وهذه الأحاديث الثلاثة يصدق بعضها بعضا, ومن كذب بما جاء فيها وعارض ذلك برأيه وتفكيره فلا شك أنه مشاق للرسول ﷺ ومتبع غير سبيل المؤمنين ومتعرض للوعيد الشديد على رد الحق وتكذيب الصدق.
الوجه الثاني أن يقال يظهر من قول المؤلف «من أحاديث العجب الغريب ثور الجنة» أنه ينكر ذلك وقد استشكله قبله أبو رية في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض, وهذا يدل على قلة إيمان المؤلف وأبي رية بما هو ثابت عن النبي ﷺ وقد قال الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٤) وصفحة (٦٥) ما نصه
حديث مبالغ في تكذيب القرآن في رؤية العبد لربه, قال القاضي نص أحمد على أن الإِسراء كان يقظة وحكي له أن موسى بن عقبة أن أحاديث الإِسراء كانت مناما فقال هذا كلام الجهمية, وقال أبو بكر النجار رآه إحدى عشرة مرة تسع مرات ليلة المعراج حينما كان يتردد بين موسى وبين ربه ومرتين بالكتاب (يعني اللتان في سورة النجم) (ص ٣٩ جـ ٤ بدائع الفوائد, وفي البخاري من حديث شريك أن الإِسراء كان مناما, ونقول للمؤمن العاقل تأمل منازعة هذا الحديث لقوله
стр. 339
تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) وقوله (ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) , وفرية التردد لتخفيف فريضة الصلاة وتحوير رؤية النبي لجبريل لتصبح رؤية الله (الواردة في سورة النجم).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها في بيان ما في كلام المؤلف من الأغلاط, فمن ذلك قوله (أن موسى بن عقبة أن أحاديث الإِسراء) وصوابه «أن موسى بن عقبة قال إن أحاديث الإِسراء» ومن ذلك قوله «أبو بكر النجار» وصوابه «أبو بكر النجاد» بالدال لا بالراء, واسمه أحمد بن سلمان - وقيل سليمان - بن الحسن بن إسرائيل بن يونس وهو من الطبقة الثانية من أصحاب الإِمام أحمد وكان عالما ناسكا وروعا, مات لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وعاش خمسا وتسعين سنة ويقال إن مولده في سنة ثلاث وخمسين ومائتين, ومن ذلك قوله «يعني اللتان» وصوابه «يعني اللتين» ومن ذلك قوله في الآية من سورة الشورى «ما كان لبشر» وصوابه «وما كان لبشر».
الوجه الثاني أن يقال قد نقل الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الإِسراء عن أبي الخطاب ابن دحية أنه قال في كتابه «التنوير في مولد السراج المنير» قد تواترت الروايات في حديث الإِسراء - ثم ذكر خمسة وعشرين من الصحابة ﵃ رووا حديث الإِسراء ثم قال - فحديث الإِسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) انتهى.
وقد أنكر المؤلف تردد النبي ﷺ ليلة الإِسراء بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب تخفيف فريضة الصلاة وزعم أن ذلك فرية.
والجواب أن أقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
ولا ينكر تردد النبي ﷺ بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب تخفيف فريضة الصلاة إلا من ينكر حديث الإِسراء وذلك دليل على الزندقة والإِلحاد.
стр. 340
الوجه الثالث أن يقال الذي نص عليه الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أن الإِسراء كان يقظة هو القول الصحيح, قال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض أنه قال اختلف الناس في الإِسراء برسول الله ﷺ فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده ﷺ , والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل انتهى.
وقال ابن كثير في تفسيره الأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقظة لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, والدليل على هذا قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم, وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال (أسرى بعبده ليلاً) وقال تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به, والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم, رواه البخاري, وقال تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) والبصر من آلات الذات لا الروح, وأيضا فإِنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان إنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم انتهى.
وقال ابن كثير أيضاً في «البداية والنهاية» مذهب جمهور السلف والخلف أن الإِسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك انتهى.
وأما قوله وفي البخاري من حديث شريك أن الإِسراء كان مناما
فجوابه أن يقال قد تكلم العلماء في رواية شريك, قال النووي قد جاء في رواية شريك في هذا الحديث أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله فقدم وأخر وزاد ونقص, وقال الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد
стр. 341
ذكر هذه الرواية, هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة, وقد روى حديث الإِسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك, وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث, قال والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعول عليها, هذا كلام الحافظ عبد الحق انتهى كلام النووي.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية وقوله في حديث شريك عن أنس ثم استيقظت فإِذا أنا في الحجر - معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما في حديث عائشة ﵂ حين ذهب رسول الله ﷺ إلى أهل الطائف فكذبوه قال فرجعت مهموما فلم أستفق إلا بقرن الثعالب, وفي حديث أبي أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله ﷺ ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله ﷺ واشتغل رسول الله ﷺ بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه ثم استيقظ رسول الله ﷺ فلم يجد الصبي فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر, وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم انتهى كلام ابن كثير.
وأما رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإِسراء فقد اختلف العلماء فيها فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون, وقال بعضهم رآه بفؤاده لا بعيني رأسه. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» اختلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين قاله ابن عباس وطائفة, وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد, وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄, وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين واختاره ابن جرير وبالغ فيه وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين, وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه, وقالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبي ذر في صحيح مسلم قلت يا رسول الله هل رأيت ربك فقال «نور أنى أراه» وفي رواية «رأيت نوراً» والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف انتهى.
وأما قول المؤلف ونقول للمؤمن العاقل تأمل منازعة هذا الحديث لقوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) وقوله (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب).
стр. 342
فجوابه أن يقال ليس بين رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإِسراء على قول من أثبتها وبين الآيتين منازعة لأن الإِدراك المذكور في الآية من سورة الأنعام هو الإِحاطة, والله ﵎ لا يحاط به, وإذا ورد النص بنفي الإِدراك الذي هو الإِحاطة فلا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة, وهذه الشمس والقمر والنجوم كل بصير يراها ولا يحيط بها ولا يدرك حقيقتها وكنهها وماهيتها, والله ﵎ أعظم من أن يحاط به قال الله تعالى (ولا يحيطون به علماً).
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عياناً كما يرون الشمس والقمر, يرونه في العرصات وفي روضات الجنات, وهذا مما يؤمن به أهل السنة والجماعة وينكره الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم من أهل البدع.
وأما قوله (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب).
فقد أجاب عنه النووي في شرح مسلم بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٥) ما نصه
خرافة أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض, عن ابن عباس أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها من يشاء من خلقه, وفي رواية أخرى عنه أنه قال الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا الناس, قالوا إنه يأتي يوم القيامة وله لسان وشفتان ليشهد لمن استلمه بحق (ص ٢٧١ من كتاب تأويل مختلف الحديث) وهذا الحديث إسرائيلي متقول عن وهب بن منبه الذي قال فيه كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون, وقد استهزأ الجاحظ بهذا الحديث فقال كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا (ويبدو أن المخترعين لهذا الحديث قصدوا أن يقولوا أن الناس يقبلون يد الله ومثل ذلك يقبلون يد الشيوخ).
والجواب أن يقال إن المؤلف نقل أكثر هذا الكلام من كتاب أبي رية وقد وقع فيه تغيير في كلمتين إحداهما قوله «حتى سودته خطايا الناس» وصوابه «حتى سودته خطايا أهل الشرك» والثانية قوله «متقول عن وهب» وصوابه «منقول عن وهب».
стр. 343
فأما الحديث الذي فيه أن الحجر الأسود يمين الله يصافح بها خلقه فهو مروي من حديث ابن عباس ﵄ موقوفا, ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعا, فأما حديث ابن عباس ﵄ فرواه عبد الرزاق في مصنفه عن إبراهيم بن يزيد أنه سمع محمد بن عباد يحدث أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول «الركن - يعني الحجر - يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه مصافحة الرجل أخاه يشهد لمن استلمه بالبر والوفاء» , إبراهيم بن يزيد هو الخوزي بضم المعجمة وبالزاي أبو إسماعيل المكي متروك الحديث, ثم قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن محمد بن عباد عن ابن عباس ﵄ نحوه, وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين, ثم قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج وحدثت عن علي بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ أنه قال «الركن هو يمين الله يصافح بها عباده» إسناده ضعيف لجهالة الذي حدث به عن علي بن عبد الله, والرواية الصحيحة قبله تشهد له وتقويه.
وقال الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» محمد بن عباد بن جعفر سمعت ابن عباس ﵄ يقول «إن هذا الركن يمين الله في الأرض يصافح بها عباده مصافحة الرجل أخاه» قال ابن حجر (لمحمد بن أبي عمر) قال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على «المطالب العالية» «في المسندة هذا موقوف جيد, وقال البوصيري رواه ابن أبي عمر موقوفاً بإِسناد الصحيح» انتهى.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقد رواه ابن خزيمة في صحيحه والطبراني في الأوسط والحاكم في مستدركه قال قال رسول الله ﷺ «يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بالحق وهو يمين الله يصافح بها خلقه» قال الهيثمي في الكلام على إسناد الطبراني, فيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطئ وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح انتهى. وقد صححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال عبد الله بن المؤمل واه قال بعض العلماء وهذا غلو من الذهبي, وقد روى الإِمام أحمد منه قوله «يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان» وفي إسناده عبد الله بن المؤمل ومع هذا فقد قال المنذري إسناده حسن.
وإذا علم أن حديث ابن عباس ﵄ صحيح الإِسناد وأن ابن
стр. 344
خزيمة والحاكم قد صححا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وأن المنذري قد حسنه فمن أقبح المكابرة قول المؤلف أنه خرافة, وهذه الكلمة تدل على ما في قلب المؤلف من الزيغ وعداوة السنة, والمؤلف هو المخرف على الحقيقة لأنه يكابر في رد الأحاديث الصحيحة ويهرف بما لا يعرف.
وأما الحديث الذي فيه إن الحجر الأسود من الجنة فقد رواه الإِمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك» هذا لفظ أحمد, ولفظ الترمذي قال رسول الله ﷺ «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن سودته خطايا بني آدم» قال الترمذي حديث حسن صحيح, قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة.
وأما قوله قالوا إنه يأتي يوم القيامة وله لسان وشفتان ليشهد لمن استلمه بحق.
فجوابه أن يقال هذا قطعة من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم ذكره. وقد رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال «ليبعثن الله ﵎ الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق» قال البيهقي وقال بعضهم في الحديث «لمن استلمه بحق» قال الترمذي هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وأما قوله وهذا الحديث منقول عن وهب بن منبه الذي قال فيه كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون.
فجوابه أن يقال هذا خطأ ظاهر وتخليط فإِن المنقول عن وهب غير الحديث المرفوع الذي تقدم ذكره, ويشهد للمنقول عن وهب بن منبه ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» قال الترمذي هذا يروى عن عبد الله بن عمرو موقوفا قوله. وفيه عن أنس أيضاً وهو حديث غريب.
стр. 345
وأما قوله وقد استهزأ الجاحظ بهذا الحديث فقال كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا.
فجوابه أن يقال ليس بغريب من الجاحظ أن يستهزأ بالحديث لأنه كما قال ابن حزم في الملل والنحل كان أحد المجان الضلال غلب عليه الهزل, وقال الذهبي في الميزان كان من أئمة البدع ونقل عن ثعلب أنه قال ليس بثقة ولا مأمون, وذكر الحافظ ابن حجر في لسان الميزان شيئاً كثيراً من مساويه, وذكر عن ثعلب أنه قال كان كذاباً على الله وعلى رسوله وعلى الناس, وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث تجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث يريد بذلك استمالة الأحداث وشراب النبيذ ويستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون وقال كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا, وهو مع هذا من أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل انتهى.
وقد رد ابن قتيبة على الجاحظ وغيره من الملحدين الذين استهزءوا بما جاء في الحجر الأسود فقال وأما قولهم. إن كانت الخطايا سودته فيجب أن يبيض لما أسلم الناس, قال ابن قتيبة ولو شاء الله تعالى لفعل ذلك, قال: وبعد فإِنهم أصحاب قياس وفلسفة فكيف ذهب عليهم أن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ ولا يصبغ انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن المحب الطبري أنه قال في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة فإِن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد, قال وروي عن ابن عباس إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة, فإِن ثبت فهذا هو الجواب, قال الحافظ أخرجه الحميدي في فضائل مكة بإِسناد ضعيف انتهى.
وأما قوله ويبدو أن المخترعين لهذا الحديث قصدوا أن يقولوا أن الناس يقبلون يد الله ومثل ذلك يقبلون يد الشيوخ.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ليس الحديث في فضل الحجر الأسود مخترعا كما قد زعم ذلك عدو السنة, وقد تقدم الكلام في حديث ابن عباس ﵄ في فضل الحجر الأسود وبيان أنه صحيح الإِسناد, وتقدم أيضا الكلام في
стр. 346
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في فضل الحجر الأسود وبيان أن ابن خزيمة والحاكم صححاه وأن المنذري حسنه, وهذا يرد قول من زعم أنه حديث مخترع.
الوجه الثاني أن يقال لم يقل أحد من علماء المسلمين أن من قبل الحجر الأسود فقد قبل يد الله التي هي صفة من صفاته ومن زعم أن ذلك من أقوال المسلمين فقد افترى عليهم.
الوجه الثالث أن يقال معنى الحديث عند المسلمين أن من استلم الحجر الأسود وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه, قال ابن قتيبة هذا تمثيل وتشبيه, وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله ولا هو نفس يمينه لأنه قال «يمين الله في الأرض» وقال «فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه» ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به, ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله وأنه ليس هو نفس يمينه.
وقال شيخ الإِسلام أيضاً في الكلام على قوله «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» هذا اللفظ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو من صفات الله إذ قال «هو يمين الله في الأرض» فتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإِطلاق فلا يكون اليد الحقيقية, وقوله «فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا لله ولا مقبل ليمينه لأن المشبه ليس هو المشبه به, وقد أتى بقوله «فكأنما» وهي صريحة في التشبيه, وإذا كان اللفظ صريحاً في أنه جعل بمنزلة اليمين لا أنه نفس اليمين كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين انتهى.
الوجه الرابع أن يقال قد زعم المؤلف أن تقبيل أيدي الشيوخ مثل تقبيل الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض, وهذا خطأ كبير فإِن تقبيل الحجر الأسود سنة سنها رسول الله ﷺ ورغب فيها بقوله وفعله وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) وقال تعالى (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون). وفي الصحيحين وغيرهما أن عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحجر الأسود وقال «إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله
стр. 347
عليه وسلم يقبلك ما قبلتك».
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه انتهى.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا» رواه الإِمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄, ورواه أبو داود الطيالسي وابن خزيمة في صحيحه ولفظهما سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن مسحهما يحط الخطايا حطا» ورواه النسائي ولفظه سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن مسحهما يحطان الخطيئة» ورواه الترمذي والحاكم ولفظهما سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن مسحهما كفارة للخطايا» قال الترمذي هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وأما تقبيل أيدي الشيوخ ففي جوازه خلاف بين العلماء, قال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلا ورخص فيه أكثر العلماء كأحمد وغيره, وقال سليمان بن حرب هي السجدة الصغرى. وأما ابتداء الإِنسان بمد يده للناس ليقبلوها وقصده لذلك فهذا منهي عنه بلا نزاع كائنا من كان بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدي بذلك انتهى. ونقله عنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» قال وقال ابن عبد البر كان يقال تقبيل اليد إحدى السجدتين, وتناول أبو عبيدة ﵁ يد عمر ﵁ ليقبلها فقبضها فتناول رجله فقال ما رضيت منك بتلك فكيف بهذه, وقبض هشام بن عبد الملك يده من رجل أراد أن يقبلها وقال مه فإِنه لم يفعل هذا من العرب إلا هلوع ومن العجم إلا خضوع انتهى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٥) و (٦٦) ما نصه
خرافة تحديد الخلفاء والأمراء عدداً ونسبا من قريش ونسبة ذلك إلى النبي زوراً, روى الشيخان واللفظ للبخاري عن جابر بن سمرة, يكون اثنا عشر أميراً
стр. 348
كلهم من قريش, ورواية مسلم, لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا كلهم من قريش, ووقع عند أبي داود بلفظ, لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة. وملاحظ أن أكثر أحاديث المهدي جاءت عن جابر بن سمرة. وعند أحمد لا يزال هذا الأمر صالحا. وواقع عند أبي داود أخرجه البزار من حديث ابن مسعود أنه سئل من يملك هذه الأمة من خليفة قال سألنا عنها رسول الله فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل. وعن كعب الأحبار في كل وادٍ من ثعلبه يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال, وحتى نعلم أن هذه الأحاديث حبك للكلام وصناعة محددة لوضع الأمويين, فاسمع لهذا الحديث. أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود (وابن مسعود مظلوم ضروري) رفعة تدور رحى الإِسلام ٣٥ سنة أو ست وثلاثون أو سبع وثلاثون فإِن هلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعون عاما, وزاد الطبراني والخطابي أن الدجال تلده أمه (بقوص) أرض مصر وبين مولده ومخرجه ثلاثون عاماً, وفي رواية لمسلم أنه يخرج من أصبهان, وفي حديث الجساسة عند مسلم أنه محبوس بدير أو قصر في جزيرة في الشام أو بحر اليمن, وروى الحاكم وأحمد أنه يخرج بين الشام والعراق.
والجواب أن يقال هذا الكلام نقله المؤلف من كتاب أبي رية وقد وقع فيه تغيير وزيادة في بعض الكلمات, فمن ذلك قوله «وواقع عند أبي داود» وصوابه «ووقع عند أبي داود» ومنها قوله «رفعة» وصوابه «رفعه» ومنها قوله «أو ست وثلاثون أو سبع وثلاثون» وصوابه «أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين» ومنها قوله «سبعون عاما» وصوابه «سبعين عاما».
فأما قوله خرافة تحديد الخلفاء والأمراء عدداً ونسباً من قريش ونسبة ذلك إلى النبي زوراً.
فجوابه أن يقال إن المخرف والقائل بالزور في الحقيقة هو المؤلف الذي يهرف بما لا يعرف ويخبط خبط عشواء في معارضة الأحاديث الصحيحة وردها والاستهزاء بها ووصفها بالأوصاف السيئة.
وأما حديث جابر بن سمرة ﵄ في ذكر الأمراء الاثني عشر من قريش فهو حديث متفق على صحته ولا يرده إلا مكابر معاند وقد اختلف العلماء في معناه وذكروا في ذلك وجوها أرجحها ما وافق رواية أبي داود ولفظه «لا يزال هذا
стр. 349
الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة» فسمعت كلاما من النبي ﷺ لم أفهمه فقلت لأبي ما يقول قال «كلهم من قريش» وزاد في رواية فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال «ثم يكون الهرج».
وأما قوله وملاحظ أن أكثر أحاديث المهدي جاءت عن جابر بن سمرة.
فجوابه أن يقال ليس في أحاديث المهدي شيء عن جابر بن سمرة ﵄, وما زعمه المؤلف ههنا فهو من تخرصاته وظنونه الكاذبة, والصحيح من أحاديث المهدي مروي عن علي وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وجابر بن عبد الله ﵃, وقد ذكرتها في أول الجزء الثاني من «إتحاف الجماعة» فلتراجع هناك.
وأما ما نقله عن كعب الأحبار أنه قال يكون اثنا عشر مهديا إلى آخره.
فجوابه أن يقال هذا غير ثابت عن كعب قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري أنه واه جداً.
وأما قوله وعن كعب الأحبار في كل واد من ثعلبة.
فجوابه أن يقال يظهر من إيراد المؤلف لقوله في كل واد من ثعلبة أنه كان يرى أن هذه الجملة من كلام كعب الأحبار, ولا يستبعد ذلك منه لشدة غباوته وجهله, وهذه الجملة قد أوردها أبو رية مثلا في معرض الرواية عن كعب الأحبار فقال وعن كعب الأحبار «ولا بد من كعب الأحبار وفي كل واد أثر من ثعلبة» يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال. ومراد أبي رية بقوله وفي كل واد أثر من ثعلبة أن كعب الأحبار هو المتهم بوضع ما نقل عنه في خروج المهديين الاثني عشر ونزول عيسى ﵊ بعد ذلك وقتله الدجال, ولا يخفى ما في كلام أبي رية من التحامل على كعب الأحبار ورميه بما هو بريء منه.
وقد تقدم قول أبي الدرداء ﵁ أن عند ابن الحميري لعلماً كثيراً, وقول معاوية ﵁ ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده لعلم كالثمار - وفي رواية كالبحار - وإن كنا فيه لمفرطين, وتقدم أيضاً قول النووي أنهم اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه, وتقدم أيضاً قول الحافظ ابن حجر أنه ثقة, وفي هذا
стр. 350
أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وغيرهما من دجاجلة العصريين الذين قد جعلوا كعب الأحبار ووهب بن منبه غرضاً لسهامهم الخبيثة وسلما لرد الأحاديث الصحيحة واطراحها.
وأما قوله وحتى نعلم أن هذه الأحاديث حبك للكلام وصناعة محددة لوضع الأمويين.
فجوابه أن يقال من أكبر الخطأ وأسفه السفه معارضة المؤلف للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وزعمه أنها من حبك الكلام والصناعة المحددة لوضع الأمويين, وهذا الكلام من المؤلف يدل على شدة عداوته للسنة وأهلها.
وأما قوله أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود (وابن مسعود مظلوم ضروري) رفعه, تدور رحى الإِسلام ٣٥ سنة أو ست وثلاثون أو سبع وثلاثون فإِن هلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعون عاما.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن حديث ابن مسعود ﵁ صحيح رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه أن رسول الله ﷺ قال «تدور رحى الإِسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما» قال قلت أمما مضى أم مما بقي قال «مما بقي» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال الخطابي دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس, وقال ابن الأثير إن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان ﵁ وجرى فيها ما جرى وإن كانت ستا وثلاثين ففيها كانت وقعة الجمل وإن كانت سبعا وثلاثين ففيها كانت وقعة صفين انتهى.
وقوله «وإن يقم لهم دينهم» قال الخطابي يريد بالدين ههنا الملك, قال ويشبه أن يكون أريد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس وكان ما بين أن استقر الأمر لبني أمية إلى أن ظهرت الدعوة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيهم نحواً من سبعين سنة انتهى.
стр. 351
وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» عن البيهقي أنه قال بلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين, ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي. وأراد بالسبعين ملك بني أمية فإِنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه نحواً من سبعين سنة انتهى.
الوجه الثاني أن يقال إن الظالم في الحقيقة هو المؤلف الذي قد تهجم على الأحاديث الصحيحة بجهله وقلة عقله فإِنه قد ظلم ابن مسعود ﵁ بتكذيبه لحديثه الثابت عن النبي ﷺ , وظلم جميع رواة الحديث والمخرجين له من الأئمة الذين تقدم ذكرهم حيث زعم أنهم قد ظلموا ابن مسعود ﵁ وذلك كذب وافتراء عليهم.
وأما قوله وزاد الطبراني والخطابي أن الدجال تلده امه (بقوص) أرض مصر وبين مولده ومخرجه ثلاثون عاما.
فجوابه أن يقال هذا الكلام قد نقله المؤلف من كتاب أبي رية ولم يحسن النقل ولا الاختصار. وذلك أن أبا رية ذكر في صفحة ٢٣٥ من الطبعة الثالثة لكتابه ما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا «تدور رحى الإِسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإِن هلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما» ثم قال أبو رية زاد الطبراني والخطابي فقالوا سوى ما مضى قال «نعم» , ثم ذكر أبو رية في صفحة ٢٣٨ ما جاء في الدجال وقال فيه وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب «أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة» وقد جاء المؤلف المخرف فلفق بين حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره وبين ما رواه نعيم بن حماد في الدجال وجعلهما حديثا واحداً وفي هذا التلفيق أوضح دليل على غباوة المؤلف وكثافة جهله.
وأما قوله وفي رواية لمسلم أنه يخرج من أصبهان.
فجوابه أن يقال ليست هذه الرواية عند مسلم وإنما رواها الطبراني بإِسناد ضعيف من حديث فاطمة بنت قيس ﵂, ورواه الإِمام أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث أنس بن مالك ﵁ وفي إسناده مقال, ورواه الإِمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها
стр. 352
ورواه الطبراني أيضاً من حديث عمران بن حصين ﵄ وإسناده ضعيف, ورواه الحاكم من حديث حذيفة ﵁ وإسناده ضعيف.
وأما قوله وفي حديث الجساسة عند مسلم أنه محبوس بدير أو قصر في جزيرة في الشام أو بحر اليمن.
فجوابه أن يقال قد جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال مخبراً عن الدجال «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن, لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو» وأومأ بيده إلى المشرق, وقد اختصر المؤلف ما جاء في هذه الرواية اختصاراً أخل بالرواية وذهب بالفائدة.
وأما قوله وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج بين الشام والعراق.
فجوابه أن يقال ليس المراد بما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ أن أول خروج الدجال يكون فيما بين الشام والعراق وإنما المراد به تعيين الطريق التي يخرج منها الدجال إلى أرض العرب وقد أوضح النبي ﷺ ذلك بقوله «انه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا» وفي حديث جبير بن نفير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في الدجال «ألا وإني رأيته يخرج من خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وشمالا يا عباد الله اثبتوا» ثلاثا رواه الطبراني والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
ويظهر من إيراد المؤلف للروايات التي جاءت في الدجال أنه قد ظن بها التعارض في الموضع الذي يخرج منه الدجال, ولا تعارض بينها, فأما ما رواه نعيم بن حماد من طريق كعب أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر فهذا لا أصل له ولا تعارض به الأحاديث المرفوعة, وأما باقي الروايات فهي متفقة ففي حديث فاطمة بنت قيس ﵂ النص على أنه من قبل المشرق, وفي الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعا «إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان» وفي الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعا «يخرج الدجال من
стр. 353
يهودية أصبهان» وأصبهان مدينة بالمشرق, وأما ما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ فالمراد بذلك تعيين طريق الدجال التي يخرج منها إلى أرض العرب والله أعلم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦٦) ما نصه
أحاديث أشراط الساعة وكلام الأستاذ رشيد رضا عنها, في صفحة ٢٤١, ٢٤٢, ٢٤٣ من كتاب أضواء على السنة المحمدية, وكلام من أهم ما يثبت براءة النبي من تلك الأحاديث.
والجواب أن أقول هذا كلام المؤلف في هذا الموضع, وأما إمامه في الضلال وقائدة إلى مهاوي الهلاك وهو أبو رية فقد قال في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض ما ملخصه.
«كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة وأمثالها».
انتهى رشيد رضا في تفسيره بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأماراتها مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدي وغير ذلك إلى هذه النتائج - ثم ذكر من نتائجه أن النبي لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله بعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه, ومنها أن أكثر الأحاديث قد روي بالمعنى, ومنها أن زنادقة اليهود والفرس وغيرهم من أهل الابتداع والعصبيات قد وضعوا أحاديث كثيرة افتروها وزادوا في بعض الآثار المروية دسائس دسوها وراج كثير منها بإظهار رواتها للصلاح والتقوى, ومنها أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم, وما كل مؤمن صادق وقد كان في عهد النبي منافقون.
وأقول هذا حاصل النتائج من كلام رشيد رضا, ثم قال رشيد فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف سنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالاً فالأصل فيها الصدق, ومن ارتاب في شيء منها أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالا في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية لاحتمال كونها من دسائس الإِسرائيليات أو خطأ الرواية بالمعنى وإذا لم يكن شيء منها ثابتاً بالتواتر القطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق
стр. 354
الرسول ﷺ المعلوم بالقطع ولا على غير ذلك من القطعيات.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال من أكبر الخطأ طعن رشيد رضا في أحاديث أشراط الساعة وأماراتها وغير ذلك من الأحاديث التي طعن فيها بغير حجة وهذا مما نقمه أهل العلم على رشيد رضا, وقد رد عليه غير واحد من المعاصرين له, ومنهم تلميذه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في ضمن رده على أبي رية فقد قال في صفحة ٢٣٦ وصفحة ٢٣٧ من كتابه المسمى «ظلمات أبي رية» ما نصه.
«ونقل أبو رية (ص: ٢١٥) تحت عنوان (كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة وأمثالها) كلمة في نحو صفحتين عن السيد رشيد رضا من تفسيره ص ٥٠٤ - ٥٠٧ ج ٩ فيما جاء من الأحاديث في أشراط الساعة وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وغيرها, شكك فيها بأن الرواة رووها بالمعنى - يعني ويجوز الخطأ عليهم فيما فهموه من كلام النبي ﷺ , وأن الصحابة كان فيهم منافقون وفي الرواة وضاعون تظاهروا بالصلاح فلم يعرف ما وضعوه إلا بعد توبة بعضهم وإقراره بما وضع - إلى آخر ما هو دفع في صدر الأحاديث الصحيحة وعجزها وإِضعاف الثقة بها والاحتجاج بما جاءت به.
«ونقول كلمة موجزة في سبب هذا التشكيك من السيد رشيد. تخرج على أستاذه الإِمام الشيخ محمد عبده الذي تمهر في فلسفه القرن الثامن عشر والتاسع عشر ورضعا جميعا لبان فلسفة جوستاف لوبون وكانت ونتشه وسبنسر وغيرهم من أساطين الفلسفة المادية التي تقول بجبرية الأسباب والمسببات وأن العالم يسير بنواميس لا يمكن أن تختلف أو أن ينفك مسبب عن سببه عقلا, فلم تتسع الفلسفة المادية في تفكيرهما للإِيمان بالمعجزات والخوارق من انشقاق البحر لموسى والعصا له وآيات عيسى بن مريم ورفعه للسماء ونزوله وخروج الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وانشقاق القمر وغيرها من الآيات.
«ولما لم تتسع فلسفتهما - فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر - لهذه الخوارق والآيات والمعجزات أخذا في تأويلها في القرآن والشك في أحاديثها.
«ولو عاش الإِمامان الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا إلى منتصف القرن العشرين وعلما فلسفته التي نفت الجبرية وأنها ذهبت إلى غير رجعة وأن العالم مسير بحكمة فاعل مختار لا بجبرية حتمية كما أعلن ذلك مشرفة باشا في مقال له «تطور
стр. 355
العلم» , والعالم الطبيعي الفلكي الإِنكليزي جنز في كتابه «الكون الخفي» أو المستور, ورئيس الأكاديمية الأمريكية في نيويورك صاحب كتاب «الإِنسان لا يقوم وحده» الذي يرد على هكسلي خليفة دراون في كتابه «الإِنسان يقوم وحده» وقد عرب كتاب «الإِنسان لا يقوم وحده» باسم «العلم يدعو إلى الإِيمان».
«أقول لو عاش الإِمامان إلى هذا التجديد في الفلسفة الغربية لكان لهما رأي آخر في آيات الأنبياء وخوارقهم ومعجزاتهم, ولكان لهم إيمان وفرح بأحاديث أشراط الساعة والخوارق ولاستفادا منها علوما نفيسة من الوحي الإلهي.
«ولو كان لأبي رية أن يعرف تطور العلم وانهدام مادية القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحلول فلسفة القرن العشرين محلها لكان يستحي من نفسه أن يقلد نظرية خاطئة محاها الزمان وطمسها ويرد بها صحيح الأحاديث ويشكك فيها.
ثم قال محمد عبد الرزاق حمزة, أنا تلميذ السيد رشيد رضا واستفدت منه ما أشكر الله عليه وأشكر أستاذي على ذلك وأترحم عليه لأجله ولكن ذلك لا يمنعني أن أخالفه إلى ما يظهر لي من الحق كما قال أحد الحكماء عن شيخه أنه يحبه والحق أحب إليه من شيخه انتهى.
وقال الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة أيضا في صفحة ٢٧١ ولقد ذكرنا فيما مضى أن الأستاذ الإِمام قد رضع فلسفة القرن التاسع عشر والثامن عشر التي كانت شائعة في أوربا في عصره, وكان أساطينها أمثال كانت وجوستاف لوبون وسبنسر وجوته وغيرهم فتعارضت عنده مع ما جاء على ألسنة الرسل من ذكر السحر والجن والشياطين وخوارق المعجزات فأراد أن يجمع بين تلك الفلسفة المادية التي تجعل الكون آلة تسيرها سنن لا تنخرم ولا تتخلف, وبين ما أثبتته الأديان من معجزات الأنبياء والرسل فذهب يؤولها حتى تنسجم مع ما رضع من فلسفة الماديين.
وذكر الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة أيضاً في صفحة ٢٧٤ أن السيد رشيد حاول تأويل بعض الأحاديث وهي ما كانت تشكل عليه في الجمع بينها وبين تفكيره العصري الذي أخذه عن شيخه الأستاذ الإِمام عن فلسفة القرن التاسع عشر وما قبله من الفلسفة المادية التي لا تجتمع مع ما جاءت به الديانات انتهى.
وممن رد على رشيد رضا أيضاً تلميذه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الجزء