← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17337

الرد القويم على المجرم الأثيم

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (363 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فجوابه أن يقال هكذا قال المؤلف «الأولون» وصوابه «الأولين» وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الفصل, وقد اقتصر المؤلف تبعاً لأبي رية على هذه القطعة من كلام ابن قتيبة لأن غاية قصدهما سب أبي هريرة ﵁ وإلصاق العيوب به. وقد أجاب ابن قتيبة عن ذلك بقوله فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ لخدمته وشبع بطنه وكان فقيراً معدماً وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله ﷺ غرس الودي ولا الصفق بالأسواق, يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات وهو ملازم له لا يفارقه فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا - أمسكوا عنه انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أنكر على أبي هريرة ﵁ كثرة الرواية إلا ابن عمر وعائشة ﵄. وقد تقدم ذكر ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل وفيه أن ابن عمر ﵄ قال أكثر أبو هريرة على نفسه فقيل له هل تنكر شيئاً مما يقول قال لا, وتقدم أيضاً عن ابن عمر ﵄ أنه اعترف لأبي هريرة ﵁ بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ وأعلمهم بحديثه, وتقدم عن عائشة ﵂ أنها قالت لأبي هريرة ﵁ أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ فقال إنه والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله. وفي رواية أن أبا هريرة ﵁ لما قال لعائشة ﵂ يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله ﷺ وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء. فسكتت. وهذا يدل على إقرارها لأبي هريرة ﵁ بالحفظ. قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» إن أبا هريرة كان شديد التواضع, وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه, ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة فإِن المريب جبان, وسكوت عائشة بل قولها «لعله» أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة, هذا وحجة أبي هريرة واضحة فإِن عائشة لم تكن ملازمة للنبي ﷺ بل انفردت عن الرجال بصحبته ﷺ في الخلوة, وقد انفردت

стр. 282

بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد ولم يقل أحد - ولا ينبغي أن يقول - إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي ﷺ مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جداً بالنسبة إلى رواية عائشة انتهى. وأما قوله وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي وغيرهم. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذا من أكاذيب النظام ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل ذلك أبو رية في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض ورد عليه العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة وإنما حكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة «وجدنا النظام شاطراً من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات, ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل وللإجماع وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة, فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند, ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أو واحد منهم رمي لأبي هريرة بتعمد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا ينقل إلا بدعاوي من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة, وقد تقدم ثناء بعض الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه, وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره, وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم وفي كثير منها ما هو طعن في النبي ﷺ , والحكم في ذلك واحد وهو تكذيب تلك الحكايات البتة انتهى. الوجه الثاني أن يقال إن عمر ﵁ قد استعمل أبا هريرة على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فأبى قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه فقال أبو هريرة لست بعدو الله ولا عدو كتابه ولكن عدو من عاداهما فقال فمن أين هي لك قال خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي فنظروا فوجدوه كما قال فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله

стр. 283

فأبى أن يعمل له فقال له تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك طلبه يوسف ﵇ فقال إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة وأخشى ثلاثاً واثنتين قال عمر فهلا قلت خمساً قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم أو يضرب ظهري وينزع مالي ويشتم عرضي. وفي استعمال عمر ﵁ لأبي هريرة ﵁ أبلغ رد على من زعم أن عمر وعثمان وعلياً ﵃ اتهموا أبا هريرة ﵁ بالكذب لأنه لو كان متهماً عند عمر ﵁ لما استعمله فإِنه لم يكن متساهلاً في أمر الولاة بل كان بغاية الحزم والتدقيق عليهم ولم يكن يولي أحداً من المتهمين بالكذب ولو كان أبو هريرة ﵁ متهماً بالكذب عند عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃ لكانوا ينكرون توليته ويتكلمون فيه عند عمر ﵁, ولما لم يوجد منهم إنكار لتوليته دل ذلك على أنه لم يكن متهماً عندهم. وأما قول مصطفى الرافعي في أبي هريرة ﵁ أنه أول راوية اتهم في الإِسلام. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذه كلمة بشعة جداً وهي تنم عما في قلب قائلها من الغيظ على أبي هريرة ﵁ والبغض له, وقد تقدم في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ دعا لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين ودعاء النبي ﷺ مستجاب بلا شك, ويستفاد من هذا الحديث أنه لا يبغض أبا هريرة ﵁ أحد في قلبه إيمان. الوجه الثاني أن يقال إنما يتهم أبا هريرة ﵁ من أعمى الله قلوبهم من الخوارج والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية ومن يقلدهم ويأخذ بأقوالهم من المتقدمين والمتأخرين. ومنهم مصطفى الرافعي وأبو رية والمؤلف وكثيرون سواهم من شرار العصريين الذين قد جعلوا أبا هريرة ﵁ غرضاً للطعن والتنقص, وقد تقدم قريباً كلام ابن خزيمة في ذم المتكلمين في أبي هريرة ﵁ وأنه لم يتكلم فيه إلا أهل البدع وأتباعهم فليراجع (١). فأما أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والهدى فلم

стр. 284

يثبت عن أحد منهم أنه اتهم أبا هريرة ﵁. وقد تقدمت الآثار عن بعض الصحابة ﵃ في الثناء على أبي هريرة ﵁ ووصفه بالحفظ وفيها أبلغ رد على من زعم أنه أول راوية اتهم في الإِسلام (١). وأما قوله ولما قالت عائشة إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي - ص - أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها كما رواه ابن سعد والنجار «صوابه البخاري» وابن كثير وغيرهم شغلك عنه - ص - المرآة والمكحلة, وفي رواية ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عنه. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ليس في جواب أبي هريرة ﵁ لعائشة ﵂ ما يخل بالأدب والوقار إذ ليس فيه بذاء ولا فحش وليس في ذكر اشتغال المرأة بالمرآة والمكحلة والخضاب ما تستحي منه المرأة وتخجل من ذكره حتى يقول المبطلون إن ذكر أبي هريرة ﵁ لذلك لا أدب فيه ولا وقار. وقد تقدم في أثناء الفصل الذي قبل هذا الفصل أن أبا هريرة ﵁ لما قال لعائشة ﵂ إنه والله ما كانت تشغلني عن النبي ﷺ المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله - أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة - وفي رواية أنها سكتت, وهذا يدل على أنها لم تر فيما قاله أبو هريرة ﵁ بأسا. ولو كان في كلامه ما يخل بالأدب والوقار لأنكرت ذلك عائشة فإِنها كانت معروفة بالصرامة وقوة العارضة. الوجه الثاني أن يقال إن سوء الأدب وعدم الوقار في الحقيقة هما في مكابرة المؤلف وأبي رية في رد الحديث الصحيح الدال على تفضيل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام, وقد زعما أن هذا الحديث موضوع مع أنه ثابت في الصحيحين من حديث أنس ابن مالك ﵁, ومروي أيضاً في غير الصحيحين عن أنس بن مالك وأبي موسى وعائشة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وقرة بن إياس المزني ﵃, وأسانيد هذه الأحاديث ما بين صحيح وحسن, وقد تقدم إبرادها في أثناء الكتاب فلتراجع (٢) ففيها أبلغ رد على المؤلف وأبي رية.

стр. 285

وقد جمع المؤلف وأبو رية بين سوء الأدب على رسول الله ﷺ وسوء الأدب على عائشة ﵂, فأما سوء أدبهما على النبي ﷺ فيتجلى ذلك في رد الحديث الثابت عنه ﷺ وقلة المبالاة به, وأما سوء أدبهما على عائشة ﵂ فيتجلى ذلك في إنكار ما خصها الله به من التفضيل على النساء. وأما قوله ثم عاد بعد ذلك واعترف بأنها أعلم منه في حديث «من أصبح جنبا لا صيام له» عندما واجهته بأن النبي - ص - كان يصبح جنبا وهو صائم فتراجع وقال إنه سمعه من الفضل وكان الفضل بن عباس قد مات, وقصة ذلك في صفحة ٢٨ من تأويل الحديث. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال هذا من أقوال النظام التي طعن بها على أبي هريرة ﵁ ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل أبو رية كلام النظام من كتاب ابن قتيبة ولم يذكر أنه من كلام النظام فأوهم من لا علم لهم أنه من كلام ابن قتيبة وقد نقله المؤلف من كتاب أبي رية واختصره وغير فيه بعض الكلمات ولم يذكر أنه من أقوال النظام. وفي هذا أوضح دليل على أنه لا أمانة لأبي رية ولا للمؤلف, وقد ذكر ابن قتيبة قبل هذا الكلام أقوالاً للنظام يطعن بها على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة ﵃, وقد رد عليه ابن قتيبة فقال, هذا قوله في جلة أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله في كتابه الكريم (محمد رسول الله والذين معه) إلى آخر السورة. قلت وفي آخر الآية وهو قوله تعالى (ليغيظ بهم الكفار) أوضح دليل على كفر من يغتاظ من أصحاب رسول الله ﷺ , وقد تقدم عن الإِمام مالك أنه قال من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية, ومن تأمل أقوال النظام في الطعن على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة ﵃ لم يشك أنها فيض مما في قلبه من الغيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فالله يجازيه على ذلك بعدله. ثم قال ابن قتيبة ولم يسمع بقوله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم) ولو كان ما ذكرهم به

стр. 286

حقا لا مخرج منه ولا عذر فيه ولا تأويل له إلا ما ذهب إليه لكان حقيقا بترك ذكره والإِعراض عنه إذ كان قليلا يسيراً مغمورا في جنب محاسنهم وكثير مناقبهم وصحبتهم لرسول الله ﷺ وبذلهم مهجهم وأموالهم في ذات الله تعالى. ثم رد ابن قتيبة على أقوال النظام رداً مفصلا فليراجع ذلك في أول كتابه «تأويل مختلف الحديث». الوجه الثاني أن يقال إن أبا هريرة ﵁ كان يفتي بما رواه عن الفضل بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ» رواه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين. ولما أخبره عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا «كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم» قال أبو هريرة ﵁ هما أعلم ورجع عن قوله. وقوله هما أعلم أي بهذه القضية لأنهما أخبرتاه عن النبي ﷺ بشيء لا يطلع عليه إلا نساؤه وهو أنه كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم. قال النووي في شرح مسلم لعل سبب رجوعه أنه تعارض عنده الحديثان فجمع بينهما وتأول أحدهما وهو قوله من أدركه الفجر جنباً فلا يصم وفي رواية مالك أفطر فتأوله على ما سنذكره من الأوجه في تأويله إن شاء الله تعالى. فلما ثبت عنده أن حديث عائشة وأم سلمة على ظاهره وهذا متأول رجع عنه وكان حديث عائشة وأم سلمة أولى بالاعتماد لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما ولأنه موافق للقرآن فإِن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر قال الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) والمراد بالمباشرة الجماع ولهذا قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم) ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنباً ويصح صومه لقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وإذا دل القرآن وفعل رسول الله ﷺ على جواز الصوم لمن أصبح جنباً وجب الجواب عن حديث أبي هريرة عن الفضل عن النبي ﷺ . وجوابه من ثلاثة أوجه أحدها أنه إرشاد إلى الأفضل فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز وهذا مذهب أصحابنا وجوابهم عن الحديث, والجواب الثاني لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوع

стр. 287

الفجر عالما فإِنه يفطر ولا صوم له, والثالث جواب ابن المنذر فيما رواه عنه البيهقي أن حديث أبي هريرة منسوخ وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرماً في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرماً ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه, قال ابن المنذر هذا أحسن ما سمعت فيه والله أعلم انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وإلى دعوى النسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنباً ولا يفسد صومه فإِن إباحة التسبب للشيء إباحة لذلك الشيء, قال ابن حجر وهذا أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين, ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما في حديث عائشة وأم سلمة ﵄ من الفوائد ومنها ترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الإِطلاع دون الرجال على مروي الرجال لعكسه. وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه, وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه, فيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة وإنما بينها لما وقع من الاختلاف انتهى. الوجه الثالث أن يقال وأي بأس في تحديث أبي هريرة ﵁ بما رواه عن الفضل بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ولو كان تحديثه بذلك بعد موت الفضل, فأبو هريرة ﵁ مأمون في روايته عن الفضل والفضل ﵁ مأمون في روايته عن النبي ﷺ , وقد كان الصحابة ﵃ يروون ما سمعوه من النبي ﷺ ويروون ما سمعه بعضهم من بعض عن النبي ﷺ ولا يذكرون الواسطة بينهم وبين النبي ﷺ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول بالاتفاق وأهل صدق وأمانة في روايتهم عن النبي ﷺ وفي رواية بعضهم عن بعض, وقد قرر الحافظ ابن حجر في فتح الباري صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة ﵃, قال لأن الواسطة بين الصحابي وبين النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 288

مقبول اتفاقا وهو صحابي آخر, ذكر ذلك في الباب الرابع من كتاب العلم, وقرر في أول كتاب بدء الوحي أن مرسل الصحابة محكوم بوصله عند الجمهور. الوجه الرابع أن يقال يظهر من كلام المؤلف أنه أراد الطعن في رواية أبي هريرة ﵁ عن الفضل بن عباس ﵄ من أجل أن الفضل كان ميتا حين حدث أبو هريرة بالحديث عنه, وقد نقل المؤلف هذا الطعن من كتاب أبي رية ونقله أبو رية من كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة, وهو من أقوال النظام التي طعن بها على أبي هريرة ﵁ ورد عليه ابن قتيبة بما تقدم ذكره قريبا. وقال ابن قتيبة أيضاً وكان - يعني أبا هريرة ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ كذا وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه. وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع - جناح إن شاء الله انتهى كلام ابن قتيبة. وأما قوله ولما روى حديث «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإِناء فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به وقالت كيف نصنع بالمهراس, والمهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤنه ماءاً ويتطهرون منه. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن ذكر عائشة ﵂ في هذا الحديث خطأ من أبي رية وقد تبعه المؤلف على خطئه فصار مثله مع أبي رية كمثل أعمى يقوده أعمى فترديا جميعا في هوة الهلاك, وسيأتي أن الذي عارض الحديث برأيه هو قيس الأشجعي, فأما عائشة ﵂ فلم يرو عنها أنها عارضت هذا الحديث أو تكلمت فيه بشيء. الوجه الثاني أن يقال إن عائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ نحو ما رواه أبو هريرة ﵁ كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى, وفي هذا أبلغ رد على المؤلف وأبي رية حيث زعما أن عائشة ﵂ عارضت حديث أبي هريرة ﵁. الوجه الثالث أن يقال إن حديث أبي هريرة ﵁ حديث صحيح لا يتطرق إليه الطعن بوجه من الوجوه, وقد رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد

стр. 289

والبخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة وغيرهم أن النبي ﷺ قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثا فإِنه لا يدري أين باتت يده» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, قال وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعائشة, وفي بعض الروايات لأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات فإِنه لا يدري أين باتت يده» ورواه مسلم بنحوه, ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بنحو ذلك إلا أنهم قالوا «حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا» وزاد أحمد في روايته الأخيرة فقال قيس الأشجعي يا أبا هريرة فكيف إذا جاء مهراسكم قال أعوذ بالله من شرك يا قيس, وقد رواه البيهقي في سننه وقال فقال له قيس الأشجعي فإِذا جئنا مهراسكم هذا فكيف نصنع به فقال أبو هريرة ﵁ أعوذ بالله من شرك. قلت وإنما تعوذ أبو هريرة ﵁ من شره لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وتعوذ بالله من شره. وقد قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا وإذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره انتهى. الوجه الرابع أن يقال إن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد برواية هذا الحديث بل قد رواه ابن عمر وجابر وعائشة ﵃ وقد ذكر ذلك الترمذي تعليقا كما تقدم ذكره. فأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه ابن ماجه في سننه قال قال رسول الله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها» إسناده صحيح على شرط مسلم, وقد رواه الدارقطني في سننه بإِسناد صحيح على شرط مسلم ولفظه «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإِنه لا يدري أين باتت يده منه أو أين طافت يده» فقال له رجل أرأيت إن كان حوضا فحصبه ابن عمر وقال أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول أرأيت إن كان حوضاً, قال الدارقطني إسناده حسن, وقد رواه البيهقي في سننه من طريق الدارقطني فذكره بمثله.

стр. 290

قلت وإنما حصبه ابن عمر ﵄ لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وحصبه. وأما حديث جابر ﵁ فرواه ابن ماجه والدارقطني في سننيهما قال قال رسول الله ﷺ «إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها فإِنه لا يدري أين باتت يده ولا على ما وضعها» قال الدارقطني إسناده حسن. وأما حديث عائشة فرواه أبو داود الطيالسي في مسنده قال حدثنا ابن أبي ذئب حدثني من سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «من استيقظ من منامه فلا يغمس يده في طهوره حتى يفرغ على يده ثلاث غرفات ولم يكن رسول الله ﷺ يفعل ذلك حتى يفرغ على يده ثلاثاً». الوجه الثالث أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يفرغ على يديه فيغسلهما ثلاث قبل الوضوء, رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن عفان ﵁. ورواه الإِمام أحمد أيضا وأهل السنن من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ورواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ﵁, وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ومن لم يتأس بالرسول ﷺ فليس بمؤمن, ومن عارض الأحاديث الصحيحة برأيه أو رأي غيره فهو على شفا هلكة. وأما قوله ولما سمع الزبير بن العوام أحاديثه قال صدق كذب (١٠٩ جـ البداية والنهاية). فجوابه أن يقال قد تقدم الحديث بذلك قريباً (١) وفيه أن عروة قال لأبيه يا أبت ما قولك صدق كذب قال يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه.

стр. 291

فعلم من هذا أن الزبير ﵁ قد صدق أبا هريرة ﵁ فيما رواه عن النبي ﷺ وإنما خطأه في وضعه لبعض الأحاديث على غير مواضعها أي حملها على غير محملها, والخطأ في تفسير بعض الأحاديث وبيان معانيها قد يقع من بعض كبار العلماء ولا إثم في ذلك لقول النبي ﷺ «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄, وإنما يكون الإِثم في افتراء الكذب لقول الله تعالى (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) والصحابة ﵃ منزهون عن افتراء الكذب فكلهم عدول بالاتفاق وأهل صدق وأمانة فرضي الله عنهم وأرضاهم, وأبعد الله من أبغضهم ومن تنقصهم ومن رماهم بما هم برءاء منه. وقد قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في خطبة أبي بكر الصديق ﵁, إنكم تقرؤن هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه» فالوضع على غير الموضع ليس بتغيير اللفظ فإِن الناس لم يغيروا من لفظ الآية شيئاً, وإنما هو الحمل على المحمل الحقيقي «هكذا هو في الأنوار الكاشفة على المحمل الحقيقي» ولعله خطأ مطبعي والصواب «وإنما هو الحمل على غير المحمل الحقيقي» ومثال ذلك في الحديث أن يذكر أبو هريرة حديث النهي عن الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاث, وحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت, فيرى الزبير أن النهي عن الادخار إنما كان لأجل الدافة, وأن النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان إذ كانوا حديثي عهد بشرب الخمر لأن النبيذ في تلك الآنية يسرع إليه التخمر فقد يتخمر فلا يصبر عنه حديث العهد بالشرب ونحو ذلك, وأن أبا هريرة إذا أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه وذلك وضع له على غير موضعه ففي القصة شهادة الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل, فأما ما أخذه عليه فلا يضره فإِن في الأحاديث الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وقد يعلم الصحابي هذا دون ذلك فعليه أن يبلغ ما سمعه, والعلماء بعد ذلك يجمعون الأحاديث والأدلة كلا منها بحسب ما يقتضيه مجموعها انتهى.

стр. 292

وأما قوله وأنكر عليه ابن مسعود قوله عن غسل ميتا ومن حمله فليتوضأ وقال فيه قولا شديداً ثم قال يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال قد أسقط المؤلف تبعا لأبي رية قوله «فليغتسل» بعد قوله «من غسل ميتا» ولو كان عند المؤلف أدنى معرفة لتنبه لما أسقطه أبو رية من الحديث ولكنه أعمى البصيرة يسير خلف أعمى البصيرة ويقلده. الوجه الثاني أن يقال قد ذكر ابن عبد البر هذا الأثر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بدون إسناد, وما ليس له إسناد صحيح فليس بمقبول, وقد روى البيهقي في سننه عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «إن كان صاحبكم نجسا فاغتسلوا وإن كان مؤمنا فلم نغتسل من المؤمن» قال البيهقي إسناده ليس بالقوي. هذا ما رأيته مروياً عن ابن مسعود ﵁ وما رأيت غيره, وليس فيه ذكر لأبي هريرة ﵁ فضلا عن الإِنكار والقول الشديد الذي زعمه المؤلف تقليداً لأبي رية. قوله نجسا أي كافراً لقول الله تعالى (إنما المشركون نجس). الوجه الثالث أن يقال إن حديث أبي هريرة ﵁ قد رواه أبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه أن رسول الله ﷺ قال «من غسَّل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» وقد روى الإِمام أحمد وابن ماجه منه قوله «من غسل ميتا فليغتسل» وإسناد كل منهما صحيح, ورواه الترمذي ولفظه «من غسله الغسل ومن حمله الوضوء» يعني الميت, قال الترمذي حديث حسن, وقد روي عن أبي هريرة موقوفا قال وفي الباب عن علي وعائشة. قلت أما حديث علي ﵁ فرواه الشافعي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وأبو داود السجستاني والنسائي وعبد الله بن الإِمام أحمد في زوائد المسند وأبو يعلى والبزار والبيهقي قال لما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت إن عمك الشيخ قد مات قال اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال فواريته ثم أتيته قال اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال فاغتسلت ثم أتيته قال فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها, قال وكان علي إذا غسل الميت اغتسل, هذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين ولفظ ابنه عبد الله

стр. 293

قال الحافظ ابن حجر في التلخيص مدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه وقد قال الرافعي إنه حديث ثابت مشهور انتهى. وأما حديث عائشة ﵂ فرواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والحاكم في مستدركه والبيهقي أن النبي ﷺ «كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة وغسل الميت» هذا لفظ أبي داود, وعند ابن خزيمة والحاكم قال «يغتسل من أربع» وعند الدارقطني «الغسل من أربع» وذكرها, قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وفيما قالاه نظر لأن في إسناد الحديث مصعب بن شيبة الحجبي ولم يخرج له البخاري وإنما خرج له مسلم وحده فالحديث على شرط مسلم وليس على شرط البخاري. وفي الباب أيضاً عن أبي سعيد وحذيفة بن اليمان ﵄ ذكره عنهما البيهقي في سننه, وفي الباب أيضا عن المغيرة بن شعبة ﵁ رواه الإِمام أحمد في مسنده. وقد قال الحافظ بن حجر في التلخيص في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁ وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإِنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف بل قدموا رواية الرفع انتهى. وقد مال الحافظ ابن حجر إلى أن الأمر فيه للندب, وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في «تهذيب السنن» لحديث أبي هريرة ﵁ أحد عشر طريقا. ثم قال وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ, قال وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب أحدها أن الغسل لا يجب على غاسل الميت وهذا قول الأكثرين الثاني أنه يجب وهذا اختيار الجوزجاني ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري وهو قول أبي هريرة ويروى عن علي ﵁, الثالث وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم وهو رواية عن الإِمام أحمد لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ أمره بالغسل انتهى. قلت وأرجح الأقوال أن الأمر للندب والله أعلم.

стр. 294

فصل وقال المؤلف في صفحة (٦٠) وصفحة (٦١) ما نصه: رأي أبو حنيفة وهو أقرب الأئمة من عصر الصحابة وفتواه في قضية الحديث وفي أبي هريرة, روى أبو يوسف قال قلت لأبي حنيفة الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف قياسنا ما نصنع به فقال إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي فقلت ما تقول في رواية أبي بكر وعمر, قال ناهيك بهما فقلت وعلي وعثمان قال كذلك فلما رآني أعد الصحابة قال والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك. هذا هو رأي أبو حنيفة المولود سنة ٨٠ هـ والمتوفى ١٥٠ هـ وهو أقرب الأئمة إلى زمن الصحابة ولجلال قدره سمي بالإِمام الأعظم, وعلته في أنس أنه اختلط في آخر عمره بفاعلية السن والله أعلم بنيته وقصده, والتحقيق المفصل في ص ٢٠٥ من أضواء على السنة. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال هكذا قال المؤلف «رأي أبو حنيفة» في موضعين وصوابه «رأي أبي حنيفة» ولو أن المؤلف أقبل على تعلم النحو حتى يعرف الفرق بين المرفوع والمخفوض ويتجنب اللحن في كتاباته لكان خيراً له من الاشتغال بسب أصحاب رسول الله ﷺ والطعن فيهم بأكاذيب الروافض وأشباه الروافض ممن ليس لهم دين يحجزهم عن البهتان وقول الزور. الوجه الثاني أن يقال لا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول, قال النووي كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد بهم من علماء المسلمين انتهى, وقد ذكرت قريباً ما ذكره الحاكم في المستدرك عن الإِمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار وهم إما معطل جهمي وإما خارجي أو قدري أو جاهل مقلد بلا حجة ولا برهان. قلت وكذلك لا يتكلم في أنس بن مالك وغيره من الصحابة ﵃ إلا أناس قد أعمى الله قلوبهم من أهل الزيغ والضلال ومن يقلدهم من جهلة العصريين, وقد قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال الأنصاري حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر ﵁ لما استخلف بعث إلى أنس بن

стр. 295

مالك ﵁ ليوجهه إلى البحرين على السعاية قال فدخل عليه عمر ﵁ فقال إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين على السعاية وهو فتى شاب فقال ابعثه فإِنه لبيب كاتب قال فبعثه انتهى. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك انتهى. وفي هذا أبلغ رد على من طعن في عدالة أنس بن مالك ﵁ لأن أبا بكر وعمر ﵄ بعثاه على السعاية وائتمناه عليها وشكراه في ذلك وكفى بذلك تعديلا له ورداً على من طعن في عدالته. الوجه الثالث قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في الرد على أبي رية فيما ذكره عن أبي يوسف أنه روى عن أبي حنيفة ما تقدم ذكره. «أقول لم يذكر مصدره وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه». هكذا قال المعلمي «عادته الحميدة» وهذا من باب التهكم بأبي رية, والأولى أن يقال «عادته الخبيثة» لأن هذه الصفة مطابقة لأبي رية وعاداته غاية المطابقة, قال المعلمي «ثم وجدت مصدره وهو شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٣٦٠ عن أبي جعفر الإِسكافي, ولا ريب أن هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة, ,المعروف عنهما وعن أصحابهما في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول, وإنما يقول بعضهم إن فيهم من ليس بفقيه أو مجتهد, قال ابن الهمام في التحرير «يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة فيقدم على القياس مطلقا, وعدل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدم, إلا إن خالف كل الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبو زيد» ثم قال بعد ذلك «وأبو هريرة مجتهد» كما تقدم, وغير عيسى وأبي زيد ومن تبعه يرون تقديم الخبر مطلقا». وقال المعلمي أيضاً «وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإِسلام, وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة, والإِسكافي من دعاة المعتزلة والرفض أيضاً في القرن الثالث, ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة غيرهم وإنما يتشبث بها من لا يعقل, وقد ذكر ابن أبي الحديد ١/ ٣٦٠ أشياء عن الإِسكافي من

стр. 296

الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك شيئا من مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد «قلت قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه» وفي هذا إشارة إلى أن الإِسكافي متهم, ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإِسكافي باختلاق الكذب ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة, وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولو ذكرها كبار أئمة السنة, فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإِسكافي عمن تقدمه بزمان» انتهى. وأما قوله وعلته أنه اختلط في آخر عمره بفاعلية السن فجوابه أن أقول إني لم أر أحداً ممن ترجم لأنس ﵁ ذكر أنه اختلط في آخر عمره, فما زعمه المؤلف تبعاً لأبي رية لا شك أنه كذب مفترى إما من أبي رية وإما من بعض أهل الزيغ والضلال من الرافضة وأشباههم ممن ينقل عنهم أبو رية ويعتمد على أكاذيبهم وترهاتهم. وقد روى البخاري في التاريخ الكبير عن قتادة قال لما مات أنس بن مالك ﵁ قال مورق ذهب اليوم نصف العلم, قيل كيف ذاك يا أبا المعتمر قال كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعال إلى من سمعه من النبي ﷺ . قلت وهذا يدل على أن أنساً ﵁ لم يزل ممتعا بالعقل إلى أن مات. وأما قوله والتحقيق المفصل في ص ٢٠٥ من أضواء على السنة. فجوابه أن يقال إن المؤلف قد أحال القراء على غير مليء. فليس في كتاب أبي رية شيء من التحقيق البتة وليس فيه شيء من الأضواء على السنة وإنما فيه المعارضة للسنة والاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ونبذها واطراحها فهو في الحقيقة جهالات وضلالات وظلمات بعضها فوق بعض, فلا يغتر به ويصغي إليه إلا من هو من أجهل خلق الله وأشدهم غباوة. فصل وقال المؤلف في صفحة (٦١) ما نصه دهاء كعب أوقع أبا هريرة, وإليك المثال. روى الذهبي في طبقات

стр. 297

الحفاظ في ترجمة أبي هريرة أن كعباً قال فيه ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة, فكيف يعرفها ويعرف ما فيها وهي عبرية مع أنه كان لا يقرأ عبريا حتى ولا عربيا. ص ٢٠٧ من أضواء على السنة. والجواب أن يقال إن كثيراً من شرار العصريين قد تحاملوا على كعب الأحبار تحاملا قبيحا حتى إن أبا رية قال فيه إنه أظهر الإِسلام خداعا وطوى قلبه على يهوديته, هكذا قال أبو رية في ظلماته, ولو كان عنده أدنى شيء من التقوى والورع لما رمى رجلا مسلماً باليهودية. وقد قال النبي ﷺ «من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» متفق عليه من حديث أبي ذر ﵁, وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ نحوه, وفي صحيح البخاري أيضاً عن أبي هريرة ﵁ نحو ذلك أيضاً, وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضا. قوله حار عليه أي رجع ذلك على القائل. وقد زعم أبو رية أن كعباً كان ذا مكر وخداع وأن أبا هريرة ﵁ كان أكثر الصحابة انخداعاً به, وهذا من بهتان أبي رية وترهاته وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: إذا رزق الفتى وجها وقاحاً ... تقلب في الوجوه كما يشاء وهذا البيت مطابق لحال المؤلف وأبي رية غاية المطابقة وأما ما نقله المؤلف من كتاب أبي رية ونقله أبو رية من طبقات الحفاظ للذهبي ففي إسناده عمران القطان وقد ضعفه النسائي وأبو داود في رواية عنه وقال ابن معين ليس بشيء وقال الدارقطني كان كثير المخالفة والوهم. قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية, عمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر - يعني ابن عبد الله المزني - وفي القرآن والسنة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن فإِذا تتبعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافيا لأن يقول كعب تلك الكلمة. ففيم التهويل الفارغ انتهى.

стр. 298

وأما قوله فكيف يعرفها ويعرف ما فيها وهي عبرية مع أنه كان لا يقرأ عبريا حتى ولا عربيا. فجوابه أن يقال إنما كان أبو هريرة ﵁ يحدث كعباً بما جاء في القرآن وما رواه عن النبي ﷺ وكان أبو هريرة ﵁ أحفظ أهل عصره لأحاديث رسول الله ﷺ , وفي الأحاديث عن النبي ﷺ كثير يوافق ما جاء في التوراة, فماذا ينكر أعداء السنة على أبي هريرة إذا حديث كعبا بالأحاديث التي توافق ما جاء في التوراة وقال له كعب ما قال, وقد تقدم أن أبا هريرة ﵁ لما حدث كعبا بقول رسول الله ﷺ في ساعة الإِجابة يوم الجمعة قال كعب هي في السنة مرة فرد عليه أبو هريرة ﵁ وقال بل هي في كل جمعة فقرأ كعب التوراة ثم قال صدق رسول الله ﷺ هو في كل جمعة, رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه الترمذي والحاكم وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. فهذا نموذج من الأحاديث التي توافق ما جاء في التوراة وبه يرد على من يطعن على أبي هريرة ﵁. فصل وقال المؤلف في صفحة (٦١) ما نصه أبو هريرة يعترف بخديعة اليهود, روى البخاري عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإِسلام بالعربية, ومعروف أنه لو كان يعرف العبرانية لقال وكنت من الذين يفسرون التوراة. والجواب أن يقال لم يأت من طريق صحيح ولا ضعيف أن أبا هريرة ﵁ انخدع بشيء من أكاذيب اليهود ولا أنه كان يعتمد على أخبارهم وإنما كان يعتمد على ما جاء في القرآن وما رواه عن النبي ﷺ بدون واسطة أو بواسطة بعض الصحابة ﵃, هذا هو المعروف عن أبي هريرة ﵁ وعن غيره من الصحابة ﵃. وليس في قوله كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام ما يدل على أن أبا هريرة ﵁ انخدع باليهود كما قد

стр. 299

يوهمه ظاهر كلام المؤلف. وإنما الأمر في ذلك بالعكس وهو أن أبا هريرة ﵁ كان يرى التوقف في أخبار أهل الكتاب لأنها تحتمل الصدق والكذب ولهذا عقب ذلك بما رواه عن النبي ﷺ أنه قال «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم)». وأما قوله ومعروف أنه لو كان يعرف العبرانية لقال وكنت من الذين يفسرون التوراة. فجوابه أن يقال لم يكن أبو هريرة ﵁ يحدث عن التوراة وإنما كان يحدث بما رواه عن النبي ﷺ في الأحاديث عن النبي ﷺ أشياء توافق ما في التوراة فإِذا حدث بها أبو هريرة ﵁ أو غيره من الصحابة ﵃ لم يكن محدثا عن التوراة كما لا يخفى على عاقل. ولا يخفى أيضاً ما في كلام المؤلف من التجني على أبي هريرة ﵁ وإلصاق العيوب به مع أنه كان بريئا منها فالله يجازيه على ذلك بعدله. فصل وقال المؤلف في صفحة (٦١) ما نصه اتفاق أبو هريرة وكعب في خرافة الشمس والقمر, روى البزار عن أبي هريرة أن النبي - ص - قال إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما ذنبهما فقال أحدثك عن رسول الله وتقول ما ذنبهما, وهذا الكلام نفسه قاله كعب الأحبار بنصه فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب الأحبار يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما (ص ٢٢٢ حياة الحيوان). والجواب أن يقال أما قوله «اتفاق أبو هريرة» فصوابه «اتفاق أبي هريرة» وأما قوله في خرافة الشمس والقمر. فجوابه أن يقال إن المخرف في الحقيقة من يرد الأحاديث الصحيحة بغير حجة قاطعة, ولا شك أن المؤلف وأبا رية أولى بوصف التخريف لما في كلامهما من الجراءة على نبذ الأحاديث الصحيحة واطراحها بأساليب من الهوس, فكلامهما في رد الأحاديث الصحيحة يشبه كلام المخرفين الذين يتكلمون من غير شعور.

стр. 300

وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه البزار عن إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن وما ذنبهما, فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما ذنبهما إسناده صحيح على شرط مسلم, وقد أسقط أبو رية قوله «عقيران» وجعل المراجعة بين الحسن وأبي هريرة ﵁ والذي في الحديث أنها بين الحسن وأبي سلمة بن عبد الرحمن, وقد تبع المؤلف أبا رية على خطئه. وقد أخرج الإِسماعيلي هذا الحديث بمثله وقال «في مسجد البصرة» ولم يقل خالد القسري, ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري, قال وأخرجه الخطابي من طريق يونس بهذا الإِسناد فقال في زمن خالد بن عبد الله - أي ابن أسيد بفتح الهمزة - وهو أصح فإِن خالداً هذا كان قد ولي البصرة لعبد الملك قبل الحجاج بخلاف خالد القسري انتهى. وقد رواه البخاري في صحيحه مختصرا فقال في «باب صفة الشمس والقمر» من «كتاب بدء الخلق» حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة». وهذا الحديث يجب الإِيمان به لثبوته عن النبي ﷺ ويجب إمراره كما جاء, وهذا مقتضى جواب أبي سلمة للحسن, قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية, وقول الحسن لأبي سلمة «وما ذنبهما» يمثل حال أهل العراق في استعجال النظر فيما يشكل عليهم, وجواب أبي سلمة يمثل حال علماء الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإِيمان من المسارعة إلى القبول والتسليم ثم يكون النظر بعد, وجوابه وسكوت الحسن يبين مقدار كمال الوثوق من علماء التابعين بأبي هريرة وثقته وإتقانه وأن ما يحكى مما يخالف ذلك إنما هو من اختلاق أهل البدع, وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف من كبار أئمة التابعين بالمدينة مكثر الرواية عن الصحابة كأبي قتادة وأبي الدرداء وعائشة وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة, فهو

стр. 301

من أعلم الناس بحال أبي هريرة في نفسه وعند سائر الصحابة ﵃ انتهى. وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا درست عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس رفعه إلى النبي ﷺ «أن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار». درست ويزيد الرقاشي ضعيفان وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حيان - وهو ضعيف - عن درست بن زياد عن يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ مرفوعاً بمثله, قال الهيثمي في مجمع الزوائد فيه ضعفاء قد وثقوا انتهى. قلت وحديث أبي هريرة ﵁ يشهد له ويقويه وروى ابن أبي حاتم بإِسناد ضعيف عن ابن عباس ﵄ أنه قال «يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث ريحا دبوراً فيضرمها ناراً» وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄, قال ابن كثير وكذا قال عامر الشعبي. وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكور فيه الشمس والقمر ثم يوقد فيكون هو جهنم». وأخرج ابن وهب في «كتاب الأهوال» عن عطاء بن يسار في قوله تعالى (وجمع الشمس والقمر) قال يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار. ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري, قال ولابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه موقوفا أيضاً. قال الخطابي ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كان باطلاً, وقيل إنهما خلقا من النار فأعيدا فيها, وقال الإِسماعيلي لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما فإِن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة, وقال أبو موسى المديني في «غريب الحديث» لما وصفا بأنهما يسبحان في قوله (كل في فلك يسبحون) وإن كل من عُبد من دون الله إلا من سبقت له الحسنى يكون في النار وكانا في النار يعذب بهما أهلهما بحيث لا يبرحان منها فصارا كأنهما ثوران عقيران انتهى.

стр. 302

وأما قوله وهذا الكلام نفسه قاله كعب الأحبار بنصه فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب الأحبار يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما (ص ٢٢٢ حياة الحيوان). فجوابه أن يقال إن الذي ذكر صاحب «حياة الحيوان» أنه رواه أبو يعلى الموصلي هو حديث أنس بن مالك ﵁ وتقدم ذكره, ثم قال صاحب «حياة الحيوان» بعده وقال كعب الأحبار يجاء بالشمس والقمر إلى آخره, فذكره بدون إسناد ولم يذكر من خرجه. ومع هذا فقد ألحقه حاطب الليل أبو رية بحديث أنس ﵁ وجعله مروياً بإِسناده, وهذا من قلة الأمانة أو عدمها, وقد تبعه المؤلف على إيهامه وتضليله. وهذا الأثر غير ثابت عن كعب الأحبار, ولو ثبت لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون أخذه عن أبي هريرة ﵁ أو عن غيره من الصحابة ﵃, وإما أن يكون أخذه من كتب أهل الكتاب مما هو موافق لما ثبت عن النبي ﷺ , ولا ضير على أبي هريرة ﵁ ولا على غيره من الصحابة ﵃ إذا روى أحدهم عن النبي ﷺ حديثا وروى كعب الأحبار ما يوافق ذلك من كتب أهل الكتاب. فصل وقال المؤلف في صفحة (٦١) وصفحة (٦٢) ما نصه أبو هريرة وكعب الأحبار في خرافة الديك تحت العرش روى الحاكم في المستدرك والطبراني ورجاله رجال الصحاح عن أبي هريرة أن النبي - ص - قال إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض وعنقه مثبتة تحت العرش وهو يقول سبحانك ما أعظم شأنك قال فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بي كاذباً, وهذا الحديث من قول كعب, نصه إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض فإِذا صاح صاحت الديكة سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره (ص ٢٢٠ جـ ١٠ نهاية الأدب النويري). والجواب أن يقال هذا الكلام نقله المؤلف من كتاب أبي رية وقد غير فيه بعض الكلمات, فمنها قوله «رجال الصحاح» وصوابه «رجال الصحيح» ومنها قوله

стр. 303

«وعنقه مثبتة تحت العرش» وكذلك هو في كتاب أبي رية» وصوابه «وعنقه مثنية تحت العرش» ومنها قوله «نهاية الأدب» بالدال وصوابه «نهاية الأرب» بالراء. وقد ذكرت قريبا أن الأولى بوصف التخريف من يرد الأحاديث الصحيحة بغير حجة قاطعة كالمؤلف وأبي رية وأشباههما من أعداء السنة. وأما قوله روى الحاكم في المستدرك والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة إلى آخره. فجوابه أن يقال حديث أبي هريرة ﵁ ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» وقال رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه انتهى. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «المنار المنيف» كل أحاديث الديك كذب إلا حديثاً واحداً «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإِنها رأت ملكا». قلت وقد صح أيضا حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ في النهي عن سب الديك. وأما قوله وهذا الحديث من قول كعب إلى آخره. فجوابه أن يقال قد عزاه أبو رية إلى نهاية الأرب للنويري ولم يذكر له إسناداً ولا ذكر من خرجه, وما ليس له إسناد صحيح فلا يعتد به في شيء. وقد قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية, أقول عزا هذا إلى نهاية الأرب للنويري, والنويري أديب من أهل القرن السابع, ولا يدرى من أين أخذ هذا, أما عن أبي هريرة فهو من طريق إسرائيل عن معاوية بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة, ومعاوية لم يخرج له مسلم وأخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعة وقد قال فيه أبو زرعة شيخ واه ووثقه بعضهم, والمقبري اختلط قبل موته بأربع سنين, ولفظ الخبر مع ذلك مخالف لما نسبه النويري إلى كعب انتهى باختصار.

стр. 304

فصل وقال المؤلف في صفحة (٦٢) ما نصه أبو هريرة وكعب في قصة يأجوج ومأجوج, ونصه كما رواه أحمد عن أبي هريرة إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذين عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون الخ وروى أحمد هذا الحديث عن كعب, قال ابن كثير لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإِنه

стр. 305

كان كثيراً ما يجالسه ويحدثه, وقد بين ابن كثير في مواضع كثيرة من تفسيره ما أخذه أبو هريرة من كعب, وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة إن الله خلق آدم على صورته, وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة (العهد القديم) ونصه هناك وخلق الإنسان على صورته, على صورة الله, ولما ذكر كعب صفة النبي - ص - في التوراة قال أبو هريرة في صفته - ص -لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخايا في الأسواق, وهذا هو نص كلام كعب. والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية, فأما حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر يأجوج ومأجوج وأنهم يحفرون السد كل يوم فقد رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه مختصراً والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه, وقال ابن كثير في تفسيره إسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإِحكام بنائه وصلابته وشدته. قلت ما جاء في الحديث لا ينافي ظاهر الآية لأن يأجوج ومأجوج وإن كانوا يحفرون السد كل يوم فإِنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا من ارتقائه. قال ابن كثير ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون غداً نفتحه فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون كذلك فيصبحون وهو كما كان فيلحسونه ويقولون غداً نفتحه ويلهمون أن يقولون إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه, قال ابن كثير وهذا متجه, ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإِنه كان كثيراً ما يجالسه ويحدثه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه انتهى. وفي قوله ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب نظر من وجهين أحدهما أن سياق الحديث عن أبي هريرة ﵁ مغاير لسياق خبر كعب الثاني أنه قال في آخر الحديث عن أبي هريرة ﵁ «والذي نفس محمد بيده» وهذا يدل على أنه من قول النبي ﷺ لا من قول كعب والله أعلم. ولو قيل إن كعبا تلقاه من أبي هريرة أو غيره من الصحابة ﵃ لكان أقرب إلى الصواب لأن خبر كعب قد احتوى على أشياء كثيرة قد جاء ذكرها في حديث النواس بن سمعان ﵁ وهو في صحيح مسلم, وقد جاء بعض ذلك في غيره من الأحاديث المرفوعة, وقد ذكرتها في «إتحاف الجماعة» في ذكر يأجوج ومأجوج فلتراجع هناك, وقد يكون كعب أخذ ذلك من كتب أهل الكتاب مما هو موافق لما أخبر به رسول الله ﷺ . وأما قوله وروى أحمد هذا الحديث عن كعب. فجوابه أن يقال هذا من أكاذيب أبي رية وقد تلقاه المؤلف عن أبي رية بالقبول, وقد ساق ابن كثير خبر كعب في تفسير سورة الأنبياء وقال رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معمر عن غير واحد عن حميد بن هلال عن أبي الضيف قال قال كعب إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤسهم. إلى آخر الخبر, ومن أحب الوقوف عليه فليراجعه في تفسير سورة الأنبياء من تفسير ابن جرير وتفسير ابن كثير. وأما قوله وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة إن الله خلق آدم على صورته, وهذا الكلام قد جاء في الإِصحاح الأول من التوراة (العهد القديم) ونصه هناك وخلق الإِنسان على صورته, على صورة الله. فجوابه أن يقال أما حديث أبي هريرة ﵁ «إن الله خلق آدم على صورته» فهو حديث ثابت عن النبي ﷺ وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما, ولا يطعن فيه أو يشك في ثبوته عن النبي ﷺ إلا مكابر معاند.

стр. 306

وأما قوله وهذا الكلام قد جاء في الإِصحاح الأول من التوراة ونصه وخلق الإِنسان على صورته. فجوابه أن يقال لا ضير أن يجيء عن النبي ﷺ مثل ما جاء في التوراة فإِن الذي أنزل التوراة على موسى ﵊ هو الذي أنزل السنة على محمد ﷺ قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوى) وقال تعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور). وأما قوله على صورة الله فجوابه أن يقال قد جاء عن النبي ﷺ مثل ذلك قال عبد الله بن الإِمام أحمد في كتاب السنة حدثني أبو معمر حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «لا تقبحوا الوجه فإِن الله خلق آدم على صورة الرحمن» إسناده صحيح على شرط الشيخين, وقد رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة فقال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «لا تقبحوا الوجه فإِن ابن آدم خلق على صورة الرحمن » إسناده صحيح أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال فيه أبو علي الحافظ ثقة مأمون وقال أبو بكر الإِسماعيلي ثقة ثبت وقال أبو الحسين بن المنادي هو أحد الثقات وأهل الصلاح والفهم لما يحدث به, وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال عبد الله بن الإِمام أحمد أيضاً حدثني أبو بكر الصاغاني حدثنا أبو الأسود - وهو النضر بن عبد الجبار - حدثنا ابن لهيعة عن أبي يونس - وهو سليم بن جبير السدوسي مولى أبي هريرة - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإِنما صورة الإِنسان على وجه الرحمن» ابن لهيعة ضعفه بعض الأئمة وحسن بعضهم حديثه, وقد روى له مسلم مقرونا بآخر وبقية رجاله ثقات, وحديث ابن عمر المذكور قبله يشهد له ويقويه, وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما جاء في حديث أبي هريرة «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» ثم قال أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة»

стр. 307

والطبراني من حديث ابن عمر بإِسناد رجاله ثقات, وأخرجه ابن أبي عاصم أيضاً من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ «من قاتل فليجتنب الوجه فإِن صورة وجه الإِنسان على صورة وجه الرحمن» فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه, قال وقال حرب الكرماني في «كتاب السنة» سمعت إسحاق بن راهويه يقول صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن, قال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول هو حديث صحيح, وقال الطبراني في «كتاب السنة» حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قال رجل لأبي إن رجلاً قال خلق الله آدم على صورته أي صورة الرجل فقال كذب هو قول الجهمية انتهى كلام الحافظ ابن حجر ﵀. وقال أبو جعفر محمد بن علي الجرجاني المعروف بحمدان سألت أبا ثور عن قول النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» فقال على صورة آدم, وكان هذا بعد ضرب احمد بن حنبل والمحنة فقلت لأبي طالب قل لأبي عبد الله فقال لي أبو طالب قال لي أبو عبد الله صح الأمر على أبي ثور, من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي, وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه. وقال زكريا بن الفرج سألت عبد الوهاب - يعني الوراق - غير مرة عن أبي ثورة فأخبرني أن أبا ثور جهمي وذلك أنه قطع بقول أبي يعقوب الشعراني حكى أنه سأل أبا ثور عن خلق آدم على صورته فقال إنما هو صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن, قال زكريا فقلت بعد ذلك لعبد الوهاب ما تقول في أبي ثور قال ما أدين الله فيه إلا بقول أحمد بن حنبل يهجر أبو ثور ومن قال بقوله, قال زكريا وقلت لعبد الوهاب مرة أخرى وقد تكلم قوم في هذه المسألة خلق الله آدم على صورته فقال من لم يقل إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي. وقال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإِيمان بها ولا يقال فيها كيف ولم, بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين, حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال حدثنا أبو بكر المرودي قال سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها وقال تلقتها العلماء بالقبول تسلم الأخبار كما جاءت.

стр. 308

وقال أبو بكر المروذي وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية فقال أبو عبد الله حدثوا بها فقد تلقتها العلماء بالقبول, وقال أبو عبد الله تسلم الأخبار كما جاءت. قال محمد بن الحسين الآجري سمعت أبا عبد الله الزبيري وقد سئل عن معنى هذا الحديث فذكر مثل ما قيل فيه, ثم قال أبو عبد الله نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت كما جاءت ونؤمن بها إيمانا ولا نقول كيف ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهى بنا فنقول في ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت انتهى. وأما قوله ولما ذكر كعب صفة النبي - ص - في التوراة قال أبو هريرة في صفته لم يكن فاحشا - ص -ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق وهذا هو نص كلام كعب. فجوابه أن يقال أما كعب الأحبار فقد أخبر عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة, وأما أبو هريرة ﵁ فقد أخبر عن صفة رسول الله ﷺ بما شاهده منه وليس نص الخبرين سواء, فأما خبر كعب فرواه ابن سعد في الطبقات والدارمي في سننه عن ابن عباس ﵄ أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة فقال نجده محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره إلى طابه ويكون ملكه بالشام ليس بفحاش ولا بصخاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر. وروى ابن سعد والدارمي أيضاً عن أبي صالح قال قال كعب إن نعت محمد ﷺ في التوراة محمد عبدي المختار لافظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده بمكة ومهاجره بالمدينة وملكه بالشام. وروى ابن سعد أيضاً عن أبي عبد الله الجدلي عن كعب قال إنا نجد في التوراة محمد النبي المختار لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويغفر. وقد ثبت عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه أخبر عن صفة النبي ﷺ في التوراة ووافقه كعب الأحبار على ذلك, فروى الإِمام أحمد والبخاري من طريق فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه

стр. 309

وسلم في التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن. يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا, زاد أحد قال عطاء فلقيت كعبا فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا يقول بلغته أعينا عمومى وآذانا صمومى وقلوبا غلوفى. وقد رواه ابن سعد في الطبقات وابن جرير في تفسيره بنحو رواية أحمد وروى الدارمي من طريق سعيد بن أبي هلال عن هلال بن أسامة - وهو هلال بن علي بن أسامة - عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام ﵁ نحو رواية البخاري وزاد قال عطاء بن يسار وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال ابن سلام, وقد ذكره البخاري في «باب كراهية السخب في الأسواق» من كتاب البيوع تعليقا فقال وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن ابن سلام, ورواه ابن سعد عن زيد بن أسلم قال بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول إن صفة رسول الله ﷺ في التوراة, ثم ذكره بنحو ما تقدم في رواية البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ ثم قال فبلغ ذلك كعبا فقال صدق عبد الله بن سلام إلا أنها بلسانهم أعينا عموميين وآذانا صموميين وقلوبا غلوفيين. وأما خبر أبي هريرة ﵁ فقال الإِمام أحمد في مسنده حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن أبي ذئب, وروح قال حدثنا ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة قال سمعت أبا هريرة ينعت النبي ﷺ فقال «كان شبح الذراعين أهدب أشفار العينين بعيد ما بين المنكبين يقبل إذا أقبل جميعا ويدبر إذا أدبر جميعا» قال روح في حديثه «بأبي وأمي لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا بالأسواق» ورواه يعقوب بن سفيان عن آدم وعاصم بن علي عن ابن أبي ذئب فذكره بنحوه, وهذا الحديث صحيح لأن صالحا مولى التوأمة قال فيه ابن معين ثقة حجة سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت, وقال بن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريح, وبقية رجالهما رجال الصحيح.

стр. 310

وقد جاء عن عائشة ﵂ نحو ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول سألت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله صلى الله ﷺ فقالت «لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح أو قالت يعفو ويغفر» شك أبو داود, ورواه الترمذي وقال حسن صحيح, ورواه ابن سعد في الطبقات وابن حبان في صحيحه كلهم من حديث أبي إسحاق عن أبي عبد الله الجدلي - واسمه عبد بن عبد وقيل عبد الرحمن بن عبد - وثقه ابن معين وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب» ثقة من كبار الثالثة وبقية رجالهم رجال الصحيح. وقد جاء عن علي وعبد الله بن عمرو وأنس ﵃ بعض ما جاء عن أبي هريرة ﵁, فأما حديث علي ﵁ فرواه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن علي ﵄ قال قال الحسين بن علي ﵄ سألت أبي عن سيرة رسول الله ﷺ في جلسائه فقال «كان رسول الله ﷺ دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غيظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مشاح» الحديث. وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فرواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري ومسلم والترمذي وابن سعد عن مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ «لم يك فاحشا ولا متفحشا» وكان يقول «من خياركم أحاسنكم أخلاقا» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث أنس ﵁ فرواه الإِمام أحمد والبخاري وابن سعد قال «لم يكن رسول الله ﷺ سبابا ولا لعانا ولا فاحشا». فهؤلاء سبعة من الصحابة كلهم أخبروا عما شاهدوه من صفات رسول الله ﷺ ولم ينقلوا ذلك عن أهل الكتاب, فمن زعم أن أبا هريرة ﵁ أخذ ذلك عن كعب الأحبار فهو مفتر كذاب.

стр. 311

فصل وقال المؤلف في صفحة (٦٢) وصفحة (٦٣) ما نصه من عجائب روايات أبو هريرة وكلها إسرائيليات زيفت عليه. في تأريخ البصري عن أبي هريرة أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه. ومن بعد حادثة موسى صار يأتي خفيا, وروى البخاري عنه (ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع (يعني في النار). وأخرج مسلم عنه مرفوعا وزاد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام, وهو صاحب حديث الذبابة. وروى الطبراني في الأوسط عنه عن النبي - ص - أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها, وروى الترمذي عنه قال قال رسول الله العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم. والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية, وقد وقع في عنوان المؤلف لحن وهو قوله «روايات أبو هريرة» وصوابه «روايات أبي هريرة» ووقع فيما نقله عن أبي رية تغيير في قوله «في تاريخ البصري» وصوابه «الطبري». فأما قوله وكلها إسرائيليات زيفت عليه فجوابه أن يقال ليس في شيء من الأحاديث المذكورة في هذا الفصل شيء من الإسرائيليات وليس فيها شيء مزيف, وما زعمه المؤلف فهو من مجازفاته ومكابراته وجهله بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وعدم تمييزه بينها وبين الإسرائيليات المزيفة. فالمؤلف المغرور يهرف بما لا يعرف ويتكلف ما لا علم له به, ولا يدري المسكين أن كلامه واستهتاره بأحاديث رسول الله ﷺ وتهجمه على الصحابة ﵃ وغير ذلك مما أودعه في كتابه الخبيث وغيره كل ذلك قد أحصي عليه وسيحاسب عليه يوم القيامة قال الله تعالى (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً). فأما حديث أبي هريرة ﵁ أن موسى ﵊ لطم عين ملك الموت ففقأها فرجع الملك إلى الله تعالى فرد الله إليه عينه. الحديث فهو حديث ثابت في الصحيحين وهو مما يؤمن به أهل السنة والجماعة, وقد أنكره بعض الملاحدة والمبتدعة قديماً وحديثا, وأجاب العلماء عن الاعتراضات عليه بأجوبة

стр. 312

وتوجيهات ذكرها النووي في شرح مسلم والحافظ ابن حجر في فتح الباري وغيرهما من العلماء فمن أحب الوقوف عليها فليراجعها فيما أشرت إليه. وقد قال ابن حبان في صحيحه «ذكر خبر شنع به على منتحلي سنن المصطفى ﷺ من حرم التوفيق لإدراك معناه» ثم قال بعد إيراده لحديث أبي هريرة ﵁ في إرسال ملك الموت إلى موسى ﵊ «إن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه كما أمر خليله بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه فلما عزم على ذبح ابنه وتله للجبين فداه بالذبح العظيم, وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على إبراهيم ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة, وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﷺ وسؤاله إياه عن الإِسلام والإِيمان فلم يعرفه المصطفى ﷺ حتى ولى فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها وكان موسى غيوراً فرأى في داره رجلاً لم يعرفه فشال يده فلطمه فأتت لطمته على فقئ عينه التي في الصورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها, ولما كان المصرح عن نبينا ﷺ في خبر ابن عباس حيث قال «أمني جبريل عند البيت مرتين» فذكر الخبر وقال في آخره «هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك» كان في هذا الخبر البيان الواضع أن بعض شرائعنا قد يتفق مع بعض شرائع من قبلنا من الأمم, ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه أو الناظر في بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه للأخبار الجمة الواردة فيه. كان جائزاً اتفاق هذه الشريعة وشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحا له ولا حرج عليه في فعله. فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه أمره ثانيا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء إذ قال الله له قل له إن شئت فضع يدك على متن ثور فلك بكل غطت يدك بكل شعره سنة, فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله طابت نفسه بالموت ولم يستمهل وقال فالآن, فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به, ضد قول من زعم أن

стр. 313

أصحاب الحديث حمالة الحطب ورعاة الليل يجمعون ما لا ينتفعون به ويروون ما لا يؤجرون عليه ويقولون بما يبطله الإِسلام جهلا منه بمعاني الأخبار وترك التفقه في الآثار, معتمداً في ذلك على رأيه المنكوس وقياسه المعكوس انتهى كلام ابن حبان. وأما حديث «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» فهو ثابت في الصحيحين, وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك وبكل ما ثبت عن النبي ﷺ , بخلاف الملاحدة وأهل البدع ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ذوي الجهل المركب في زماننا وقبله بأزمان, فهؤلاء لا يؤمنون بكل ما يؤمن به أهل السنة والجماعة مما جاء في الأحاديث الصحيحة, وإنما يؤمنون بما وافق عقولهم وأفكارهم أو أفكار من يعظمونه من شيوخهم وغير شيوخهم الذين قد تخرج بعضهم من جامعات أوربا وتسمموا بعلوم أهلها وإلحادهم وأفكارهم الفاسدة ثم جاءوا ينشرون ذلك في بلاد المسلمين. وأما قوله في الكافر «وغلظ جلده مسيرة ثلاث» فهو ثابت في صحيح مسلم وهو مما يجب الإِيمان به. وأما قوله وهو صاحب حديث الذبابة. فجوابه أن يقال حديث الذباب ثابت عن النبي ﷺ ولم ينفرد به أبو هريرة ﵁, بل قد رواه أيضاً أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄. فأما حديث أبي هريرة ﵁ فرواه الإِمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ولفظه عند البخاري في «كتاب بدء الخلق» إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإِن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء» ورواه أيضاً في «كتاب الطب» ولفظه «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإِن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» ورواه ابن ماجه بنحوه, وزاد أحمد وأبو داود والبيهقي «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء». وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فرواه الإِمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي ولفظه عند ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال «في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاء فإِذا وقع في الطعام

стр. 314

فامقلوه فإِنه يقدم السم ويؤخر الشفاء». وأما حديث أنس ﵁ فرواه البزار ولفظه أن النبي ﷺ قال «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإِن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط. قال الخطابي في الكلام على حديث أبي هررة ﵁ وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له وقال كيف يكون هذا وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أريها إلى ذلك, قال وهذا سؤال جاهل أو متجاهل وإن الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت, ثم يرى أن الله سبحانه قد ألف بينها وقهرها على الاجتماع وجعل منها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها - لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزئين من حيوان واحد. وإن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحاً وتؤخر جناحاً لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان الذي هو مضمار التكليف وفي كل شيء عبرة وحكمة وما يذكر إلا أولو الألباب انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد» واعلم أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة والعارضة من لسعه وهي بمنزلة السلاح فإِذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه فأمر النبي ﷺ أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء فيغمس كله في الماء والطعام فيقابل المادة السمية بالمادة النافعة فيزول ضررها, وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم بل هو خارج من مشكاة النبوة, ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإِطلاق وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية انتهى. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على الجزء الثاني عشر من مسند الإِمام أحمد صفحه ١٢٤ - ١٢٩, وهذا الحديث مما لعب به بعض معاصرينا ممن علم وأخطأ وممن علم وعمد إلى عداء السنة, وممن جهل وتجرأ, فمنهم

стр. 315

من حمل على أبي هريرة وطعن في رواياته وحفظه. بل منهم من جرؤ على الطعن في صدقه فيما يروي, حتى غلا بعضهم فزعم أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة, إن لم يزعم أنها لا أصل لها بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمة لأسانيد قليلة فيهما فلم يفهموا اعتراض أولئك المتقدمين الذين أرادوا بنقدهم أن بعض أسانيدهما خارجة عن الدرجة العليا من الصحة التي التزمها الشيخان, لم يريدوا أنها أحاديث ضعيفة قط. ومن الغريب أن هذا الحديث بعينه - حديث الذباب - لم يكن مما استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري بل هو عندهم جميعا مما جاء على شرطه في أعلا درجات الصحة. ومن الغريب أيضا أن هؤلاء الذين حملوا على أبي هريرة على علم كثير منهم بالسنة وسعة اطلاعهم غفلوا أو تغافلوا عن أن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد بروايته بل رواه أبو سعيد الخدري أيضا عن النبي ﷺ عند أحمد في المسند والنسائي وابن ماجه والبيهقي بأسانيد صحاح, ورواه أنس بن مالك أيضاً كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط, وذكره الحافظ في الفتح وقال أخرجه البزار ورجاله ثقات. فأبو هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ولكنه انفرد بالحمل عليه منهم بما غفلوا أنه رواه اثنان غيره من الصحابة والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث لما وقر في نفوسهم من أنه ينافي المكتشفات الحديثة من المكروبات ونحوها, وعصمهم مقامهم عن أن يجرؤا على المقام الأسمى فاستضعفوا أبا هريرة. والحق أيضاً أنهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب ولكنهم لا يصرحون ثم اختطوا لأنفسهم خطة عجيبة أن يقدموها على كل شيء وأن يؤولوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربي إذا ما خالف ما يسمونه «الحقائق العلمية» وأن يردوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه, افتراء على الله وحبا في التجديد. بل إن منهم لمن يؤمنون ببعض خرافات الأوربيين وينكر حقائق الإِسلام أو يتأولها, فمنهم من يؤمن بخرافات استحضار الأرواح وينكر وجود الملائكة والجن

стр. 316

بالتأول العصري الحديث, ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى القديسين والقديسات, ثم ينكر معجزات رسول الله ﷺ كلها ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين يخرجونها عن معنى الإِعجاز كله, وهكذا وهكذا. وفي عصرنا هذا صديق لنا كاتب قدير أديب جيد الأداء واسع الاطلاع كنا نعجب بقلمه وعلمه واطلاعه, ثم بدت منه هنات وهنات على صفحات الجرائد والمجلات في الطعن على السنة والإِزراء برواتها من الصحابة فمن بعدهم يستمسك بكلمات للمتقدمين في أسانيد معينة يجعلها - كما يصنع المستشرقون - قواعد عامة يوسع من مداها ويخرج بها عن حدها الذي أراده قائلوها, وكانت بيننا في ذلك مساجلات شفوية ومكاتبات خاصة حرصا مني على دينه وعلى عقيدته, ثم كتب في إحدى المجلات - منذ أكثر من عامين - كلمة على طريقته التي ازداد فيها إمعانا وغلواً, فكتبت له كتابا طويلا في شهر جمادى الأول سنة ١٣٧٠ كان مما قلت له فيه من غير أن أسميه هنا أو أسمي المجلة التي كتبت فيها, قلت له. «وقد قرأت لك منذ أسبوعين تقريبا كلمة في مجلة .... لم تدع فيها ما وقر في قلبك من الطعن في روايات الحديث الصحيحة, ولست أزعم أني أستطيع إقناعك أو أرضى إحراجك بالإِقلاع عما أنت فيه «وليتك يا أخي درست علوم الحديث وطرق روايته دراسة وافية غير متأثر بسخافات (فلان) وأمثاله ممن قلدهم وممن قلدوه, فأنت تبحث وتنقب على ضوء شيء استقر في قلبك من قبل, لا بحثا حراً خالياً عن الهوى «وثق أني لك ناصح مخلص أمين لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء فقد قرأت من مثل كلامك أضعاف ما قرأت ولكنك تضرب الكلام بعضه ببعض. «وثق يا أخي أن المستشرقين فعلوا مثل ذلك في السنة فقلت مثل قولهم وأعجبك رأيهم إذ صادق منك هوى ولكنك نسيت أنهم فعلوا مثل ذلك وأكثر منه في القرآن نفسه فما ضار القرآن ولا السنة شيء مما فعلوا. «وقبلهم قام المعتزلة وكثير من أهل الرأي والأهواء ففعلوا هذا أو كله فما زادت السنة إلا ثبوتا كثبوت الجبال, وأتعب هؤلاء رؤوسهم وحدها وأوهوها. «بل لم نر فيمن تقدمنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين

стр. 317

أحاديث موضوعة فضلاً عن الإيهام والتشنيع الذي يطويه كلامك فيوهم الأغرار أن أكثر ما في السنة موضوع, هذا كلام المستشرقين. «غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها لا بادعاء وضعها والعياذ بالله ولا بادعاء ضعفها, إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنها لا تبلغ في الصحة الذروة العلياء التي التزمها كل منهما». «وهذا مما أخطأ فيه كثير من الناس ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا على علمه بالسنة وفقهه, ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى, وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها, ولكنه كان متأثراً أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده وهما لا يعرفان في الحديث شيئاً, بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدما وأثبت رأيا لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه, والله يغفر لنا وله. «وما أفضت إليك في هذه إلا خشية عليك من حساب الله, أما الناس في هذا العصر فلا حساب لهم ولا يقدمون في ذلك ولا يؤخرون, فإِن التربية الإِفرنجية الملعونة جعلتهم لا يرضون القرآن إلا على مضض, فمنهم من يصرح, ومنهم من يتأول القرآن أو السنة ليرضي عقله الملتوي لا ليحفظهما من طعن الطاعنين, فهم على الحقيقة لا يؤمنون, ويخشون أن يصرحوا فيلتوون, وهكذا هم حتى يأتي الله بأمره فاحذر لنفسك من حساب الله يوم القيامة وقد نصحتك وما ألوت والحمد لله». وأما الجاهلون الأجرياء فإِنهم كثير في هذا العصر, ومن أعجب ما رأيت من سخافاتهم وجرأتهم أن يكتب طبيب في إحدى المجلات الطبية فلا يرى إلا أن هذا الحديث لم يعجبه وأنه ينافي علمه وأنه رواه مؤلف اسمه «البخاري» فلا يجد مجالا إلا الطعن في هذا «البخاري» ورميه بالافتراء والكذب على رسول الله ﷺ وهو لا يعرف عن «البخاري» هذا شيئاً بل لا أظنه يعرف اسمه ولا عصره ولا كتابه إلا أنه روى شيئاً يراه هو - بعلمه الواسع - غير صحيح فافترى عليه ما شاء مما سيحاسب عليه بين يدي الله حسابا عسيراً. ولم يكن هؤلاء المعترضون أول من تكلم في هذا, بل سبقهم من أمثالهم الأقدمون, ولكن أولئك كانوا أكثر أدبا من هؤلاء - ثم ذكر الشيخ كلام الخطابي وابن القيم وقد تقدم ذكر ذلك, إلى أن قال - وأقول في شأن الطب الحديث أن الناس كانوا ولا يزالون تقذر أنفسهم الذباب وتنفر مما وقع فيه من طعام أو شراب

стр. 318

ولا يكادون يرضون قربانه, وفي هذا من الإِسراف - إذا غلا الناس فيه - شيء كثير, ولا يزال الذباب يلح على الناس في طعامهم وشرابهم وفي نومهم ويقظتهم وفي شأنهم كله, وقد كشف الأطباء والباحثون عن المكروبات الضارة والنافعة وغلوا غلوا شديداً في بيان ما يحمل الذباب من مكروبات ضارة حتى لقد كادوا يفسدون على الناس حياتهم لو أطاعوهم طاعة حرفية تامة, وإنا لنرى بالعيان أن أكثر الناس تأكل مما سقط عليه الذباب وتشرب فلا يصيبهم شيء إلا في القليل النادر, ومن كابر في هذا فإِنما يخدع الناس ويخدع نفسه, وإنا لنرى أيضا أن ضرر الذباب شديد حين يقع الوباء العام, لا يماري في ذلك أحد, فهناك إذاً حالان ظاهرتان بينهما فروق كبيرة, أما حال الوباء فمما لا شك فيه أن الاحتياط فيها يدعو إلى التحرز من الذباب وأضرابه مما ينقل المكروب - أشد التحرز. وأما إذا عدم الوباء وكانت الحياة تجري على سننها فلا معنى لهذا التحرز, والمشاهدة تنفي ما غلا فيه الغلاة من إفساد كل طعام أو شراب وقع عليه الذباب, ومن كابر في هذا فإِنما يجادل بالقول لا بالعمل, ويطيع داعي الترف والتأنق, وما أظنه يطبق ما يدعو إليه تطبيقا دقيقا, وكثير منهم يقولون ما لا يفعلون انتهى كلامه رحمه الله تعالى ولقد أجاد فيه وأفاد سوى كلمة واحدة وهي قوله «وثق أني لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء» فهذه كلمة غير مرضية لأن الواجب عليه وعلى غيره من أهل العلم أن يهمهم القول في السنة بما لا يليق وأن يغضبوا أشد الغضب من الطعن في الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالآراء الفاسدة. وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وروى الطبراني في الأوسط عنه عن النبي - ص - أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها. فجوابه أن يقال وما ينكر أعداء السنة من عظم خلق بعض الملائكة فقد روى البخاري عن زر قال حدثنا عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «أن محمداً ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح». وروى الإِمام أحمد بإِسناد جيد عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال «رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق».

стр. 319

وروى ابن جرير عن عبد الله ﵁ قال «رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» قال ابن كثير إسناده جيد قوي. وفي الصحيحين عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول (ولقد رآه بالأفق المبين) (ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عنها فقال «إنما ذاك جبريل» لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين, رآه منهبطا من السماء إلى الأرض ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» ورواه ابن أبي حاتم ولفظه «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام» قال ابن كثير إسناده جيد رجاله كلهم ثقات. وأما الحديث الذي ذكره المؤلف تبعاً لأبي رية - وهو ما رواه الطبراني في الأوسط مرفوعاً ولفظه «أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها» فقد أجاب عنه العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية فقال تفرد بروايته صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف, والحديث معدود في منكراته فلم يثبت عن أبي هريرة انتهى. وأما قوله وروى الترمذي عنه قال قال رسول الله العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم. فجوابه أن يقال إن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد برواية هذا الحديث فقد رواه الإِمام أحمد وابن ماجه بإِسناد حسن من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم» وقد أشار الترمذي إلى رواية جابر وأبي سعيد ﵄ بعد إيراده لحديث أبي هريرة ﵁. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة ﵁ من طريقين قال في الأولى منهما هذا حديث حسن غريب وقال في الثانية هذا حديث حسن, ورواه الإِمام أحمد من

стр. 320

عدة طرق وصححه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند ورواه أبو داود الطيالسي والدارمي وابن ماجه. وروى الإِمام أحمد أيضا بأسانيد صحيحة عن رافع بن عمرو المزني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «العجوة والشجرة من الجنة» وفي رواية «العجوة والصخرة من الجنة» ورواه ابن ماجه بهذا اللفظ قال في الزوائد إسناده صحيح رجاله ثقات. ورواه الحاكم بلفظ «الشجرة والعجوة من الجنة» وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي, وفي رواية قال «العجوة والصخرة والشجرة من الجنة» قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الإِمام أحمد أيضا من حديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «واعلموا أن الكمأة دواء العين وأن العجوة من فاكهة الجنة». وفي الصحيحين ومسند الإِمام أحمد وسنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر». وروى الإِمام أحمد بأسانيد صحيحة ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «إن في عجوة العالية شفاء أو أنها ترياق أول البكرة» هذا لفظ مسلم, وقد رواه الإِمام أحمد بهذا اللفظ في إحدى الروايات عنده, وفي الرواية الأخرى قال «في عجوة العالية شفاء أو ترياق أول البكرة على الريق» وقال في الرواية الثالثة «في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم». وهذه الأحاديث الصحيحة تؤيد ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم» وفيها أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأمثالهما من جهلة العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والسخرية منها ومن رواتها من الصحابة فمن بعدهم. فصل وقال المؤلف في صفحة (٦٣) ما نصه عدد الأحاديث المنسوبة لكل صحابي (تحقيق علمي ص ٢٥٤ أضواء على
следующие страницы →