← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17337

الرد القويم على المجرم الأثيم

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرد القويم على المجرم الأثيم تأليف الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه, ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الذي أنزل على عبده الكتاب والحكمة, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي قال الله فيه (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) أرسله الله رحمة للعالمين, وحجة على المعاندين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فقد رأيت كتاباً لبعض أهل الزيغ والفساد والإلحاد من العصريين, تهجم فيه على بعض الصحابة والتابعين وعلى مائة وعشرين حديثا في صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد القرآن وزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنه يكتسحها بالأضواء القرآنية ويطهر البخاري منها. وتهجم أيضا على غير ذلك من الأحاديث الصحيحة وقابلها بالرد والإنكار. وقد سمى المؤلف نفسه بالسيد صالح أبي بكر, وليس بسيد ولا صالح ولا كرامة له ولا نعمة عين. لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم » ورواه الحاكم في مستدركه والبيهقي بنحوه وصححه الحاكم. وفي تهجمه على بعض الصحابة والتابعين وعلى الأحاديث الصحيحة أوضح دليل على زيغه وفساد عقيدته وأنه ليس بصالح في الحقيقة. وقد سمى الملحد كتابه «الأضواء القرآنية, في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها «وهو مطبوع في شركة مطابع محرم الصناعية في سنة ١٩٧٤ ميلادية, وقد جعله جزءين, تصدى في الجزء الأول للطعن في بعض الصحابة والتابعين والطعن في بعض الأحاديث الصحيحة أو الحسنة بالشبه الباطلة, وتصدى في الجزء الثاني للطعن في مائة وعشرين حديثا في صحيح البخاري. وكثيرا ما كان يعتمد على ظلمات الملحد أبي رية وشبهاته في كتابه الذي سماه «أضواء على السنة المحمدية» «أو دفاع عن الحديث» وهو في الحقيقة ظلمات بعضها فوق بعض ودفع للأحاديث الصحيحة واطراح لها, كما أن كلام الملحد الثاني في كتابه المسمى «بالأضواء القرآنية» كله شبهات وحمل لكتاب الله على غير محامله فهو في الحقيقة

стр. 3

ظلمات بعضها فوق بعض كما سأبينه إن شاء الله تعالى. ومن تأمل كتابه لم يشك أنه محارب للإسلام والمسلمين وأنه إنما أراد بكتابه الطعن في الإسلام وأهل الإسلام. وإن أظهر ذلك في قالب الإصلاح فهو بلا شك ممن يسعى في الأرض فساداً وإن كان يزعم لنفسه أنه مصلح. وقد قال الله تعالى مخبراً عن سلف هذا الملحد (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما انحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الملحد غاية المطابقة, طهر الله الأرض منه ومن أمثاله من المفسدين في الأرض إنه سميع مجيب. وقد رأيت من الواجب الرد على أباطيل هذا الزائغ المفتري على الله وعلى رسوله ﷺ وتطهير الأحاديث الصحيحة في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة من تلطيخ هذا الظالم المعتدي. والله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل. فصل وكل حديث صح إسناده إلى النبي ﷺ فالإيمان به واجب على كل مسلم وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله, وقد قال النبي ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. ومن كذّب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ فهو ممن يشك في إسلامه لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله, ومن تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه انتهى.

стр. 4

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة من طريق أبي بكر الآدمي المقري حدثنا الفضل بن زياد القطان قال سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة. وذكر محمد بن نصر المروزي ونقله عنه ابن حزم في كتابه الإحكام أن إسحاق بن راهويه قال من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر. وذكر القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة الحسن بن علي بن خلف أبي محمد البربهاري - وهو من أعيان العلماء في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع من الهجرة - أنه قال في كتابه «شرح السنة» , إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله ﷺ فاتهمه على الإسلام فإنه رجل رديء المذهب والقول وإنما يطعن على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه لإِنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله ﷺ وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار, وإن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. وقوله إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن معناه أن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وما أراد الله به فلهذا كان القرآن محتاجا إلى السنة قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). وقال البربهاري أيضا ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئا من آثار رسول الله ﷺ أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام. وقال البربهاري أيضا من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله ومن رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم. وقال البربهاري أيضا واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون كافراً إلا أن

стр. 5

يجحد شيئا مما أنزل الله أو يزيد في كلام الله أو ينقص أو ينكر شيئا مما قال الله أو شيئا مما تكلم به رسول الله ﷺ . وقال البربهاري أيضا وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام ولا شك أنه صاحب هوى مبتدع. وقال البربهاري أيضا وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه. وقال البربهاري أيضا ومن جحد أو شك في حرف من القرآن أو في شيء جاء عن رسول الله ﷺ لقي الله مكذبا. انتهى ملخصا مما ذكره صاحب طبقات الحنابلة. وذكر القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها وتجرأ على ردها فقد تهجم على رد الإسلام لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت انتهى. وقال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين» جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا انتهى. وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على الإقرار بما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ وأنهم لا يردون من ذلك شيئا, والعبرة بأهل الحديث والسنة ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الأهواء والبدع والضلالة والجهالة. وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه «لمعة الاعتقاد» ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج, ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من

стр. 6

مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين» والذي ندين به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا راويه ولا غيره انتهى المقصود من كلامه. فصل وتكذيب الأحاديث الصحيحة ليس بالأمر الهين ولا سيما ما ثبت في الصحيحين أو في أحدهما, وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد «باب فيمن كذب بما صح من الحديث» ثم ذكر حديث جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة, الله ورسوله والذي حدث به» رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وفيه محفوظ بن ميسور ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا انتهى. وهذا الحديث وإن لم يبلغ درجة الصحيح فمعناه صحيح لأن من كذب حديثا صحيحا فلا شك أنه قد كذب الله تعالى في قوله مخبرا عن نبيه ﷺ (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقد كذب النبي ﷺ حيث رد ما ثبت عنه برواية الثقات الأثبات. وقد كذب الرواة الثقات الذين حفظوا أحاديث النبي ﷺ وبلغوها إلى الأمة, ومن كذب أهل الصدق والعدالة فهو الكاذب في الحقيقة. فصل وقد ورد التشديد في معارضة السنة بالقرآن وذلك فيما رواه الإمام أحمد عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا أعرفن ما يبلغ أحدكم من حديثي شيء وهو متكئ على أريكته فيقول ما أجد هذا في كتاب الله تعالى» في إسناده ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه كلام وبقية رجاله ثقات. وقد رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه. ورواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين ولفظه عن النبي صلى الله

стр. 7

عليه وسلم قال «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» ورواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال رسول الله ﷺ «لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري إما أمرت به وإما نهيت عنه فيقول ما ندري ما هذا عندنا كتاب الله ليس هذا فيه». وفي رواية للحاكم أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله «لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا». وعن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي. ولفظه عند ابن ماجه قال رسول الله ﷺ «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ورواه الترمذي والدارمي بهذا اللفظ, وفي رواية ابن حبان أن رسول الله ﷺ قال «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم. وقد بوب الترمذي على هذا الحديث وحديث أبي رافع بقوله «باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ » وبوب عليه ابن ماجه بقوله «باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه»

стр. 8

وترجم عليه ابن حبان بقوله «ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه». وبوب عليه الآجري بقوله «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي ﷺ بكتاب الله وشدة الإنكار على هذه الطبقة». قوله ﷺ «ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن» قال الخطابي ونقله عنه ابن الأثير في جامع الأصول أنه ﷺ يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها هو مما ليس في القرآن. وإنما أراد بالأريكة صفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه انتهى. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا أعرفن أحدا منكم أتاه عني حديث وهو متكئ على أريكته فيقول اتل به قرآناً» رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وقد رواه ابن ماجه بإِسناد رجاله كلهم ثقات ولفظه قال «لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول اقرأ قرآنا. ما قيل من قول حسن فأنا قلته». وعن الحسن قال بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا ﷺ إذ قال له رجل يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن فقال له عمران أنت وأصحابك تقرءون القرآن أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وحدودها أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال ولكن قد شهدت وغبت أنت ثم قال فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا فقال الرجل أحييتني أحياك الله قال الحسن فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين. رواه الحاكم في مستدركه وصححه وأقره الذهبي. وقد رواه مسدد كما في «المطالب العالية» ولفظه قال بينما عمران بن حصين وعنده أصحاب له يحدثهم فقال رجل لا تحدثنا إلا بالقرآن - أو لا نريد إلا القرآن - فقال أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد صلاة الظهر أربعا وصلاة العصر أربعا وصلاة المغرب ثلاثا تقرأ في الركعتين الأوليين, أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد في كل مائتين من الغنم خمسا وفي الإبل كذا وكذا وفي البقر كذا وكذا. أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد

стр. 9

الطواف بالبيت أسبوعا وبين الصفا والمروة كذا وكذا. وعن أبي نضرة عن عمران بن حصين ﵄ أنه قال لرجل أنك إحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما ثم قال أتجد هذا في كتاب الله مفسرا إن كتاب الله جل وعلا أحكم ذلك وإن السنة تفسر ذلك رواه الآجري في كتاب الشريعة. وعن سعيد بن جبير أنه حدث يوما بحديث عن النبي ﷺ فقال رجل في كتاب الله ما يخالف هذا قال ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعرض فيه بكتاب الله كان رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله منك, رواه الدارمي في سننه ورواته ثقات. وقد رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه. وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهر المحرم فقال ائتني بآية من كتاب الله بنزع ثيابي فقرأ عليه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وعن بكير بن عبد الله بن الأشج قال أن عمر بن الخطاب ﵁ قال «سيأتي ناس يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله » رواه الدارمي وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وعن يحيى بن أبي كثير قال «السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة» رواه الدارمي في سننه ورواته ثقات. وعن حسان - وهو ابن عطية أحد التابعين - قال كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن» رواه الدارمي في سننه ورجاله رجال الصحيح. ويدل لهذا قول الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) قال ابن كثير الكتاب هو القرآن و الحكمة هي السنة انتهى. وقوله تعالى (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) قال ابن جرير في قوله (والحكمة) يعني وما أنزل عليكم من الحكمة وهي السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ وسنها لكم. وقال ابن كثير في قوله (وما أنزل عليكم من الكتاب) يعني القرآن

стр. 10

(والحكمة) يعني السنة وقيل مواعظ القرآن, وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم وإسماعيل أنهما قالا (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة) قال ابن كثير في قوله (ويعلمهم الكتاب) يعني القرآن (والحكمة) يعني السنة قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك. وقيل الفهم في الدين ولا منافاة انتهى. وقال تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة) قال ابن كثير الكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة. وقال ابن جرير يعني بالحكمة السنن والفقه في الدين انتهى. ونقل البيهقي في كتابه المدخل عن الشافعي أنه قال سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة سنة رسول الله ﷺ . ثم روى بأسانيده عن الحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير أنهم قالوا الحكمة في هذه الآية السنة انتهى. وقد ثبت في قضايا كثيرة أن النبي ﷺ كان إذا سئل عن الشيء الذي لا علم له به نزل عليه الوحي ببيان ذلك. وفي كل منها دليل لما قاله حسان بن عطية. قال ابن حزم في كتاب الأحكام. لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه يقول فيه واصفا لرسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى رسوله ﷺ على قسمين أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن, والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبين عن الله مراده منا قال الله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها وآخرها وهي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) فهذا أصل وهو القرآن, ثم قال تعالى (وأطيعوا الرسول) فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله ﷺ . ثم قال تعالى (وأولي الأمر منكم) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله حكمه, وصح لنا بنص القرآن أن

стр. 11

الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) انتهى. وقال ابن حزم أيضا في كتاب الأحكام جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قاله ففرض اتباعه وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله انتهى. وقد تقدم في الفصل الأول قول البربهاري إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة انتهى. وقال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول قال رسول الله ﷺ في شيء قد ثبت عند العلماء فعارض إنسان جاهل فقال لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله قيل له أنت رجل سوء وأنت ممن حذرناك رسول الله ﷺ وحذر منك العلماء. وقيل له يا جاهل إن الله أنزل فرائضه جملة وأمر نبيه ﷺ أن يبين للناس ما أنزل إليهم قال الله (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فأقام الله نبيه ﷺ مقام البيان عنه وأمر الخلق بطاعته ونهاهم عن معصيته وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ثم حذرهم أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ فقال (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) وقال ﵎ (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) ثم فرض على الخلق طاعته ﷺ في نيف وثلاثين موضعا من كتابه . وقيل لهذا المعارض لسنن الرسول ﷺ يا جاهل قال الله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أين تجد في كتاب الله أن الفجر ركعتان وأن الظهر أربع وأن العصر أربع وأن المغرب ثلاث وأن العشاء أربع وأين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن رسول الله ﷺ , ومثلها الزكاة أين تجد في كتاب الله من مائتي درهم خمسة دراهم ومن عشرين دينارا نصف دينار ومن أربعين شاة شاة ومن خمس من الإِبل شاة, ومن جميع أحكام الزكاة أين تجدها في كتاب الله . وكذلك جميع فرائض الله التي فرضها الله جل وعلا في كتابه لا يعلم الحكم فيها إلا بسنن الرسول صلى

стр. 12

الله عليه وسلم. هذا قول علماء المسلمين ومن قال غير هذا خرج عن ملة الإِسلام ودخل في ملة الملحدين, نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفيما ذكرته أبلغ رد على الملحد الجاهل صالح أبي بكر وعلى أمثاله من الملحدين الذين يردون الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ويعارضونها بالشبه والآراء والأهواء. فصل قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين» وقد صنف الإِمام أحمد ﵁ كتابا في طاعة الرسول ﷺ رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله ﷺ وترك الاحتجاج بها فقال في أثناء خطبته. إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه وما قصد له الكتاب فكان رسول الله ﷺ هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه. شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له ونقلوا ذلك عنه فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ . قال جابر ﵁, ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا. ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول ﷺ إلى أن قال - ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردها بذلك. قال ابن القيم وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به فلهم طريقان في رد السنن أحدهما ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن, الثاني جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته, وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي

стр. 13

وأحمد مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا فإِنها كلها من عند الله وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وقال ابن القيم أيضا في كتابه «إعلام الموقعين» ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطل أكثر سنن رسول الله ﷺ ودفع في صدورها وأعجازها وقال القائل هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تقبل ولا يعمل بها. وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه سيقع وحذر منه كما في السنن من حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» وفي لفظ «يوشك أن يقعد الرجل على أريكته فيحدث بحديثي فيقول بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله» قال الترمذي حديث حسن وقال البيهقي إسناده صحيح. وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويرد أحدهما بالآخر - إلى أن قال - والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها, الثاني أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيراً له، الثالث أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما. فما كان منها زائداً على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله, ولو

стр. 14

كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به. وأنه إذا لم تجب إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله). وكيف يمكن أحداً من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائداً على كتاب الله فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا حديث التحريم بالرضاعة. لكل ما يحرم من النسب ولا حديث خيار الشرط ولا أحاديث الشفعة ولا حديث الرهن في الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن ولا حديث ميراث الجدة ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقت تحت زوجها ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة - ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة من الأحاديث التي أخذ الناس بها وهي زائدة على ما في القرآن إلى أن قال - بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها فلو ساغ لنا رد كل سنة كانت زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها إلا سنة دل عليها القرآن وهذا هو الذي أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع ولا بد من وقوع خبره - إلى أن قال - والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء كما ولاه منصب البيان لما أراد بكلامه, بل كلامه كله بيان عن الله والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه, بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبداً أن هذه زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به, ورسول الله ﷺ أجل في صدورهم وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. فصل وقد كان السف الصالح يعظون السنة غاية التعظيم وينكرون أشد الإِنكار على الذين يتهاونون بالأحاديث الصحيحة وعلى الذين يعارضونها بأقوال الناس وآرائهم وربما هجروا بعضهم إلى الممات. وقد روى مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول

стр. 15

«لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها» قال فقال بلال بن عبد الله والله لنمنعهن قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن, وفي رواية له عن مجاهد أنه ضرب في صدره. وقد روى البخاري المرفوع منه فقط. ورواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وغيرهم بنحو رواية مسلم. وروى أبو داود الطيالسي رواية مجاهد وقال فرفع يده فلطمه فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا, وفي رواية لأحمد فما كلمه عبد الله حتى مات. قال النووي فيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه, وفيه تعزير الوالد ولده وإن كان كبيراً انتهى. وفيه أيضا جواز التأديب بالهجران قاله الحافظ ابن حجر وفي مستدرك الحاكم عن عمرو بن مسلم قال خذف رجل عند ابن عمر ﵄ فقال لا تخذف فإني سمعت رسول الله ﷺ «ينهى عن الخذف» ثم رآه ابن عمر ﵄ بعد ذلك يخذف فقال أنبأتك أن النبي ﷺ ينهى عن الخذف ثم خذفت والله لا أكلمك أبداً. وفي الصحيحين عن عبد الله بن بريدة قال رأى عبد الله بن المغفل ﵁ رجلا من أصحابه يخذف فقال له لا تخذف فإن رسول الله ﷺ كان يكره أو قال ينهى عن الخذف فإِنه لا يصاد به الصيد ولا ينكأ به العدو ولكنه يكسر السن ويفقأ العين ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له أخبرك أن رسول الله ﷺ كان يكره أو ينهى عن الخذف ثم أراك تخذف لا أكلمك كلمة كذا وكذا, هذا لفظ مسلم. وقد رواه الدارمي في سننه بنحوه وقال فيه والله لا أكلمك أبدا, وإسناده صحيح على شرط الشيخين, ورواه الإِمام أحمد وأبو داود مختصرا. ورواه مسلم أيضا وابن ماجه من حديث سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن مغفل ﵁ خذف قال فنهاه وقال إن رسول الله ﷺ «نهى عن الخذف وقال إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدواً ولكنها تكسر السن وتفقأ العين» قال فعاد فقال أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى ثم تخذف لا أكلمك أبداً. هذا لفظ مسلم. وفي رواية ابن ماجه أن عبد الله بن مغفل ﵁ كان جالسا

стр. 16

إلى جنب ابن أخ له فخذف فنهاه وذكر تمام الحديث بنحو رواية مسلم وفيه قال لا أكلمك أبداً. وروى الدارمي في سننه عن خراش بن جبير قال رأيت في المسجد فتى يخذف فقال له شيخ لا تخذف فإني سمعت رسول الله ﷺ «ينهى عن الخذف» فغفل الفتى فظن أن الشيخ لا يفطن له فخذف فقال له الشيخ أحدثك أني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف ثم تخذف والله لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا أكلمك أبداً. وروى الدارمي أيضا عن أيوب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال «نهى رسول الله ﷺ عن الخذف وقال إنها لا تصطاد صيدا ولا تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين» فرفع رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئا من الأرض فقال هذه وما تكون هذه فقال سعيد ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ ثم تهاون به لا أكلمك أبداً, إسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى الدارمي أيضا عن قتادة قال حدث ابن سيرين رجلا بحديث عن النبي ﷺ فقال رجل قال فلان كذا وكذا فقال ابن سيرين أحدثك عن النبي ﷺ وتقول قال فلان كذا وكذا لا أكلمك أبداً. إسناده جيد رجاله كلهم ثقات. قال النووي في الكلام على حديث عبد الله بن مغفل ﵁ فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة مع العلم وأنه يجوز هجرانه دائما. والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا. وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائما, وهذا الحديث مما يؤيده مع نظائر له كحديث كعب بن مالك وغيره انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في الحديث جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوق ثلاث فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه انتهى. وفي سنن ابن ماجه أن عبادة بن الصامت ﵁ غزى مع معاوية ﵁ أرض الروم فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر

стр. 17

الفضة بالدراهم فقال يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة» فقال له معاوية يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة فقال عبادة أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن رأيك لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب ﵁ ما أقدمك يا أبا الوليد فقص عليه القصة وما قال من مساكنته فقال ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه واحمل الناس على ما قال فإِنه هو الأمر. ورواه الدارمي في سننه مختصراً ولفظه عن أبي المخارق قال ذكر عبادة بن الصامت رضي الله عه أن النبي ﷺ نهى عن درهمين بدرهم فقال فلان ما أرى بهذا بأسا يداً بيد فقال عبادة أقول قال النبي ﷺ وتقول لا أرى به بأسا والله لا يظلني وإياك سقف أبداً. وفي هذا الحديث جواز هجر من خالف السنة وعارضها برأيه وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء ﵁ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل فقال له معاوية ما أرى بمثل هذا بأسا فقال أبو الدراء ﵁ من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له فكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن. قوله فقال أبو الدرداء ﵁ من يعذرني من معاوية إلى آخره قال ابن عبد البر كان ذلك منه أنفة من أن يرد عليه سنة علمها من رسول الله ﷺ برأيه, وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي. قال وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه وليس هذا من الهجرة المكروهة ألا ترى أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك. قال وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع

стр. 18

الكلام عنه. وقد رأى ابن مسعود ﵁ رجلا يضحك في جنازة فقال والله لا أكلمك أبداً. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وهذا الأثر الذي ذكره عن ابن مسعود ﵁ قد رواه الإِمام أحمد في كتاب الزهد فقال حدثنا سفيان حدثنا عبد الرحمن بن حميد سمعه من شيخ من بني عبس أبصر عبد الله رجلا يضحك في جنازة فقال تضحك في جنازة لا أكلمك أبداً. وفي المسند بإِسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال تمتع النبي ﷺ فقال عروة بن الزبير نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس ﵄ ما يقول عرية قال يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس ﵄ أراهم سيهلكون أقول قال النبي ﷺ ويقولون نهى أبو بكر وعمر. وإذا كان هذا قول ابن عباس ﵄ لمن عارض قول النبي ﷺ بقول أبي بكر وعمر ﵄ فكيف بمن اطرح الأحاديث الصحيحة ونبذها وراء ظهره ولم يعبأ بها مثل صالح أبي بكر وأشباهه من الملحدين فهؤلاء أولى بالإِنكار الشديد والتأديب الذي يردعهم عن معارضة الأحاديث الصحيحة والاستهانة بها والله المستعان. وروى الإِمام أحمد والبخاري والنسائي عن الزبير بن عربي قال سأل رجل ابن عمر ﵄ عن استلام الحجر فقال رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يستلمه ويقبله قال قلت أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت قال اجعل أرأيت باليمن, رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا الزبير بن العربي قال سألت ابن عمر ﵄ عن المزاحمة على الحجر فقال رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله فقلت أرأيت أن أغلب أو أزحم قال اجعل أرأيت مع ذلك الكوكب رأيت رسول الله ﷺ يقبله ويستلمه. قوله اجعل أرأيت باليمن قال الحافظ بن حجر في فتح الباري إنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وأمره إذا سمع الحديث أن

стр. 19

يأخذ به ويتقي الرأي انتهى. وروى الدارقطني بإِسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإِنه لا يدري أين باتت يده منه أو أين طافت يده» فقال له رجل أرأيت إن كان حوضا فحصبه ابن عمر وقال أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول أرأيت إن كان حوضا. وقد رواه ابن ماجه مختصرا ولم يذكر قصة الرجل مع ابن عمر وإسناده صحيح على شرط مسلم. وإنما حصب ابن عمر ﵄ الرجل لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه وحصبه. وروى الإِمام أحمد بإِسناد صحيح والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده» فقال له قيس الأشجعي فإِذا جئنا مهراسكم هذا فكيف نصنع به فقال أبو هريرة أعوذ بالله من شرك. هذا لفظ البيهقي. وإنما تعوذ أبو هريرة ﵁ من شره لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وتعوذ بالله من شره. وقال الترمذي في جامعه «باب ما جاء في اشعار البدن» حدثنا أبو كريب أخبرنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ «قلد نعلين وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة وأماط عنه الدم» قال الترمذي حديث حسن صحيح. قال والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون الإشعار وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال سمعت يوسف بن عيسى يقول سمعت وكيعا يقول حين روى هذا الحديث فقال لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا فإن الإِشعار سنة وقولهم بدعة. قال سمعت أبا السائب يقول كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي أشعر رسول الله ﷺ ويقول أبو حنيفة هو مثلة, قال الرجل فإِنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال الإِشعار مثلة قال فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله ﷺ وتقول قال إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا.

стр. 20

وقال الشافعي في كتاب الرسالة أخبرني أبو حنيفة سماك بن الفضل الشيباني قال حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال عام الفتح «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود» فقلت لابن أبي ذئب أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح عليّ صياحا كثيرا ونال مني وقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول تأخذ به. نعم آخذ به وذاك الفرض عليّ وعلى من سمعه. إن الله اختار محمداً ﷺ من الناس فهداهم به وعلى يديه واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. قال وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت. وقال الفضل بن زياد عن أحمد بن حنبل قال بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث «البيعان بالخيار» فقال يستتاب في الخيار فإِن تاب وإلا ضربت عنقه, قال أحمد ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك, فقال شامي من أعلم مالك أو ابن أبي ذئب فقال ابن أبي ذئب في هذا أكثر من مالك وابن أبي ذئب أصلح في بدنه وأورع وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين انتهى من طبقات الحنابلة. وإذا كان هذا قول ابن أبي ذئب في الإِمام مالك حين تأول حديثا واحداً على غير تأويله فكيف بأدعياء العلم من العصريين الذين يردون المئات من الأحاديث الصحيحة وينبذونها وراء ظهورهم زاعمين كذبا وزوراً أنها أحاديث إسرائيلية تخالف القرآن فهؤلاء أولى أن يستتابوا فإِن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. والله المسئول أن يبعث لدينه وأحاديث رسوله ﷺ أنصاراً يجاهدون أهل الزيغ والفساد ولا تأخذهم في الله لومة لائم. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب حدثني محمد بن عبيد بن ميمون حدثني عبد الله بن إسحاق الجعفري قال كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة قال فتذاكروا يوما السنن فقال رجل كان في المجلس ليس العمل على هذا فقال عبد الله أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام أفهم الحجة على السنة فقال ربيعة أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء ذكره ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان».

стр. 21

وروى الخطيب البغدادي في تأريخه من طريق يعقوب بن سفيان قال سمعت علي بن المديني يقول قال محمد بن خازم كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح على أمير المؤمنين هارون فكلما قلت قال رسول الله. قال صلى الله على سيدي ومولاي حتى ذكرت حديث «التقى آدم وموسى» فقال عمه - وسماه عليٌّ فذهب عليَّ - فقال يا محمد أين التقيا قال فغضب هارون وقال من طرح إليك هذا وأمر به فحبس ووكل بي من حشمه من أدخلني إليه في محبسه فقال يا محمد والله ما هو إلا شيء خطر ببالي وحلف لي بالعتق وصدقة المال وغير ذلك من مغلظات الأيمان. ما سمعت ذلك من أحد ولا جرى بيني وبين أحد في هذا كلام وما هو إلا شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام قال فلما رجعت إلى أمير المؤمنين كلمته قال ليدلني على من طرح إليه هذا الكلام فقلت يا أمير المؤمنين قد حلف بالعتق ومغلظات الأيمان أنه إنما هو شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام قال فأمر به فأطلق من الحبس وقال لي يا محمد ويحك إنما توهمت أنه طرح إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه فيدلني عليهم فأستبيحهم وإلا فأنا على يقين أن القرشي لا يتزندق. قال هذا أو نحوه من الكلام. وروى أبو عثمان الصابوني في عقيدته بإِسناده عن محمد بن حاتم المظفري قال كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد فحدثه بحديث أبي هريرة «احتج آدم وموسى» فقال عيسى بن جعفر كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما قال فوثب به هارون وقال يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارضه بكيف قال فما زال يقول حتى سكت عنه. قال الصابوني هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق وينكر أشد الإِنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف على طريق الإِنكار له والابتعاد عنه ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد عن الرسول ﷺ انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى عجبت لقوم عرفوا الإِسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في

стр. 22

قلبه شيء من الزيغ فيهلك, ثم جعل يتلو هذه الآية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). وقال الحاكم سمعت الأصم يقول سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول وروى حديثا فقال له رجل تأخذ بهذا يا أبا عبد الله فقال متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وأشار بيده إلى رأسه - يعني أن منزلة الحديث الصحيح عنده على الرأس. وقال شارح العقيدة الطحاوية طريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان كما قال البخاري ﵀ سمعت الحميدي يقول كنا عند الشافعي ﵀ فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا فقال رجل للشافعي ما تقول أنت فقال سبحان الله تراني في كنيسة, تراني في بيعة, تراني على وسطي زنار, أقول لك قضى رسول الله ﷺ وأنت تقول ما تقول أنت. وقال الحاكم أنباني أبو عمرو السماك مشافهة أن أبا سعيد الجصاص حدثهم قال سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول وسأله رجل عن مسألة فقال روي عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا. فقال له السائل يا أبا عبد الله أتقول بهذا فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال ويحك أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله ﷺ شيئا فلم أقل به. نعم على الرأس والعينين نعم على الرأس والعينين. وقال الربيع قال الشافعي لم أسمع أحداً نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه فإِن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه وأنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله وإن ما سواهما تبع لهما وإن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد لا يختلف فيه الفرض وواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ . وقد ذكر ياقوت الحموي في كتابه «معجم الأدباء» مناظرة جرت بين الشافعي وإسحاق بن راهويه وقد نقلها ياقوت من تاريخ نيسابور للحاكم ومن كتاب مناقب الشافعي للآبري. وهذا ملخص ما ذكره.

стр. 23

قال الآبري قال إسحاق فسألته - يعني الشافعي - عن سكنى بيوت مكة - أراد الكراء - فقال جائز فقلت أي يرحمك الله وجعلت أذكر له الحديث عن عائشة وعبد الرحمن وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ ومن كره كراء بيوت مكة وهو ساكت يسمع وأنا أسرد عليه فلما فرغت سكت ساعة وقال أي يرحمك الله أما علمت أن النبي ﷺ قال «هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار» قال فوالله ما فهمت عنه ما أراد بها ولا أرى أن أحداً فهمه. قال الحاكم فقال إسحاق أتأذن لي في الكلام فقال نعم فقلت حدثنا يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك. وأخبرنا أبو نعيم وغيره عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنه لم يكن يرى ذلك. قال الحاكم ولم يكن الشافعي عرف إسحاق فقال الشافعي لبعض من عرفه من هذا فقال هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهوية الخراساني فقال له الشافعي أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم قال إسحق هكذا يزعمون. قال الشافعي ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه. وقال الحاكم في خبر آخر قال له الشافعي لو قلت قولك احتجت إلى أن أسلسل أنا أقول لك قال رسول الله ﷺ وأنت تقول عطاء وطاوس ومنصور وإبراهيم والحسن هولاء لا يرون ذلك. هل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة. وفي خبر الآبري أن إسحاق قال فلما تدبرت ما قال من قول رسول الله ﷺ «هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار» علمت أنه قد فهم ما ذهب عنا. قال إسحاق ولو كنت قد أدركني هذا الفهم وأنا بحضرته لعرفته ذاك انتهى المقصود مما ذكره ياقوت. فصل والأخذ بالأحاديث الصحيحة وتعظيمها دليل على قوة الإِيمان في قلب العبد. والتهاون بها ونبذها واطراحها دليل على ضعف الإِيمان أو عدمه بالكلية قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) فأقسم بنفسه الكريمة المقدسة على نفي الإِيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ عند التنازع ويرض بحكمه ويطمئن إليه قلبه ولا يجد في نفسه حرجاً مما قضى به ويسلم له تسليما وينقاد له ظاهراً وباطناً. وهذه الآية هي الحكم الفاصل في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 24

فمن قبلها واطمئن قلبه إليها وانقاد لما قال الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً فهو مؤمن. ومن قابلها بالرد والإِنكار فليس بمؤمن قال الله تعالى (فإِن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإِسناد صحيح. قال الحافظ ابن رجب في كتابه «جامع العلوم والحكم» يريد بصاحب كتاب الحجة الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق, وكتابه هذا هو كتاب الحجة على تاركي سلوك طريق المحجة، قال وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم. ثم خرجه عن الطبراني. قال ورواه الحافظ أبو بكر ابن أبي عاصم الأصبهاني, انتهى المقصود من كلامه. فصل ومن أشكل عليه شيء من الأحاديث الصحيحة أو وقع في نفسه منه شيء فينبغي له أن يظن به أحسن الظن ولا يبادر إلى إنكاره ورده كما يفعله أهل الزيغ والإِلحاد. قال علي ﵁ «إذا حدثتم شيئا عن رسول الله ﷺ فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أتقى والذي هو أهيأ» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارمي وابن ماجه وعبد الله بن الإِمام أحمد في زوائد المسند بأسانيد صحيحة. وعن عون بن عبد الله عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «إذا حدثتم بالحديث عن رسول الله ﷺ فظنوا به الذي هو أهيأ والذي هو أهدى والذي هو أتقى» رواه الإِمام أحمد والدارمي وابن ماجه وفيه انقطاع بين عون بن عبد الله وابن مسعود فإِنه لم يسمع منه ولكن حديث علي ﵁ يشهد لحديث ابن مسعود ﵁ ويقويه.

стр. 25

فصل وقد أذن النبي ﷺ في التحديث عن بني إسرائيل. وكان ﷺ كثيراً ما يحدث أصحابه عنهم, وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإِمام أحمد والبخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» زاد ابن حبان في روايته «وحدثوا عني ولا تكذبوا علي». ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال «حدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» إسناده صحيح على شرط الشيخين. ومنها ما رواه أبو يعلى والبزار عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «حدثوا عن بني إسرائيل فإِنه قد كان فيهم الأعاجيب». ومنها ما رواه الإِمام أحمد في مسند عمران بن حصين عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل لا يقوم فيها إلا إلى عظم صلاة» ورواه أبو داود والبزار بنحوه, ولفظ البزار «كان نبي الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها إلى لمعظم صلاة» وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه لقد كان رسول الله ﷺ يحدثنا اليوم والليلة عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لحاجة». ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا عن عمران بن حصين ﵄ قال «كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عظم صلاة» وفي رواية يعني الفريضة المكتوبة, قال الهيثمي إسناده حسن, وقد

стр. 26

رواه البزار والطبراني في الكبير قال الهيثمي وإسناده صحيح. ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي نملة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله فإِن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم» زاد ابن حبان وقال «قاتل الله اليهود لقد أوتوا علما». ومنها ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام فقال رسول الله ﷺ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم». قال ابن كثير في النهاية وأما الأخبار الإِسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا, ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع. وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعته زنادقتهم وضلالهم, وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله ﷺ , ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله, ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا هو الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه. قال في التفسير ويجوز حكايته لما تقدم - يعني من قول النبي ﷺ «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». قلت وما ثبت عن النبي ﷺ من الأحاديث التي أخبر فيها عن الأمم الماضية من بني إسرائيل وغيرهم فهو حق لا ريب فيه قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) ومن كذّب بشيء من الأحاديث الصحيحة التي أخبر فيها رسول الله ﷺ عن بني إسرائيل أو عن غيرهم أو شك فيها فهو ممن يشك في إسلامه لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله ومن تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي. وأما الأحاديث الصحيحة التي ليس فيها إخبار عن بني إسرائيل ولا عن غيرهم من الأمم الماضية ومع ذلك يزعم المؤلف الملحد أنها أحاديث إسرائيلية وأنها

стр. 27

مكذوبة على النبي ﷺ فتلك مكابرة منه ومعارضة لأقوال النبي ﷺ وأفعاله بمجرد الرأي والهوى. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). فصل وقد كان النبي ﷺ يتخوف على أمته من المنافقين الذين يجادلون بالقرآن كما في الحديث الذي رواه البزار والطبراني عن عمران بن حصين ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح, وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال رسول الله ﷺ «أخوف ما أخاف عليكم جدال منافق عليم اللسان». وروى الإِمام أحمد والبزار وأبو يعلى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «حذرنا رسول الله ﷺ كل منافق عليم اللسان» قال الهيثمي رجاله موثقون. وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إني أخاف على أمتي اثنتين القرآن واللبن أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين» رواه الإِمام أحمد والطبراني, قال الهيثمي وفيه دراج أبو السمح وهو ثقة مختلف في الاحتجاج به. قلت قد صحح له ابن حبان والحاكم والذهبي, وعلى هذا فالحديث صحيح على شرط ابن حبان والحاكم, وقد رواه الإِمام أحمد أيضا عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل قال لم أسمع من عقبة بن عامر إلا هذا الحديث. قال ابن لهيعة وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «هلاك أمتي في الكتاب واللبن» قالوا يا رسول الله ما الكتاب واللبن قال «يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع

стр. 28

ويبدون» ابن لهيعة حسن الحديث وفيه كلام وبقية رجاله ثقات. ويروى عن معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني أخاف عليك ثلاثاً وهن كائنات زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم» رواه الطبراني بإِسناد ضعيف. ويروى أيضا عن معاذ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «إياكم وثلاثة زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم» رواه الطبراني بإِسناد ضعيف. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه» الحديث رواه الطبراني بإِسناد ضعيف. وعن زياد بن حدير قال قال لي عمر ﵁ هل تعرف ما يهدم الإِسلام قال قلت لا قال «يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين» رواه الدارمي بإِسناد حسن وله حكم الرفع. وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وما فيها من ضعيف فالحسن منها يشهد له ويقويه, وهي تنطبق على المؤلف وعلى أمثاله من الزائغين الذين يجادلون بالقرآن ويتأولونه على غير تأويله ويضعونه على غير مواضعه. فصل قال القاضي عياض في كتابه الشفاء. اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم السّاب يقتل وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيّرة بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه, وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن

стр. 29

الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا. قال أبو بكر ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁ ولا تقبل توبته عند هولاء. وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلمين لكنهم قالوا هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك وحكى الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه ﷺ أو برئ منه أو كذبه. وقال سحنون فيمن سبه ذلك ردة كالزندقة. قال القاضي عياض ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. قال محمد بن سحنون أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له. وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقال ابن القاسم في العتبية من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإِنه يقتل وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وروى ابن وهب عن مالك من قال إن رداء النبي ﷺ ويروى زر النبي ﷺ وسخ أراد به عيبه قتل. وقال حبيب بن ربيع القروي مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﷺ ما فيه نقص قتل دون استتابة. وقال ابن عتاب الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معّرضا أو مصرحا وإن قلّ فقتله واجب. قال القاضي عياض فهذا الباب كله مما عده العلماء سباً أو تنقصاً يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم. وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيّره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل انتهى ملخصا. وذكر ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر أن من استخف بالرسول ﷺ أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرّض بذلك أو شبهه بشيء على طريق الإزراء أو التصغير لشأنه والغض منه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه أنه يكفر بواحد مما ذكر

стр. 30

إجماعا انتهى. وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كتاب «الأضواء القرآنية» قد اشتمل على الشيء الكثير من الاستخفاف بالنبي ﷺ والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول والاعتراض على كثير مما ثبت عنه ﷺ من الأقوال والأفعال كما سيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه من الرد على المؤلف إن شاء الله تعالى, فالحكم بردة المؤلف ثابت من عدة أوجه. والله المسئول أن يقيض له ولأشباهه من المارقين من يصنع بهم مثل ما صنع عمر بن الخطاب ﵁ بالمنافق الذي لم يرض بقضاء رسول الله ﷺ حيث ضربه عمر ﵁ بالسيف فقتله. فصل وقد تجرأ المؤلف على بعض أصحاب رسول الله ﷺ وأكثر الطعن فيهم بالزور والبهتان كما سيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه من الرد على المؤلف إن شاء الله تعالى. والوقيعة في الصحابة وإساءة الظن بهم ليس بالأمر الهين, وقد روى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم «لا تسبوا أحداً من أصحابي فإِن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» وفي رواية الترمذي وإحدى الروايتين لأحمد «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. قال ومعنى قوله «نصيفه» يعني نصف المد وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». ورواه ابن ماجه بأسانيد صحيحة أحدها أحد أسانيد مسلم وليس في روايته تكرير قوله «لا تسبوا أصحابي». وروى ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول

стр. 31

«لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره». وروى الترمذي بإِسناد ضعيف عن ابن عمر ﵄ مرفوعا «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم». وروى الإِمام أحمد والترمذي واللفظ له عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». وروى الحاكم في مستدركه عن عويم بن ساعدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الله ﵎ اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو نعيم في الحلية عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «شرار أمتي أجراؤهم على صحابتي». وروى مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة ﵂ يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم. وروى رزين عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قيل لعائشة ﵂ إن ناسا يتناولون أصحاب النبي ﷺ حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر. وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا». وإذا علم ما في هذه الأحاديث من تحريم عيب الصحابة وسبهم وبغضهم وأذيتهم وأن شرار هذه الأمة أجرأهم على الصحابة ﵃ فليعلم أيضا أن المؤلف قد أخذ بنصيب وافر من أذية بعض الصحابة وعيبهم وسبهم كما سيأتي بيان ذلك في مواضعه من هذا الرد إن شاء الله تعالى, فبعداً للمؤلف ولأمثاله من المبغضين للصحابة

стр. 32

المتنقصين لهم بالزور والبهتان, والله المسئول أن يجازيهم على ذلك بعدله. وقد قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى في الرسالة التي رواها عنه أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الأصطخري وذكرها القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة في ترجمة أبي العباس. هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق» - ثم ذكر كثيرا من أقوال أهل السنة ومنها قوله. «ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن ذكر مساويهم والخلاف الذي شجر بينهم, فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم أو تنقصه أو طعن عليهم أو عرّض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا, بل حبهم سنة, والدعاء لهم قربة, والاقتداء بهم وسيلة, والأخذ بآثارهم فضيلة, وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر, وعمر بعد أبي بكر, وعثمان بعد عمر, وعلي بعد عثمان, وهم خلفاء راشدون مهديون, ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هولاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع». ثم ذكر الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أهل البدع وذكر بعض أقوالهم ومنهم الرافضة قال «وهم الذين يتبرءون من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم, قال وليست الرافضة من الإِسلام في شيء». ثم ذكر الخشبية وهم رافضة قال «وهم فيما يزعمون ينتحلون حب آل محمد ﷺ وكذبوا, بل هم المبغضون لآل محمد ﷺ دون الناس, إنما الشيعة لآل محمد المتقون أهل السنة والأثر من كانوا وحيث كانوا الذين

стр. 33

يحبون آل محمد ﷺ وجميع أصحاب محمد ﷺ ولا يذكرون أحداً منهم بسوء ولا عيب ولا منقصة. فمن ذكر أحداً من أصحاب محمد ﷺ بسوء أو طعن عليهم أو تبرأ من أحد منهم أو سبهم أو عرض بعيبهم فهو رافضي خبيث مخبث, انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وقال أبو طالب سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال القتل أجبن عنه ولكن أضربه ضربا نكالا, وقال عبد الله سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال أرى أن يضرب وقال ما أراه على الإِسلام, وقال الميموني سمعت أحمد يقول ما لهم وما لمعاوية, وقال لي يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتهمه على الإِسلام, وقال إسحاق بن راهويه من شتم أصحاب النبي ﷺ يعاقب ويحبس, وروى أبو بكر الخطيب في كتاب «الكفاية» بسنده عن أبي زرعة الرازي أنه قال إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة, والجرح بهم أولى وهم زنادقة. وذكر القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي محمد البربهاري أنه قال في «شرح كتاب السنة» إذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيداً فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله, قال ومن تناول أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه أراد محمداً ﷺ وقد آذاه في قبره. وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى انتهى. وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن السمعاني أنه قال في «الاصطلام» التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة انتهى ذكره الحافظ في «باب النهي للبايع أن لا يحفل الإِبل والبقر والغنم». فصل قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في «المقدمة» أول من صنف الصحيح البخاري وتلاه مسلم بن الحجاج, وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز.

стр. 34

ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا وأكثرهما فوائد. وذكر عن الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي أنه قال أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن رسول الله ﷺ قد صح عنه ورسول الله ﷺ قاله لا شك فيه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته انتهى. وذكر الشيخ أبو عمرو أيضا اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه البخاري ومسلم بالقبول, قال وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به. وذكر أيضا أن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول انتهى. وقال النووي في شرح مسلم اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول, وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. ونقل النووي عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه قال جميع ما حكم مسلم ﵀ بصحته في هذا الباب فهو مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر. وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع. ونقل النووي أيضا عن إمام الحرمين أنه قال لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألرمته الطلاق ولا حنثته لإِجماع علماء المسلمين على صحتهما انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» في ترجمة البخاري «كتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه وكذلك سائر أهل الإِسلام انتهى. وفيما قاله أبو نصر السجري وإمام الحرمين وابن الصلاح والنووي وابن كثير أبلغ رد على صالح أبي بكر وعلى أمثاله من زنادقة العصريين الذين شذوا عن المسلمين وخالفوا إجماع العلماء فتصدوا لتكذيب الأحاديث الثابتة في الصحيحين أو في أحدهما ومعارضتها بالشبه والآراء وحمل القرآن على غير محامله. ولا شك أن هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ وقد قال الله تعالى (إن الذين يحادون الله

стр. 35

ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) وقال تعالى (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم) وقال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). فصل وهذا أوان الشروع في الرد على أباطيل المؤلف وترهاته قال في الصفحة الأولى ما نصه. كتابنا هذا أضواء نلقيها على قضية الحديث وعلى أمثلة من الإسرائيليات الدخيلة على صحيح البخاري وتتلخص الغاية منه في أمرين, الأمر الأول هو أن لا نصدق بكلام يخالف كلام الله وهدي رسوله فنقع في خطيئة الشرك العلمي وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع. الأمر الثاني أن لا نحقق للشيطان مأربه فنبعد عن الحق المنزل من الله بسبب قبولنا لما دسه علينا أعداء الإِسلام من أحاديث باطلة. ووصولا إلى تلك الغاية صار تكوين الكتاب من جزئين, الجزء الأول قضية الحديث ومراجعها العلمية منذ الخلافة الأولى إلى عصرنا هذا. الجزء الثاني نماذج من الأحاديث الإسرائيلية المدسوسة على البخاري والتعقيب القرآني على كل منها بالنفي وببراءة النبي والبخاري منها. وقد كانت الحكمة في أن يكون البخاري هو الكتاب الذي أخذنا منه تلك الأحاديث هي أن يكون الرجوع بأحاديث غيره إلى القرآن أولى وأهم باعتبار أنه عمدة المراجع لأصح الأحاديث. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في كتاب المؤلف شيء من الأضواء البتة. وإنما هو ظلمات بعضها فوق بعض أراد بها هدم السنة وتنفير الناس منها. وقد ذكرت في أول فصول الكتاب تشديد العلماء في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والحكم على من فعل ذلك بالكفر فلتراجع أقوالهم (١) ففيها أبلغ رد على المؤلف.

стр. 36

الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء من الأحاديث الدخيلة - أي المدسوسة - كما زعمه المؤلف كذبا وزوراً, وما جاء فيه من الأحاديث عن بني إسرائيل وعن غيرهم من الأمم الماضية فكله حق وصدق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله علي وسلم بالأسانيد الصحيحة. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى). الوجه الثالث أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ما يخالف كلام الله تعالى وهدي رسوله ﷺ بوجه من الوجوه. ولا غيره بما يهذو به المؤلف وأشباهه من الجهلة الأغبياء الذين يتبعون المتشابه ويلبسون الحق بالباطل ويلحدون في آيات الله تعالى ويتأولونها على غير تأويلها. الوجه الرابع أن يقال إذا كان المؤلف لا يصدق بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ مما خرجه البخاري في صحيحه وما خرجه غيره من أهل الصحاح والسنن والمسانيد ويزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنها تخالف كلام الله وهدي رسوله ﷺ فأهل الإِيمان على خلاف ما هو عليه فهم يؤمنون بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ولا يردون من ذلك شيئا ولا يتركون من الأحاديث الصحيحة شيئا إلا حديثا جاء عن النبي ﷺ آخر يخالفه فيأخذون بالأصح منهما أو يجمعون بينهما إذا أمكن الجمع. الوجه الخامس أن المؤلف قد وقع في شر مما فر منه فإِنه قد فر من خطيئة الشرك العلمي كما زعم ذلك ووقع فيما يهدم الإِسلام من أصله وذلك في أمور وقعت منه أحدها مناقضته لشهادة أن محمداً رسول الله فإِنه قد كذب بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ برواية الثقات الأثبات. ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ فهو لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله. ومن لم يحققها فليس بمسلم. ولا بد في تحقيقها من أربعة أمور. أحدها طاعته ﷺ فيما أمر. والثاني تصديقه فيما أخبر, والثالث اجتناب ما عنه نهى وزجر. والرابع أن لا يعبد الله إلا بما شرع, وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي

стр. 37

الله عنه, فقد أخبر ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن عصمة الدم والمال لا تتم إلا بشيئين, أحدهما شهادة أن لا إله إلا الله, وثانيهما الإِيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به, والمؤلف لم يؤمن بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ فكان بهذا حلال الدم والمال. الأمر الثاني والثالث والرابع ما اشتمل عليه كتابه من الاستخفاف بالنبي ﷺ والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول. وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد تقدم حكاية الإِجماع على كفر من صدر منه شيء من هذه الأمور (١). الوجه السادس أن المؤلف قد حقق للشيطان مأربه حيث أبعد عن كثير من الحق المنزل من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وحث الناس على الإِبعاد عنه. وقد تقدم حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية ابن حبان «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» فثبت بهذا الحديث الصحيح أن السنة كانت تنزل على النبي ﷺ كما ينزل عليه القرآن. وتقدم عن حسان بن عطية أحد التابعين أنه قال «كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن» ويدل لهذا قول الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوى) وقد نفى المؤلف عن النبي ﷺ كثيراً من أقواله وأفعاله الثابتة عنه برواية الثقات الأثبات. وكذب بكثير من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية وحث الناس على رفضها واطراحها. فقد تلاعب الشيطان بالمؤلف غاية التلاعب وأراه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وجعله من دعاته وجنوده وهذا غاية مأرب الشيطان. الوجه السابع أن الله تعالى أقام للسنة جهابذة نقاداً ميزوا الأحاديث الصحيحة الثابتة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وميزوا الثقات من رجال

стр. 38

الأحاديث من المجروحين منهم وقد أجمعوا على قبول الصحيحين ولم يقل أحد منهم أن فيهما شيئا من الأحاديث الباطلة التي دسها علينا أعداء الإِسلام فما زعمه المؤلف من دس الأحاديث الباطلة في الصحيحين أو في غيرهما من الصحاح فهو قول باطل مردود. الوجه الثامن أن يقال قد اتضح من كلام المؤلف أنه من ألد الأعداء لكتب السنة وذلك أنه عمد إلى أصحها فطعن فيه وشن الحملة على جملة من أحاديثه التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه فزعم أنها دخيلة عليه ومدسوسة فيه ثم ختم كلامه بما يقتضي أن غير صحيح البخاري من كتب السنة أولى عنده بشن الحملة والمعارضة. وقد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل أن هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد جاء الوعيد الشديد على هذا كما تقدم ذكره (١) فصل وقال المؤلف في صفحة (٣) ما نصه «تعريف الكتاب في بنود رئيسية» أولا العرض الكامل لقضية الحديث وأقوال العلماء فيها ابتداء من الخليفة الأول لرسول الله (ص) إلى آخر عالم مارس التحصيل والبيان في هذا المجال حتى يعلم المسلمون أساليب الكيد التي حيكت لدينهم ممن يعادونه ومن اليهود بنوع خاص. والجواب أن يقال ليس في الصحيحين ولا في غيرهما من الأحاديث الصحيحة شيء من أساليب الكيد التي حيكت لدين الإِسلام من أعدائه كما زعم ذلك المؤلف كذباً وزوراً, ولكن المؤلف هو الذي أراد الدس على المسلمين وتشكيكهم فيما ثبت عن نبيهم ﷺ , وهو الذي حاك أساليب الكيد للإِسلام والمسلمين وأظهر ذلك في قالب الإِصلاح فهو في الحقيقة شر على الإِسلام والمسلمين من اليهود ومن غيرهم من أعداء الإِسلام والمسلمين.

стр. 39

فصل وقال المؤلف في صفحة (٣) ما نصه ثانيا الدعوة العملية إلى تقسيم الحديث المنسوب إلى النبي (ص) إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول حديث يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه, والنوع الثاني هو حديث يأتينا بفضائل الأعمال ولا يعارضه القرآن. وهذان النوعان يفرض الله ﵎ الإِيمان بهما كجزء من رسالة النبي ﵊, ونوع ثلاث يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص تخالف القرآن في مضمونه أو في معناه, وهذا النوع يجب رفضه وتبرئة النبي (ص) منه وذلك عملا على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي حتى يعود إليه الرونق الجميل الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه, ومن زعم أن شيئا من الأحاديث الصحيحة يخالف القرآن فذلك من سوء فهمه للقرآن والأحاديث الصحيحة. وربما يكون ذلك لزيغ في قلبه فيتأول القرآن على غير تأويله ويعارض به الأحاديث الصحيحة كما فعل ذلك المؤلف, وقد جمع في فعله بين أمرين ذميمين أحدهما تحريف الكلم عن مواضعه, والثاني رد الأحاديث الصحيحة واطراحها. وقد قال الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) قالت عائشة ﵂ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) إلى قوله (أولو الألباب) قالت قال رسول الله ﷺ «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى في الذين يعارضون السنن بظاهر

стр. 40

القرآن ويردون الأحاديث الصحيحة بذلك. قال وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإِن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به انتهى. الوجه الثاني أن الصحابة ﵃ كانوا إذا بلغهم الحديث عن النبي ﷺ تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم, وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم فإِنهم كانوا إذا بلغهم شيء من الأحاديث المروية بالأسانيد الصحيحة تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم, ولم يكن الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم يرفضون شيئا من الأحاديث الصحيحة أو يعارضونها بالقرآن. فمن رفض شيئا من الأحاديث الصحيحة أو حث على رفضها وزعم أن ذلك واجب فلا شك أنه مشاق للرسول ﷺ ومتبع لغير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). الوجه الثالث أن تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بالأسانيد الصحيحة لا يقول بها عاقل لأن تبرئته مما ثبت عنه حاصلها تكذيبه ورد قوله, ولا يصدر ذلك من مسلم يؤمن بالله ورسوله. الوجه الرابع أن تطهير الدين لا يكون برفض الأحاديث الصحيحة وردها وإنما يكون ذلك برد البدع ومحاربة المبتدعين الزائغين عن الحق المتبعين لغير سبيل المؤمنين, ومنهم الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة بالمتشابه من القرآن وبآرائهم وآراء شيوخهم ومن يعظمونه من أهل البدع. الوجه الخامس أن تكذيب الأحاديث الصحيحة ورفضها ليس هو الذي يعود على دين الإِسلام بالرونق الجميل كما زعم ذلك المؤلف المفتون. وإنما يعود عليه بالشكوك والظنون السيئة وعدم الثقة فهو في الحقيقة تشويه للدين وتدنيس له وليس تطهيراً له كما قد زعم ذلك من أعمى الله بصيرته. الوجه السادس أن يقال قد كان الدين محترما حينما كان المسلمون يحكمون بالكتاب والسنة ويحترمون القرآن والأحاديث الصحيحة وكتب السلف وأئمة الخلف ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله ويفعلون ما أمر الله به
следующие страницы →