الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء من الأحاديث الدخيلة - أي المدسوسة - كما زعمه المؤلف كذبا وزوراً, وما جاء فيه من الأحاديث عن بني إسرائيل وعن غيرهم من الأمم الماضية فكله حق وصدق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله علي وسلم بالأسانيد الصحيحة. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
الوجه الثالث أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ما يخالف كلام الله تعالى وهدي رسوله ﷺ بوجه من الوجوه. ولا غيره بما يهذو به المؤلف وأشباهه من الجهلة الأغبياء الذين يتبعون المتشابه ويلبسون الحق بالباطل ويلحدون في آيات الله تعالى ويتأولونها على غير تأويلها.
الوجه الرابع أن يقال إذا كان المؤلف لا يصدق بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ مما خرجه البخاري في صحيحه وما خرجه غيره من أهل الصحاح والسنن والمسانيد ويزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنها تخالف كلام الله وهدي رسوله ﷺ فأهل الإِيمان على خلاف ما هو عليه فهم يؤمنون بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ولا يردون من ذلك شيئا ولا يتركون من الأحاديث الصحيحة شيئا إلا حديثا جاء عن النبي ﷺ آخر يخالفه فيأخذون بالأصح منهما أو يجمعون بينهما إذا أمكن الجمع.
الوجه الخامس أن المؤلف قد وقع في شر مما فر منه فإِنه قد فر من خطيئة الشرك العلمي كما زعم ذلك ووقع فيما يهدم الإِسلام من أصله وذلك في أمور وقعت منه أحدها مناقضته لشهادة أن محمداً رسول الله فإِنه قد كذب بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ برواية الثقات الأثبات. ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ فهو لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله. ومن لم يحققها فليس بمسلم. ولا بد في تحقيقها من أربعة أمور. أحدها طاعته ﷺ فيما أمر. والثاني تصديقه فيما أخبر, والثالث اجتناب ما عنه نهى وزجر. والرابع أن لا يعبد الله إلا بما شرع, وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي
стр. 37
الله عنه, فقد أخبر ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن عصمة الدم والمال لا تتم إلا بشيئين, أحدهما شهادة أن لا إله إلا الله, وثانيهما الإِيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به, والمؤلف لم يؤمن بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ فكان بهذا حلال الدم والمال.
الأمر الثاني والثالث والرابع ما اشتمل عليه كتابه من الاستخفاف بالنبي ﷺ والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول. وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد تقدم حكاية الإِجماع على كفر من صدر منه شيء من هذه الأمور (١).
الوجه السادس أن المؤلف قد حقق للشيطان مأربه حيث أبعد عن كثير من الحق المنزل من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وحث الناس على الإِبعاد عنه. وقد تقدم حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية ابن حبان «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» فثبت بهذا الحديث الصحيح أن السنة كانت تنزل على النبي ﷺ كما ينزل عليه القرآن. وتقدم عن حسان بن عطية أحد التابعين أنه قال «كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن» ويدل لهذا قول الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوى) وقد نفى المؤلف عن النبي ﷺ كثيراً من أقواله وأفعاله الثابتة عنه برواية الثقات الأثبات. وكذب بكثير من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية وحث الناس على رفضها واطراحها. فقد تلاعب الشيطان بالمؤلف غاية التلاعب وأراه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وجعله من دعاته وجنوده وهذا غاية مأرب الشيطان.
الوجه السابع أن الله تعالى أقام للسنة جهابذة نقاداً ميزوا الأحاديث الصحيحة الثابتة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وميزوا الثقات من رجال
стр. 38
الأحاديث من المجروحين منهم وقد أجمعوا على قبول الصحيحين ولم يقل أحد منهم أن فيهما شيئا من الأحاديث الباطلة التي دسها علينا أعداء الإِسلام فما زعمه المؤلف من دس الأحاديث الباطلة في الصحيحين أو في غيرهما من الصحاح فهو قول باطل مردود.
الوجه الثامن أن يقال قد اتضح من كلام المؤلف أنه من ألد الأعداء لكتب السنة وذلك أنه عمد إلى أصحها فطعن فيه وشن الحملة على جملة من أحاديثه التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه فزعم أنها دخيلة عليه ومدسوسة فيه ثم ختم كلامه بما يقتضي أن غير صحيح البخاري من كتب السنة أولى عنده بشن الحملة والمعارضة. وقد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل أن هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد جاء الوعيد الشديد على هذا كما تقدم ذكره (١)
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٣) ما نصه «تعريف الكتاب في بنود رئيسية»
أولا العرض الكامل لقضية الحديث وأقوال العلماء فيها ابتداء من الخليفة الأول لرسول الله (ص) إلى آخر عالم مارس التحصيل والبيان في هذا المجال حتى يعلم المسلمون أساليب الكيد التي حيكت لدينهم ممن يعادونه ومن اليهود بنوع خاص.
والجواب أن يقال ليس في الصحيحين ولا في غيرهما من الأحاديث الصحيحة شيء من أساليب الكيد التي حيكت لدين الإِسلام من أعدائه كما زعم ذلك المؤلف كذباً وزوراً, ولكن المؤلف هو الذي أراد الدس على المسلمين وتشكيكهم فيما ثبت عن نبيهم ﷺ , وهو الذي حاك أساليب الكيد للإِسلام والمسلمين وأظهر ذلك في قالب الإِصلاح فهو في الحقيقة شر على الإِسلام والمسلمين من اليهود ومن غيرهم من أعداء الإِسلام والمسلمين.
стр. 39
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٣) ما نصه
ثانيا الدعوة العملية إلى تقسيم الحديث المنسوب إلى النبي (ص) إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول حديث يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه, والنوع الثاني هو حديث يأتينا بفضائل الأعمال ولا يعارضه القرآن. وهذان النوعان يفرض الله ﵎ الإِيمان بهما كجزء من رسالة النبي ﵊, ونوع ثلاث يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص تخالف القرآن في مضمونه أو في معناه, وهذا النوع يجب رفضه وتبرئة النبي (ص) منه وذلك عملا على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي حتى يعود إليه الرونق الجميل الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه, ومن زعم أن شيئا من الأحاديث الصحيحة يخالف القرآن فذلك من سوء فهمه للقرآن والأحاديث الصحيحة. وربما يكون ذلك لزيغ في قلبه فيتأول القرآن على غير تأويله ويعارض به الأحاديث الصحيحة كما فعل ذلك المؤلف, وقد جمع في فعله بين أمرين ذميمين أحدهما تحريف الكلم عن مواضعه, والثاني رد الأحاديث الصحيحة واطراحها. وقد قال الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) قالت عائشة ﵂ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) إلى قوله (أولو الألباب) قالت قال رسول الله ﷺ «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى في الذين يعارضون السنن بظاهر
стр. 40
القرآن ويردون الأحاديث الصحيحة بذلك. قال وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإِن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به انتهى.
الوجه الثاني أن الصحابة ﵃ كانوا إذا بلغهم الحديث عن النبي ﷺ تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم, وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم فإِنهم كانوا إذا بلغهم شيء من الأحاديث المروية بالأسانيد الصحيحة تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم, ولم يكن الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم يرفضون شيئا من الأحاديث الصحيحة أو يعارضونها بالقرآن. فمن رفض شيئا من الأحاديث الصحيحة أو حث على رفضها وزعم أن ذلك واجب فلا شك أنه مشاق للرسول ﷺ ومتبع لغير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
الوجه الثالث أن تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بالأسانيد الصحيحة لا يقول بها عاقل لأن تبرئته مما ثبت عنه حاصلها تكذيبه ورد قوله, ولا يصدر ذلك من مسلم يؤمن بالله ورسوله.
الوجه الرابع أن تطهير الدين لا يكون برفض الأحاديث الصحيحة وردها وإنما يكون ذلك برد البدع ومحاربة المبتدعين الزائغين عن الحق المتبعين لغير سبيل المؤمنين, ومنهم الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة بالمتشابه من القرآن وبآرائهم وآراء شيوخهم ومن يعظمونه من أهل البدع.
الوجه الخامس أن تكذيب الأحاديث الصحيحة ورفضها ليس هو الذي يعود على دين الإِسلام بالرونق الجميل كما زعم ذلك المؤلف المفتون. وإنما يعود عليه بالشكوك والظنون السيئة وعدم الثقة فهو في الحقيقة تشويه للدين وتدنيس له وليس تطهيراً له كما قد زعم ذلك من أعمى الله بصيرته.
الوجه السادس أن يقال قد كان الدين محترما حينما كان المسلمون يحكمون بالكتاب والسنة ويحترمون القرآن والأحاديث الصحيحة وكتب السلف وأئمة الخلف ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله ويفعلون ما أمر الله به
стр. 41
ورسوله ﷺ , فلما استهان الأكثرون بالكتاب والسنة واستبدلوا عن الأحكام الشرعية بالنظم والقوانين الوضعية واستهانوا بكتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها من الكتب النافعة وسموها الكتاب الصفراء واستبدلوا عنها بالصحف والمجلات وما أشبهها من الكتب التي لا خير فيها وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وتركوا كثيراً من الأوامر وارتكبوا كثيراً من المحرمات عاد رونق الدين غير جميل عند الأكثرين وقلّ احترام العالم له وقلّ الدخول فيه. ولا يعود إلى الدين رونقه الجميل الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه إلا بالتمسك بالكتاب والسنة واحترامهما والعمل بهما في كل قليل وكثير واحترام كتب السلف وأئمة الخلف مع القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وفعل ما أمر الله به ورسوله ﷺ واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ فحينئذ يعود رونق الدين وجماله كما كان في أول الأمر. والله المسئول أن يعيده كما كان في صدر هذه الأمة وما ذلك على الله بعزيز.
الوجه السابع أن القول برفض الأحاديث الصحيحة وردها يلزم منه أحد أمرين كل منهما سيء ذميم. أحدهما الطعن في الثقات الأثبات ورميهم بوضع الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثماً مبيناً).
الأمر الثاني رمي ذوي العقول والنباهة بالغباوة والتغفيل بحيث يروج عليهم ما يدسه الزنادقة من الكذب على رسول الله ﷺ . وقد جاء في كلام المؤلف كل من الأمرين كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن المؤلف وأشياخه الذين يعتمد على أقوالهم في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها أولى بالأوصاف الذميمة من رجال الصحيحين وغيرهم من رواة الأحاديث الصحيحة.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٣) ما نصه
ثالثا تقديم حصيلة الفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا
стр. 42
المجال وعددها مائة وعشرون حديثا. والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي (ص) وبما لا يسيء إلى البخاري الذي حسبه عند ربه صدق نيته وإخلاصه حتى يعلم المسلمون كيف استطاع الشيطان أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإِسلام والمسلمين. مع التأكيد مرة أخرى على براءة البخاري ﵀ من هذا الحزب اللعين, ولا يعتبر هذا العدد حصراً لكل ما يعارضه القرآن وإنما هو مثال ضوئي يدعو إلى جعل القرآن سنداً أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ما يعارض القرآن بوجه من الوجوه وليس فيه حديث ينافي ما يليق بالله ورسوله ﷺ . وليس فيه حديث دخيل على كلام النبي ﷺ كما قد زعم ذلك من استزله الشيطان وزين له معارضة الأحاديث الصحيحة واطراحها والتهاون بشأنها.
الوجه الثاني أن المؤلف قد أساء إلى البخاري إساءة عظيمة ثم زعم أن فعله لا يسيء إلى البخاري. وهذه المنافقة والمراوغة لا تخفى على عاقل. وإساءته إلى البخاري واضحة من جهتين. الأولى صولته على كتابه الصحيح واستهانته به ومحاولته الحط من قدره عند الناس وأنه لا ينبغي الاعتماد عليه, وأي إساءة أعظم من هذه الإِساءة لو كان المؤلف الجاهل يعقل.
الثانية محاولته الحط من قدر البخاري وإلحاقه بالأغبياء المغفلين الذين تروج عليهم دسائس الزنادقة الوضاعين. وهذه الإساءة العظيمة لا تؤثر في قدر البخاري عند أهل السنة والجماعة لأنهم يعلمون بطلانها ويعلمون ما جعل الله في البخاري من العقل الرزين والنباهة العظيمة بحيث لا يستطيع المبطلون أن يدسوا عليه شيئا أبدا.
وقد قال الخطيب البغدادي في تاريخه حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال أنبانا أحمد بن الحسن الرازي قال سمعت أبا أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد
стр. 43
للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم. ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه, فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه, ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على «لا أعرفه» فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذه القصة رواية عن الخطيب, قلت هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإِنه كان حافظا بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة.
قال الحافظ وقال أبو الأزهر كان بسمرقند أربعمائة محدث فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحرم في إسناد اليمن فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر وفيه أبلغ رد على من استهان بالبخاري وحاول الغض منه وإلحاقه بالأغبياء المغفلين.
الوجه الثالث أن إساءة المؤلف ليست مقصورة على البخاري رحمه الله تعالى بل إنه قد حاد الله ورسوله ﷺ بمعارضته للأحاديث الصحيحة ورفضها. وقد أساء إلى الصحابة الذين حفظوا أحاديث الرسول ﷺ وبلغوها إلى من بعدهم. وقد أساء إلى الثقات الأثبات الذين حفظوا الأحاديث
стр. 44
الصحيحة وبلغوها إلى من بعدهم حتى وصلت إلى البخاري وغيره من الأئمة الذين دونوا الأحاديث الصحيحة وحفظوها على الأمة الإسلامية.
الوجه الرابع أن يقال أن رجال الجامع الصحيح كلهم ثقات عدول من لدن الصحابة إلى شيوخ البخاري وليس فيهم كذاب ولا وضاع ولامتهم ولا مجروح بجرح يؤثر في حديثه. وليس فيهم أحد من الأغبياء المغفلين الذين يقبلون التلقين, ومع هذا يقول المؤلف إن الشيطان استطاع أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإسلام والمسلمين ثم يؤكد براءة البخاري من هذا الحزب اللعين. فهل يقول المؤلف أن رجال البخاري أو بعضهم كانوا من كفار الإنس وأعوان الشيطان الذين استخدمهم في الكيد للإسلام والمسلمين وأنهم من الحزب اللعين كما هو ظاهر كلامه. أم ماذا يجيب به عن تهوره وجراءته القبيحة.
الوجه الخامس أن يقال الواقع في الحقيقة أن الشيطان استطاع أن يستخدم المؤلف في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وفي الكيد للإسلام والمسلمين وذلك بتشكيك المسلمين في الأحاديث الصحيحة وحثهم على رفضها واطراحها فهو من أكبر أعوان الشيطان وجنوده.
الوجه السادس أن يقال ما ذهب إليه المؤلف من جعل القرآن سنداً أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله ﷺ يعارض قول الله تعالى في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) وقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
ويعارض قول النبي ﷺ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
стр. 45
ويعارض أيضا قول النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى مالك في الموطأ بلاغا أن النبي ﷺ قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس ﵄ وصححه وأقره الذهبي.
وورى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
وما عارض قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ فهو مردود على قائله كائنا من كان.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤) ما نصه
رابعا تقديم التذكرة لأصحاب العقول الناضجة من المسلمين كي ينفضوا عن دينهم وعن عقائدهم غبار الزيف الذي ران على الجمال الإسلامي والصفاء المحمدي حتى ملأ المراجع الدينية بما لا يقتضيه عقل من القصص الخيالي والتشريع المبتدع. وأصل ذلك الحديث الباطل الذي أصابنا بغباره القبيح في عقائدنا وعبادتنا وماسنه الله لنا من تشريع.
والجواب أن يقال إن أصحاب العقول السليمة من المسلمين قد نفضوا عن دينهم وعن عقائدهم غبار الزيف الذي أحدثه أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة والفلاسفة وغيرهم من أهل الكلام الباطل الذين ذمه السلف وحذروا منه. ونفض أصحاب العقول السليمة من المسلمين عن أحاديث النبي ﷺ ما ليس منها من أحاديث الكذابين والوضاعين. وميزوا الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة, وميزوا الثقات من رجال الأحاديث من المجروحين, فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فقد تركوا الأمر واضحا جليا لمن أراد الله هدايته.
стр. 46
وقد خالفهم أهل القلوب المريضة والعقول الناقصة من العصريين ومنهم المؤلف الجاهل وأشياخه الذين يعتمد على أقوالهم في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وتنفير الناس منها.
وقد أظهر المؤلف كيده للإسلام والمسلمين في قالب النصيحة لأصحاب العقول الناضجة من المسلمين ليكون لقوله الباطل موقع وقبول عند الجهلة الأغبياء.
ومراده بغبار الزيف الذي يحث المسلمين على نفضه عن دينهم وعقائدهم وكذلك مراده بالحديث الباطل إلى آخر كلامه ما جمعه من صحيح البخاري وزعم كذبا وزورا أنها أحاديث إسرائيلية دخيلة على صحيح البخاري. وما ذكره قبل ذلك في الجزء الأول من الأحاديث الصحيحة وعارضه وحث على رفضه واطراحه.
وسيأتي الكلام على ما لا يقتضيه عقله الناقص وما زعم كذبا وزورا أنه من القصص الخيالي والتشريع المبتدع في موضعه إن شاء الله تعالى.
والواقع في الحقيقة أن المؤلف الجاهل نفض عن دينه وعقيدته جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة وحث الناس على نفضها وأظهر ذلك في قالب النصيحة والإصلاح فأشبه الذي كاد الأبوين وغرهما وقال الله تعالى فيه (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) وأشبه الذي قال لقومه (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وأشبه الذين قال الله فيهم (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤) ما نصه
خامسا القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم وإبعاد كتب التحصيل والتخريج الفني التي تحمل كلاما يخالف المفاهيم القرآنية وحذفها من مستوى المعادلة لكتاب الله قبل أن يتقادم الزمن فتنزل هذه الكتب من القرآن منازل النسخ العديدة لأي كتاب من كتب السماء السابقة والتي أقرها تقادم الزمن فتبوأت منازل التقديس, مع ما بينها وبين الأصول المنزلة من خلاف في الحكم والمعنى مثل ما حدث للتوراة الأصلية وما تعدد بعدها من نسخ طفيلية تختلف معها في النص والمعنى.
стр. 47
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الصحاح حديث باطل وليس فيها حديث ينازع القرآن وليس فيها ما يخالف مفهوم القرآن كما زعم ذلك المؤلف كذبا وزوراً. فالحث على إبعاد كتب التحصيل والتخريج التي هي الصحاح والسنن والمسانيد لا يدعو إليه أحد يؤمن بالله ورسوله ﷺ .
الوجه الثاني أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن فقال تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فلا يتطرق إلى القرآن تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان ولا معادلة من شيء من الكتب. وقد مضى بعد نزول القرآن قريب من أربعة عشر قرنا ولا يزال القرآن غضا طريا مصونا محفوظا بحفظ الله له. ولا يزال كذلك ما دام في الأرض إلى أن يسرى عليه في آخر الزمان ويرفع إلى السماء كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة. فمن ظن أن شيئا من كتب السنة ينازع القرآن أو يعادله أو ينزل منه مع طول الزمان منزلة النسخ العديدة للكتب المتقدمة فقد ظن بالله ظن السوء ولم يؤمن بقوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقد رام بعض أعداء الله إدخال التغيير على القرآن فأبطل الله كيدهم وصان كتابه من أعمالهم السيئة.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ حث أمته على التمسك بسنته وأمرهم بتبليغ أحاديثه ودعا لمن بلغها بالرحمة والنضارة, وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإِن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم وقال ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه مالك في الموطأ بلاغا أن النبي ﷺ قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس ﵄ وصححه وأقره الذهبي.
ومنها ما رواه الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
стр. 48
ومنها ما رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فربّ مبلغ أحفظ له من سامع» هذا لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال سمعت النبي ﷺ يقول «رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع».
قال ابن الأثير في جامع الأصول «نضر الله امرءاً» دعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة انتهى.
ومنها ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» قال الترمذي هذا حديث حسن. قال وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس ﵃.
قلت قد روى ابن ماجه حديثي جبير بن مطعم وأنس ﵄. وفي الباب أيضا عن أبي سعيد الخدري وعبيد بن عمير والنعمان بن بشير وأبيه وأبي قرصافة وجابر وسعد بن أبي وقاص ﵃.
وإذا علم ما ذكرنا من الأحاديث التي يصدق بعضها بعضا فلا يخفى ما في الحث على إبعاد كتب التحصيل والتخريج من المعارضة لما أمر به رسول الله ﷺ من التمسك بسنته وتبليغ أحاديثه. وما عارض أمر النبي ﷺ فهو مردود على قائله كائنا من كان.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤) ما نصه
سادسا إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم بسبب تركها بغير كشف يفصل بين الحديث الصحيح الذي يستند إلى القرآن وبين الحديث الخرافي
стр. 49
الذي نسجه الخيال الإسرائيلي وردده المسلمون بحسن قصد.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن الأحاديث التي أشار إليها المؤلف وجمعها من صحيح البخاري كلها أحاديث صحيحة ولا مطعن فيها بوجه من الوجوه وليس فيها ما يخالف القرآن وليس فيها شيء من الخرافات وما نسجه الخيال الإسرائيلي. ولكن المؤلف كان زائغ القلب فاسد التصور فلهذا تخيل في الأحاديث الصحيحة ما تخيل ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها كذبا وزورا. وقد قال الله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال المؤلف غاية المطابقة. وكذلك قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين).
الوجه الثاني ظاهر كلام المؤلف أن عقائد الناس قد انحرفت عن عقيدة نبيهم بسبب قبولهم لما في صحيح البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة التي تخالف رأيه الفاسد وعقله الناقص فهو لذلك يهاجمها بالتجريح وإلصاق العيوب بها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم على حد زعمه الكاذب فهو يزعم لنفسه أنه مصلح لما فسد من عقائد الناس. والأمر في الحقيقة والواقع بعكس ما يقول فإِنه فاسد العقيدة ومفسد لعقائد الذين يقبلون كلامه الباطل في تجريح الأحاديث الصحيحة. وإنه لينطبق على المؤلف قول الله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون, ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
الوجه الثالث أن يقال إن المسلمين في العقائد على قسمين. القسم الأول أهل السنة والجماعة والقسم الثاني أهل البدعة والضلالة, فأما أهل السنة والجماعة فإِنهم لم يزالوا على عقيدة نبيهم ﷺ وعقيدة أصحابه والتابعين لهم بإِحسان, وأما أهل البدعة والضلالة فهم الذين انحرفت عقائدهم عن عقيدة نبيهم وأصحابه وهم متفاوتون في الانحراف فمستقل منه ومستكثر, وقد ذكر الله القسمين في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) ومن هاجم الأحاديث الصحيحة ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها فهو من الزائغين بلا شك قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
стр. 50
بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
الوجه الرابع أن المؤلف الجاهل رمى المسلمين بالغباوة والتغفيل كما رمى الأحاديث الصحيحة بأنها أحاديث خرافة نسجها الخيال الإِسرائيلي ورددها المسلمون بحسن قصد. والجواب أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) والمؤلف وأشباهه من الزائغين أولى بوصف الغباوة والتغفيل لأنهم انخدعوا للشيطان وصاروا من حزبه ودعاته.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤) ما نصه
سابعا الاستكشاف الفعلي لانحراف عقائد من سبقونا من أمم الدراويش وجماعات التنسك الشكلي وأصحاب الدعاوي بخروج بشريتهم أو بشرية شيوخهم على سنن الله في خلقه ادعاءاً للكرامات المصطنعة وزعما للمعجزات الخيالية التي ملأت المدونات الصفراء وليس لهم فيها من سند ولا أصل إلا أحاديث الخيال المفتراة على رسول الله (ص) تلك التي استقرت في كتب الأحاديث المعتمدة لدى المسلمين بحسن القصد من الناشرين والمستطلعين.
والجواب أن يقال هذه الجملة في أول كتاب المؤلف الجاهل كافية في بيان عداوته للرسول ﷺ وللسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم, وبيان ذلك من وجوه.
أحدها زعمه أن معجزات النبي ﷺ خيالية وأن كراماته وكرامات غيره من أنبياء الله وأوليائه مصطنعة. وهذا قول أعداء الله تعالى من الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال. وقد تلقاه هذا الجاهل وأشباهه من زنادقة العصريين بالقبول والرضا. وهذا القدر كاف في الحكم بردة المؤلف وخروجه من الإِسلام.
وقد أجمع العلماء على تكفير من عبث في جهة النبي ﷺ بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور. وأجمعوا على تكفير من استخف بالرسول ﷺ أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله أو نسب إليه ما لا يليق
стр. 51
بمنصبه. ذكر ذلك القاضي عياض وابن حجر الهيتمي وتقدم ذكره (١) وكلام المؤلف ههنا داخل فيما أجمع العلماء على تكفير قائله.
الوجه الثاني زعمه انحراف عقائد الذين يؤمنون بمعجزات النبي ﷺ وكراماته وكرامات غيره من أنبياء الله وأوليائه. وهذا يتضمن القدح في جميع أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإِحسان. ولا يقدح فيهم إلا من متبع لغير سبيلهم وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
وقد قال في الإقناع في ذكر ما يصير به المسلم كافراً «أو قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أي أمة الإِجابة فهو كافر لأنه مكذب للإِجماع على أنها لا تجتمع على ضلالة» انتهى.
ولا يخفى ما في كلام المؤلف من تضليل الأمة على إيمانهم بمعجزات النبي ﷺ وكراماته وكرامات غيره من أولياء الله تعالى فيكون بهذا كافراً حلال الدم والمال.
الوجه الثالث تسميته علماء السلف وأئمة الخلف بالدراويش وجماعات التنسك الشكلي وأصحاب الدعاوي وزعمه أنهم قد خرجوا ببشريتهم على سنن الله في خلقه, وهذه الأوصاف أولى به وبأشباهه من زنادقة العصريين وملاحدتهم.
الوجه الرابع تسميته كتب الحديث المعتمدة عند المسلمين بالمدونات الصفراء تحقيراً لها وتصغيراً لشأنها وزعمه أن الأحاديث الواردة فيها في المعجزات والكرامات أحاديث خيالية مفتراة على رسول الله ﷺ وهذا من أعظم المحادة لله ولرسوله ﷺ والمخالفة لما عليه المسلمون من الاعتناء بكتب الحديث والتعظيم لشأنها والإِيمان بما جاء في الصحيح منها من أخبار الغيوب والمعجزات والكرامات واعتقاد أن ذلك حق وصدق. وقد روى الترمذي والحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ إلى النار».
الوجه الخامس رميه المسلمين بالغباوة والتغفيل من أجل اعتمادهم على
стр. 52
كتب الحديث وإيمانهم بما جاء في الصحيح منها من إخبار الغيوب والمعجزات والكرامات. والواقع في الحقيقة أن المؤلف هو الغبي المغفل الذي انقاد للشيطان فأغواه وتلاعب به حتى انسلخ من الدين وهو لا يشعر وصار حرباً لله ولرسوله ﷺ وللأحاديث الصحيحة والمحدثين وسائر المؤمنين وقد قال الله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥) ما نصه
ثامناً إثبات أن دين الله هو القرآن بداية ونهاية وأن رسول الله (ص) قد بلغ ذروة الأمانة وقمة الوفاء في بلاغه للناس نصاً كاملاً وفي بيانه لهم تطبيقاً وعملاً, والتأكيد القوي على أن كل ما يأتينا من أخبار منسوبة إلى النبي وليس لها سند قرآني إنما هي من وحي الخيال الخرافي الشارد أو الكيد الإِسرائيلي اللعين وأن رسول الله (ص) هو صاحب الساحة البريئة من تلك الأخبار لأنه لا يستطيع أن يضيف إلى كتاب الله شيئا من عنده بعد أن ضرب الله للناس فيه من كل مثل وأكد تمامه بقوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أما قوله أن رسول الله ﷺ قد بلغ ذروة الأمانة وقمة الوفاء في إبلاغ القرآن للناس وفي بيانه لهم فهذا مما لا نزاع فيه, وكذلك لا نزاع أنه ﷺ قد بلغ السنة وبينها للناس غاية البيان وأراهم من المعجزات وخوارق العادات ما آمن به المؤمنون وكذب به الزنادقة الملحدون.
قال أبو ذر ﵁ «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما» رواه الإِمام أحمد والطبراني وزاد فقال النبي ﷺ «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» قال الهيثمي رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة وفي إسناد أحمد من لم يسم.
وأما قوله إن دين الله هو القرآن بداية ونهاية فجوابه أن يقال هذا خطأ مردود
стр. 53
بقول النبي ﷺ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» الحديث, وفي رواية «ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وقد تقدم هذا الحديث وما في معناه في الفصل الثالث في أول الكتاب فليراجع (١).
وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة لأنه ﷺ أخبر أنه سيكون في أمته أناس يعارضون السنة بالقرآن ويردن كل حديث جاء فيه ما ليس في القرآن فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه.
الوجه الثاني أن يقال إن دين الله هو ما جاء في القرآن والسنة والدليل على ذلك قول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) قال ابن كثير في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة انتهى.
وقال البغوي في قوله (فردوه إلى الله والرسول) أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حياً وبعد وفاته إلى سنته, والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإِن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول إلى سنة نبيه, وروى أيضا عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.
وروى مالك في الموطأ بلاغا أن النبي ﷺ قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس ﵄ وصححه وأقره الذهبي.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلى
стр. 54
الله عليه وسلم «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض».
وروى الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني والترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإِن لم تجد في كتاب الله قال أقضي بسنة رسول الله قال فإِن لم تجد في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله».
وروى النسائي عن شريح القاضي أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله فكتب إليه «أن اقض بما في كتاب الله فإِن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ فإِن لم يكن في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ فاقض بما قضى به الصالحون فإِن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون فإِن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيراً لك والسلام».
وروى النسائي أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحو قول عمر ﵁.
وقد قال الله تعالى (لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) والآيات بنحو هذه الآية كثيرة وقد ذكرت جملة منها في الفصل الثالث في أول الكتاب وذكرت أيضا ما قيل في تفسير الحكمة بأنها السنة فليراجع (١). وفي هذه الآية وما في معناها من الآيات دليل على أن دين الله هو ما جاء في القرآن والسنة.
الوجه الثالث أن يقال كل ما جاء من أخبار الثقات متصلا إلى النبي ﷺ فهو من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ سواء شهد له القرآن أو لم يشهد له لأن النبي ﷺ قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وليس هو من وحي الخيال الخرافي
стр. 55
الشارد أو الكيد الإِسرائيلي اللعين كما زعمه المؤلف كذبا وزورا.
وقد تقدم في الفصل الأول في أول الكتاب قول الشافعي وأحمد والموفق وابن القيم في الأخذ بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فليراجع (١) فإنه مهم جدا.
الوجه الرابع أن يقال من أبطل الباطل تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات الأثبات. ولا يقول بهذا من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الخامس أن يقال ما كان من السنة زائداً على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته لقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وقوله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وكذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات والكرامات وما أخبر به عن الأنبياء وغيرهم من الماضين مما لم يكن في القرآن فكله حق وصدق يجب على كل مؤمن تصديقه كما يجب عليه تصديق ما جاء في القرآن قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوى).
ومن آمن بما جاء في القرآن ولم يؤمن بما ثبت عن النبي ﷺ فهو من الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله قال الله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا, أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا, والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما).
الوجه السادس أنه لا يجوز أن يقال فيما ثبت عن النبي ﷺ ولم يكن في القرآن أن النبي ﷺ قد أضاف إلى القرآن ما ليس منه كما هو مقتضى كلام المؤلف وهو قول سوء لا يقوله أحد يؤمن بالله ورسوله.
فصل
وقال المؤلف صفحة (٥) ما نصه
стр. 56
تاسعا إقامة الحجة القوية على الذين يتعصبون لآراء شيوخهم أو معتقدات آبائهم أو يلغون عقولهم أمام أسانيد تأتيهم بأحاديث تكذب كتاب الله زعما منهم أن الشلل الإرادي لعقولهم احتراما لتلك الأسانيد هو التعبد المطلوب, متناسين أن تقديس رجال الأسانيد هو التعبد المرفوض, وقد أنساهم الشيطان أن تقديس هؤلاء الرجال فيما يخالف كتاب الله هو أعظم أنواع الشرك الصحيح لأنه منازعة لله في حق الكلمة والتشريع وذلك أعظم ما لله من حقوق على خلقه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن كلام المؤلف قد اشتمل على ترهات وأباطيل كثيرة, منها زعمه أن قبول الأسانيد الصحيحة من التعصب لآراء الشيوخ ومعتقدات الآباء ومن إلغاء العقول. ومنها زعمه أن في الأحاديث المروية بالأسانيد الصحيحة ما يخالف كتاب الله ويكذبه, ومنها زعمه أن احترام الأسانيد الصحيحة من الشلل الإرادي للعقول, ومنها زعمه أن احترام الأسانيد الصحيحة من تقديس رجال الأسانيد وأنه من التعبد المرفوض وأنه أعظم أنواع الشرك وأنه منازعة لله في حق الكلمة والتشريع.
وجوابنا عن هذه الترهات والأباطيل أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
الوجه الثاني أن يقال إن احترام الأسانيد الثابتة والأحاديث الصحيحة هو مقتضى العقل الصحيح كما أنه عنوان على الإِيمان بالله ورسوله ﷺ . وأما عدم احترامها فإِنه دليل على ضعف العقل أو ذهابه بالكلية كما أنه عنوان على زيغ القلب وبعده عن الإِيمان بالله ورسوله ﷺ .
الوجه الثالث أن يقال إن المؤلف هو الذي قد شل عقله في الحقيقة حينما نصب نفسه لعداوة الأحاديث الصحيحة وتعصب لآراء أبي رية وأشباهه من الزائغين الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة بالآراء والشبهات ولا يبالون برفض الأسانيد الثابتة وتكذيب ما ثبت عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال والمعجزات والكرامات. وما أشبه هذا الضرب الرديء بالذين قال الله تعالى فيهم (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإِن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) وقال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله
стр. 57
على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٥) و (٦) ما نصه
عاشراً إرشاد الراغبين في تحصيل العلم الديني إلى الباب الفسيح الذي وسعنا الله فيه فعلمنا بفضله حينما طرقنا بابه لهذا الغرض طرق الضعفاء المخلصين الباذلين جهدهم في الوفاء بالشرط الذي فرضه الله على طلاب العلم بقوله (واتقوا الله ويعلمكم الله) ذلك ليعلم المخلصون أن باب العلم مفتوح على مصراعيه لعباد الله المستطلعين لأمور دينهم الذين يحصرون أنفسهم في دائرة القرآن فيدرسونه دراسة العقلاء المتدبرين ويعكفون أيضا على دراسة السنة المتواترة التي قدمها النبي - ص - تطبيقا عمليا للقرآن الكريم. مع النصيحة الخالصة بالمداومة والصبر الجميل في دراسة آراء العلماء السابقين والمعاصرين, ومن هنا يصبح العلم الديني حقا مباحا للعاديين والرسميين. ولهذا أقول لأخي في الله وصديقي على درب الموحدين إني أهديك نصيحة صادقه هي أنك لو أردت العلم الديني فما عليك إلا أن تتقي الله وتأخذ بأسباب التحصيل اطلاعا طويلا مرتكزا على القاعدة القرآنية والسنة الصحيحة. وبالصبر الجميل على طريق الاطلاع سوف تكون عالما واعيا ولا ينبئوك مثل خبير.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن العلم النافع هو الفقه في الدين قال الله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) وفي الصحيحين وغيرهما عن معاوية ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» وروى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ مثله وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ومعاوية ﵃.
والفقه في الدين هو العلم بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قال الشاعر:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
стр. 58
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان
فالعلم بما جاء في الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة ﵃ هو العلم في الحقيقة وهو الذي ينبغي للإنسان أن يجد ويجتهد في طلبه ويحرص غاية الحرص على تحصيله. قال أبو الدرداء ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في الجوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
فأما ما جمعه المؤلف في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وتأويل القرآن على غير تأويله والاعتماد على آراء أبي رية وأشباهه من الملحدين فليس بعلم وإنما هو جهل وضلال وإضلال للأغبياء الجهال, وما أضر ذلك وأسوأ عاقبته على صاحبه قال الله تعالى (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).
وروى الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال النووي سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه انتهى.
الوجه الثاني أن يقال الذي يظهر من كلام المؤلف أنه يرى أنه قد حصل له حظ وافر من العلم الديني وهو ما جمعه في كتابه الذي نرد عليه. وما علم المسكين أن الشيطان قد تلاعب به وأراه الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل. وما عمل أيضا أن حقيقة كتابه هو الرد على رسول الله ﷺ ورفض أقواله
стр. 59
وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصا خيالية فهذا حاصل علمه الذي تعب في تحصيله مدة طويلة. ولا شك أنه بعيد كل البعد عن العلم الديني, ولا شك أيضا أن الجهل الكثيف خير من علم المؤلف وأحرى بسلامة الدين.
الوجه الثالث أن يقال كل رأي لم يستند إلى دليل من الكتاب أو السنة فليس من العلم الديني. وأكثر الآراء غث لا خير فيه وخصوصا آراء بعض العصريين. وعلى هذا فلا ينبغي للعاقل أن يشغل نفسه بما لا فائدة فيه وأن يضيع أوقاته في دراسة الآراء التي لا خير فيها.
وأما نصيحة المؤلف بالمداومة والصبر على دراسة الآراء فإِنها لا تروج إلا على أشباهه من الأغبياء الذين لا يفرقون بين الغث والسمين.
وينبغي للعاقل أن يعتبر بحال المؤلف وما وقع فيه من الزيغ والإلحاد بسبب دراسته لآراء أهل الزيغ والضلال من العصريين فكانت نتيجته من أسوأ النتائج وذلك أنه بذل غاية جهده في الرد على رسول الله ﷺ ورفض أقواله وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات والكرامات. وكذلك قد انتحى على بعض أفاضل الصحابة والتابعين فطعن في عدالتهم ورمى بعضهم بالعظائم. ومن له أدنى عقل لا يرضى لنفسه أن تكون حاله كحال المؤلف.
وأما قوله ولا ينبؤك مثل خير.
فجوابه أن يقال إن المؤلف قد وصف نفسه بما وصف الله به نفسه في كتابه وهذا من إساءة الأدب مع الرب ﵎, قال قتادة وغيره في قول الله تعالى (ولا ينبؤك مثل خبير) يعني نفسه ﵎, فالله ﵎ هو الخبير بجميع الأمور العالم بما كان وما يكون, وأما غيره فلا يوصف بأنه خبير على الإطلاق وإنما يوصف بأنه خبير بما أحاط به علمه فقط. والعلم بمآل الأمور من خصائص الرب ﵎ فهو الذي يعلم من يكون عالما واعيا بسبب القراءة والاطلاع ومن لا يستفيد بكثرة القراءة والاطلاع والصبر على الدراسة شيئا أو يستفيد ما يضره ويضر غيره كحال المؤلف.
ويقال أيضا أن المؤلف قد أكثر القراءة والإِطلاع كما صرح بذلك في البند
стр. 60
الحادي عشر ومع هذا لم يكن عالماً واعياً وإنما كان جاهلاً محاداً لله ولرسوله ﷺ ومتبعاً لغير سبيل المؤمنين. ومن كانت هذه حاله وكان غير خبير بالأمر الذي وقع فيه بنفسه فكيف يكون خبيراً بما تؤول إليه حال غيره.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٦) ما ملخصه
حادي عشر كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصاً ومعنى وقد سلكنا في تدوينه درب الأحرار المفكرين من الموحدين والسلفيين الذين يلتزمون بالقرآن وبتطبيق النبي تعبداً وتشريعا. ثم ذكر أنه عكف على القراءة والاستنباط طول حياته الماضية حتى فتح الله عليه بمعرفة الحق من الباطل بسبب رجوعه في كل شيء قرأه إلى القرآن, ثم قال وعلينا أن نشير بسهم الإِشارة لأستاذ المخرجين البخاري الذي لا يؤثر في كثرة الصحيح عنده ما نستبعده من أحاديث تخالف القرآن الكريم, ونحن على يقين من أن ذلك لا يغضبه لأنه لا يحب أن يسئل يوم القيامة عن كلام يخالف كلام الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن كتاب المؤلف لم يستند إلى كتاب الله لا نصاً ولا معنى وإنما استند إلى القول في كتاب الله بغير علم وحمل الآيات على غير محاملها, واستند أيضا إلى رأيه وآراء أهل الزيغ والإلحاد كأبي رية وأشباهه من أعداء الأحاديث الصحيحة.
يوضح ذلك الوجه الثاني وهو أن المؤلف صرح أنه سلك في تدوين كتابه درب الأحرار المفكرين - يعني الذين يقولون بحرية الفكر من العصريين فيتبعون ما يرونه بأفكارهم ولا يعبأون بالآيات والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة ولا يبالون برفضها واطراحها إذا عارضت شيئا من آرائهم الفاسدة.
الوجه الثالث أن يقال لم يكن سلف الأمة وأئمتها يتأولون القرآن على غير تأويله ويعارضون به الأحاديث الصحيحة ولم يكونوا يقولون بحرية الفكر فيما يخالف الكتاب أو السنة أو الإِجماع أو قول صاحب لم يخالفه غيره من الصحابة, وإنما كانوا يحترمون القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع أهل العلم وأقوال الصحابة ﵃ ويجتهدون الرأي فيما لم يجدوا فيه دليلا من القرآن أو من السنة أو من الإجماع أو من أقوال الصحابة ﵃. ومن سلك سبيلاً غير سبيل السلف
стр. 61
الصالح من صدر هذه الأمة فليس من السلفيين, ودعواهم أو دعوى أتباعهم إنهم سلفيون دعوى على غير حقيقة فلا تقبل.
الوجه الرابع أن يقال إن الذين يلتزمون بالقرآن وبتطبيق النبي ﷺ لما جاء في القرآن ويرفضون ما سوى ذلك من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وما ثبت عنه من المعجزات والكرامات ليسوا سلفيين وإنما هم أهل بدعة وضلالة. قد أخبر النبي ﷺ عنهم وحذر منهم في عدة أحاديث تقدم ذكرها في الفصل الثالث في أول الكتاب فلتراجع (١).
الوجه الخامس أن يقال إن السلفيين هم أهل السنة والجماعة وهم الذين يتمسكون بالقرآن والسنة وهي ما ثبت عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال سواء كانت موافقة للقرآن أو زائدة على ما فيه وسواء كانت متواترة أو آحاداً. ومن أصول السلفيين أيضا أنهم يؤمنون بما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات وخوارق العادات مما وقع له صلى الله علي وسلم وما أخبر به عن الأنبياء وغيرهم من أولياء الله تعال ولا يردون من ذلك شيئاً كما يفعله تلامذة الإفرنج ومقلدوهم من العصريين ومنهم المؤلف وأبو رية وأبو عبية وغيرهم من أدعياء العلم في زماننا.
الوجه السادس أن يقال إن الذين يزعمون أنهم يلتزمون بالقرآن ليسوا صادقين في زعمهم ولو كانوا صادقين لآمنوا بكل ما ثبت عن النبي ﷺ سواء كان موافقاً للقرآن أو كان زائداً على ما فيه وسواء كان متواتراً أو آحاداً لأن الله تعالى قال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك, وتقدم في الفصل الأول في أول الكتاب قول الإمام أحمد أيضا كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
стр. 62
وأما ما ذكره المؤلف عن نفسه أنه عكف على القراءة والاستنباط طول حياته الماضية حتى فتح الله عليه بمعرفة الحق من الباطل بسبب رجوعه في كل شيء قرأه إلى القرآن.
فجوابه أن يقال إن عكوفه على القراءة والاستنباط طول حياته لم يزده إلا جهلا ولبسا للحق بالباطل ومحادة لله ولرسوله ﷺ واتباعا لغير سبيل المؤمنين. وذلك أنه نصب نفسه للرد على رسول الله صلى الله علي وسلم واطراح كثير من أقواله وأفعاله وما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وقال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وقال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء أحدهما رد الحق لمخالفته هواك فإِنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضره وقته فإِنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك قال تعالى (فإِن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى.
ومن نظر في كتاب المؤلف وكان ذا بصيرة لم يشك أنه قد أصيب بتقليب القلب والبصر فصار يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. وما زعمه من رجوعه في كل شيء قرأه إلى القرآن لم يكن سوى القول في كتاب الله بغير علم وحمل الآيات على غير محاملها. ولا شك أن المؤلف داخل فيما أخبر النبي ﷺ بوقوعه في قوله «لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث وهو متكئ على أريكته فيقول اتل به قرآنا» وفي رواية «لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت
стр. 63
عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا» وقد تقدم هذا الحديث وأحاديث في معناه في الفصل الثالث في أول الكتاب فلتراجع (١) وأما قوله وعلينا أن نشير بسهم الإشارة لأستاذ المخرجين البخاري الذي لا يؤثر في كثرة الصحيح عنده ما نستبعده من أحاديث تخالف القرآن الكريم ونحن على يقين من أن ذلك لا يغضبه لأنه لا يحب أن يسئل يوم القيامة عن كلام يخالف كلام الله.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ليس البخاري أستاذاً لأحد من المخرجين سوى الترمذي. وقد روى عنه مسلم في غير الصحيح. وروى عنه النسائي حديثا واحداً, وكثير من المخرجين كانوا من أقران البخاري وبعضهم من شيوخه وبعضهم من شيوخ شيوخه وبعضهم كانوا بعد زمانه وعلى هذا فلا يصح أن يقال إن البخاري أستاذ للجميع وإنما يصح أن يقال إنه مقدم على الذين اعتنوا بجمع الأحاديث الصحيحة.
الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه, واستبعاد المؤلف لبعض الأحاديث التي في صحيح البخاري لا يؤثر فيها بشيء وإنما يؤثر في المؤلف ويدل على غباوته وكثافة جهله بالأحاديث الصحيحة, ومن المطابق للمؤلف في تهجمه على صحيح البخاري قول الأعشى.
كناطح صخرة يوما ليوهيها ... فلم يضره وأوهى قرنه الوعل
وأما قوله ونحن على يقين من أن ذلك لا يغضبه. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال من أين للمؤلف على أن يعلم يقيناً أن تهجمه على صحيح البخاري لا يغضب البخاري (أعنده علم الغيب فهو يرى). وما ادعاه من اليقين فهو في الحقيقة ظن كاذب وليس يقيناً صادقاً وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) وفي الحديث الصحيح «الظن أكذب الحديث» رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الثاني أن يقال إن تهجم المؤلف على صحيح البخاري ليس بالأمر الهين, ولا أظن أن أحداً من المسلمين يرضى بصنيع المؤلف فضلاً عن أن يرضى بذلك البخاري لو كان حياً. وكيف لا يغضب المؤمنون عامة والبخاري خاصة من الاستهانة
стр. 64
بكتاب قد تلقته الأمة بالقبول واتفق العلماء المعتد بأقوالهم على أنه أصح الكتب بعد القرآن. وكيف لا يغضب المؤمنون عامة من اطراح أحاديث رسول الله ﷺ وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. وكيف لا يغضب البخاري والمؤمنون الذين يعرفون عظم قدر البخاري من محاولة الحط من قدره وإلحاقه بالأغبياء المغفلين الذين تروج عليهم دسائس الكذابين. وكيف لا يغضب المؤمنون عامة من الطعن في بعض الصحابة والتابعين ورميهم بالدس على الإسلام.
ولا شك أن المؤلف قد تعرض لغضب الله تعالى لأنه قد بالغ في إساءة الأدب على رسول الله ﷺ وعلى بعض الصحابة ﵃ وعلى الثقات الأثبات من رجال الأحاديث من التابعين ومن بعدهم وعلى الذين ألفوا الصحاح والسنن المسانيد فالله يجازيه على أفعاله السيئة بعدله.
وأما قوله لأنه لا يحب أن يسئل يوم القيامة عن كلام يخالف كلام الله.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ما يخالف كلام الله بوجه من الوجوه, وقد تقدم بيان ذلك في عدة مواضع. وما زعمه المؤلف من مخالفة ما فيه لكلام الله تعالى فهو كذب وبهتان.
الوجه الثاني أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو كان في صحيح البخاري أحاديث كثيرة تخالف كلام الله لما كان عمل المؤلف في معارضتها ورفضها نافعا للبخاري في معاده ومانعا من سؤاله عما خرجه في كتابه قال الله تعالى (كل امرئ بما كسب رهين) وقال تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة). ولو أن المؤلف حاسب نفسه على عمله في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وخاف من السؤال عن ذلك يوم القيامة لكان خيراً له.
الوجه الثالث أن يقال أن البخاري رحمه الله تعالى قد اعتنى بجمع الأحاديث الصحيحة وحفظها على الأمة فصار كتابه نوراً يستضيء به المؤمنون. وقد جاء في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ دعا بالرحمة والنضارة لمن حفظ أحاديثه وبلغها, وقد تقدم ذكرها, والبخاري من الذين ترجى لهم الرحمة والنضارة والدرجة العالية في الدار الآخرة. وأما المؤلف فيخشى عليه من العذاب الشديد على
стр. 65
معارضته للأحاديث الصحيحة ورفضها وتكذيب ما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصاً خيالية وخوارق خرافية, وعلى طعنه في بعض الصحابة والتابعين ورميهم بالدس على الإسلام ..
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٨) في مقدمة الكتاب وذكر الدوافع لتأليفه ما ملخصه.
الدافع الأول هو صدورنا في تأليفه عن رهبة وخوف من عقاب الله للمقصرين في دعوة الحق - إلى أن قال - ولا شيء علينا إلا أن نحتمي بالله وحده من الراجمين لنا بغير حق ومن المعتدين علينا بغير عدل نتيجة جهرنا بما أمر الله به عندما نخالفهم بكلمة الحق فيما يقولون أو ما يعتقدون.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الشيطان قد تلاعب بالمؤلف الجاهل غاية التلاعب فأراه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وأوهمه أن تأليفه لكتابه صادر عن رهبة وخوف من عقاب الله. وقد سلك المؤلف في دعواه الخوف من الله تعالى مسلك شيخه إبليس حينما كان مع كفار قريش يوم بدر يحرضهم على قتال النبي ﷺ وأصحابه قال الله تعالى مخبراً عنه (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) وقال تعالى (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين).
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف هو الجائر المعتدي في الحقيقة لأنه قد بذلك جهده في معارضة أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصاً خيالية وخوارق خرافية وهذا من أقبح الجور والاعتداء والرجم بغير الحق. فأما الرد على أباطيل المؤلف وترهاته فهو من أهم المهمات وآكد الحقوق الواجبة على من يستطيع ذلك من العلماء وهو من العدل والانتصار للرسول ﷺ .
الوجه الثالث أن يقال قد زعم المؤلف أنه قد جهر بما أمر الله به وهذا من
стр. 66
الكذب على الله تعالى. فإن الله تعالى لم يأمر قط بمعارضة أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. وإنما أمر ﵎ بالإيمان برسوله ﷺ وطاعته واتباعه وتوقيره واحترامه والأخذ بما جاء به والانتهاء عما نهى عنه وحذر غاية التحذير من مخالفة أمره قال الله تعالى (فآمنوا بالله رسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) وقال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) وقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وقال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) وقال تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وقال تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا).
ولا شك أن المؤلف قد وقع في نفسه حرج عظيم من أقوال النبي ﷺ وأفعاله ومعجزاته وكراماته فلذلك أطلق العنان لنفسه في معارضته ورفض أقواله وأفعاله وتكذيب معجزاته وكراماته وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. والله المسئول أن يعافينا وإخواننا المسلمين مما ابتلاه به.
الوجه الرابع أن المؤلف زعم أنه قد قال كلمة الحق وهذا من قلب الحقيقة لأنه إنما قال الأباطيل والترهات وعارض الحق ورفضه وأبعد عنه غاية البعد وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٨) وصفحة (٩) ما نصه
стр. 67
الدافع الثاني هو إعلان الغيرة التي لا تقبل من المؤمن صمتا ولا كتمانا وإنما يفرضها الله جهارة وإعلانا وحملة وإنكاراً على باطل القول وزور الحديث الذي نسب إلى رسول الله (ص) وتغلغل في سطور كلامه الصحيح حتى أصبح معارضا للقرآن الكريم ومعطلا لأحكامه الصريحة الواضحة ثم غشي بغشائه القبيح على أجمل وأطيب سيرة منحها الله لخاتم النبيين والمرسلين. وليس لنا من مخرج العقاب على وجود هذا الباطل في كتب الأحاديث الصحيحة ومضارعته للقرآن إلا بإعلان تلك الصيحة والتعريض الكتابي بعيوب وبطلان ما دسه الإسرائيليون وأقحموا فوقه اسم نبينا زورا وبهتانا ليشوهوا دين الإسلام بما في تلك الأحاديث من عيوب الوثنية وقبيح الباطل وبطلان التخريف.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن المؤلف إنما أعلن العناد والزندقة والإلحاد وأظهر ذلك في قالب النصيحة والإصلاح كما قال تعالى عن سلفه وإخوانه (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) فقد أعلن غيرته جهارة وإعلاناً وحملة وإنكاراً لأقوال رسول الله ﷺ وأفعاله ومعجزاته وكراماته كما لا يخفى على من نظر في كتابه المملوء بالأباطيل والترهات.
الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء من باطل القول وزور الحديث وإنما ذلك في كتاب المؤلف فهو الذي قد ملئ بالأباطيل والزور والبهتان, وسأبين ذلك في مواضعه من الرد عليه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء يعارض القرآن الكريم ويعطل أحكامه الصريحة كما زعم ذلك المؤلف كذبا وزورا. وقد تقدم في الفصل الثاني عشر في أول الكتاب ما نقله النووي من اتفاق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وأن الأمة تلقتهما بالقبول وأن ما حكم البخاري ومسلم بصحته فهو مقطوع بصحته في نفس الأمر وأن علماء المسلمين أجمعوا على صحتهما سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع. وتقدم أيضا ما ذكره ابن كثير من إجماع العلماء وسائر أهل الإسلام على قبول صحيح البخاري وصحة ما فيه. فليراجع ذلك (١) ففيه أبلغ رد على كذب المؤلف وإلحاده.
стр. 68
الوجه الرابع أن يقال ما ذكر في صحيح البخاري وغيره من الصحاح من معجزات النبي ﷺ وخوارق العادات فقد غشى السيرة النبوية بأحسن الغشاء وأجمله كما لا يخفى على أهل العلم النافع والعقول السليمة, وليس الأمر على ما قاله من أعمى الله قلبه فزعم أن ذلك قد غشى السيرة النبوية بغشائه القبيح. وجوابنا عن هذه الفرية أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
الوجه الخامس أن يقال قد تعرض المؤلف للعقاب الشديد على معارضته لأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتكذيبه لمعجزاته وكراماته وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. ولو أنه أعرض عن الكتابة في هذا الموضوع لكان خيراً له وأحرى لسلامته.
الوجه السادس أن يقال إن معاندة المؤلف للأحاديث الصحيحة وإعلانه الصيحة واللغو في معارضتها شبيه بمعاندة الكفار للقرآن ولغوهم في معارضته قال الله تعالى (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديداً ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون. ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون).
الوجه السابع أن يقال إن الله ﵎ قد صان الصحيحين من دس الإسرائيليين ومن كل ما يشوه دين الإسلام من الوثنية وقبيح الباطل وبطلان التخريف. ولكن المؤلف هو الذي أراد الدس على المسلمين وتشكيكهم في الأحاديث الصحيحة فهو في الحقيقة شر على الإسلام والمسلمين من الإسرائيليين ومن غيرهم من أعداء الله تعالى.
الوجه الثامن أن يقال إن كتب السنة كانت محترمة عند علماء أهل السنة والجماعة منذ زمان تأليفها إلى أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة فحينئذ ظهرت فئة من تلاميذ الإفرنج ومقلديهم والمتزلفين إليهم بالطعن في الأحاديث الصحيحة والتشكيك فيها. ومنهم المؤلف وأبو رية وبعض مشايخه الذين بثوا في المسلمين كثيرا مما يراه الإفرنج ويعتقدونه مما هو مخالف للقرآن والأحاديث الصحيحة. وقد تنوعت طرق طعنهم في الأحاديث الصحيحة فتارة يطعنون فيها بأنها تخالف القرآن. وإنما يقولون ذلك لقصور فهمهم للأحاديث الصحيحة وحملهم القرآن على غير محامله. وتارة
стр. 69
يطعنون فيها بأنها أخبار آحاد. وتارة يزعمون أنها من الدس الإسرائيلي. وتارة يصرفونها عن ظاهرها ويتأولونها على غير المراد بها مما يوافق آراءهم أو آراء من يعظمونهم من الإفرنج وتلاميذ الإفرنج. وبالجملة فقد كانت هذه الفئة معاول هدم وتخريب للإسلام وعقائد المسلمين وآلة لنشر الإلحاد والزندقة والله المسؤل أن يطهر الأرض منهم ومن أشباههم من المفسدين إنه على كل شيء قدير.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) ما نصه
الدافع الثالث هو التزلف إلى الله ﵎ بإعلان تنزيهه عما جاء بهذه الأحاديث الكاذبة من صفات النقص والعيب الذي لا يليق بجلاله في صنعه وتقديره وإحكام قوله بغير تبديل. وبضرورة الرجوع بأحاديث الدس إلى كتاب الله حتى يفضح القرآن ما فيها من كيد أخفى شره أعداء الإسلام تحت كلمات التكريم الصناعي لرسول الله (ص) مع ما في تلك الأحاديث المزينة بكلمات التكريم من انحراف للعقائد وزيغ للقلوب.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الشيطان قد تلاعب بالمؤلف غاية التلاعب حتى إنه زين له التزلف إلى الله تعالى بالكفر الذي هو أبغض الأشياء إلى الله. وذلك أنه نفى عن الرب ﵎ بعض صفات الكمال يقصد بذلك التنزيه فوقع في التعطيل. والتعطيل كفر. قال نعيم بن حماد شيخ البخاري من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه فقد كفر. وهذا الذي قاله نعيم بن حماد رحمه الله تعالى هو قول أهل السنة والجماعة لا خلاف بينهم في ذلك, وقد تزلف المؤلف إلى الله تعالى أيضا بالاستخفاف بالنبي ﷺ والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول والاعتراض على كثير من أقواله وأفعاله ومعجزاته وكراماته ورفضها واطراحها وتسمية معجزاته وكراماته قصصا خيالية وخوارق خرافية. وكل نوع من هذه الأنواع كفر. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وبيان ما نفاه من صفات الرب ﵎ عند الكلام على الأحاديث التي رفضها وزعم أنها مدسوسة.
ومما تزلف به المؤلف إلى الله تعالى أيضا الوقيعة في بعض الصحابة والتابعين والقدح في عدالتهم بالزور والبهتان. ومنهم عبد الله بن سلام الذي شهد له رسول الله
стр. 70
صلى الله عليه وسلم بالجنة. ومنهم أنس بن مالك الذي دعا له رسول الله ﷺ بالجنة, ودعوته ﷺ مستجابة بلا شك, وقول الزور والبهتان من كبائر الإثم ومن أبغض الأشياء إلى الله تعالى وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون).
الوجه الثاني أن المؤلف نزه الله تعالى عن الاتصاف ببعض صفات الكمال وزعم أنها صفات نقص وعيب لا تليق بجلال الله. وهذا يدل على انتكاس قلبه. والله ﵎ منزه عن كلام المؤلف وتعطيله الذي زعم أنه تنزيه.
الوجه الثالث أن المؤلف زعم أن الأحاديث الصحيحة الواردة في صفات الرب ﵎ أحاديث كاذبة. والجواب أن يقال بل المؤلف هو الكاذب الأفاك. والأحاديث التي قدح فيها وهي في صحيح البخاري كلها أحاديث صادقة على رغم أنفه وأنف من يقول بقوله.
الوجه الرابع أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الصحاح شيء من الدس وقد تقدم بيان ذلك مراراً وبيان كذب المؤلف فيما زعمه من الدس في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة.
الوجه الخامس أن يقال إن الأحاديث الصحيحة فيها الهدى والنور وليس فيها شيء من الكيد والشر وإنما ذلك في كلام المؤلف وكتابه وكتب أشباهه من العصريين.
الوجه السادس أن يقال ليس في رواة الأحاديث الصحيحة أحد من أعداء الإسلام وإنما عدو الإسلام في الحقيقة هو المؤلف الذي استهان بأقوال النبي ﷺ وأفعاله ومعجزاته وكراماته وجعلها غرضا لسهامه الخبيثة.
الوجه السابع أن يقال إن نسبة الأحاديث الصحيحة إلى النبي ﷺ ثابتة عند أهل العلم وليس ذلك من كلمات التكريم الصناعي كما زعم ذلك المؤلف كذباً وبهتاناً.
الوجه الثامن أن يقال إن انحراف العقائد وزيغ القلوب لا يكون بالإيمان بالأحاديث الصحيحة وإنما يكون بنبذها واطراحها كما وقع للمؤلف الجاهل فقد
стр. 71
انحرفت عقيدته وزاغ قلبه بسبب تكذيبه للأحاديث الصحيحة ورفضه واطراحه لها.
الوجه التاسع أن يقال إن رسوخ العقيدة الصحيحة وثباتها واستقامة القلوب إنما يكون بالإيمان بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة. فمن آمن بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة رسخت العقيدة الصحيحة في قلبه وثبتت واستقام قلبه, ومن رفض شيئاً مما جاء في القرآن أو الأحاديث الصحيحة فلا بد أن تنحرف عقيدته ويزيغ قلبه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) ما نصه
الدافع الرابع هو إبعاد الشوائب الإسرائيلية عن معاني القرآن والسنة النبوية حتى يتوقف طوفان البدع الدينية عند حدود ما شرع الله في كتابه وبيّن رسوله بعمله وبذلك يصبح القرآن شفاء مجدياً لأمراض الصدور بعد أن تعطلت فاعليته في هذا الشفاء نتيجة لمزجه بمحلول وتركيبة الحديث الدخيل على كلام النبي فازدادت معظم القلوب مرضا على أمراضها رغم أنه تستوعب القرآن حفظاً أو سمعاً حتى أصبح الواجب الأول على علماء الدين أن يثبتوا أن العيب لم يكن نقصا في فاعلية القرآن وتأثيره في أمراض الصدور وإنما العيب كل العيب في مزجه بمخلوط الحديث الخيالي المخترع والتشريع المبتدع المستمد من روايات الخيال السابح في أودية التخريف الإسرائيلي.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن أقول قد ذكرت مراراً أن صحيح البخاري وغيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ليس فيها شيء من الدس الإسرائيلي وليس فيها شيء يخالف القرآن أو يدعو إلى البدع الدينية. وما زعمه المؤلف من الدس فيها بما يخالف القرآن أو يدعو إلى البدع الدينية فهو زعم كاذب فلا يغتر به.
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف لم يبعد عن معاني القرآن شيئاً من الشوائب الإسرائيلية وإنما أبعد الأحاديث الصحيحة النبوية واختار للإبعاد صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد القرآن. ولا أعلم أن أحداً سبق المؤلف إلى هذا العمل الخبيث فالله يجازيه على ذلك بعدله.
الوجه الثالث أن المؤلف فرق بين أقوال النبي ﷺ وأعماله
стр. 72
فقبل الأعمال ورد الأقوال وزعم أنها دسائس إسرائيلية فكان مثله مثل اليهود الذين قال الله تعالى فيهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون).
الوجه الرابع أن الله تعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور منذ أنزله إلى أن يرفع إلى السماء في آخر الزمان. ولم تتعطل فاعليته في الشفاء إلا عند الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كالمؤلف وأشباههم من الزنادقة.
الوجه الخامس أن المؤلف صرح أن القرآن قد تعطلت فاعليته في شفاء أمراض الصدور نتيجة لمزجه بمحلول الحديث الدخيل على كلام النبي ﷺ . ومراد المؤلف بالحديث الدخيل ما جمعه من صحيح البخاري وزعم أنه من الدس الإسرائيلي وليس من كلام النبي ﷺ . فعلى حد كلام المؤلف يكون القرآن قد تعطلت فاعليته في شفاء أمراض الصدور منذ زمان النبي ﷺ إلى زمان المؤلف. وهذا قول سوء لا يقوله مسلم.
الوجه السادس أن المؤلف رمى الأحاديث الصحيحة التي جمعها من صحيح البخاري بأنها من الحديث الخيالي المخترع والتشريع المبتدع المستمد من روايات الخيال السابح في أدوية التخريف الإسرائيلي.
والجواب عن هذا التهور القبيح أن نقول (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا).
الوجه السابع أن يقال من أوجب الواجبات على علماء الدين أن ينفوا عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وأن ينفوا عن الأحاديث الصحيحة كل شناعة وزور وبهتان مما يفتريه الدجالون والزنادقة الملحدون كالمؤلف وأشباهه من أدعياء العلم والإسلام. والقيام بهذا الواجب من أعظم الجهاد في سبيل الله. وقد قال الله تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم, والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم).
стр. 73
الوجه الثامن أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الصحيحة عيب البتة وإنما العيب كل العيب فيمن عابها وعارضها ورفضها واطرحها وكذب بما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية, ورمى بعض الصحابة والتابعين بالعظائم وطعن في عدالتهم بالزور والبهتان. وهذا هو ما عمله المؤلف في كتابه واستحسنه وبذل جهده في كتابته ونشره وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) وصفحة (١٠) ما نصه
الدافع الخامس هو تبرئة النبي ﷺ مما نسب إليه من أحاديث القول الزائد على البيان القرآني لصفات الله وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما بينه القرآن عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت والعلم بالغيب وموعد الساعة وعن عالم الجن رؤية واتصالا وأحوال النبيين وأممهم. إذ المعروف أن النبي ﷺ لم يأت بشيء في تلك الأمور أكثر مما جاءه في القرآن الذي يقول الله عنه وفيه (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال من أبطل الباطل تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات الأثبات. ولا يقول بهذا القول الباطل إلا من هو زائغ القلب فاسد العقيدة والتصور.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله». وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول الكتاب فليراجع (١) ففيه أبلغ رد على المؤلف في إنكاره للأحاديث الصحيحة الزائدة على ما جاء بيانه في القرآن.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة
стр. 74
الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال ﷺ أيضا «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله». وقد تقدم إيراد هذين الحديثين (١) وذكر من رواهما وصححهما من الأئمة, وفيهما أبلغ رد على المؤلف لأن النبي ﷺ حث على التمسك بسنته وهي تشمل أقواله وأفعاله. ومن فرق بين أقوال النبي ﷺ وأفعاله فآمن بالأفعال وأنكر الأقوال فهو ممن آمن ببعض السنة وكفر ببعضها. وإيمانه بالأفعال مع إنكاره للأقوال لا ينفعه إذ لا بد من الإيمان بهما معا, وقد تقدم في الفصل الأول في هذا الكتاب (٢) قول البربهاري, من رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
الوجه الرابع أن الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وفي هذه الآيات أوضح دليل على أنه يجب على المسلمين قبول ما جاء في الأحاديث الصحيحة من بيان صفات الله تعالى وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما جاء فيها من الإِخبار عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت وغير ذلك من أمور الغيب وعن أحوال النبيين وأممهم وعن رؤية الجن واتصالهم ببني آدم. فكل ما ثبت عن النبي ﷺ بنقل الثقات الأثبات فهو حق يجب قبوله ولا يجوز رد شيء منه ولو كان زائداً على ما جاء في القرآن إلا إذا عارضه ما هو أصح منه من الأحاديث. ومن رد شيئاً مما ثبت عن النبي ﷺ فقد رد على الله أمره في قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولم يصدق بما أخبر الله به عن الرسول ﷺ أنه ما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى.
الوجه الخامس أن النبي ﷺ لم يخبر عن موعد الساعة البتة. ولما قال جبريل ﵇ للنبي ﷺ اخبرني عن الساعة قال «ما المسؤل عنها بأعلم من السائل» رواه الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
стр. 75
وقد قال الله تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وقال تعالى (يسألونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها). وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن النبي ﷺ قال «خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).
وإذا علم هذا فما زعمه المؤلف من أنه قد روي عن النبي ﷺ أحاديث في موعد الساعة فهو كذب من المؤلف لا أصل له.
الوجه السادس أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أشياء كثيرة لم تكن في القرآن وقد أمر الله المسلمين بقبولها فقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وأخبر ﵎ أنها من الوحي فقال تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وهذا هو المعروف عند أهل العلم وإنما يجهله الأغبياء ويتجاهله الزنادقة الأشقياء.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٠) ما نصه
الدافع السادس هو تبرئة النبي (ص) من الخوارق الخرافية والخيالية التي كان غنيا عنها بمعجزة القرآن الكريم. ورفع منزلته على ما نسجه خيال المادحين له بجهالة وطيش. وعلى ما وضعه الماكرون من اليهود في سيرته من عيوب أساءت إلى صفحته الرفيعة الطاهرة وخصاله العالية الحميدة كما سيرى القارئ الكريم في أبواب هذا الكتاب. وأعظم من ذلك دافعا وأكبر قصداً هو تبرءته ﵊ مما نسبه إليه الإِسرائيليون من تعصب نحو شخصه حينما اتهموه بأنه قال إنه سيشفع في عمه. وفضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين. وفي كتابنا هذا من تلك المفتريات الإِسرائيلية على رسول الله والتي جمعناها من صحيح البخاري ما يملأ نفوس المؤمنين غيرة على نبيهم ودينهم فيعلنون محاربتهم لها وما يحمل الساكتين عن محاربتها وزر الكاتمين لما أنزل الله.