← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 17348

الانتباه لما قال الحاكم ولم يخرجاه وهو في أحدهما أو روياه

محمد محمود عطية

Полный текст (506 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الانتباه لما قال الحاكم ولم يخرجاه وهو في أحدهما أو روياه تأليف محمد بن محمود بن إبراهيم عطية إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر طبع بتمويل الهيئة القطرية للأوقاف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

حُقُوق الطَّبع محَفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والتدقيق اللغوي والإخراج الفني والطباعة دار النوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 4

هذا الكتاب استدراكي على المستدرك بيان لفضل الصحيحين، وليس فيه الحط من قدر الحافظ أبي عبد الله الحاكم عليه رحمة الله، وقد اعتذر له أهل العلم فيما وقع فيه من أوهام، فعامة كتابه إملاء، وكان ذلك في أواخر عمره، ولم يسعفه الأجل لتنقيحه. رحم الله الشيخين والحاكم، وجزاهم عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء. المؤلف

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رَبَّ يَسَّر وَأَعِن وَتَقَبَّل مقدمة إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً .. أما بعد: فمن المعلوم عند القاصي والداني والسلف والخلف أن الصحيحين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وقد تلقتهما الأمة سلفا وخلفا بالقبول، وحكموا لهما بالصحة إجمالاً، وأنهما أعلى مراتب الصحة بين كتب الحديث. قال الإمام النووي في (شرح مسلم): اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث (١). وذهب بعض المغاربة إلى ترجيح مسلم على البخاري، ووجه ذلك الجمهور بما يرجع إلى حسن الترتيب والسياق وجودة الوضع، وتوقف البعض في الترجيح بينهما، وما أجمل ما قاله الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الديبع:

стр. 6

تَنَازَعَ الناسُ في البخاري ومُسْلِمِ ... لَدَيَّ وقالوا أيُ ذَيْن يُقَدَمُ فقلت: لقدَ فَاقَ البخاريُ صِحْةً ... كما فَاقَ في حُسْنِ الصِنَاعَةِ مُسْلِمُ المستخرجات على الصحيحين: هذا وقد خُرِّجَتْ كُتبٌ كثيرة على الصحيحين أو على أحدهما، وهي ما تسمى بالمستخرجات. قال السيوطي ﵀: وموضوع المستخرج كما قال الحافظ العراقي: أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه. ا. هـ. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب، إلا لعذر من علو أو زيادةٍ مهمة ... إلى أن قال: وربما أسقط الْمُسْتَخْرِجُ أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب (١). ولنذكر بعضا من هذه المستخرجات لإتمام الفائدة: المستخرجات على صحيح البخاري: وهي كثيرة منها: مستخرج الحافظ أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني (ت: ٣٧١). ومستخرج الحافظ الغطريفي (ت: ٣٧٧). ومستخرج الحافظ أبي بكر البرقاني (ت: ٤٢٥)، ومستخرج الحافظ أبي بكر ابن مردويه (ت: ٤١٦). ومستخرج الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن العباس المعروف بابن أبي ذهل (ت: ٣٧٨). المستخرجات على صحيح مسلم: منها: مستخرج الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوري البزار رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ والبصرة (ت: ٢٨٦). ومستخرج الحافظ أبي بكر محمَّد بن محمَّد بن رجاء النيسابوري (ت: ٢٨٦) ويشارك مسلما في أكثر شيوخه.

стр. 7

ومستخرج الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائيني (ت: ٣١٦). ومستخرج الحافظ أبي بكر محمَّد بن عبد الله الجوزقي النيسابوري (ت: ٣٨٨). ومن العلماء من استخرج عليهما معا في كتاب واحد كالحافظ أبي بكر بن عبدان الشيرازي (ت: ٣٨٨ هـ) (١). المستدركات على الصحيحين: هذا، وقد استدرك بعض أهل العلم على الشيخين أحاديث على شرطهما أو على شرط أحدهما لم يخرجاها في صحيحيهما؛ منهم الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي (ت: ٣٨٥ هـ) في كتابه الإلزامات، جمع فيه سبعين حديثا مما رأى أنه على شرطيهما أو شرط أحدهما وألزمهما ذكرها، ولا يلزمهما ذلك، فإنهما رحمهما الله لم يلتزما إخراج جميع الصحيح، وإنما لم يخرجا في كتابيهما إلا الصحيح. والكتاب مطبوع متداول مع كتاب (التتبع) للدارقطني بتحقيق مقبل الوادعي. ومنهم الحافظ أبو عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥) وكتابه (الجامع الصحيح المستدرك) والمشهور بـ (المستدرك على الصحيحين). وقد اهتم به أهل العلم من أجل أن الحاكم أبا عبد الله صنفه لاستدراك ما لم يدخله البخاري ومسلم في صحيحيهما ويرى أنه صحيح: إما على شرطيهما، أو على شرط أحدهما، أو على شرط الصحيح عنده، خاصة والحاكم ﵀ يحكم على الحديث ويورد طرقه أحيانا، فيقف الباحث على الحديث والحكم عليه فيستريح من عناء البحث، خاصة وإن وافقه الحافظ الذهبي في تصحيح الحديث. ومن هنا كانت أهمية الكتاب. وقد اهتم بدراسة هذا الكتاب جمع من أهل العلم منهم الذهبي وابن حجر والسيوطي، كما اهتم به بعض المحدَثين ممن له اهتمام بعلم الحديث.

стр. 8

ومع هذا لم أجد أحدا قد استوعب ما أوهم فيه الحاكم ﵀ فيما استدركه مما ليس من باب الاستدرك عليهما إذ قد خرجاه أو خرجه أحدهما. غير أن الإِمام الذهبي ﵀ استدرك على الحاكم ستة وثلاثين حديثا في تلخيصه للمستدرك، كما قد أشار بعض أئمة الحديث كابن الصلاح والعراقي وابن كثير وابن حجر إلى هذه المسألة دون استيعاب. من أجل ذلك قويت الهمة في كتابة هذه الدراسة لكتاب المستدرك والتي قصرتها على بيان ما قاله الحاكم ﵀: صحيح ولم يخرجاه، وهما قد أخرجاه أو أخرجه أحدهما. قصة الكتاب: ولهذه الدراسة قصة في ابتدائها، فقد كنت وأنا أعمل في كتابي (فتح الجواد الكريم في اختصار وتحقيق تفسير القرآن العظيم) وقفت على تعليق للحافظ ابن كثير في مواضع معدودة من كتابه يذكر حديثا للحاكم في المستدرك ثم يقول: قال الحاكم صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. ثم يقول ابن كثير: كذا قال .. ويشير إلى أنه في الصحيحين أو في أحدهما، فلفت انتباهي لذلك؛ وكذا كنت أجد في تخريجي لبعض الأحاديث ما أشار إليه الحافظ ابن كثير ﵀ غير أني لم أكن ألتفت لذلك لما أعلمه من أن هذا الباب لا يسلم منه أحد، فلما تكرر وقوفي على ذلك، رأيت لزاما علي أن أسجل ما أجده من هذه الأحاديث ثم أنظر فيها بعد فراغي مما كنت فيه؛ فبدأت أجمع ما يكون من هذا الباب فاجتمع عندي قريبا من مائة حديث، فعرضت ذلك على بعض أهل العلم بالحديث فأشار علي بتتبع ذلك، فقوى من همتي وشحذ من نشاطي فأخذت في تتبع ذلك في المستدرك كله حتى خرجت هذه الدراسة بفضل الله تعالى، وله الحمد والمنة. فلما اجتمعت مادة الكتاب رأيت أن أقدم له بترجمة للحاكم ﵀، ثم دراسة لكتابه مما وفقني الله تعالى بالوقوف عليه، مع كتابة موجزة عن الوهم

стр. 9

والإيهام ومنهج الحاكم أبي عبد الله في المستدرك والحافظ الذهبي في التلخيص. هذا وسميته: (الانتباه لما قال الحاكم: ولم يخرجاه، وهو في أحدهما أو روياه) والله أسأل أن يتقبله مني وأن يجعل له القبول في الأرض وأن ينفع به كاتبه وناشره وقارئه والدال عليه، إنه سبحانه خير مسؤول وأكرم مأمول، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمَّد وعلى آله وصحبه. وَكَتَبَهُ أَفقَر العِبَاد إلى عفو رَبّ البَرِيَّة محمَّد بن محمود بن إبراهيم عطية

стр. 10

ترجمة الحاكم أبي عبد الله الحافظ ١ - اسمه وكنيته ولقبه: هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، أبو عبد الله الضبي الطهماني النيسابوري الحاكم، المعروف بابن البَيِّع. لُقب بالحاكم لتقليده القضاء (١). ٢ - مولده ونشأته: ولد ﵀ في يوم الاثنين في الثالث من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور. وكان أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة، بعناية والده وخاله، واستملى على أبي حاتم بن حبان في سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثلاث عشرة. وجد في الطلب ولحق الأسانيد العالية بخراسان وما وراء النهر وسمع نحوا من ألفي شيخ. وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسان بن محمَّد، وأبي سهل الصعلوكي. وأخذ فنون الحديث عن أبي علي الحافظ والجعابي وأبي أحمد الحاكم والدارقطني وعدة. قال الذهبي: وصنف وخرَّج، وجرَح وعدَّل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم، على تشيع قليل فيه. ا. هـ.

стр. 11

٣ - ثناء العلماء عليه: شهد علماء عصره ومن بعدهم بجلالته وحفظه وعلمه وعظم قدره، منهم: الدارقطني وكان سئل: أيهما أحفظ: ابن منده أو ابن البيع؟ فقال: ابن البيع أتقن حفظا. ا. هـ. وقال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الحافظ عن أربعة تعاصروا: أيهم أحفظ؟ قال: من؟ قلت: الدارقطني، وعبد الغني، وابن منده، والحاكم. فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفا. ا. هـ. وقال الخليلي: ناظر الدارقطني فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه قريبا من خمسمائة جزء. ا. هـ. وقال الخطيب البغدادي: كان من أهل العلم والفضل والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مصنفات عدة ... قال: وكان ثقة. ا. هـ. وقال عبد الغافر بن إسماعيل: الحاكم أبو عبد الله هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته. ا. هـ. وقال الذهبي: الإِمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين. ا. هـ. وقال ابن ناصر الدين: هو صدوق من الأثبات. ا. هـ. وقال ابن خلكان: إمام أهل الحديث في عصره، كان عالما عارفا واسع العلم. إلى غير ذلك من شهادات أهل العلم له، ﵏ جميعا. ٤ - مصنفاته: تقدم قول تلميذه الخليلي: بلغت تصانيفه قريبا من خمسمائة جزء. ونقل الحافظ ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) عن الحافظ أبي حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي (ت: ٤١٧ هـ): سمعته (يعني الحاكم) يقول: شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف. فوقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء (١). ا. هـ. وقال عبد الغافر ابن

стр. 12

إسماعيل: وقد شرع الحاكم في التصنيف سنة سبع وثلاثين، فاتفق له من التصانيف ما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء من تخريج الصحيحين، والعلل، والتراجم، والأبواب والشيوخ، ثم المجموعات. ا. هـ. وعلى ذلك فقد ابتدأ الحاكم التصنيف وعمره ست عشرة سنة، وتوفي ﵀ عن عمر يناهز أربع وثمانين سنة، فلا عجيب أن كثرت تصانيفه. وإليك بيان ما انتهى إلينا من أسماء كتبه: ١ - معرفة علوم الحديث. وهو مطبوع متداول. ٢ - المستدرك على الصحيحين. وهو مطبوع أيضا. ٣ - تاريخ نيسابور. ذكره الذهبي في السير، والكتاني في (الرسالة المستظرفة). ٤ - كتاب مزكي الأخبار. ذكره ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) والذهبي، والكتاني وغيرهم. ٥ - المدخل إلى علم الصحيح. مطبوع. ٦ - كتاب الإكليل في دلائل النبوة. ذكره ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري)، وحاجي خليفة في (كشف الظنون) وغيرهما. ٧ - فضائل الشافعي. ذكره الذهبي وابن خلكان وغيرهما. ٨ - كتاب الأربعين. ذكره حاجي خليفة، والكتاني. ٩ - أمالي العشيات. ذكره ابن عساكر والكتاني. ١٠ - الأمالي. ذكره ابن عساكر والكتاني. ١١ - سؤالات مسعود السجزي للحاكم. مطبوع.

стр. 13

١٢ - الضعفاء. ذكره ابن حجر في (لسان الميزان). ١٣ - علل الحديث. ذكره ابن عساكر، والذهبي في (تذكرة الحفاظ)، وحاجي خليفة. ١٤ - فضائل فاطمة. ذكره السبكي في (طبقات الشافعية)، وحاجي خليفة. ١٥ - فوائد الشيوخ. ذكره ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، وحاجي خليفة. ١٦ - ما تفرد به كل واحد من الإمامين. ذكره ابن عساكر، وابن خلكان. ١٧ - المدخل إلى معرفة المستدرك. ذكره ابن الصلاح في (صيانة صحيح مسلم). ١٨ - مقتل الحسين. ذكره الحاكم في المستدرك. ١٩ - معجم الشيوخ. ذكره ابن عساكر. ٢٠ - فوائد النسخ. ذكره ابن عساكر. ٢١ - فوائد الخراسانيين. ذكره ابن عساكر. ٢٢ - التلخيص. ذكره ابن عساكر. ٢٣ - تراجم المسند على شرط الشيخين. ذكره ابن عساكر. ٢٤ - تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم. ذكره الزركلي في (الأعلام). هذا ما وقفت عليه من مصنفاته ﵀، وهي تدل على علو كعبه في الحديث وعلومه لمن تأمل وكان له دراية بذلك. ***

стр. 14

المستدرك: دراسة ونتائج كتاب المستدرك على الصحيحين كتاب أراد الحاكم بتأليفه خدمة السنة النبوية بلا شك، فمن المعلوم مما تواتره أهل العلم أن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى الصحيحان، ولكنهما لم يجمعا كل الصحيح، لذا كانت همة بعض العلماء أن يضيفا إليهما مما ليس فيهما ويساويهما في الصحة مما هو على شرط البخاري ومسلم أو على شرط أحدهما أو يكون صحيحا مقاربا لذلك. ومن هؤلاء أبو عبد الله الحاكم ﵀. بيد أن الحاكم ﵀ وقع في أوهام في هذا المستدرك، وتبعه الذهبي أيضا في كثير منها في تلخيصه على المستدرك، ولعل ذلك لأن الحاكم صنف المستدرك في نهاية عمره، وكان يملي من حفظه غالبا، ثم لم يتسن له أن يراجع ما كتبه وأملاه، ووافته منيته قبل أن ينقحه، وقد ذكر بعضهم أنه حدث له في نهاية عمره تغيرا وغفلة فوقع بذلك في الأوهام. ونقل السيوطي في (تدريب الراوي) عن الحافظ ابن حجر قوله: وإنما وقع للحاكم التساهل لأنه سوَّد الكتاب لينقحه فأعجلته المنية. قال: وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم. ثم قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة، فمن الأكبر أصحابه وأكثر الناس له ملازمة البيهقي، وهو إذا ساق عنه في غير المملى شيئا لا يذكره إلا بالإجازة، قال: والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة لما بعده (١).

стр. 15

وقال ابن حجر في (لسان الميزان): والحاكم أجل قدرا وأعظم خطرا وأكبر ذكرا من أن يذكر في الضعفاء, لكن قيل في الاعتذار عنه: إنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها (١). قلت: ابتدأ الحاكم إملاء المستدرك في يوم الإثنين السابع من المحرم سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة كما جاء ذلك في مقدمة الكتاب (١/ ٢). وفي المطبوع: ٢/ ٦٣ (٢٣٦٧) حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ إملاء في شهر رمضان سنة سبع وتسعين وثلاث مائة، وفيه أيضا: ٢/ ١٣٢ (٢٥٩٥) قال: حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ إملاء في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة؛ وآخر ما وجدته في تاريخ الإملاء: ٣/ ١٩٩ (٤٩٠٠): حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ إملاء في المحرم سنة ثلاث وأربع مائة. فهذا يدل على أن الحاكم استغرق في إملاء وتصنيف الكتاب أكثر من ثلاثين سنة، ولعله لكثرة انشغالاته العلمية وغيرها كان إملاؤه لهذا الكتاب متباعدا، وحدث بين إملاءاته توقف طويل لم أقف على سببه، والعلم عند الله تعالى. كما يدل ذلك أيضًا على أن غالب الكتاب كان إملاء. وإنما قلت: (غالب الكتاب كان إملاء) لأن الحاكم ﵀ قال: ٢/ ٢٢٩، ٢٣٠ (٢٩٠٢) أخبرنا أبو جعفر محمَّد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أبنا محمَّد بن جعفر بن أبي كثير، حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذر ﵁ أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريبا من

стр. 16

أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة، فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني .... وذكر الحديث. ثم قال: هكذا وجدته في كتابي وطلبته في المسانيد فلم أجده بطوله، والحديث بإسناده صحيح. ا. هـ. وهذا يدل على أنه إنما كان من كتاب؛ والحاكم ﵀ كان يملي من الكتاب لا مشافهة؛ فالذي يظهر أنه كان كتب من حفظه مسوَّدة الكتاب ثم أملاه منها، فكان إذا أراد الاستيثاق رجع إلى المصادر؛ فغالب ما نقل عنه من الكتاب كان إملاء، ثم باقي الكتاب كان بالإجازة كما قال ابن حجر ﵀. وقال: ٢/ ٥٢١ بعد أن روى حديث عائشة في قراءة النبي ﷺ في الوتر من طريق سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب، ومن طريق خصيف عن عبد العزيز بن جريج: قد أتى إمام أهل مصر في الحديث والرواية سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب. طلبتها وقت إملائي كتاب الوتر فلم أجدها، فوجدتها بعد. ا. هـ. وهذا يدل أيضًا على أنه كان يرجع إلى كتبه. فالذي يظهر مما سبق أن الحاكم أبا عبد الله ﵀ ابتدأ في إملاء الكتاب قبل موته باثنتين وثلاثين سنة، وانتهى من الكتاب بعد سنة ثلاث وأربعمائة، كما يظهر من آخر تأريخ في أواخر الثلث الأول من الجزء الثالث، فقد انتهى يقينا منه في أواخر عمره، فقد توفي ﵀ سنة خمس وأربعمائة. كما يظهر أيضًا أنه كان يطلب بعض الطرق التي يريد الاستيثاق منها, ولم يكن يرجع إلى المصادر في كل ما يملي؛ ثم وافته المنية قبل أن ينقح الكتاب، مع ما أصابه من التغير والغفلة، فوقع الوهم؛ والعلم عند الله تعالى. التعليقات على المستدرك اشتغل على خدمة المستدرك بعض الحفاظ لإتمام الفائدة منه، فعمل الحافظ الذهبي التلخيص: لخص فيه كلام الحاكم، وله عليه استدراكات، وله فيه أوهام

стр. 17

أيضًا تبع فيها الحاكم. والظاهر أنه لانشغاله لم يوله عناية كبيرة عند تلخيصه، فقد قال في (سير أعلام النبلاء) بعد أن نقل قول أبي سعد الماليني: طالعت كتاب (المستدرك على الشيخين) الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثا على شرطهما. ا. هـ. قال الذهبي: قلت: هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في (المستدرك) شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما, ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فان في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن علل خفية مؤثرة؛ وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه؛ وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك نحو المائة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزء، وحديث الطير بالنسبة لها سماء، وبكل حال، فهو كتاب مفيد قد اختصرته ويعوز عملا وتحريرا. ا. هـ (١). قلت: رحم الله الذهبي، كم كان منصفا حتى من نفسه، فقوله الأخير: (ويعوز عملا وتحريرا) دليل على ما ذكرنا، والله الموفق. هذا وقد شرع الحافظ ابن حجر في كتاب (التعليق على مستدرك الحاكم) لكن لم يصل إلينا منه شيء، ولا أدري إلى أين انتهى فيه؟ ولا منهجه. وللسيوطي (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل، واختصر المستدرك أيضًا برهان الدين الحلبي. منهج الحاكم ومصطلحاته في الكتاب من المعروف أن الحاكم إذا قال: صحيح على شرطهما، فإنه يعني أن رجال الحديث ممن اتفق الشيخان على الإخراج لهما في صحيحيهما، وكذلك إذا قال: على شرط البخاري، فإنه يعني أن رجال الحديث ممن أخرج لهم البخاري في الصحيح، وكذلك إذا قال على شرط مسلم، فإنه يعني أن رجال الحديث

стр. 18

ممن أخرج لهم مسلم في الصحيح، مع الوضع في الاعتبار إسناده هو إلى شيخ البخاري أو مسلم، وأما إذا قال: صحيح ولم يخرجاه، فمعناه صحيح عنده على ما اشترط في رجال الإسناد. قال النووي ﵀: المراد بقول المحدثين: على شرطهما أو على شرط أحدهما: أن يكون رجال الإسناد في كتابيهما أو في كتاب أحدهما؛ لأنهما ليس لهما شرط في كتابيهما, ولا في غيرهما (١). قال ابن الصلاح في (علوم الحديث): واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتاب سماه (المستدرك) أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما. ا. هـ. قال الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح): فيه بيان أن ما هو على شرطهما هو ما أخرجا عن رواته في كتابيهما, ولم يرد الحاكم ذلك، فقد قال في خطبة كتاب المستدرك: (وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما). فقول الحاكم: (بمثلها) أي: بمثل رواتها, لا بهم أنفسهم، ولا يحتمل أن يراد بمثله تلك الأحاديث، وفيه نظر، ولكن الذي ذكره المصنف هو الذي فهمه ابن دقيق العيد من عمل الحاكم، فإنه ينقل تصحيح الحاكم لحديث وإنه على شرط البخاري مثلا، ثم يعترض عليه بأن فيه فلانا لم يخرج له البخاري، وهكذا فعل الذهبي في مختصر المستدرك، ولكن ظاهر كلام الحاكم مخالف لما فهموه عنه، والله أعلم (٢). وتعقبه الحافظ ابن حجر قال: ما اعترض به شيخنا على ابن دقيق العيد والذهبي ليس بجيد, لأن الحاكم استعمل لفظة (مثل) في أعم من الحقيقة والمجاز في الأسانيد والمتون، دل على ذلك صنعه، فإنه تارة يقول: على شرطهما، وتارة على شرط البخاري، وتارة على شرط

стр. 19

مسلم، وتارة صحيح الإسناد ولا يعزوه لأحدهما، وأيضًا فلو قصد بكلمة (مثل) معناها الحقيقي حتى يكون المراد: احتج بغيرها ممن فيهم من الصفات مثل ما في الرواة الذين خرجَّا عنهم، لم يقل قط على شرط البخاري، فإن شرط مسلم دونه، فما كان على شرطه فهو على شرطهما لأنه حوى شرط مسلم وزاد (١). قلت: الذي قاله الحافظ ابن حجر ﵀ حسن جداً؛ وأضيف إلى ذلك أن الحاكم إذا قال: (ولم يخرجاه) فمعناه عنده: أنهما لم يخرجاه من الوجه الذي خرجه ولا من غيره، ولم يخرجاه بسياقه، ولا بغيره. ودليل ذلك أنه كثيرا ما يذكر: ولم يخرجاه بهذه السياقة، ونحو ذلك مما يدل على صحة ما ذكرناه؛ فمثلا: ١ - روى: ٢/ ٩٦ (٢٤٧٢) حديث سعد قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد للمسلمين: "أنبلوا سعدا، إرم يا سعد رمى الله لك، إرم فداك أبي وأمي". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. ٢ - وروى: ٢/ ١٤١ (٢٦٢٦) حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة، فإن جازت عليهم جائزة فلا تخفروها، فإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة". هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على ذكر الغادر فقط. ا. هـ. قلت: اتفقا عليه من حديث ابن عمر (خ ٣١٨٨) و (م ١٧٣٥)؛ وابن مسعود وأنس (خ ٣١٨٧) و (م ١٧٣٦، ١٧٣٧)؛ وانفرد مسلم بروايته عن أبي سعيد (١٧٣٨)، ولم يخرجاه من حديث عائشة. وهذا دليل بيِّنٌ واضح لما قررناه. ٣ - وقال رقم (٣٢٣٦): حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن عبد الله أنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر

стр. 20

الأهلية يوم خيبر؟ قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ ولكن أبي ذلك البحر (يعني ابن عباس ﵄ وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية، وقد كان أهل الجاهلية يتركون أشياء تقذرا، فأنزل الله في كتابه وبين حلاله وحرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. قلت: أخرجه البخاري (٥٥٢٩) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدِ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسِ وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. فالسياق فيه اختصار؛ ومع هذا قال ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية: ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت. ا. هـ. قلت: لم ينتبه الحافظ ابن كثير ﵀ لقول الحاكم: (بهذه السياقة). ٤ - وقال: ١/ ٣٥: بعد أن روى حديث فضالة مرفوعًا: "طوبى لمن هدي إلى الإِسلام وكان عيشه كفافا وقنع". هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وبلغني أنه خرجه بإسناد آخر. قلت: رواه مسلم (١٠٥٤) عن عبد الله بن عمرو بنحوه. ٥ - وقال: ٢/ ١٤٨، ١٤٩: (٢٦٥٢) بعد أن روى حديث حذيفة: قال رسول الله ﷺ : "دوروا مع كتاب الله حيث ما دار" فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع من نكون؟ فقال: "انظروا الفئة التي فيها ابن سمية فالزموها فإنه يدور مع كتاب الله" قال: قلت: ومن ابن سمية؟! قال: أو ما تعرفه؟ قلت: بينه لي؟ قال: عمار بن ياسر، سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار:"يا أبا اليقظان لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق" هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة أخرجا بعضها, ولم يخرجاه بهذا اللفظ. قلت: اتفقا عليه من حديث أبي سعيد

стр. 21

الخدري (خ ٤٤٧، ٢٨١٢) و (م ٢٩١٥)، ورواه مسلم (٢٩١٦) عن أم سلمة. ولم يروياه من حديث حذيفة. ٦ - بل قال: ١/ ٣٢٧ (١٢٢٠) بعد أن روى حديث عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن ثابت عن أنس: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد خرجه مسلم من حديث يحيى بن أبي بكير عن شعبة. ا. هـ. قلت: رواه مسلم (٨٩٥). ٧ - وقال: ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦: (٢٩٦٧) بعد أن روى حديث قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]: قد أخرج البخاري هذا الحديث عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ﵁: "يقول الله: يا آدم أخرج بعث النار" الحديث بطوله وفي آخره: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾. وأصح الحديثين الحديث الذي أخرجه الإِمام البخاري. ا. هـ. قلت: أخرجه البخاري بهذا الإسناد (٤٧٤١)، واتفقا عليه من حديث جرير عن الأعمش به (خ ٦٥٣٠) و (م ٢٢٢). ٨ - وقال: ٢/ ٢٥٠ (٢٩٩٠) بعد أن روى حديث ابن جرير عن أبي الزبير عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ: (فطلقوهن في قبل عدتهن). قد أخرج مسلم هذا الحديث بطوله، عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل عبد الله بن عمر في رجل طلق امرأته وهي حائض، وأظنه ذكر هذا اللفظ. ا. هـ. قلت: صدق ظنه رواه مسلم (١٧٤١) وذكر هذا اللفظ. ٩ - وقال: ١/ ٣٤٠ بعد أن روى حديث جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يبعث كل عبد على ما مات": هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه البخاري. ا. هـ. قلت: صدق، فقد أخرجه مسلم (٢٨٧٨).

стр. 22

١٠ - وقال: ٢/ ٩٠ (٢٤٤٩) بعد أن روى حديث أبي مسعود ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبع مائة كلها مخطومة" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه البخاري. وصدق، فقد أخرجه مسلم (١٨٩٢). ١١ - وروى: ٢/ ١٧٤ (٢٧١٩) عن الحسن في قول الله : ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار المزني أنها نزلت فيه، قال: كنت زوجت أختا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليها أبدا، قال: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، قال: فأنزل الله هذه الآية، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوجتها إياه. قال أبو بكر محمَّد بن إسحاق: في هذا الحديث دلالة واضحة على أن الله جعل عقد النكاح إلى الأولياء دونهن، وإنه ليس إلى النساء وإن كن ثيبات من العقد شيء. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه مسلم. قلت: صدق، انفرد بإخراجه البخاري (٥١٣٠) بنحوه، ومختصرا (٤٥٢٩)، وبمعناه (٥٣٣١). ١٢ - وقال: ١/ ٥٦٩ بعد أن أورد طرق حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن": هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذا الإسناد. قلت: أخرجه البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة. ١٣ - وقال: ٢/ ٩١ (٢٤٥٤) بعد أن روى حديث أبي كبشة عن رسول الله ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه الزيادة وفيها له شاهد. ثم ساق الشاهد. قلت: اتفقا عليه من حديث ابن عمر (خ ٢٨٤٩) و (م ١٨٧١)، وعروة البارقي (خ ٢٨٥٠، ٢٨٥٢، ٣١١٩) و (م

стр. 23

١٨٧٣)، وانفرد البخاري بروايته عن أنس (٣٦٤٥)، ومسلم بروايته عن جرير (١٨٧٢)، ولم يروياه عن أبي كبشة. ١٤ - وقال: ٢/ ٣٠٣ (٣١٨٥) بعد حديث عمرو بن أبي قيس عن محمَّد بن المنكدر عن جابر: كان رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض في بني سلمة، فقلت: يا رسول الله كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئًا، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. قال: قد اتفق الشيخان على إخراج حديث شعبة عن محمَّد بن المنكدر في هذا الباب بألفاظ غير هذه، وهذا إسناد صحيح ولم يخرجاه. قلت: انفرد البخاري بحديث شعبة عن ابن المنكدر (١٩٤، ٥٦٧٦، ٦٧٤٣)؛ واتفقا على حديث سفيان عن ابن المنكدر: البخاري (٥٦٥١، ٦٧٢٣، ٧٣٠٩) ومسلم (١٦١٦)؛ وابن جريج عن ابن المنكدر: البخاري (٤٥٧٧) ومسلم (١٦١٦). ١٥ - وقال: ٢/ ٢٦٨ (٣٠٦١) أخبرنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أبنا محمَّد بن غالب، حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي، حدثنا المعافى بن عمران الموصلي، حدثنا مصعب بن ثابت عن محمَّد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في جنازة فينا في بني سلمة، وأنا أمشي إلى جنب رسول الله ﷺ فقال رجل: نعم المرء، ما علمنا إن كان لعفيفا مسلما، إن كان .. فقال رسول الله ﷺ : "أنت الذي تقول؟ " قال: يا رسول الله ذاك بدا لنا، والله أعلم بالسرائر، فقال رسول الله ﷺ : "وجبت". قال: وكنا معه في جنازة رجل من بني حارثة أو من بني عبد الأشهل، فقال رجل: بئس المرء ما علمنا، إن كان لفظا غليظا، إن كان .. فقال رسول الله ﷺ : "أنت الذي تقول؟ " قال: يا رسول الله، الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال رسول الله ﷺ : "وجبت". ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إنما اتفقا على

стр. 24

"وجبت" فقط. كذا قال، وتعقبه الذهبي فقال: مصعب ليس بالقوي. ا. هـ. قلت: إنما أخرجاه بنحوه عن أنس: البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩). ١٦ - وروى ٣/ ٢٦٧ (٥١٦٣) حديث أنس أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: أبعث معنا رجلا يعلمنا القرآن، فأخذ بيد أبي عبيدة فأرسله معهم وقال: "هذا أمين هذه الأمة"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بذكر القرآن. ا. هـ. قلت: صدق، فقد أخرجه مسلم (٢٤١٩) بلفظ: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: أبعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإِسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة". ١٧ - بل قال: ٤/ ٢٤٧ (٧٦٢٦) حدثنا أبو الحسين أحمد بن إسحاق العدل الصيدلاني، ثنا الفضل بن محمَّد الشعراني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتدخلن الجنة إلا من أبى وشرد على الله كشراد البعير". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أخرجه البخاري ﵀ عن محمَّد بن سنان العوفي، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: يا رسول الله ومن أبى؟ قال: "من عصاني فقد أبى". قلت: رواه البخاري (٧٢٨٠). ١٨ - وقال: ٢/ ١٤٢ (٢٦٢٩) أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أبنا أبو المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس أن أباه ﵁ حدث أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوما قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأكبر ظني أنهما لم يخرجاه. ا. هـ. قلت: صدق ظنه فإنهما لم يخرجاه، وإنما رواه أحمد: ٤/ ٤١٤، وأبو داود (١٥٣٧)، والنسائي في الكبرى (٨٦٣١، ١٠٤٣٧).

стр. 25

١٩ - بل قال: ٣/ ٤٦٢ (٥٩٤٤) حدثنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق الإِمام، أنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا إسماعيل بن أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا في المحرم يغسل رأسه بالماء جنابة، فأرسلاني إلى أبي أيوب الأنصاري وهو في بعض مياه مكة أسأله عن ذلك، فذكر الحديث بطوله. هذه فضيلة لأبي أيوب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة رجعا إليه في السؤال، وأظن أن الشيخين ﵄ قد خرجاه أو أحدهما في كتاب الطهارة. قلت: صدق الحاكم ﵀، فقد أخرجاه ولكن في كتاب الحج، لا في كتاب الطهارة: البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥). فهذه أمثلة تثبت ما ذهبنا إليه من أن الحاكم ﵀ أراد بقوله: (ولم يخرجاه) أنهما لم يخرجاه بالسياق الذي أورده ولا من الطريق التي أوردها. والعلم عند الله تعالى. سكوت الحاكم عن الحديث ليس معنى سكوت الحاكم عن تصحيح الحديث أو تضعيفه أن الحديث صحيح، بل قد يكون صحيحًا وقد خرجاه أو أحدهما، أو صحيحًا ولم يخرجاه، وقد يكون ضعيفًا؛ وقد وجدت الذهبي علق على حديث رقم (٧١٣٨) بقوله: حديث منكر، ولم يصححه المؤلف. منهج الذهبي في التلخيص اختصر الحافظ الذهبي ﵀ المستدرك، قال في مقدمته: هذا ما لخص محمَّد بن أحمد بن عثمان الذهبي من كتاب المستدرك على الصحيحين للحافظ أبي عبد الله الحاكم ﵀، فأتى بالمتون، وعلق الأسانيد وتكلم عليها. ا. هـ. ومع أنه له تعليقات مفيدة، وتعقيبات علمية متينة، إلا أني وجدته

стр. 26

- ﵀ تبع الحاكم كثيرا في بعض أوهامه، ولعل ذلك لأنه لم يتسن له أن يرجع دائما إلى المصادر. وقد مر بك قوله: وبكل حال، فهو كتاب مفيد قد اختصرته ويعوز عملا وتحريرا. ا. هـ. وقد وجدته كثيرا ما يقول: على شرط البخاري ومسلم، وقد يكونا أخرجاه أو أخرجه أحدهما، وإنما استدرك من ذلك طائفة قليلة؛ وقد قال الحاكم تعقيبا على حديث أبي شريح الكعبي في الضيافة: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد صحت الرواية فيه أيضًا عن أبي هريرة، وأظنهما قد خرجاه، والذي عندي أن الشيخين ﵄ أهملا حديث أبي شريح لرواية عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁. فاختصر ذلك الذهبي قال: وصح من طريق أبي هريرة، وأظن أخرجاه. وغلبة الظن أن الحافظ الذهبي كانت تعليقاته على المستدرك متباعدة، بحيث أنه كان ينسى ما علق به على الحديث في موضعه الأول إذا تكرر، فقد تكرر منه المخالفة في التعليق عند تكرار الحديث: مثاله: ما علق به على الحديث رقم (٧٤٨٦) قال: قد أخرجه البخاري. ولما تكرر برقم (٨٢٧٦) قال: على شرط البخاري ومسلم. والذي يظهر لي من استقراء تعليقات الذهبي ﵀ أنه إذا قال: على شرط البخاري ومسلم، ولم يقيده بشيء فمراده: ولم يخرجاه، كما ذهب إليه الحاكم, لأنه يذكر في استدراكاته ما يراه صوابا، فيقول مثلا: ذا في مسلم، أو: ذا في البخاري، أو نحو ذلك. بل قال تعليقا على الحديث رقم (٦٧٥٨) على شرط البخاري ومسلم إن لم يكونا أخرجاه. ا. هـ. فظهر أن مراده ما أسلفنا. وليس معنى سكوت الذهبي عن الحكم على الحديث الموافقة أو المخالفة للحاكم، فقد يرجىء الحكم للنظر: هل الحديث رواه الشيخان أو أحدهما أو لا؟ بل إنه حذف بعض الأحاديث من التلخيص، وقد أخرجها الشيخان أو أحدهما.

стр. 27

تعليقات الذهبي على كلام الحاكم كان من عادة الذهبي ﵀ أنه لم يكن ليسكت على كلام يعلم فيه مخالفة، يعلم ذلك من قرأ كتبه ﵀. ولذلك كان له تعليقات مفيدة على المستدرك سواء أكان ذلك يتعلق بالصنعة الحديثية أو غيرها من فروع العلم، من ذلك: ١) قال الحاكم: ١/ ٣٧٠، بعد أن أورد حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر، أو يجصص، أو يباع عليه ونهى أن يكتب عليه. هذا حديث صحيح على شرط مسلم وقد خرَّج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة، وكذلك رواه أبو معاوية عن ابن جريج ثم ساق الحديث، ثم قال: هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف. ا. هـ. فتعقبه الذهبي قال: قلت: ما قال طائلا, ولا نعلم صحابيا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم، ولم يصلهم النهي. ا. هـ. ٢) قال تعقيبا على حديث رقم (٤٦٥٠) والمعروف بحديث الطير: ابن عياض لا أعرفه، وقد كنت زمانا طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليه سماء. ا. هـ. ٣) الحديث رقم (٦٧٨٨) عن أنس: أطعم النبي ﷺ على صفية بنت حيي خبرا ولحما. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: بل غلط إنما ذي زينب. ا. هـ. ٤) وقال تعقيبا على حديث رقم (٨٥١٦): بل سليمان هالك، والخبر شبه خرافة. ٥) كثيرا ما يقول: سنده مظلم، وأمثلته (٤٠١٥)، (٧٨٩٣)، (٨٢٣٩).

стр. 28

٦) قال تعقيبا على حديث (٤٧٣١) عن جميع بن عمير: دخلت مع أمي على عائشة، فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسألها عن علي، فقالت: تسألني عن رجل والله ما أعلم رجلًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من علي، ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله ﷺ من امرأته. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: جميع متهم، ولم تقل عائشة هذا أصلًا. ا. هـ. إلى غير ذلك من التعليقات والتعقيبات المفيدة التي يطول المقام بذكرها. ***

стр. 29

الوهم عند أهل الحديث الوهم لغة: قال في اللسان: الوَهْمُ: من خَطَراتِ القلب، والجمع أَوْهامٌ، وللقلب وَهْمٌ. وتَوَهَّمَ الشيءَ: تخيَّله وتمثَّلَه، كانَ في الوجود أَو لم يكن ... قال: وأَوْهَمْت الشيء إِذا أَغفَلْته. ويقال: وَهِمْتُ في كذا وكذا أَي: غلِطْتُ. وقال الأَصمعي: أَوْهَمَ إِذا أَسقَطَ، ووَهِمَ إِذا غَلِط. وقال الجوهري: وَهَمْتُ في الشيء بالفتح، أَهِمُ وَهْماً إِذا ذَهَبَ وَهْمُك إِليه وأَنت تريد غيره، وتوهَّمْتُ أَي: ظننت، وأَوْهَمْتُ غيري إِيهاماً، والتَّوْهِيمُ مثلُه. وأَوْهَمْتُ الشيءَ إِذا تركته كلَّه. يقال: أَوْهَمَ من الحساب مائةً أَي أَسقَطَ، وأَوْهَمَ من صلاته ركعةً. ا. هـ. ووَهِمَ، بكسر الهاء: غَلِطَ وسَها. وأَوْهَمَ من الحساب كذا: أَسقط، وكذلك في الكلام والكتاب. وقال ابن الأَعرابي: أَوْهَمَ ووَهِمَ ووَهَمَ سواء؛ وأَنشد: فإِن أَخْطَأْتُ أَو أَوْهَمْتُ شيئًا ... فقد يَهِمُ المُصافي بالحَبيب وقال أَبو عبيد: أَوْهَمْتُ أَسقطتُ من الحساب شيئًا، فلم يُعَدّ. وأَوْهَمَ الرجلُ في كتابه وكلامه إِذا أَسقَط. ووَهِمْتُ في الحساب وغيره أَوْهَمُ وَهَمًا إِذا غَلِطتُ فيه وسَهَوْت (١). والوهم عند أهل الحديث هو بمعناه اللغوي، أي: الإسقاط والسهو والغلط دون قصد، وإلا كان كذبا. وهو يقع في الإسناد والمتن؛ ونقل السيوطي في (تدريب الراوي) عن الحافظ أبو الحجاج المزي في (الأطراف) أن الوهم تارة

стр. 30

يكون في الحفظ، وتارة يكون في القول، وتارة في الكتابة (١). وهو موضوع كتب العلل. وللإمام مسلم صاحب الصحيح ﵀ كتاب (التمييز) وهو عمدة في هذا الباب، فقد ألفه في الرد على من ينكرون على أهل العلم توهيم من يهم في نقل حديث النبي ﷺ ، قال في مقدمته: أما بعد: فإنك يرحمك الله ذكرت أن قِبَلَك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم إذا قال: هذا حديث خطأ، وهذا حديث صحيح، وفلان يخطئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه. وذكرت أنهم استعظموا ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضين، وحتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدع علم غيب لا يوصل إليه. واعلم وفقنا الله وإياك أن لولا كثرة جهلة العوام مستنكرى الحق ورأيه بالجهالة لما بان فضل عالم على جاهل، ولا تبين علمٌ من جهلٍ، ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه، وضد العلم هو الجهل، فكل ضد ناف لضده دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهال وكثرة الرعاع، لما خص به قوم وحرموه، فإن اعتداد العلم دائر إلى معدنه والجهل واقف على أهله. وسألتَ أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث مما وهم قوم في روايتها، فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط والخطأ، ببيان شاف، أبينها لك حتى يتضح لك ولغيرك - ممن سبيله طلب الصواب سبيلك - غلط من غلط وصواب من أصاب منهم فيها، وسأذكر لك إن شاء الله من ذلك ما يرشدك الله وتهجم على أكثر مما أذكره لك في كتابي وبالله التوفيق: فمنهم الحافظ المتقن الحفظ المتوقي لما يلزم توقيه فيه، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أو تلقين يلقنه من غيره فيخلطه بحفظه ثم لا يميزه عن أدائه إلى غيره، ومنهم من همه حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها فيتهاون بحفظ الأثر يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على الذين أدي إليه عنهم، وكل

стр. 31

ما قلنا من هذا في رواة الحديث ونقال الأخبار فهو موجود مستفيض، ومما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا، وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل، إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله، فكيف بمن وصفت لك ممن طريقه الغفلة والسهولة في ذلك. ثم أول ما أذكر لك بعد ما وصفت مما يجب عليك معرفته قبل ذكري لك ما سألت من الأحاديث: السمة التي تعرف بها خطأ المخطىء في الحديث وصواب غيره إذا أصاب فيه: فاعلم - أرشدك الله - أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين: أحدهما أن ينقل الناقل حديثا بإسناد فينسب رجلًا مشهورا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ خفي على أهل العلم حين يرد عليهم: كنعمان بن راشد حيث حدث عن الزهريّ فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة، ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر لا عمرو، وكما حدث مالك بن أنس عن الزهريّ فقال: عن عباد وهو من ولد المغيرة ابن شعبة، وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان معروف النسب عند أهل النسب وليس من المغيرة بسبيل، وكرواية معمر حين قال: عن عمر بن محمَّد بن عمرو بن مطعم، وإنما هو عمر بن محمَّد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عند نساب قريش وغيرهم ممن عرف أنسابهم، ولم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو. وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه: وكذلك نحو رواية بعضهم حيث صحف فقال: نهى النبي ﷺ عن التحير، أراد: "النجش". وكما روى آخر فقال: إن أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرفة وكذا وكذا. أراد: ملحدا في الحرم. وكرواية الآخر إذ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تتخذ الروح عرضا، أراد الروح غرضا.

стр. 32

فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر. والجهة الأخرى أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهريّ أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً. على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله (١). انتهى المراد منه. وقد صنف الحافظ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ) كتاب (موضح أوهام الجمع والتفريق) ذكر فيه أسماء وكنى وألقاب وما ينسب إليه كثير من الرواة والتي يقع بسببها أوهام عن الرواة أو المخرجين. كما صنف أيضًا (المتفق والمفترق)، و (المؤتلف والمختلف)، و (المؤتنف) في هذا الباب، وصنف ابن ماكولا علي بن هبة الله (ت: ٤٧٥ هـ) كتاب (تهذيب مستمر الأوهام) استفاد فيه مما كتب الخطيب البغدادي وزاد عليه، بل وانتقده في بعض المواضع. وفي كتب العلل والتراجم والتخريج تصحيح لكثير مما ورد من الوهم في هذا الباب.

стр. 33

التصنيف في أوهام بعض المصنفين قد صنف بعض الحفاظ في أوهام بعض الحفاظ الآخرين، كما صنف الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي (ت: ٤٠٩) كتاب (كشف الأوهام التي في مدخل الحاكم) قال في مقدمته: فإني نظرت في كتاب المدخل الذي صنفه الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله النيسابوري ... فإذا فيه أغلاط وتصحيفات أعظمت أن تكون غابت عنه، واكثرت جوازها عليه، وجوزت أن يكون ذلك جرى من ناقل الكتاب له أو حامله عنه، مع أنه لا يعرى بشر من السهو والغلط (١). ا. هـ. انتقد فيه على الحاكم أربعة وخمسين موضعا في كتابه (المدخل إلى الصحيح). وصنف الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الشهير بابن القطان (ت: ٦٢٧ هـ) كتاب (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام)، وكتاب (الأحكام) هو من تصنيف الحافظ أبي محمد عبد الحق (ت: ٥٨٢ هـ). وصنف الحافظ إبراهيم الناجي الحلبي الملقب برهان الدين (ت: ٨٤١ هـ) كتاب (عجالة الإملاء المتيسرة من التذنيب على ما وقع للحافظ المنذري من الوهم وغيره في كتابه الترغيب والترهيب) قال في مقدمته: فهذه نكت قليلة، لكنها مهمة جليلة، لم أسبق إليها ولا رأيت من تنبه لها ولا نبه عليها، جعلتها كالتذنيب، على ما وقع للإمام العلامة الحافظ الكبير زكي الدين المنذري ﵁ من الوهم والإيهام، في كتابه الشهير المتداول .. (٢). ولا يزال ذلك دأب العلماء قديما وحديثا لبيان وجه الحق، والله المستعان. الإنصاف: اعلم - رحمك الله تعالى - أن الراوي لا تطرح روايته لوهمه إلا إذا زاد

стр. 34

- وفحش أو اختلط، فالوهم والنسيان والإسقاط والخطأ غير المتعمد، كل ذلك يجري على البشر جميعًا عالمهم وجاهلهم، حافظهم وغير الحافظ منهم، فلا تطرح رواية الراوي إلا ما كثر منه ذلك ولم يتميز حديثه، فعندها يترك. قال الإمام مسلم في (التمييز): حدثني محمَّد بن المثنى قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: يا أبا موسى أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، قلت: يا أبا سعيد هم يقولون: إنك تحدث عن كل أحد! قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمَّد بن راشد المكحولي، فقال لي: احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه؛ وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس؛ وآخر الغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه (١). وقال الثوري: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وان كان الغالب عليه الغلط ترك (٢). قال الترمذي في العلل: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم. ا. هـ. قال مسلم: وقد ذكرنا من مذاهب أهل العلم وأقاويلهم في درجات الحفاظ من وعاة العلم ونقال الأخبار والسنن والآثار, ما يستدل به ذو اللب على تفاوت أحوالهم ومنازلهم في الحفظ وأسبابه، فيعلم أن منهم: المتوقي المتقن لما حصل من علم وما أدى منه إلى غيره، وأن منهم من هو دونه في رداءة الحفظ والتساهل فيه، وأن منهم المتوهم المتقن. وقد اشترط النبي ﷺ على سامع حديثه ومبلغه حين دعا له أن يعيه ويحفظه، ثم يؤديه كما سمعه، فالمؤدي لذلك بالتوهم غير المتيقن مؤد على خلاف

стр. 35

ما شرط النبي ﷺ ، وغير داخل في جزيل ما يرجى من إجابة دعوته عليه، والله أعلم. فإن كان المؤدي جاء بخبر عن الرسول ﷺ بالتوهم قد أزال معنى الخبر بتوهمه عن الجهة التي قاله بنقصان فيه أو زيادة حتى يصير قائلا على رسول الله ﷺ كمن لا يعلم، لم يؤمن عليه الدخول فيما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ في قوله: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" لأن عليه أن يعلم أن عمد التوهم في نقل خبر النبي ﷺ محرم، فإذا علم ذلك ثم لم يتحاش من فعله، فقد دخل في باب تعمد الكذب، فإن كان لم يعلم تحريم ذلك فهو جاهل لما يجب عليه، والواجب عليه تعلم تحريمه، والانزجار عن فعله (١). وقال الترمذي في العلل: وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم أخرون من الأئمة بجلالتهم وصدقهم وإن كانوا وهموا في بعض ما رووا. قد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمَّد بن عمرو ثم روى عنه .. إلى أن قال: قال علي: ولم يرو يحيى عن شريك ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة. ا. هـ. قال الترمذي: وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم ... وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة (٢). قال ابن رجب في شرح العلل: اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير، لغفلته وسوء حفظه. وقسم ثالث: أهل صدق وحفظ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، وهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم. وقسم رابع: وهم أهل صدق وحفظ، ولكن

стр. 36

يقع الوهم في حديثهم كثيرا، لكن ليس هو الغالب عليهم. وهذا القسم الذي ذكره الترمذي ههنا، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك هذه الطبقة، وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضًا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث المصنفين منهم في السنن والصحاح: كمسلم بن الحجاج وغيره، فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين: أحدهما: من لم يوجد. في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش. والثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان، ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطي العلم: كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث ابن أبي سليم. فقيل: إنه أدركته المنية قبل تخريج هؤلاء، وقيل: إنه أخرج لهم في المتابعات، وذلك كان مراده. وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي الترمذي، مع أنه خرَّج لبعض من هو دون هؤلاء، وبين ذلك ولم يسكت عنه (١). وقال الذهبي في (السير) عند الحديث عن هشام بن عروة: الرجل ثقة مطلقا, ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر وتنقص حدة ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته. وما ثم أحد بمعصوم من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلًا، وإنما الذي يضر الاختلاط، وهشام لم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به، وحديثه محتج به في الموطأ والصحاح والسنن, فقول ابن القطان: إنه اختلط، قول مردود مرذول، فأرني إماما من الكبار سلم من الخطأ والوهم: فهذا شعبة وهو في الذروة له أوهام، وكذلك معمر والأوزاعي ومالك رحمة الله عليهم (٢).

стр. 37

فهذا هو منهج المحدثين في هذه المسألة، أنه لا تطرح رواية إلا من أكثر منه الوهم والغلط، ومن خرج عن هذا المنهج ردوا عليه ولم يقبلوا منه. قال ابن أبي حاتم ﵀ في مراتب الرواة: فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث، فهذا الذي لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال؛ ومنهم العدل في نفسه الثبت في روايته الصدوق في نقله الورع في دينه الحافظ لحديثه المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ويوثق في نفسه؛ ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانا وقد قبله الجهابذة النقاد فهذا يحتج بحديثه؛ ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والاداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام؛ وخامس قد الصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانه ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته الأئمة (١). وتقدم قوله ابن مهدي والثوري والترمذي وابن رجب عليهم جميعا ﵀. ...

стр. 38

ما وقع من الأوهام في المستدرك للعلماء في نقد منهج الحاكم في استدراكه على الصحيحين كلام حسن لا بد من الرجوع إليه للوقوف على أوهام الحاكم في المستدرك؛ قال ابن كثير في (مختصر علوم الحديث): وقد قال الحافظ أبو عبد الله بن يعقوب ابن الأخرم: قل ما يفوت البخاري ومسلما من الأحاديث الصحيحة. ا. هـ. وقد ناقشه ابن الصلاح في ذلك، فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير. قلت: في هذا نظر، فإنه يُلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما، لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما ذلك (١). وقال أيضا: في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة: فيه الصحيح المستدرك، وهو قليل؛ وفيه صحيح قد خرجه البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم، وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضًا (٢). وقال الحافظ ابن حجر: ووراء ذلك كله: أن يُروى إسناد ملفق من رجالهما، كسماك عن عكرمة عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم، وعكرمة انفرد به البخاري، والحق أن هذا ليس على شرط واحد منهما. وأدق من هذا: أن يرويا عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبته أنه على شرط من خرج له غلط، كأن يقال: هشيم عن الزهريّ: كل من هشيم والزهري أخرجا له، فهو على

стр. 39

شرطهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما, لأنهما إنما أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهريّ، فإنه ضعف فيه, لأنه كان دخل إليه فأخذ عنه عشرين حديثا، فلقيه صاحب له وهو راجع، فسأله رؤيتها، وكان ريح شديدة، فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن حفظها، فوهم في أشياء منها، ضعف في الزهريّ بسببها. وكذا همام ضعيف في ابن جريج، مع أن كلا منهما أخرجا له، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئًا. فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضع من كتابه. وكذا قال ابن الصلاح في شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد (١). قلت: أودع الحاكم في كتابه من حديث سماك عن عكرمة أربعًا وثلاثين حديثا أرقامها (٥٦٤، ١١٠٤، ١٥٤٣، ١٥٤٤، ١٥٤٧، ١٧٩٥، ٢٢٠٩، ٢٢٦١، ٢٨١٠، ٢٩٢٠، ٣٠٦٣، ٣١٩٠، ٣٢١٣، ٣٢٢٢، ٣٢٦١، ٣٤٠٧، ٣٤١٥، ٣٤٢٠، ٣٤٥٢، ٣٥٠٦، ٣٥٤٦، ٣٦٧٥، ٣٧٨٩، ٣٨١٤، ٣٨٥٩، ٤٠٧٩، ٤٥٨٢، ٤٦٣٥، ٧٢٢٥، ٧٥٦٤، ٧٧٦٦، ٧٩٨٩، ٨٠١٦، ٨٠٩٤). كما أودع من حديث همام عن ابن جريج حديثا واحدا (٦٧٠). وقال الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح) بعد أن أورد كلام ابن الصلاح في المستدرك: وفيه أمران: أحدهما: أن قوله: (أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين) ليس كذلك، فقد اودعه أحاديث مخرجة في الصحيح وهمًا منه في ذلك، وهي أحاديث كثيرة. منها حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن" الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري وقد

стр. 40

أخرجه مسلم في صحيحه (١). انتهى المراد منه. قلت: وقد نبه الحافظ الذهبي ﵀ على طائفة من ذلك أشرت إليها آنفا، وذكرت تعليقاته عند كل حديث استدركه، ولكنه لم يستوعبه. فظهر أن الأوهام في المستدرك كثيرة منها: أنه قال: ١ - صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقد خرجاه أو خرجه أحدهما. ٢ - صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقد خرجه البخاري. ٣ - صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد خرجه مسلم. ٤ - صحيح ولم يخرجاه، وقد خرجه أحدهما أو خرجاه. ٥ - وأحيانا يقول: ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأجده فيهما أو في أحدهما بها. وربما قال مثلا: أخرجه مسلم أو البخاري مختصرا، ويكون الحديث مخرجا بتمامه. ٦ - ومنها ما سكت عنه وقد أخرجاه أو أخرجه أحدهما. وهذه الست موضوع كتابنا هذا. ٧ - صحيح على شرطهما, وليس كذلك. فقد يكون صحيحا ولكنه ليس على شرطهما: إما على شرط أحدهما، أو صحيح ليس على شرط أحدهما. وقد استدرك الحافظ الذهبي عليه من هذا الباب طائفة؛ ومثاله: قال: ٢/ ٢٢١: (٢٨٧٥) حدثنا أبو جعفر محمَّد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسن بن الفضل، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف بن أبي جميلة، حدثنا يزيد الفارسي قال: قال لنا ابن عباس ﵄: قلت لعثمان بن عفان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى البراءة وهي من
следующие страницы →