← Тараджим

Тараджим · id 17349

التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول

صديق حسن خان

Полный текст (544 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عدة مراجعات وتأليفات من الجانبين، ولله در القائل: إذا التصقَتْ بالبحثِ في العلمِ رُكْبَتي ... ورُكْبَةُ نِحْريرٍ على العِلْمِ دَأَّابِ وساعَدَني التوفيقُ فيما أرومُه ... وعاينتُ باليمنى نواظرَ أحبابي فقلْ لملوكِ الأرضِ يَلْهوا ويَلْعبوا ... فذلك لَهْوي ما حَييتُ وملعابي وله إجازة حسنة من السيد العلامة سليمانَ بنِ يحيى، قال فيها - وقد ذكر الإمام الطيبي في قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفع": هو الذي لا ينتفع به صاحبه، فلا يُذهب الأخلاقَ الرذيلة الباطنة، ولا يحصل له منه تخلق بالأخلاق الحسنة، وأنشدوا في هذا المعنى: يا مَنْ تباعدَ عن معالي خلقِهِ ... ليسَ التفاخُرُ بالعلومِ الزاخِرَه مَنْ لم يهذبْ علمُه أخلاقَه ... لم ينتفعْ من علمِهِ في الآخِرَه وبالجملة: كان المترجَم له صاحبَ علم وفضل، سُنِّيًا أثريًا متبعًا للدليل - رحمة الله تعالى عليه -. ٥٢٤ - العَلم العَلاَّمةُ، صدرُ الأماثل، وبهجةُ المحافل، عثمانُ بنُ عليًّ الجبيليُّ - رح -. إمامُ علومٍ جَمَّةٍ وفَضائلٍ ... ومتقنُ أحكامِ الفرائضِ والسُّنَنْ نشأ هو والسيد سليمانُ بن يحيى في التفرغ لطلب تحقيق العلوم، وإحراز منطوقها والمفهوم، وَجدَّا حتى وجَدَا، وَلَجَّا حتى ولجَا، ومن تعنَّى، نالَ ما تمنى: تمنيتَ أن تُمسي فقيهًا مناظِرًا ... بغيرِ عناءٍ، والجنونُ فنونُ ومن مشايخه السيدُ أحمدُ بنُ محمد مقبول الأهدل، والشيخُ عبد الخالق المزجاجيُّ، واستجاز له السيد سليمان من مشايخه الذين أجازوه في الحرمين وغيرهما، وتصدَّرَ للتدريس في سائر الفنون، وانتفع به الطلبة كثيرًا. وكانت أوقاته محفوظة، لا يراه أحدٌ إلا تاليًا لكتاب الله، أو مدرِّسًا لعلم الحديث الشريف، أو مشغولًا بطاعة.

стр. 492

وكان بينه وبين السيد سليمان صداقةٌ أكيدة، قلَّ أن يمضيَ يوم أو ليلة لا يجتمعان فيهما، وإذا اجتمعا، لم تسمع إلا نخبَ اللطائف: همْ أناسٌ حديثُهم ... يُعْجِبُ الكُتْبَ والسِّيَرْ وإذا ما تَفاوَضوا ... فهمُ الزهرُ والزهَرْ وكثيرًا ما يكون اجتماعُهما عقبَ صلاة العصر، ويحضر في ذلك المجلس الأفاضل، وتجري مذاكرات شريفة، ومباحث، وكان - رحمه الله تعالى - ذا ملكة على حل المشكلات لطيفة: وللهِ قومٌ كَلَّما كانَ مشهدٌ ... رأيتَ شُخوصًا كلّها مُلئت فَهْما إذا اجتمعوا جاؤوا بكلِّ غريبةٍ ... ويزدادُ بعضُ القومِ من بعضِهم عِلْما ٥٢٥ - عبد الرحمن بن محمد المشرع . كان صدرَ العلماء الأعلام، والرؤساء الكرام الفخام، ذو الفضل المحقق، والكرم المطلق، وجيه الإسلام ﵀، وأعاد إلينا من بركاته: كريمٌ لهُ من نفسِه بعضُ نفسِهِ ... وسائرُهُ للمجدِ والشكرِ والفضلِ أخذ عن أحمدَ بنِ محمد شريف، وأجازه، وأخذ عن مشايخ ذلك الوقت في علوم عديدة، توفي سنة ١٢٩٠ بقريته ومسقط رأسه، وبين أناسه، بعد أن توعك أشهرًا عديدة بالإسهال، فحصل لموته الحزنُ العظيم، وأسف عليه كافةُ الناس من الخاصة والعامة، وعمت المصيبة، شعر: والسعيدُ السعيدُ مَنْ صحبَ الناسَ ... وولَّى والذكرُ فيهِ حميدُ ذكر له العلامة محمد بن عبد اللطيف المشرع ترجمة، وقال: هذه ترجمته على وجه الإجمال والاختصار، ولو بسط الكلام، لدخل في أسفار، قال: وكان آخذًا بأطراف صالحة من فنون كثيرة؛ من حديث، ورقائق، وفقه، وله الاطلاعات الوافرة على كتب العلوم على تنوعها، والحفظ البارع، ولما قدر الله وصوله إلى الحرمين الشريفين، أخذ عن جماعة من علمائمها، منهم: الشيخ

стр. 493

أحمد الأشبولي، والشيخ عطاء الله المصري، وذلك في سنة ١١٨٤. وكان يلقب بأبي السرور، وغلب عليه الحديثُ والعملُ به، وله ديوان شعر، وكانت كتبه في الشفاعات وقضاء حوائج الناس لا تُرَدُّ، وله في ذلك رسائلُ مشتملة على آيات قرآنية، وأدلة حديثية، توفي - رح - سنة ١١٩٠، ومناقبُه لا تدخل تحت دائرة الحصر، وكان بينه وبين السيد سليمان بن يحيى أُخوةٌ إيمانية، ومحبة أكيدة صادقة. شعر: محبةٌ ما عرفت الدهر سلوتها ... تجري مع الروح أو تجري مع النَّفَسِ وما لها آخرٌ لكنَّ أولَها ... تعارفٌ صادقٌ في حضرةِ القُدُسِ أَشْهى إلى النفسِ من أَمْنٍ على وَجَلٍ ... أَوْ من مَجال الكَرى في الأَعْيُنِ النُّعُسِ من عالَمِ الذرِّ ناجاني البشيرُ بها ... أهلًا بمنشئِها طهرًا من الدَّنَسِ روى يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الأرواحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تَناكَرَ منها اختلفَ"، ولله در القائل شعر: وقلتُ أَخ! قالوا أَخٌ من قرابةٍ ... فقلتُ لهم إنَّ الشكولَ أقاربُ نسيبي في رائي وعزمي وهمتي ... وإنْ فَرَّقَتْنا في الأصولِ المناسبُ ٥٢٦ - عَلاَّمة التحقيق، وفَهّامُة التدقيق، ذو التأليفات النافعة، والعلومِ المتكائرة الواسعة، وجيهُ الإسلام، عبدُ الخالق بنُ عليًّ، المزجاجيُّ - رحمه الله تعالى -. نِيطَتْ تَمائِمُهُ عليهِ بمنزلٍ ... سامٍ بأهليهِ على الأبراجِ أهلُ الشمائلِ والفضائلِ والعُلا ... سُرْجُ الهدايةِ هُمْ بَنو المِزْجاجِي مناقبه مشهورة تغني عن الإطناب، وفضائله مأثورة لا تحتاج إلى الإسهاب، من جملة مشايخه السيدُ العلامة أحمدُ بنُ محمد مقبول الأهدل، سمع عليه بقراءة غيره جميعَ "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"كتب النووي الحديثية" و"بهجة المحافل"، و"الشفاء" للقاضي عياض.

стр. 494

وكان أثريًا على مذهب السلف، متبعًا للدليل، طارحًا للقال والقيل، ذكر في "النفس اليماني"، وأثنى عليه بمحاسن المباني. ٥٢٧ - القاضي العلامةُ عزُّ الإسلام، محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أحمدَ، الربعيُّ - رح -. أَلْمَعِيٌّ يَرى بأولِ رأي ... آخرَ الأمرِ من وراءِ المغيبِ لَوْذعِيٌّ له فؤادٌ ذَكِيٌّ ... ما لَه في ذكائه من ضَريبِ لا يروي ولا يقلِّبُ كَفًّا ... وأَكُفُّ الرجالِ في تَقليبِ كان من أعيان العلماء، والجهابذة النبلاء، له إجازة من العلامة عبد الخالق المزجاجي، قرأ عليه من الحديث كثيرًا، منها "سنن الترمذي" من أوله إلى آخره. ولازم السنة، وأخذ في الحديث عن أحمد قاطن، وله كتب ورسائل في علوم عديدة. وبالجملة: فهو حقيق بقول الشاعر: لقدْ حَسُنَتْ بِكَ الأيامُ حَتَّى ... كأنَّكَ في فَمِ الدهرِ ابتسامُ ٥٢٨ - السيدُ الأوحد، والعَلَمُ الأَمْثل، إمامُ المحققين، ونخبةُ المدققين، سراجُ الإسلام، أبو بكر بنِ علي البطاح، الأهدل . سيد ساد بفنون العلوم، وتدقيق منطوقها والمفهوم، وصار غرة زاهرة في جبين المعالي، وحسنةً من حسنات الأيام والليالي، وقع الاتفاق على كمال فضله بين أهل العرفان، وأنه ليس له في خاصيته التي هو يتميز بها ثان. وَأَرى الخلقَ مُجْمِعينَ على فَضْـ ... ـلِكَ من كلِّ سَيِّدٍ ومَسودِ عرفَ العارفونَ فضلَكَ بالـ .... ـعِلْمِ وقالَ الجُهَّالُ بالتقليدِ جدَّ واجتهدَ في الترقي إلى اكتساب المعالي، وسهرَ في تحصيل مقصده الأسنى الليالي. أخذ العلومَ من عدة مشايخ، منهم: السيد سليمان الأهدل، وتميز بالكمال في الملكات الثلاث: ملكة الاستحصال، وملكة الحصول، وملكة الاستنباط، أخذ التفسير، والحديث، والفقه والتصوف، والآلات والأصول.

стр. 495

وكَمْ مُصْعَبٍ في النحوِ راضَ جِماحَهُ ... فعادَ فصارَ بسيطًا بعدَ ما كانَ قد أعيا وكان آية في علم النحو والمنطق: إن رُمْتَ إدراكَ العلومِ بسرعةٍ ... فعليكَ بالنَّحوِ القويمِ ومَنْطِقِ هذا لميزانِ العقولِ مقوِّمٌ ... والنحوُ تقويمُ اللسانِ المنطقي قال: العلمُ خزائن الله، ومفاتيحُها المسألة، فاسألوا - يرحمكم الله -؛ فإنه يؤجر في العلم ثلاثة: العالم، والمستمع، والآخذ. قرأ "الفصوص" لابن عربي على وجه التحقيق والتدقيق، مع إحضار الكتب المبسوطة في هذا العلم؛ من شروح هذا الكتاب وغيره، وتقرير المسألة بما يؤيدها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ذكر له في "النفس اليماني" ترجمة نفيسة، وأنشد: فلو أنني أقسمتُ ما كنتُ كاذبًا ... بأنْ لم يرَ الرَّاؤون حبرًا يُعادِلُهْ إذا قلتُ شارَفْنا أواخرَ عِلْمِهِ ... تفجَّرَ حتى قلتُ هذا أوائِلُهْ قال: ولقد عتب بعض تلامذة شيخنا الوالد عليه في تخصيصه بقراءة "الفصوص"، فقال: إنما خصصته؛ لكمال استعداده لفهم هذا العلم، وغيرُه ليس بصفته، فقال ذلك التلميذ، وكان من الأذكياء: لابد من حضوري؟ فقال الوالد: لا بأس، فحضر، فلم يعلق بفكره شيء من تلك التقريرات، فبان له وجهُ العذر، واعتذر فيما وقع منه، وأنشد: كم من كلام قد تضمن حكمة ... نال الكساد بسوق من لا يفهم ولله در القائل: أيا صاحبي ما ترى نارهم ... فقال تريني ما لا أرى سقاك الغرام ولم يسقني ... فأبصرت ما لم أكن مبصرا قال الشيخ محي الدين في "الفتوحات" في الباب الثامن والثمانين وأربعمائة، من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام أوليائه: فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض من دخولها عليه ويفرح بزوالها عنه، وأما مع ميله إلى الدنيا فلا سبيل إلى فهم الغوامض أبدًا،

стр. 496

انتهى. هذا واختلاف الناس في قابلية الفهم وعدمه غير مستبعد، فإن العلوم منه إلهية ومواهب اختصاصية، والقوابل في قبولها مختلفة، والله هو الفتاح العليم. شعر: مردم آندر حسرت فهم درست .... اِينكه ميكويم بقدر فهم تست وقد أخرج اللالكائي وغيره عن عمر ﵁، أنه قال: إني قد أدخل على النبي ﷺ وعنده أبو بكر، فاسمع منهما كلامًا، أحسب أني بينهما أعجمي، وعن على كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال، ذروا العارفين المحدثين مم أمتي، لا تنزلوهم الجنة ولا النار، حتى يكون الله هو الذي يقضي فيهم يوم القيامة، أخرجه الخطيب وأورده السيوطي في الجامع الصغير وأسناده ضعيف، ولعل الإمام النووي أخذ من هذا الحديث جوابه لما سئل عن "الفصوص" ونحوها من كتب الصوفية، بقوله: هؤلاء قوم في أحوالهم لا نتكلم، فالله بهم أعلم، فالتسليم أسلم، وفي هذا قال السيد الإمام إسحاق بن يوسف، رحمه الله تعالى. إن لم تكن منهم فسلم لهم ... فإنهم لله قد سلموا قوم لهم أفئدة ما رأت ... شيئًا سوى المعبود مذ أسلموا ومن كلام السيد المذكور لما سئل عما سئل عن النووي، اعلم أن لهؤلاء القوم اعتبارات وحيثيات دقيقة تسلم لهم بعد بهرجتها بمحك الشريعة في مقام الإنصاف مع خلو الجو عن قتام الجدل والهوى والكبر: ولو أنصفَتْ في حُكْمِها أُمُّ مالِكٍ ... إذًا لرأَتْ تلكَ المَساوي مَحاسِنا والكلام في هذا المعنى واسع، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن عسى أن يكون الحال كما قال الشاعر: خرجتُ من شيءٍ إلى غيرِه ... بحسبِ ما يأتي وما يَطْرَأُ لكنَّهُ علمٌ ومن حقِّهِ ... يُسْمَعُ بَلْ يُكْتَبُ بل يُقْرَأُ

стр. 497

٥٢٩ - السيدُ، العلامةُ، الماجدُ، ضياءُ الإسلام، يوسفُ بن محمد البطاح الأهدل . أخذ العلوم النقلية والعقلية عن السيد العلامة سليمان بن يحيى الأهدل، ولازمه كثيرًا، وأخذ عن أهل اليمن والحرمين، وكانت له اليد الطولى في سائر العلوم، وتفرغ بمكة والمدينة تفرغًا عظيمًا لنشر العلوم، فألَّف ودرَّس، ووقع به النفعُ، ومن مؤلفاته: "إفهام الأفهام شرح بلوغ المرام"، في مجلدين. وكان رحبَ الصدر في التدريس، له صبر عظيم على طول المجلس وعنائه بكثرة إيراد النكت العلمية في درسه، أنشد فيه صاحب "النفس اليماني": العالِمُ الفاضلُ النِّحْريرُ أفضلُ مَنْ ... بَثَّ العلومَ فأَورى كلَّ ظمآنِ مات شهيدًا في الوباء العام الواقع سنة ١٢٤٦، الذي مات فيه خلائقُ لا يُحصون من الحجاج، حيث انتهى الأمر إلى العجز عن دفن الأموات، وغُلِّقت بمكة وجدة جملة بيوت، وتُركت عدة أموال لا يُدْرى مستحقها من الورثة، وكان ابتداء هذا الوباء من أرض الحبشة، فكان يموت كل يوم أكثرُ من ألف، وهلكت عدةُ قرى لم تبق إلا الأموالُ والمواشي، ووقع مثلُ ذلك في مصر والشام والعراقين. فأُهلكت أمم لا يُحصون كما أخبرنا بذلك الثقات، ووقع تاريخ هذا العام ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]، وأينا لم يظلم نفسه؟ نسأل الله العفو والعافية والمغفرة، والرحمة الشاملة لنا ولجميع المسلمين. هذا وغيرُ خافٍ أن الوباء هو فسادُ جوهر الهواء، الذي هو مادة الروح ومدده، فهو أعمُّ من الطاعون، فكل طاعون وباء، ولا عكسَ؛ كما صرح بذلك القاضي عياض وغيره، واستدل بعضهم على ذلك بأنه صَحَّ أن المدينة لا يدخلها الطاعون، وصح عن عائشة أنها أوبأُ أرض الله، وقد أطال الكلام في ذلك المؤلفون في أحكام الطاعون؛ كابن حجر المكي، وغيره. قلت: وأجبت على سؤال عن ذلك في كتابي "هداية السائل إلى أدلة المسائل"، وهو بالفارسية.

стр. 498

٥٣٠ - السيدُ، العلامةُ، الطاهرُ بنُ محمد الأنباريُّ . كان فاضلًا نبيهًا، وعالمًا متبعًا فقيهًا، لازم السيد سليمان الأهدل، وقرأ عليه تفسير البيضاوي والبغوي، وحصل له فتوح عظيم في سائر العلوم، وخرج من تحته عدة علماء محققين، ومن كلامه: اللبيبُ مَنْ إذا سبقه الناس بالعلم سبقهم بالعمل، وإذا سبقوه بالعمل، سبقهم بالإخلاص لله ، إذا سبقوه بالإخلاص، سبقهم بالثبات على ذلك إلى الممات، وكمال الإنسان في ثلاثة أمور: علوم يعرفها، وأعمال يعمل بها، وأحوال تترتب على علومه وأعماله: العلمُ ليسَ بكافٍ رَبَّهُ شرفًا ... إن لم يكنْ عملٌ ما فيه تلبيسُ لو كانَ بالعلم من دون التُّقَى شرفٌ ... لكانَ أفضلَ خلقِ الله إبليسُ ٥٣١ - الحافظ، المحدث، المسند، الرُّحَلة، وجيهُ الإسلام، عبد القادر بن خليل كدك، خطيبُ المدينة المشرفة . قال في "النفس اليماني": وفد شيخنا عبد القادر إلى مدينة زبيد ناشرًا فيها علوم الإسناد إلى خير العباد ﷺ ، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وآل كلٍّ، وسائر الصالحين، وسلم، بعد أن جال البلاد شرقًا وغربًا، ولقي من المشايخ المسندين الأعلام عالمًا كثيرًا، وألف في ذلك كتابه المسمى بـ "المطرب المعرب الجامع لأهل المشرق والمغرب"، قال في خطبته: وقد ارتحل لطلب الإسناد جمعٌ من السلف والخلف، رحل جابرُ بن عبد الله إلى مصر لأجل حديث واحد، وكذلك ارتحل أحمد بن حنبل، وغيرُهما، وكنت منذ كنت ولم أزل لي غايةُ الأمنية، في اتباع هذه السنة السنية، والعمل بها، والعمل بالنية ... إلى أن قال: ارتحلتُ إلى كذا وكذا، ونلتُ ما نلتُ من ذلك إلى آخر كلامه. واستجاز لي منه شيخنا الوالد إجازة شاملة كاملة، كما أجازه مشايخه الذين ذكرهم في "ثبته"، وكتب بذلك إجازة مطولة بخطه الشريف، هذا، ولما وفد إلى مدينة زبيد، تلقاه علماؤها وأعيانها بالإعزاز والإجلال، وازدحم عليه الأفاضل لأخذ الإجازة منه، وهو الذي استجاز شيخَنا الوالد ولجماعة من زبيد من مسنِدِ الشام الحافظ الكبير محمد بن سالم السفاريني محتدًا، الحنبلي مذهبًا، الأثري معتقدًا، القادري

стр. 499

مشربًا، ثم وفد إلى مدينة صنعاء، وتلقاه أهلها بالإعزاز والإعظام، واستجاز منه جماعة من العلماء الأعيان، منهم: السيد العلامة عبد الله بن محمد الأمير، وله مؤلف خاص في شرح رحلته إلى اليمن، سماه: "السر الموتمن". وهذه الطريقة - أعني: الارتحالَ لطلب علو الإسناد، واكتساب المعالي - كانت سيرة أولي الهمم العلية من السلف والخلف، حتى إن بعضهم كره الإجازة؛ لأنها تكسل عن الرحلة، وما أحسن قولَ أبي الطيب: يُخَيَّلُ لي أن البلادَ مسامعي ... وأَنِّيَ فيها ما تقولُ العواذلُ معناه: أنه لا يستقر ببلاد؛ لأن العاذل ما له كلمة مستقرة في أذن المحب، وفي المعنى قول ابن نباتة: كأنما الأرضُ عني غيرُ راضيةٍ ... فليسَ لي وطنٌ فيها ولا وَطَرُ ثم عاد إلى المدينة المنورة، وتصدى فيها لنشر علوم الإسناد، وإملاء الحديث، والاجتهاد في هذا الشأن العظيم، توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١١٨٦، بنابلس بعد زيارة القدس. ٥٣٢ - السيدُ، العلامةُ، الوليُّ الكبيرُ، علي بن عمر القناويُّ، المصريُّ . تكرر وفوده إلى مدينة زبيد، وإلى صنعاء اليمن مرارًا عديدة، وهو في كل وفادة يُتلقى بالإكرام والإجلال، ويجتمع إليه في كل يوم وليلة من الخاص والعام ما دام مقيمًا عالَمٌ كثير يقيمون معه الذكر الجهري على طريقةٍ أخذَها عن شيخ الشيوخ في إقليم مصر محمد بن سالم الحفناوي، الآخذ لها عن الإمام مصطفى البكري، الآخذ لها عن علي بن وفا، وهو - كما أفاد ذلك الشيخُ عبدُ الغني النابلسي في "بيان السر الغامض في شرح ديوان ابن الفارض" - أولُ من أحدث الحادي في حلقة الذكر، وينشد من الأشعار الرائقة المباني الفائقة المعاني الإلهية بالموسيقاوى، ما ينعش القلوب، ويهيجها إلى التوجه إلى علام الغيوب، ويؤثر فيها تأثيرًا عظيمًا، ولقد اتفق أن السيد المذكور وصل في بعض وفاداته إلى زبيد، وأقام الذكر المذكورَ على الصفة المذكورة، وحضر الخاصُّ والعام من أهل البلد، وكان من جملة الحاضرين رجلٌ من أكابر العلماء المشغولين بذكر الله آناء

стр. 500

الليل والنهار، فلما حدى الحادي، ولم يكن قد طرق سمعَه ذلك، فلم يزل يبكي بكاء شديدًا، وتواجد تواجدًا عظيمًا، حتى أحدث له ذلك رعافًا مسترسلاً كان من أسباب موته. وهذا غير مستبعَد، فقد ذكر شراح "السلم المنطقي" في بحث الخطابيات ما حاصله: أن الخطاب الشعري إذا وقع باللفظ الرائق، والمعنى الفائق، والصوت الحسن الخارق، وصادف قلبًا سليمًا صافيًا، فعلَ في القلب من التأثيرات البالغة ما لا تفعله البراهين القطعية، وتأثرُ القلبِ بالصوت الحسن مقتضى الفطرة الإنسانية، ومن لم يتأثر بذلك، فهو كما قال الإمام الشافعي: فاسدُ المزاج، يحتاج إلى العلاج. وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي هريرة ﵁، قال، قال رجل: يا رسول الله! إني رجل حُبِّبَ إليَّ الصوتُ الحسنُ، فهل في الجنة صوت حسنٌ؟ قال: "والذي نفسي بيده! إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة، أن أَسْمِعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفعُ بصوتٍ لم تسمع الخلائقُ بمثله من تسبيح الربِّ وتقديسِه". وأخرج عبدُ بن حُميد، عن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]، قال، قيل: يا رسول الله! ما الحبرة؟ قال: "اللذة والسماع". وقد ساق الجلال السيوطي في "الدر المنثور" عدة آثار في هذا المعنى. وقد اختلف العلماء في حكم النغم والغناء على أحد عشر قولًا. ومذهب الإمام العلامة ابن حزم الظاهري: الحِلُّ مطلقًا. قال: لأن التحريم لا يثبت إلا بنص صريح صحيح، ولم أقف عليه. خالفه الجمهور، والمسألة فيها رسائل مضبوطة مبسوطة من علماء المذاهب، انتهى كلام "النفس اليماني". والذي ترجَّح عند المحققين من أهل الحديث: أن الذكر بالصفة المذكورة بدعة وأي بدعة! وفيها من إساءة الأدب مع الله سبحانه، والتشبه بالفرق التي يذكرون الله في معابدهم على نغمات العود والوتر ما لا يقدر قدره، ولم يثبت حديث واحد - ولو ضعيفًا - في جواز ذكر الله تعالى على هذه الصفة المشار

стр. 501

إليها، فلا خير فيه، ولا أجر عليه، بل هو ضرر محض، ووزر صرف، ومنكر واضح، نعم! لا دليلَ على تحريم السماع من السنن وأدلتها، فهو باق على أصله من الحل حتى يقوم دليل صحيح يدل على حرمته، ودونه خرط القَتاد، ورحم الله القناوي، فقد اجترأ جرأة عظيمة على فعل الذكر وقوله بهذه الصفة من الحادي وإنشاد الأشعار، مع كونه من أهل العلم الممتازين، وهذا الصنيع منه دليل على أن الإنسان لا يخلو من عصيان، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ من الإمكان، ثم قال في "النفس اليماني": نشر السيد علي القناوي هذه الطريقة بأمر شيخه الحفناوي في الآفاق، فدخل خراسان، وأطراف الهند، والعراقين، وصنعاء اليمن، وغير ذلك من المحلات، وهو في الجميع متلقى بالإعزاز والإكرام والإجلال، وكلامه مقبول، على الرؤوس والعيون محمول، وكان حلوَ العبارة، لطيف الإشارة، شغلتُه درسُ القرآن والصلاة، يورد الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ويتكلم فيها بالتحقيق الجلي، والسر الخفي، وأكثرُ شغله بذكر الله ، انتهى. وعندي: الذكرُ الإلهي والعكر القدسي لا يجتمعان مع شيء من البدعة، وإن اجتمعا، كان ذلك من تلبيس إبليس، وتدليسه لأهل التدريس ولهذا قال في "النفس اليماني" بعد المبالغة في الثناء عليه: وغيرُ خافٍ: أن الفقهاء سيما أهل مدينة ذمار ينكرون بعض ما يقع من طريقة السيد المذكور، ولكن أهل ذمار شأنهم كما قال السيد إسحاق بن يوسف - رح -: وإذا نظرتُ إلى ذمارَ وَجَدْتَها ... حسناءَ، لم تَلْبَسْ نفيسَ إزارِ لا يَخْضَعون لفاتِكٍ أو باسلٍ ... كخضوعِهم للضيفِ أو للجار انتهى. قلت: ولكن الحق معهم في ذلك، وإن قيل فيهم ما قيل، قال: ووفد إلى مدينة صنعاء اليمن ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٨] من حيث إنها كما في "القاموس": شبيهة بدمشق، ودمشق هي ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] على أحد التفاسير، والمشبه له حكم التشبه به.

стр. 502

ولله در العلامة عبد الله بن عمر الخليل حيث يقول في قصيدته: سلامٌ على صنعاءَ التي فاحَ نَشْرُها ... ولاحَ سناها في النُّجود وأَتْهَما بلادٌ بناها قيل شيث بنُ آدم ... وقَوَّمَ معناها لها فَتَقَوَّما ٥٣٣ - وجيهُ الإسلام، الوليُّ، التقيُّ، عبد الصمد بن عبد الرحمن الجاويُّ . قال في "النفس اليماني": وفد إلى مدينة زبيد سنة ١٢٠٦، وكان من العلماء العاملين، ومن المتفننين في سائر العلوم، أخذ عن عدة من علماء عصره، منهم: الشيخ إبراهيم الرئيس، والشيخ محمد مراد، والشيخ عطاء المصري، والشيخ محمد الجوهري، والشيخ محمد الكردي، وغيرهم، ثم أقبل على علم التصوف، وكان جل اشتغاله بـ "إحياء علوم الدين" درسًا وتدريسًا، وصار يدعو الناس إلى الاشتغال به، ويعظم شأنه، ويكثر من ذكر فوائده، وأن من أقلها أن ينكشف للمشتغل به المقبل عليه عيوبُ نفسه ونقصُها وتقصيرُها، ويكون ذلك - بعد توفيق الله سبحانه - عاصمًا له عن الغرور. يا ربِّ! إنَّ العبدَ يُخفي عيبَهُ ... فاسترْ بحلمِك ما بدا من عيبِهِ ولقد أتاكَ وما لهُ من شافِعٍ ... لذنوبِهِ فاقبلْ شفاعةَ شَيْبِهِ ولقد سبق بالوصية بمطالعة "إحياء علوم الدين" جماعة من أهل العلم، حتى إن بعض علماء المغاربة ألف كتابًا حافلًا في فضائل "الإحياء"، ومما يحكى: أن رجلًا من المشتغلين به اطلع على كتاب "تنبيه الأحياء على أغاليط الإحياء"، فأقبل على مطالعته، فما أتمه إلا وقد ذهب بصره، فأكثر من البكاء والتضرع إلى الله ، وعرف من أين أُتي، فتاب إلى الله ، فرد عليه بصره، انتهى. قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلامه في "الإحياء" غالبه جيد، لكن فيه أربع مواد فاسدة: مادة فلسفية، ومادة كلامية، ومادة الترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة. وبينه وبين ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات المصنفات، انتهى. قال الشيخ حسين بن عبد الله الحضرمي في حق "الإحياء": يُداوى به من سموم الغفلة، ويوقظ علماء

стр. 503

الظاهر، ويوسع للعلماء الراسخين. قلت: وهو لا شك كذلك، لكن بعد حذف المواد الفاسدة المشار إليها، ومثله كتابه الآخر "كيمياء السعادة" بالفارسية. قال صاحب "النفس اليماني": قرأت عليه من أوائل كل ربع، وأجازني، وكان لا يرى للدنيا قدرًا، اتصف من سماحة وبذل ما أمكن له بذله بالعجب العجاب. ذكر ابن القيم في "شرح منازل السائرين": كان شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا ما يقول: ما لي شيء، ولا عندي شيء، وهذه طريقة الخواص، وأما الجمهور، فبخلاف ذلك، قال الشاعر: أشفقْ على الدرهمِ والعينِ ... تسلمْ من القِلَّةِ والدينِ فقوةُ العينِ بإنسانِها ... وقوةُ الإنسانِ بالعينِ قال: ومن طريقته الجهرُ بالذكر، والاجتماع عليه، وغيرُ خاف أن الجهر بالذكر غير حرام، ولا مكروه كما زعم الزاعمون، وقد ألف في مشروعيته الجلالُ السيوطي، والعلامة الكناني، والشيخ إبراهيم الكوراني. قلت - عفا الله عني -: الراجح في المسألة قولُ الحافظ الإمام الشوكاني، وهو أن يجهر بالذكر في الموضع الذي ورد فيه الذكر بالجهر، ويسر به فيما ورد بالسر، وبهذا يحصل التوفيق بين الأدلة، والله أعلم. ٥٣٤ - شرفُ الإسلام، يتيمةُ الدهر، علامةُ العصر، الحسين بن عبد الشكور، المدنيُّ . قال في "النفس اليماني": وفد إلى مدينة زبيد، داعيًا لأهلها إلى إحسان الوضوء والصلاة، وتعريفهم طريق ذلك، وجعل في ذلك منظومة عظيمة، أولها: لكَ الحمدُ بدءًا منكَ يحسنُ والختما ... عليكَ وشكرًا لا أُطيق له كَتْما وشرح هذه المنظومة شرحًا حافلًا، وجعل على الشرح حاشية عظيمة لا ينقل فيها من كتاب، بل إنما يذكر فيها ما أفاضه عليه ربُّ الأرباب، وله في ذلك العبارات الرشيقة، والنكت الغريبة، التي مادتها الكتاب والسنة في الحقيقة،

стр. 504

وأقبل عليه أعيان البلد وعلماؤها، وتلقوا ما ألفه في ذلك بالقبول التام، وعقد للتعليم والإفادة بما هو بصدده مجلسًا بالمسجد، ويملي في ذلك المسجد من علومه اللدنية الوهبية الفيضية العجب العجاب: لقد رأيتُ إمامًا ... أحارَ بالعلم لُبِّي فقلتُ: مِنْ أيِّ شيخ؟ ... فقالَ: عن فَيْضِ قَلْبي وقد ألف الغزالي رسالة في حقيقة العلم اللدني، وأسبابه وشروطه وموانعه، وصار غالب أهل البلد ببركة دعائه في اشتغال عظيم بإحسان الوضوء والصلاة - جزاه الله خيرًا -، واستجاز من علماء البلد، واستجازوا منه، ووقعت بينه وبينهم مذاكرات مفيدة، ومشاعرات عديدة، ومن شعره: مَنْ راقبَ الناسَ ماتَ غَمًّا ... وحَظُّه الوَيْلُ والثُّبورُ ومَنْ تَخَلَّى عنهم تَحَلَّى ... وفازَ باللَّذَّةِ الجَسورُ ٥٣٥ - الشيخُ، العلامةُ، المشهورُ، عالمُ الحجاز على الحقيقة لا المجاز، أحمدُ بنُ عبد القادر بنِ بكري العجيليُّ - رح -. لم يزل مجتهدًا في نيل المعالي، وكم سهر في طلبها الليالي، حتى فاز من ذلك بالقِدْح المُعَلَّى، وصَلَّى في محرابها وجَلَّى، أخذ العلوم عن آبائه الكرام، وعن غيرهم من الأعلام، ومن مشايخه عبدُ الخالق المزجاجي، وأجاز له، وألبسه الخرقة، ومنهم: السيد إبراهيم بن محمد الأمير، والسيد سليمان بن يحيى، وله مؤلفات في التصوف والتوحيد، والقصائد الإلهيات والنبويات، وقد جمع ولده العلامة إبراهيم من ذلك شيئًا كثيرًا، ولعمري! لقد شاع طيبُ شعره وذاع، وأطرب الطباع، وشنف الأسماع. شعر: وسارَ به مَنْ لا يسير مُشَمِّرًا ... وغَنَّى به مَنْ لا يُغَنِّي مُغَرِّدا ومن قصائده المشهورة: عقد الجواهر اللآل، في مدح الآل وقد شرحها شرحًا عظيمًا، وقرظ عليه عدة من العلماء، منهم: السيد الجليل علي بن محمد في مكة المشرفة في سنة ١٢٠٣.

стр. 505

قال صاحب "النفس اليماني": وأجازني إجازة مطولة في الحديث المسلسل بالأولية، وهو حديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحَمْكم مَنْ في السماء"، وسنده حسن، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن عبد الرحمن بن بشر، وأبو داود، وأبو بكر بن أبي شيبة، والترمذي في "جامعه"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: وهو صحيح باعتبار ما له من المتابعات والشواهد، قال العبادي: إن الرواية في: يرحمكم بالرفع، على أن الجملة دعائية، لا بالجزم جوابًا للأمر، وبالوجهين تلقيناه عن المشايخ، انتهى. قال شيخنا: ونحن تلقيناه عن مشايخنا بالرفع فقط، وهذا حديث جليل؛ لأنه لما كان بَدْءُ الخلق وأوليتُه من تجلي اسمه الرحمن، وكان الوجود رحمة ونعمة، ناسبَ أن يكون أولَ ما يقرع السمع: حديثُ الرحمة، كما أنه أول ما قرع سمعه كلمة الإيجاد، وهو أول رحمة أوتيها. ثم تكلم شيخنا على هذا الحديث، وما احتوى عليه من الأسرار البديعة، والحقائق العجيبة بما يليق بجلالة قدره، وسعة علومه، فجزاه الله عني وعن الإسلام خيرًا. قلت - عفا الله عني -: وفيه دلالة على كونه سبحانه فوق السماء وكونه مستويًا على العرش. ثم مما كتبه صاحب الترجمة في إجازته للسيد عبد الرحمن هذا النص: وأما لبسُ الخرقة الشريفة التي يتداولها الصوفية، ويتبرك بها العلماء والمتعلمون والصالحون؛ رجاءَ الدخول في طريقة التصوف، الذي هو حقيقة المتابعة للنبي ﷺ فيما جاء به، وأمر به، وندب إليه من قول وفعل وعقد، وهو حقيقة التقوى التي هي حلية الأولياء، ويستحق بها العبدُ الكرامة من الله تعالى، وهذا الإلباس الصوري من أخذه صدقًا وإخلاصًا إلى اللباس المعنوي المنتج للعلم اللدني، وجميع الكرامات والمبشرات المنزلة على قلوب كل، على حسب استعداده بما تعطيه الحكمة والوجود. ثم ذكر سلسلةَ خرقته، وقال: كما ألبسه غريب الله، وعاش أربع مئة عام. قلت: وفي "القاموس": دريد بن زيد عاش

стр. 506

أربع مئة سنة، وأدرك الإسلام. هذا، ومناقب الشيخ أحمد كثيرة، وكان لا يسمع بذي فضيلة في جهة من الجهات إلا وتعرف به، واستطلع حقيقة فضيلته، ثم بدا له إيثار الخلوة والعزلة. ٥٣٦ - الشيخُ إبراهيم بن محمد، الزَّمزميُّ . المكيُّ المولد والدار، العليُّ المنصب والمقدار، تصدى في أم القرى للإفتاء والتدريس، وكان يقرىء ويفيد، ويبدىء ويعيد، ويتكلم في سائر العلوم لفظًا ومعنى، وعلى أصولها وفروعها حفظًا. صفاتُه في العلوم إنْ ذكرت ... يُعارِضَنْها النَّسيبُ والغَزَلُ تعرفُ من عينِه حقائقها ... كأنه بالعلومِ مكتحلُ أجاز لصاحب "النفس اليماني" في سنة ١١٥٤، وولدُه العلامة الشيخ محمد صالح خلف أباه في فنون الفضائل، ففاق الأقران، وفاق الأوائل، قال في "النفس اليماني والروح الريحاني": وكنتُ سمعتُ الفضلَ منه تَواتُرًا ... فلما التقينا صَدَّقَ الخبرَ الخُبْرُ قال: ووقعت بيننا مذاكرات نفحت أزهارُها، وصدحت أطيارُها، وطلبتُ منه أن يجيزني، فكتب الإجازة في سنة ١٢٢٤، ومن فوائد الشيخ إبراهيم: أن من حصل له صداع، فقال - ويده على رأسه -: "لا إله إلا الله" مئةً وخمسة وستين مرة، زال عنه الصداع، والحكمةُ في ذلك: أن هذا العدد موافق لعدد الصداع، وعدد لا إله إلا الله، فأحرص عليها، فإنها من عزيز الفوائد، والمجربات العوائد، ومن قال بعد العطاس، وبعد أن يحمد الله: اللهم ارزقني مالًا يكفيني، وبيتًا طيبًا واسعًا يؤويني، واحفظ عليَّ ديني، واكفني شرَّ ما يؤذيني، أعطاه الله ذلك بمحض فضله. ٥٣٧ - السيدُ، شهاب الدين محمود بنُ السيد عبدِ الله أفندي آلوسي زاده، البغداديُّ . ينتهي نسبه الشريف من جهة الأب إلى الحسين، ومن جهة الأم إلى الحسن ﵄ بواسطة الشيخ الرباني السيد عبد القادر الجيلاني - قدس سره -.

стр. 507

وقد كان - رح - خاتمةَ المفسرين، ونخبةَ المحدثين، أخذ العلم عن فحول العلماء، منهم: والده العلامة، ومنهم: الشيخ علي السويدي، ومنهم: الشيخ خالد النقشبندي، والشيخ علي الموصلي، وكل ذلك مفصَّل في "حديقة الورود في مدائح السيد شهاب الدين محمود"، وكان أحد أفراد الدنيا بقول الحق، واتباع الصدق، وحب السنن، وتجنب الفتن، حتى جاء مجددًا، وللدين الحنيف مسددًا. دُنيا بها انقرضَ الكرامُ فأذنبَتْ ... وكأنما بوجودِهِ استغفارُها وكان جُلُّ ميله إلى خدمة كتاب الله، وحديثِ جدِّه رسولِ الله ﷺ ؛ لأنهما المشتملان على جميع العلوم، وإليهما المرجعُ في المنطوق والمفهوم، وكان غاية في الحرص على تزايد علمه، وتوفير نصيبه منه وسهمه، وكان كثيرًا ما ينشد: سَهَري لتنقيحِ العلومِ أَلذُّ لي ... منْ وَصْلٍ غانيةٍ وطيبِ عِناقِ واشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ودرَّس ووعظ، وأفتى للحنفية في بغداد المحمية، واكثرَ من إملاء الخطب والرسائل، والفتاوى والمسائل، وخطه كأنه اللؤلؤ والمرجان، أو العقود في أجياد الحسان، قلد الإفتاء سنة ١٢٤٨، وهو عام ولادة محرر هذه السطور. أرسلَ إليه السلطان بنيشان ذي قدر وشان. قال نجله السيد أحمد: كان الله له خيرَ ناصر، في ترجمته المسماة بأَرج النَّدِّ والعود: كان عالمًا باختلاف المذاهب، مطلعًا على المِلَل والنِّحَل والغرائب، سلفيَّ الاعتقاد، شافعيَّ المذهب كآبائه الأمجاد، إلا أنه في كثير من المسائل يقتدي بالإمام الأعظم، ثم في آخر أمره مال إلى الاجتهاد، كأمثاله من العلماء النقاد، حسبما صرح به الأئمة في كتب الأصول، وتعرفه الجهابذة الفحول. قال: ومن مؤلفاته ما هو أعظمها قدرًا، وأجلها فخرًا تفسيرُه المسمى: بـ "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني"، أيد فيه مذهب السلف الأماثل، ومنها: "شرح السلم" في المنطق، ومنها: "نزهة الألباب في

стр. 508

غرائب الاغتراب"، ومنها: "نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول"، و"نشوة المدام"، وكتاب "الأجوبة العراقية"، و"الفيض الوارد"، ومنها ... ومنها ... إلى آخر ما قال. وقد أتحفني في عام هذا - سنة ١٢٩٨ الهجرية - نجلُه العلامةُ السيد خير الدين نعمان آلوسي زاده من بغداد المحمية - سلمه الله تعالى - بأربع كتب من مؤلفاته الشريفة، منها: النزهة، والنشوة، والأجوبة، والفيض، وقفت عليها، واستفدت منها، وعرفت مقدار جامعها في العلم والأدب، والدين والصلاح، توفي - رح - ٢١ ذي القعدة سنة ١٢٧٠، رئي له منامات حسنة، ورثاه خلق كثير. لَئِنْ حَسُنَتْ فيه المراثي وذكرُها ... لقد حَسُنَتْ من قبلُ فيه المدائحُ وقد أعقبَ خمسةَ أشبالٍ كرام، كلٌّ منهم في ذلك المعالي بدر تمام، أكبرهم سنًا، وأرسخُهم في العلوم فنًا: السيد بهاء الدين عبد الله أفندي، والثاني: السيد سعد الدين عبد الباقي، الثالث: السيد خير الدين نعمان - وستأتي ترجمته الشريفة - مستقلة، الرابع: السيد نجم الدين محمد حامد أفندي، الخامس: السيد مجد الدين أحمد شاكر، وله مختصر في ترجمة أبيه وإخوته، تصدى فيه بذكر فضائل هؤلاء الكرام، مما يتعلق بسنين الولادة والمعرفة بالعلوم والتصانيف والأولاد - حماهم الله تعالى عن كل شر وفساد، وبلغهم إلى أقصى المراد -. ٥٣٨ - السيدُ خيرُ الدين، نعمان، أبو البركات بنُ السيد المحمود المرحوم المذكور . حبي في الله ربي، أظهر الغيب المبرأ عن كل شين وعيب، حفظه الله وسلم. قد ولد الساعة الحادية عشرة من يوم الجمعة، ثاني عشر شهر الله المحرم ابتداء السنة الثانية والخمسين بعد الألف والمئتين، وقد أرخ ذلك الناظم المجيد الملا عبد الحميد، بقصيدة بديعة، مطلعها: بَدا الكوكَبُ الدُّرِّيُّ والقَمَرُ الذي ... مَحاسِنُه للشمسِ أَضْحَتُ تُسامِتُ فلا عَجَبٌ إنْ فاحَ كالمسكِ عَرْفُهُ ... فها هو مِنْ بيتْ النبوَّةِ نابتُ

стр. 509

له ثبتَ الحقُّ الصريحُ من العُلا ... وتاريخُه: حقٌّ لنعمانَ ثابتُ قرأ القرآن الكريم، وحفظ "ألفية ابن مالك"، و"الرحبية" في الفرائض، وغيرهما من متون العلوم، وقرأ على تلامذة والده المبرور جملة من الفنون الآلية؛ كالنحو والصرف والفقه، وقرأ على أبيه المرحوم: "مغني اللبيب"، و"شرح الألفية" لابن الناظم، وكتبًا من المنطق وغيره، وقرأ بعد وفاة والده سائرَ العلوم؛ من الأصلين، والحديث، والعلوم العربية، والرياضية، وسائر الفقه، وبقية العلوم النقلية والعقلية على علماء بغداد دار السلام ومشايخ تلك البقعة ذات الاحترام، وبرع، وساد، وألف، وأفاد حتى فاق - مع كونه شابًا - الشيوخَ، وثبت له في كل علم أتمُّ الرسوخ، وصنف جملة صالحة من التصانيف. وحرر زبرًا نافعة من التآليف، منها: "إكمال حاشية القطر" لوالده العلامة، و"الشقائق"، و"رسائل في الفقه"، وله نثر ونظم يزري باللؤلؤ والنجم، وكتب في المواعظ دروسًا مفيدة، ومجالس عديدة حميدة. وله كتاب "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين"، وهما: ١ - العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، ٢ - والفقيه ابن حجر المكي الهيتمي، وهو كتاب جليل المقدار، مفيد الإحرار، يعز له مثيل، بل لا يلفى له بديل، وقد طبع لهذا العصر سنة ١٢٩٨ الهجرية، بمحروسة مصر القاهرة العلية، في مطبعة بولاق، المشهورة في الآفاق، بعناية ذات الجود والكرم، عالية الهمم، نواب شاهجهان بيكم، حفظها الله، وسلَّم أهلَ بيت هذا العبد، عفا الله عنه، وعليه أنعم، ووالية "بهوبال" المحمية، صان الله مواليها وأهاليها عن كل آفة وبلية. وله - عافاه الله تعالى - مراسلات ومفاوضات إليّ، هو الآن مشتغل عن منادمة الجليس، بالوعظ والتدريس. بِوَعْظٍ قد تلينُ له قلوبٌ ... وزجرٍ قد تلينُ به الصخورُ تفرد في الفحول بقوارع وعظه، وأذاب القلوب بزواجر لفظه، شعر: إذا ما رقى للوعظ ذروةَ منبر ... لخطبته فالكلُّ مُصْغٍ ومُنْصِتُ فصيحٌ عن الشرعِ الإلهيِّ ناطقٌ ... وعن كلِّ مذمومٍ من القولِ صامتُ

стр. 510

وقد تقلد بعضَ المناصب، وحاز من ألطاف الدولة العلية أسنى المراتب، وله أشبال عليهم مخايل الشرافة والنجابة، وفيهم تحقق السعادة المأثورة من القرابة، أكبرهم السيدُ محمد ثابت، وقد ولد سنة ١٢٧٥، والأصغر منه السيدُ علي زين العابدين، وقد ولد سنة ١٢٧٧، ودونه السيد عمرُ حسام الدين، وقد ولد سنة ١٢٨٧، ودونه السيد محمودُ شهاب الدين، سَمِيُّ جده الكريم، وقد ولد سنة ١٢٨٩ - جعلهم الله تعالى شجرة طيبة، أصلُها ثابت في الأرض، وفرعها في السماء، وحببهم إلى قلوب عباده العلماء الأولياء -. ومما كتبه إلينا صاحبُ الترجمة هذه ما نصُّه، ما يقول: مولانا الأمير السيد النحرير، النواب المفسر الشهير، مقتدى الأعاظم، ومن لا تأخذه في الله لومة لائم - متع الله سبحانه المسلمين بطول بقاه، وقمعَ به البدع، وأناله في الدارين مناه - في حكم الرابطة المستعملة عند أصحاب الطريقة النقشبندية - أفاض الله عزَّ شأنُه علينا من علومهم المَرْضِيَّة -، وهل لها أصلٌ قويٌّ من السنة والكتاب، أم هي اختراع واجتهاد من بعض ذوي الألباب؟ فإن كان لها أصل، فما ذلك عند أرباب العقد والحل؟ وإن لم يكن لها دليل، فهل في ذلك شركٌ أصغرُ وتضليل؟ لأنها كما هو المشهور: تصويرُ المريدِ شيخَه الغائبَ وكأنه في الحضور، وكلما ذكر الله، تصورَ صورةَ شيخه في سويداه، أم ليس في ذلك بأس لدى الأكابر، حيث قال بها جمعٌ من الأواخر؟ وهل يعارض ما استدلوا به من قصة يوسف ﵇ عندما هَمَّ، ورأى يعقوبَ النبيَّ النبيل قوله ﵇ والصلاة: "اعبد الله كأنك تراه"، الحديث الطويل، فأميطوا عنا غبار الشك والترديد بأبين جواب، وميزوا الخطأ عن الصواب؛ فإنكم من فضله من الوافين بالعهد والميثاق لتبيين الكتاب، جعلكم الله تعالى للسلفيين وكافة الموحدين حصنًا حصينًا، وأنالَكم وسائرَ العلماء مزيدَ الثواب، آمين. سنة ١١٩٨، اهـ. شعبان. فأجبته - عافاه الله، وعن المكاره وقاه - مرتجلًا بما هذا لفظه: أما مسألة المرابطة، فلا يخفى على شريف علمكم أنها من البدع المنكرة، وقد صرح بالنهي عنها الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي إمامُ هذه الطبقة وزعيمها،

стр. 511

ومسنِدُ وقته، ومجدِّدُ عصره، وفرد الأمة المحمدية وحكيمها، في كتابه "القول الجميل في بيان سواء السبيل"، وهذه عبارته: قالوا: والركن الأعظم ربطُ القلب بالشيخ على وصف المحبة والتعظيم، وملاحظة صورته. قلت: إن لله تعالى مظاهر كثيرة، فما من عابد، غبيًا كان أو ذكيًا، إلا وقد ظهر بحذائه صار معبودًا في مرتبته، ولهذا السر نزل الشرع باستقبال القبلة، والاستواء على العرش، وقال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدُكم، فلا يبصُقْ قِبَلَ وجهه؛ فإن الله تعالى بينه وبين قبلته"، وسأل جاريةَ سوداء، فقال: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء، فسألها: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها - تعني: اللهُ أرسلك -، فقال: "هي مؤمنة". فلا عليك ألا تتوجه إلا إلى الله، ولا تربط قلبك إلا به، ولو بالتوجه إلى العرش، وتصور النور الذي وضعه عليه، وهو أزهر اللون كمثل نور القمر، أو بالتوجه إلى القبلة؛ كما أشار إليه النبي ﷺ ، فيكون كالمراقبة لهذا الحديث، انتهى. وقد أفاد الشيخ العلامة محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي في كتابه "الصراط المستقيم" بالفارسي: أن هذه المرابطة من الشرك بمكان لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلوم الكتاب والسنة، وأقول: ما لنا ولقلبنا، وربطه بالشيخ كائنًا من كان؟! وإنما تربط قلوب العباد إلى بارئها ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وبالجملة: هذه المسألة - وإن فاه بها جمع من المشايخ قديمًا وحديثًا -، فهي من البدع بلا مرية، وحكمها حكم سائر البدع، وسائرِ الأشياء التي أحدثها المتصوفة من غير أساس على دليل من كتاب وسنة، ويكفي في رد مثل هذه البدعة قوله ﷺ المستفيض المشهور: "كلُّ أمير ليسَ عليه أمرُنا، فهو رَدّ"، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما ورد في معنى هذه الأخبار، وبالله التوفيق. ٥٣٩ - الشيخُ، الفاضلُ، راشد (١) بن علي، الحنبليُّ، النعاميُّ، من آل جريس. عالم ناقد، مُتَّبِعٌ ماجد، ذو يد طولى في علم القرآن والحديث، مقتدٍ

стр. 512

بالسلف الصالح في كل أمر قديم وحديث، لم أره ولم يرني، ولم أعرفه ولم يعرفني، بيد أنه راسلني منذ شهر صفر سنة ١٢٩٨، ثمان وتسعين بعد الألف والمئتين من إسلامبول، وذكر أنه من قطر نجد، ومولده النعام، وموطنه الشريف ذاك المقام، وظهر لي من مهارقه الشريفة: أنه ذو علم نافع، وفَهم لامع، وفضل ساطع، يقتدي بالسنة الصحيحة والقرآن، ولا يقلد أحدًا من الأحبار والرهبان، له شغلة وافية بالتفسير، وهمة عالية في درك الحقائق من حديث البشير والنذير، يلوح من كتبه أنوار الفضيلة والاستقامة، وأنه من أهل المجد والكرامة - حفظه الله، وأحله يوم القيامة في دار المقامة -. وقد طلبت منه الترجمة للتحرير في هذا الكتاب، كما طلب مني جملة صالحة من مؤلفاتي التي أحسن الظنون بها أولو الألباب، واستجازني، فأتحفته بتفسيري "فتح البيان"، وكتابي "إكليل الكرامة"، و"ظفر اللاضي"، وغير ذلك مما كان هنالك، وأجزته، وكتب إليّ خطًا جوابًا على طلبي لترجمته الشريفة، فوددت أن أثبت تلك الخطوط مرتبًا مع إجازتي له؛ إشاعةً لآدابه في مطاوي كتابه، وإذاعة لعلو همته في أسوة السنة السنية، الظاهرة الواضحة من مراسلاته البهية، وهذا يرشدك إلى أن الدنيا - وإن كانت ملئت بالجور والمظلمة، والآفات والملحمة -، ولكن فيها من خبايا في زوايا، ومن العلم والدين، وحب التقوى وإيثار الحق على الخلق، وترك التقليد، وقوة اليقين بقايا، وسمعت أنه ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو على ذلك أينما كان وعند من كان قائم ودائم، وعن مفطرات الديانة والأمانة والتقاوة صائم، كَثَّر الله في الزمان من أمثاله، وصانه عن تبعات الزمن وأهواله. وهذا الخط، وهو خطه الأخير، الذي جاءني منه عند بلوغ هذا المختصر

стр. 513

إلى هذا الموضع، فذكرته أولاً، وسائرها آخرًا، قال - حفظه الله تعالى -: [١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى حضرة جمال الدنيا والدين، حاملِ لواء سنة سيد المرسلين، وجوهرة عقد العلماء المحققين، الدالِّ على منهاج المتقين، شيخِ الإسلام والمسلمين، الذي شهدت مساعيه بفضله، فصدق أقوالَه السنيةَ بشريف فعله، شيخنا الإمام، وقدوتنا في حِنْدِس الظلام، نخبة آل الرسول، وابن الزهراء البتول، مجدد آثار العلوم الدارسة، وموضح معاني كتاب الله، حتى لا يمتري فيه دارسُه، سلطان أهل الحديث، فلا أحد ينافُسه، حسنة الدهر على الأنام، الذي أشرقت بشمس طلعته الليالي والأيام. الشيخ العالم بعلل أقوال الرجال، فلم يبق للمشبهين مجال. السيد الأجل، والسند الأكمل محمد صديق حسن خان المحترم، لا زالت أيامه بطاعة الله معمورة، وصفاته في الملأ مذكورة، آمين. سلام عليكم، عددَ شوقنا إليكم، ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فبينما نترقب لتشريف جوابكم البهي، واقتطاف زهر روض علمكم الزهي، إذ في أبرك الساعات بزغ بدرُ بريدِ رسالتكم الغراء، في سماء شمائلكم الزهراء، وبصحبتها أبكار الرسائل الشريفة، الدالة على معاني الشريعة المنيفة، فاستقبلناها بالابتهاج والسرور، وقبلنا أذيالها بالفرح والحبور، ووردنا عذبَ زُلالها، وأروينا لظى ظمئنا من حسن دلائلها ورقة دلالها، مع ما اشتملت عليه من المتانة والرصانة المشيدة لأركان الديانة، فرفعنا أكفَّ الدعاء إلى الله أن يَمُنَّ علينا ويمتعنا ببقائكم، وأن يجعلكم من الفائزين يوم العرض الأكبر برضاء مولاكم، وشفاعة جدكم ﷺ وإيانا وجميع المسلمين. والمؤلفات الشريفة التي ذكرتموها موجودة بمصر، نستجلبها بحول الله تعالى، نسأل الله أن ينفعنا ببركات ما فيها من العلوم الشريفة. وأما ترجمة المحب الفقير، فليس ممن ينتظم في سلك المجالسين، فضلًا

стр. 514

عن العلماء المحققين، وإنما يعد هذا الداعي لكم من سقط المتاع، وممن يباع ولا يبتاع، فلا أهمية لبيان اسمه، وخمولُه دالٌّ على عدم كفاءته لأن يكون مذكورًا في صحف العلماء، والأجدرُ به أن يثبت في ديوان الجهلاء، إلا أن علو همتكم العلية، أنقذه الله بها من وَهْدَة الجهل الرديَّة، فأوجبت على نفسي الظالمة أن ألبي دعوتكم برسم اسم الفقير، وهو هذا: الفقيرُ إلى الله، راشد بن علي بن عبد الله بن محمد بن سليمان النجديُّ قُطْرًا، النعاميُّ مولدًا وموطنًا، السلفيُّ معتقدًا، وفي هذه كفاية. وأما إثبات بقية النسب، فلا حاجة للفقير به؛ نظرًا لقوله تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ولست بمعارض قوله ﷺ : "تَعَلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامَكم"؛ فقد علمنا من أنسابنا ما يكفينا عن نشره في دواوين الإسلام، ونقطة علمنا بأنسابنا: أنا من تراب، والترابُ من الماء، وفي سورة الحِجْر بيان ذلك، والمصيرُ إليه متعين، وكذلك في سورة الحجرات. فإن مننتم علينا بـ "التاج المكلل" بعد فراغ طبعه، كان ذلك من أعظم المنن الصديقية على الداعي لكم، وأما كتبكم التي نحب جلبها من طرفكم، إن شاء الله تجعلوها لديكم في حيز الأمانة إلى وقت الميعاد الذي ذكرتم بحول الله تعالى. إما أنا نأتي إلى "هندستان"، أو إلى بعض الأماكن التي يحسن جلبُ المؤلفات الشريفة إليها، وأرجو أن يكون ذلك قريبًا، وإن أحببتم تفرضوا فرصة من وقتكم السعيد، ولو زاحتكم أشغال الليالي والأيام إلى "شرح نونية" ابن القيم، فالداعي لكم يرى هذا من حسناتكم، وامتنانكم على كافة أهل السنة والجماعة، فاغتنموا دعواتهم الخيرية، ما دام في الأرض من يحب السنة والجماعة، والله ولي التوفيق. أما أمركم إلى مدير الجوائب، المحب سليم أفندي في شأن طبع التفسير الشريف، فنعم ما استحسنتم، يَسَّرَ الله ذلك بمنِّه وكرمه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم، ١٠ ذي الحجة سنة ١٢٩٨.

стр. 515

[٢] الحمد لله الذي أرشد العقول إلى توحيده وهداها، وثبت كلمة الإيمان في قلوب أهل الإيقان على أمواج الامتحان، باسم الله مجراها ومرساها، وأضل قلوب المنافقين عن الدين، فلم تجبه لما دعاها، فسبحانه من جبار عظيم لا يُماثل ولا يُضاهي، جل ربًا، وعز ملكًا وتعالى إلهًا، ناصرُ المسلمين بفضله، وخاذل الباغين بعدله، وجاعل العز في الدنيا والآخرة لمن أطاعه وتمسك بحبله، أحمده على تأييد دينه، وتأبيد أصله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم أنبيائه، وسيد رسله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المقتدين بقوله وفعله، وعلى خلفائه القائمين بإحياء فرائض شرعه ونفله، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأهدي السلام الوافر، والثناء الجميل المتظافر، والدعاء المقبول المتكاثر، إلى قرة عين أهل السنة ومسرة الخاطر، وارث مكارم الأخلاق كابرًا عن كابر، أعني: من طاب بوجوده الزمان، واشتهر صيته بكل مكان، سلالة الفضلاء الأكرمين، وخلاصة السعداء الميامين، أهل الحجج الواضحة والبراهين، محيي شريعةِ جَدِّه سيدِ البشر، مجددِ القرنِ الثالثَ عشر. حضرة الملك المفخم، التقي الأواب الأمجد النواب السيد محمد صديق حسن خان بهادر نواب بهوبال المعظم، لا زالت السعادة تضرب عليه خيامها، والسيادة تلقي إليه زمامها. آمينَ آمينَ لا أرضى بواحدة ... حتى أُضيفَ إليها ألفَ آمينا ثم إن معروض الداعي لكم بظهر الغيب، كثير الخطايا والزلل والعيب، محرر هذه الأحرف، لمَّا مَنَّ الله علينا في هذه السنة المؤرخة بزيارة بيته الحرام، ومسجد نبيه سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، والمسجد الأقصى بأرض محروسة الشام، عنّ لنا أن نسيح إلى الآستانة العلية، مدينة "القسطنطينية"؛ لأجل التفرج في بلاد الله، ورؤية تخت السلطنة السنية

стр. 516

الإسلامية، فاجتمعنا فيها بأديبها، وحافظِ عربيتها بعد ما أَفَلَت شمسُها بمغيبها، حضرة محرر الجوائب صاحب الرفعة أحمد أفندي فارس، ومديرها نجله، الذي فاق أبناء عصره بأدبه وذكائه سليم أفندي. فلما تجاذبنا أهدابَ مِرْط الأدب، أفضى بنا الحديث إلى التعطر بنشر الثناء عليكم، فاستكشفنا غمام علمه عن حضرة سيادتكم، فأسفرت ليلتنا حينئذ عن التشرف باستنشاق نسيم ذكركم العاطر، ومطالعة رَيَّا روضِكم الزاهر، فمن أعظم ما انشرحت به صدورنا، وتم به سرورنا، تفسيركم للقرآن الشريف، المسمى: "فتح البيان في مقاصد القرآن"، و"الروضة الندية شرح الدرر البهية"، و"لقطة العجلان"، ورأيت أسماء مؤلفات حضرتكم الشريفة مقيدة في حجم كتاب لطيف، اسمه "قرة العيان ومسرة الأذهان" وهو كاسمه، إلا أني وقفت على الأسماء، ولم أقف على الأشخاص غير الكتب المذكورة. فجرَّدْتُ همتي لامتطاء بازل ألزم إلى السفر إلى حضرتكم، لأجل أخذ الإجازة بمؤلفاتكم الشريفة التي رأينا بعضها ولم نر باقيها، وحيث إن طريقتكم تلك هي درتي المفقودة، وضالَّتي المَنْشودة، بشرني صباح الظفر بها، لم أتمالك حتى عجلت لكم كتابي شوقًا إلى التشرف بمشاهدة حضرة سيادتكم، والتزود من أنوار علمكم. ولي أصحاب، ينيفون على خمس مئة ألف نفس من الرجال والنساء والأطفال، كلنا على معتقدكم الطاهر المطهر، ومؤلفات مشائخنا مطابقة لما أنتم عليه وما نحن عليه، فالحمد لله الذي نصر الحق بكم على حين فترة من أنصاره ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] ألا! وإني أنا وأصحابي الآن نعتقد: أنك مجدد هذا القرن، وكنا قبل نحسب أن هذه الطريقة السلفية لنا، ليس لنا فيها مشارك في الدنيا حتى وقفتُ على بعض مؤلفاتكم الشريفة، فازددت بها فرحًا وسرورًا، ودعوت الله أن يمن علي بلثم أعتابكم، والاقتباس من أنواركم؛ فإنها أنوار نبوية، فنرجو من الله ثم منكم أن لا تقطعوا عنا الجواب، وترسلوه سريعًا لتطمئن به قلوبنا، وإن رأيتم ترسلون ما تيسر من

стр. 517

مؤلفاتكم الشريفة لأجل بثها في بلادنا، وتجعلونها وقفًا لله لينتفع بها إخوانكم المسلمون، ويجري لكم ثوابُ ذلك - إن شاء الله تعالى -، وأرسلوا لنا الجواب، وما تيسر من الكتب التي هي مؤلفاتكم إلى مدير مطبعة الجوائب، بمدينة قسطنطينية، ونحن جالسون بها ننتظر الجواب الذي ترسلوه، ونحن إذا تحققنا منكم الإذن بأنا نتشرف بزيارتكم لأجل أخذ الإجازة عنكم مبادرين إلى هذا المقصد الشريف من غير تسويف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ٥ صفر الخير ١٢٩٨ كتبتُ ولو قدرتُ لكنتُ طيرًا ... أطيرُ إليكمُ قبلَ الكتابِ ولو قلمي بِما في الصدر يَدْري ... بَكى قلمي إلى يومِ الحسابِ [٣] سلامُ الله الأسنى، وتحياتُه الحسنى، تهدى إلى من قرب للخطاب المستطاب قابَ قوسين أو أدنى، ثم يعود السلام الوافر الجزيل، والثناء المتظافر الجميل، والدعاء المتكاثر المقبول، إلى فرع دوحة آل الرسول، ونجل الزهراء البتول، محيي رميمِ الشريعة، ومجددِ دارسِ رسومِ معانيها المنيعة، العالمِ الرباني، الراقي في معارج الأصول إلى أعلى ذرا المباني، حضرة الملك الأواب، الشيخ الناطق بالصواب. شيخ الإسلام محمد صديق حسن خان النواب، لا زال في نصرة العابدين لرب الأرباب، المبشرين يومَ الفزع الأكبر بجنات مفتحة لهم الأبواب، والملائكة للسلام والتهنئة بالنعيم المقيم، يدخلون عليهم من كل باب، آمين، اللهم آمين. أما بعد: فقد قرع أبوابَ مسامعنا، وطلعَ في أندية مجامعنا، أنوارُ شمس علمكم المنيرة، وهَبَّت على روضات قلوبنا رياحُ مودتكم المثيرة، وذلك لما تشرفنا بتسريح سوائم النظر في رياض مؤلفاتكم الزاهرة، فاقتطفنا من ثمارها ما هو نِعْمَ الزادُ إلى الدار الآخرة، ولم نزل على هذا الاعتقاد السلفي الصالح، ولم نحسب أن بالدنيا أحدًا غيرنا على هذا الاعتقاد، لأجل كثرة انفتاح ثنايا الطريق وكثرة سالكيها، والإعراض عن الطريق المستقيم وقلة الراغبين فيها،

стр. 518

فلما وقفنا على فحوى ما أبرزته فكرتكم المنيرة، ورأينا الحقَّ معكم كالشمس في الظهيرة، علمنا وتحققنا: أن لله عِبادًا فُطَنا ... طَلَّقوا الدُّنيا وخافوا الفِتَنا هذا مع ما أعطاكم الله ومنحكم من شرفَي الحسب والنسب، لم يبلغنا أنكم بذلك مغترين، بل لله من الشاكرين، ولأجل دلالة مؤلفاتكم على صدق ما روي عنكم، أحبتكم قلوبنا بظهر الغيب، ولم نحببكم إلا لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا. وقد حررنا إلى حضرتكم العلية كتابًا في بوصطة النمسا في تاريخ خامس شهر صفر، وأخبرناكم أنا بالآستانة العلية، منتظرين لورود جوابكم الشريف، ويكون العنوان إلى إدارة مطبعة الجوائب باسم محبكم الفقير، ويبلغنا - إن شاء الله تعالى -. ولأجل شفقتنا على الاجتماع بكم، وأخذِ الإجازة عنكم، صرنا منتظرين لجوابكم، هل نحظى بذلك من حضرتكم، أم الوقتُ متضايق عن ذلك، وكذلك مؤلفاتكم الشريفة، إذا كانت لديكم كلها موجودة أو مطبوعة - بمطبعة بهوبال المحروسة - تبعثون بها إلينا في الآستانة العلية، وأجرة نقلياتها نسلمها إلى من تريدون، أو تجعلونها وقفًا لوجه الله تعالى في قطعة جزيرة العرب، بخطة "نجد" لأجل أنهم موافقون لما أنتم عليه من اتباع الكتاب والسنة، فهذا هو اللائق بمقامكم الشريف، ويبقى لكم أجرها وأجر من انتفع بها، ولأجل انشراح صدورنا بمودتكم عرضنا لكم الكيفية، وإن اقتضى نظركم إرسالها إلينا بالآستانة العلية عن حضرتكم، فيكون إيصالها إلى مطبعة الجوائب، حتى نتسلمها منها عن يد مديرها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ١٥ صفر الخير سنة ١٢٩٨ [٤] الحمد لله الذي أقام لنصر دينه إمامًا هاشميًا، أرغمَ به أنفَ كلَّ كافر في الدنيا، فجرد صارم عزمه لتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، فأكرِمْ وأنعِمْ به صِدِّيقًا ثانيًا مَرْضِيًا، أحمدُه على ما مَنَّ به علينا من إقامةِ

стр. 519

مجددٍ لشرع نبيه، ومحيٍ سنة صفيِّه، ولم يتخذ من دون الله وليًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغ قائلها الدرجات العلياء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة بكرة وعشيًا، وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد: فأهدي السلام الجزيل الشرعي الوافر، والثناء الجميل المتظافر، والدعاء المتكاثر، ورحمة الله وبركاته، ما لاح بارق وطار طائر إلى قرة عين أهل السنة ومسرة الخاطر، وارثِ مكارمِ الأخلاق كابرًا عن كابر، سلالةِ السادة الفضلاء الأكرمين، وخلاصةِ الهداة القادة الميامين، صاحبِ الحجج الواضحة والبراهين، واسطةِ عقدِ محاسن الفخر في نحر هذا العصر، وإكليلِ المعالي، فوق رأس الأيام والليالي، محيي السنة، قامعِ البدَع، المؤيَّدِ من لَدُنِ العزيز بدلائل من كتابه وسنة نبيه كالفجر إذا انصدع، فلم تَأخذه في الله لومة لائم، ولم يألُ جهدًا في إظهار رسوم الحق وإقامة تلك المعالم، حتى أشرقت شمسُه على العالَمين، ورجمَ بثواقب فهمه مَرَدَة الشياطين الغاوين والمبتدعين، فهل يُقاس مَنِ استدلَّ بآراء الجاهلين، بمن استدل بمشكاة الوحي المبين؟ شيخُ الإسلام وعالِمُه الرباني، وإمامُ السنة المحمدية وأبو بكرها وصِدِّيقها الثاني، فهو خليفة أيده الله بالسيف والقلم، ورفع به منارَ الحق حتى يميز كَنارٍ على عَلَم، وسلك منهج جده فخر الكائنات، ومن أشبه أباه فما ظلم. حضرة السيد السند الأواب، أبي الطيب النواب، محمد صديق حسن خان، ملك محروسة بهوبال المحترم، لا زالت السعادة تضرب عليه خيامها، والإمامة الإسلامية تُلقي إليه زمامها، والشريعة الغراء بنصره رافعة أعلامَها، وبأمره منفذة أحكامها. وهذا دعاء للبرية شامل، كيف وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: "يبعثُ اللهُ على رأسِ كلِّ مئةِ سنة لهذهِ الأمة مَنْ يجدِّدُ دينها". وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدوله، يَنْفونَ عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبْطِلين، وتأويلَ

стр. 520

الجاهلين"، فالعلمُ المشار إليه في هذا الحديث هو علم التوحيد، ولأجله أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وكل علوم القرآن العظيم والسنة الشريفة راجعةٌ إلى هذا العلم العظيم. وإني أحمد الله تعالى على ما أولاكم به من مجانبة أهل البدع المضلة، واتباعِ آرائهم الفاسدة، ومَنَّ عليكم باتباع القرآن العظيم، والذكر الحكيم، والسنة المطهرة الشريفة، فأيُّ علم تُعْقَدُ عليه الخناصر غيرُ علمهما، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ولست مزكيًا لكم لترضوا عن أنفسكم، ولكن مهنئًا لكم لتحمدوا الله على هذه النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة، التي مَنْ فاز بها فقد أفلح في الدارين، فنسأل الله الكريم كما مَنَّ عليكم بهذا الميراث النبوي، أن يمنَّ علينا وعليكم جميعًا بالعمل به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، فإن من شرط قَبولِ العمل أن يكون خالصًا صوابًا، فالخالصُ ما كان لوجه الله، سالمًا من الشرك، والصوابُ ما كان على هديه ﷺ . ثم لا يخفى عن علمكم الشريف، بينما أنا أترقب لأخباركم السارة في أبرك الساعات، تشرفت بورود كتابكم الكريم، المتوَّج أعلاه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، المؤرخ ٢٢ صفر سنة ١٢٩٨، فقبلت لثامه إكرامًا، وتلقيته باليمين احترامًا، وسرحت سوائم النظر والأفكار في رياض معانيه التي تُخْجِل حدائقَ الأزهار، وأحطت علمًا بما أودعتموه من لطائف الإشارات، وحسن أسلوب التخلص من هاتيك العبارات، حيث لاح منها أنكم - أيدكم الله - مرجحون عدمَ إرسال ما لديكم من مؤلفاتكم الشريفة إلى مدينة القسطنطينية، لأجل طوارىء الموانع التي أشرتم إليها علينا، وأخرى لم تطلعوا عليها (١)، أو اطلعتم فأعرضتم عن التصريح بها إعراضًا حسنًا، وقد لاح لي هذا البارق قبل ورود كتابكم الشريف إلينا، فإذا كان الأمر كذلك، فأمرُ الله ورسوله ثم أمرُكم مطاع، ونحن

стр. 521

إن شاء العالي [...] إلى شاسع الأمصار، وتطلب الإجازة من بعيد البقاع والأقطار، وأطراف تلك المدن والديار، وأما الآن، فقد زال ذلك الانضباط، وطوي ببساط هذا الارتباط، وتقاعدت الهممُ عن طلبه، وتقاصرت الأفهام عن السعي في تحصيل رتبه، وقلَّ طالبوه، وكثر فاقِدوه، وعزَّ ناصروه، وغاب ناقدوه. كأنْ لم يكنْ بين الحَجون إلى الصَّفا ... أنَيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامِرُ بيد أنه بقي من آثارهم بقية نزرة في زوايا ممن تحمل عنهم خبايا، وقد ابتهج خاطري بوجود طالب هذا الشأن في هذا الزمان المقترب بالساعة والافتنان، فلله الحمد على ذلك حمدًا يملأ الأكوان، ويفضي بقائله إلى نعيم الجنان، وقد أجبت هذا الشيخ العلامة نخبة مَن بنجد وتهامة إلى مطلوبه، وأسعفته بتحصيل مرغوبه، وإن كنت لست أهلًا لأن أُجاز، فكيف أن أُجيز، وليس بواديَّ ماء ولا كلاء، فضلاً عن الذهب والإبريز، ولكن امتثالَ قوله ﷺ : "بَلِّغوا عني ولو آيةً"، فهذا هو الغاية في تبليغ الرواية، فأجزته برواية كتب السنة المطهرة من الأمهات الستّ وغيرها من بقية علوم الشريعة الحقة، من تفاسير القرآن العظيم، ودواوين الإسلام من شروح علم الحديث وأصوله، وكتب الأدعية المأثورة والأوردة المسنونة، وأجزته أن يروي عني جميع ما تجوز لي، وعني - رواية ودراية - من مقروء ومسموع، ومجاز ومناولة، ووجادة وكتابة ووصية ومراسلة، وما ألفته وجمعته من علوم التفسير والحديث وفقهِ السنة وأحكامها، وما نظمته ونثرته باللسان العربي والفارسي، بشرطِه المعتبر عندَ أهل الأثر - كثر الله سوادهم، ورفع عِمادهم -. كما أجازني بذلك جماعةٌ من أهل الحديث والقرآن، وعصابةٌ من العلماء الفحول الأعيان، منهم: الشيخ الأجل المعمَّر، المرحوم أبو الفضل، عبدُ الحق الهندي، المتوفَّى بمنى في سنة ١٢٨٦ - رحمه الله تعالى - كما أجازه بذلك جماعة من شيوخ الإسلام، منهم: الإمام الهمام، حسنة الليالي والأيام، المجتهد المطلق، العلامة الرباني سهيل القطر اليماني، القاضي محمد بن علي

стр. 522

الشوكاني ﵁، بسنده المذكور في ثبته المسمى، بـ "إتحاف الأكابر في إسناد الدفاتر"، ومنهم: الشريف العلامة، قدوة أهل الفضل والكرامة، مجدد العصر، ومجتهد الدهر، السيد عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير اليماني - رحمه الله تعالى - ومنهم: العالم الكبير، والحبر البحر النمير، الحاج المجاهد الغازي، الشهيد، الحافظ محمد إسماعيل الدهلوي، حفيد مسند الوقت، الشيخ الأجل، أحمد وليِّ الله المحدثِ الدهلوي. إلى غير هؤلاء من الأئمة، وكما أجازني بذلك شيخنا الصالح النقي، عين الإنسان، وإنسان العين، القاضي حسين بن محسن السبعي، الحديدي اليماني، تلميذ السيد الإمام الفهامة، محمد بن ناصر الحازمي، تلميذ الإمام الشوكاني، وشيخنا المهاجر إلى الله تعالى بقلبه وقالبه، نزيل مكة المكرمة - حرسها الله تعالى - المتوفى بها في سنة ١٢٨٢ العالم الصالح، محمد يعقوب الدهلوي ﵀. وشيوخ هؤلاء الأئمة مذكورون في ثبتهم، وثبتنا الفارسي، المسمى بـ "سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند"، وتمام ذلك كله في كتاب "النفس اليماني والروح الريحاني في إجازة القضاة بني الشوكاني"، للقطب الشهير، مفتي اليمن، السيد الجليل العلامة عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى الأهدل ﵃، فإنه - رحمه الله تعالى - من شيوخ مشايخنا الكرام. ومن فوائد هذا المقام: أن من المقرر في مصطلح الحديث، أن الإجازة: مصدر مزيد مشتق من المصدر المجرد، وهو الجواز، بمعنى: الإباحة، فكأن المجيز أجاز للمجاز، وأباح له أن يروي عنه، وأذن له في ذلك، وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى أنها أقوى من العرض؛ لأنها أبعدُ من الكذب، وأنفى عن التهمة وسوء الظن، وأقربُ إلى التخلص عن الرياء والعجب، فليرو عني المجازُ كلَّ ما أشرتُ إليه وعوَّلت عليه على كل حال، وليبلغه من يراه أهلًا لتحمل هذا المعنى، وأوصيه وإياي بتقوى الله في السر والعلن؛ فإنه ملاك الأمر فيما ظهر وبطن، وكل الصيد في جوف الفرى. وها أنا أسأل من فضل المجاز، الراقي إلى الحقيقة من المجاز، ألا ينساني

стр. 523

من خالص دعواته، في خلواته وجلواته، ومواضع إجاباته المثمرةِ بلوغَ المرام، المنتجة حسنَ الختام، قاله بلسان بيانه، راقمًا بيراع بنانه، الفقير إلى الله الغني الباري، عبده وابن عبده وأَمَته "صِدِّيقُ بن حسن بن علي الحسينيُّ، القنوجيُّ، البخاري - غفر الله زَلَلَه، وأصلح خَلَلَه، وتقبل عملَه، وبلغه أملَه، وذلك في يوم الجمعة، لعله الثامن من شهر جمادى الأولى من شهور سنة ألف ومئتين وثمان وتسعين الهجرية، في بلدة "بهوبال" المحمية، صانها الله وأهلها عن كل رزيَّة وبليَّة، بجاه عريض الجاه سيدِنا محمد خير البرية، صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين. [٥] الحمدُ لله الذي مَنَّ علينا باتباع نبيه وصفيه محمدٍ سيدِ البشر، وأقامَ لسنته ناصرًا كما أمر، فجددَ شريعة الإسلام، وأحيا دارسَها إرغامًا لمن خالفها وكفر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها من سقر، وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبده ورسوله، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله السادة الغرر، وأصحابه ومن آوى ونصر. أما بعد: فإن أفضل سلام أبرزته دقائقُ الأفهام، وقيدته سوابق الأقلام، في ميادين طروس أهل الإسلام، ورحمة الله وبركاتُه، يُهدى إلى مَنْ سمت فوق العلا درجاتُه، ونورت الدنيا حياتُه، وجلت غياهبَ المشكلات علومُه ومؤلفاته، فجعلها الله حرزًا لعهده الرباني كما شهدت لها به آياتُه، فأبرز دلائل الربوبية والإلهية التي نزل بها القرآن، ودعا إليها أهل الإيمان والإيقان، فابتهجت بها قلوب المؤمنين، ونزهوا خالقهم عما لا يليق بجلاله من أقوال المشركين، قاصمِ ظهورِ زخارف المبتدعين، بمرازبِ الوحي المبين، وقاطعِ رقابِ شُبَهِ الغاوين بصوارم البراهين، سلطانِ الأئمة المحدِّثين، وإمامِ الحنفاء المسلمين، شيخِ الإسلام ومجدِّده، ومرمِّمِ صرحِه ومشيِّده. الإمامِ السيدِ الهمام، شيخِنا حضرة محمد صدِّيق حسن خانَ، ملك بهوبال،

стр. 524

المحترم، لا زالت الخلافة تجرُّ به ذيولَ افتخارها، وشرعةُ الإسلام بأنوار بصائره ليلُها كنهارها، آمين. ثم إنه غير خفي عن علمكم الشريف: أن الداعيَ لكم بظهر الغيب قد تشرف بإشراق شمس كتابكم الكريم، المستحقِّ للتبجيل والتكريم، وفي طيه الصحيفة الغراء المنيفة التي أعربت براعةُ استهلالها، عن معان تُخجل البدورَ ليالي كمالها، فأبدت محاسن نسقها بلاغة لعبت بأولي الألباب ولا لعبَ الراح بالأرواح، وتجلت عرائس جناتها رافلة في حلل بيانها، مبشرة بنقش الإجازة الشريفة على أوجانها، فاغتنينا بالتشرف بها عن عقود لآلىء البحرين ومرجانها. فلله، هي شمسٌ من جبين مُنْشيها طالعة، بخلود جنات الهموم بأنوارها الساطعة، فوالذي أنزل سورةَ العصر، لكأني قد أُوتيت ملكَ مصر، كيف وهي ضالتي المنشودة، ودُرَّتي المفقودة، فنسأل من حبا منشيها الجلوس على تخت الخلافة الإسلامية، وأورثه دواوين الأسرار الربانية، أن يمتعنا ببقائه، وأن يمنَّ علينا بالتشرف بلقائه، وأن يعيد علينا من بركات علومه الشريفة، وأن يجعله من الآمنين يوم الفزع الأكبر والخِيفة، وأن يؤيد به دينَه القويم؛ ليهدي عباده إلى الصراط المستقيم، إن هذا دعاء للبرية شامل، فاستجبه يا إله العالمين، ويا خير الناصرين. ومن خصوص الوارد إلينا من رسائلكم الشريفة التي هي جواب عن رسائلنا السالفة - ثلاثة كتب - سوى الإجازة الشريفة، فأولها كتابكم الشريف، المؤرخ ٢٢ صفر سنة ١٢٩٨، وثانيها المؤرخ ١٠ ربيع الأول سنة ١٢٩٨، لم نجبكم عنه لأجل اكتفائنا بكتابنا الذي طلبنا به من حضرتكم الشريفة إرسال الإجازة. وثالثها كتابكم المؤرخ ٩ جمادى الأولى سنة ١٢٩٨، وبِطيِّه الإجازةُ الغراء المؤرخة ٨ جمادى الأولى سنة ١٢٩٨. هذا الذي تشرفنا به من رسائلكم الكريمة، وأما تلويحكم في الكتاب الأخير، أن الداعي لكم قد انتقد الموضع الذي في التفسير من قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] الآية. فمعاذ الله! إني لم أنتقد، ولكن معتقد! كيف يتجاسر أبو الحصين، على وادي

стр. 525

أسامة أبي الشبلين؟! أم كيف يسوغ للبعوضة أن تطن في أذن الفيل؟! أم كيف صبابة الأنهار تحاكي زواخر البحار؟! هذا من المحال، ولو تصدى لذلك - فحولُ علماء الرجال لجاؤوا شيئًا إدًّا. ولكن موجب سؤالي لحضرتكم؛ لأقتبس من أنواركم، وأرتويَ من تيار بحاركم، فاحملوا الداعي لكم على الاسترشاد لأجل علو الإسناد، فهل مثلي يحظى بمثلكم، ويكتفي بالمؤلفات، بل لا أكتفي إلا بالسؤال، فإن دواء العيى: السؤال، فاللهُ يُمتعنا ببقائكم، شفيتم العليل، وبردتم الغليل بإيضاح ما أشكل، ولقد تلقيت قولكم بالقبول قبل أن نراسلكم، واعتقدت ثقتكم، ومثلي من يعتقد ويعتمد على استدلالكم. فوالله! إن تفسيركم الشريف جليسي، وفي الخلوات هو أنيسي، ولأجل استغنائي به عن غيره، واعتمادي عليه، لا عجب إذا راجعتكم عَمَّا لم يتضح لفهمي القاصر، لأجل أن بضاعتي مُزجاة، وما كُلُّ مَنْ حمل السلاح بطل، وما كل ذات المخلب السبع، فأين الشحم من الورم، ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، إنه حميد مجيد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ٢٨ جمادى الثانية سنة ١٢٩٨. [٦] أستودعُ نسماتِ الأسحار عاطرَ تسليماتٍ أضاء نور سناها، وتلألأ بين الخافقين محياها، تُهدى ورحمةٌ وبركاتٌ ممن خلق كلَّ نفس وسوَّاها، إلى من جرد صارَم علمه النبوي على ظلماتِ الجهل فجلاها، وضربَ هامَ بنيان الضلال بمرازب الوحيين فهدّ بناها، وجَنَّدَ جنودَ كتبه الشريفة على كتاب بدع المبتدعين فأفناها، وجَدَّدَ منهاج الشريعة الغراء وحمى حماها، شيخِ الإسلام، شيخِنا الإمام، جمالِ الدنيا والدين، الذي ليس له في فضله مباري، أبي الطيب، محمد صِدِّيق بن حسن بن علي البخاري، لا زالت حياته الدنيا طيبة برضا مولاه، وآخرته صالحة يوم لقاه، آمين. أما بعد: فإن الداعي لكم بظهر الغيب، كثيرُ الزلل والعيب، قد سير إلى حضرتكم كتابًا جوابًا لكتابكم الشريف الذي بطيه الإجازةُ الشريفة، التي طوقتم

стр. 526

بها جِيدَ محبكم العاطلَ، الداعي لكم على الدوام، وإنه عنكم ليس بغافل، نؤمل أن كتابنا المزبور قد تشرف بتقبيل الأنامل الكريمة، وبهذا الكتاب نبين للحضرة البهية: أنا إلى حال التاريخ لم نبرح القسطنطينية، وقد منَّ الله عليّ ببعض مؤلفاتكم الشريفة المطبوعة بالجوائب، بالأحرف الدونمية، "لقطة العجلان"، و"حصول المأمول من علم الأصول"، و"خبيئة الأكوان" مع "التفسير الشريف"، فكانت تلك سميري في الخلوات، لأتسلى بها حتى استكمل جميع ما التمسناه منكم من المؤلفات، وإني أرجو الله تعالى أن يمنَّ بها علينا قبل الممات. وقد تشوش فكري من سماحتكم بطبع هذا التفسير الجليل بالمطبعة الحجرية في قرطاس ضعيف لا يليق بجلالة هذا التفسير العظيم، فهلا أمرتم بطبعه بمطبعة مصر القاهرة، في قرطاسها الذي هو حرز لدواوين الإسلام؛ فإن هذا التفسير جدير لعلماء القرآن والسنة أن يكتبوه بماء الذهب، فكيف بماء مركب، أم كيف مقداره العالي ينحط إلى هذا المنزل عن غيره من هذيان الأوائل والتوالي، وإني لست أمقت المطبعة البهوبالية المحمية، ولكن أمقت القرطاسَ والحجر، في جانب الأحرف الدونمية، التي قد رأى حضرتكم طبعها، فلأجل رغبتي في تخليد هذا التفسير تأسفت، إذ لم يطبع بالأحرف في كاغذ يليق به، سواء كان في بهوبال، أو غيره من البلاد، لأجل أن النسخ بالقلم بمناسبة قصور همم الطالبين الآن فيه صعوبة على البطالين، ولأجل مجاراة هممنا القاصرة نرغب للطبع لأجل سرعة إبرازه وحصول المقصود به سريعًا، فالمأمول ألا تؤاخذونا بإساءة الأدب مع حضرتكم بهذا الخطاب، وما هو إلا من المحبة الراسخة لكم لله، وفي الله، وسوف ينفع الله بكم وبمؤلفاتكم، وإني لأرجو الله أن يقر العين منا ومنكم بإعلاء كلمته، وكبت أعدائه أينما كانوا. وهنا مسألة نعرض لحضرتكم الكريمة، وهي: أن الناس في آخر هذا القرن، كما قد تعلمون علاوة على ما قد علمتم، مصر والشام والعراق والحجاز والقسطنطينية وما والاها من البلاد، أظن جُلُّ أحوال أهل هذه البلدان ليست خافية عنكم، أن معتقدهم الذي هم الآن عليه مضادٌّ لما نحن وأنتم عليه، ويوجد

стр. 527

فيهم فئات موافقون لما عليه أهلُ السنة والجماعة، لكنهم تحت القهر والخوف على أنفسهم من هيجان رعاع الناس، ولا بد أن الله سبحانه آخذٌ بأيديهم، ولكنَّ إقامتهم بين ظهرانَي ضدِّهم قد وقع معنا موقعَ الإشكال، واعترض معه جملة جعلناها سؤالًا مستقلًا، نلتمس من فضلكم الجواب سريعًا، وأرسلوا الجواب على العادة إلى مطبعة الجوائب على يد مديرها محبكم سليم فارس، وهو يبلغ إلينا - إن شاء الله -، كما قد كان؛ حيث إنه مأمون بين الطرفين، وهذا تهنئة لكم بشهر رمضان المعظم، نرجو أن الله يعفو عنا وعنكم وعن جميع المسلمين، آمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ٢٧ رمضان سنة ١٢٩٨. ركونُ الورى إلفًا رأيناهُ يُعْرَفُ ... كما قيلَ أرواحٌ تميلُ وتَأْلَفُ على الدينِ اُولى والدنية بعدها ... فنزرٌ على الأولى بقايا تخلَّفوا تجدْ جُلَّ هذا الناس للمالِ دينُه ... وإيمانهُ عن علمِ مولاه يَصْدِفُ تَواخَوا وصَدُّوا بل تعامَوا وأعرضوا ... لقد قَصَّروا علمًا، وفي الجهل أَسرفوا فهذا اغترابُ الدين لا شيءَ غيرُه ... فبالله هل عينٌ على الدين تذرف سَبَرْنا كرامَ الناسِ أهلَ درايةٍ ... ونشرِ علومٍ منهمُ العلمُ يُعرف ولم يبقَ إلا منهم اليوم شعرةٌ ... من البُلْقِ بَيْضا في سوادٍ محرف وهم فتيةٌ أنصارُ حقًّ وشيعة ... على الدين بالتقوى دوامًا توصفوا تواصَوا وعَضُّوا بالنواجذ رغبةً ... على الملة السَّمحا جِهارًا وما خَفُوا فمنهم لنا خِلٌّ، ولي منه خلةٌ ... أغوصُ بحارَ العلم منه وأغرفُ عليمٌ حليمٌ، بل حكيمٌ ومرشدٌ ... كريمٌ سليمٌ ينتقي ويعنِّفُ يجودُ بعليم من لديهِ لطالبٍ ... وما ملكَتْ كفاه بالمال يُتْحِفُ عنيت به "الصديقَ" شيخي ملة ... صديقًا لأهل الدين والخبر يخلفُ لقد كانَ فينا كالدليل لركبِه ... به نهتدي، بلْ في زواياه نعكُفُ وقد كانَ كالبدرِ يُضاهي بنوره ... إذا ما أضا يعلو الدراري، وتخسفُ فلا زالَ فينا حيثُ ما شاء منةً ... من الله بالتقوى كريمًا ومسعِفُ

стр. 528

له البسطةُ العظمى على الناس كلِّهم ... من الدين والدنيا وما شاءَ يَقْطِفُ ودونَك من جُهْدِ المُقِلِّ تحيةٌ ... وتهنئةٌ بالشهر لا زلتَ تعرفُ لك الأجر في ذا الشهر يبقى مضاعفٌ ... لك الضعفُ ألفًا، ثم يبقى مُضَعَّفُ تقومُ الليالي بعدَ صومِ نهارِها ... بأكملِ وجهٍ في سرورٍ ومعرفُ وأزكى صلاة للنبيِّ وعترةٍ ... كذا الصحبِ والأَتباعِ للدينِ يَقْتَفو ٥٤٠ - السيدُ أبو الخير نورُ الحسن (١) الطيبُ. ابنُ محرر هذه السطور - حماه الله تعالى -، عالم صالح، ومحدث سني، ومحمديٌّ خالص، وصوفيٌّ طاهر، وهو نور حدقة الزمان، ونورُ حديقة الحسنِ والإحسان، وإنسانُ طرفِ الظرف، وعارضُ وَجَناتِ اللطف. ولد سنة ١٢٧٨ يوم الأربعاء، لعله أحد وعشرون من شهر الله رجب، نشأ ببلدة بهوبال المحمية، وأخذ عن جماعة من علمائها؛ كالشيخ العلامة القاضي حسين بن محسن السبعي اليماني الحديدي نزيلها، والشيخ الفهامة محمد بن عبد العزيز القاضي بها حالًا، وآخرين، وقرأ مختصرات كثيرة في العلوم الآلية، واشتغل بالحديث، فسمع وقرأ عليّ وحَصَّل، واقتصر عليه، وعلى علوم القرآن، وليس له بغير هذه العلوم إلمام، إلا ما يذكر من ميله إلى علم السلوك والعرفان، ولا مضايقة في ذلك، فالإحسان أعلى مرتبة من تطورات الإسلام والإيمان، وهو خاشع متواضع، كثير الأذكار، سليم الصدر إلى غاية، وما زال مواظبًا على الخيرات الحسان. وله عناية تامة بالعمل بما في الأمهات الحديثية، مع طرح التقليد، له شغل بالكتاب والمطالعة والكتابة من أوان الصبا إلى عنفوان الشباب، ويقطف من رياض العلم الشريف غضَّ زهره حتى عَبَقَتْ شمائله نسمات الند، وقطرت من سلسبيل أوصافه مياهُ المجد، ألفاظُه ريحانة الأدب، ومعانيه شمامة الطرب، صيته لركائب العرفان والعلم حادي، ونور غُرَّته في ظُلَم الآراء والأهواء هادي،

стр. 529

يحفظ لسانه عن الفلتات، وجَنانه عن الخطرات، له ذهن وقال، وطبعٌ صياد، وسليقة كاملة في الشعر والإنشاد، ومؤلفات ممتعة، اشتهرت في البلدان، وسارت بها الركبان إلى أقصى المكان، منها كتاب "الجوائز والصلات من جمع الأسامي والصفات"، وهو كتاب كبير الشأن، جليل البرهان، أجمعُ ما يكون في هذا الباب، ومنها: "الطريقة المثلى في ترك التقليد واتباع ما هو الأولى"، وهما باللسان العربي المبين، ومنها: "النهج المقبول من شرائع الرسول"، وكتاب "العَرْف الجادي من جنان هَدْي الهادي"، وهما باللغة الفارسية، وتذكرة لشعراء الفرس، سماها: "نكارستان سخن"، وأخرى لشعراء الهند، سماها: "طور كليم" ويتخلص بالكليم، في القصائد والغزليات، إلى غير ذلك من المسائل والرسائل. وعنده من كتب الأصول والزبر السلفية مقدار عظيم، له نظر فيها ممعن، ومؤلفاته دالة على علو علمه، وسعة دائرة فضله في العلوم، وهو حسن الفهم، فصيح العبارة، لطيف الإشارة، مع نجابة كاملة، وشرافة تامة، وسعادة شاملة، وحسنِ سمت، ولطفِ دَلّ، وقنوعٍ وعفاف، وكرمٍ وتقاوة زائدة، ومحاسنِ خصال، ومكارم شِيَم. وبالجملة: فشخصه الطيب وعينه الطاهر، مفاخرُ أهل هذا البيت، علمًا وفهمًا، وجلالة وفخامة وتوددًا، مع دين متين، وورع شحيح، وحبًّ في القلوب، وفي كل حين يزداد جلالًا وعظمة في العيون، ورفعة في الناس، وخصاله الشريفة كلها محمودة، وأموره جميعُها منتَظمة حسنة، وقد زينه الله مع هذه الفضائل بما جُبل عليه من الوقار والإكبابِ على العلم والتقوى، وإيثارِ الحق على الخلق، والإعراضِ عن مناصب الدنيا، والانجماع عن الناس، وتقللٍ من زخارف هذه الدار، لا يبالي بما ظفر منها، وبما فاته عنها. وقد أجزتُه وأخاه الصغير الآتي ذكرُه بما تجوزُ لي روايته عن مشايخي الكرام. أعلى الله مدارجَهم في دار السلام يوم القيامة، وأجازه مشايخه في الحديث وغيره أيضًا كما هو مذكور في "ثبته"، وهو الآن في الطلب - بارك الله فيه وله وعليه، ووجه ركائب الآمال والأماني إليه -.

стр. 530

٥٤١ - السيد أبو النصر، علي حسن (١) الطاهر. أخو أبي الخير المذكور، وولد المؤلف الصغير. ولد سنة ١٢٨٣، يوم الخميس نصف الليلة، لعله الرابع من شهر ربيع الآخر ببلدة بهوبال المحمية، أمه وأم أخيه المذكور، البنت الكبرى للشيخ الصالح الوزير محمد جمال الدين خان الدهلوي، نائب الرياسة (٢) البهوبالية، أعني: ذكية. نشأ صاحب الترجمة في مولده ومسقط رأسه ومهبط شخصه، وقرأ مختصرات العلوم الآلية بالفارسية وبالعربية إلى "شرح الكافية" للجامي، وأخذ عن جماعة من أعيان بلده وغيرهم الواردين بها. وبرع في الشعر الفارسي والهندي، حتى ألف تذكرة لشعراء الفرس، وسماها: "صبح كلشن"، وأخرى لشعراء الهند، وسماها: "بزم سخن"، وله "الإقليد في رد التقليد" باللغة العربية، وحواشٍ على مؤلفات أبيه وأخيه كثيرة. وهو الآن في طلب العلم والعرفان، يقرأ في هذه الأيام كتاب "الجامع الصغير" للسيوطي، ويحصَّل سائر الحديث، له يدٌ طولى في الفروسية، وركوب الخيول، وهمة في تحسين الزي، وتجميل الهيئة، وتنظيف الدار والمجالس، وإيثار شأن الإمارة. ومنذ ولد منح اللهُ بسببه الغنى الكثير، وهو ذو نصيب عظيم، وثروة كثيرة، رزقه الله علمًا يحبه، وعملاً يرضاه، ومَتَّع بحياته أمه وأباه. وهذان الوالدان - هما - قرتا عينيَّ، وريحانتاي في الدنيا. اللهمَّ أَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهما، وأبغِضْ من أبغضَهما، واجعلْهما من صالحي عبادك
следующие страницы →