صفة الفريضة، فإن حديث النهي عن أن تصلَّى صلاة في يوم مرتين، ربما كان شاملا لمثل صورة صلاة صاحب الترجمة، ولعله يجعله خاصًا بتكرير الفريضة بنية الافتراض.
وكان موته في سنة ٧٣٤، انتهى - رحمه الله تعالى -.
٤٨٩ - محمد بن محمد، الدمشقيُّ، الشيرازيُّ، الشافعيُّ، المعروف بابن الجزري .
كان أبوه تاجرًا، لم يولد له أربعين سنة، فلما حج، شرب ماء زمزم، ونوى حصول ولد، فأعطاه الله تعالى هذا الابن السعيد، قال في "البدر الطالع": جَدَّ في طلب الحديث بنفسه، وأخذَ الفقه والأصول والمعاني والبيان، وتصدَّر للإقراء بجامع بني أمية، ثم دخل بلاد الروم، واتصل بالسلطان بايزيد خان، فأكرمه وعظَّمه، فنشر هنالك علم القرآن والحديث، ولما مات تيمور في سنة ٨٠٧، خرج من سمرقند إلى خراسان، ودخل هراة، ثم يزد، ثم أصبهان، ثم شيراز، ثم بصرة، ثم جاور بمكة، ثم قدم دمشق، ثم القاهرة، ودخل اليمن. وله تصانيف كثيرة نافعة (١)، منها: "الحصن الحصين"، و"جنة الحصن"، و"المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد".
ولد سنة ٧٥١، ومات بشيراز يوم الجمعة سنة ٨٣٣ - رحمة الله تعالى عليه -.
٤٩٠ - محمد بن محمد، المعروفُ بابن فهد .
ولد سنة ٧٨٧.
قال في البدر الطالع: سمع بالمدينة عن أهلها، ودخل اليمن، فلقي أكابرها؛ كالمجد - صاحب القاموس -، وسمع منه ومن غيره، وبرع في الحديث، وفاق على الأقران، وصار المعوَّل عليه في هذا الشأن ببلاد الحجاز قاطبة، وانتفع به الناس.
стр. 457
وألف مؤلفات، له "ذيل على طبقات الحفاظ"، مات سنة ٨٧١ - رحمه الله تعالى -.
٤٩١ - محمد بن محمد العلاءُ، البخاريُّ، العجميُّ، الحنفيُّ .
ولد سنة ٧٧٩ هو تلميذ التفتازاني، له اليد الطولى في المعقولات والمنقولات.
قال في "البدر الطالع": ترقى في التصوف، ومهر في الأدبيات، وتوجه إلى بلاد الهند، ونشر العلم هنالك، ثم قدم مكة، ثم القاهرة، واتفق في بعض المجالس أنه جرى عنده ذكر ابن عربي، وكان يكَفِّره ويقبِّحه، وكل من يقول بمقالته، فشرع العلاء في تقرير ذلك، ووافقه أكثر من حضر، إلا السباطي، فقال: إنما ينكر الناس عليه ظاهر الألفاظ التي يقولها، وإلا، فليس في كلامه ما ينكر إذا حُمل لفظه على معنى صحيح بضرب من التأويل، ومن جملة ما ذكر في ذلك إنكار الوحدة، وقرر العلاء إنكار ذلك، فقال له السباطي: أنتم ما تعرفون الوحدة المطلقة، فلما سمع ذلك، استشاط غضبًا وصاح بأعلى صوته: أنت معزول! ولو لم يعزلك السلطان، يعني: لتضمن ذلك كفره عنده، واستمر يصيح، وأقسم بالله! إن السلطان لو لم يعزله من القضاء، ليخرجن من مصر، فأشير على السباطي بمفارقة المجلس إخمادًا للفتنة.
وبلغ السلطانَ ذلك، فأمر بإحضار القضاة عنده، فحضروا، فسألهم عن مجلس العلاء، فقصه كاتبُ السر، وهو ممن حضر المجلس، فسأل السلطانُ الحافظَ ابن حجر عن تكفير العلاء للسباطي، وماذا يستحق، هل التعزير أو العزل؟ فقال ابن حجر: لا يجب عليه شيء بعد اعترافه، وكان السباطي قد اعترف بكفر ابن عربي في مجلس السلطان، وأرسل السلطان إلى العلاء يترضاه، فأبى، ورحل عن مصر، وسكن دمشق، وصنف رسالة سماها: "فاضحة الملحدين"، زيف فيها ابن عربي وأتباعه، واتفقت له بدمشق حوادث، منها: أنه كان يسأل عن مقالات ابن تيمية التي انفرد بها، فيجيب بما يظهر له من الخطأ، وينفر عنه قلبه، إلى أن استحكم ذلك عليه، فصرح بتبديعه، ثم تكفيره، ثم صار
стр. 458
يصرح في مجلسه: أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام، فهو بهذا الإطلاق كافر.
فانتدب للرد عليه الحافظ ابن ناصر: وصنف كتابًا، سماه: "الرد الوافر على من زعمَ أَنَّ من أطلق على ابن تيمية أنه - شيخ الإسلام - كافر"، جمع فيه كلام من أطلق عليه ذلك من الأئمة الأعلام من أهل عصره من جميع أهل المذاهب سوى الحنابلة، وضمنه الكثير من ترجمة ابن تيمية، وذكر مناقبه، وأرسل بنسخة منه إلى القاهرة، فقرظه جماعة من أعيانها؛ كابن حجر ومعلم البلقيني، والعيني، والحنفي، والسباطي، وكتب العلاء كتابًا إلى السلطان - يُغريه بمصنفِ الرسالة، وبالحنابلة، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، وما كان أغنى صاحبَ الترجمة عن ذلك، ولكن السلطان له دقائق، لا سيما في مثل من هو في هذه الطبقة من الزهد والعلم، انتهى.
قال المقريزي في "العقود": كان يسلك طريقًا من الورع فيسمح في أشياء يحمله عليها بعده عن معرفة السنن والآثار، وانحرافُه عن الحديث وأهله؛ بحيث كان ينهى عن النظر في كلام النووي، ويقول: هو ظاهري، ويحض على كتب الغزالي، انتهى.
قال الشوكاني: ومن هذه الحيثية قال في ابن تيمية ما قال، وليس في علم إنسان خير إذا كان لا يعرف علمَ الحديث، وإن بلغ في التحقيق إلى ما لا ينال، انتهى.
٤٩٢ - السيدُ محمدُ بنُ محمدٍ، الشاميُّ .
من سكنة بلاد خولان صنعاء، أخذ العلوم الدرسية وعلم الحديث من خيار النبلاء الفضلاء القادة.
قال الشوكاني: وهو الآن يقرأ عليَّ شرحي للمنتقى، ويحصله بخطه، وفي مؤلفي المسمى: بالدرر، وشرحه المسمى: بالدراري، و"السيل الجرار"، وفي تفسيري، وغير ذلك من مؤلفاتي، وقد صار الآن من أعيان علماء صنعاء وصلحائها وفضلائها - جَمَّلَ الله بوجوده، وكَثَّرَ من أمثاله - انتهى. ثم توفي - رحمه الله تعالى - بصنعاء سنة ١٢٥١.
стр. 459
٤٩٣ - القاضي محمدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ، العنسيُّ، الذماريُّ .
ولد تقريبًا سنة ١٢٠٠، قال الشوكاني: له قراءة عليَّ في التفسير والحديث والآلة، وفي مؤلفاتي، وأذنتُ له بالقضاء بينَ من يرد إليه من الناس، وهو الآن باقٍ على ذلك، انتهى. لم أقم على تاريخ وفاته - رحمه الله تعالى -.
٤٩٤ - محمد بن يحيى، المعروفُ ببهران .
هو من علماء اليمن الميمون كان يَتَّجر في أوائل عمره، ويطوف البلاد، ومع ذلك يطلب العلم في كل محل، حتى تفرد في رئاسة العلم، وألف تآليف حسنة، ذكرها الشوكاني - رح - في "البدر الطالع"، وقال: منها: "المعتمد"، جمع فيه الأمهات الست، ورتبه على أبواب الفقه، وله "التفسير الكبير"، جمع فيه بين تفسير الزمخشري، وتفسير ابن كثير، مات بصعدة سنة ٩٥٧.
٤٩٥ - محمد بن يعقوب بنِ محمدٍ، مجدُ الدين، أبو الطاهر، الفيروز آباديُّ، اللغويُّ، الشافعيُّ، الإمامُ الكبير الماهرُ في اللغة وغيرها من الفنون .
قال في "البدر الطالع": ولد سنة ٧٢٩، بكازرون من أعمال شيراز، وارتحل إلى العراق، ودخل واسط، ثم بغداد، ثم دمشق، وسمع بها من التقيِّ السبكيِّ وجماعةٍ زيادة على المئة؛ كابن القيم وطبقته، ودخل بعلبك، وحماة، وحلب، والقدس، وسمع من أهل هذه الجهات، واستقر بالقدس نحو عشر سنين، ودرَّس، وتصدَّر، وظهرت فضائلُه، وكثر الأخذ عنه. وتلمذ له جماعةٌ من الأكابر؛ كالصلاح الصفدي، وجال في البلاد الشمالية والمشرقية، ودخل الروم والهند، ثم دخل اليمن، فوصل إلى "زَبيد" بعد وفاة الجمال الريمي في سنة ٧٩٩، فتلقاه الملك الأشرفُ إسماعيلُ بالقبول، وبالغ في إكرامه، وأضاف إليه قضاء اليمن كله، وقرأ عليه السلطان ومَنْ دونه في الحديث، واستقر قدمه في "زبيد" إلى أن مات، وكان السلطان الأشرف قد تزوج ابنته؛ لمزيد جمالها، ونال منه برًا ورفعة، وفي أثناء هذه المدة قدم مكةَ مرارًا، فجاور بها وبالمدينة والطائف، واقتنى كتبًا نفيسة، حتى قال: إنه اشترى منها بخمسين ألفَ مثقالٍ من الذهب.
стр. 460
وله مصنفات كثيرة، منها: في التفسير "لطائف ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز"، في مجلدات. و"الدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن العظيم". وفي الحديث "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، ولعل ابنَ حجر لم يسمع بذلك؛ حيث سمى شرحه بهذا الاسم، كمل منه نحو عشرين مجلدًا، وكان يقدر تمامه في أربعين مجلدًا. و"امتضاض السهاد في افتراض الجهاد"، في مجلد. و"الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد"، ثلاث مجلدات. و"تسهيل طريق الوصول في الأحاديث الزائدة على جامع الأصول"، و"الأحاديث الضعيفة"، و"الدر الغالي في الأحاديث العوالي"، و"سفر السعادة"، و"القاموس"، وهو كتاب نفيس ليس له نظير، وقد انتفع به الناس، ولم يلتفتوا بعده إلى غيره. قال التقي الكرماني: كان عديمَ النظير في زمانه نظمًا ونثرًا بالفارسي. وحكى الخزرجي: أنه رامَ التوجُّهَ في سنة ٧٩٩ إلى مكة، فكتب إلى السلطان ما مثاله: ومما ينهيه إلى العلوم الشريفة: أنه غيرُ خافٍ عليكم ضعفُ أقلِّ العبيد، ورقَّةُ جسمه، ودقة بنيته، وعلوُّ سنه، وقد آل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتقل، إذ وَهَنَ العظمُ والرأسُ اشتعل، وتضعضع السن وتقعقع الشن، فما هو إلا عظام في جراب، وبنيان مشرف على خراب، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب.
وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في "صحيح البخاري" قولُ سيدنا رسول الله ﷺ : "إذا بلغَ المرءُ ستين سنة، فقد أعذرَ اللهُ إليه"، فكيف من نيف على السبعين، وأشرف على الثمانين، ولا يَجْمُل بالمؤمن أن يمضي عليه أربعُ سنين، ولا يتجدد له شوقٌ وعزم إلى بيت رب العالمين، وزيارة سيد المرسلين.
وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك، وأقلُّ العبيد له ستُّ سنين عن تلك المسالك، وقد غلب عليه الشوق، حتى جل عمره عن الطوق، ومن أقصى أمنيته أن يجدِّدَ العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أخرى بتقبيل تلك المشاهد، وسؤاله من المراحم الحسنة، الصدقةُ عليه بتجهيزه في هذه الأيام مجردًا عن الأهالي والأقوام، قبلَ اشتداد الحَرِّ وغلبة الأُوام، فإن الفصل أطيب، والريح أزيب،
стр. 461
ومن الممكن أن يفوز الإنسان بإقامة شهر في كل حرم، ويحظى في مهابط الرحمة والكرم، وأيضًا كان من عادة الخلفاء - سلفًا وخلفًا - أنهم كانوا يرددون البريد عمدًا قصدًا لتبليغ سلامهم إلى حضرة سيد المرسلين، فاجعلني - الله فداك - ذلك البريد، فلا أتمنى شيئًا سواه ولا أريد.
شوقي إلى الكعبةِ الغراءِ قد زادا ... واستحملَ القلسَ الوَخَّادَةَ الزادا
واستأذنَ المَلِكَ المِنْعامَ زيد على ... واستودعَ الله أصحابًا وأولادا
فلما وصل هذا إلى السلطان، كتب في طرة الكتاب ما مثاله: صدرَ الجمالِ المصريَّ! على لساني ما يحققه لك شفاهًا، إن هذا شيء لاينطق به لساني، ولا يجري به قلمي، فقد كانت اليمن عمياء فاستنارت، فكيف يمكن أن تتقدم، وأنت تعلم أن الله قد أحيا بك ما كان ميتًا من العلم، فبالله عليك إلا ما وهبت له بقيةَ هذا العمر، والله! يا مجد الدين! يمينًا بارة، إني أرى فراق الدنيا ونعيمها، ولا فراقك، أنت اليمن وأهله، انتهى.
قال الشوكاني - رح -: وفي هذا الكلام عبرة للمعتبرين من أفاضل السلاطين بتعظيم قدر علماء الدين، وقد أخذ عنه الأكابر في كل بلد وصل إليه، ومن جملة تلامذته: الحافظُ ابنُ حجر، والمَقْريزي، والبرهانُ الحلبي، ومات ممتعًا بسمعه وحواسه في ليلة عشرين شوال سنة ٨١٧، انتهى كلام الشوكاني في "البدر الطالع" - رحمه الله تعالى -.
٤٩٦ - محمد بن يوسف بنِ عليٍّ، الكرمانيُّ، ثم البغداديُّ .
ولد في سنة ٧١٧، وأخذ من جماعة ببلده، ثم ارتحل إلى شيراز، وأخذ عن القاضي عضد، ودخل الشام ومصر، وسمع "البخاري" بالجامع الأزهر من لفظ المحدث ناصر الدين الفارقي، وصنف شرحًا للبخاري، سماه: "الكواكب الدراري"، وسمع منه جماعة، واشتهر في جميع الأقطار، وعاب في خطبته على "شرح ابن بطال"، و"شرح الحلبي"، و"شرح مغلطائي". قال ابن حجر في "الدرر": إن شرح صاحب الترجمة مفيد، على أوهام فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذه إلا من الصحف. تصدر لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلاً على
стр. 462
شأنه، لا يتردد إلى بني الدنيا، قانعًا باليسير، ملازمًا للعلم، متواضعًا.
توفي في مرجعه من الحج في المحرم سنة ٧٨٦، انتهى - رحمة الله تعالى عليه -.
٤٩٧ - محمود بن أحمدَ، العينيُّ، يعرف بابن الأمشاطي .
ولد في حدود سنة ٨١٢، سمع على جماعة؛ كابن حجر وطبقته، ودخل دمشق، وحج غير مرة، وجاور، ورابطَ في بعض الثغور، وسافرَ للجهاد، واعتنى بالسباحة والتجليد، ورمي النشاب، ورمي المدافع، له مصنفات. قال السخاوي: إنه سمعه يحكي: أنه رأى - وهو صبي - في يوم ذي غيم: رجلًا يمشي في الغمام، لا يشكُّ في ذلك ولا يتمارى، انتهى. قال الشوكاني: ويمكن أن يكون رأى قطعة من قطع السحاب متشكلة بشكل الإنسان، فإن الناظر في أطباق السحاب، إذا تخيل في شيء منها أنه على صورة حيوان، أو شيء من الجمادات، خُيل إليه ذلك إذا أدام النظر إليه، ولعلَّ سببَ ذلك كونُها متحركة دائمًا ولطافة الهواء، وكان للحاسة المخيلة فيما كان، كذلك اختراع يخالف ما جرت به عادتها من عدم تخيل ما يخالف المحسوس بحاسة البصر عند المشاهدة. ومات في سنة ٩٠٢ بالقاهرة ودفن بها، انتهى.
٤٩٨ - محمود بن أحمد بنِ موسى، الحنفيُّ، المعروفُ بالعيني .
ولد سنة ٧٦٢، وحفظ كتبًا في فنون عن جماعة، وبرع في جميع العلوم، وارتحل إلى حلب ودمشق وبيت المقدس، وحج، ودخل القاهرة، ودرَّس في مواطن منها، وتولى قضاء الحنفية.
وتصانيفه كثيرة جدًا، منها: شرح البخاري في أحد وعشرين مجلدًا، سماه: "عمدة القاري". وكان ينقل فيه من شرح الحافظ ابن حجر، وربما تعقب ذلك، وقد أجاب ابن حجر عن تلك التعقبات؛ لأنهما متعاصران، وبينهما منافسة شديدة، وله "شرح الكَلِم الطيب لابن تيمية، و"تاريخ الأكاسرة"، و"طبقات الشعراء"، و"كتاب في الرقائق والمواعظ"، مات في ذي الحجة من سنة ٨٥٥، انتهى ﵀.
стр. 463
٤٩٩ - محمود بن مسعود، الشافعيُّ، العلامة الكبير .
ولد بشيراز سنة ٦٣٤. أخذ في الطب عن أبيه، وفي الهيئة عن نصير الشرك الطوسي، دخل الروم، وولي قضاء سيواس، وملطية، وقدم الشام رسولًا، وسكن تبريز، وكان كثير المخالطة للملوك، قيل: إنَّ دخلَه في عام ثلاثون ألفًا. درَّس بدمشق: "الكشاف"، و"القانون"، و"الشفاء"، وغيرها.
وكان إذا صنف كتابًا، صامَ، ولازمَ السهرَ، ومسودته مبيضة، وكان يخضع للفقراء، ويلازم الصلاة في الجماعة، ومن تصانيفه "شرح المفتاح" للسكاكي، و"شرح الكليات" لابن سينا، وكان من أذكياء العالم، ولقبه عند الفضلاء: الشارح العلامة. قال الذهبي: كان على دين العجائز، وكان يخضع للفقهاء، ويوصي بحفظ القرآن، وكان إذا مدح، تخشَّعَ، وكان يقول: أتمنى أني كنت في زمن النبي ﷺ ، ولم يكن لي سمع ولا بصر؛ رجاءَ أن يلحظَني بنظره. وتلامذتُه يبالغون في تعظيمه، انتهى. وقد استمر على تعظيمه مَنْ بعدَهم حتى صار العلامةُ، إذا أُطلق، لا يُفهم غيره، بل جاوز ذلك كثير من المصنفين المتأخرين الذين غالبُ نظرهم مقصورٌ على مثل علمه، فقالوا: لا يطلق ذلك في الاصطلاح إلا عليه. قال الشوكاني: ولا عتبَ عليهم، فهم لم يعلموا بالعلوم الشرعية حتى يعرفوا مقدار أهلها، وقد عاصر صاحبُ الترجمة من أئمة العلم مَنْ لا يرتقي هو إلى شيء بالنسبة إليهم، وكذلك جاء بعد عصره أكابرُ - كما مر بك - في هذا الكتاب، وكما سيأتي، وأكثرُهم أحقُّ بوصفه بالعلامة، فضلًا عن كونه مستحقًا، وأين يقع من مثل من جمع منهم بين علمي المعقول والمنقول، وبهر بعلومه الأفهامَ والعقول؟ مات في رمضان سنة ٧١٠، انتهى.
٥٠٠ - مسعود بن عمر "التفتازانيُّ الإمامُ الكبيرُ، المعروفُ بسعدِ الدين .
ولد في سنة ٧٢٢، وأخذ عن أكابر أهل العلم في عصره؛ كالعضد وطبقته، وفاق في كثير من العلوم، وطار صيتُه، واشتهر ذكره، ورحل إليه الطلبة.
وشرع في التصنيف، وهو في ست عشرة سنة، وتوفي سنة ٧٩٢، ومن شعره:
стр. 464
طَوَيْتُ بإحرازِ العلومِ ونَيْلِها ... رداءَ شَبابي، والجنونُ فُنونُ
وحينَ تعاطَيْتُ الفنونَ ونيلها ... تبين لي: أن الفنونَ جُنونُ
تصانيفه كثيرة شهيرة متداولةٌ بين أهل العلم؛ كالمطوَّل، والمختصر، وغيرهما. قال الشوكاني: وبالجملة: فصاحب الترجمة متفردٌ بعلومه في القرن الثامن، لم يكن له في أهله نظير فيها، ومصنفاته قد طارت في حياته إلى جميع البلدان، وتنافسَ الناس في تحصيلها.
ومع هذا لم يذكره ابنُ حجر في "الدرر الكامنة" في أهل المئة الثامنة، مع أنه يتعرض لذكره في بعض تراجم شيوخه أو تلامذته، وتارة يذكر شيئًا من مصنفاته عند ترجمة من درس فيها، أو طلبها، فإهمال ترجمته من العجائب المفصحة عن نقص البشر.
قال: وكان صاحب الترجمة قد اتصل بالسلطان الكبير - الطاغية - الشهير تيمور لنك، وجرت بينه وبين السيد الشريف الجرجاني مناظرةٌ في مجلس السلطان في مسألة، كون إرادة الانتقام سببًا للغضب، أو الغضب سببًا لإرادة الانتقام، فصاحب الترجمة يقول بالأول، والشريف يقول بالثاني، قال الشيخ منصور الكازروني: والحق في جانب الشريف، وجرت أيضًا بينهما المناظرة المشهورة في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، ويقال إنه حكم بأن الحق في ذلك مع الشريف، فاغتمَّ صاحب الترجمة، ومات كمدًا، والله أعلم، انتهى.
٥٠١ - السيد هاشم بن يحيى بنِ أحمدَ، من أئمة اليمن .
قال في "البدر الطالع": ولد تقريبًا سنة ١١٠٤، ونشأ بصنعاء، وأخذ العلم عن أكابر علمائها؛ كالعلامة الحسين بن محمد المغربي، وبرع في جميع العلوم، ودرس الطلبة وتخرج به جماعة من العلماء؛ كشيخنا السيد عبد القادر، والقاضي العلامة أحمد بن قاطن، وتولى القضاء بصنعاء، وله شعر فائق، وفصاحة زائدة، ومن مقطعاته:
стр. 465
لم يُبْك جورُ الغرام ولا شجا ... قلبي المتيم بلبلٌ بسُجوعِهِ
لكنه وعدَ الخيال بوصلِه ... طرفي فرشَّ طريقَه بدموعِهِ
ومنها قوله:
لا تَنْدُبَنْ زَمَنًا مَضَى ... كَلاَّ وعَهْدًا تَقادَمْ
فالدهرُ يومٌ واحدٌ ... والناسُ من حَوّا وآدَمْ
وما أحسن قوله:
وإذا القلبُ على الحبِّ انطوى ... فاشتراطُ القربِ واللُّقيا غريبْ
حرر ترجمته الخيمي في "طيب السمر"، وأحمد القاطن في "تحفة الإخوان"، و"إتحاف الألباب"، وقال: إنه أخبره أن إقرارات النساء لقرابتهن، وتمليكهن لهم، وإباحتهن، ونحو ذلك، لا يصح عنده؛ لضعف إدراكهن، وعدم خبرتهن، وحكي: أنه وصل إليه بعض أهل صنعاء بقريبة له، وقد كتب مرقومًا يتضمن أنها ملكته أموالًا، وجاء بجماعة يعرفونها، فقرأ عليها ذلك المرقوم، فأقرت به، فقال لها: هل معك حلقة في يدكِ؟ قالت: نعم، قال: أريد أن أنظر إليها، فأعطته حلقة كانت بإصبعها، فقال لها: وهذه اجعليها من جملة التمليك، فقالت: لا أفعل؛ فإنها لي، وكرر ذلك عليها فلم تعد، قال: فعلمت من ذلك: أن المرأة لا تعدُّ ما غاب عنها ملكًا لها، ثم مزق ذلك المكتوب، انتهى.
قال العلامة الشوكاني في "البدر الطالع من الأفق اليماني": وأقول: لا ريب أن غالب النساء ينخدعن، ويفعلن - لا سيما للقرابة - كلَّ ما يريدونه، بأدني ترغيب أو ترهيب، خصوصًا المحجبات، وقد يوجد فيهن نادرًا مَنْ لها من كمال الإدراك، ومعرفة التصرفات، وحقائق الأمور ما للرجال الكملاء، وقد رأيت من ذلك عجائب وغرائب، والذي ينبغي الاعتمادُ عليه، والوقوفُ عنده: هو البحثُ عن حال المرأة التي وقع منها ذلك، فإن كانت ممارسة للتصرفات، ومطلعةً على حقائق الأمور، وفيها من الشدة والرشد ما يذهب معه مظنة التغرير عليها،
стр. 466
فتصرُّفُها صحيحٌ كتصرف الرجال، وإن لم تكن كذلك، فالحكمُ ببطلان وصاياها التي لا تتعلق بقربة تخصها؛ من حج أو صدقة أو كفارة هو الواجب، وكذلك تخصيصها لبعض القرابة دون بعض بنذر أو هبة أو تمليك، أو إقرار يظهر فيه التوليج، وأما تصرفاتها بالبيع إلى الغير، والمعاوضة، فالظاهر الصحة، وإذا ادعت الغبن، كانت دعواها مقبولة إن طابقت الواقع، ولا يحلُّ دفعُها بمجرد كونها مكلفة تولية للبيع، ولا غبن على مكلف؛ فإنها بمن ليس بمكلف أشبه، إلا في النادر، انتهى. مات صاحب الترجمة في صفر سنة ١١٥٨، وجميع عمره أربع وخمسون سنة، كما ذكره السيد العلامة إبراهيم بن محمد الأمير في مجموع له - رحمه الله تعالى -.
٥٠٢ - وجيهة بنتُ علي بنِ يحيى، الأنصاريةُ، الصعيدية، الإسكندرانيةُ .
ولدت قبل سنة ٦٤٠. وقال ابن رافع، والصفدي: ولدت سنة ٦٣٩، وعلى كل حال، هي تلميذة ابن النحاس، وأحمد القرافي. قال الشوكاني: سمعَتْ كثيرًا، وأجاز لها جماعة، وحدَّث عنها جماعة كثيرة، ماتت في رجب سنة ٧٣٢.
٥٠٣ - يحيى بنُ أبي بكر بنِ محمدٍ، العامريُّ، اليمانيُّ، الشافعي .
ولد سنة ٨١٦.
قال في "البدر الطالع": هو محدث اليمن وشيخُها، سمع من أبي الفتح المراغي بمكة، ومن جملة شيوخه ابنُ فهد المكي، واستفاد منه طلبةُ العلم، ورحلوا إليه، وله مصنفات، منها "غربال الزمان" في التاريخ، و"بهجة المحافل" في السيرة و"الرياض المستطابة"، ومؤلفاته مشهورة مقبولة نافعة ومفيدة، مات بحرض سنة ٨٩٣، ودفن بها.
٥٠٤ - السيد يحيى بن الحسين بنِ الإمامِ القاسِم .
ولد تقريبًا سنة ١٠٣٥.
قال في "البدر الطالع": أهمل ذكرَه أهلُ عصره، ولعل سبب ذلك - والله
стр. 467
أعلم - ميلُه إلى العمل بما في أمهات الحديث، وردُّه على مَنْ خالف النصوص الصحيحة، وقد رأيت له مؤلفًا، سماه: "صوارم اليقين لقطع شكوك القاضي أحمد بن سعد الدين"، ردَّ عليه لتضمنه الردَّ على أئمة أهل الحديث، وهو مؤلف ممتع، يدل على طول باع مصنفه، وكذلك رأيت له مصنفًا، سماه: "الإيضاح لما خفى من الاتفاق على تعظيم صحابة المصطفى".
ووقع بينه وبين أهل عصره قلاقل بسبب تظهره بما تقدم.
وبالجملة: فهو من أهل القرن الحادي عشر، وفي "طبقات السيد إبراهيم": أخذ عنه جماعات، وله روايات في كتب الحديث، فكان إمامًا محققًا، له تصانيف جليلة، منها: "كتاب التاريخ" في مجلدين، وسرد منها زيادة على أربعين مصنفًا، وأرخ موته بعض المؤرخين في سنة نيف وثمانين وألف، هكذا - رحمه الله تعالى -.
٥٠٥ - يحيى بن علي بنِ محمدٍ الشوكاني .
قال في "البدر الطالع": أخو مؤلف هذا الكتاب، ولد في رجب سنة ١١٩٠، قرأ على جماعة من المشايخ المتصدرين الآن بجامع صنعاء؛ كالعلامة محمد بن أحمد السودي، والعلامة سعيد الرشيدي.
له إقبال على الطاعة، وحفظ للسانه عن الفلتات التي لا يخلو عنها غالب أمثاله، ونجابة كاملة وذهن وقاد، وفكرٌ إلى إدراك الحقائق منقاد، وحسنُ سمت، وقنوع وعفاف، ومحاسن أوصاف، فتح الله عليه بالمعارف، وجعله من العلماء العاملين، وصار الآن يقرىء الطلبة في علوم متعددة من علوم آلية وتفسيرية وحديثية؛ كالأمهات وغيرها.
وقد سمع مني الأمهات وغيرها من كتب الحديث، وسمع مني "تفسير الزمخشري"، و"المطوَّل"، و"حواشيهما"، ومن مؤلفاتي: "نيل الأوطار"، و"السيل الجرار"، و"تحفة الذاكرين"، و"فتح القدير"، وقد أخذ عني العلوم بطريق السماع، ثم أكدت ذلك بالإجازة العامة له في جميع ما اشتمل عليه كتابي "إتحاف الأكابر"، وجميع مصنفاتي، وجميع مالي من نظم ونثر، وهو - كثر الله
стр. 468
فوائده، ومتع بحياته - جيدُ النظم إلى الغاية القصوى، وله من ذلك قصائدُ فرائد. وبالجملة: فهو حسنة من حسنات الزمن، وفردٌ من أفراد قطر اليمن، وقد برع في كثير من العلوم - زاده الله كمالًا -، انتهى.
٥٠٦ - يوسف بن الزكي عبدِ الرحمن، يعرف بأبي الحجاج المزيُّ (١)، الإمامُ الكبيرُ الحافظُ.
ولد سنة ٦٥٤، وقال نعمان في "الروضة الغناء": سنة ٦٥٠.
وقال: دفن بمقبرة الصوفية غربي قبر أبي تيمية، انتهى.
أقول: ولم أقف على عام وفاته، فمن وقف، فليلحق ها هنا - رحمه الله تعالى -.
وبالجملة: طلب بنفسه فأكثرَ، ومشايخه نحو الألف، ومن مشايخه: النووي، وتبحَّر في الحديث، ودرَّس بمدارس، منها: دار الحديث الأشرفية، ولما ولي تدريسها، قال ابن تيمية: لم يلها من حين بُنيت إلى الآن أحقُّ بشرط الواقف منه. قال الذهبي: ما رأيت أحدًا في هذا الشأن أحفظَ منه، وأوذي مرة بسبب ابن تيمية لأنها لما وقعت له المناظرة مع الشافعية، وبحث معه الصفي
стр. 469
الهندي، وابن الزملكاني، شرع صاحبُ الترجمة يقرىء كتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، قاصدًا بذلك الردَّ على المخالفين لابن تيمية، فغضب الفقهاء، وقالوا: نحن المقصودون بهذا، فبلغ ذلك القاضي الشافعيَّ يومئذ، فأمر بسجنه، فتوجه ابن تيمية، وأخرجه من السجن بيده، فغضب النائب، فأُعيد، ثم أُفرج عنه، فأمر النائب أن ينادى: بأن من تكلم في العقائد، يقتل. ومن مصنفاته: "تهذيب الكمال"، اشتُهر في زمانه، وحدَّث به خمس مرات، وكتاب "الأطراف (١) "، وهو كتاب مفيد جدًا.
ولم يكن مع توسعه في معرفة الرجال يستحضر تراجم غير المحدِّثين، لا من الملوك، ولا من الوزراء والقضاة والأدباء. قال الذهبي: كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والألفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، ومرجع مشكلاتنا، وقال: فيه حياء وكرم وسكينة، واحتمال وقناعة، وانجماعٌ عن الناس، مات سنة ٧٤٤، وفي "الروضة الغناء": سنة ٧٤٢، انتهى.
٥٠٧ - يوسف بن شاهين الجَمالُ بنُ الأمير أحمدَ العلائي قطلوبغا، الكركيُّ، الحنفيُّ، ثم الشافعيُّ، سِبْط الحافِظ ابنِ حجر .
ولد سنة ٨٢٨، سمع على جده - أبي أمه - كثيرًا، وعلى ابن القطان، وجماعة آخرين، وقرأ في الفنون على المحلي، والرشيدي، ودار على الشيوخ، وكتب الأجزاء، وصنف مصنفات، منها: "رونق الألفاظ لمعجم الحفاظ"، و"المنتخب بشرح المنتخب" في علوم الحديث، و"منحة الكرام بشرح بلوغ المرام"، وقد طار ذكرُه في الآفاق، وتناقلت مؤلفاته الرفاق. وأما السخاوي في
стр. 470
"الضوء اللامع"، فجرى على قاعدته المألوفة [في] معاصريه وأقرانه، فترجم صاحبَ الترجمة بما هو محضُ السباب والانتقاص، [و] لا سبب يوجب ذلك، بل مجرد كونه يعترض على جده ابن حجر، أو يغلط في بعض الأحوال كما هو شأن البشر، مات سنة ٨٩٩، انتهى. قلت: وعندي نسخة من "بلوغ المرام" منقولة عن نسخة الحافظ الإمام، وعليها قراءة سبطه هذا بقلمه، وقد قرأ في هذه النسخة جماعةٌ من الحفاظ على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، مَنَّ الله تعالى بتيسيرها عليَّ في هذا العصر الأخير، وقد صحح جماعة من أهل العلم نسخَهم عليها في شهرنا هذا ربيع الأول من شهور سنة ١٢٩٨، ولله الحمد.
٥٠٨ - يوسف بنُ محمد بنِ علاءِ الدين، المزجاجيُّ، الزبيديُّ، الحنفيُّ .
قال العلامة الشوكاني: شيخُنا المسند الحافظ، ولد تقريبًا سنة ١١١٤، أو قبلها بيسير، أو بعدها بيسير، ونشأ بزبيد، وأخذ عن علمائها، ومنهم والده، وبرع في العلوم دراية ورواية، وصار حامل لواء الإسناد في آخر أيامه، ووفد إلى صنعاء في شهر [ذي] الحجة سنة ١١٠٧، فاجتمعت به، وسمعت منه، وأجازني لفظًا بجميع ما يجوز له روايته، ثم كتب لي إجازة بعد وصوله إلى وطنه، وأرسل بها إليّ، ومن جملة ما أرويه عنه أسانيد الحافظ الشيخ إبراهيم الكردي المسماة بالأمم، وهو يرويها عن أبيه عن جده علاء الدين، عن الشيخ إبراهيم، هذه طريقة السماع، ويرويها أيضًا عن أبيه، عن الشيخ إبراهيم بالإجازة؛ لأن الشيخ إبراهيم أجاز لجد صاحب الترجمة ولأولاده، وقد أوقفني على تلك الإجازة بخط الشيخ إبراهيم، فوالدُ صاحب الترجمة ممن شملته الإجازة، لكنه أخبرني - رح -: أن الإجازة من الشيخ إبراهيم لعلاء الدين كانت قبل وجود ولده محمد ولد المترجم، فيكون العمل بها متنزلًا على الخلاف في جواز الإجازة لمن سيوجد، مات - رح - سنة ١٢١٣، انتهى.
قلت: وذكر له السيد العلامةُ عبدُ الرحمن بنُ سليمان ترجمة حسنة في "النفس اليماني"، وأثنى عليه كثيرًا، وقال: سمعت عليه "صحيح البخاري" من أوله إلى آخره، قال: وكان منزله مجمَعًا للفضلاء على اختلاف المذاهب،
стр. 471
يجتمعون إليه، ويجعلونه حكمًا؛ لكمال علمه، وقوة فهمه.
وما زالَ أهلُ العلمِ والفضلِ والتُّقى ... عُكوفًا به حتى ظَنَنَّاهُ مَسْجِدا
وكان لا يترك كل يوم من كتابة قدر معلوم من كتاب الله، أو من كتابة فوائد وآداب، أو كتابة نسخة من العلوم النافعة، حتى اجتمع له مع الدوام من ذلك الشيء الواسع، شعر:
فلا تَكْتُبْ بكفِّكَ غيرَ شيءٍ ... يَسُرُّكَ في القيامَةِ أن تَراهُ
وكان له حبٌّ كثير في أهل البيت النبوي ﷺ :
وهل يستوي وُدُّ المقلِّدِ والذي ... له حُجَّةٌ في حُبِّهِ ودلائلُ
انتهى.
قلت: وهذا شأن المحدِّثين؛ فإن حبهم للنبيِّ ﷺ وعترتِه وصحابته، وحفاظِ هَدْيه وسمتِه شيءٌ لا ينكره إلا من أعمى اللهُ بصرَ بصيرته، وما لهذا الحبِّ وللمقلدين الجامدين على رأي الإمام، والمشتغلين بالفروع في الليالي والأيام، فأين هذا من ذلك؟
٥٠٩ - قاضي الجماعة، الفقيهُ، المحدثُ، أبو عبد الله بنُ حمدين ﵀ -.
ذكر له الفتحُ بنُ خاقانَ ترجمةً بليغة في "قلائد العقيان"، وقال: حامي ذمار الدين وعاضدُه، وقاطعُ ضرر المعتدين وخاضِدُه، ملكَ للعلوم زمامًا، وجعل العكوفَ عليها لزامًا، فأحيا رسمَها، وأعلى اسمَها، وخاصمت الملحدين منه ألسنٌ لُدّ، وتهدلت به على العالمين أغصُنٌ مُلْد، وكفَّ أيدي الظالمين، فلم تكن لهم استطالة، وأرهف خواطر المجتهدين، فلم تسنح لهم بطالة، قال: وكان - رحمه الله تعالى - مُتَّضِحَ طريق الهدى، منفسحَ الميدان في العلم والنَّدى، مع أدب كالبحر الزاخر، ونثرٍ كالدرِّ الفاخر، ومن قوله - رح - شعر:
لا بِقَوْمي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفوا بي ... وبِنَفْسي فَخَرُت لا بِجُدودي
стр. 472
وفي هذا المعنى:
ورثناهنَّ عن آباءِ صدقٍ ... ونورثها إذا متنا بَنينا
٥١٠ - الفقيهُ، الإمامُ، الحافظُة، أبو بكر بن عطية .
قال الفتح بن خاقان: شيخ العلم وحاملُ لوائه، وحافظُ حديث النبي ﷺ وكوكبُ سمائه، شرح الله بحفظه صدرَه، وأطال به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مباشرًا بالمعلَّى والرقيب.
رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابسًا بُرْدَاً من العمر الغض، فروى وقَيَّد، ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلد، وما برح يَتَسَنَّم كواهلَ المعارف وغواربَها، ويقيد شواردَ المعاني وغرائبها، ومن شعره:
كنْ بذئبٍ صائدٍ مستأنِسًا ... وإذا أبصرْتَ إنسانًا فَفِر
إنَّما الإنسانُ بحرٌ ما لَهُ ... ساحلٌ فاحذَرْهُ إياكَ الغَرَرْ
واجعلِ الناسَ كشخصٍ واحدٍ ... ثُمَّ كنْ من ذلك الشخصِ حَذِرْ
وله - رح -:
أَيُّها المطرودُ من باب الرِّضا ... كَمْ يراكَ اللهُ تلهو مُعْرِضا
كَمْ إلى كَمْ أنتَ في جهلِ الصِّبا ... قَدْ مضى عمرُ الصِّبا وانقرَضا
قمْ إذا الليلُ دَجَتْ ظلمتُهُ ... واستلذَّ الجفنَ أن يَغْتَمِضا
فضعِ الخدَّ على (١) الأرض ونُحْ ... واقرعِ السنَّ على ما قَدْ مضى
٥١١ - تقي الدين بنُ معروف .
قال الشهاب الخفاجي في "ريحانة الألباء": سماءُ فضلٍ بإطلاع نجوم الكمال معروف، وشموسُ معارفه لا يعتريها كُسوف، ورياضُ علمه أنيقة، ودوحةُ مجده وَريفة الظلِّ وَريقة، ولم يزل متقلدًا بصارم القضا، قانعًا من معشوقته الدنيا بحالتي الصدِّ والرضا. قال: وله شعر وسط، ونثر غريب النمط.
قال: مسالةٌ سُئلت عنها في حال تحريري هذه الريحانة، وهي أنه منع بعض
стр. 473
المالكية من الألقاب المضافة للدين؛ كسعد الدين، وعز الدين، فقلت: قال العارف بالله ابن الحاج في كتابه المسمى "بالمدخل" الذي استقصى فيه أنواع البدع ما نصُّه: من ارتكب بدعة ينبغي له إخفاؤها؛ لقوله ﷺ : "من ابتُلي منكم بشيء من هذه القاذورات، فليستترْ"، والعالِمُ يجب عليه التسترُ أكثرَ من غيره؛ لأنه ربما قال: إن عنده علمًا بجواز ما ارتكبه، فيقتدي به غيرُه، فمما ينبغي التحفظُ عليه من البدع: الأعلامُ المخالفة للشرع، المضافة للدين؛ لما فيها من تزكية النفس المنهيِّ عنها؛ كما صرح القرطبي في "شرح أسماء الله الحسنى"، وللفضل بن سهل قصيدة في ذمها، فمنها: وقوله فيمن لُقِّبَ بعز الدين، وفخر الدين:
أَرى الدينَ يَسْتَحيي من اللهِ أن يُرى ... وهذا له فخرٌ وذاكَ نصيرُ
فقد كثرتْ في الدين ألقابُ عُصبةٍ ... هُمُ في مراعي المنكراتِ حميرُ
وإني أُجِلُّ الدينَ عن عزة بهم ... وأعلمُ أن الذنبَ فيه كبيرُ
فمن نادى بهذا الاسم، أو أجاب به، فقد ارتكب ما لا ينبغي؛ لأنه كذب.
وفي الحديث: "عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى البِرِّ، والبِرُّ يَهدي إلى الجنة، والكذبُ فجورٌ، والفجورُ يَهْدي إلى النار" الحديث. فإذا قال أحد: محيي الدين، يقال: أهذا الذي أحيا الدين؟ فإذا أخذ صحيفته، وجدها مشحونة بالكذب.
ولما دخل رسولُ الله ﷺ على أم المؤمنين زينبَ، قال لها: ما اسمُك؟ قالت: بَرَّةُ، فكره ﷺ ذلك، وقال: "لا تزكوا أنفسكم"، وسماها: زينب.
ولا يقال: إنها خرجت عن أصلها بالنقل إلى العلمية؛ لأنه لو كان كذلك، ما كرهوا تركها، مع ما فيها من التشبه بالعجم المنهي منه.
وهذه التسمية أولَ ما ظهرت من متغلبة الترك مضافة إلى الدولة، وكانوا لا يلقبون أحدًا إلا بإذن السلطان، وكانوا يبذلون عليه المال، ثم عدلوا عنه بالإضافة إلى الدين، ونقل عن النووي: أنه كان يكره من يُلقبه بمحيي الدين، ويقول: لا جعل الله مَنْ دعاني به في حل، ولذا تحاشى عنه بعض العلماء،
стр. 474
وهذه نزعة شيطانية من أهل المشرق، ولما كان في أهل المغرب من التواضع، كانوا يغيرون الأسماء لما هو منهي عنه أيضًا، فيقولون لمحمد: حمود، ولأحمد: حمدوس، وليوسف: يوسو، ولعبد الرحمن: رحمو، ونحوه، انتهى.
أقول: أما كون هذه بدعة حدثت بعد العصر الأول، فلا شبهة فيه، وأما كونها ممنوعة شرعًا، أو مكروهة، فلا وجه له، وما تشبث به أوهَى من بيت العنكبوت، وما نقله عن النووي وغيره من السلف لا أصلَ له، وكذا ما نقل عن شيخ والدي ناصر الدين اللقاني: أنه كان يكتب في الفتاوى: ناصر لهذا، وقد غرني بذلك مدة، ثم رجعت عنه لعدم ثبوته، وكونه كذبًا يكتب في صحيفة مجازفة، لا ينبغي أن يقال مثله في الرأي، وهذا لم يضعه الإنسان لنفسه، وإنما سماه به أبواه في صغره وعدم تكليفه، وكونه تزكية لنفسه أيضًا غيرُ صحيح؛ لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، فهو مضاف للسبب تفاؤلًا، فعزُّ الدين، بمعنى: يعزه الله بالدين، وكذا محيي الدين، بمعنى: محيي نفسِه بالدين، فقياسه على "برة" قياسٌ فاسد مع الفارق، ولو صح هذا، مُنع: أحمد، ومحمد، وحسن - وهو محمود -، وقد قال المحدثون: إذا اشتهر اللقب، جاز، وإن كان ذمًا؛ كأعرج وأعمش، وما ذكر تضييق وحرج في الدين، وفي هذا الكتاب كثير من هذا النمط، فإياك والاغترارَ به، والأعلام إنما تدل وضعًا على الذات، والتفاؤلُ بالأمور المستحسنة مستحب؛ لقوله في الحديث: كان يحبُّ الفأل ويكره الطِّيَرَةَ، ويحمد قائله لا يعتقد ثبوت ما يقال به، وإنما سمي به، فلا كذب، والأعلامُ لا حجرَ فيها، والتشبُّه بالعجم فيما لا يزاحم الشرع غيرُ منهيٍّ عنه إلا للعصبية المذمومة؛ بدليل حديث الخندق، ويدلُّ على ما ذكرناه حديثُ تسمية النبيِّ ﷺ بمحمد؛ وأما حديث بَرَّة - إن صحّ - فإنما فعله ﷺ لكونه من أعلام الجاهلية، أو لمعنى آخر؛ بدليل أنها كانت برةً في نفسها، انتهى. قال الجامع لهذا المختصر: هذا كلام فيه ما يُقبل وما يُرد، وموضع بسط الكلام عليه غير هذا الموضع.
стр. 475
٥١٢ - بدر الدين بنُ رَضِيِّ الدينِ، الغزيُّ، العاميُّ، الشاميُّ .
فريدُ الدهر وأوانه، وابن عباس زمانه، وسلمان آل بيته، وحسان قصيدته وبيته، صاحبُ الفنون، وغيث الإفادة الهَتون، ذكر له الخفاجي ترجمة بليغة في "الريحانة"، وقال: جمال الكتب والسِّيَر، وسيدُ أهل الحديثِ وعينُ ذوي الأثر، من حارت به أقطار غزة، شرفًا باذخًا وعزة، وله شعر، فمما لمع من نور كماله، وسطع من نجوم أقواله، قوله:
إن كانَ حمدُ العبدِ مولاه إنَّما ... يكونُ بإلهامٍ من اللهِ للعبدِ
وذلكَ مِمَّا يوجبُ الحمدَ دائمًا ... فلا حمدَ حقًا من سوى ملهمِ الحمدِ
وقوله:
من رامَ أن يبلغَ أقصى المُنى ... في الحَشْر مَعْ تقصيرهِ في القُرَبْ
فَلْيُخْلِصِ الحبَّ لخيرِ الورى ... المُصْطَفى، والمرءُ مَعْ مَنْ أحبّ
وقوله:
إنَّ أَلْطافَ إِلَهي ... ليَ قالَتْ خَلِّ عَنْكا
لا تُدَبَّرْ لكَ أَمْرًا ... أنا أَوْلَى بِكَ مِنْكا
وأنشد له:
إِنْ تَسَلْ عن حالِ الذين اجتباهُمْ ... رَبُّهُم، عاجِزًا وتَطْلُبْ قُرْبا
أَحْبِبِ اللهَ والذينَ اصْطفاهُمْ ... تَبْقَ مَعْهُم، فالمرءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا
وللحافظ ابن حجر العسقلاني في المعنى:
وقائلٍ هل عملٌ صالحٌ ... أعددتُه ينفعُ عندَ الكُرَبْ
فقلتُ: حسبي خدمةُ المصطفى ... وحُبُّهُ، فالمرءُ مَعْ مَنْ أَحَبّ
وكنت قلتُ قبل أن أسمع هذا:
وحق المصطفى لي فيه حُبٌّ ... إذا مرضَ الرُّجاءُ يكون طبَّا
ولا أرضى سِوى الفردوسِ مَاْوًى ... إذا كانَ الفَتَى مَعْ مَنْ أَحَبَّا
стр. 476
واعلم: أنه وقع في حديث صحيح عن عائشة ﵂: أن رجلًا أتى النبيُّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله! أنت أحبُّ إليَّ من نفسي وأهلي ومالي، وإني إذا ذهبتُ لداري لا تطيبُ نفسي حتى آتيك وأراك، فإذا متَّ أنت، كنتَ في أعلى مقام، فاخشى ألا أراك، فلم يجبه الرسول ﷺ ، فنزل جبريل ﵇ بقوله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فقال رسول الله ﷺ : "المَرْءُ مع من أحب". وقلت في معناه، رباعية:
حُبِّي لمحمد حبيبِ الباري ... في طينةِ خلقتي وروحي ساري
والمرءُ ومَنْ أحبَّ في الخلد معًا ... طوبى لي إن غدوتُ عبدَ الدارِ
٥١٣ - السيد يحيى بنُ عمر مقبول الأهدل .
كان وحيدَ عصره، وفريدَ مِصْره في علوم التفسير والحديث والقراءات، وكان له الباعُ الواسع في ذلك، وربما كان يملي على معاني الآية الواحدة ما يقارب الكراسة، أفرد ترجمته تلميذُه المحققُ إبراهيم بن أحمد في مجلدين حافلين. وترجم له العلامة عمر الأحمر، وقال: حافظ العصر بالاتفاق، ومحدث الأقليم بلا شقاق، عمادُ الإسلام، ومرجع الخاص والعام، في النجد وتهامة والشام.
توفي سنة ١١٤٧، عن أربعة وسبعين تقريبًا، غلب عليه علمُ الحديث حتى نُسب إليه. وكان في معرفة الحديث ورواية الأسانيد والصحيح والحسن والضعيف، وشديد الضعف: إمامًا. أخذ الحديثَ عن جماعة من الحفاظ، منهم: السيد أبو بكر بن علي، والقاضي أحمد جعمان، والشيخ عبد الله المزجاجي، وطلب منه الإجازة ما بين مخالف وموافق؛ كالشيخ طه من ذي جبلة، والسيد هاشم بن حسين الشامي، والسيد إسحاق حفيد المتوكل، والسيد إبراهيم حفيد المهدي، وقبل موته بسنة كتب إليه علماء الحرمين كافة يطلبون منه الإجازة، فأجاز لهم، وأما في بلده زبيد، فله تلامذة هم سواد عيون البلاد،
стр. 477
وشموس آفاقها بلا انتقاد، دارت على رؤوسهم رحى التدريس، وبذل طالبهم كل نفيس، منهم: العلامة أحمد بن محمد مقبول الأهدل، والشيخ يحيى بن أحمد الحكمي.
وأما زهده وكرمه وإحسانه، وصلابته في الدين، وصلاحه وكراماته وورعه، فحدِّثْ عن البحر ولا حَرَج، وكان يحسده جماعة من أقرانه ممن له تعلقٌ بالعلم، فسُلبت منه هيبة العلم وأبهته، وليس له منه إلا المسمى، وبعضهم لم يبق له من العلم إلا الرسوم، واستخف به الناس، وله مصنفات كثيرة، منها "القول السديد فيما أحدث من العمارة بجامع زبيد"، قرظ عليه علماء مكة وغيرهم، وأنكر عليه الخصوم، ولكن:
إذا رَضِيَتْ عني كِرامٌ عشيرتي ... فلا زالَ غضبانًا عليَّ لِئامُها
ولله در القائل:
جزَى الله عَنَّا الحاسدينَ فإنَّهم ... قد استوجَبوا مِنَّا على فعلِهم شُكْرا
أذاعوا لنا ذَمًّا، فأَفشَوا مكارِمًا ... وقد قَصَدُوا ذَمًّا، فصارَ لنا فَخْرا
٥١٤ - سليمان بن يحيى، المذكور .
قرأ على أبيه، وأجازه، ومشايخه من أهل اليمن والحرمين ومصر والشام وغيرهم جم واسع، منهم: أحمد بن محمد مقبول الأهدل، والشيخ العلامة عبد الخالق المزجاجي، والشيخ محمد بن علاء الدين المزجاجي، والسيد عبد الرحمن باعلوي، كتب له إجازة حافلة نثرًا ونظمًا أكثرَ من مئة بيت، ومنهم: الشيخ الحافظ محمد حياة السندي، والحافظ محمد بن الطيب المغربي، والشيخ محمد بن سنبل مفتي الشافعية، والسيد جعفر حسن البرزنجي، والسيد الصوفي عبد الله ميرغني، ذكرهم في رحلته المسماة بوشي حبر السمر في شيء من أحوال السفر، ومنهم: مسند الشام الإمامُ الكبير محمد بن أحمد السفاريني، والشيخ عبد الغني النابلسي، وكان أثريَّ المذهب، سلفيَّ المشرب، قارئًا للحديث، ومُسْمِعًا له، وعاملًا به - رحمه الله تعالى -.
стр. 478
٥١٥ - السيد عبد الرحمن، بن سليمان بن يحيى، المذكور، مؤلفُ كتاب "النفس اليماني والروح الريحاني في إجازة القضاة بني الشوكاني ".
ولد سنة ١١٧٩. نشأ على حسن الاستقامة في عيشة راضية مرضية في طاعة الله بالعبادة، والقراءة، والتدريس، والتأليف، والنفع للمسلمين، وصار إمامًا، فقيهًا، محدثًا، مسنِدًا، مفسِّرًا، أصوليًا، منقوليًا، معقوليًا، عديمَ النظر في الأقران، داعيًا إلى كتاب الله وسنة رسوله، عاملًا بالحديث والقرآن، طارحًا للتقليد والآراء حتى أحبَّ الله لقاءه، فحينئذ مرضَ مرضَ الموت قريبًا من عشرة أيام، وأتاه اليقين، فتوفاه الله في ليلة الثلاثاء بعد العشاء الأخيرة في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ١٢٥٠، وله من العمر واحد وسبعون سنة، وأرخ (١) بعض الفضلاء وفاته بقوله: ليهنك الفردوس مفتي الأنام، واغتمَّ الناسُ ليلةَ موته غمًا شديدًا، كيف وقد أثلم في الإسلام ثلمة تعذَّرَ سدُّها، ولكن لا يسع في ذلك إلا التسليم، والانقياد للملك العليم، والامتثال لقوله ﷺ : "من عظمت عليه مصيبته، فليذكر مُصيبتي، فإنكم لن تُصابوا بمثلي" الحديث، أو كما قال. والاقتداء بالسلف الصالح في قولهم عند المصائب: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وما أحسن ما قيل في مثل ذلك:
في الذاهبينَ الأولينَ ... من القرونِ، لنا بَصائِرْ
لَمَّا رأيتُ مواردًا ... للموتِ ليسَ لها مصادِرْ
ورأيتُ قومي نحوَها ... تَمْضي الأكابرُ والأَصاغِرْ
لا ترجع الماضي إليَّ ... ولا منَ الباقين غابِرْ
أَيقنتُ أَنِّي لا محالةَ ... حيثُ صارَ القومُ صائِرْ
قال ﵀ في "النفس اليماني": وأنا - بحمد الله - قرأت على شيخنا الوالد ما يسَّره الله من العلوم النقلية والعقلية، وأجازني بإجازات متكررة لفظًا وخطًا، فمما رأيته بخطه بعد الخطبة: أما بعد: فإني حصلت لي إشارة في
стр. 479
بشارة، مع توجه إلى الله عقب استخارة، أن أجيز أولادي بما يجوز لي روايته، ويصح لي درايته، فأقول: قد أجزتهم، وهم: ولدي عبد الله، وعبد الرحمن، وعلي، وإسماعيل - فتح الله على جميعهم فتوح العارفين، ونظمهم في سلك العلماء العاملين - إلى قوله: بشرطه المعتبر عند أهل الحديث، وأوصيهم بتقوى الله، والدوام على الاشتغال بالعلم، خصوصًا معاني الكتاب العزيز، وخدمة الحديث النبوي، والإخلاص في ذلك كله ... إلى آخر ما كتبه.
قال: وليعلم أن مما تكرر لي - ولله الحمد - سماعُه على شيخنا الوالد، وعلى سيدي العم أبي بكر بن يحيى "صحيح الإمام البخاري" حتى ثبت لي - ولله الحمد - فضيلة الاندراج في سلسلة التسلسل للجامع الصحيح، من أوله إلى آخره، إلى قوله: نسأل الله أن يجعلنا بحَوْله وطَوْله من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]:
أيا سامعًا! ليسَ السماعُ بنافعٍ ... إذا أنتَ لم تعملْ بما أنتَ سامعُ
قلت - عفا الله عني -: وقد ترجم له الفقيه العلامة سعد بن عبد الله سهيل ترجمة حافلة في مجلد لطيف، سماها: "فتح الرحمن في مناقب سيدي عبد الرحمن"، ذكر فيه فوائد جليلة تتعلق بتفسير القرآن والحديث. قال في "النفس اليماني": هذا، وإني قد أجزتُ إجازةً معينٍ لمعين مَنْ وضعت هذه الوريقات من أجله، وهو القاضي العلامة المحقق، والنحريرُ المدقق، جمالُ الإسلام، عليُّ ابن شيخ الإسلام إمام العلوم، فارس منطوقها والمفهوم، عز الإسلام محمد بن علي الشوكاني، بلغ الله الجميع في الدارين غاية الأماني، وأجزت أخويه: العلامةَ صفيَّ الإسلام أحمدَ، وعمادَ الإسلام يحيى - عافاهما الله تعالى - إجازة شاملة في كل ما يجوز لي روايته، وتصح درايته، كما أجازني من مَرَّ ذكرُهم من المشايخ الأعلام، وأجزت أولادهم، ومن سيولد لهم، وكذلك أجزت أولادي: محمد، وعبد الباقي، وسليمان، وأولادهم، ومن سيولد لهم، بمثل ذلك، وأجزت كافة من أدرك حياتي، وسيما من وقعت بيني وبينه المعرفة، وخصوصًا من وقعت بيني وبينه الاستفادات العلمية،
стр. 480
وأولادهم، ومن سيولد لهم، راجيًا بذلك من الله تعالى - إن شاء الله تعالى - الخيرَ الشامل الكثير. وغير خاف أن التحقيق على ما في "شرح المحصول" للأصفهاني: أن دلالة العام على بعض أفراده تضمن؛ لأن زيداَ، وهو أحد المجازين في مسألتنا جزء من مجموعهم من حيث هو مجموع، فزيد في نفسه جزئي، وجزء باعتبار آخر، وهو كونه واحدًا من مجموع الأفراد، والمسألة مشهورة، بل مفردة بالتأليف، انتهى.
(كويم اين كتاب اعني "نفس اليماني" كابي ست بس نفيس، مشتمل بر ذكر مشائخ اِجازات، وتراجم مجيزين از علماء أعلام، ومحتوى بر فوائد كثيره از اِفادات فحول، ودر آن بعد از ذكر مشائخ حديث اسماء فهارس كتب حديثيه كه متضمن تفصيل آسانيد ست نوشته، واز آنجا كه مؤلف نفس يماني از شيوخ سلاسل علم حديث اين هيج ميرزست، ومنجمله مشائخ وى. رح. يكي سيد مرتضى، صاحب "تاج العروس" شاكرد شاه ولي الله محدث دهلوي ست، ديكر شيخ محمد حيات سندي اُستاذ شيخ محمد فاخر زائر اِله آبادى، وسيد علامة غلام علي آزاد بلكرامي، ديكر قاضي القضاة محمد بن علي شوكاني، بس اِتصال سلسله آسانيد هند بيمن ميمون واتحاد طريقه اِجازات يمن بعلماء حرمين شريفين وغيرهما طرفه لطف وبركت دارد، صاحب "نفس يماني" محدث جليل وفاضل نبيل وعلامو كبير وحبر نحرير، صاحب كرامات كثيره، وبركات غزيره، ومقامات فاخره، وأحوال باهره، وسائر زاهره واَنفاس صادقة، وهمم عالية، ونفحات روحانيه، وسائر ملكوتيه، ومحاضرات قدسية بود. واز ولايت عظمى بذروه اعلى رسيده، واز مؤلفات شريفو اوست: منهج سوى حاشية منهل روى، كه دلالت دارد برسعت. اطلاع اُو در علم حديث، وبر آنكه وى. رح. از اَجل أئمة اين فن ست:
يهناكَ يا خيرَ الزمان بلاغة ... فيما بحثتَ عن الحديثِ المُبْهَمِ
عن خيرِ خلقِ الله أفضلِ رُسْلِهِ ... عنْ ناطقٍ ومحدِّب ومُكَلَّمِ
أشفيتَ قلبَ الناظرينَ إليه قدْ ... أطنبتَ في إيضاحه للمغرَمِ
стр. 481
وسقيتَ قلبَ محبِّه ماءَ الحَيا ... فانزاحَ عنهُ كلُّ داءٍ مؤلِمِ
وخود اين كتاب "نفس يماني" يكي از اَدله كمال اِيماني اُوست، در "فتح الرحمن" كفته.
فإنها دالة على سَعَة أخذه عن الأئمة الإسلام، وأنه ذو مشايخ عديدة، قل أن يوجد له نظير، وقد قسم ﵁ مشايخه فيها على ثلاث طبقات، فراجعها إن أردتها، ففيها العجب العجاب، انتهى.
كويم در كتاب مذكور بزير ترجمه سيد اَحمد مغربي نوشته:) الشيخ العلامة عمر بن عبد القادر من بلاد "بو لغار"، مكث لدينا مدة، وذكر أن له في السياحة سنين، وأملى عليَّ مما شاهده من عجائب مخلوقات الله ما أذكرني قولَ الشاعر:
سَتُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأخبار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
وذكر لي أنه شاهد عند قاضي بلخ: أحد عشر شرحًا على "صحيح البخاري" كلُّها تساوي "فتح الباري" في الحجم، انتهى. وذكر من مشايخه الشيخ العلامة المحقق معز الدين الهندي، قال: وهو من أرض "ملتان"، له اليد الطولى في العلوم، خصوصًا الأصول والمنطق، وقد وقعت منه إفادات، جزاه الله خيرًا، انتهى. وذكر تحت ترجمة السيد عبد القادر الكوكباني الملا سعد الله اللاهوري، وهو من شيوخ مشايخه، وذكر في سلسلة سند المذكور: بابا يوسف الهروي، المشهور بصيدلة، ومعناه: ثلاث مئة سنة؛ لأنه عاش هذا القدر مع سبع سنين زيادة عليه، وكان في سنة ٨٢٢، ذكره الحافظ السخاوي، وحكاه عن بابا المذكور، وقال: استظهر لذلك بأن عدة من شيوخ بلده، قالوا: نحن رأيناه في طفوليتنا على هيئته الآن، وأخبرنا آباؤنا بمثل ذلك، قال: وقرأ علينا شيئًا بالإجازة العامة، انتهى كلامه - رح -.
واز مؤلفات أو ست "شرح بلوغ المرام"، تا تيمم در بست كراسه وناتمام مانده، ورساله در تخصيص قراءات صحيح بخاري بماه رجب وعدم بدعت بودن آن، وكتاب "الروض الوريف في استخدام الشريف"، و"تلقيح الأفهام في وصايا خير الأنام"، و"فتح اللطيف شرح مقدمة التصريف"، و"الجنى الداني على
стр. 482
مقدمة الزنجاني"، و"كشف الغطا عن أسئلة ابن عطا"، ورسالة در قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]، وروى ﵀ بسى مهابت وجلالت وعظمت ونور داشت، كوبا باره از قمر ست، ودر حفظ وإطلاع نظير خود نداشت، بارها آنحضرت ﷺ را در خواب ديده، متصف بود بكثرت عبادات، وزود نويسى، تا آنكه تمام "فتح الباري"، و"تفسير أبي السعود"، و"در منثور"، و"إحياء العلوم" را مرارا من أولها إلى آخرها بدست خود نوشته، وتفسير رازي، وشرح قسطلاني را بقلم خود نكاشته، تكلم ميكرد بعربي ومي فرمود: العالم ذباب، أحد جناحيه شفاء والآخر داء، يعني هيج شيء نيست كه آنزا صلاح وفساد ومعترى نمى شود، بس كاهي خير است وكاهي شر، بحسب حيثيات، ومى فرمود: علم بلقلقة لسان وطول اطناب وبيان بديع نيست، ونه در كراريس كثيره ومجلدات ضخمة وآوراق ست، بلكه مفاد ملكه تامه ورسوخ ست، كه بدان بنده نزديك مى شود بخدا.
وفرمود ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، غِشارات ست بسوى علم عقائد ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، بسوى علم فقه سلت ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، بسوى علم تصوف، جه اِنفاق سياست خلق ست، وفرمود: السلامة كل السلامة في المحافظة الكاملة على ألفاظ الكتاب والسنة، واستفادة العلوم والأسرار من ألفاظهما، فهذا هو الصراط المستقيم، كفت ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي: بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي التي هي الآيات التنزيلية ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ أي: بالكشف عن حقائق المعارف وأسرارها الموصلة إلى السعادة الكبرى من معرفة الحق .
ومطلع شد بر قرب اَجل خود، وبدان تحديث كرد، ونماز وداع بر كزارد وبمرد، أو را اَشعار رائقة، وتوسلات كثيرة ست، در أبيات عديدة بجانب نبوت ﷺ الأصل الأصيل فيما جرت به عادة العلماء سلفًا عن خلف من تراجم العلماء والأعيان، قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 483
وأخرج أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، والطبراني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسنَ موتاكم، وكُفُّوا عن مَساويهم". قال الطيبي: الثناء الحسن - سيما من الرجل الصالح - يؤثر في الميت، كما يرشد إلى ذلك حديث: "أنتم شُهداءُ اللهِ في الأرض"، انتهى.
ثم مات ولده محمد - رحمه الله تعالى - في سنة ١٢٥٨، وله من العمر ثمانية وأربعون سنة، وتمام أحواله في كتاب "فتح الرحمن" الذي ألفه مؤلفه سنة ١٢٦٣.
وكتبه لكاتب الحروف - عفا الله عنه - الشيخ العلامةُ عليُّ بنُ أبي بكر بنِ محمد جمال، المعروفُ بالصائغ - عافاه الله تعالى - من مدينة زبيد في سنة ١٢٨٨، بعناية شيخنا القاضي العلامة حسين (١) بن محسن بن محمد السبعي الخزرجي الأنصاري اليمني الحديدي - حماه الله تعالى -، وجاء معه أيضًا كتابه المسمى بالمنهج السوي، ولله الحمد.
٥١٦ - الشيخ عبدُ الله بنُ عمرَ الخليل، شيخُ السيد المذكور .
كان متبحرًا في العلوم النقلية والأدبية والعقلية، قال للسيد عبد الرحمن: يا ولدي! اشتغلت بهذه العلوم الغربية مدة مديدة، وأتقنتها، ثم أفقت، فلم أجد عنها سائلًا، ولا لها حاملاً، فقرعت سنَّ الندم، لو كان الاشتغال بدلها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولله در قول الشاعر:
في غم توصد حيف عمري كه كذشت ... بيش أزين كاش كرفتار غمت مى بودم
стр. 484
وأما مَلَكَتهُ في النثر الفصيح البليغ الناصع، والنظم الرائق الفائق الواسع، فأمرٌ مجمَعٌ عليه، ولله درُّ الصفيِّ الحِلِّيِّ حيث يقول:
ليسَ البلاغةُ معـ .... ـنًى في الكلام يطولُ
بل صوغُ معنًى جليلٍ ... يحويهِ لفظٌ قليلُ
يظنُّهُ الناسُ سهـ ... ـلًا وما إليهِ سَبيلُ
قال الشريف العلوي: ومثال ذلك:
يا بانةَ الوادي التي سفكَتْ دمي ... بلِحاظها بل يا فتاةَ الأَجْرَعِ
بي أَنْ أَبُثَّ إليكِ ما ألقاهُ مِنْ ... أَلَمِ النوى، وعليكِ أَن لا تَسْمَعي
وكان - رح - في عمر التسعين، لا تراه إلا تاليًا كتاب الله، أو مشغولاً بذكره سبحانه، أو مدرسًا في الحديث، لا يزال هذا دأبه من أول النهار إلى حصة وافرة من الليل.
وله كتاب "تحذير المهتدين عن تكفير الموحدين"، و"ذيل الحصن الحصين"، و"نظم نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، ومن مشايخه الشيخ العلامة محمد بن علاء الدين المزجاجي، وذكر منهم رجلًا من علماء الهند من أكابر المحققين، يسمى: حسام الدين. توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ١١٩٦ الهجرية.
٥١٧ - الشيخ عبد الله بن سليمان الجوهري .
كان من العلماء الأعلام. مؤلفاته تقارب خمسين مؤلفًا في الحديث والفقه والأصول، وكان كثير البكاء من خشية الله عند تلاوة القرآن، وفي الصلاة، لا تراه إلا في تقطير دموع، وتصعيد أنفاس، ومن مشايخه: السيد يحيى بن عمر، والشيخ عبد الخالق المزجاجي.
وكان كثير التردد إلى الحرمين الشريفين، يكري نفسه للحج، كما كان أبو أمامة يكري نفسه للحج، ولما قيل له: لا حجَّ لك، لقي ابنَ عمر، فسأله، فقال: أليس تلبي، وتحرم، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي
стр. 485
الجمار؟ قال: بلى! قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه ﷺ ، فلم يجبه حتى نزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرسل رسول الله ﷺ له، وقرأ عليه ذلك، وقال: "لكَ حَجٌّ". وقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن جابر ﵁ مرفوعًا: "إن الله يُدخل بالحجة الواحدةِ ثلاثةَ نفرٍ الجنةَ: الميتَ، والحاجَّ عنه، والمنفذ لذلك". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في رجل أوصى بحجة: "كُتبت له أربعُ حِجج، حجةٌ للذي كَتَبَها، وحجةٌ للذي نفذها، وحجةٌ للذي أوصى بها، وحجة للذي عملها"، انتهى ما في "النفس اليماني".
وأقول: هذه الروايات تحتاج إلى صحة سندها، والذي في "الصحيح": أن يحج قريب عن قريب، ولا يحج عن الميت غريب، كما أوضحنا ذلك في كتابنا "دليل الطالب".
٥١٨ - الشيخُ، الوليُّ، الكبيرُ، صفيُّ الإسلام، أحمدُ بنُ حسن الموقريُّ .
كان من العلماء العاملين، والفضلاء السالكين إلى طريق رب العالمين، لا يراه أحد متكلمًا بمباح إلا لضرورة أو حاجة، وكان يغلب عليه الحال:
تَوَجَّهَ للإِلَهِ بِلا التفاتٍ ... وأَبْقَى الغيرَ في شغلِ الخيالِ
وكان أليفَ المسجد، حليفَ المنزل، وعن جميع الأنام بمعزل. قال السبكي: وجدتُ الصلاحَ كلَّه في كلمتين من الحديث النبوي ﷺ : "عليك بِخُوَيِّصَةِ نفسِكَ" ففيها إرشادٌ إلى الاشتغال بتهذيب النفس، وتنقيتها من الكدورة والدنس، وقوله: "ولْيَسَعْكَ بيتُك"، ففيها إرشادٌ إلى أن السلامة كلَّ السلامة في العزل عن الخلق، فمتى خرج الإنسان، فقد تعرض للشقاء والعناء. قال تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، وكان كلامه كلُّه بجامع الأدعية النبوية. ومن مشايخه السيد يحيى بن عمر المذكور، ومن نظمه الشريف:
هل لي إليكَ وسيلةُ ... ألقى بها كشفَ الغِطا
стр. 486
ما لي إليكَ وسيلةٌ ... إلا نوالُك والعَطا
لما نظرتُ حقيقتي ... فإذا أنا عينُ الخَطا
توفي - رحمه الله تعالى - سنة ١٢٠١ الهجرية.
٥١٩ - الشيخ، الولي، العلامةُ، خواجة أمر الله بن محمد باقي، المزجاجيُّ .
نسبة إلى قرية من قرى زَبيد، لا يراه أحد إلا هشاشًا بشاشًا، منبسطَ الخاطر، متجملَ الحال، مع ما هو فيه باطنًا من الفاقة، فلسان حاله ينشد:
وإني لأُخفي باطني وهو ظاهرٌ ... وينظرُ مني ظاهري وهو ضاحِكُ
وأسألُ عن حالي، ولي كُلُّ فاقَةٍ ... فأُفهم أني للعراقَيْن مالِكُ
وقال آخر:
عسى، فالعسى فيه للقلب راحةٌ ... وإن لم يكن فيه شفا غلةِ الصدرِ
وقال آخر:
لعل، وما تُغني لعلَّ، وإنها ... عُلالةُ صَبًّ واستراحةُ هائِمِ
وكان متطلعًا على أحوال العلماء، سيما الذين كانوا في عصره، ومَنْ وفد إليه من الآفاق من العلماء والأولياء من الحرمين ومصر والشام والهند، وسُئل عن الرطب الذي تساقط على مريم - من أي أنواع التمر هو؟ فقال: جاء في القراءة الشاذة: "رطبًا جنيًا هجريًا"، وذكر أنه نسب إلى تمر هجر، قريةٍ من قرى حضرموت. وذكر من مشايخه الشيخ عبد الخالق المزجاجي، والعلامة محمد حياة السندي تلميذِ الشيخ أبي الحسن السندي، مُحَشِّي الأمهات الست في الرسالة المسماة: "بالوجازه في الإجازة"، والشيخ العلامة عبد الكريم الهندي المكي، والشيخ العلامة أمر الله الهندي، وشيخ الطريقة كوشك الهندي النقشبندي، وشيخ الطريقة حسين البخاري الهندي، إلى غير ذلك من حفاظ الحرمين وغيرهما، وهم جمع جَمّ.
عفا اللهُ عن قومٍ عَفا الصبرُ عنهُمُ ... فلو رُمْتُ ذكرى غيرِهم خَرِسَ الفَمُ
стр. 487
٥٢٠ - السيد أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل .
كان من العلماء الراسخين، والعباد الزاهدين، له اليد الطولى في علم التفسير، والحديث، والفقه، والأصلين، وغيرها، له صبر على طول مجلس التدريس، ولا يترك في جلسته استقبال القبلة، وكان لمنطقه حلاوة، وعلى عبارته طلاوة، وكان يطوف في أيام مجاورة مكة في أثناء الليل والمطافُ خالٍ عن كثرة الطائفين، فلما قَبَّلَ الحجرَ الأسودَ، لصقَتْ شفتُه به، ولم يقدر على فكاكها، وبقي مستسلمًا لذلك، حتى جاء طائف مرادُه تقبيلُ الحجر، ففكَّه. ومن مشايخه السيد العلامة يحيى بن عمر، قرأ عليه التفاسير الكبار، ومن كتب الحديث الشيء الواسعَ جدًا، وكان السيد يحيى من الدعاة إلى الترغيب في الإقبال على التفسير والحديث، وتفهُّم معاني الكتاب والسنة، والتفقُّه في ذلك، والعمل بما صح به الدليل، حتى إن بعض الفروعيين بسبب هذا الشأن كان يقول فيه: خرج عن المذهب، والسيد يبلغه ذلك، ولا يصغي لقول قائل، ولا يرعوي لعذل عاذل، ولسان حاله ينشد:
إذا اختارَ جُلُّ الناسِ في الدينِ مذهبًا ... وصَيَّرَه رأيًا وحَقَّقَهُ فِعْلا
فإني أرى علمَ الحديثِ وفعلَه ... أحقَّ اتباعًا بل أسدَّهم سُبْلا
ورأيَهم أَوْلى وأعلى لكونِهم ... يَؤُمُّون ما قالَ الرسولُ وما أملى
ولقد أذكرني هذا قولَ بعضهم:
إن شئتَ أَنْ تسعدَ بينَ الورَى ... وَلا تَرَى هَمًّا ولامَتْعَبَهْ
فعاشرِ الناسَ على حالِهم ... واتركْ لكلًّ منهمُ مَذْهَبَهْ
وله مشايخ جمة، قال أبو علي الثقفي: لو أن رجلًا فهمَ العلوم كلَّها بالمطالعة، لا يبلغ مبلغَ الرجال إلا بالتعليم والتأدب من شيخ ناصح راسخ:
أَمُدَّعيًا علمًا وليسَ بقارىءٍ ... كتابًا على شيخٍ بهِ يَسْهُلُ الحَزْنُ
أتزعمُ أن الذهنَ يوضحُ مُشْكِلًا ... بِلا مخبرٍ، تاللهِ قَدْ كذبَ الذهنُ
وإنَّ ابتغاءَ العلمِ دونَ معلِّمٍ ... كموقدِ مصباحٍ وليسَ له دُهْنُ
стр. 488
ومن لم يلزم التعلُّمَ والآداب، عُدَّ من جملة الدواب، وما أحسنَ ما أنشدَ بعضهم - رح -:
دلالةُ سعدِ المرءِ تسليمُ نفسِه ... إلى عارفٍ باللهِ يشرحُ صدرَهُ
يُؤَيِّدُهُ بالحِفْظِ في سيرِهِ إلى ... منازلِ سُعْدَى حيثُ يمنح سرَّهُ
٥٢١ - الشيخُ، العلامةُ، المحدثُ، عبدُ الله بنُ سالم البصريُّ، المكيُّ .
قارىء "صحيح البخاري" في جوف الكعبة المشرفة، له شرح عليه عزَّ أن يُلْفى في الشروح مثلُه، لكن ضاق الوقت عن إكماله، سماه: "ضياء الساري"، وهذا الاسم كاد أن يكون من قبيل المعمى؛ فإنه موافق لعام الشروع في تأليفه، ومن مناقبه: تصحيحُه للكتب الستة، حتى صارت نسخته يُرجَع إليها من جميع الأقطار، ومن أعظمها "صحيح البخاري"، أخذ في تصحيحه نحوًا من عشرين سنة، وجمع "مسند الإمام أحمد" بعد تفرق أيدي سبا، وصححه، وصارت نسخته أمًا، وأخذ عن جملة من المشايخ الكرام؛ كالحافظ محمد البابلي، والشيخ عيسى المغربي، والشيخ أحمد البناء، وغيرهم، وأخذ في طريقة التصوف على جماعة، منهم: العلامة عبد الرحمن المحجوب، ذكر له السيد العلامة غلام علي آزاد البلجرامي ترجمة حسنة في كتابه "تسلية الفؤاد".
٥٢٢ - السيد أبو بكر بن يحيى بنِ عمرَ الأهدل .
العلمُ العلامة، والسند الفهامة، فريدُ عصره، ونادرةُ دهره، سراجُ الإسلام.
يا ليتَ شِعريَ ما يُعَبِّرُ ناطِقٌ ... عن فَضْلِهِ العالي وعظمِ المَنْصِبِ
أو ليسَ ذاكَ الماجدَ العَلَمَ الذي ... سَفَرَتْ محاسِنُه ولم تَتَجَلْبَبِ
أخذ العلوم النقلية والعقلية عن مشايخ عصره، وحفاظ وقته، منهم: السيد العلامة أحمد بن محمد شريف - رحمه الله تعالى - حتى بلغ من الكمال غايته، ومن الفضل نهايته، ومنهم: الشيخ الفهامة عبد الخالق المزجاجي، قرأ عليه "الصحيحين"، و"شرح النخبة" للحافظ مؤلفها، وجميع "بهجة العامري"، ومنهم: مفتي زبيد الفقيه سعيد بن عبد الله الكبودي.
стр. 489
وأما مقروءاته من تفسير وحديث، وفقه وتصوف، وآلات ذلك، فشيء واسع جدًا.
قال السيد عبد الرحمن في "النفس اليماني": قرأت عليه عدة مقروءات، منها: "صحيح مسلم" مع شرح النووي، و"رسالة القشيري" مع شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وتصدَّرَ لإملاء "صحيح البخاري" المعتاد، أملاه في الشهر الأصم الأصب شهرِ الله رَجَب، ويجتمع مع إملائه عدة من العلماء الأعيان، وتقع مذاكرات مفيدة، ومباحث عديدة.
وكان ﵀ على جانب عظيم من لين الجانب، ورحب الصدر، واتباع السنة، وكمال التواضع، وبشاشة الوجه، وغير ذلك.
وما أكسبَ المحامدَ طالبوها ... بمثلِ البِشْرِ والوجهِ الطليقِ
وبالجملة: فمناقبه ومزاياه كثيرة، ومحاسنه وفضائله غزيرة:
سارتْ بأوصافِهِ الركبانُ فاتفقتْ ... على معاليه أسماعٌ وأبصارُ
أثنى على فضلِه حُسَّادُه، وكَفَى ... أن الحسودَ لهُ بالفضلِ إقرارُ
وكان في حفظ كتاب الله عن ظهر قلب آية باهرة، قلَّ أن يرتج في قراءته، مع ما منحه الله من الصوت الحسن، إذا سمعه المارُّ في طريقه، وقف.
قراءةٌ تطربُ الأسماعَ نغمتُها ... وتنقلُ النفس من حالٍ إلى حالِ
ولا غرو في حصول مثل ذلك، لا سيما إذا اقترن بالصوت الحسن، والنبي ﷺ يقول - كما في "صحيح البخاري" -: "ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآن"، أذن: أي: استمع، وعند أحمد وغيره: "اللهُ أشدُّ أَذَنًا إلى الرجلِ الحسنِ الصوتِ من صاحبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِه"، وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبةَ بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن، وغنوا به"، قال الحافظ في "الفتح": كذا وقع، والمشهورُ عندَ غيره في هذا: "وتَغَنَّوا عنه"، والمعروفُ في كلام العرب: أن التغني: الترجيعُ بالصوت، وأطال الحافظ الكلام في ذلك إلى أن قال: والذي يتحصل من الأدلة: أن حسن الصوت بالقرآن
стр. 490
مطلوب، فإن لم يكن حسنًا، فليحسِّنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه: أن يراعي فيه قوانين النغم؛ فإن حسن الصوت يزداد بذلك حسنًا، فإن خرج عنها، أثر ذلك في حسنه، وغيَّر الحسن ربما إن خير بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها، لم يعدل تحسين الصوت لقبح الأداء، فلعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام، لأن الغالب على من راعى الأنغام أَلاَّ يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيها معًا، فلا شك أنه أرجحُ من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، وتجنب الممنوع من تحريم الأداء، انتهى كلام الحافظ.
وأقول: قال تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، والترتيل: أن يقرأ القرآن مفصلًا مشرحًا، لا يلتبس بعض حروفه وكلماته ببعضها، المراد بالتغني: الجهر بقراءته دون رعاية قوانين الأنغام، وتمزيق الحلوق، وتعويج أعضاء الوجوه بمخاريج الأداء، وما أحدثه القراء من التكلف في ذلك، والمبالغة في التجويد، وقرروا من القواعد، وجعلوها علمًا مستقلًا، فليس في نظر الإنصاف في شيء، ولم يكن عليه هدي النبي، ولا سيرةُ السلف الصالح؛ كما يعرف ذلك من يعرف أحوال الصدر الأول، والله أعلم.
٥٢٣ - السيد العلامة، ذو المحاسن الفائقة، يوسف بن حسين البطاح .
ثمال اليتامى والمساكين، لم يزل ... أبًا لهم يَحْنو عليهمْ، ويرأفُ
وهِمَّتُه استنباطُ حكمٍ دليله ... شواهد نقلٍ أو قياسٌ مؤلَّفُ
أخذ عن السيد العلامة أحمد بن محمد شريف في علم التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك، ومما قرأه عليه "أذكار النووي"، و"رياض الصالحين"، قال صاحب "النفس اليماني": قرأت عليه عدة مقروءات، وأطلعني - جزاه الله تعالى - على عدة فوائد.
في كلِّ يومٍ يريكَ فائدةً ... أحسن منها بما يُفيدُ غَدا
ومَنْ تكنْ هذه خلائقه ... فأنتَ منهُ في نعمةٍ أَبَدا
وكان ﵀ كثيرَ المباحثة والمراجعة، وقعت بينه وبين فقهاء عصره
стр. 491
عدة مراجعات وتأليفات من الجانبين، ولله در القائل:
إذا التصقَتْ بالبحثِ في العلمِ رُكْبَتي ... ورُكْبَةُ نِحْريرٍ على العِلْمِ دَأَّابِ
وساعَدَني التوفيقُ فيما أرومُه ... وعاينتُ باليمنى نواظرَ أحبابي
فقلْ لملوكِ الأرضِ يَلْهوا ويَلْعبوا ... فذلك لَهْوي ما حَييتُ وملعابي
وله إجازة حسنة من السيد العلامة سليمانَ بنِ يحيى، قال فيها - وقد ذكر الإمام الطيبي في قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفع": هو الذي لا ينتفع به صاحبه، فلا يُذهب الأخلاقَ الرذيلة الباطنة، ولا يحصل له منه تخلق بالأخلاق الحسنة، وأنشدوا في هذا المعنى:
يا مَنْ تباعدَ عن معالي خلقِهِ ... ليسَ التفاخُرُ بالعلومِ الزاخِرَه
مَنْ لم يهذبْ علمُه أخلاقَه ... لم ينتفعْ من علمِهِ في الآخِرَه
وبالجملة: كان المترجَم له صاحبَ علم وفضل، سُنِّيًا أثريًا متبعًا للدليل - رحمة الله تعالى عليه -.
٥٢٤ - العَلم العَلاَّمةُ، صدرُ الأماثل، وبهجةُ المحافل، عثمانُ بنُ عليًّ الجبيليُّ - رح -.
إمامُ علومٍ جَمَّةٍ وفَضائلٍ ... ومتقنُ أحكامِ الفرائضِ والسُّنَنْ
نشأ هو والسيد سليمانُ بن يحيى في التفرغ لطلب تحقيق العلوم، وإحراز منطوقها والمفهوم، وَجدَّا حتى وجَدَا، وَلَجَّا حتى ولجَا، ومن تعنَّى، نالَ ما تمنى:
تمنيتَ أن تُمسي فقيهًا مناظِرًا ... بغيرِ عناءٍ، والجنونُ فنونُ
ومن مشايخه السيدُ أحمدُ بنُ محمد مقبول الأهدل، والشيخُ عبد الخالق المزجاجيُّ، واستجاز له السيد سليمان من مشايخه الذين أجازوه في الحرمين وغيرهما، وتصدَّرَ للتدريس في سائر الفنون، وانتفع به الطلبة كثيرًا. وكانت أوقاته محفوظة، لا يراه أحدٌ إلا تاليًا لكتاب الله، أو مدرِّسًا لعلم الحديث الشريف، أو مشغولًا بطاعة.
стр. 492
وكان بينه وبين السيد سليمان صداقةٌ أكيدة، قلَّ أن يمضيَ يوم أو ليلة لا يجتمعان فيهما، وإذا اجتمعا، لم تسمع إلا نخبَ اللطائف:
همْ أناسٌ حديثُهم ... يُعْجِبُ الكُتْبَ والسِّيَرْ
وإذا ما تَفاوَضوا ... فهمُ الزهرُ والزهَرْ
وكثيرًا ما يكون اجتماعُهما عقبَ صلاة العصر، ويحضر في ذلك المجلس الأفاضل، وتجري مذاكرات شريفة، ومباحث، وكان - رحمه الله تعالى - ذا ملكة على حل المشكلات لطيفة:
وللهِ قومٌ كَلَّما كانَ مشهدٌ ... رأيتَ شُخوصًا كلّها مُلئت فَهْما
إذا اجتمعوا جاؤوا بكلِّ غريبةٍ ... ويزدادُ بعضُ القومِ من بعضِهم عِلْما
٥٢٥ - عبد الرحمن بن محمد المشرع .
كان صدرَ العلماء الأعلام، والرؤساء الكرام الفخام، ذو الفضل المحقق، والكرم المطلق، وجيه الإسلام ﵀، وأعاد إلينا من بركاته:
كريمٌ لهُ من نفسِه بعضُ نفسِهِ ... وسائرُهُ للمجدِ والشكرِ والفضلِ
أخذ عن أحمدَ بنِ محمد شريف، وأجازه، وأخذ عن مشايخ ذلك الوقت في علوم عديدة، توفي سنة ١٢٩٠ بقريته ومسقط رأسه، وبين أناسه، بعد أن توعك أشهرًا عديدة بالإسهال، فحصل لموته الحزنُ العظيم، وأسف عليه كافةُ الناس من الخاصة والعامة، وعمت المصيبة، شعر:
والسعيدُ السعيدُ مَنْ صحبَ الناسَ ... وولَّى والذكرُ فيهِ حميدُ
ذكر له العلامة محمد بن عبد اللطيف المشرع ترجمة، وقال: هذه ترجمته على وجه الإجمال والاختصار، ولو بسط الكلام، لدخل في أسفار، قال: وكان آخذًا بأطراف صالحة من فنون كثيرة؛ من حديث، ورقائق، وفقه، وله الاطلاعات الوافرة على كتب العلوم على تنوعها، والحفظ البارع، ولما قدر الله وصوله إلى الحرمين الشريفين، أخذ عن جماعة من علمائمها، منهم: الشيخ
стр. 493
أحمد الأشبولي، والشيخ عطاء الله المصري، وذلك في سنة ١١٨٤.
وكان يلقب بأبي السرور، وغلب عليه الحديثُ والعملُ به، وله ديوان شعر، وكانت كتبه في الشفاعات وقضاء حوائج الناس لا تُرَدُّ، وله في ذلك رسائلُ مشتملة على آيات قرآنية، وأدلة حديثية، توفي - رح - سنة ١١٩٠، ومناقبُه لا تدخل تحت دائرة الحصر، وكان بينه وبين السيد سليمان بن يحيى أُخوةٌ إيمانية، ومحبة أكيدة صادقة. شعر:
محبةٌ ما عرفت الدهر سلوتها ... تجري مع الروح أو تجري مع النَّفَسِ
وما لها آخرٌ لكنَّ أولَها ... تعارفٌ صادقٌ في حضرةِ القُدُسِ
أَشْهى إلى النفسِ من أَمْنٍ على وَجَلٍ ... أَوْ من مَجال الكَرى في الأَعْيُنِ النُّعُسِ
من عالَمِ الذرِّ ناجاني البشيرُ بها ... أهلًا بمنشئِها طهرًا من الدَّنَسِ
روى يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الأرواحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تَناكَرَ منها اختلفَ"، ولله در القائل شعر:
وقلتُ أَخ! قالوا أَخٌ من قرابةٍ ... فقلتُ لهم إنَّ الشكولَ أقاربُ
نسيبي في رائي وعزمي وهمتي ... وإنْ فَرَّقَتْنا في الأصولِ المناسبُ
٥٢٦ - عَلاَّمة التحقيق، وفَهّامُة التدقيق، ذو التأليفات النافعة، والعلومِ المتكائرة الواسعة، وجيهُ الإسلام، عبدُ الخالق بنُ عليًّ، المزجاجيُّ - رحمه الله تعالى -.
نِيطَتْ تَمائِمُهُ عليهِ بمنزلٍ ... سامٍ بأهليهِ على الأبراجِ
أهلُ الشمائلِ والفضائلِ والعُلا ... سُرْجُ الهدايةِ هُمْ بَنو المِزْجاجِي
مناقبه مشهورة تغني عن الإطناب، وفضائله مأثورة لا تحتاج إلى الإسهاب، من جملة مشايخه السيدُ العلامة أحمدُ بنُ محمد مقبول الأهدل، سمع عليه بقراءة غيره جميعَ "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"كتب النووي الحديثية" و"بهجة المحافل"، و"الشفاء" للقاضي عياض.
стр. 494
وكان أثريًا على مذهب السلف، متبعًا للدليل، طارحًا للقال والقيل، ذكر في "النفس اليماني"، وأثنى عليه بمحاسن المباني.
٥٢٧ - القاضي العلامةُ عزُّ الإسلام، محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أحمدَ، الربعيُّ - رح -.
أَلْمَعِيٌّ يَرى بأولِ رأي ... آخرَ الأمرِ من وراءِ المغيبِ
لَوْذعِيٌّ له فؤادٌ ذَكِيٌّ ... ما لَه في ذكائه من ضَريبِ
لا يروي ولا يقلِّبُ كَفًّا ... وأَكُفُّ الرجالِ في تَقليبِ
كان من أعيان العلماء، والجهابذة النبلاء، له إجازة من العلامة عبد الخالق المزجاجي، قرأ عليه من الحديث كثيرًا، منها "سنن الترمذي" من أوله إلى آخره. ولازم السنة، وأخذ في الحديث عن أحمد قاطن، وله كتب ورسائل في علوم عديدة. وبالجملة: فهو حقيق بقول الشاعر:
لقدْ حَسُنَتْ بِكَ الأيامُ حَتَّى ... كأنَّكَ في فَمِ الدهرِ ابتسامُ
٥٢٨ - السيدُ الأوحد، والعَلَمُ الأَمْثل، إمامُ المحققين، ونخبةُ المدققين، سراجُ الإسلام، أبو بكر بنِ علي البطاح، الأهدل .
سيد ساد بفنون العلوم، وتدقيق منطوقها والمفهوم، وصار غرة زاهرة في جبين المعالي، وحسنةً من حسنات الأيام والليالي، وقع الاتفاق على كمال فضله بين أهل العرفان، وأنه ليس له في خاصيته التي هو يتميز بها ثان.
وَأَرى الخلقَ مُجْمِعينَ على فَضْـ ... ـلِكَ من كلِّ سَيِّدٍ ومَسودِ
عرفَ العارفونَ فضلَكَ بالـ .... ـعِلْمِ وقالَ الجُهَّالُ بالتقليدِ
جدَّ واجتهدَ في الترقي إلى اكتساب المعالي، وسهرَ في تحصيل مقصده الأسنى الليالي. أخذ العلومَ من عدة مشايخ، منهم: السيد سليمان الأهدل، وتميز بالكمال في الملكات الثلاث: ملكة الاستحصال، وملكة الحصول، وملكة الاستنباط، أخذ التفسير، والحديث، والفقه والتصوف، والآلات والأصول.
стр. 495
وكَمْ مُصْعَبٍ في النحوِ راضَ جِماحَهُ ... فعادَ فصارَ بسيطًا بعدَ ما كانَ قد أعيا
وكان آية في علم النحو والمنطق:
إن رُمْتَ إدراكَ العلومِ بسرعةٍ ... فعليكَ بالنَّحوِ القويمِ ومَنْطِقِ
هذا لميزانِ العقولِ مقوِّمٌ ... والنحوُ تقويمُ اللسانِ المنطقي
قال: العلمُ خزائن الله، ومفاتيحُها المسألة، فاسألوا - يرحمكم الله -؛ فإنه يؤجر في العلم ثلاثة: العالم، والمستمع، والآخذ. قرأ "الفصوص" لابن عربي على وجه التحقيق والتدقيق، مع إحضار الكتب المبسوطة في هذا العلم؛ من شروح هذا الكتاب وغيره، وتقرير المسألة بما يؤيدها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ذكر له في "النفس اليماني" ترجمة نفيسة، وأنشد:
فلو أنني أقسمتُ ما كنتُ كاذبًا ... بأنْ لم يرَ الرَّاؤون حبرًا يُعادِلُهْ
إذا قلتُ شارَفْنا أواخرَ عِلْمِهِ ... تفجَّرَ حتى قلتُ هذا أوائِلُهْ
قال: ولقد عتب بعض تلامذة شيخنا الوالد عليه في تخصيصه بقراءة "الفصوص"، فقال: إنما خصصته؛ لكمال استعداده لفهم هذا العلم، وغيرُه ليس بصفته، فقال ذلك التلميذ، وكان من الأذكياء: لابد من حضوري؟ فقال الوالد: لا بأس، فحضر، فلم يعلق بفكره شيء من تلك التقريرات، فبان له وجهُ العذر، واعتذر فيما وقع منه، وأنشد:
كم من كلام قد تضمن حكمة ... نال الكساد بسوق من لا يفهم
ولله در القائل:
أيا صاحبي ما ترى نارهم ... فقال تريني ما لا أرى
سقاك الغرام ولم يسقني ... فأبصرت ما لم أكن مبصرا
قال الشيخ محي الدين في "الفتوحات" في الباب الثامن والثمانين وأربعمائة، من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام أوليائه: فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض من دخولها عليه ويفرح بزوالها عنه، وأما مع ميله إلى الدنيا فلا سبيل إلى فهم الغوامض أبدًا،